shaker faredhasan2"رواد التنوير في فلسطين" هو عنوان دراسة للكاتب والباحث الفلسطيني سعيد مضيه من اصدارات دار الثقافة الفلسطينية العام ٢٠١٦، وكانت صدرت بطبعتها الاولى عام ٢٠٠٨ عن مؤسسة الانتشار العربي، وهي صورة بانورامية للمقاومة الثقافية والفكرية والتربوية والدينية في فلسطين التاريخية، وتتحدث عن تسعة منورين فلسطينيين ساهموا في بلورة وتطوير الثقافة التنويرية على مشارف القرن العشرين، وارساء ثقافة وطنية مقاومة مناهضة للاستيطان والانتداب والاحتلال الصهيوني .

يعد الأستاذ سعيد مضيه صاحب الكتاب، أحد أهم الاصوات الثقافية والفكرية والاجتماعية التنويرية البارزة والمهمة في ميدان التورخة والعمل الثقافي والميداني الفلسطيني . فهو كاتب وباحث ومفكر مبدع ومؤرخ قدير، من مواليد بلدة حلحول قضاء الخليل العام ١٩٣٤، عمل في التدريس، وفصل من وظيفته، ولوحق من قبل النظام الاردني ثم من سلطات الاحتلال الاسرائيلي، وسجن مرتين في المعتقلات الاسرائيلية، وفي العام ١٩٧٨أبعد عن الوطن وعاد اليه في ١٩٩٤.

انضم مضيه للحزب الشيوعي الاردني وشارك في نضالاته الاجتماعية والسياسية والطبقية، وعمل في رابطة الكتاب الاردنيين كأمين سر ونائباً للرئيس، وهو حتى الآن قابض ومتمسك بفكره الايديولوجي والعقيدة الشيوعية، ومنخرط في الفعاليات والنشاطات الكفاحية ضد الاحتلال .

صدر له عدداً من المنجزات والكتب البحثية، وهي : " الثقافة الفلسطينية والممارسات الصهيونية، الاجتماعي والبيولوجي في الابداع الفني، ثقافتنا ومهمات المرحلة، الثقافة العربية في فلسطين، جدل الثقافة الديمقراطية، رمال في العيون " .

وله عشرات المقالات والدراسات والمداخلات السياسية والفكرية والتاريخية المنشورة في المواقع الالكترونية المختلفة .

يقع كتاب "رواد التنوير في فلسطين" لسعيد مضيه في i٢٩٣صفحة من الحجم المتوسط، ويهديه الى " مدينة القدس، مدينة النور والتنور، وستعود قريباً مدينة السلام "، ويستهله بالتأكيد على أن " ثقافة التنوير الحديثة ولدت في حضن المقاومة، وبداخلها تعمدت وصلب عودها "، ويجيب عن السؤال : ما هو التنوير بقوله: " التنوير حركة روحية ميزت مرحلة من النهوض العربي، استهلت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتواصلت حتى الحرب العالمية الاولى، أو بعد ذلك بسنوات، حين اخضعت الأقطار العربية لحكم الانتدابات بعد صدور وعد بلفور وافتضاح مؤامرة سايكس بيكو، فإدرك المثقفون المنورون ومن تابعوهم واقع الكولونيالية الامبريالية، وانتقلت برسالة التنوير الى ترشيد حركة نهوض شعبي للتحرر القومي " .

ويوضح مضيه أن المنورين اعتمدوا على نشر وبث رسالتهم التنويرية بالحث على انشاء المدارس واصدار الصحف والمجلات والمطبوعات والكتب الأدبية والثقافية والفكرية والاهتمام بالفنون الأدبية بمختلف الوانها وأجناسها .

ويتطرق سعيد مضية في كتابه الى الثقافة الوطنية الفلسطينية، ويشير الى كيف اتخذت الكنيسة الارثوذكسية موقفاً معادياً من المثقفين الارثوذكس، ويتوقف ايضاً عند بدايات ظهور ونشوء الحركة المسرحية في فلسطين .

ويفرد مضيه صفحات طويلة من كتابه ليقدم نبذاً عن سير الرواد التنويريين الفلسطينيين التسعة، الذين ساهموا وسعوا الى تطوير وتأصيل الفكر التنويري في ربوع فلسطين، فيتناول باسهاب حياتهم وأعمالهم ومؤلفاتهم ونشاطهم الثقافي المميز، ويتحدث بداية عن الباحث والناقد محمد روحي الخالدي، صاحب العديد من المؤلفات في مجالات التاريخ والعلوم والآداب، ثم بندلي الجوزي الذي كان اهتمامه منصباً على على التاريخ والعلوم والآداب والأبحاث، واشتهر بكتابه " تاريخ الحركات الفكرية في الاسلام "، ويعرج على المفكر والمربي الفذ خليل السكاكيني، الذي عشنا معه لحظات مع أرفع آيات الحزن على زوجته " سلطانة " وحزنه بفقد ابنه " سري "، والأديب البارع الذي ربط الأدب بالحياة، واهتم بدور المثقف في الحركة الوطنية، ودمج الكنيسة بالقضية الوطنية .

ثم يغوص في عالم نجيب نصار، صاحب صحيفة " الكرمل " التي ظلت طوال صدورها لسان حال الجماهير العربية والمعبر عن طموحاتها، ويلج دنيا خليل بيدس، احد اعلام السرد القصصي، وصاحب أول رواية فلسطينية هي " الوارث "، ومؤسس مجلة " النفائس العصرية " التي احتضنت الاقلام الجادة وكتابات المبدعين والمثقفين الفلسطينيين والعرب، ثم يتناول نجيب عازوري الذي لفت الانظار بوعيه المبكر، ودمج القضية القلسطينية بالقضايا العربية، وألف في هذا المضمار كتاب " يقظة الأمة العربية "، ويأتي بعد ذلك الى حياة الباحث التراثي توفيق كنعان، رائد البحث الفولكلوري الفلسطيني مبرزاً القيمة الوطنية لابحاثه في التراث، ويركز على مكانة محمد اسعاف النشاشيبي الأدبية والثقافية، الذي درج منذ صغره على حضور حلقات العلم والفكر التي كان والده يستضيفها في بيته، وكان يحضرها ويشترك فيها كبار العلماء، وتشهد مؤلفاته على أنه كان ذا ثقافة لغوية وأدبية وفلسفية وتاريخية عميقة، ولم يكن يفلت من بين يديه كناب في العربية الا وقرأه وحفظ منه وروى عنه، ولعل كتابه " نقل الأديب " شاهداً على عمق ثقافته وتبحره الواسع في حنايا كتب التراث الخصبة .

وفي النهاية يستعرض مسيرة الاديبة كلثوم عودة الحياتية والثقافية التي حفلت بالنشاط الثقافي، والتي تركت وراءها أعمالاً متنوعة في شكلها ومضمونها .

ان دراسة سعيد مضيه "رواد التنوير في فلسطين" تمثل انجازاً ومشروعاً بحثياً رصيناً ومهماً، ويشكل بادرة ايجابية لدراسة الحركة الثقافية والفكرية الفلسطينية، وهو يحصر بحثه في الفترة الممتدة من القرن التاسع عشر حتى مشارف القرن العشرين، ويعتمد خ نهج السيرة الثقافية والفكرية لأهم الاعلام والشخصيات الثقافية التنويرية الفلسطينية لكل واحد منها على حدة، وهي نماذج دالة على المقاومة الفكرية والعلمية والروحية لهؤلاء الرواد المثقفين الذين خاضوا التجارب الأدبية والثقافية وحققوا حضوراً وهاجاً في الثقافة التنورية المضيئة، واسهموا في رفد الفكر الفلسطيني بكتاباتهم في شتى أنواع الكتابة، وشاركوا في نشر وترسيخ ثقافة النور والضياء العقلانية .

وفي الختام، كتاب "رواد التنوير في فلسطين" غني بالمعلومات، ودراسة معمقة تستحق القراءة الواعية، فتحية للمؤلف الراقي الاستاذ الباحث الفلسطيني القدير سعيد مضيه، مع التمنيات له المزيد من الصحة والعافية والعمر المديد ليظل يثري مكتبتنا الفلسطينية باصداراته الجادة ودراساته الهادفة وابحاثه المفيدة، ودمت معطاء ومتميزاً .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

adnanhusan ahmadعلى الرغم من أهمية كتاب "العرب وصقليّة: ملامح الفن والثقافة" الصادر عن دائرة الثقافة بالشارقة للفنان والناقد التشكيلي موسى الخميسي إلاّ أنه يعاني من بعض الإشكالات المنهجية في التأليف مثل التوطئة، والهدف من البحث، والنتائج المستخلصة من الدراسة. ويبدو أن الخميسي قد اكتفى بالمقدمة الشيّقة التي كتبها الفنان منير العبيدي من دون أن يردفها بمقدمة المؤلف التي تكشف للقارئ عن ثلاثة معطيات أساسية لا غنى عنها وهي:  الهدف من كتابة هذا البحث، والطرق التي اتبّعها في مقارباته البحثية، والنتائج المُستخلصة التي توصّل إليها المؤلف في نهاية بحثه الذي عزّزه بعشرات المصادر والمراجع والإحالات المهمة التي أغنت متن البحث على الصعيدين الثقافي والفني على وجه التحديد.

كما تجدر الإشارة إلى أن توطئة الكاتب قد جاءت في نهاية الفصل الأول من البحث متداخلةً مع مادته التي تتحدّث على تاريخ صقلية خلافًا للتقليد المتبّع في أن يتصدر هذا المُوجز المكثّف فصول الكتاب برمتها لأنه يعطي فكرة عامة عن كل فصل على انفراد، كما يزوِّد القارئ برؤية الباحث لثيماته الرئيسة والفرعية التي يعالجها على مدار الفصول الستة التي تتقصى وجود العرب في صقليّة منذ عام 827 حتى عام 1091م، وتتلمّس بعمق أشدّ ملامح الفن والثقافة على مدى 264 سنة كمرحلة أولى، وما تلاها من قرون لاحقة لم تغب فيها شواهد ومؤثرات الثقافة العربية والإسلامية وفنونها المتعددة التي ظل بعضها شاخصًا حتى الوقت الراهن.

أطلقَ العرب على جزيرة صقليّة اسم "المثلث الذهبي" واتخذوا من مدينة باليرمو عاصمة لهم بدلاً من سرقوسه. زار الجزيرة الرحّالة والجغرافي المشرقي ابن حوقل، ووصف أسواقها، وحاراتها، ومساجدها التي جاوزت الثلثمائة مسجدًا. إنّ ما يهمنا في هذا الفصل هو "العنصر الصقلي" كما نراه اليوم "هو عبارة عن مزيج من شعوب الشرق بين يونانيين وكنعانيين وعرب وبربر ولا تينيين وجرمانيين حيث يبلغ عدد سكّان الجزيرة أكثر من ستة ملايين نسمة يتكلمون نوعًا من اللغة الطليانية المحرّفة التي تحمل أكثر من 1500 كلمة عربية"(ص25). ومثلما تمازجت الأعراق والشعوب ببعضها بعضًا تلاقحت الحضارات القديمة الأغريقية والرومانية والبيزنطية التي استوعبها العرب لينجزوا في خاتمة المطاف "فنًا مهجنًا" ظل قائمًا حتى القرن الثامن عشر. لم يقتصر تأثير الفن العربي والإسلامي على صقليّة وبعض المدن الإيطالية مثل فلورنسا والبندقية وإنما امتدّ إلى فرنسا وإنكَلترا، لكن حُكْم العرب لم يدم إذ انتزع النورمان السيادة منهم وعاملوهم معاملة حسنة لم تستمر طويلاً إثر النزوح اللومباردي من الشمال الإيطالي حيث أرتكبت بحقهم المجازر الأمر الذي أجبر بعضهم على الهجرة لكن البعض الآخر ظل متشبثًا بهذه الجزيرة. تُرى، ماذا حلّ بهؤلاء المسلمين؟ هل ضيعوا فجأة ملامح شخصيتهم العربية والإسلامية وذابو في المجتمع الجديد؟ أم دافعوا عن وجودهم في بلدٍ باتت تُحاصرهم فيه مختلف أشكال العنف والنبذ والكراهية؟

يتتبع الباحث في الفصل الثاني الفنون التشكيلية العربية في صقلية التي تعرضت للمسخ والتدمير على أيدي الرهبان الكبار الذين جاؤوا مع روجر الأول ولم يبقَ منها إلاّ النزر القليل على جدران بعض الكاتدرائيات، وبقايا القصور، والقلاع، والمتاحف المحلية. وبما أنّ الخميسي هو فنان وناقد تشكيلي قبل كل شيء فليس غريبًا أن يقارن بين ما يرسمه الفنان الصقلي بالفنان البغدادي في العراق أو الفاطمي في مصر، فقد ابتعد الفنان البغدادي عن التطابق مع الطبيعة مهملاً مراعاة النسب التشريحية الأمر الذي أفضى إلى لوحة مسطّحة لا عمق لها بعكس الفنان الصقلي الذي كان يراعي النسب المتوازنة ماعدا القدمين حيث يرسمهما صغيريتن قياسًا ببقية أعضاء الجسد. الالتقاطة النقدية الأخرى التي يقدّمها الخميسي في هذا الصددهي أن الفنان الصقلي، المتأثر بالمدرسة البيزنطية، مُولع بتجسيد الانفعالات النفسية عاكسًا حالات الفرح أو الحزن، والغضب أو الاسترخاء على وجوه الشخصيات المرسومة خلافًا للفنان البغدادي أو الفاطمي اللذين يرسمان وجوهًا جامدة تكاد تخلو من الانفعالات والمشاعر الداخلية.

يرجّح الخميسي أن تكون الأعمال الفنية الفسيفسائية في قصر باليرمو من إنجاز فنانين عراقيين معتمدًا في ذلك على خلفيات اللون الواحد الذي كان سائدًا في مدينة الموصل آنذاك. امتدّ تأثير الفن العربي والإسلامي حتى إلى رداء  الملك الذي زيّنته عبارات مكتوبة بالخط الكوفي الصقلي مقل "أبقاه الله" و "جعل الله أيامكَ ولياليكَ مباهجَ متصلة"(ص95).

ينوّه الخميسي في هذا الفصل وفي مواضع أخرى من الكتاب بأن التأثير العربي في الجزيرة ليس إسلاميًا فقط وإنما هناك هناك فنانون ومعماريون وشعراء من ديانات أخر مثل المسيحية واليهودية والصابئة المندائية لديهم مساهمات جديّة لا تقل أهمية عن أقرانهم المسلمين وينبغي ألا يُغمط حقهم في الأبحاث والدراسات الأدبية والفنية والتاريخية.

يتناول الخميسي في الفصلين الثالث والرابع شعراء صقلية العرب الذين دبّجوا أشعارهم بحبر المدرسة العباسية، واستلهموا روحها حتى صارت الجزيرة قِبلة للمثقفين العرب بكل أديانهم وطوائفم، فقد هاجر عدد غير قليل من علماء اللغة والفقه إلى صقلية أمثال النحوي والشاعر القرطبي موسى ابن أصبغ، والعالم اللغوي سعيد بن فتحون، والحسن بن رشيق القيرواني وغيرهم الكثير.

ثمة أفكار جديرة بالمناقشة في هذا الفصل من بينها شيوع الأراجيز أو القصائد الروائية التي تتمحور على المعارك، وغزو المدن، والفتوحات الإسلامية. كما يرصد أوجه التشابه بين قصائد عمر بن الفارض وأشعار بترارك رغم أن نزعة الأول صوفية بينما كانت مضامين بترارك دنيوية بحتة. كان الشعراء العرب في صقلية حداثيين متتبعين خطى المجدد أبي نواس ومستلهمين روح العصر حتى أن المستشرق الإيطالي غابرييلي قال عنهم:"إن شعراء صقلية العرب نَحوا منحى الشعراء العباسيين وترسموا خطاهم"(ص146). ذلك لأن أشعارهم رجّحت المخيّلة على العقل، والطبع على الصنعة.

أورد الخميسي في الفصل الرابع نماذج شعرية لعشرين شاعرًا أبرزهم ابن حمديس الصقلي الملقب بشاعر الغربة والحنين، إضافة إلى شعراء آخرين لما تزل قصائدهم حيّة في ذاكرة محبّي الشعر العربي ومريديه.

يتمحور الفصل الخامس على سمات الفن العربي في صقلية الذي يتجلى في العمارة والزخارف والمخطوطات لكن الباحث يركِّز على العمارة بوصفها أبرز المعالم الإبداعية دون أن يقلل ذلك من أهمية الفنون الأخرى  مثل الرسوم الجدارية، والمنمنمات، والخزف، والسيراميك، والمخطوطات، وما إلى ذلك. وقد نبّه الباحث إلى تأثر بعض فناني عصر النهضة أمثال جيوتو وميساجو بالعديد من المظاهر المعمارية والزخرفية للفن العربي التي أدخلوها في سياق أعمالهم الفنية. كما توقف الباحث بعض القصور التي بنيت آنذاك مثل قصر القبّة، والمنصورية، والفوّارة.

يقتصر الفصل السادس والأخيرة على دراسة مفصلة لثلاثة معالم عربية وهي "إمارة باري"، ومدينة "لوتشيرة الإيطالية"، و "معبد مونرياله". ويبدو أنّ ما حلّ بالمورسيكيين في الأندلس قد وقع لأشقائهم في صقلية فثمة أوجه شبه كثيرة بين المدينتين اللتين كانتا بمثابة بوابتين تفضيان إلى القارة الأوروبية لكن ما حصل في صقلية أن فردريك الثاني قام باجتثاث 60 ألف عربي ووطّنهم بعيدًا عن أراضيهم وأن البابا إنوسانت الثالث قد أمر بتنصيرهم قسريًا الأمر الذي أفضى إلى ذوبانهم في المجتمع الصقلي.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

haseeb shahadaمفيد صيداوي، من عارة وعرعرة ريشتي. عرعرة: دار الأماني للطباعة والنشر والتوزيع م. ض. ط. ١، آذار ٢٠١٧، ١٣٣ ص.

الأستاذ والأديب مفيد إبراهيم قاسم صيداوي (١٩٥٠ـــ ) شخصية معروفة في المجالين التربوي-الثقافي والسياسي في البلاد. تعلّم المرحلتين الابتدائية والثانوية في عرعرة والطيـّبة والطيرة، ثم التحق بكلية منشه في الخضيرة لمدّة ثلاث سنوات، ثم حصل على شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها، وفي الإدارة والإرشاد التربوي من جامعة تل أبيب. برنامجه لمتابعة دراسته في إعداد أطروحة دكتوراة في ألمانيا، لم يخرج إلى حيّز التنفيذ. صيداوي هو المحرّر المسؤول ورئيس تحرير مجلة ”الإصلاح“ الشهرية، التي بدأت في الصدور في ٣١ آذار ١٩٧٠، وكان قد أسّس مجلة ”بواكير“ السنوية التي عاشت أربعة أعوام، وشارك في إقامة ”مسرح الشباب“ في بلده، وفي تأسيس ”اتّحاد الكرمل للأدباء الفلسطينيين“ في صيف عام ٢٠١٤، ومثّل المعلّمين العرب عن الجبهة في نقابة المعلّمين.

هذا الكتاب ذو الخمسة أبواب، وُلد بمناسبة إحالة الكاتب مفيد صيداوي للتقاعد، بعد قضاء ثمان وأربعين سنة في أداء رسالة التربية والتعليم، في مدارس وكليات متعدّدة، برطعة، عرعرة، شمال النقب، بيت بيرل، كفر قرع، أورنيم. يضمّ البابان الأوّلان، بلدي نثرًا وبلدي الكفاح، الفرح والحزن شعرا، أكثر من نصف صفحات الكتاب. في الباب الثالث ٦٣-٧٤ يدور الحديث حول المنتدى الثقافي في مدرسة عرعرة الثانوية وعيّنة من نشاطاته، والباب الرابع يحمل العنوان كتابات في معركة البقاء، في الدفاع عن عرعرة، عارة، بيوتها، معلميها ووحدتها الكفاحية، ٧٥-٩٦؛ والباب الخامس، في ذكراهم، بعض الكتابات عمن فقدناهم، ٩٧-١١٥. من مؤلّفات صيداوي أذكر هنا: شعراؤنا، الجزء الثالث - الصبّار- شعراء معاصرون من الجليل والمثلّث، ١٩٩٦ (صدر مؤخرًا: محمد علي سعيد، معجم الشعراء في فلسطين ٤٨، ١٩٤٨-٢٠١٦. الاتحاد العام للكتّاب العرب الفلسطينيين، ٤٨، ٤٥٢ ص.، من اللافت للانتباه أنّ هذا الإصدار لا يذكر ”الصبار“ للصيداوي!)؛ عبد الناصر والإخوان المسلمين، ١٩٨٨؛ بلدتي عرعرة، بمشاركة سهى مرعي (كتاب للطلاب)، ١٩٨٩؛ ثورة عبد الرحمن بن الأشعث، بحث تاريخي في عهد بني أمية، ١٩٩٦؛ كتابة على جدار الجامعة (مجموعة مقالات نشرت في صحيفة الاتحاد في السنوات ١٩٨٥-١٩٨٧)، ١٩٩٠؛  وفي مضمار الترجمة أذكر: أين بلوط لليئه غولدبيرغ وبسبوسة لحنه غولدبيرغ، ١٩٩٩.

بعض الملاحظات، استعمالات لغوية، سهو، وأخطاء لغوية

لفت انتباهي في قائمة الفهرس ص. ٧، مثلًا استخدام ”من صفحة 09 حتى 11“، ومن الأفضل كما هو مألوف كتابة: ٩-١١ إلخ.

والى الخريجين والذين حظيت بان اكرّمهم، خريجو الفوج، ٥

غياب همزة القطع في مواضع كثيرة

أما قبل ….، ٩

”في ذلك الحين“، حشو، ٩

… المعلّم في ذلك الحين كان يتمتّع بمركز اجتماعي، ”كان“ ساقطة في الأصل، ٩

حصلت على ستة حصص، ٩، ١١٧

أما المديرين فبعضهم علمني، ١٠

وهما التعليم بتفاني ووضعت ، ١١

دون ان يعرف ان لها تاريخ عريق وأنيق. ١٥

الداي أي القابلة، الموّلدة، ١٦

أصناف التين: الخضري، الخرطماني (غير معروف في لهجتي، كفرياسيف)، البياضي، ١٦

عجال البقر سرح منذ الصباح، ١٦

وبعدها نسمع ثغاء الماعز والنعاج تبدأ هي الأخرى بالثغاء، ١٧

من برقوق وعصا الراعي وأبو عباس الأصفر اللون (غير معروف في لهجتي، كفرياسيف)، ١٧

انا من الحارة الفيها النسوان رمز الشهامة، ٣١

ونلعب ع ملاعبها الغميضة والطممية (الطميمة غير معروفة في لهجتي، كفرياسيف)، ٣٢

فكلكم راع وكلكم مسؤول عنه رعيته، ٦٥

وكذلك دورة التاريخي والقيادي، ٦٧

واقع على اكثر من ”ظهرة“ أي تلة، ٨٢

تبلغ المسافة أحيانا 400 مترا، ٨٢

من أكثر والد واب وابن في هذا الحي! ٨٤

طبيعي الا نلتقي بجميع الإباء ولكن هذه الكلمات، ٨٤

ولكن امام إصرار الأهالي الحصول على حقوقهم، ٨٥

سواء أرادوا ذلك ام ابو. ٨٧

ففي تموز يستوي الكوز؛ ويا قريش ما عندك خبر ٨٨

لم يتجاوز 124 متر مربعا، ٨٨

التهديدات بالهدم اوكلنا محام للدفاع عنا، ٨٩

قصة 165 منزلا التي هدمت في عام 2009، ٩٠

قرر ان يقوم ولديه عبد الله وابراهيم بإعانته، ١٠٣

مستعد اقعد بخربوش بس تتعلموا، ١٠٤ (للفظة ”بسّ“ العامّيّة معانٍ عدّة: فقط؛ لمّا، يكفي، أمّا؛ وهنا وردت بمعنى: شرط أن، بشرط، شريطة أن).

يطفر … يتعصبن، ١٠٤

ولما كان الضرب أحد الوسائل التي مورست في مدارسنا، ١٠٦

شهادة البلوغ (البچروت)، ١٠٧

احبائي الفتيان الحلوين النغنوشين … البسامين، ١١٤

 

ب. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

 

1158 aliصدر مؤخرا عن مكتبة أشور بانيبال للكتاب المجموعة القصصية الأولى للكاتب والصحفي علي كاظم،، قصص من ذاكرة علي كاظم،، وتضمنت المجموعة التي تقع في 220 صفحة من الحجم المتوسط على 10 تدور أحداثها خلال فترة ثمانينات وتسعينيات القرن الماضي .

جاء في الإهداء

الى زوجتي الحبيبة ....

التي رافقتني في هذه الحياة بحلوها ومرها وتحملت الكثير لأجلي وما زالت تضحي بالغالي والنفيس لترى الفرح والسعادة على وجوه أولادي في بلسم لغربتنا وبُعدنا عن الوطن .

قدم المجموعة الأستاذ زيد الحلي جاء في جزء منها (حين قراتُ له أول قبل ثلاث سنوات توقعت للأستاذ علي كاظم مستقبلا جميلا شاسع المدى في عالم الكتابة، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا مكتوب بتدفق ومتعة وانسيابية ذات عبق وضوع نفاذ يأسر قارئه بصدق معلوماته، ان الكتابة عند علي كاظم تحولت من هواية مزروعة في وجدانه الى ضوء يصل مداه الى مئات المتابعين له وتلك لعمري خصلة جديدة في مسار الكتابات الوجدانية على صعيد الإبداع السهل الممتنع فأصبح القلم حياته وعصافير أعشاشها ونغمات تسري في عنفوانه وعنصر تسليته الوحيدة).

