nabil alrobaei2ضمن سلسلة موسوعة الشاعر والأديب الراحل علي الحسيني صدر كتابه الموسوم وبرعاية ولده البكر الوفي لأبيه الدكتور نصير الحسيني (ملاحظات حول الشعر الحر والأدب) عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة، الكتاب يتضمن (180) صفحة من الحجم المتوسط، والكتاب ضمن سلسة مؤلفات قد تجاوزت (14) مؤلفاً بين الشعر والقصة القصيرة والدراسة الادبية والنقدية، كما قد تم دراسة حياة ادب وشعر الراحل علي الحسيني في رسالة ماجستير في كلية التربية جامعة بابل عام 1999م.

الكتاب عبارة عن مقالات نقدية أدبية للراحل الحسيني جمعها ولده البكر الدكتور نصير الحسيني في هذا الكتاب، والكتاب هو سرد تاريخي لمجرى الشعر الحر ومراحل تطوره والدفاع عنه، وقد اثبتت الايام صحة رأي الأديب الراحل علي الحسيني وتنبؤاته، وقد تم تقسيم الكتاب قسمين، احتوى القسم الأول، ملاحظات حول الشعر الحر، بين الشعر الحر والشعر الطلق، أثر المهجرين في تجديد الشعر، الصحافة الأدبية والشعر الجديد، السأم في شعر بلند الحيدري، عندما يلتقي الشعراء. واحتوى القسم الثاني على بعض المناقشات منها : متى تنتهي هذه القضية، في رحاب الشعر الحديث، رأيان في شاعرية العقاد، وجهة نظر / شعر ام نثر؟ الأدب والوفاء، سؤال مشروع، ما وراء الأفق في السرقة الأدبية، أثر التراث في الشعر العراقي الحديث، مقالات نقدية، التأثير العربي في الثقافة الاسبانية، وقصاد أخرى.

في القسم الأول من الكتاب ملاحظات حول الشعر الحر وتوضيح الأسس الرئيسة التي يقوم عليها الشعر الحر، فضلاً عن بيان الأسباب التي دعت الشعراء إلى تبديل أو تطوير طريقة كتابة نتاجهم الشعري، يقول الكاتب الحسيني رحمه الله في صفحة 15 :"ونلاحظ أن اعداء الشعر الحر موجودين بين انصاره أيضاً، وهؤلاء هم الشعراء الذين يكتبون شعراً جديداً بعيداً عن مفهوم الشعر وجدته، فهم أعداء لأنهم يشوهون الشعر الحر"، لذلك نستطيع القول أن حركة الشعر الحر هي امتداد لحركات التجديد في الشعر العربي.

كما لا ننسى دور الشاعر مراد ميخائيل في مطلع ثلاثينات القرن الماضي في كتابة قصيدة الشعر الحر، المسألة التي أثارت جدلاً عاصفاً بين أوساط النقاد، وكان للشاعر ميخائيل دوراً مائزاً في كتابة الشعر الحر قبل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، لكن هجرته القسرية قد غيبت دوره الرائد في هذا المجال، ومما سنحت الفرصة للسياب والملائكة ولدور الصحافة في اعطاء الريادة لهما في الشعر الحر، وقد اطلق الشاعر معروف الرصافي على شعره بـ(الشعر المنثور) وكانت من اغرب قصائده (نحن الشعراء) التي شارك فيها بمهرجان مبايعة أحمد شوقي أميراً للشعراء عام 1927م.

نعود للكتاب الراحل علي الحسيني في طرح بعض الملاحظات حول الشعر الحر  والأدب، ولا ننسى ان الشاعر والناقد الحسيني قد اشار في كتابه هذا إلى أثر المهجرين في تجديد الشعر، لأن شعراء المهجر لم ينقطعوا عن الاتصال بالوطن العربي ومنهم شعراء لبنان ومصر، ولذلك اشار الحسيني في صفحة 60 من كتابه قائلاً :"أن التقنية تختلف تماماً عن التقنية في الأشعار العربية الكلاسيكية... هذا بالإضافة إلى تنوع البحور وتجزئة التفصيلات التي نشهدها"، ومثال ذلك كما يكر الراحل الحسيني (أحمد زكي أبو شادي وإبراهيم ناجي وفدوى طوفان).

وفي القسم الثاني من الكتاب يعقب الراحل الحسيني في صفحة 68 حول مسألة العقم والسأم في قصائد الراحل بلند الحيدري قائلاً :"يظن بعض الشعراء الشباب الذين يجترون (السأم) و (العقم) لأول مرة في مسرح الشعر العربي"، هكذا نرى بلند الحيدري من خلال قصائده التي تناولها الراحل الحسيني في الرؤية الضبابية والدخانية في قصائده دون أن يجد منفذاً.