بحقيقة الآمر وأنا اقرأ المجموعة القصصية او الجزء الأول من ذاكرة علي كاظم استرجع ما مر به العراق من حروب وأحداث وحصار اقتصادي غيرت تاريخ العراق الحديث، لذا نجد الكاتب يجسد هذه الأحداث من خلال شخصيات أبطال قصصه المفعمة بالألم والحزن والفراق وكذلك الهجرة بعدما أصبحت الأوضاع الأمنية والسياسية لا تطاق، وهذا ما استند عليه في جميع ما كتبه من واقع عاشه أبطاله في صراع دائم من اجل الحياة والحب ولقمة العيش وكذلك الهروب الى ملاذ امن خارج الوطن .

ومن الجدير بالذكر ان الأستاذ علي كاظم من مواليد بغداد 1961

تخرج من كلية الشرطة عام 1986

تقلد منصب مدير الأحوال المدنية لدة 14 عام

لعب لشباب نادي الشرطة عام 1980

هاجر الى سوريا هام 2005 ومنها الى السويد والد نمارك

عمل في مجلة النور التي تصدر في السويد

يعمل حاليا كصحفي في جريدة الزمان

عضو نقابة الصحفيين العراقيين

عضو الاتحاد الدولي للصحافة الرياضية

 

علي الزاغيني

 

 

1157 nabilصدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة 29-10-2017 كتابي الموسوم (الريادة في مؤلفات عبد الرضا عوض). الكتاب من الحجم الوزيري يتضمن (290) صفحة.أثناء متابعتي لكتابات ومؤلفات المؤرخ عوض وخاصة الكتابات الريادية في مؤلفاته، لها قيمتها التاريخية والفكرية، وتفصح في الجملة عن السمات الرئيسة لشخصية كاتبها، وتعمق بعضاً من هذه السمات لتضيء جوانب متعددة من حياته وسيرته التوثيقية لتاريخ وتراث مدينة الحلة، التي يمكن من خلالها النفاذ إلى أعماقه، لرصد مواقفه إزاء الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي للمجتمع الحلي، كما تكشف كتاباته عن النزعة الإصلاحية المتجذرة في أفكاره.

التاريخ أرشيفاً وملفات وصفحات طواها الزمن، كما إنها صفحات تعرض على الشهود بعد حين لتكنّ عبرًة وتوطئة للآخرين، وما عرفناه أنَّ التاريخ يسجل كل كبيرة وصغيرة وكل شاردة وواردة، وهو عرض أرشيفي دقيق، ولكن ما نريد من كشفه للآخرين، إننا لا نكشف الكبوات ورصد الزلات والعثرات، وإنما نكشف تجارب الآخرين ودورهم في توثيق هذا التأريخ، كما إنَّ بعض الشخصيات الفكرية والثقافية لم تحظ بمثل هذا الاهتمام من قبل المؤسسات والمنتديات الثقافية، رغم كون أدوارها وتأثيراتها في مجال اختصاصها، ليس بأقل تأثيراً من سابقتها من الشخصيات، في مجريات أحداث ذلك التأريخ وتطوراته.

إنَّ تدوين أحداث ذلك التاريخ وتطوراته وتقديم مادته للباحث محفوظة بمؤلفات مهمة تكون منطلقاً صحيحاً لدراسة علمية في ميدان اختصاصهم، يقف في مقدمة أولئك المؤرخين والمدونيين والباحثين والمحققين والموسوعيين المعاصرين الدكتور عبد الرضا عوض الذي انصبَّت جهوده بشكل رئيس منذ ستينات القرن الماضي وباجتهاد ذاتي منهُ على تدوين مفردات تاريخ مدينته الحلة وتاريخ العراق إبان العهود السابقة واللاحقة، ومنها العهد العثماني والملكي والجمهوري الأول والثاني والثالث، وعهد ما بعد التغيير عام 2003م، أو عهد الاحتلال الأمريكي، وما رافقه من بؤس وانحلال سياسي واقتصادي واجتماعي، وتدمير للبنية التحتية ومؤسسات الدولة كافة، والتدمير المعنوي والوطني لشخصية الفرد العراقي مدوناً يومياته في سفر (كلٌ يبغي حاجاته).

كما أن الباحث والمحقق عوض عاصر وتابع أحداث العراق فأثمرت جهوده عن العديد من المؤلفات المهمة التي تبحث في التاريخ والأدب والاقتصاد والتحقيق وتراجم الرجال، والتي تجاوزت مؤلفاته (41) مؤلفاً، بين التأليف والتحقيق، خصوصاً كتابه المعروف (الحوزة العلمية في الحلة، نشأتها وانكماشها الأسباب والنتائج 562هـ - 951هـ) والتي نال من خلاله درجة الدكتوراه، فضلاً عن أنهُ علماً من أعلام نهضة العراق في عصرنا الحديث، ذاع اسمهُ وانتشر في الأوساط الثقافية العلميّة والمحافل التاريخية والبحثية داخل العراق وخارجه، تمثل كتاباته وأسلوبه الصحفي الشيق، والتي تضمنت معلومات مهمة ومفيدة للباحث والدارس وتنوعت في مجال الأدب والثقافة والتاريخ والاقتصاد والسيرة الذاتية.

تمثل كتاباته في عرض المعلومات التي جذبت العديد ممن رجعوا إليها لتوثيق بحوثهم ودراساتهم، وقد شهد لهُ الباحث أحمد الناجي عندما صدر مؤلفه الأول (أوراق حلية من الزمن الصعب في القرن العشرين) بعد عام 2003م فكانت مقولته المعروفة في الوسط الحلي قال : عبد الرضا عوض كمن القى الحجر في ماء راكد([1])، فكانت معلوماته دقيقة وفريد في كتابتها، وهو معروف في مؤلفاته بأنهُ لا يكتب في مجال كتب فيه الآخرين، وهناك الكثير من المؤلفات والمقالات للمؤرخ عوض، ولا ننسى دورة الريادي في إصدار مجلة أوراق فراتية التي دخلت في عامها السابع، فضلاً عن دوره في تحقيق المخطوطات، وهناك (17) مخطوطاً قيد الانجاز قد تصدر في فترات لاحقة تخص الجانب الأدبي والتاريخي ووقائع الأحداث لمدينة الحلة.

ما احتوته مؤلفات الدكتور عوض، لكل مؤلف قصة وحيثيات كما ذكر لنا ، ومحتويات ومعلومات مؤلفاته مهمة وصعبة الحصول عليها عند تدوينها من قبل المؤلف نفسه، كما واكبَتها عوامل وظروف ساعدت على تدوينها والدوافع الكامنة وراء ذلك.

ومن خلال مطالعتي لمؤلفات الدكتور عوض وسيرته الذاتية ومنهجه في التدوين التاريخي وجدت نفسي أن أسلط الضوء على سيرة هذه الشخصية المهمة ومؤلفاته ومنهجه في التدوين التاريخي، فقد وثقَّ عوض أحداث التاريخ كونه باحثاً ومؤرخاً ومحققاً، عرفت فيه الإستقامة والنزاهة والعفة والغيّرة والشفافية والوداعة والتسامح وطيبة القلب المتناهية.

وتعد كتاباته من الأعمال المهمة الجامعة بين المتعة والفائدة، ويستطيع الباحثون أن يجدوا فيها نبعاً غزيراً من المعلومات المختلفة التي لا يجدونها في المصادر الأخرى، ذلك لأن المؤرخ عوض يتميز بالصدق في التوثيق، والأمانة في إبداء الرأي والكشف عن خبايا التراث الحلي، والعمق في الأعمال المعدَّة للنشر، لما ينطوي عليه من المصارحة والمكاشفة، بريئة من تهاويل النفاق، مما يمكن اعتماد مؤلفاته مصدراً موثقاً من المصادر المهمة لتاريخ المدينة.

قسمت مادة هذا البحث إلى فصلين وخاتمة، مهدَّ الفصل الأول سيرته الذاتية منذ الولادة والنشأة وتحصيله العلمي والحالة الاجتماعية، ودوره في التصدي لتغيير النسب من الأسدي إلى العباسي، أما الفصل الثاني فهو بحث ودراسة وتحليل لمؤلفاته التي تجاوزت الـ(41) مؤلفاً، فضلاً عن مقالاته في الصحف والمجلات المحلية والعربية وعدد الطبعات لهذه المؤلفات وأسباب التأليف للكتاب وحيثياته، كما قمنا بنشر التقاريض الشعرية لشعراء اعلام والتي تصدرت كتاباته.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

1156 jadanعن دار أمل العودة صدر نص مسرحي جديد يحمل عنوان (بطولة مطلقة) للشاعر الكردي السوري نوزاد جعدان وهي مسرحية شعرية تتألف من ثلاثة فصول، بواقع 96 صفحة . ورسم لوحة الغلاف الفنان الروسي أوليغ إسبينوف، وهو نص مسرحي حفري في الذات الإنسانية، يتلمس تناقضاتها وأحاسيسها في ضوء الحاجة للكتابة وللإبداع. ذات مبدعة تستقصي همومها وهواجسها بحثا عن لحظة اقتناص للفكرة وللمتعة، وحتى في تلك العلاقة الافتراضية الهلامية بين رجل وامرأة، تترصد المسرحية تلك العلاقات المركبة كاشفة خبايا ذواتنا المتشابكة بجرأة لافتة.

من الجدير بالذكر أن المسرحية وصلت إلى القائمة القصيرة في جائزة كاتب ياسين العالمية بالجزائر بدورتها الأولى، كما حقق الكاتب المركز الأول في جائزة الشارقة للإبداع العربي العام الماضي عن مسرحيته وطن شبه منحرف.

وتعد المسرحية المنتج الإبداعي الثامن الصادر لجعدان بعد ثلاث مجموعات شعرية " حائطيات طالب المقعد الأخير دار فضاءات "الأردن" و" أغاني بائع المظلات دار الفرقد سورية " و " سعيد جدا دار نينوى سورية " ونص مسرحي "وطن شبه منحرف عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة " ومجموعة قصصية

خزانة ترابية عن دار الياسمين الإمارات" ومختارات من الشعر العالمي

دار نبطي الإمارات " وأخيرا رواد السينما الهندية دار الياسمين الإمارات،

1154 enayatمؤلّف الكتاب الذي نتولى عرضه هو ياكوبو سكاراموتسي، وهو أحد المتخصصين الإيطاليين في الشأن الفاتيكاني، أي من طائفة الخبراء المعروفين باسم "الفاتيكانيست". والفاتيكانيست ليس إعلاميا معنيا بمتابعة الشأن الإخباري لكنيسة روما فحسب، بل هو أيضا متابع لسير أنشطة الحبر المقدّس ومراقب للتحولات الدينية وتداعياتها الاجتماعية، في ظل ما يربط إيطاليا وحاضرة الفاتيكان من تواشج. حيث يتناول كتابُ سكاراموتسي المعنون بعنوان رئيسي رمزي "الفاتيكان ورقصة التانغو" وآخر ثانوي توضيحي "الكنيسة في زمن البابا فرانسيس" واقعَ الكنيسة وتحدياتها في زمن البابا الحالي، وهي بحقّ كنيسة مأزومة لاحت أعراض ذلك جلية مع استقالة الحبر الأسبق وتخلّيه عن مهامه في أجواء درامية.

حيث يقسّم سكاراموتسي كتابه إلى محاور يبلغ عددها خمسة عشر محورا يردفها بحوارات مع شخصيات لاهوتية نافذة. تتصاعد قُدما في تغطية فترة البابا الحالي، بدءا من ظروف استقالة راتسينغر الفجئية التي يعتبرها سكاراموتسي الحدثَ الرئيس الذي صنع البابا فرانسيس، كونه ما كان مرشَّحا لقيادة سفينة بطرس، بل كان بابا الضرورة كما يسمّيه (ص: 15)؛ إلى محاولة الكاتب رصد استراتيجية البابا، عبر تلمّس المسارات التي سيقود الكنيسة صوبها في المرحلة القادمة. إذ صحيح أن كنيسة روما من أكثر المؤسسات الدينية الحذرة والمتريّثة، ولكن يبقى لكلّ بابا لونه الخاص في التعاطي مع مجريات أحداث العالم، والتي يبقى كلٌّ وقدراته في التوفيق في جرّ الكنيسة نحوها. فإن يكن البولندي كارول ووجتيلا هو البابا المناور واللاهوتي المسيَّس، لما قام به من دور فعّال في نخر الشيوعية، فضلا عمّا قام به من رحلات مكوكية عبر أصقاع العالم، بشكل فاق أسلافه، سبيلا للتبشير برسالة الإنجيل حتى تحوّل إلى صورة إعلامية معولَمة؛ فإن البابا المستقيل، الألماني جوزيف راتسينغر، قد طبعه طابع أكاديمي بارد دفعه للبحث عن بعث روح المسيحية العميقة، دون تعويل على الحضور الإعلامي المفرط على غرار سابقه، كون البيت الداخلي أوْلى من العالم الخارجي برسالة الإنجيل بعد أن تحوّلت الكنيسة إلى "سوبرماركت" ديني مفتقر للروح وفق توصيف سكاراموتسي (ص: 23). وفي الوقت الحالي تغلب على البابا الأرجنتيني فرانسيس ماريو برغوليو، الآتي من أقاصي العالم الكاثوليكي، صورة القدّيس المتدثّر بلباس الورع والتواضع في منسكه ومسكنه، باعتباره "ثَأْر كنائس الجنوب". فقد أبى منذ اعتلائه سدة البابوية السكنى في القصر الرسولي المنيف واختار بيت القديسة مارتا المتواضع، كما رفض تقلّد الصليب المذهّب وانتقى صليبا بسيطا من معدن زهيد، عنوانا لمسلك التقشّف الذي اختاره. فالرسالة البابوية الأولى لفرانسيس والتي خُصّصت للحديث عن الأزمة المالية والاقتصادية جاءت بعنوان: "العناية بالبيت المشترك"، حيث استلهم نصّه "كن مسبّحا" من مقول القديس فرانسيس الآسيزي في "نشيد الخلائق"، معتبرا أن الأمر لا يتعلق بمجرد طيبة ورأفة تجاه المعوِزين، بل لأن الفقير يذكّر بعالم سقيم. فأن يخصّص حبر الكنيسة الأعظم رسالة بابوية تعنى بالشأن البيئي والاقتصادي ما يشي بتحوّل في اهتمامات اللاهوت الكاثوليكي للخروج للعالم العلماني في ثوب جديد. وقد بدت ملامح هذا الخيار التصالحي الجديد على ما يورد سكاراموتسي (ص: 52) في تصريح فرانسيس غير المألوف "لست شيوعيا ولكني عرفت العديد من الشيوعيين الصادقين"، وهي تصريحات محرَّمة في زمن البابا ووجتيلا المناهض للشيوعية.

لاحقا يستعيد سكاراموتسي حدثَ استقالة البابا راتسينغر معتبرا أن أسبابها العميقة لا تزال تلقي بظلالها على الكنيسة في زمن البابا فرانسيس. فالاستقالة ما كانت شيئا عرضا أو أمرا هيّنا. ترك راتسينغر السفينة وهي تكابد أعتى العواصف المتمثّلة في الفساد المالي والفساد الخلقي، لذلك تبدو مهمّة البابا الحالي شائكة ومعقَّدة في الآن. فقد كان تخلّي الحبر الأسبق عن مهامه واختياره العزلة بعد أن داهمه اليأس، مع أنه من أكثر رجالات الكنيسة إلماما بشؤون البيت الفاتيكاني. كان قد سِيمَ راتسينغر كردينالا خلال العام 1977 زمن يوحنا بولس السادس، ثم دُعِي إلى روما خلال العام 1981 من قِبَل يوحنا بولس الثاني لتولّي مهام مجلس مراقبة العقيدة، أعلى المؤسسات الرقابية ووريث محاكم التفتيش، بوصفه مفتِّشا عاما للعقائد. تقلّد راتسينغر مهامه البابوية يحدوه أملٌ في تفعيل رؤاه اللاهوتية "النقية"، وكأنّ حال الكنيسة يحتاج إلى تعْميد وأنجلة جديدين. فكان يراوده حلم إعادة مَجْد التوماوية في زمن عصفت فيه الحداثة بالعديد من الثوابت حتى أوشكت أن تهزّ أبواب قلعة المحافظة العتيدة في روما، كما يلخّص سكاراموتسي الوضعَ. ضمن هذا السياق بدا المقصد الأعلى لاختيار راتسينغر مدفوعا بخوض إصلاحات جوهرية بعد أن استشرى فساد مريع زمن البابا كارول ووجتيلا. فكان راتسينغر مهووسا بالقيام بتحويرات عاجلة جراء ما يتهدد الكنيسة من مسخ حوّلها إلى مؤسسة شبه علمانية، منهَكة بالسلطوية والتفرد. وبفعل الخاصيات الدغمائية المتصلّبة لراتسينغر، وجد نفسه منساقا في مسار لاهوتي معزول، ما جرّه لمجابهة قوى مناوئة تتحكم بسير عجلة الفاتيكان.

فوِفْق الفاتيكانيست سكاراموتسي راتسينغر شخصٌ معتدّ برأيه وصعب المراس، ولكن نظرا لفشله في بلوغ ما يصبو إليه حاول الاستقالة في عديد المرات، مبررا ذلك بتسرّب "دخان الشيطان وسط الكنيسة" والمتمثل في ثلاث قضايا عصيّة:

- اعتداءات القساوسة الجنسية على الصِّبية، وهي فضائح مهينة أُثيرت خلال العام 2002 في الولايات المتحدة، ثم تفجّرت مجددا في إيرلندا خلال 2010 إبان فترته، وتبعت ذلك تنديدات عالمية بالفضائح في النمسا وبولندا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا والبلدان الإسكندنافية.

- استشراء الفساد المالي في حاضرة الفاتيكان. وهو ما أَجبر راتسينغر على توقيع تعهّدات للمجلس الأوروبي للحدّ من الأنشطة المالية المشبوهة عَقب رفضِه إلحاق الفاتيكان بـ"القائمة المالية البيضاء"، مما أثار ضدّه عاصفة هوجاء داخل الفاتيكان.

- تسلّطُ بعض أطراف الإكليروس على الكنيسة وتضخّم الجهاز البيروقراطي فيها، وهو ما يوشك كما أوضح ذلك في كتابه "نور العالم" أن يحوّلها إلى مؤسسة دنيوية رِبحية.

ووِفْق قراءة سكاراموتسي لشخصية راتسينغر فقد كانت تعوز الرجل الدبلوماسية لا سيما تجاه الأديان الأخرى، تجلى ذلك في خطاب راتيسبونا وما خلّفه من توترات مع المسلمين، وفي إهانة اليهود بعد عزمه على إحياء القُدّاس اللاتيني المتضمّن لدعوة صريحة لهم بالتحوّل للمسيحية، ناهيك عن رفعه الحرمان عن تنظيم اللوفابريين المعروف بتوجهاته اللاسامية، فضلا عن فسحه المجال لتطويب بيوس الثاني عشر البابا الإشكالي زمن "المحرقة اليهودية". فقد تبدو استقالة راتسينغر نابعة عن أزمة شخصية ألمّت به، والحال أنها تعبير عن أزمة بنيوية تخترق الكنيسة، تَوّجَها راتسينغر بانقلاب على ذاته وعلى الجهاز التنفيذي، الكوريا رومانا.

في مقابل ذلك يتعرّض سكاراموتسي إلى القضايا الرئيسية التي خيّمت على مداولات مجلس الكرادلة تحت قبّة كنيسة بطرس قُبيل اختيار البابا فرانسيس والمتمثلة في فساد القساوسة الأخلاقي، وما يُعرف بفضيحة "فاتيكاليكس"، أي تهريب الوثائق الخاصة بالبابا السابق من الفاتيكان، وإشكالية فساد "مؤسسة الإيور"، أي الجهاز المكلّف بالشؤون المالية في العالم الكاثوليكي بوصفها قضايا عاجلة. وقد كان يكفي لاختيار فرانسيس بلوغ سبعة وسبعين صوتا بيْد أنه حصد مئة صوت. فهو أول بابا من أمريكا اللاتينية أو كما يُسمّى داخل الفاتيكان "الوافد من العالم القصيّ"، من فضاء يضمّ 425 مليون كاثوليكي، أي ما يقارب أربعين بالمئة من كاثوليك العالم. والحال أن فرانسيس لم يكن خيارا لكرادلة أمريكا اللاتينية فعددهم لا يتجاوز 19 من ضمن 115 كردينالا في حاضرة الفاتيكان ممن يخوَّل لهم اختيار البابا، وخلال انتخابه كان يبلغ عدد كرادلة أوروبا 52 بالمئة من جملة العدد الجملي. فلا يمكن الحديث عن شعبية واسعة لماريو برغوليو (فرانسيس) في جنوب القارة الأمريكية، فالرجل كانت تربطه علاقات مشبوهة بالطغمة العسكرية في بلده (ص: 97)، ناهيك عن خصومته المتجذرة مع لاهوت التحرير. وليس بمعنى أن البابا يسفّه طروحات لاهوت التحرير في ما يدعو إليه من موالاة للفقراء، بل لأن برغوليو في سابق عهده ينحو نحو "لاهوت الشعب" المنقّى من الشوائب والأبعاد اليسارية والماركسية، وهو اللاهوت الذي أرسى أركانه اليسوعي خوان كارلوس سكانوني معلّم برغوليو وملهمه، وهو في الواقع لاهوت نشط في جنوب القارة للوقوف أمام إغواء لاهوت التحرير، مستندا إلى مقولات اللاهوتيين اليسوعيين كارل راهنر وهنري دي لوباك.

صحيح أن الصورة الرائجة أو المروَّجة من المكتب الإعلامي للكرسي الرسولي بالفاتيكان -Sala stampa- عن فرانسيس أنه بابا البسطاء، وقد ترافقت تلك الصورة بإحياء طقس تقبيل أقدام المساكين وغسلها بعد هجران الكنيسة لذلك، عنوانا للتواضع، ولكن ما هي الخطوط الكبرى لسياسة فرانسيس الدينية؟ يجيب سكاراموتسي إن كان لماريو برغوليو مسعى للتجديد فهو مدعو لإصلاح هيكلي للفاتيكان وليس لإضفاء جوهر جديد على المسار اللاهوتي، وقد عجز سلفه راتسينغر عن إتيان ذلك فاضطُرّ إلى الاستقالة. لذلك عزم البابا منذ اعتلائه كرسي البابوية على خوض إصلاحات عاجلة انتدب لها تسعة كرادلة مختلفي الجنسيات بقصد الاستعانة بهم، عُرف بمجلس الحكماء، وهو جهاز استشاري وفق "القانون الكنسي"، لذلك لا يعلّق المراقبون أملا كبيرا في إدخاله تحويرات فاعلة، ويعتبرون برغوليو من خلاله "لا يحرك سوى الريح" بوصفه وريث المحن، فالبابا يمرّ والكوريا رومانا (الجهاز التنفيذي في الكنيسة) باق.

يواصل سكاراموتسي رصد التحديات التي تواجه فرانسيس محلّيا ودوليا، مبرزا أن ثمة نفوذا للمؤتمر الأسقفي الإيطالي يرهق حاضرة الفاتيكان، وهو يفوق نفوذ كافة مراكز القوى الأخرى، ولذلك يتعذر على أي بابا التغاضي عن الوسط الإيطالي في القرارات الكبرى للفاتيكان. فالكنيسة الكاثوليكية ليست شركة متعددة الجنسيات، يتوزع النفوذ فيها بالتساوي، كما قد يتصوّر البعض، بل هي رومية إيطالية بالأساس وغربية الهوى. وتعامل أي بابا مع الحاضنة الإيطالية يعني مراعاة القوى العلمانية والسياسية، بوصف حاضرة الفاتيكان دولة داخل دولة. لذلك تجد البابا معنيا بالأوساط العلمانية في سعيٍ لكسبها وتفادي الصدام معها. فلا مراء أن حاضرة الفاتيكان قد فقدَتْ ارتباطها الأثير بالواقع العلماني الإيطالي منذ تراجع حزب "الديمقراطية المسيحية"، اليد العلمانية الضاربة لحاضرة الفاتيكان طيلة الستينيات والسبعينيات، ومنذ غروب شمس "الكردينال اللائكي" السياسي جوليو أندريوتي، بعد أن هيمن على السياسة الإيطالية على مدى نصف قرن؛ ولكن الكنيسة تسعى دائما للمحافظة على شعرة معاوية مع الواقع العلماني وهو ما بدا أخيرا في حوار البابا فرانسيس مع المفكر العلماني الإيطالي أوجينيو سكالفاري.

ذلك على نطاق محلي، ولكن على نطاق عالمي كيف تتبدى سياسة فرانسيس؟ يقول سكاراموتسي: السياسة العالمية للكرسي الرسولي لا تشهد تغيرات من بابا إلى آخر، بل يصحبها تلاؤم مع كلِّ قادمٍ جديد. فكلّ بابا مثلا يلقي بناظريه صوب المشرق وتحديدا نحو مهد المسيح (عليه السلام)، وإلى الأقليات المسيحية الرابضة في تلك البقاع لا سيما في ظل التوترات السياسية التي تعصف بالمنطقة. وقد بدت دبلوماسية الفاتيكان حذرة منذ اندلاع الربيع العربي تجلّى ذلك في مداولات مجلس أساقفة شمال إفريقيا، الذي شارك فيه أساقفة من تونس والجزائر والرباط ونواكشوط والقاصدان الرسوليان بطرابلس وبنغازي، فضلا عن أسقف مازارا دِل فالّو في صقلية، وذلك للتباحث بشأن الأوضاع الاجتماعية والسياسية للبلدان المطلة على أوروبا. وقد عقب ذلك عقد مركز الواحة الكاثوليكي في تونس، مطلع صائفة 2012، مؤتمر "الدين والمجتمع في مرحلة انتقال، تونس تسائل الغرب" بقصد تبيّن مسارات التوجهات الإسلامية التي تعتمل في المنطقة.

ولعل من اللحظات الحاسمة لكنيسة روما، كما يرى سكاراموتسي، سنة اليوبيل التي انطلقت في مطلع ديسمبر 2015 وتواصلت إلى غاية أواخر نوفمبر 2016، وقد كشفت عن تعكّر أحوال الكنيسة أكثر من تعافيها، وهي سنة تبشير ونشاط بامتياز للكنيسة الكاثوليكية، سعت من خلالها للتجدد والتوغل في النسيج الاجتماعي ليس في إيطاليا فحسب بل في كافة البلدان التي تشهد تجمعات كاثوليكية. ولكن اليوبيل كما يورد سكاراموتسي هو اختبار من جملة سلسلة من الاختبارات أمام البابا، فهو يراوده حلمٌ كسابقيه لزيارة موسكو بحثا عن مصالحة استراتيجية مع الأرثوذكسية، ناهيك عن تعذر سلوك طريق الحرير باتجاه الصين التي تشهد علاقاتها مع الفاتيكان توترا بفعل ما تصرّ عليه الصين كونه "حتى السماء ينبغي أن تكون صينية". وليست الأوضاع في أمريكا اللاتينية أفضل حالا فالبنتكوستاليون، الخصم المباشر للكنيسة الكاثوليكية، ينتزعون أتباع الكاثوليكية ويجلبونهم إلى أحضان المذهب المنافس.

وفي حوصلة عامة لأوضاع الكنيسة زمن فرانسيس، يقول سكاراموتسي: ليست هناك أسرار حملها معه راتسينغر في استقالته، على غرار أسرار البابا يوحنا بولس الأول الذي بقي على سدة بطرس ثلاثة وثلاثين يوما ورحل في ظروف غامضة، ولكن كل ما هو جلي أن ثمة أزمات متوارثة داخل الكنيسة، هناك من يتكيف معها وهناك من تخونه القدرة في ذلك. فهل سيسعف البابا فرانسيس، سليل الرهبنة اليسوعية، إرثه اللاهوتي وقد مزج في دراسته بين اللاهوت والكيمياء والأدب وعلم النفس، وهو ما تجلى في شخصية وجدانية تحبّذ النوادر وتميل إلى الأدب والمسرح الغنائي وتغريها رقصة التانغو؟

 

الكتاب: الفاتيكان ورقصة التانغو.. الكنيسة في زمن البابا فرانسيس.

المؤلف: ياكوبو سكاراموتسي.

الناشر: ديللازينو (مدينة بولونيا الإيطالية) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2015.

عدد الصفحات: 175ص.

د. عزالدين عناية

 

 

1153 salehالشيخ الحكيم عبارة ألفناها في موروثنا، حتى كأن أجدادنا قصروا الحكمة على من شاخ من البشر، وانحنى ظهره، ويبست عروقه، وعركته تجارب السنين، وأوغل في تقصي صفحات القديم، وتجشم عناء السفر في تجارب البشر، وصاحَبَ المعاناة والقهر،  وسكن وديان المعرفة؛ إلى أن شاخ قلبه ورأسه وخارت قواه، فلم يعد قادرا على نقل خطاه، واكتفى بنقل رؤاه التي أدهشتهم بعباراتها الفخمة ومعانيا الضخمة وموادها الدسمة.

وعلى مر التاريخ كان الحكماء نادرة، فهم أقل كثيرا من جميع أنواع البشر الآخرين من حاملي المعرفة، وخائضي الجدال، وصولا إلى طالبي العلم، ثم البسطاء والسذج والعامة. أما حكمتهم فتعالت عن الإسفاف والهزال؛ الذي تداوله الناس لتشهد لهم بالتوحد والتجرد والنبوغ.

كان ذاك يوم كانت المعلومة أعز من لبن العصفور وأندر من الغراب الأبيض، تُقطع لأجلها الوهاد، وتُنهك الجياد، أما اليوم في زمن الحاسوب والانترنيت فقد اجتمعت كل كتب ومكتبات الدنيا ووضعت بين أيدينا ننهل منها نبوغ العلم وسماحة الحلم وجميل الشمائل وحتى الصواعد والنوازل، ويعني هذا أن عبئا ثقيلا رفع عن كاهلنا فبسطت أمامنا أرض البحث والكتابة كما لم تكن في أي يوم من أيام الدنيا السالفة.

بمثل هذه العطاءات فُتحتْ أبواب المعارف أمام الراغبين لينهلوا منها ما يحبون، فيكتبون ويدونون ما يرقى لأن يتماهى مع حكمة الأولين في سالف السنين، ولم يعد مستغربا أن يقابلنا فتى غريرا أو شابا عزيزا وهو يجترئ حكمة متعالية تُظهره أكبر من عمره بعشرات السنين، فهو ليس على الإبداع بظنين.

من بركات هذا العطاء، برز شباب يستحقون الثناء، كان عاصم غازي الأديب الواسطي اللبيب صاحب الخلق الرفيع، والحرف البديع واحدا منهم، انبرى ليسطر لنا (أبجدية صراع) غيمة تنث ندى وربيعا في سماء حياتنا تمتد على مدى (82) أيقونة دهشة تصيبك بالحيرة إلى حد الانبهار والتعجب، بل إن بعض جملها تشعرك برعشة وكأنك تقف على أرض يهزها الزلزال، لتُساقط رطبا جنيا على حبال الغرابة، في الأقل هذا ما شعرت به عند أول لقاء لعيوني مع صفحاتها، وكيف لا أهتز دهشة، وأنا أغوص في وجدان نصه الباذخ:

وحالما انتهت المعركة

وبدأت راياتنا ترفرف

كان نصف بنطال صديقي

يرفرف أيضا

بعدما كان قد منح ساقه عكازا للوطن

لا تكترث يا صديقي فشموخ النخيل يتطلب ساقا واحدة!!

كيف لي أن أشعر بهدوء البال وأنا أكاد أسمع حشرجات ذاك الفتى الغريق الذي قال عنه:

لا تضعوا الثلج على جثمانه

فقد رحل غريقا

أخشى أن يذوب الثلج ويغرق ابني مرة أخرى

هكذا أوصتهم والدة الغريق في المغتسل

قبل أن تغرق بماء عينيها!!

لقد اقتنص عاصم غازي لقطات حياتية غريبة التوصيف ممكنة التوظيف ليحولها إلى نصوص تشعر بسخونتها حينما تقع حروفها على عينيك:

أمنيتي أن نكون كالآخرين

علم بلادي يُرفع لنفتخر به

لا أن يلف جثامين أولادنا

في كل صباح

أعيدوا العلم إلى وظيفته

فمكانه فوق الساريات

لا فوق الجثامين

لقد مزج عاصم بين كينونة الموجودات ووحدة الكون ليعبر عن قلقه الدفين واعتراضه السري على ما يدور من حوله:

وكلما لمحت الخطوط تشوه سطحيهما

استغرب تضاريس جدارنا وجبين أبي

أيعقل أن للفقر معولا؟!

لم يقف عاصم عند تلك الأيقونات التي رسمها بعناية عاشق وصبر حكيم، بل سرح خياله في باقة من (المفاهيم) التي أراد من خلالها أن يعبر عن مشاعره التي هي مشاعر جيل كامل من شبابنا الذين حولتهم المأساة إلى حكماء. وقد وجدت ضمن مفاهيمه قوله:

الشهداء نجوم تدفن نفسها خشية السقوط

الحرية أن تكون قادرا على الصراخ دون أن تتهم بالجنون

التسامح عكازنا الذي فقدناه فسقطنا

التابوت شجرة أماتها العطش فانتقمت لنفسها من الإنسان

المنافق ثعبان استطاع التأقلم على العيش بطبيعة بشرية

السلام رغيف وعائلة وسقف

الموت أن لا تحيا كما تحب

صدرت هذه النصوص عن دار أس ميديا العراقية بغلاف جميل من تصميم سرمد محمد، بتسع وتسعين صفحة من حجم نصف أي فور، وهي باكورة انتاج هذا الشاب الواسطي.

أنا لا أتمنى التوفيق والنجاح فحسب لأديبنا الشاب عاصم غازي، بل أتمنى معه أن يحافظ على هذا الرقي الباذخ أو يقدم ما هو أفضل، وأملي كبير به لأنه شاب طموح واعد، وقد تحول إلى أنموذج لشباب آخرين.

 

صالح الطائي

 

 

nabil alrobaei2الروائية تسيونيت فتال تنتمي لعائلة عراقية الأصل هاجرت مع الكثير من العوائل العراقية، البلد الأم، بعد الهجرة الجماعية القسرية لهم عام 1951م، صدرت لها رواية (صور على الحائط) من داخل العراق وهذا فخر لنا وللأدب وللرواية العراقية .

تدور أحداث الرواية في بغداد في النصف الأول من القرن العشرين، أي عن الوجود اليهودي في العراق في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين قبل هجرتهم وتهجيرهم منها بعد أحداث الفرهود عام 1951م، تقوم الرواية على منظومة علاقات مركبة ومعقدة بين (نوريّه) بطلة الرواية، وبين أفراد أسرتها، وحاولت بطلة الرواية (نوريّة) جاهدة تحقيق أحلامها وطموحاتها رغم الصعوبات المأساوية الكثيرة التي واجهتها، وهي نفس المشكلات التي واجهت أبناء الديانة اليهودية التي اضطرت بسببها من أجل الحفاظ على بقائها، إلا أنها أخيراً اضطرت إلى مغادرة العراق .

هذه الرواية هي في السرد العراقي الحديث للروائية تسيونيت فتال التي ولدت خارج العراق، ولكن من خلال العودة بقصص والديها (ديزي ربيع وعزرا فتال) عن بغداد واهلها وعادات وتقاليد ابناء الديانة اليهودية صيغت تلك الذاكرة بروايتها (صور على الحائط)، نتيجة شوقها إلى العراق مسقط رأس والديها اللذان توفيا فجأة قبل عشر سنوات من الآن، والرواية هي اقرب للسيرة الحياتية لأبناء الديانة اليهودية .

الرواية تنم عن حنين الوعي والشوق لأرض الآباء والأجداد في استعمال المذكرات ودلالاتها تحديداً فيما يتصل بخطابات البوح والاعتراف وهي ظروف وأسباب دفعت تسونيت إلى توظيف ذاكرتها بوصفها قصاً يتناول حياة فتال تارة، والأحداث التي تشير إليها بمعزل عن الذات تارة أخرى .

ترجمة الرواية من قبل الأستاذ عمرو زكريا خليل التي حازت على صدى إعلامي كبير في وسائل الإعلام العبرية والعربية، وهي أول رواية عربية لرواية إسرائيلية تصدر في بغداد، لقد أصبحت الترجمة في العصر الحديث ضرورة حاسمة للانفتاح والتطور الذي يمكن لمجتمع ما أن يعيشه في مختلف المجالات التقنية والعلمية والاجتماعية والثقافية، بل أصبحت العنصرَ الحاسم في تحقيق مجتمع المعرفة، الذي يستطيع عبر امتلاك لغات عديدة تحقيق التنمية الثقافية والحضارية والعلمية، عن طريق الاطّلاع على ما ينتجه الآخرون . لم تعد الترجمة مجردَ مسألة أسلوبية ولغوية، بل صارت مسألة حضارية وثقافية، بدونها لا يمكن الانفتاح على الآخر ولا معرفة تاريخ الآخر، بقصد التعايش معه.

وفي لقاء مع المترجم عمرو زكريا خليل حول أهمية الترجمة قائلاً :" فيما يخص مستقبل ترجمة اللغة العبرية في مصر والوطن العربي أرى أن هناك ضرورة ملحّة لترجمة جميع ما يصدر في إسرائيل إلى اللغة العربية، ولا يجب أن تظل إسرائيل حتى اليوم مجهولاً للكثيرين، وعادة ما يسبب هذا المجهول خوفاً من شيء ليس بالحقيقي، أو إعطائه حجماً أكبر من حجمه . كما أن ترجمة الأدب العبري ستجعلنا نقف على المجتمع الإسرائيلي بجميع طوائفه ومكوناته وتسهم أكثر في فهمه في وقت السلم قبل وقت الحرب . لذلك على الدولة أن ترعى ترجمة اللغة العبرية إلى العربية وتعمل على تذليل العوائق التي تواجهها وأهمها حقوق النشر، حيث يصعب القيام بترجمة الكثير من الأعمال بسبب صعوبة الحصول على الموافقة بالترجمة."(1).

جاء في حديث للروائية فتال حول روايتها (صور على الحائط) قائلة : "بعد ثلاث سنوات من البحث نجحت وتمكنت من العودة ولو بصورة افتراضية إلى مرحلة طفولة ومراهقة والداي في بغداد . من خلال صفحات الكتاب يمكن أن نسمع صراخ الأطفال الذين يتعلمون السباحة في نهر دجلة، وصيحات التجار في سوق حنوني (حنون) وأصوات الرجال المدخنين الجالسين في (المقاهي) يلعبون الطاولي والدومنة . نسمع أصوات الصلوات تنبثق من "مدراش زلخة" وكنيس "الصلاة الكبيرة" الذي يظهر في روايتي بكل مجده . يمكنك أن تشم رائحة الشاي والسمك المسكوف، والعنبة بالصمون والكشري . وتستطيع ان تتمشى في الأزقة الضيقة والمتعرجة في الحي اليهودي القديم وتتمتع بجمال نهر دجلة وبحدائق أشجار النخيل . في الفترة التي كتبت فيها كتابي اطلعت على الأعمال الأدبية للأدباء اليهود العراقيين الذين كتبوا باللغة العربية أمثال أنور شاؤول، سمير نقاش، يعقوب بلبول، سلمان درويش، مير بصري وشموئيل موريه . خلال العام الماضي قرأت أيضا كتبا دراسية لباحثين عراقيين تتعلق باليهود العراقيين أمثال : مازن لطيف، نبيل الربيعي، د. خالدة حاتم علوان، وسأبدأ بقراءة كتاب كاظم حبيب (يهود العراق والمواطنة المنتزعة) العراق كان بالنسبة لأهلي، وايضا بالنسبة لأجيال كثيرة من أفراد عائلتي وطنا حبيباً، وبعد الفراق منه بقى في قلوبهم شعور الحزن والالم من حيث انهم تعرضوا للاضطهاد وعوملوا كغرباء . العبارة “لا يسمح له بالعودة” – يعني “روحة بلا رجعة” المطبوعة في وثائق سفرهم حرقت قلب والدي طيلة السنوات لأنها كانت تعني انه لن يتمكن أبداً من العودة إلى بغداد لزيارة المكان الذي ولد ونشأ فيه و لن يتمكن أبداً من زيارة قبور أفراد الأسرة، بعد سقوط نظام صدام حسين كان لابي بصيص من الأمل بأنه سوف يتمكن ويعود لزيارة بغداد، لكنه للأسف الشديد توفي بعد بضعة أشهر. أنا آمل أن يأتي اليوم الذي أستطيع أن ازور بغداد وليس بشكل افتراضي فقط كما ورد في روايتي."(2).

الرواية فتال من خلال روايتها قد ساعدت على الإيضاح لما حصل لأبناء الديانة اليهودية في العراق من اضطهاد وتعسف منتصف القرن الماضي فهم ممن اشتركوا في بناء العراق، وبرزوا في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية والفنية والأدبية قبل أكثر من 2500 عام، وكل هذا وقد اسقطت الجنسية العراقية عنهم ومضايقتهم من قبل الحكومات المتعاقبة حتى تمكنوا من الهرب بعدة سبل ووسائل للنفاد بجلدهم مع عوائلهم من وطن عاش بين ثنايا روحهم.

 

 نبيل عبد الأمير الربيعي

..................

المصادر

1-  عمرو الصيفي . حوار على موقع الفراعين نيوز مع المترجم عمرو زكريا بعنوان (حوار خاص مع عمرو زكريا حول ترجمة الرواية العبرية “الصور على الحائط” للروائية العراقية الأصل تسيونيت فتال). بتاريخ 20 اوغسطس 2017.

2-  لطيف. مازن. حوار في جريدة العالم البغدادية يوم الثلاثاء المصادف 17/ أيار/ 2016. تحت عنوان (الروائية تسيونيت فتال تقلب صورها على حائط الحي اليهودي في بغداد).

 

 

moamar habarقرأت مذكرات لجزائريين وغربيين وفرنسيين حول الثورة الجزائرية وبالإضافة إلى ملاحظات سبق ذكرها عبر مقالات صاحب الأسطر التي عرضت الكتب فإنّه وفي هذا الشهر وبعد أن قرأ الكتب أدناه استوقفت القارىء المتتبع الملاحظات التالية :

هناك فرق بين اليوميات التي ترسم اللّحظة وفي تلك اللّحظة بعض النظر عن طبيعة الرسم والمذكرات التي ترسم الأيام والعقود الغابرة وقد بلغ المرء 70 و80 من عمره.

تتميّز المذكرات التي تكتب في أواخر العمر وفي الشيخوخة بالصدق والوفاء والصرامة والتواضع والبعد عن الأحقاد لأنّ صاحبها لايطمع في أحد ولا يخاف من أحد وترمي إلى التسامح ورصّ الصفوف.

عيب المذكرات التي تكتب وصاحبها في 80 من العمر أنّها تفتقر للدقّة وعدم القدرة على تذكّر التفاصيل كلّها ونسيان بعض الأسماء، وقد لاحظت ذلك جليا في  كتاب:

BENACHENOU Mohamed Seghir «  Liberté J’ écris Ton Sang , Rescapé de l’enfer de la guerre de libération »،

 وكتاب: "مذكرات من الونشريس، المجاهد محمد الصغير نمار، من أجل أن تحيا الجزائر"، فقد اشتكى كلّ منهما ضعف الذاكرة وصعوبة استحضار بعض الأسماء من أشخاص وأماكن وتواريخ، وطلب كلّ منهما العذر من القارىء إن لم يستطيعا تلبية مايصبو إليه من معلومة كاملة دقيقة، ومرد ذلك أن كلاهما تجاوز 80 عاما.

تتميّز اليوميات في حينها بالحدّة والعفوية والصدق لكن يطلب من المتتبّع النّاقد أن يقارن بين يوميات المعني ومذكراته إن كتب مذكراته في أواخر عمره ولا يعتمد على اليوميات فقط فقد يكون المعني غيّر رأيه بعد مرور الزمن وذكر في مذكراته التي كانت في أواخر أيامه عكس ماذهب إليه في أوائل أيامه، وقد لاحظت ذلك في كتاب "العفن" لمالك بن نبي فهو كتاب امتاز بأنّه حادّ الطبع قاسي المزاج عكس الكتب والصفحات التي دوّنها في أواخر حياته فقد اتّسمت ببعض "الرقة" تجاه نفس الشخصيات التي انتقدها بشدّة كما حدث مع عبد الحميد بن باديس الذي أثنى عليه وعلى تفسيره سنة 1964 فيما أتذكر وهو الذي انتقده من قبل كما جاء في كتاب "آثار عبد الحميد بن باديس" لعمار طالبي، فوجب في هذه الحالة قراءة اليوميات ومقارنتها بآخر ما ألّفه الرجل حول الفكرة أو الشخص لتكتمل الصورة بوضوح.

الكتب التي ألّفها أصحابها من جزائريين حول الثورة الجزائرية وهم في سنّ متقدّم من العمر تتطابق بشكل كبير من حيث الصدق وقول الحقيقة مع الكتب التي ألّفها الفرنسيون حول الثورة الجزائرية ورسم وحشية الاستدمار الفرنسي وهمجية المحتل وعنصرية الفرنسيين إبّان الاحتلال وتعاون الحركى مع العدو في نهب البلاد واحتقار العباد، ويكفي قراءة كتاب:

PIERRE VIDAL – NAQUET

« LA TORTURE DANS LA REPUBLIQUE 1954 – 1962 » ،

ومقارنة الكتاب بمذكرات الجزائريين أعلاه فقد تطابقت وجهات النظر في تقديم صورة صادقة رغم أنّه لم ير أحدهم الآخر ولم يقرأ أحدهم للآخر حسب ما هو مبيّن في الكتب الثلاث، لكن قول الحق جمع الثلاثة دون أن يدري أحدهم بالآخر أو يشعر أحدهم بالآخر.

المطلوب الآن أن يسعى المرء لكتابة يومياته في حينها خاصة وأنّ الوسائل توفّرت وتعدّدت وأصبحت سهلة متوفرة، وإذا استطاع فليكتب مذكراته وهو في 70 و80 من عمره فيجمع بين اليوميات والمذكرات وذلك خير مايقدّمه المرء لنفسه وأمته وحضارته.

معمر حبار -  الشلف - الجزائر

 

 

zakia kherhomعاش الكاتب أرلنغ كاغا فترة شهرة طويلة في النرويج. كان محاميا حصل على شهادة الدكتوراه في الفسلفة، وفاز على رانولف فينس في أوائل التسعينات ليصبح أول شخص يصل إلى القمم الثلاثة" القطب الشمالي، القطب الجنوبي، وجبل ايفرست. أسس أيضا دار نشر تدعى "كاغ فورلاغ في عام 1996. والتي تنشر اليوم مئات من الكتب ويبلغ حجم مبيعاتها سبع مليون جنيه استرليني في السنة. أرلنغ كاغا كاتب ومستكشف وناشر وجامع للقطع الفنية ووالد لثلاث مراهقات.

أمضى أرلينج كاجّا المستكشف القياسي خمسون يوما بعيدا عن جنس البشر، وحيدا في القطب. يقول في كتابه "فلسفة المكتشفين" : "السكون في القطب الجنوبي أكثر عمقا ، هنا للصمت صمت يُصمته. يمكن أن يسمع  ويرى بوضوح أكثر من الأصوات الأخرى. في البيت صوت الراديو مفتوحا على الدوام، كما رنين الهاتف لا يتوقف، وضجيج السيارات التي تمرّ، أصوات عديدة بالكاد أسمعها. لكن هنا في القطب الجنوبي، عندما لا تكون الرياح يكون الصمت أكثر سكونا  عن ذلك الذي في البيت. في مذكراتي كتبت بعد ستة وعشرون يوم، هنا الصمت صاخبا أحسّه وأسمعه. في هذا المشهد اللاحدودي كل شيء يبدو لا نهاية له. تلك المساحات الصامتة لا تبدو مرعبة ولا تشعرك بعدم الاطمئنان بل مريحة للنفس. في البيت بالكاد ألاحظ ما يجري من حولي، لكن هنا أصبحت  منجذبا لذلك السحر الخرافي لدرجة أنني  أصبحت جزءا لا يتجزّأ من المكان، ذلك الصمت أمسى خليلي، أستطيع الإصغاء اليه وكلي شغفا." ليس الكثيرين من سنحت لهم الفرصة لقضاء ايام عديدة في وحدة منعزلة عن العالم والبشر وخصوصا في مكان موحش ونائي كالقطب الجنوبي." أحد أهداف الرحلة الإستكشافية إلى القطب الجنوبي، أن تكون معزولا طوال مدة الرحلة لمدة خمسين، ستين أو سبعين يوما. اضطرّ أرلنغ كاغا من قبل الكفيل وشركة الطيران أن يأخذ معه  الراديو. آخر شيء فعله على متن الطائرة رمي البطاريات.  لم يكن من الصواب  التخلي عن الراديو خارجا على الجليد. لذلك حمله معه في الزلاجة طوال ألف وثلاثمائة كيلومتر. حينها حصل على العزلة التّامة التي كان يتوق إليها.

في هذا الكتاب التأملي يكتشف القارئ محطات مثيرة للدهشة عن قوة السكون ومدى أهمية الانعزال عن العالم أحيانا، سواء في عمق غابة ، أو وأنت تأخذ دوشا أو على حلبة الرقص. يقول أرلنغ كاغا يمكن للمرء تجربة السكون المثالي إذا كان يعرف إلى أين ينظر، ومن خلال نمو المعرفة الذاتية والامتنان، والتساؤل. وأن يأخذ المرء  نفسا عميقا ثم يستعيد للولوج بنفسه إلى السكون. حينها سيجد قطبه الجنوبي في مكان ما من حوله. في كتابه الذي يحمل عنوان " تجربة المكتشفين" يقول: "خلال جميع الأيام التي تلت ظلت تلك الطبيعة على ما هي عليه. لكن ما تغير مع الوقت هي علاقتي بها. خلال ثلاثة أسابيع  لم أر ولم أسمع  إشارة واحدة للحياة. لا إنسان، لا حيوانات ولا طائرات. تركت حوالي خمسمائة كيلو متر ورائي، وكان حوالي ثمانمائة كيلومتر أمامي عليّ قطعها.  لم يعد الجليد والثلج أبيضا ، ولكن يتخلله لمعان من اللون الأصفر والأخضر والأزرق، وعديد من ظلال مختلفة من اللون الأبيض. بدلا من التفكير في أن المسطح مسطحا، أدركت بالتأكيد أن المسطح أيضا يتضمن اختلافات ومناطق شكلية صغيرة والتي تُشاهد من قريب كأعمال فنية و تدرّجات من الألوان تستحق التركيز عليها. عظمة المناظر الطبيعية والألوان من الثلج يجعلني سعيدا. وتلك المساحات المسطحة جميلة أيضا كما الجبال.  تعلمت أن اللون الأزرق هو لون الشعر، الأبيض يرمز للنقاء، والأحمر للحبّ ، والأخضر للأمل، ولكن هنا لا يبدو هذا التصنيف طبيعيا. ما ترمزه الألوان يرجع لي. هي الآن جميعها ترمز للشعر، وللنقاء وللحب والأمل. غدا قد يرمز الأبيض والأزرق إلى العاصفة والصقيع."