وقد تضمن الكتاب مناقشات وحوارات حول رأي الراحل الحسيني في شاعرية العقاد، وحول الكم الوافر مما نشره القاص عبد الرحمن مجيد الربيعي، ووجهة نظر الحسيني بالشعر الحر والشعر العمودي، ورأيه حول مقالات الاستاذ علي الحلي والشاعر كاظم جواد التي نشرت في مجلى الاقلام في تشرين الأول 1984م، ومقالة الدكتور علي جواد الطاهر وفاءً للمرحوم طه الراوي، ومقالة الأديب حسب الشيخ جعفر، وهناك عدة مقالات نقدية قصيرة للأستاذ نجيب المانع قد سلط الضوء عليها الراحل علي الحسيني في هذا الكتاب.

الكتاب يعتبر مهماً جداً في هذه الحقبة الزمنية، وما قدمه الراحل الحسيني رحمه الله من ملاحظات حول قصيدة النثر والقصة القصيرة خلال حقبة الثمانينات.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

1233 aliصدر حديثا عن مؤسسة ثائر العصامي للطباعة والنشر للروائية العراقية  شذى سلمان (إلتواء) والرواية من الحجم الوسط وتقع في 232 صفحة  والاخراج الفني والتصميم للاستاذة نهلة نشأت الشمري.

ان الرواية تتحدث عن جنوح سايكلوجية الفرد بعد تعرضها لعملية ضغط مضاعفة ومتكررة تجعلها على غير ما وجدت عليه من حيث الجانب النفسي والذهني، بالرغم من مقاومة الفرد للنجاة بذاته الا ان عطبا ما سيصيبه في الجوهر .

تتحدث الرواية شخصية دكتور سعيد وصراعه الذاتي والنفسي وعالم طفولته المعذب ومارافق طفولته من عذاب نفسي وحرمان للحب والحنان العائلي بعد ان فقد والديه بعد خيانة والدته ومقتلها  و شخصية العَم  الذي استغله ابشع استغلال جسدي  ونفسي و كذلك الحالة النفسية لبطل الرواية وصراعه مع الذات والمجتمع لاثبات شخصيته الحقيقية وما يحاول ان يخفيه عن زوجته من معاناة نفسية من خلال اختلاق شخصية شقيقه الوهمي الذي من خلاله يحاول ان يجد الحلول لجميع مشاكله في  المجتمع وكذلك مشاكله النفسية والصحية الان انها تكون سنداً له للتخلص من اضطرابه النفسي، وما يعانيه من ملاحقات بسبب نشاطه الثقافي والانساني من اجل الوطن .  

الصراع النفسي نجده مستمرا في الرواية رغم ان بطل الرواية يحاول ان يعلل او يوهم زوجته ومحاولاته الكثيرة في التعتيم على شخصية (جهاد)  الشخصية الفصامية الثانية، نسبة لسيطرة فكرة وهمية عليه اقنعته منذ الصغر ان جهاد هذا ما هو الا (اخاه) .

الفصام النفسي في هذه الرواية يلعب الدور الرئيس فيها اذ انه يتعدى الشخصية الواحدة ليصل الى ثلاثة اشخاص كونوا ذواتهم في داخل شخصية البطل وسيطروا عليه رغم المقاومة وهذا نتيجة كل التواء عانى منه طوال حياته .

هذا وققد شهدت قاعة جواد سليم  في المركز الثقافي البغدادي في شارع المتنبي حفل توقيع الرواية  التي ادارها الاستاذ عبد شاكر بحضور كبير للادباء والمثقفين ووسائل الاعلام، وتحدثت الروائية شذى سلمان ان حلمي ان اصل الى ما اطمح اليه بعيدا عن متاعب الحياة وقريبة عن عائلتي دون الابتعاد عنها وهذا الحلم تحقق من خلال هذه الرواية ورواية الف عام .

 

علي الزاغيني

 

 

ali almirhigكان لي صديق يفترش الرضا ويلتحف الصبر، يُمني النفس بالآمال ولا يرقبها، لاعتقاده أن في المراقبة مضيعة للوقت، فلم يكن ما يحصل عليه من مال أو مكانة متأت من عطايا الإنتظار والحُلم، إنما هو متأت من الجد والكد والتعب.