يقول ارلنغ كاغا : "لقد نسينا كيفية التعامل مع الصمت. نشعر بالقلق والتوتر إذا لم يحدث شيء. ثم نحمل الهاتف المحمول، ونتحقق من الأخبار من وسائل الاعلام الاجتماعية، والبحث في الجوجل عن  أي شيء.  نحن في طريقنا إلى الجنون  ". "جون فوس" يتحدث عن الخوف من الصمت لأن الصمت يتطلب منك أن تتساءل. يقول أرلنغ كاغا أن الأمر يتعلق بالخوف، الخوف من التعرف على الذات بشكل أفضل. من السّهل التركيز على الخارج، في حين على نفس القدر من الأهمية  التركيز على الأفكار. ويطرح ثلاث اسئلة في كتابه: ما هو الصمت؟ وأين هو؟ ولماذا الصمت مهما؟ ثم يستطرد قائلا أن الصمت لغة الحكماء والسكوت لغة الجبناء. الصمت رياضة فكرية تحفظ التوازن وتجعل المرء يعود الى ذاته الداخلية بعيدا عن الأفكار المتزاحمة داخل عقله. ثم يشرح الفرق بين لغة الصمت التي هي عكس لغة الكلام، وحين تتعطل هذه الأخيرة تبدأ لغة الصمت، التي تختلف عن السكوت. فالصامت يستطيع الرد لكنه آثر عدم الرّد، بينما الساكت قد يكون جبانا أو ليس لديه شيء يقوله أو فقد الحجة. أو أن الشخص مقترف لخطأ فأعلن الاستسلام بالسكوت.

في القرن السابع عشر، كتب الفيلسوف بليز باسكال، " أن الناس لديهم من القواسم المشتركة أنهم لا يستطيعون الجلوس من غير فعل شيء." وهذا السلوك أصبح اليوم ظاهرا بقوة من ذي قبل. نتوقع حدوث أمور كما نتوقع الإجابة لما نقوم به، ونعيش ضغطا في عقولنا تجعلنا معرضين لأمراض ، كما أفكارنا تصبح مشوشة ونصبح عاجزين على اتخاذ قرارات سليمة في حياتنا ورؤيتنا للأمور بمنظار سليم.

أشترت دار بنجوين للنشر الحقوق الأنجليزية للكتاب " الصمت في زمن الضجيج" لأكثر من مليون دولار، وهذا يدل على ان المهتمين باقتناء الكتاب كاهتمامهم بالبحث عن الصمت الذي يفقدونه في حياتهم. في بيان صحافي، قال ميغيل أغيلار، نائب بينغين راندم هاوس في مدريد: "أصبح من الواضح بشكل متزايد أن الضجيج هو مرض أساسي في المجتمع الحديث. الصمت هو بلا شك جزء من حل المشكلة ".اللجوء للصمت ويركن الإنسان إلى نفسه نصف ساعة من غير التفكير في شيء والسماع الى موسيقى هادئة أو صوت المطر والعصافير أو موج البحر. ذلك مفتاح سلام النفس والجسد والروح.

يقوبل الكاتب ارلنغ كاغا أن الصمت مهم بالنسبة له وانه لا يزال يستخدم الطبيعة للعثور عليه؟ يحب المشي في اتجاه واحد حتى يحصل على الهدوء، تاركا كل الالكترونيات في البيت.

 

زكية خيرهم

 

1151 inayatشكَّلت المافيا إحدى أبرز ظواهر النفوذ والسيطرة والجريمة عبر مراحل تاريخ إيطاليا الحديث. وقد بلغت الظاهرة شأوا بعيدا إلى أن باتت جزءا لا يتجزأ من انشغالات الخطاب السياسي والقضائي والأمني، في التعبير عن أوضاع التوتر، أو الفساد، أو النفوذ غير المشروع. فقد ظهرت كلمة "مافيا" أوّل ما ظهرت سنة 1863، في كوميديا شعبية في صقلية بعنوان "مافيوزيو فيكاريا"، لاقى العرض حينها نجاحا منقطع النظير واستحسانا بين الناس. محاولة العثور عن أصل دلالي للكلمة باءت بالفشل إلى حدّ الراهن، رغم مساعي عدة لإعطائها تفسيرا مضبوطا ودقيقا. لكن وبشكل عام، تبقى كلمة مافيا متعددة الدلالة متغيرة المضمون، بحسب السياق والوضع ومقاصد الاستعمال. وهي على ما يوحي استعمالها في اللهجات العامية في جنوب إيطاليا شكلٌ من أشكال ممارسة القوة واستغلال النفوذ، وهي سلوكٌ سياسيٌّ مشين أيضا أو تكتّلٌ مصلحيّ فاسد، وبعبارة موجزة هي مظهر من مظاهر العمل غير القانوني واقتراف الجريمة بشكل منظّم. بات للكلمة حضور في الجدل السياسي، وفي التحقيقات القضائية، وفي العروض السينمائية أيضا، للحديث عن الأوساط المتنفذة في إيطاليا بشكل عام، وامتدّ ذلك إلى الولايات المتحدة منذ بداية توافد المهاجرين الإيطاليين نحو أمريكا.

كتاب "رهبان الكنيسة ورجالات المافيا.. تاريخ علاقة المافيا بالكنيسة الكاثوليكية" هو من تأليف أستاذ علم الجريمة إيسايا سالِز، المتخصص في تاريخ المافيا. وهو يدرّس في جامعة سور أورسولانا في نابولي، كما شغل عدة مناصب سياسية في حكومة رومانو برودي (1996-1998). سالِز له مجموعة من المؤلفات في المجال، منها: "عصابات الكامورّا" 1988، "الجنوب في زمن اليورو" 1998، "طرقات العنف" 2007 الفائز بجائزة الكتاب في نابولي. كُلّف المؤلف بصياغة عدة مواد تتعلّق بالجريمة، والجريمة المنظمة، وعلم الإجرام في موسوعة تريكاني الإيطالية. في كتابه الذي نتولى عرضه يركّز سالز بالخصوص في علاقة المافيا بمؤسسة الكنيسة، حيث يعالج موضوعا يبدو عنصراه الأساسيان (المافيا والكنيسة) على طرفي نقيض، بوصف الأولى تجمّعا إجراميا لا يراعي حرمة للقانون والثانية مؤسسة تختزن رصيدا خُلقيا، وتعدّ نفسها وصية على الميراث الروحي. يُشرّح المؤلِّف الصلات المصلحية الرابطة بين ظاهرة الجريمة، التي تمثّلها المافيا، ومؤسسة الدين التي تمثلها الكنيسة الكاثوليكية. وإن يبدو الأمر على شيء من التباعد في المخيال الاجتماعي، بين قطب الجريمة المافيا، وما تختزنه من رمزية للفساد والعنف، وإرث الخُلق الديني المتلخص في الكنيسة، بوصفها أهم الوكالات التربوية للعموم، فإن الأمر ليس على تلك الشاكلة في الوسط الإيطالي، فلطالما تآلف المدنَّس مع المقدَّس وتكاملت الأدوار، كما يقول الباحث إيسايا سالِز (ص: 66).

يعتمد الكاتب على مدى محاور الكتاب الخمسة الأساسية (ما مبرر صمت الكنيسة المطبق على مدى سنوات؟؛ العقلية المافياوية وتواطؤ بعض رجالات الكنيسة؛ أشداء في الخطيئة متسامحون مع المخطئ؛ غياب تسليط عقوبة الحرمان على رجالات المافيا) منهجَ التحليل الثقافي الاجتماعي لأجهزة الكنيسة في دعمها للتشكيلات المافياوية وفي مساندتها، وذلك من خلال تتبّع ظاهرة الجريمة في إيطاليا بوجه عام.

ضمن إجابته عن سؤال: ما المافيا؟ وبعد تعريفها أنها تركيب إجرامي خاضع إلى بناء هرمي لأشخاص يعملون بوسائل غير قانونية لتحقيق مصالح، يعتبر إيسايا سالِز أن حصول ازدواجية في الموقف من ظاهرة المافيا، من جانب المحلّلين والكتّاب الإيطاليين، هو ناتج عمّا ترسّخ من ضبابية تجاه ذلك التنظيم منذ بدايات نشوئه. ويعود الباحث إيسايا سالِز بازدواجية ذلك الحكم والنظر للمافيا إلى الكاتب الإيطالي الماركيزي روديني، سنة 1875، الذي ميّز بين مافيا شريرة وخسيسة وسافلة، لا تراعي خُلقا في عملها، ومافيا نبيلة وشريفة تحتكم في أنشطتها إلى مرجعية معيارية، ليصلَ بنا إلى تصريح الفقيه القانوني الإيطالي الشهير فيتوريو إيمانويلي أولاندو، سنة 1925، في قوله: "أعلن أني مافيوزي وأنا فخور بذلك!"، على اعتبار أن جانبا نبيلا في المافيا لا ينبغي طمسه. وصحيح أن المافيا ثقافة ونمط عيش وليست تنظيما جامدا وثابتا، بل مجرد شِلل صغيرة الحجم قوية الفعل، تميزها علاقات زبائنية في ممارسة الجريمة، تخلو، وبأي شكل، من الروابط الإثنية بعكس ما تُصوَّر عليه أحيانا. فالتنظيم المفترض ليس سوى بنية علاقات شبه عائلية مميزة للمجتمع التقليدي، وهي نوع من تجمع البزنس العائلي.

ويخفي التآلف الذي سعى إلى إبرازه إيسايا سالز في كتابه، بين المافيا والكنيسة، موقفا غير معلَن من كلتيهما تجاه الدولة، يبلغ أحيانا حدّ المعاداة والخصومة مع المؤسسة الرسمية. وهو توتر في العلاقة ليس وليد الراهن، بل يضرب بجذوره في فترة التوحيد وبناء إيطاليا الحديثة. وهو ما انعكس على تقليص نفوذ الكنيسة وحصرَها داخل حيز ترابي في حاضرة الفاتيكان في مدينة روما. في هذا السياق جاء تشكيل لجنة برلمانية، سنة 1963، لتقصّي تحديات المافيا للدولة الإيطالية.

منذ العام 2010 حصل تحول في خطاب الكنيسة الكاثوليكية تجاه المافيا. أصبح الموقف أكثر وضوحا وبدون إيماءات، أي بخلاف ما كان معهودا. كان مستهل ذلك التحول الوثيقة الصادرة عن المؤتمر الأسقفي الإيطالي حول الموضوع، التي ورد فيها: "على مدى العقدين الأخيرين، طورت التنظيمات المافياوية، التي رمت بجذورها في كامل التراب الإيطالي، مصالحَ اقتصادية... نعود مجددا وبقوة إلى إدانة هذا "السرطان" المهين للكرامة البشرية... فالمافيا هي التجلي الأكثر درامية للشرّ والخطيئة. وضمن هذا السياق يصعب تفسير الأمر كونه مجرد تعبير عن تديّنٍ مشوَّهٍ، ولكنه شكل فظّ لرفض تعاليم الرب: المافيا هي بنية خطيئة".

ضمن محور "غياب تسليط عقوبة الحرمان على رجالات المافيا"، يتضح أنه في نطاق سياسة الكنيسة عادة ما يرد استعمال سلاحين متنوعين لتقريع المذنبين ومجازاة المحسنين: الحرمان كعقوبة تُصلَّت على العصاة والمذنبين ونقيضه التطويب، الذي يرتقي أحيانا إلى حدّ التقديس، أي رفع الشخص إلى مقام القداسة لفائدة الخيّرين والمحسنين. الأول يلحق المرء في حياته والثاني يناله بعد مماته. وفي ما يتعلّق بسلاح الحرمان الذي غالبا ما شهرته الكنيسة في وجه المنشقين والمناوئين، لم يثبت استعمالها ذلك السلاح ضد أي من رجالات المافيا المعروفين، وسكتت عن ذلك الإجراء على مدى عقود. لكن إضفاء التطويب حصل أن وظفته الكنيسة في ما يتعلق بالمافيا، ولأول مرة خلال العام 2013، عندما طوّبت أحد الضحايا، رجل الدين الكاهن بولييزي، واعتبرته شهيدا مكرَّماً. مع أنه سبق أن سقط جملة من رجال الدين ضحايا للمافيا، تغاضت عنهم الكنيسة خشية توتير علاقتها مع أباطرة المافيا المتنفذين على غرار ما حصل للراهب بيبينو ديانا.

خلال العام 2014، وفي نطاق تحمّس البابا فرانسيس برغوليو إبان توليه رئاسة كنيسة روما سعى لتطهير حاضرة الفاتيكان ممن أطلق عليهم تسمية الغربان، أي كل من تورّط في الفساد الأخلاقي والمادي. وامتدت حملته حينها إلى حدّ تلويحه بتسليط الحرمان على رجالات المافيا في عظة ألقاها في مدينة كالابريا عاصمة المافيا الإيطالية في الراهن، في قوله: "لا تربط زعماء المافيا صلة بالرب، لأن سوط الحرمان مسلَّطٌ على رقابهم"، فكان فرانسيس برغوليو أول بابا يقطع شعرة معاوية مع جماعات المافيا، ويعلن عن تحول موقف الكنيسة من الفساد صراحة. فلطالما تعامل اللاهوت المسيحي مع عناصر المافيا بشيء من التهوين والتبسيط والحذر، بوصفهم خراف الكنيسة الضالة الذين ينبغي ردّهم إلى القطيع. يتساءل الكاتب عقب عظة البابا تلك، هل تغير شيء في سياسة الكنيسة وفي فينومينولوجيا المافيا؟ فالكنيسة تعرض نفسها بوصفها مؤسسة تمقت الفساد وترفض العنف لكنها تتغاضى دائما عن التنظيمات الإجرامية العنيفة.

والواقع أن ما حصل من ترابط وتشابك للمصالح بين بنية المافيا ومؤسسة الكنيسة يعود إلى فترة متقدمة في السياسة الإيطالية، انطلقت مع فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ذلك أن التحول الفعلي الذي حدث مع سنوات الخمسينيات للمافيا، وهو تشكّل نوع من الوفاق السياسي المصلحي بين أطراف سياسية مقرَّبة من الكنيسة وأرباب المصالح والأعمال، تركز في باليرمو وامتد إلى مناطق أخرى في الجنوب. انجر عنه نوع من الغطاء السياسي الذي تمتّعت به المافيا من قِبل حزب الديمقراطية المسيحية المهيمن على الساحة السياسية، مما وفّر بيئة ملائمة لتفريخ العديد من الأصناف المافياوية "كوزا نوسترا"، "إندرانغيتا"، "الكامورا"، "ساكرا كورونا أونيتا". حيث بقيت المافيا، على مدى عقود ولازالت، بنية خدمات، مفتوحة عبر عدة قنوات على عالم السلطة الرسمية. والكتاب لا يتّهم الكنيسة بمساندة المافيا أيديولوجيا، بل يتّهمها بمعاضدتها ماديا. فعلى ما يرصد سالز ثمة تناغم بين العقلية الجنوبية والسلوك المافياوي، ذلك أن الأقاليم الأكثر التصاقا بالتقاليد الكاثوليكية (الممتدة من صقلية وصعودا إلى نابولي) هي التي شهدت ميلاد أصناف المافيا الرئيسية في إيطاليا وتطورها، وقد تم ذلك الربط بين الثقافة والمكان أن مجمل المتهمين بالانتماء إلى الأوساط المافياوية غالبا ما كانوا يعلنون التزامهم الكبير بالتعاليم الكاثوليكية. لكن ينبغي ألا نغفل أن مجمل التحليلات التي ربطت بين الجنوب والدين والمافيا وألحت على ذلك بشكل مفرط قد وردت من كتّاب يساريين. نجد من بينهم ثلّة من الكتّاب المعروفين مثل سيموني غاتو وميكيلي بانتاليوني وليوناردو شاشا، يحفزهم في ذلك الربط التواطؤ الحاصل لحزب الديمقراطية المسيحية المهيمن في ذلك العهد والمافيا. حولوا بمقتضاه الكنيسة وذراعها السياسية، حزب الديمقراطية المسيحية، إلى "مؤسسة خطيئة"، كما يقول لاهوت التحرير.

يستعرض الكاتب آراء عدة ذهبت في تحليلها لظاهرة الجريمة المافياوية أن التنظيم قد وجد بيئته الاجتماعية المناسبة للتطور في الجنوب الإيطالي، لكونه تشكيلا إجراميا تقليديا. فالانضمام إلى المافيا يشبه الالتحاق بتنظيم ديني، يقتضي ولاء تاما وقسما، يماثل التعميد لدخول الكاثوليكية. ولذلك يرى الكاتب إيسايا سالِز مجافاة جملة من القراءات السوسيولوجية الصواب في تقييمها لظاهرة المافيا والنظر إلى هذا التشكيل الإجرامي،كونه يسير نحو الانقراض بسير المجتمع نحو التحديث والعصرنة. وهو بخلاف ما يلاحظه سالِز من ازدياد تشعب شبكة المافيا وتمددها، حيث باتت تتواجد في قطاعات عدة وتعمل في مجالات جغرافية أبعد، كما تبدلت أشكال أنشطتها، أو لنقل استفادت من الحداثة أكثر مما تضررت منها. يدعم ذلك تقسيم المافيا إلى صنفين: تقليدية يتمحور هدفها في البحث عن الوفاق أكثر منه في جني الأرباح، وبالتالي فهي مافيا شرفية أكثر منها مافيا مصلحية؛ وهناك مافيا حديثة، أي مافيا أعمال، مهووسة بسبل تكديس الثروة ومشغولة بالتوغل والتحكم في الأوساط التي يمكنها الإسهام في تكديس تلك الثروة.

وعلى ما يرصد سالز يمتد عمر التنظيمات المافياوية في إيطاليا إلى حدود مئتي سنة، فهي متجذرة في عمق بناء إيطاليا الحديثة. ومن هذا الباب فإن اجتثاث الجريمة المنظَّمة في إيطاليا هو أمر في غاية الصعوبة والتعقيد. فليست المافيا مجرد أنفار، بل هي ثقافة ومؤسسة لصنع الجريمة متكاملة الحلقات، ولذلك تعذرت هزيمة المافيا وإن حصل تحجيم وتطويق لها عبر الزمن، كما حصلت أشكال من الهدنة والمصالحة والتوبة أيضا. ويقدّر نسبة اقتصاد الجريمة، على غرار المتاجرة بالسلاح وصنعه، وترويج المخدرات، والمتاجرة بالبشر (مومسات) بنسبة تفوق العشرة بالمئة من الدخل الوطني الإيطالي (ص: 46). صحيح أن هناك مختصين كبارا في مقاومة المافيا وفي التصدي للجريمة المنظمة في إيطاليا يعملون دائما على تفكيك تلك التجمعات المافياوية وتفتيتها، ولكن سرعة تشكل التجمعات المافياوية مجددا واستئناف أنشطتها، يكشف عن تواجد ثقافة سائدة وحاضنة اجتماعية مناسبة للجريمة في العقلية العامة. ويمثل السلوك المافيوي وفق الكاتب شكل حضور المجتمع الصقلي، على جميع الأصعدة.

وفي نطاق ما عُرف بتصدير المافيا، نالت التنظيم شيئا من الاهتمام من قِبل باحثين أمريكيين في الولايات المتحدة في نهاية القرن التاسع عشر، نظروا فيه إلى المافيا بوصفها منظمة سرية على صلة بمؤامرة خارجية لم تخل من اتهام الحكومة الإيطالية حينها في رغبتها للتخلص من الأشرار الخطرين. كما رصدت بعض الأبحاث الطابع المافياوي والسلوك غير القانوني المستشري بين فئة المهاجرين الإيطاليين نحو أمريكا، لكن انتقادات توجهت إلى محاولة تجريم جالية بأسرها، كون السلوكات غير القانونية التي رافقت المهاجرين الأوائل إلى الولايات المتحدة هي تجاوزات معتادة للجاليات المهاجرة قبل الاندماج.

 

الكتاب: رهبان الكنيسة ورجالات المافيا.. تاريخ علاقة المافيا بالكنيسة الكاثوليكية.

المؤلف: إيسايا سالِز

الناشر: روبتّينو (كاتنزارو-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2016.

عدد الصفحات: 336ص.

 

 

jawad wadi2مبادرة وفاء مائزة يقوم بها الكاتب العراقي أحمد شاكر سلمان بإصداره (دراسة حياتية فنية مختصرة عن حياة وفن المقام العراقي في العصر الراهن) أسماها "حسين الأعظمي سفير المقام العراقي"، أراد الكاتب من خلال كتابه هذا، أن يقدم شهادة وفاء لهذا الفنان المبدع كبادرة اعتراف لما يقدمه الدكتور الأعظمي من خدمات جليلة لفن المقام العراقي الخالد، أداء وبحثا ونبشا في الذاكرة، قبل أن تتضاءل أو تخبو اشراقات هذا الوجد العراقي الذي يشكل هوية وبطاقة تعريف يتفاخر بها كل العراقيين، خشية أن يطال المسخ هذا الجانب من التراث العراقي كما زحفت يد الخراب لمفاصل إبداع عديدة، كالسينما والمسرح والموسيقى وغيرها من العثرات التي يعيشها الابداع العراقي برمته، في زمن النوائب التي لا حصر لها.

تعددت أسفار وجهود الباحث الدكتور حسين الأعظمي في العقود الأخيرة بتعدد مواهبه وانجازاته المتميزة لوفائه وعشقه الفاتن لما يكتب ويبحث ويقدم خدمات جليلة لفن المقام العراقي الذي بقي هو الموروث الوحيد الذي لم تصله معاول الهدم والتشويه مقارنة ببقية الفنون الأخرى بسبب الزحف الظلامي الذي أخذ يعشعش في مفاصل الحياة العراقية، سعيا حثيثا ومتواصلا من لدن الباحث للحفاظ على أصالته ونقائه، ليظل علامة عز ومفخرة فنية وتراثية بارزة وخالدة لكل العراقيين الذين يتعاظم ابتلاؤهم يوما بعد آخر بسبب تعاظم الخراب وما يتعرضون له من مسخ وتقزيم لبلد كان فيما مضى يمطر إبداعا وعلما ورخاء، لتبزغ هذه الاشراقات التي بإمكانها أن تزيح الظلمة عن حياتنا التي ابتلت بكل رث وفاسد، وهكذا جهد مبارك يساهم في أن يحيي الأمل الذي أخذ يتلاشى تدريجيا، لتتحول أرض السواد، ارض الخير العميم، إلى صحارى وأراض جديبة، في كل المناحي والتفاصيل.

من هنا يأتي هذا الجهد الكبير للفنان والباحث الأعظمي بارقة أمل تجللها أياد بيضاء بارتعاشات العشق الطاهر، مندوفة بمياه نهرينا الخالدين، دجلة الخير وفرات النقاء والعذوبة المقدسة. ليظل كل من اختلطت دماؤه بهذين الرافدين الخالدين، مخلوقات ندية تزخر بالعطاء والخير والمحبة، وأجدني أن المبدع الأعظمي يستحق وبجدارة هذه التوصيفات لعطائه المتواصل والذي يمدنا دائما بالأمل والاشراقات والوفاء الدائم، ليظل يمتح من تراثه الخالد ليقدمه على طبق من الفتنة والهيبة المباركة، بإضافات ننحني لها اجلالا لتميزها النادر، من شأنها أن تخلق مسارات جديدة تلون المشهد الإبداعي العراقي برمته بألوان زاهية تزيح تلك الغيوم الكالحة التي باتت قدرا لعينا يلازمنا في حلنا وترحالنا.

كنا وما زلنا قريبين ومتابعين لهذا الصوت الجاد والمبارك منذ أواسط السبعينات، حين بدأ رحلة الاسراء وبعشق باذخ مع المقام العراقي، فنا وأداء وتراثا وانتماء، بفيض صوفي، ليوظف كل هذه التفاصيل في خدمة المقام العراقي ويحدث نقلة كبيرة ونوعية ابتعدت عن المألوف لا بمعنى القفز على ما سبق من منجزات، بل بإضافات مهمة ورؤيا إبداعية واكاديمية محكّمة، الأمر الذي جلب انتباه واهتمام كل من له علاقة بهذا التراث العظيم.

وأنا اتابع وأقرأ واكتب عن مؤلفات الدكتور الأعظمي، أجدني مأسورا بطريقة التناول العلمية بدراسات مختبرية، من شأنها أن تخلق خزانا معرفيا وتوثيقا علميا وفنيا للمقام العراقي، وسعيه الحثيث بخلق جغرافيا المكان والزمان وتفاصيل الوجود، بتلازم تاريخي، بحضور الزمان والمكان بطريقة موثقة، لتكون ابحاثه مرجعية وارشيفا لا يتعب المتابع في الوصول اليها والوقوف عليها وبسهولة شديدة، واعتقد شخصيا من خلال اقترابي من منجز الباحث، بأنه جنّد نفسه بوضع خريطة عمل وتبويبات وبرمجة علمية وبتناول فني وأكاديمي بجهود كبيرة ومضنية، حين بدأ بالكتابة في مؤلفه الأول "الطريقة القندرجية في المقام العراقي واتباعها" الذي تشرفت بالكتابة عنه، لتتبعه إصدارات رائدة تناولت طرق المقام وادائه منذ زمن الرعيل الأول من الرواد، كتعبير وفاء للمقام ومطربيه وباحثيه وعشاقه. والجدير بالملاحظة أن الفنان الأعظمي ومن خلال دراساته وابحاثه، شديد التعلق بجغرافية المكان وزمانه، حيث ولد وترعرع ودرس وتعلم المبادئ الأولى من خلال العتبات التي دفعته ليلج عوالم المقام لتأثيرات المحيط وبتعلق شديد الآصرة، وهذا ما نلاحظه بقوة في جل مؤلفاته، فلا غرو أن يظل شديد الوثوق بصباه ومراحل شبابه، حين نتبين أنه كان أحد أبطال العراق في المصارعة، وهذه سمة قد لا يعرفها العديد من العراقيين، دون أن يتردد بتفاخره بهذه المرحلة الهامة من حياته، لنشاركه ذات الاعتزاز وبمحبة غامرة، وهو يتفاخر بمرحلة صباه، بحنين صوفي،  وهو يحبو في كنف اعرق المدن العراقية، تلك هي مدينة الأعظمية العتيدة بتاريخها وناسها وانجازاتها ورجالاتها الخالدين بعطائهم في شتى مجالات الابداع والتميز، وبانتماء وطني صادق لبلدهم العراق العظيم.

شخصيا، ككاتب وشاعر ومترجم بمنجز لا بأس به، أنا شديد الاعجاب بهذا الفنان المبدع، ومما زاد اعتزازي به، حين شرفني هو وفرقته المصاحبة له،  المكونة من الراحل سامي عبد الأحد وعازف العود الكبير علي إمام وبقية المرافقين للفرقة،  بزيارة ظلت محفورة في وجداني، في شقتي المتواضعة بمدينة أسفي المغربية أواسط التسعينات، فكانت أمسية فنية باذخة بامتياز، وقتها لم أكن اعرف بأنه زيادة عن كونه مقرئ مجيد للمقام العراقي باقتدار، بأنه باحث اكاديمي من الطراز الأول، فزادني شرفا أن انجز ثلاث قراءات لثلاثة من كتبه الرصينة، وهنا اجدد اعجابي به وأنا اتناول هذا الكتاب الجديد الذي وأنا اضيء بعض جوانبه، من تأليف الكاتب المتميز الأستاذ أحمد شاكر سلمان، كلفتة وفاء لما يستحق منا جميعا، الدكتور الأعظمي من عظيم اعتراف بجميله علينا بتقريبنا اكثر لفننا الخالد، نحن محبيه، قارئا كبيرا للمقام وباحثا ثريا وراصدا متميزا لهذا الفن العراقي الأصيل.

قبل أن الج عتبات هذا الكتاب الذي هو سيرة ذاتية لفناننا وباحثنا الكبير، بودي أن احييه بقوة واعتبره جنديا معلوما لا مجهولا جنبا الى جنب لكل العراقيين الشرفاء الذين يخطون أروع ملاحم البطولات بدمائهم الزكية لطرد عفونات العصر من ظلاميين قتلة ويقدمون أروع البطولات، فلا غرو أن اعتبر الدكتور الأعظمي وطنيا اصيلا لا يبتعد كثيرا عن المقاتلين الأشاوس، حين أجده وبتفان متعاظم جنديا مقاتلا بأدواته الخاصة ليخط بمداده المبارك صفحات من الشخصية العراقية وتراثها الخالد ليحافظ على اصالة العراقي ويطرد الغبش الذي يطال تراثه البهي، شأن المقاتلين الذين ما فتئوا يلقّنون أعداء العراق دروسا في البطولات الوطنية الكبيرة، لذا فلكل مقاتل أدواته وحماسه وجهده، وباحثنا الأعظمي مقاتل من طراز خاص.

الكتاب من الحجم الكبير يتوزع على 430 صفحة تتصدر غلافه صورة بورتريه جميلة للفنان الأعظمي بطباعة انيقة، وكعهدنا دائما بالكتب السابقة للباحث الأعظمي، فان كاتب السيرة ومؤلف الكتاب وشح الكتاب بمجموعة كبيرة من الصور تتناول حياة المبدع الاعظمي في العديد من مراحله العمرية في شتى مجالات العطاء، صور منفردة أو صحبة زملاء وباحثين وأساتذة وموسيقيين أضفت على الكتاب رونقا جماليا باذخا تخفف على القارئ أعباء القراءة وتنشّط جهده الذهني في مواصلة تتمة الكتاب لما يتضمنه من مفاجئات تجعل من المستحيل على القارئ ان يترك تتمة القراءة دون ان يظل مرتبطا بصفحاته، لبساطة تناوله وتعدد المحطات التي توضح كثرة الأنشطة والفعاليات والشخوص والامكنة وغيرها، وهذه فطنة نحيي الكاتب عليها. والكتاب من اصدار مطابع الأديب البغدادية.

يفتتح الكاتب اهداء كتابه ل" الأساتذة البارعين: عبد الوهاب الشيخلي/ عادل الهاشمي/ يحيى ادريس... تقديرا لجهودهم الفائقة والمتواصلة، في تعريف وتثبيت وتوثيق الفن العراقي، مقاما وغناء وموسيقى... أهدي كتابي هذا." والاهداء مرفق بصور الأشخاص المذكرة أسماؤهم أعلاه.

دون ان ينسى الكاتب تقديم كلمة شكر وثناء لكل من قدم له يد العون والمشورة والمعلومة في انجاز هذا الجهد المشكور، ويذكر مجموعة من الأسماء بحضورها الفني والأكاديمي والشخصي والقريبة من الباحث وفن المقام العراقية.  

يتوزع الكتاب على بابين طويلين، الباب الأول يتضمن ثلاثة فصول والباب الثاني يحتوي على أربعة فصول، مضافا لذلك: الاهداء/ شكر وثناء/ قصيدة... "وحسينُ المقامِ يبقى حسيناً"/ صورتان للجسر العتيق (الأئمة حاليا) ثم المقدمة"

اعتمد الكاتب على مصادر عديدة ومراجع لا حصر لها لتعينه على توثيق سيرة الفنان والباحث الكبير حسين الاعظمي، ثم وهنا ما ينبغي الإشارة له وباعتزاز مجموعة الصورة الكثيرة والرائعة التي تزين دفتي الكتاب، الامر الذي يمنح القراءة لذة كبيرة ومتعة فائقة ويجعل القارئ يقف على محطات هامة من تاريخ المقام ورواده وباحثيه وعازفيه ومحبيه، وتغطية وافية لسيرة حياة الفنان الاعظمي منذ مراحل صباه حتى محطة تسيّده على عرش المقام العراقي اليوم، مؤديا وقارئا وعارفا وباحثا بوفاء نادر، وهذا ما تابعناه واطلعنا عليه وكتبنا عنه في مؤلفاته السابقة، ليؤدي خدمة لا تقدر بثمن للمكتبة العراقية وهذه الجهود البحثية تضفي للمكتبة العراقية وتحديدا في فن المقام العراقي مراجع يعود اليها الدارس والقارئ والمحب العراقي حين ينوي الاقتراب من هذا الفن الباذخ، اطلاعا ومعرفة وسعة افق، ليتحول الى مستمع متميز يحقق له الاطلاع على هذه الكتب وبالتالي تتحقق له متعة الانصات بوعي فائق التهذيب والمعرفة.

يستشهد الكاتب بكلمات اعتراف صادقة عن لسان الفنان الاعظمي وكأنه بوح واعتراف طقسي بوفاء نادر مع الذات:

"إنني اجتذب الناس بصورة غريبة...! فامتلك رضاهم ومحبتهم وقبولهم...! والله يشهد أنني صادقٌ معهم في كل شيء، في الباطن والعلن..."، إنه اعتراف مطول يريد أن يعتبرها الأعظمي سجية وخصلة حميدتين، ونحن نعرف من خلال متابعاتنا الممتدة لعقود لهذا الفنان المتميز، أنه صادق فيما ذهب اليه من اعترافات إنسانية موجعة ومؤثرة، ليبعد عنه الالسن الذربة التي لا هم لها سوى المتابعات الرثة للناس وهم لا في العير ولا في النفير.

إنها كلمات نقية وصادقة تعبر عن حالات التوحد الصوفي مع الذات والآخر، بصفاء روحي وسعي ايماني قوي لطرد اية شوائب حياتية قد تُستغل من لدن من به مرض ورثاثات لا حصر لها.

يقول المؤلف عبر استرساله الكلام عن الفنان والباحث الاعظمي:

(حسين الاعظمي، علامة مشرقة في مسيرة المقام العراقي، جديرة بأن نقف عندها... نتأملها ما وسعنا الى ذلك سبيلا... فسيرته الفنية السائرة بلا هوادة، تعد تجربة مقامية نادرة تدعو الى الفخر والإعجاب... توكّلَ على الله سبحانه وتعالى واعتمد على ذاته، وشق طريقه بنفسه، فاذا هو نسيج وحده في دنيا المقام العراقي...)

هذه شهادة واضحة وصريحة لعصامية الفنان الاعظمي، وسعيه الحثيث في الحفر في دهاليز هذا الفن الخالد، ببذله جهدا كبيرا وصبرا لا يستهان به، وبوعي قد تحمّله رغم الصعاب الكثيرة، ليخرج لنا كنزا أكاديميا رصينا بوضع بوصلة دقيقة التوجه، وبالتالي يضعنا نحن المتابعين لهذا الفن العزيز على الطريق السوي، بعيدا عن الاسفاف والاقحام غير المرغوب فيهما، لينير طريق الانصات والمعرفة العلمية، لتتضاعف متعة تعلقنا بهذا الفن الخالد.

والجدير بالذكر أن الفنان الاعظمي صحبة كاتب السيرة الأستاذ سلمان، قد عملا معا لإزاحة الغبار عن محطات حياتية عديدة لمسيرة الفنان الاعظمي منذ صباه وحتى يومنا هذا، وما اختزنته الذاكرة بعرض صور لا حصر لها توثق حياة هذا الفنان، رغم ملاحظاتي وتحفظي على نشر بعض هذه الصور التي تثير لدي المواجع، سوى صورة أرشيفية واحدة حركت وجدي بقوة واعادتني عقودا الى الوراء، تلك الصورة التي تضم مجموعة من الشباب المتميزين في رياضة المصارعة في نادي الاعظمية الرياضي، يتوسطهم طيب الذكر الأستاذ وليد إبراهيم الاعظمي، الذي أعدمه النظام فرية آنذاك، حيث كان المدير العام للشركة العامة للمشروبات الغازية، حينها كنت اعمل في هذه الشركة، وكانت لهذا الشهيد مواقف نبيلة، حيث وقف معي في منع محاربة بعض شذاذ الآفاق لي كوني كنت منتميا لحزب يساري ليس على وفاق مع حزب البعث، وكانت مواقفه النبيلة دليل على نضج ووعي هذا الرجل، ولكنه سرعان ما تم تعيينه محافظا لكركوك، و لتطاله يد القتلة، ليتم إعدامه ظلما وعدوانا اسوة ببقية الحزبيين من رفاقه الاخرين الذين كانوا يعارضون سياسة التفرد والاقصاء، وابعاد الطيبين. الرحمة الواسعة لهذا الانسان العراقي الأصيل. 

ومما يدعوني للتساؤل وانا اتصفح الصور الكثيرة في الكتاب، لم اعثر على أثر يذكر لصديقي المصارع والمدرب المعروف في المصارعة السيد خلدون عبدي، الذي كان يعمل معي في شعبة المشتريات الخارجية في الشركة المذكورة، له اعبق الذكر.

ان فناننا الاعظمي كان بطلا للعراق في المصارعة 1970/1975 وهذه محطة هامة قد لا يعرفها محبوه ومتابعو إنجازات الفنية والأكاديمية.

لا ينبغي أن نترك هذا الكتاب الذي يعتبر توشيحا وعرفانا لما قدمه الدكتور الاعظمي، دون أن نقدم نيابة عن الشخصية المحتفى بها، اعطر التحايا واصدق التبريكات مقرونة بالعرفان والمحبة للمؤلف السيد احمد شاكر سلمان، مباركين له هذا الجهد الكبير في انصاف من يستحق التكريم، وفناننا وباحثنا الأعظمي جدير بكل تقدير وعرفان بالجميل.

    

 جواد وادي

    

  

1150 ashعن (ملتقى العشرة كراسي الثقافي) الذي أسس حديثا في مدينة الحلة الفيحاء صدر العدد الأول من مجلته التي حملت أسمه (العشرة كراسي)، وهي مجلة فصلية ثقافية عامة كما جاء في ترويستها، وتقع في 194 صفحة من القطع الكبير .

تضمن العدد كلمة افتتاحية بقلم رئيس التحرير قال فيها (بدأنا مشوارنا الثقافي الجديد ونحن نتلمس صفحات هذا الوليد "العشرة كراسي" بعد أن تركت مجلة "أوراق فراتية" فراغا كبيرا في الساحة الثقافية البابلية بتوقفها عن الصدور)، وأوضح أن مهمة هذه المجلة (هي توثيق ودعم للمشهد الثقافي والإبداعي البابلي خصوصا والعراقي عموما)، ودعا في نهاية كلمته (إلى تبني الخطاب الثقافي الوطني الذي يأخذ بأيدينا إلى بناء مجتمع مزدهر بعد خراب في المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي) .

ووزعت محتويات المجلة إلى أبواب، وكان أولها باب البحوث والدراسات، وكتب فيه طارق الكناني (مدارات عقائدية)، والدكتور علي التميمي (أحزاب السلطة)، ورياض البياتي (أنابيب الغاز الكبرى)، والدكتور عبود الحلي (اللغة العربية وتحدياتها)، وفي باب شخصية العدد كتب الدكتور سعد الحداد عن (السيد محمد علي النجار)، وقد وصفه بـ (فاكهة المجاس وعطرها)، وفي باب ذاكرة كتب جواد عبد الكاظم محسن عن (خليل اسكندر) كما رآه، وفي باب قراءات كتبت الدكتورة أسماء غريب عن (همسات العصافير)، والدكتور عبد الرضا عوض عن (التدني الفكري في المراكز البحثية)، وجعل من المحور الشعري في (موسوعة الحلة الحضارية) أنموذجا لما قصد، وكتب نبيل الربيعي (ومضات من وقعة عاكف) .

أما في باب الشعر فنشرت قصيدتان؛ الأولى بعنوان (وصمة الترك) للشاعر على الحمداني، والثانية (أرجوزة العشرة كراسي) للشاعر مضر النجار)، وتلا ذلك الأبواب الثابتة للمجلة، وهي أخبار ثقافية، وإصدارات حديثة، وإصدار دار الفرات للثقافة والأعلام، وفي رحاب دار الفرات وهي الجهة الراعية لهذا الملتقى الثقافي، وآخر الكلام بقلم مدير التحرير، وقد ختم به محتويات هذا العدد، وقال فيه بأن المجلة وقد (أشهرت هويتها الفصلية وجدواها التواصلي ومهامها الفكرية جديرة باهتمام المثقفين وهم يرفدون بعطاءاتهم الثرة في المشهد الثقافي الوطني وصولا لأعمامها عبر صفحاتها لتكون خير مفصح عن تطلعات جديدة لدور المثقف العراقي في راهن إشكالي حقا) .

من الجدير بالذكر أن هيأة تحرير المجلة تتكون من رئيس التحرير الدكتور عبد الرضا عوض ومدير التحرير جبار الكواز وسكرتير التحرير نبيل عبد الأمير الربيعي والتنضيد الطباعي علي عبد الرضا عوض والمراجعة اللغوية عبد الأميرخليل مراد، بينما تكونت هيأتها الاستشارية من الأستاذ الدكتور المتمرس محمد كريم الشمري، والأستاذ الدكتور يحيى المعموري، والأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي، والدكتورة أسماء غريب، والدكتور المهندس نصير علي الحسيني .

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

 

balkis alkaysiصدر في عمان بالأردن هذا العام 2017 كتابي الذي عنوانه "التوحّد العالم بنظرة أخرى" بمئتين وخمسين صفحة. لقد قلت في التمهيد لذلك الكتاب: على الرغم من أن البوادر الأولى لعوق التوحد ظهرت في أوروبا قبل أكثر من قرن، وإن الأوروبيين تعاملوا معه منذ نهاية العقد الأول للقرن الماضي وشخصوه وكتبوا عنه المقالات بدء ا ً من الأربعينيات ثم شكلوا الاتحادات والمنظمات والمؤسسات التي تدافع عن حقوق المتوحدين وتدعمهم وتحث الحكومات على تبنيهم وتأسيس المدارس الخاصة بهم ووضع برامج متقدمة تناسب قدراتهم الذهنية وتطورها بشكل ملحوظ، أقول بالرغم من كل ذلك نجد انفسنا نحن العرب متخلفين جدا في هذا المجال ولانملك الخبرة الكافية للتعامل معه، فالمتوحد في بلادنا يمكن أن يضيع  وبالإمكان المحافظة عليه وتطويره لو توفرت له الظروف الخاصة مع التأكيد التام أن نسبة هذا العوق آخذة بالازدياد عقدا بعد عقد إن لم نقل سنة بعد أخرى.

وقد وضّحت في التمهيد عن حال التجارب بيننا وبين الدول الأوروبيّة المتقدمة وبين تجاربنا وكذلك الفارق الزمني بين تأسيس اتحاداتنا ومؤسساتنا ومدارسنا ومراكزنا واتحادت الأوروبيين ومؤسساتهم فهم قد سبقونا في التجارب بأكثر من ثمانين عاما وفي تشكيل الاتحادت والمؤسسات الخاصة بالتوحّد بخمسين عاما ثم هناك الفرق بين نظرتنا ورؤياهم لعوق التوحد إنه في أوروبا عوق ذهني ويعدّه مجتمعنا نوعا من الجنون أو المناخوليا وهذا يدلّ على عدم الدقة في اختيار المصطلحات الخاصة بحقل نفسي طبّي اجتماعي.

ثمّ تأتي بعد ذلك المقدِّمة التي تحدثت فيها عن تعريف التوحد ونسبته في العالم فقد جاء التعريف بأنّه : يمكن أن يعرف التوحد  بأنه: اضطراب في نمو الدماغ يتسبب عنه ضعف التفاعل الاجتماعي عند الفرد والاتصال ويقتصر على سلوك متكرر وتلك علاماته التي تظهر على الطفل قبل أن يبلغ سن الثلاث سنوات.

بتعير آخر: هو اضطراب بايولوجي في المخ يعوق المهارات والاتصالات الاجتماعية.

تشبيها له بطيف الشمس spectrumويطلق الأوربيون على التوحد كلمة أو وصف " الطيف "

المتعدد الألوان وهذا الوصف علمي أكثر مما هو شاعري لأن التوحد يتكون من عدة أفراد  ليس  هناك من حالة تشبه الحالة الأخرى فكل حالة تختلف اختلافا واضحا عن أية حالة أخرى لكن مايجمعها كلها هو التوحد مثل الطيف الشمسي المتكون من ألوان أساسية كل لون لايشبه الآخر لكن مايجمعها هو الضوء.

أمّا عن النسبةفي دول العالم فهي تختلف من دولة إلى أخرى وفق إحصاءات تلك الدول. إنّ بعض الدول لا تعنى الإحصاءات الدقيقة في المجالات والحقول الصحية والنفسية في حين نجد بلدانا مثل بريطانيا والدنمارك والسويد والنروج والولايات المتحدة الأمريكية تعطينا أعدادا مضبوطة صحيحةللمتوحدين إذ تبغي من جراء ذلك تقديم المساعدات والخدمات والمنح النقدية لهم  والجدير بالذكر أن الكتاب الذي ألّفته عن التوحد كان من المفروض أن يطبع قبل ثلاث سنوات وقد ذكرت فيه النسبة الرسمية في بريطانيا والدول الأخرى وقدعرفت من خلال متابعتي السنوية واهتمامي بالموضوع أن النسبة زادت في بريطانيا عما كانت عليه سابقا وهذا يشير ايضا إلى ازديادنسبة المتوحدين في بقيّة أنحاء العالم.

يأتي الفصل الأوّل وعنوانه تاريخ التوحّد وقد تتبعت فيه تاريخ التوحد والمصطلح الخاص به فقد كان الأوروبيون انفسهم قبل أكثر من قرنين ينظرون إلى هذا العوق نظرة خرافية إذ تدلنا المصادر القديمة إلى وجود حالات من التوحد ترجع إلى ماقبل عام 1747 في بريطانيا فتذكر أن هناك صبيا له من العمر 12 عاما  كان يعاني من توحد وفقدان مشاعر صعب وقد عد الصبي حينذاك ممسوسا أي به لوثة من الجنون وتسكنه أرواح خبيثة وأشباح شيطانية وقد تم الاقتراح على أن يموت خنقا، أما قضية المتوحد هيوج بلير فقد كشفت تفاصيلها عام 1747 وارتبطت بالمحكمة القانونية حين التمس أخو المصاب من المحكمة حكما ليكسب الإرث وقد تم له ماأراد، وهناك شخص آخر يدعى أفيرون ظهرت عليه علامات التوحد في العام 1798 وهو من التوحد الصعب وقد عالجه طالب طب اسمه جين إثيارد وفق برنامج سلوكي صمم لمساعدته وحمايته  من المجتمع عبر إقناعه بالتأمل.

أما المصطلح التوحد autism فترجع إلى الجذر اللاتيني autismus وقد أطلقه العالم السويسري يوجين  بلولـر الذي كان قد حدد سابقا مفهوم الشيزوفرينيا عام 1911 وكلمة التوحد اللاتينية آوتزم اشتقت اشتقت أساسا من الإغريقية autos وتعني نفس أي الإعجاب بالنفس أي إعجاب المريض بنفسه لتقابل الهوس الذاتي فتعني من حيث العموم الاضطراب الذي لايطاق.

1148 balkisأما الفصل الثاني فقد حمل عنوان أسباب التوحد وفيه ذكرت وجهات النظر المختلفة  فهناك من يرى أن أصل التوحد هو سبب جيني يرجع بالأساس إلى الكروموسومات، فالطفل الذي يولد غير نمطي أو وفق مانطلق عليه في اللغة العربية خطأ منغولي الشكل يرجع السبب في شكله إلى وجود كروموسوم زائد في سلسلة الكروموسومات لكن ماهو الخلل في الكروموسومات عند المتوحد لاسيما أن المتوحد يبدو من حيث الشكل طبيعيا مثلنا؟ هناك من يقر بخلل ما لكن ليس بشكل مؤكد وهناك من يرى أن السبب يرجع إلى عوامل وراثية أو اسباب كيمياوية منها أن يكون أحد الوالدين قد تعاطى دواء ما لفترة طويلة  إلا أن هناك احتمالات في ذكر بعض الأمور التي يمكن أن تكون مسببات أو عوامل مساعدة في التوحد مثل التدخين من قبل النساء الحوامل والإدمان على الكحول والمخدرات وبعض المضادات الحيوية.

كما تذهب بعض التخمينيات إلى تصورات أبعد تتمثل في تغير البيئة والمناخ والتلوث المحيط وانبعاث الغازات وغيرها من العوامل البيئية المحيطة، وهناك بعض البحوث التي ترى في المطر المستمر ومراقبة التلفزيون طويلا من أسباب التوحد إذا كان عند الشخص استعداد وراثي للتوحد كما أورد ذلك بحث

وكان الفصل الثالث بعنوان السمات المتركة بين التوحد وعوقين آخرين هما:  هناك نوعان العوق تشترك في بعض المظاهرن فعلينا أن نفرق بينها لكي لانقع في اللبس وهذان العوقان هما:

أولا: عوق الأسبرجر: وهي عوق ذهني قريب من التوحد وأحيانا يصعب الفصل بينهما في البدء لكن العبء في ذلك يقع على الإخصائي.

ثانيا selective mutism =sm

وهو عوق يترجم بمصطلح ( البكم الانتقائي) ويعرف بأنه ضطراب نفسي فيه الشخص عادة مايكون قادرا على الكلام وغير قادر ونحن هنا نترجم المصطلح بكونه عوقا وفق مايراه الأوروبيون المختصون فهم يقفون من التوحد والبكم والانتقائي والأسبرجر على أنها عوق وليست مرضا لذلك يمكن أن يفهمها القاريء العربي على أنها أمراض والبكم الانتقائي هو عبارة عن ظاهرة بكمة تصيب الطفل وتستمر معه إلى الكبر وترافقه طول حياته وسميت اتقائية لأن المصاب بها لايتكلم مع الجميع بل مع شخص واحد فقط كما إنه يختلف عن الأخرس كون الأخير لايعني ضررا في المخ بل لأسباب لامجال  لذكرها في هذا الكتاب.

وقد ذكرت في الفصل الرابعدرجات التوحد وهي فق عنوان الفصل: درجات التوحد

ينقسم التوحد وفق الدرجات التالية :

الدرجة الأولى التوحد البسيط وهو أرقى تلك الدرجات ويمكن في هذه الحالة أن يعتمد المتوحد على نفسه وإن كان ذلك بحدود أو أن ينبغ في موضوع كما في مراقبة حركة الطائرات في المطار أو في الرسم مع ذلك يقى عند هذا الشخص نقص في الجوانب الأخرى ثم الدرجة المتوسطة أخيرا الدرجة الصعبة

ويمكن أن يصنف التوحد أيضا وفق مايرافقه من تشخيصات وهي:

1- توحد فقط ليس معه أي تشخيص لعوق آخر.

2- توحد يرافقه عوق آخر كالتخلف مثلا ومثل هذا التوحد يطلق على المصابين به  أي مجموعة المتخلفين.

3- توحد مركب أي مع حالتين مثل توحد مع تخلف بالإضافة إلىحركة مفرطة

وأشرت في الفصل الخامس إلى المثلث لعقلي فلو أخذنا  لو أخذنا أي عقل طبيعي لوجدناه يحتوي على ثلاث نقاط رئيسية تشكل المثلث المتكامل الذي يسبب فقدان أي  ضلع من أضلاعه خللا في حياة الإنسان، والنقاط الثلاث هي:ضلع اللغة وضلع الخيال وضلع الاتصال إن أي خلل في أحد أضلاع المثلث يمكن أن يحدث خللا عقليا لاسيما أن ذلك الخلل ينطبع في سلوك الشخص  تجاه نفسه والآخرين.

ويعنى الفصل السادس بالكلمة والمعنى فيحمل عنوان " زراعة المعاني"  وقد ذكرت أن المتوحد يولد طفلا طبيعيا من حيث الشكل ليس هناك من علامة تدلك على عوقه عند الولادة كما إن فحص السونار في أثناء  الحمل يشير إلى جنس الطفل ولا يدل على كونه متوحدا قط أما من الداخل أي داخل دماغ الطفل فيمكن للعلماء أن يشبهوا الفرق  بين المتوحد والطبيعي بتشبيه العقل البشري عامة بالحقل أو التراب، إن معاني الكلمات في العقل الطبيعي مثل البذور الموجودة في التراب إذا أردتها أن تنمو فما عليك إلا أن تسقيها بالماء أما عقل المتوحد فيشبه التراب الخالي من أية بذرة في هذه الحالة يجب عليك أن تزرع البذور أولا في هذا الحقل ثم تسقيها لكي تنمو، من هنا تكمن الصعوبة لأن عملية زرع الكلمات تكون في ذهن خال.

ثم جاء الحديث في الفصل السابع عن " اكتشاف المتوحد" إذ أعود لأذكِّر  أنّه من سن 0 إلى سن 3 سنوات تحدث في هذه الفترة أشياء كثيرة تخص الطفل منها قدرته على الكلام واللعب والسلوك الطبيعي والحزن أو الفرح، وأهم مايميز المتوحد خلال تلك الفترة الآتي:

نقص  المقدرة اللغوية: أي عدم مقدرته اللغوية، فهو لايستطيع أن يكون جملا مفيدة وجمله متعثرة أو غير مفهومة وأحيانا ينطق كلمات مشوشة لامعنى لها.وويتجسد نطقه بالصفات التالية:

لجلجة أو مقاطع سمعها ،الصدى: ترديد آخر كلمة سمعها من شخص، حركة الجسد وتتكون من الرمش بالعين، اهتزازات الرقبة، حركة الكتفين، تجهم الوجه، فتح الفم. والحركة المفرطة أي  عدم استقراره لوقت قصير في مكان محدد أما المناطق المفتوحة مثل الشوارع والمنتزهات فهي تشكل خطورة كبيرة عليه خاصة حين يفلت من رقابة الوالدين.

ولدينا أيضا إطاعة الأمر : إن الطفل الطبيعي يطيع أمر الأب والأم من أول مرة ولعله يرفض أن يطيع من أول مرة فمن ثاني مرة وهو الحد الأعلى أما المتوحد فهو لايستجيب للطلب وإن استجاب فبعامل الخوف لا الطاعة وهناك اللعب الجماعي فالطفل المتوحد لا يساهم في اللعب الجماعي.

وفي الفصل الثامن دار الحديث عن " إيذاء النفس"  إن جرح البدن من قبل المتوحد يشمل:ضرب الرأس.صفع أو ضرب البدن.عض أجزاء من البدن مثل اليد.إيذا العين عبر النقر أو الوخز أو أية حركة أخرى.جر الشعر بقوة.

أما السلوك العدواني فقد خصصت له الفصل التاسع والسلوك العدواني هو سلوك عنيف موجه ضد أناس آخرين فيما يخص الأفراد الطبيعيين يصنف السلوك العدواني من قبل الشخص تجاه آخرين في إطارين: سلوك عدواني ذو عنف شفوي ذو كلمات قاسية احتقار شتائم تهديد إلخ...وسلوك عدواني بدني استخدام اليد الرجل آلة حادة ....الخ

أما المتوحد فيشمله الصنف الثاني لأن عامل اللغة ينقصه ولكون الكلمات مزروعة في ذهنه بالتدريب والتكرار فهو لايدرك حقا أبعادها الضمنية والرمزية. إن بعض الأطفال المتوحدين لديهم الكثير من الماشكل مع الأطفال الآخرين أو الكبار الذين يجدون صعوبة في فهم الآخر المتوحد لسلوكه غير المتوقع المفاجيء لنا فيخافون منهم ويتساءلون لم فعل هذا الطفل مثل هذا الفعل.

إن هناك تساؤلا في الفصل العاشر " ماذا بعدالكشف" لتوضيح السؤال أقول: وأخيرا تكتشف العائلة أن طفلها متوحد وهذا ماأكده المختصون وبان من أنماط السلوك التي وضحناها من قبل.

فماذا بعد الكشف؟

وكيف تستقبل الخبر ؟

فعلى الأم سوف يقع العبء الأكبر،وما عليها إلا أن تتناسى أنها أم وتهيء نفسها لأن تكون ممرضة ومربية ومعلمة أكثر من كونها أما لأن العبء الأصعب سوف يقع عليها بلا شك،وهذا ماسجلته حالات التوحد الكثيرة.

إن مهمة الأم صعبة لكن جهودها بالتأكيد سوف تثمر في المستقل عن تصحيح كبير في مسار طفلها المتوحد إلى درجة أنها قد تكون متعبة من الناحية الجسدية لكنها سعيدة بعملها ونتائجه المثمرة.

لاشك أن هناك أسئلة مهمة نضعها في الحسبان ألخصها من الفصل الحادي عشر المتوحد وهي أسئلة ملزمة لنا من أجل أن نساعد المتوحد وأنفسنا لنقترب في فهمنا منه ومتطلباته، والأسئلة هي:من  ماذا أين متى

فما يخص كلمة " من " هو أن المتوحد غير قادر على الاعتماد على نفسه بل هناك أناس يساعدونه فمن الضروري أن يعرف من هؤلاء لأن المتوحد لايستوعب الآخر لكنه يربط بين الأحداث والأشخاص، هناك طفل رآى والده ينزلق قبل أن يصعد الحافلة التي توقفت لتقله فهو يربط دائما بين والده الذي سقط " من " الذي له علاقة به والحافلة دائما.

وتأتي الإجراءات الاحترازية في الفصل الثاني عشر مفصلة وهي: الرائحة، 1-رائحة الجسد 2- الضوء 3 ـ الضوضاء 4 ـ اللون 5 ـ ترتيب الأثاث وإخراجه .

وقد أدرجت في الفصل الثالث عشر أنماط سلوك الفوضى عند المتوحدين وهي  السلوك المشين الخارج عن الأعراف والتقاليد والذوق.ففي التصرف العنيف قبل أن يبدأ المتوحد سلوكه العنيف هناك إشارات يفهمها المختصون والأبوان تدلهم إلى ماسيأتي في اللحظة القادمة منها على سبيل المثال لا الحصر :

1 ـ تغير نبرة الصوت.

2 ـ تغير في الوجه مع ميلان للاصفرار.

3 ـ تكرار لكلمات محددة قد تكون مفهوهة  أو غير مفهومة سريعة وغير مترابطة.

ثم يبدأ العنف: الركل .الهجوم على الأشياء. مهاجمة الافراد. إيذاء النفس...

وورد في الكتاب منخلال الفصل الرابع عشر " نمطان للسلوك" فئتان: النمط الأول الشائع مانطلق عليه الاضطراب  المعترض ويندرج تحته ربع المتوحدين 1/4 ، والنوع الثاني الأكثر شدة ولحسن الحظ الأكثر ندرة وهو المسمى اضطراب " فوضى " التوصيل.

أما البرنامج العام الذي ورد في الفصل الخامس عشر فيعني الخطوات المنهجية التي علينا

مراعاتها بصفتنا آباء وأمهات لننتقل من النظرية إلى التطبيق العملي ويمكن أن يتحقق في :

توفير الهدوء التام للمتوحد وهي مسألة تخص التشويش الذهني الذي يعاني منه.

رفع كل مايمكن أن يسبب له أذى في البيت وهذا أمر يتعلق بالسلامة نجد بعض العوائل التي تثبت جهاز التلفاز في الحائط بمستوى عال وبعضها يستبدل صحون المطبخ بأخرى من البلاستك يمكن تحمل الأمر حتى يتم ترويض المتوحد.

النظام في البيت وذا شأن يتعلق  بالتقليد. إن المتوحد يقلد الرديء والجيد فلو تشاجر أخ طبيعي للمتوحد مع أخته الطبيعية وأدى الأمر إلى الصفع فمن الممكن أن يتخذ المتوحد من الضرب والركل عادة تترسخ فيه ولو عرف أن أخاه بال في فراشه لفعل ذلك من باب التقليد عندئذ نحتاج إلى جهد إضافي آخر لنجعله يتخلى عن هذه العادة.

وتحدثنا عن الفصولالأخرى وهي: السادس عشر إلى التاسع عشر عن: برنامج العطلة،القصة والتمثيلية،في التجارب العملية،التعليم بالموسيقى والرسم.وهنك فصل : استطلاعات وفصل خاص بالمتوحد العربي.

ثم تأتي الخاتمة التي تلخص نتائج هذه الدراسة وندعو فيها كذلك المجتمع العربي إلى الاستفادةمن تجارب الدول الأوربية وجهودهافيهذا المضمار.

وفي الختم نودّ الإشارة إلى أن الدراسة تلك ضمت عددا من الملاحق المهمة والجداول البيانية والرسومات التي تساعد القاريء العربي وتزيده خبرة وتجربة في التعامل مع حالات التوحد التي  توليها الدول المتقدمة اهتماما كبيرا وتسخر لها كل إمكاناتها العلمية والمادية.

 

الدكتورة بلقيس القيسي - المملكة المتحدة

 

 

ali almirhigلم أجد في دفاع شلايرماخر عن الدين سوى قراءة حالمة، المتمنى فيها أشد حضوراً من الواقع، فليس في الدين، إن رام شلايرماخر في دفاعه عنه، غير رؤى حالمة بأن نكون نحن بنو البشر مفارقون لطبيعة خَلقنا، كي ينتفي الصراع.

ولا أُخفيكم سراً أنني لا زلت لا أعرف مقصد شلايرماخر في دفاعه عن الدين، وأي دين يقصد، هل هو الدين السماوي؟ أم هو الدين الوضعي؟، وهل ديانات الشعوب غير التوحيدية هي من مرامي مقصده في الدفاع عن الدين؟ أم أنها تقع خارج منظومته الدفاعية.

لأن لُب الحياة الحقيقية عنده مُتجسدة في الدين، بوصفه المحرك الحيوي الدائم لصيرورة حياتنا، لأن وجوده مُتجذرٌ فينا، وهو الذي يمنح وجودنا كينونته.

وإمعاناً منه في تأكيد قراءته الحالمة للدين وفاعلية حضوره الإيجابي نجده يرى أن مغزى الدين توسيع أُطر المعرفة، "لأن فكرة الدين حُرة"(ص125)، فأينما يشع نور الله في قلب مؤمن، فتيقن أن "روح الله" الحُرة قد نشرت ضياءها في آفاق العالم الرحبة. لأن وجود الإنسان محكو بنظام ديني منذ ولادته!!. وهذا يعني "أن لا مناص من الحاجة لفهم الدين، بوصفه الوحيد القادر على أن يُقدم لنا فهماً مُتكاملاً للوجود من دون تشريحه أو تقطيع أوصاله" (ص130)، ولا أعرف كيف تسنى لشلايرماخر التوصل لهذا الحكم الذي أقصى فيه ضمناً حاجتنا للعلوم الطبيعية والرياضية؟ التي لا تنسجم مع الدين كثيراً لا في مُقدماتها ولا في نتائجها، وما أعرفه أن الدين كوجود نصي وتفسيري قد تراجع أمام مقولات العلم، رياضياً كان أم تجريبياً. وصار كثير من رجال الدين يميلون لربط الدين بالعلم بعد أن وجدوا ألّا قبول اجتماعي لهم في الإصرار على رفض مقولات العلم، وبعضهم آثر الإيمان بأن للدين ميدانه وللعلم ميدانه، وربما يلتقيان في المقصد والغاية، طِبقاً لقول ابن رشد في كتابه "فصل المقال": " أن الشريعة حق والحكمة حق، والحق لا يُضّاد الحق، بل يوافقه ويشهد له".

لم أجد في قراءة "الفقيه" أو "الصوفي" الحالم شلايرماخر ما هو قريب من متبنيات ابن رشد في الربط بين "الحكمة والشريعة"، إنما كانت أقواله مقولات صوفي حالم لا يرى في الدين سوى أنه "أفضل طُرق الإتصال بالحياة" (ص134)، وأي دين يقصد؟ وكيف يكون الدين أفضل طُرق الوصول للحياة؟، فهذا مما لا جواب واضح عنده.، فهل يمكن لنا أن نقول أن الفقيه الذي يفم الدين من داخله هو في تدينه مساوٍ للصوفي الذي فهم الدين من داخله أيضا، لأن شلايرماخر لا يؤيد "فهم الدين من خارجه" (ص125) رغم إختلاف طُرق الوصول، فالفقيه له متبنياته القُدسية التي سلح نفسه بها وفق وعي لغوي وتنزيلي للنص، والصوفي له مُتبنياته الخارج فقهية، والمتسلحة في الوعي الجواني للنص، وبقراءة بسيطة نُدرك أن شلايرماخر في دفاعه عن الدين هو أقرب للفهم الصوفي الحالم للنص، ولكن ما هو حال الفقيه المتآلف مع التفسير الفقهي للنص؟ وما هو حال العالم الطبيعي الذي يُضيف معنى وتفسيراً للوجود لا يبدو أنه من داخل النص القُدسي، وربما يتناقض معه في كثير من تجلياته التجريبية والمخبرية؟.

بقيّ شلايرماخر أسير رؤيته للدين ببعده الصوفي الحالم وتعريفه للدين بأنه غور الفرد الحدسي في ذاته، ليجعل من الدين قريباً من الفن يرتبط أحدهما بالآخر بوشائج قوية لها دلالاتها الروحية، وإن يكن "الدين ليس الفن، ولكن الإثنين يتوازيان على مستويات شتى" (ص144).

إن الدين عن شلايرماخر "فلسفة الإنسان التي ترتفع إلى مفهوم تعامله مع العالم...بوصفه أغنى مصادر طاقة (هذا العالم) وأكثرها عناية به، كونه "قوة أبدية وهو جوهرة وتعويذة تُزّين الوجود وتحميه" (ص145-146).

إن رؤية شلايرماخر الحالمة للدين هذه جعلته لا يرى في الدين سوى أنه تشريع لقبول التنوع والإختلاف، لأنه هو الذي "يمنحنا قدرة على أن نرى الآخر كرؤيتنا لذواتنا، أن تعاطى مع شرعية وجودنا عبير ما نُضفيه على الآخر من شرعية للوجود" (ص152). ولا أعرف كيف تسنى لشلايرماخر الوصول لهذه النتيجة التي تُعارضها طبيعة الدين، أي دين، بأنه من توصل لإدراك كُنه الحقيقة المطلقة، وتأسف دُعاته بأقل تقدير على أن مُخالفيهم لم يُدركوها!!.

والأغرب من ذلك كله أن شلايرماخر يرى أن: "الطيف الكهنوتي مجتمع، يُمكن أن يُوصف بالنظام المتكامل، إذ لا وجود لطبق أرسقراطية مُستبدة فيه، وحيث كل إنسان يكون هو القائد وهو المجتمع على حدٍ سواء" (ص157) !!. ليُزيد الطينة بِلّة بتساؤله المُدهش: أين هي روح الفتنة والإنقسامات، التي تتحدثون عنها وتتعاملون معها كما لو أنّها نتيجة حتمية لا تنفلت عن شِراكها الأديان"؟.

وكأن شلايرماخر يجهل صراع المسيحية مع اليهودية، وصلب المسيح. وكأنه يجهل ما سُميّ ب "الحروب الصليبية" بين المسلمين والمسيحيين، وربما تناسى معارك "الفتح الإسلامي"، فهذه كلها وغيرها لا تُعّدُ مؤشراً أن هناك فتنة أثارها دُعاة الدين ومتبنيه.

ومع كل ما أشرنا يُصر شلايرماخر على أن "الدين وحده القادر على منح الإنسان قوة قبول الحياة في أصى درجات إنحدارها... و الكهنوتي عنده واضح في تعبيره، مُشرق في دلالاته، وفي كيانه كله" (ص160)، وربما قصد في لفظة الكهنوتي نفسه الحالمة، وربما نفس ابن عربي أو إسبينوزا ومن سواهم ممن يحلمون بأن يكون الدين فكراً إشراقياً يُزيل قتامة الحياة ليجعل من الكهانة حرية في العبادة خارج المُتصور المُتعارف عليه في الكهانة بوصفها دراية وعلم وتعليم لبني البشر على أن طُرق الوصول لله بعدد أنفاس الخلائق كما يقول ابن عربي.

لتكون المؤسسة الدينية الكنسية، بمرامي وجودها الحقيقي، ضامن للُحمة الإنسانية، وداعية حقيقية لِلَم الشمل لا تفريق الجمع.!!

ليُنهيّ شلايرماخر كتابه "في الدفع عن الدين ضد مُحتقريه" بالقول: "ما أجمل أن تتعرفوا على الدين من الحاجة لإستفتاء العقل ومدونة الفلسفة" (ص191)!! لأن "الدين نقطة مركزية لدوران وجودنا، إنه نقطة التلاحم بين الفاني والأبدي (ص197).

وأختم قراءتي لكتاب شلايرماخر وفق تحولت ومتغيرات الحال العراقي بالقول: صار الدين قسيماً لنا نحن العراقيين بين وجودنا المدني وحضور الدين ببعده الطائفي أو الداعشي، ولا حول لنا وقوة إلّا بالنقد الممنهج.

 

علي المرهج

 

 

ali almirhigلا يوجد في محاولة شلايرماخر للدفاع عن الدين ما هو مختلف عن كل لاهوتي يعيش في برجه العاجي ليحلم في بناء مدينته الفاضلة التي حلم ببنائها الفلاسفة الطوباويين، أمثال إفلاطون في "جمهوريته المُثلى" أو الفارابي في رؤيته ل "المدينة الفاضلة" أو القديس أوغسطين في كتابه "مدينة الله"، وإن إختلفوا في طرق الوصول لها.

فكان جُل هم شلايرماخر هو بناء الدين وفق فطرة البشر بميلهم للتدين (ص77) لأن الدين عنده " مدخلٌ لكل الصور التي تفتح أبوابها على الحقيقة والوجود والبعد اللانهائي" (ص79)، ليستمر شلايرماخر في قرائته للدين ببعده الرومانسي في محاولة منه لفصل البعد القدسي للدين عن متبنيات العقل البرهاني، لأن أبعاد الدين مُتحققة في الفن وقريبة من "نغم موسيقى مُقدسة" (ص81) بطابعها الوجداني والعاطفي "الرومانسي" الذي يُرَحِل الروح والجسد لمنطقة التسامي والورع والتقوى، لأن مُقتضى الدين مخاطبة الروح والقلب والذات التي تُنميها المعتقدات الدينية والمشاعر المقدسة، وبصورة شعرية لها بريق الرومانسية وحرارتها الوجدانية يجد شلايرماخر في الدين ومعتقداته بأنها "الأجمل والأعبق بين كؤوس وتيجان زهور ألحياة وبراعمها، لأنه لا يرى في الدين غير حياة ملؤها "التجدد والنضارة والإنتماء لنقاء مناخات الفردوس، تلك التي لا تطالها تقلبات الفصول" (ص87). وكأن الدين عنده شبيهٌ بالوسط الذهبي عند أرسطو في إعتداله وفي تجاوزه للإفراط والتفريط.

لرومانسية الدين حضورٌ وأثر في تصور شلايرماخر له ودفاعه عنه، فالدين يعني عنده " أن نُحب روح العالم، ونبتهج لمشاهدة صنيعها" (ص89) لأن الدين قيمة جمالية لا تختلف عن سواها من قيم الجمال الأخرى، لذلك إنصب هم رسل الدين على مخاطبة وجدان البشر لا عقولهم فقط.

لذلك نجد شلايرماخر يُركز على الربط بين الشعر والدين، فقد كان لإنسان مُتمركزٌ حول قناعته بقدراته العقلية وبإيمانه بقدرته الذهنية في السيطرة على الطبيعة، ولكن العمق غير كافٍ عنده لإدراك البُعد الجواني للحقيقة الكامن خلف ظواهر الطبيعة، وإن كان كل ما في الطبيعة من "نظام" يشي بوجود منظم لها مفارق لوجودها المُدرَك.

كان الإنسان وما زال يرنو لمعرفة المجهول في قادم حياته ويحلم بحياة أخرى بعد إنقضاء حياته في هذا العالم، لذلك تجد أغلب البشر مشدودين للمقدس المتعالي. إنه "النسيج المقدس" (ص95) بعبارة شلايرماخر، الذي بقينا نُنشد وجوده علّنا نحصل على حياة هانئة في دنيانا، وإن لم نحصل عليها في هذه الحياة، فهي الُبتغى والأمل في حياة أسعد وأجمل رسمها لنا الدين وصورها بأفضل ما ترتجي الأنفس وتهوى.

لأن شلايرماخر يرى أن "الدين هو الوحيد القادر على تحقيق عالمية الإنسانية" (ص106)،.

ولم يُخبرنا شلايرماخر أي دين يقصد هو الذي يُحقق "عالمية الإنسانية". هل هو دين سماوي من الأديان السماوية الثلاث؟، أم هو الدين الوضعي، كما هو عند الزرادشتية أو البوذية أم الهندوسية، أو كما هو عند الكاثوليك أم عند البروتستانت، أو كما هو عند المسلمين، سنة كانوا أم شيعة، أو عند اليهود، موسويين معتدلين أم صهاينة!!.

ولا أعرف كيف تسنى لشلايرماخر أن يصل لهذه النتيجة التي لا تؤيدها وقائع التاريخ، لا في صَلّب رجالات الدين اليهود للمسيح، ولا مؤشر لها في الفتوحات الإسلامية، ولا في ثورة الإصلاح الغربي ضد هيمنة "الإكلوريوس الديني".

لذلك أرى أن شلايرماخر في كتابه هذا لم يرتقِ ل "فهم الفهم" بعبارة "غادامير" وبقي يدور في "فهمه للفهم"، بأبعاده الذاتية و "الأنوية" التي تجعل من النص أسير فهم أُحادي، هو فهم القارئ له وفق رؤاه وثقافته المفارقة ربما لمرامي النص. ولأن بنية شلايرماخر الثقافية ذات أفق رحب في نظرته الإيجابية للدين بوصفه رؤية تخييلية، لأن في الخيال خروج عن تصورنا للعقل وتبعيضيته ليجد منرام في الدين رحابة أنه رؤية وجدانية تتضامن مع الرؤية الحدسية لتخيل عالم رومانسي له وجود في أخيلة الحالمين من شتى بقاع الدنيا.

 

 

1143 aliصدرت مؤخراً ترجمة لكتاب الفيلسوف الألماني (شلايرماخر) "عن الدين - خطابات لمُحتقريه"، ترجمة الصديق أسامة الشحماني ومراجعة الأخ العزيز د.عبد الجبار الرفاعي. فكان لهما الفضل في أن يتعرف العرب على هذا الكتاب المهم.

إن أهمية هذا الكتاب تنبع من طبيعة موضوعه و المرحلة الزمنية التي كتب بها شلايرماخر هذا الكتاب. فقد تعرض الدين لموجة إنتقادات واسعة بعد النقد الذي وجهه له فلاسفة القرن الثامن عشر لا سيما هيوم في موقفه من المعرفة الميتافيزيقية ونقدها لأنها معرفة غير خاضعة للتجربة و لا يمكن التحقق من صدقها أو كذبها.

هنا إنبرى شلايرماخر للدفاع عن الدين ضد مُحتقريه، وإن لم يستسغ الرفاعي لفظة مُحتقريه، لأن "كلمة "الإحتقار" تستبطن معنى الإزدراء والإمتهان، والإهانة والتوبيخ، وتشي بمضمون لا يخلو من تسلّط...وهذه المعاني لا تلتقي ومعنى "مثقف" ولا تليقُ به"، وكان الأجدى أن يستخدم كلمة "مُنتقديه" (ص13).

ولكني أرى أن شلايرماخر كان يعي إستخدامه لهذه اللفظة، لأن الدين كان وصار فعلاً محطة لتحقير مُتبنيه في القرن الثامن عشر الذي إنبرى جُلّ مفكريه للإنتقام من سلطة الدين ورجاله "الإكليريوس" الذين كانوا سبباً أساسياً في تمادي السلطة وإحتقار الشعب، فكان لهذا الإحتقار رد فعل "إحتقاري" مساوياً له، وهو شبيه بحالنا اليوم نحن العراقيين، فكثير من رجال الدين والساسة من المنتفعين في تجهيل الناس بإسم الدين ولد إحتقاراً لكثير من رجال الدين وربما نال هذا "الإحتقار" الدين نفسه أو بعض من مقولاته.

إنصبت محاولة شلتيرماخر على ضرورة فصل الدين عن العقل، وهذا لا يعني عنده أن الدين مخالف للعقل، إنما هو يرفض تبرير الدين بمقولات العقل أو العلم، كما يرفض الدفاع عن العلم بقسر مقولات الدين ذات الطابع الروحاني والأبعاد الصوفية لصالح العقل برؤيته التبعيضية والتجزيئية التي تصلح لتفسير حدث ما في زمان ما، ولا تصلح لتفسير رؤية كونية للعالم بأسرهلم يكن كتاب شلايرماخر هذا كتاب عقلي للدفاع عن الدين، بقدر ما كان كتاباً رومانسياً يحاكي الروح قبل العقل. فكان شلايرماخر "ينتقد في كتابه هذا إدخال العقل باحة الدين"، كما يؤكد المترجم (ص18)، فقد دعى ضمناً وصراحة "إلى فهم الدين من داخل الدين نفسه"، ولربما يعترض مُعترض وهل كان لنا نحن العراقيين من مُعاناة سوى أن يُفهم الدين داخل الدين؟ وهل كان مُتطرفوا السنة أو الشيعة يفهمون الدين من خارج الدين؟.

وما يُنقذ شلايرماخر من هذا المأزق هو ربطه الدين بالفن أولاً، فهو ينظر للدين بوصفه تجربة روحية تتوق للجمال والمحبة.

وما يُنقذ شلايرماخر من هكذا مأزق هو إيمانه بتعددية الفهم للدين، وهذا أمر يرفضه السلفيون والمتطرفون من السنة والشيعة، لأن كلٍ منهما يعتقد بأنه هو من ركب سفينة النجاة وأدرك سبيل الخلاص!!.

مهمة شلايرماخر في هذا الكتاب توجيه خطابات للمثقفين الذي يحتقرون الدين، لأنهم"متوافقون على أن لا إغراء جديداً في تقصي متون الدين..." (ص26)، لأن جُلّ المثقفين في القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، "يستخفون بكل أشكال الثقة باخبرات والمعارف الدينية" (ص27) و يُنكرون على الدين طابعه الزُهدي، وكأن شلايرماخر لا يرى في الدين ورجالاته ما أحدثوه في أوربا من مصائب وصراعات دموية وحروب راح ضحيتها الآلاف إن لم نقل الملايين بين البروتستانت والكاثوليك، أو ما سُميت حرب الثلاثين عاماً في القرن السابع عشر، وكلا طرفيّ الكنيستين عدّها حرباً مُقدسة، كما هو حال كثيرُ من السنة الذين يرون في داعش ممثلاً لهم في حربهم مع الشيعة "الرافضة"!!، والحال نفسه يَنطبق على الشيعة الذين ينظرون للحشد كله على أنه مُقدس، فهي حرب المقدس ضد المقدس!!.

وفي محاولة ذكية من شلايرماخر للدفاع عن الدين وبعض رجالاته المحترمين من الكهنة، نجده يُحاول أن يُشبه "الكاهن الحقيقي" بالفنان البارع، "المُتمكن من تمثل المنطق السماوي الأبدي وعرضه بإسلوب يبعث في الموضوع نفحة من المُتعة والثقة ويجعله مصدراً لا يَنضب، ومُرتكزاً تقوم عليه جل الطروحات الكُبرى. إنه الواعظ التواق لإيقاظ البذرة النائمة الباعثة للصورة الإنسانيو، ولإشعال جذوة الحُب للمطلق اللامتناهي وتحويل الحياة إلى شكل من أشكال التواصل معه...هذا هو "الكهنوت العالي" الذي يَكشف عن جميع الأسرار الرووحية..." (ص35).

أعتقد أن الإنسان يرى نفسه في تدينهه وإعتقاده إلّا ما يرغب بتصوره، أو بتبنيه له، فإن كان خيراً لا يرى في تدينه غير الخير له وللآخرين، وإن كان شريراً فلا نأمل منه خيراً لا له ولا لمُخالفيه، وإن كان مُرائياً، فالدين سلاحه يُطيعه في مراميه.

ولأن شلايرماخر لا يروم سوى خير الدين وتنقية قلبه من حقده وأحقاد "مُحتقريه"، فقد أخذ على عاتقيه أن يتحدث في كتابه هذا عما يحتاج الدين من تصحيح للفهم المغلوط له (ص38).

في خطابات شلايرماخر كثيرُ من الوعظ، قليل من التدليل للدفاع عن الدين بوصفه بنية أخلاقية مُتماسكة في مُحاولة لا أجدها موفقة للربط بين الدين والأخلاق، ص50 - 52).

يُحاول شلايرماخر الربط بين الدين والمحبة و "تأسيس وجدان الإنسان على قاعدة المحبة" (ص59). في محاولة منه للإيهام بأن هناك علاقة ضرورة بين ما هو ميتافيزيقي (لاهوتي) وبين ما هو أخلاقي، لأنه يعتقد بإرتباط هذين الجانبين بالدين في وحدة الموضوع، (ص60)، وإن كنا نجد في تأكيد شلايرماخر في الربط بين ما هو ديني وبين ماهو أخلاقي ربطاً تعسفياً لدمج ما هو أخلاقي بما هو ديني، والعكس صحيح عنده، ولكننا لا نجد مبرراً عقلانياً مُستساغاً لهكذا ربط.

لكن لشلايرماخر مخرج لمأزقه هذا عبر ربط الدين بالفن، لأنه يعدُ التدين ضرباً من الفن، (ص70)، لأن الدين عنده "مدخل لكل الصور التي تفتح أبوابها على الحقيقة والوجود والبعد اللانهائي"، (ص79).

وملاذ الفن والدين الوجدان والعاطفة، لأنها من "المباني الأساسية التي تُشيّد عليها مباحث الدين، وهي بهذا المعنى أحد أهم مصادر تكوين إدراك روحوالعالم..."(ص94).

 

جعل شلايرماخر من الدين "اللبنة الأساساسية لتشييد محبة الآخر"(ص95).

 

 

1142 maulod

سجن بصيغة الجمع: إن يمر شريط حياتك البائسة بكل فجائعه ومواجعه أمام عينيك وأنت قابع في زاوية معتمة من علبة الدماغ لا تحلم بغير الهروب من سجنك بما تبقى لك من قدرة على الحياة. أن تكون علبة الدماغ أوسعَ شكلٍ يمكن تصوره لسجن الحياة العظيم، أن تكون" حياتك" داخل علبة دماغ متقد مشتعل وهاج، أو تكون داخل علبة كارتون تختار فيها اللغة أن ترسو في دفاتر الأشعار وتحار فيها الأفكار بين رسائل العشاق الرومانسية وأحلام الثوار.

 أن تكون" حياتك" على خط التماس بين ماركس وجبران، وبين النبي وما العمل، أن تكون موزعا بين شراسة رجل العصابة ورهافة قلب الأم، يعني ذلك أنك عشت داخل حي من أحياء مدينة تنكر أحياءها، حي كل داخل إليه مفقود لأن الحياة فيه جحيم وكل خارج منه مفقود لأن الخروج منه لا يكو ن إلا إلى السجن أو إلى المقبرة، إن وسعتك المقبرة ولم تتحلل جثتك في أعماق النهر.

 ويعني ذلك أيضا أن الحياة كلها "بلد" أو "عالم" من ضفتين بينهما سور باطنه فيه العذاب، وفيه حرب تطحن بين فكي رحاها من لا يستطيع غرس النصل في ظهر خصمه، ومن لا يستطيع إلى النجاة سبيلا، وظاهره من قبله النعيم المجنح كطائر والمعرش المورق كالدوالي. ضفة عليا " للتنابلة " الأعلون على حد غناء الشيخ وضفة سفلى للحثالة وللمغلوبين وأهل القعر والقهر والهاوية. ضفة أولى لا تعمل سوى على تأبيد وضعها بقوة القانون والمساطر والتدابير، وضفة ثانية ليست تسعى سوى إلى الخروج من أوضاعها بقوة السكين والساطور و الدعارة والمخدر، ويعني ذلك أن يكون القانون سكين وساطور المرفهين والمحظوظين ويكون السكين والساطور قانونا عند المهزومين والمأزومين، وأن تكون في النهاية حياتك ـــــــ ومصيرك أيضا ــــــــ مجرد زنزانة انفرادية في حي من أحياء السجن الصغير. فتلك كلها حيوات أشبه ما تكون بحياة واحدة داخل سجن واحد هو أيضا مجرد سجن داخل سجن آخر حتى هو سجن داخل سجن أكبر من كل السجون، اسمه نفسك واسمه العالم.

لا أمل هاهنا سوى في أمل أن تستطيع الهروب من نفسك.

تلك هي حياة وذلك هو مصير مراد ولد السلاخ بطل "الحي الخطير" ورفاقه في السلاح الأبيض وفي خيبات الأمل.

2)ورطة الوجود:

داخل زنزانة انفرادية يسترجع مراد ولد السلاخ سيرة حياته. سيرة رفاقه و أهل حيه، سيرة حي/مدينة، سيرة مدينة/ بلد، سيرة بلد/ عالم يعود ليتكور على نفسه ويتقلص إلى حده الأدنى ليصير عصابة صغيرة تشق طريقها إلى الخلاص الفردي بحد السكين واليأس المطلق العظيم من أي غوث أو عون يأتي من العالمين. المهم هو الخروج من قعر الجحيم. ومن شرط اجتماعي أقرب ما يكون وأشبه ما يكون بورطة الوجود من قربه أو شبهه بشرط الوجود.

العالم سجن، البلد سجن، المدينة سجن، الحي سجن، والزنزانة الانفرادية سجن، وحدها علبة الدماغ قادرة على أن تجعل من كل هذه السجون مساحة لخيال جامح يعيد تركيب الحياة وإجراء الدماء في أوصال الموتى والقتلى والمنبوذين والمشوهين والسكارى والحشاشين، فدماغ مراد ولد السلاخ سجن أكبر من كل السجون، هذه حيلته وهذه وسيلته لكي يتخطى شرطه الاجتماعي القاهر. كل سجون الواقع ليست في الخارج، إنها في الداخل ، إنها في العقول، إنها في عقل مراد ولد السلاخ. القَلِق والمتوتر والمتحفز والمتسائل على الدوام.

عقله الفوار بالأفكار هو سجنه الوحيد، لأنه يعيش كل ما مر به ويفكر في كل ما سيأتي داخل علبة الدماغ... العالم كله سجين عقله، وهو قادر داخل كل واحدة من هذه الزنازين أن ينظر إلى الحقيقة الساطعة دون أن ترمش جفناه، لأنه صار يمتلك أداة النظر، لقد أصبح يمتلك الفكر القادر على التحليل والتشريح، ذلك الفكر الذي كان بعضه سجين كارتونة الخال ولم ينفع حامليه في تغيير الحال. ولم يرفع أحدا من القاع إلى القمة ولم يجعل الحثالة نبلاء، وإنما استفاد منه فقط من كانوا ولا شك يشدون برأس الخيط ويتحكمون في انسيابه من الكبة، وكانت الكبة بين أيديهم.

الخال عاش في البيضاء ودرس ما يكفي لكي يصبح مشروع مهندس، وفكر في الواقع كطالب جامعي وكمثقف يدرك الواقع من خلال الكتب، ويبحث عن الخلاص الجماعي من خلال الأفكار والنضال والتنظيم والشعب.

أما هو، مراد، فقد استوعب هذا الفكر وتمثله كما لا يستطيع أحد غيره أن يفعل ذلك، لقد استوعبه وتمثله مباشرة من خلال الواقع، ويحق له أن تكون له رؤيته ورأيه، وأن تكون له ثقافته التي تمثل واقعه منظورا إليه من الداخل.

لا فرق بين أحلام الخال الثوري المودعة في علبة كارتون ــــ فقد كان الخال يبحث عن الخلاص الجماعي ــــ وبين الأحلام الفردية لابن الأخت المودع في زنزانة انفرادية ولأقرانه الذين منهم من قضى نحبه بحد السكين ومنهم من ينتظر. ما أشبه الكارتونة بالزنزانة، لكن مراد لا يشبه الخال.

الأمل فقط هو ما يترك الحلم بالخلاص متقدا. وهل الخلاص الجماعي ممكن؟ أم أن الخلاص لا يكون إلا فرديا؟ وهل يكون بقوة التنظيم والشعب أم بقوة الساعد و السكين؟ الخال غاب إلى غير رجعة وغابت معه أحلامه، وابن الأخت يقبع في الزنزانة على شفى حفرة من الأمل. أو من خيبة الأمل، لا أحد يدري. متى وكيف يكون الهروب.

3) من قعر الجحيم:

 أحداث رواية الحي الخطير تجري في الدماغ كاسترجاع للحياة وكمحاولة استئناف للأمل بعد أن جرت في الواقع كأحداث ومقادير.

مراد ولد السلاخ البطل السجين يسترجع أطوار حياته بعين ناقدة متفحصة، وبنظرة ثاقبة، وبقدرة غريبة على النفاذ إلى جوهر العلاقات وروحها بعيدا عن التصورات الجاهزة التي عبأت بها الكتب النظرية والأشعار والأدلوجات عقل الخال وعقول أقرانه وغير أقرانه من المستكينين المسالمين أو من المتطلعين إلى استبدال حال بحال... من المستلبين ومن المتنطعين على حد سواء.

الأمر كله يتعلق بالصراع الوحشي بين المركز والهامش وبين القمة والقاع. بين "جحيم الحثالة وجنة النبلاء".

في القاع يعيش المنبوذون والمهمشون والمكسورون والمعصورون ومعطوبو النفوس. في القاع الحثالة من كل الأصناف، زوجات باغيات أمهات بلا أزواج، أولاد لقطاء، عصابات تتربص الواحدة منها بالأخرى، حشاشون وبائعو بودرة وبائعات هوى، منحرفون ومعتوهون. ولا صوت يعلو فوق ضربة السكين الغادرة أو الوشاية المودية إلى الهلاك أو هتك العرض على مرأى من العيون التي لا يملك أصحابها غير التصفيق للمنتصر والتضييق على المهزوم. لا صوت يعلو على القتل عمدا أو القتل غدرا أو القتل عبثا أو جنونا. قتل ضروري وموت مجاني، وتلك قمة المفارقات.

إنها الحرب في أقوى معانيها وفي أجلى صورها. حرب من أجل العيش، حرب من أجل الحياة ، حرب من أجل البقاء. دفاع شرعي عن النفس، عصابة ضد عصابة، إما أن تَقتل أو تُقتل، ولا حل وسط إلا لمن أراد أن يعيش حياة المهانة والذل.

اضرب بلا رحمة، ولا تشفق على عدوك. لا مكان هنا للعاطفة والشفقة. على أمل وحيد، أن يجد كل واحد مخرجا من بين فكي هذا الوحش ذي العشرات من الرؤوس والأنياب والأضراس، هذا الوحش المسمى بين أهله وعند الأغراب،حي أبي رقراق "دوار الدوم" أو أكواخا، أو قصديرا .

إنه القاع فعلا، إنه الهامش الذي لا يعرفه غير أهله، الهامش المجهول والمسكون بالأشباح وبالأهوال، الهامش الذي لم يسبق في عمل أدبي مغربي أن جابه طولا وعرضا وسكن سطوحه ومشى بين مزاريبه ودروبه أديب بالمقدرة نفسها التي استطاع بها محمد بنميلود أن يفعل، إنه تعريف بالهامش وقراءة لأوضاعه وتشريح لمآسيه يجمع بين جموح الخيال ودقة الوصف وسحر التشويق وانسياب اللغة مع التوثيق الدقيق للحقائق التاريخية والتوصيف الموضوعي للبناء الاجتماعي وللعلائق والناس. إنه شرح للهامش وفضح للمركز سواء كان ثقافيا أو اجتماعيا أو سياسيا، إنه دفاع عن الهامش وإدانة للمركز الأناني والذي لا يرى غير صورته في كل المرايا التي يريد أن يرى عليها وجه الحقيقة.

4) رفقة السلاح:

تحكي رواية الحي الخطير قصة ثلاثة شبان من حي أبي رقراق دوار الدوم سابقا لا يفكرون سوى في الخلاص ولا يبحثون سوى عن الخروج من بين كماشة هذا الحي الذي لا تتوقف الحرب بالسكاكين والسواطير بين عصاباته ولا تتوقف تجارة المخدرات والدعارة فيه إلا لكي تبدأ من جديد، ومقابل كل قتيل جرفه ماء أبي رقراق أو التهمته نيران الفران أو النيران التي توقدها بالبنزين عمدا أيد آثمة لا تعرف الرحمة، يولد عشرات القتلة المستعدون للموت.

 يفكر الشبان الثلاثة ( مراد ولد السلاخ ــ عبد الرحمان الفراكة ــ رشيد ولد الفرناطشي) في الخلاص وتلتهم أحشاءهم نار الرغبة لأن يكونوا هم أيضا من المنعمين والمترفين والمحظوظين في حي بير قاسم أو حي الرياض أو السويسي. يتلهفون على الانتقال إلى الضفة الأخرى، وأن يغادروا إلى الأبد بئر الشقاء هذا وحفرة العدم المسماة دوار الدوم . ولكنهم، هم أيضا من دوم وصبار وشوك، ليست لهم أرصدة إلا من الكيف وليس لهم اعتماد إلا على السواعد والسكاكين والسواطير هذه هي الطريق الوحيدة السالكة إلى هناك. وهذه هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن يواجهوا بها واقعهم ويغيروه. وليس لهم إلا أن يمشوا فيها بحثا عن الخلاص، فلا مخرج من بين فكي هذه الرحى الوحشية التي تطحن اللحم والعظام إلا السكاكين التي تبعج البطون وتشق الطريق، وإلا الحشيش الذي ينفخ الجيوب وينفش الريش ويمهد المسالك .

يمضي الشبان الثلاثة في هذا الاختيار إلى حتفهم، لأنه اختيارهم ، وكشباب آخرين، يعملون كعصابة في مواجهة العصابات الأخرى، يقتلون بلا ندم وينفقون مما كسبوا نصيبا على لهوهم ويحتفظون بنصيب من أجل أن تزهر شجرة التجارة وتقترب ثمرة الحلم من قبضة اليد، لأنهم أقسموا على أن يقبضوا على جمرة الحلم بأيديهم مجتمعة، حتى تثمر. بعد سجن خاطف لمراد يحاول الثلاثة أن يضربوا على باب الحظ ضربة كبرى، لكنها كانت ضربة الخيبة، يحاول الأصدقاء الثلاثة أن يشتروا بكل ما وفروه من مال مقدارا كبيرا من المخدرات التي ستضمن لهم أرباحها الفوز بتذكرة الانتقال إلى جنة "التنابلة" ولكنهم لم يضربوا الحساب للأعين المتربصة، أعين الأمن وأعين عصابة الشعبة التي لم تكن تنتظر سوى أن تسنح لها فرصة الانتقام، ستردي رصاصة شرطي مصوبة بدقة عبد الرحمان صريعا، وستغتال العصابة رشيد ورفيقته نعيمة، ووحده مراد سينجو .ويحكم عليه بالسجن 16 سنة.

5)مثقف من طراز جديد:

لحسن الحظ سينجو واحد من الثلاثة، سينجو مراد من الموت ليعيد ترميم أحلام صديقيه، ويحتفظ بها حية لمن شاء أن يطلع على مأساته ومأساتهم.

سيقضي فترة من حبسه في زنزانة انفرادية يسترجع الواقعة ويتجرع مرارة فقدان صديقيه.

يتأمل مساره الخاص، ونشأته، يتأمل وضعه وواقعه. يتذكر أمه، ويتذكر خاله المناضل اليساري الذي اختفى إلى غير رجعة تاركا وراءه كارتونة دفاتر عن الاشتراكية والشيوعية والثورة، ورسائل رومانسية لرفيقة الدرب والنضال، وكتب جبران. كان له حظ التهامها كتابا كتابا ورسالة رسالة.

يفكر في ماضيه ويقارن بين حاله وحال خاله، وبين حيه وأحياء المرفهين، وبين القانون والسكين، ويطرح أسئلته الحارقة على كل من يستطيع أن يجيب. يسأل عن أصل الدولة وأصل القانون وعن فعل الدولة وفعل القانون، ويجعل من السؤال تحديا لكل من فكر أو نَظَّر أو أجاب عن الأسئلة الأولى للنشأة الأولى للمؤسسات وعن توزيع الثروات وقسمة الحظوظ بين الناس. كيف يولد واحد من الناس في القمة بينما يولد الآخر في القعر؟ ما ميزة الأول وما ذنب الثاني حتى يعيش الأول في النعيم ويصطلي الثاني بنار الجحيم.

ثم يتخذ داخل زنزانته الصامتة تلك، قراره الفريد، قراره الصعب، قراره الضروري، قراره الحاسم . هو الذي ينتمي إلى القاع، هو الذي ينتمي إلى الحثالة، لا بد أن " يقول" تاريخها، لا بد أن يكشف أصولها ومصيرها، لا بد أن يعري وجهها الذي شوهته الظروف ورسمت عليه السكاكين والسواطير والفقر والمخدرات والأمية ندوبها الكبيرة وأوشامها الغريبة. هو الناجي الوحيد من طعنات السكين ومن رصاصات المسدس، هو الناجي الوحيد من الحريق، يريد أن يعيد الحياة إلى صديقيه الميتين وفاء للعهد، لقد حاولا، لقد حاولوا جميعا ولم يصل منهم أحد، مثلما حاول غيرهم، ولربما من بينهم بضعة قد وصلوا، فصاروا أطباء أو مهندسين وصاروا أثرياء، ولكن هؤلاء كأنهم لم يصلوا لأن دماء الحي لم تعد تجري في عروقهم. يريد مراد ولد السلاخ من خلال الإجابة عن السؤال المؤرق: من أين جئت؟ من أين جاء عبد الرحمان؟ من أين جاء رشيد؟ أن يعيد بناء مسار كل واحد منهم، ومن خلال ذلك إعادة "قول" تاريخ الحي ورسم خريطته الاجتماعية، إنه لعمل لا يستطيعه إلا مصارع نبيل ووفي، إنه لعمل لا يستطيعه إلا مثقف عضوي ومخلص" لطبقته" بحق، ولعل مراد ولد السلاخ كما شاء له الكاتب أن يكون، نموذج "لمثقف عضوي من طراز جديد"، مثقف استوعب وتمثل واستضمر تاريخ الفكر الثوري وتجاربه، دون أن يكون منتسبا لتلك الفئات التي تنظر إلى القاع الاجتماعي من خلال المرايا العاكسة لسياراتها، فلا ترى الهامش إلا بقدر ما تبتعد عنه، مراد ولد السلاخ ابن القاع وابن الحثالة التي لم يتكلم عنها أحد ولم يعرفها أحد ولم يخبر تجربتها أحد ولم يقدر معاناتها أحد. مراد ولد السلاخ الوفي لحيه ولحثالته، يمتلك فكرا وسكينا، وكلاهما على نفس القدر من الحدة والمضاء. مراد ولد السلاخ ليس من أولئك المثقفين المترفين المزيفين والانتهازيين الذين لا يعرفون الهامش ولا يصورونه ولا يرسمونه ولا يكتبون عنه إلا إذا كان وراء شريطهم أو روايتهم أو لوحتهم "همزة" يتصيدونها أو "شهرة" ترفع قدرهم . مراد ولد السلاخ يريد قول الهامش من داخل الهامش، من نبضه ومن جذوره ومن نسغ الدماء التي تجري في عروق أهله.

من أين جئت؟

من أين جاء عبد الرحمان؟

من أين جاء رشيد؟

كيف تكونت الأحياء الهامشية، وكيف يعيش أهلها؟ ما هي أحلامهم وما هي شروط عيشهم؟ وهل لهم من أمل في الخلاص؟

 هذه هي أسئلة مراد، بحث عن الهويات المطمورة تحت أتربة النسيان . وإعلان عن وجود الذات المتميزة لأهل الدوار والأكواخ والبراريك والقصدير والكاريانات . إعلان عن وجود الهوية المتميزة لأهل الهامش. الهامش ليس لا شيء، وليس شيئا زائدا عن كل شيئ، إن الهامش هو كل شيئ. هو الحقيقة التي تنحني عند أقدامها كل الأسئلة خجلا واستحياء.

ومثلما يعيد مراد ولد السلاخ إلى التداول مفاهيم أُدخلت مرغمة من قبل المثقفين المترهلين إلى ثلاجة "الفكر" كأصل الدولة والثورة والطبقة والصراع والتشريعات، فكذلك يعطينا من داخل تجربته في الحي الخطير ومن خلال وضع الهويات المأزومة قيد السؤال درسا سوسيولوجيا بليغا في نشأة الأحياء الهامشية وتركيبتها البشرية، ويُشَرِّح النفسيات وأنواع السلوك باقتدار يعز نظيره.

يعيش مراد ولد السلاخ في الحد الجارح بين هويتين:

فهو مثقف مختلف عن كل النماذج السابقة من المثقفين، مثقف مسلح بالنظرة الثاقبة والمعرفة التي لا تشوشها التهويمات النظرية، إنه مثقف دون أن ينتسب إلى الفصيلة التقليدية للمثقفين. ودون أن يعترف له أحد بذلك.

وهو ينتمي إلى عالم القعر. إنه ابن الحثالة، ابن السطوح والبراريك ، إنه بائع المخدرات، إنه القاتل، إنه ابن دوار الدوم الذي لا يُعرف له أب مثل كل أبناء الحي الذين ولدوا في أكواخ القوادات. إنه ابن القعر دون أن يشبه أبناء القعر . ودون أن يكون سقف أحلامه وأفكاره محصورا بحدود الحي.

يعرف مراد ولد السلاخ بأنه يختلف عن خاله. ويعرف بأنه يختلف عن أقرانه وعن رفيقيه في السلاح والخيبات التي بلا حل وبلا أمل.

إنه يمتلك وعيا حادا بوضعه وبمصيره وبدوره، وعيا ولا شك تراجيديا، مما يجعله مثقفا من طراز غير مسبوق بالمرة.

وإذا كان كما أسلفت قادرا على تحدي المثقفين والمعلمين والمصلحين بقلب الطاولة وإعادة طرح الأسئلة الحارقة. فإنه لا يكتفي بطرح الأسئلة وإنما أيضا يقدم الأجوبة ، إنه لا يسأل فقط من أين جاء هو أولا، ومن أين جاء عبد الرحمان ورشيد كعينة من كل تلك الحثالة التي عمرت الحي أو نشأت فيه، ولا يسأل من أين جاءت هذه الأحياء والدواوير والكاريانات والأكواخ ودور الصفيح، فقط؟ بل ينبش وينقب ويعيد بناء وتركيب الصور الباهتة والمشوهة التي يمكن أن ترتسم في الأذهان عن نشأة هذا الهامش المنبوذ في الفكر والمنسي من التاريخ والمقصي من المجتمع.

6)أهل القعر والهاوية

وإذن فمن خلال رسم مسار كل واحد من رفاقه في السلاح وفي البحث عن الخلاص يجمع الصورة طرفا طرفا ونتفا نتفا حتى يستوي الحي وأهله وأحوالهم كالشاشة أمام أعين من يشاء النظر. إن مسار كل واحد من الشخوص يقدم صورة عن عينة من أهل الحي. كما لو أنه يتخذ من رسم هذه المسارات مبررا لإعادة تشكيل الحي من جديد كوخا كوخا وعصابة عصابة وفردا فردا.

الشخوص......... الصفة...........

***  ****

رحمة.........=........  وسيطة في الدعارة

سليمة.........=........ أم عبد الرحمان/ عاهرة/ تتزوج ابا عبد المجيد

ابا عبد المجيدالفراكة......=..... صياد يفقد الزوجة ويموت أولاده غرقا

العربي الأعور الفرناطشي.... = ...... سفاح الحي/ قاتل بالتسلسل/صياد البشر/ مغتصب الجثث

عصابة ابا موح الصحراوي...=..... العمل في الفران نهارا وبيع المخدرات ليلا/ تفرض قانونها على الحي

المقدم العروسي ومن معه:

الأخوان والأم والزوجة والأبناء.......=........عين السلطة في الحي/ بيع الخمر والمخدرات

حادة................=............... زوجة العربلي الفرناطشي

سليمان ــ ميلودة ــ رشيد..........=........... أبناء حادة من العرببي

المكي ...................=................ سلاخ البهائم وأب مراد

مينة ..................=........ زوجة المكي وأخت مجيد

نوارة....................=............. أم المكي

مجيد......=.......... يساري يطاله الاختفاء القسري ويترك كارتونة كتب ببيت ............=.......... أخته يقرؤها مراد ويتعرف من خلاله على فكر خاله.

حميد/ البتول/ نزهة ............=.......... أقارب مراد

دحمان الأعرج...............=...........براح الحي

المحجوب.............=...........صباغ

الفاطمي..............=.........بائع جافيل

العياشي.............=..........إمام الجامع

الحاج مغيث...... = ............ من أعيان الحي

الحاج عمر زوج الحاجة زهرة........ = ...... صاحب محل لبيع مواد البناء

ولد الرباح ـــ الغندور ــ أولاد البولونجي..........=........ من عصابة الشعبة

الغزواني.................=............... زعيم عصابة براريك القرعة

خنفاش..............=...........ضحية الاغتصاب والقرقوبي والقتل

..........

 هؤلاء ، والعشرات من هؤلاء، يختلفون في الأسماء ويتشابهون في الصفات، هم من ملؤوا الحي بنين وبنات،كلهم دون استثناء تقول الرواية، "جاؤوا من البوادي المجاورة والبعيدة إلى هذه المدينة، باعوا أراضيهم ومواشيهم واشتروا بقعا أرضية في هذا الحي أو غيره وبنوا فوقها أكواخهم" ... و"استولوا على أرض أخرى أو تقاسموا أكواخهم مع غيرهم" ... "جاؤوا إلى هذه المدينة فرارا من القحط والجفاف وطمعا في ثراء سريع"، ساقوا أمامهم عنزاتهم ودجاجاتهم وخرافهم، وحافظوا على عاداتهم وتقاليدهم في مكان غير المكان ووقت غير الوقت وعصر غير العصر ،" ضد سياق العالم وخارج أحداثه"،"لا يعرفون قانونا ولا مؤسسات ولا دستورا"، ويتصورون البلد والعالم قبيلة كبيرة، وهم مستعدون على الدوام لشهادة الزور ضد أضعفهم، ولممالأة المقدم، مستعدون لتصديق أن الوحش هو من يأكل الرجال وأن الجنية هي من تتصيدهم، ومستعدون للشهادة ضد بعضهم بأنهم كفرة وملاحدة وخارجون عن القانون، مستعدون لوضع علامات النبذ على الأبواب استجابة لإشارة المقدم المعلومة أو لإشارة أنفسهم الأمارة بالسوء إذا بدت لهم مصلحة في ذلك، جاؤوا من كل صوب، حطوا رحلهم على عجل ، و امتهنوا حرفا سهلة وذات مردود بسيط، ما بين كواي وخراز ونجار وخضار وسفناج وعطار وشواف وحارس سيارات وحمال و حارس مقبرة.

هنا دقوا أوتادهم ونصبوا خيامهم، هنا وضعوا بيضهم وانتظروا أن يفقص. نساء ورجال اجتمعوا على غير موعد وبدون سابق اتفاق، بلا حب ولا عشق ولا رغبة. الرجال قذفوا نطفة الشر في القعر، والنساء رمين بويضة الشؤم من رحم الجحيم وانتظروا جميعا أن تتخلق كائنات هذا اللقاء العجيب وأن تخرج إلى الوجود مسوخات الرعب واللهب. من هنا جاء مراد، ومن هنا جاء عبد الرحمان، من هنا جاء رشيد والعشرات من أمثالهم.

7) فرسان الجحيم:

1) عبد الرحمان ولد الفراكة:

 سليمة ستأتي إلى حي أبي رقراق هاربة من حي بعيد، وفي بطنها عبد الرحمان، ستتلقفها الأيدي الطويلة لصيادي اللحم البشري من محطات الركاب ومن الدواوير القريبة وباحات الاستراحة وتقودها إلى كوخ الوسيطة ، هناك ستفتح فخديها لكل قادم من أجل لذة عابرة ، لم يكن لسليمة ملاذ غير ذلك، لا هي ولا العشرات من ممتهنات الدعارة بالحي، سينتهي بها المطاف في بيت أبا العربي الفراكة، وفي كوخه ستلد عبد الرحمان، وبنتين توأمين، ما ذنبها هي حين سيسمع عبد الرحمان بأن العربي ليس أباه، وما ذنبها حين سيسمع بأنها هي نفسها ليست أمه وما ذنبه هو حين سينبت في هذا الحي كشوكة في قدم الحياة.

2) رشيد ولد العربي الأعور:

 رشيد سيولد دون أن يكون مقررا له أن يخرج للحياة، فقد غاب أبا العربي الأعور عن دوار الحاجة تاركا سليمان وميلودة لحادة زوجته، تأكل من أجلهما الجمر والأشواك لكي يحظيا بفرصة في العيش، وجاء إلى فران صحراوة بحي أبي رقراق يتصيد البشر ويغتصب الجثث ويطعمها للنار، الصدفة وحدها ستجعله يلتقي بحادة من جديد ويقذف في رحمها بذرة الشر. هل ولد رشيد من قذارة ابا العربي الأعور. نعم ولد من قذارته وبقيت حادة تحمل إثمه حتى أفضت بسرها لسليمان فأحرق سليمان الفران وأحرق العربي وأحرق الجوار وفر إلى أرض مسناوة من حكم بالمؤبد.

3) مراد ولد السلاخ:

 المكي السلاخ سيلتقط مينة من البويتات بحي يعقوب المنصور ويأتي بها حاملا إلى كوخه بحي أبي رقراق، ويستمر في تجواله حاملا سكاكينه وسواطيره، حتى تنغرس سكين بين ضلوعه بعد زيجتين أخريتين. وهو بعد في السابعة سيعرف مراد بأن المكي ليس والده، وبأن أمه أيضا" عاهرة" مثل باقي أمهات الحي وأن أباه مثل باقي الآباء في الحي و الذين ليسوا آباء لأحد، الجميع يتزوجون في أكواخ وسيطات الدعارة من عاهرات ، والجميع يسمي الواحد منهم الآخر ابن العاهرة، ولا أحد منهم يعرف من يكون أبوه ، وأحيانا فلا أحد منهم يعرف من تكون أمه، فكم من مرة وضعت الأم مولودها في كوخ الوسيطة وهربت إلى حي آخر.

هنا سيكبر الثلاثة بين مزاريب الأكواخ وأقدام العصابات،سيرون الموت ويمشون بين القتلى، سيشربون ما تبقى من ماء الحياة في القناني الفارغة ويدخنون ما تبقى من أعقاب السجائر ويسرقون ما تستطيع أيديهم أن تطاله من حشيش، وسيحلمون بالخروج من قعر هذا الجحيم، بلا أمل في الوصول إلى قمته بغير السكاكين والسواطير، وهم بعد صغار ستكون السكاكين لعبهم، وستكون المبارزات امتحاناتهم وسيكون كسر الخصم وعصره أو بعج بطنه شهادة نجاحهم في الحياة. وتكون علامات تفوقهم بعدد السنوات التي قضوها في السجن. أو بعدد الندوب والأوشام على الذراع.

لم تكن بالحي مدرسة ولا مكتبة ولا ملعب، كان الحي قطعة من جحيم ملتهب. لا تستطيع الأقدام أن تمشي فوقه فبالأحرى أن تسكنه.

مراد ولد السلاخ، وعبد الرحمان الفراكة، وورشيد ولد العربي الأعور، والعشرات من أمثالهم الذين يفترقون عنهم في الاسم ويلتقون معهم في المصير نفسه الذي لا اسم له سوى ورطة الوجود، هؤلاء وأولئك جميعا ولدوا من رحم الجحيم وصهرتهم نار القعر في حممها ونسبوا لأكثر من أب وعاشوا بين أكواخ القوادات وأقدام رجال العصابات، عاشوا بين فرن يطهو الخبز بالنهار على نار من حطب الجثث التي يتصيد أصحابها الفرناطشي الأعور ، ولعبوا بين السانية والكاليتوسة لعبة الكبار، أعدو ا سكاكينهم وسواطيرهم ولم يكن لهم من أفق غير أن يصبحوا قتلة وحشاشين وسكارى كعصابة صحراوة والشعبة... لم يكن لهم من أفق غير الولجة وعكراش ودوار الحاجة وأرض مسناوة وجبل الرايسي... ولما أرادوا تغيير الأفق والانتقال إلى جنة النبلاء،، لما أرادوا الخروج من القعر مهما كلفهم ذلك من ثمن، مات أولهم برصاصة شرطي، ومات الثاني ورفيقته بسكين رجال عصابة الشعبة، وحكم على الثالث بستة عشر سنة من السجن... مرت الآن منها خمس سنوات وبضعة أشهر كلما خرج من زنزانة انفرادية تلقفته أخرى وكلما حاول الهروب فشل، وما يزال يعيش على أمل الخروج من قعر الجحيم، ياه لهذا العالم يقول لنفسه متذكرا رشيد وعبد الرحمان، لا وجود لحثالة ونبلاء، كلنا حثالة وأبناء عاهرات، وحدها الفلوس هي الشريفة العفيفة التي تستحق الاحترام.

 8) بلاغة التعبير: في رسم المكان ووصف الإنسان:

اعتمد الروائي وباقتدار كبير اقتصادا تعبيريا مذهلا في تشكيل عالمه الروائي وتدبير ثرائه اللغوي والفكري " بناء وتركيبا وتصويرا وتخييلا" ، موزعا اهتمامه الصريح والمضمر على أربعة أقطاب مزاوجا ما بين السخاء اللامتناهي أو التقتير الدال على النبذ والإقصاء أو المفضي إليهما:

1) قطب السلطة:

تحضر السلطة في الرواية باقتضاب في العبارة وجفاء في الوصف من خلال ممثليها الأقربين لواقع الحي، فيحضر الأمن وتحضر الشرطة عند الاعتقال أو عند الاستنطاق أو عند التربص وإطلاق الرصاص، ويحضر المخازنية والقوات المساعدة عند هدم البناء ويحضر القايد بمناسبة قبضه لمقابل غض الطرف عن البناء العشوائي وبمناسبة إشرافه على عملية هدم أبنية من لم يفهموا رؤوسهم، وحين يحضر اسم الوزير فإنما فقط كمظلة لعصابة الصحراوي التي أثرت من بيع الكيف والحشيش وصارت لها أذرع في السلطة.

وهؤلاء جميعا لا ينتسبون إلى الحي، إنهم يأتونه من الخارج لفرض القانون أو لإعادة ترتيب الأوراق وتوزيع الأدوار وتأديب من يحتاج إلى تأديب. وحده المقدم وشركاؤه يحظون باهتمام خاص وبوفرة في الوصف وإحاطة تامة بالأدوار التي يلعبها بمعية شبكته داخل الحي، ذلك أنه جزء من تركيبته البشرية، المقدم وعائلته، إخوة وزوجة وأبناء وأما.

إن حضوره القوي في ذاكرة مراد ولد السلاخ، يعبر فعلا عن مدى تأثيره في الوسط ذاك الذي عاش فيه وانتسابه الفعلي إليه. المقدم عين السلطة التي لا تنام ومهمازها.

2) قطب "التنابلة":

المقصود بهؤلاء المحظوظون من ساكني جنات الدنيا، المترفون أصحاب القصور والفيلات والثروات، ويبدو أن ذاكرة ولد السلاخ لا تحتفظ لهم باسم أو صورة أو حضور ما، حتى وإن كان عابرا أو شكليا، إنهم كما يقال بالفرنسية يلمعون بغيابهم، باستثناء حديثي العهد بالنعمة من أهل الحي فهؤلاء جزء من حياة مراد ، ولا يمكن فعلا للحي أن يتشكل فقط من السكارى والحشاشين والقتلة والشماكرية، لا بد ممن يمسك بخيوط اللعبة عن قرب ويدير الحروب عن قرب ويوزع الأعطيات عن قرب، وهؤلاء غالبا يعيشون بقدمين واحدة في الحي والأخرى بعيدا عنه، وهم مرشحون لمغادرته ولمجاورة التنابلة، وإن لم يحصل ذلك لهم هم بالذات فلا شك سيحصل لواحد أو أكثر من ذرياتهم بينما سيهوي واحد آخر أو أكثر من هذه الذريات إلى قعر الجحيم.

أما التنابلة الذين توارثوا الجاه والمكانة والثروات أبا عن جد أو تلقفوها بضربة حظ، فهؤلاء لا يحضرون بالمرة ولا حتى كخلفية للحكاية، كل ما يرشح عن عالمهم هو أسماء الأحياء أو الممتلكات، الفيلات والقصور، و أحياء الرياض والسويسي وبير قاسم التي صارت عند أبناء الهامش عنوانا للخلاص وللنجاة من القهر.

لذلك، فهذا الغياب الساطع لهؤلاء لا يفتأ يؤكد حضورهم في كل همسة وفي كل كلمة وفي كل حلم وكل حركة ترشح من بين أنفاس أبناء الحي.

3) قطب المكان: أقصد بالمكان الفضاء الذي شهد جريان الوقائع والأحداث، ويبدو قاسيا جافا موحشا وموغلا في العداء، يبدو المكان ضد الإنسان في أكثر من صورة، ويحضر باقتضاب شديد: الأكواخ ــ السطوح ــ البراريك ــ القصدير ــ الكاليتوسة ــ دكان المهيدي أخ المقدم ــ الغابة ــ الفران ــ عكراش ــ باحة الجامع ــ السانية ــ هضبة جبل الرايسي ـ أرض ميساوة ـــــــــ الولجة.

يبدو مكانا للرعب ولانتظار الموت فقط، إنه مكان مختصر لحده الأقصى. لا مكان فيه للربيع ولا للأزهار ولا للأطيار ولا للحياة، ولا مكان فيه للتراحم أو التزاور أو الترفيه أو التسلية أو التأمل والاسترخاء. هو مكان فقط للاختباء والتخفي وللتربص والترقب، مكان لم يكن جديرا بالحياة أن تبحث عن أنفاسها في صدره، ولكنها فعلت، فماتت منخنقة. رغم ذلك فإنه كلما تعلق الأمر بالحي كان السخاء ميزة التعبير الذي يُظهر البراعة الخاصة للكاتب في تحويل أبشع الأماكن والمشاهد كساحة سياج الفران مثلا أو كوخ ابا مجيد الفراكة إلى أجمل اللوحات.

4) قطب الحثالة: الحثالة هنا ليست وصفا قدحيا بقدر ما هي وصف موضوعي لانتماء هذه الفئة إلى القعر الاجتماعي كرشيد وعبد الرحمان ومراد وسليمة وخنفاج و العربي الأعور أو على الأقل عيشها في محيطه كالعروسي وابا موح الصحراوي و عمار زوج زهرة. وهؤلاء الأخيرين يعيشون في المحيط نفسه ولكن دون أن يعيشوا الظروف نفسها، وإن كانوا يساهمون في خلقها، لأنهم هم من يدبر تجارة المخدرات ويسيطر على مصائر أبناء الحي ويحمي أكواخ القوادات والنساء الهاربات..

وبسخاء لا يضاهى يرسم مراد بقلم الكاتب صورا جديرة بأن تكون لوحات تشكيلية تتخذ كشاهد على النبوغ الفائق في الوصف والتصوير. بل وشاهد على أن الرسم بالكتابة قد يتفوق على الرسم بالألوان والتصوير بالكاميرا، إنها لوحات فنية خالصة أبدع فيها الكاتب أيما إبداع، وأجرى الخيال واللغة لتلوين الكلمات بألوان الواقع والحقيقة بل وجعل النفسيات تنعكس على الملامح بدون ما حاجة لأن تبصرها العين. ،( أضف إلى ذلك أن الحوارات كلها جديرة بالتشخيص المسرحي مثلما أن كل وصف جدير بالتصوير السينمائي، إنها بالفعل مشاهد ولوحات ولقطات يمكن أن تتخذ كنموذج لهذا الفن الذي نسميه رواية).

يصف الكاتب ابا مجيد ويصف سليمة ويصف عبد الرحمان ورشيد ويصف ابا العربي الأعور ويصف ابا موح الصحراوي ويصف المقدم العروسي والمهيدي وموسى والغزواني، بل وفي تحد فني جميل ومشوق يرسم الكلبة لايكة في تحولاتها ومسوخاتها العجيبة ليجعل منها كائنا مرعبا وخالدا لا يموت.

إنه بالفعل يفي بالتحدي الذي رفعه مراد ولد السلاخ الذي جعل رهانه أن يكشف عن الهويات المقصية وأن يجيب عن الأسئلة الحارقة:

من أين جئت أنا ؟ من أين جاء عبد الرحمان؟ من أين جاء رشيد؟

نعم يكاد هذا السخاء يصرخ لقد جئنا من هنا؟

جئنا من الأكواخ والبراريك والقصدير والسطوح. جئنا من المزاريب ومن الخواء المرعب، خرجنا من بين الدكاكين السوداء ومن بين سكاكين العصابات. لا نعرف أباء وقليلا ما نعرف الأمهات. لكننا نحلم بالخلاص مثلما قد يحلم كل إنسان بالخلاص. من قعر هذا اليأس العظيم خرجنا إلى الحياة لكننا لم نجد الحياة في انتظارنا فحملنا السكاكين وشققنا صدر الحياة لكي تصل صرختنا إلى الآذان الصماء ولكي تصل صورتنا إلى الأعين المطفأة.

9) بقية قول:

إنها واحدة من المرات القليلة بالنسبة لي على الأقل التي أقرأ فيها عملا روائيا مغربيا استطاع صاحبه وباقتدار كبير أن يضع الهامش تحت الضوء وأن يفتح أبوابه أمام من كانوا يمرون بمحاذاته دون أن يعرفوه أو الذين كانوا سببا في نشأته أو الذين يحملون عنه صورة مزيفة أو الذين يتخذونه خلفية عجائبية لأشرطتهم أو قصائدهم أو قصصهم.

إنه الهامش الفعلي، وليس الهامش المتخيل أو المتوهم.

 وقليلة هي الأعمال القادرة على بسط ثقافة المهمشين وشرح تأثير الإقصاء والنبذ على النفسيات وفضح كل مركز سواء كان ثقافيا أو سياسيا أو اجتماعيا بالبراعة الأدبية والفنية والفكرية نفسها التي نجدها في الحي الخطير. وإن حصل، فلن يتعدى ذلك الاسم أو الاسمين ليبقى الحي الخطير من الأعمال الرائدة وغير المسبوقة في الكشف عن واحدة من أعتم قارات الهامش .

 

 

بقلم : جمال الدين حريفي -القنيطرة  

 

 

1145 salamصدرحديثا عن دار ليندا للطباعة والنشر والتوزيع - سوريا / السويداء، كتابي الجديد (أزقة الأحلام) وهوعبارة عن مجموعة نثرية

 تصميم الغلاف للفنان كنان رشيد، الاخراج والإشراف العام للشاعرة ليندا عبد الباقي .

جاء الديوان في 93 صفحة من الحجم المتوسط .

كتب مقدمته القاص والروائي الكبير الاستاذ زيد الشهيد السماوي، مشيرا في جزء منها قائلا " في مشروعِه الأدبي الذي جنَّس له بـ(مجموعة نثرية) مُبتعداً عّما يطلق عليه بعضُهم قصيدة نثرٍ يكون الأديبُ سلام البهية قد أراحَ القارىء الناقد وجعلَه يدخل على مضمارِ تدوينه برؤيةِ أنَّه امامَ نصوصٍ نثريةٍ تتولّى الحوار مع الذات القارئة وتدخل في مضمارِ التفاعل معها قبلَ معرفةِ ماهيّةِ هذه النصوص وفحواها وأغراضها ... ولأنِّي ممَّن يتابعون همومَ ومشاغلَ ورؤى الأديب سلام، ولكونه يعيش غربةً واغترابا منذ اكثر من عشرين عاماً (يقيم حاليا في استراليا)  فقد حدست أنّ النصوصَ لابدَّ انها تتعالق بموضوعةِ الوطن الذي أُجبر على مبارحته، ومدينته "السماوة" وما يحيط بها وما يتداخل معها من حنينٍ وشوقٍ وشغف، تأسيساً على ذاكرةٍ متوهجةٍ تختزن فيلماً تتزاحمُ مشاهدُه وتتوالى على مكانٍ معشوق، وفضاءٍ زمني مَليء بذكرياتٍ  هي بمثابةِ كنزٍ لا يفنى من الصور والاحداث مؤطرَّة ببراويز من العشقِ السرمدي ...

وفعلاً كانت فاتحةُ المخطوطةِ مُضاءةً بالإهداءِ الموجَّه إلى الارضِ التي عشِقها وهامَ، مقرونةً بشهادتي دجلة والفرات، وفاعلةً بقامات المنائر والقباب وما يحيطها من هالاتِ التقديس  والتبجيل، وباذخةً بسموِّ النخيلِ وكبريائه الباعث على الفخار .. لكنَّك ما أنْ تدخل بستان النصوص حتى تواجهك لافتات الألمِ والحزنِ تحكي مراراتِ الكاتبِ وشقاءَه ؛ تُفصِح عن بوحٍ جارح وحارق ؛ فيه قسوةٌ مريعةٌ يمارسها مع حشودِ مفرداتِ الالم ....."

وأما كلمة الغلاف كانت للاديب والشاعر الكبير الاستاذ مصطفى المهاجر، وقد عبر فيها قائلا:

 "للنثر جمالياته ... كما للشعر تتساوى معه احيانا، وتنافسه في أحايين كثيرة، وواهم من يعتقد ان النثر أدنى مرتبة في البلاغة والتأثير على القارئ والسامع ..!!

ويكفي النثر فخرا أن " القران الكريم " ينتمي اليه و "نهج البلاغة" لسيد البلاغة، ينتمي اليه أيضا

هنا في هذه الباقة النثرية الجميلة الموسومة ب (أزقة الأحلام ) تتزاحم الخواطر و المشاعر والذكريات عن الاهل والوطن والنخل بكل مامر وما يمر عليهم من محن وكوارث ومعاناة انسانية تتجاوز الطاقة البشرية على الاحتمال ربما ...!! 

ولكن يبقى شعاع الأمل المنبعث من الايمان بالعقيدة والولاء للوطن وانسانه المبتلى بكل ذلك، يبقى حيا في القلوب والنفوس والضمائر في انتظار فجرحياة جديدة وذلك ما جسده قلم الاديب " سلام البهية السماوي " عبر مشاعره وكلماته الصادقة .. فتحية له  داعيا له بالتوفيق ..."

ولايسعني هنا الا ان اتقدم لاساتذتي الكبار الروائي والقاص الاستاذ زيد الشهيد، والاديب والشاعر الاستاذ مصطفى المهاجر بالشكر الجزيل ووفقهما الله وتعهّدهما برعايته ومحيّاهم رب العزة والجلال، ولهما من قلبي المحبة والدعاء بالخير كله والعافية كلها والإبداع كله ....

 

سلام البهية السماوي- ملبورن