بدأ صديقي علي حياته في قلعة سكر تلك المدينة الغافية على ضفاف نهر الغراف، بالقرب من بيته كان "معمل ثلج الكواظمه" وهو معمل صغير يقع وسط بستان سُميَ بالإسم ذاته "بُستان الكواظمة"، لأن مُلاكه كانوا تُجاراً تعود أصولهم لمدينة الكاظمية ببغداد، وقد سكنوا مدينة قلعة سكر، إما لأنهم رغبوا بالإستثمار في هذه المدينة التي كان أغلب سُكانها يجهلون التجارة، أو أنهم قدموا لسبب آخر يجهله، ولكن المهم أن هذه المدينة في أواسط السبعينيات لم تكن تعرف "الثلاجات" "ماكنات التبريد" وهي مدينة فقيرة لا قُدرة لأهلها لشراء هذه الماكنة العجيبة الحافظة للأغذية والمُنتجة للـ "الثلج"، فكان أغلب سُكانها في لهب الصيف، يلجأون لشراء "قوالب الثلج" من معمل ثلج الكواظمة، وكان صديقي علي يفرح كثيراً حينما تُرسله والدته لشراء "ربع قالب ثلج" من هذا المعمل، فقد كان يسكن في منطقة "الشوصة" وهي قريبة من المعمل، مُحاذية لبُستانين عامريَن "بُستان الكواظمة وبُستان عيَلان" وبالقرب منهما بُستانيَ "كعيم" و"سيد إبراهيم" وبساتين الخماس، وهي ملأى بالفاكهة، مثل البرتقال والرمان والرارنج والتفاح العراقي الأخضر الصغير والنخيل طبعاً الذي كان وما زال سيد الفاكهة في هذه المدينة بأنواعه التي لا عدَ لها.

كان صديقي علي عبدالهادي رغم حرارة الصيف شغوفاً بالذهاب لهذا المعمل، لأن هذا الطريق يمر ببعض البيوتات الملأى بأشجار السدر "النبك" الذي تتدلى أغصانه المُكتنزة بهذا الثمر خارج الأسيجة، ولن تكتمل فرحته بإيجاد "النبك" على الرصيف المُحاذي للأسيجة، إنما المُتعة كل المُتعة تكون بحمله بعض الحجارة ورمي أغصان أشجار السدرة المُتدلية الزاهية والمزهوة بفائض الثمر المسقيَ من عذب ماء الغراف المنحدر من "دجلة الخير" "أم البساتين".

تكتمل فرحت صديقي علي حينما يقطف بعض ثمار البساتين سواء بإختراق أسيجتها أو بقطف ما تساقط من فاكهتها خارج هذه الأسيجة.

من لذيذ أرطاب نخيل قلعة سكر وتمرها كان "الديري" وهو نوع من أنواع التمور، يتزين باللون الأحمر القاني "الماروني"، قبل أن يجف وهو في "عثوك النخل"، أي "عناقيد النخيل" يُسمى "حابسي" وبعد أن يجف وبعض منه يتساقط يُسمى "ديري"، الذي صيَره الله "جُكليت" للفقراء، ممن لم يعرفوا "الشيكولاتا" ولم يذَقوا طعم "الماكنتوش".

هو ذا طريق صديقي علي عبدالهادي، لحين وصوله لمعمل الثلج. كان بالقرب من معمل الثلج "ماطور" يُحرك "ناعور" يجلب الماء من شط الغراف لسُقيا بستان الكواظمة، وقد شكل بالنسبة له محطة الشعور بملامسة الهواء العليل المُبَرد وإستسقاء العطاشى من الذين نشفت عروقهم وشفاههم جراء إستنشاقهم لهواء "السموم" في صيف الجنوب الحارق.

أما المحطة الأخرى والعجيبة من محطات اللعب واللهو والراحة في حياة الطفولة لصديقي علي، فقد كانت عند دخوله لمعمل الثلج، فهو بالنسبة له كان من عوالم الخيال ومن نتاجات مدينة "والت ديزني" لمُتعة الأطفال، فحين الدخول لمعمل الثلج ترشقه رياح ناعمة باردة، يغفو لهنيهة، وكأنه قد دخل في غرفة فيها جهاز تكييف "أربعة طن"، ويصحو لا لرغبة منه في الصحو، إنما هو صحو لإستعادة الشعور بجمال اللحظة ولطافة نسائم الريح التي ظنها من هبات الإله في جنات الخُلد التي وعد المؤمنين بها.

كان هناك رجل يُمسك بجهاز هو اليوم أشبه بـ "الريمونت كونترول" ليُحرك قوالب الثلج للأمام وللخلف، فهناك ماء يجري تغطس فيه القوالب الفارغة لتمتلئ بالماء، فيدوس الزرار ليُرسل هذه القوالب لماكنة التثليج، ويدوس زرار آخر ليستقدم قوالب الماء المُجمدة، فتنقلب بحركة شبيهة بحركات لاعبي الجمناستك حينما تكون أقدامهم للأعلى ورأسهم يتدلى، لتسقط قوالب الثلج لتبعث البهجة في نفس علي بهجتي: بهجة طريقة "الشقلبان" أو "الجقلمبة" باللهجة العراقية" التي تنقلب بها قوالب الثلج، والبهجة الأخرى هي لحظة خروج قوالب الثلج من القوالب الحديدية، وكأنها تُعلن عن ولادة حياة جديدة يمنحها أمل الإنتظار أثناء خروج قوالب الثلج يمنحها التمتع بالبرد لمُنتظريها في القيظ شبيه بمتعة إنتظار الوالد لمولوده البكر.

لا يرغب علي بمُغادرة المعمل، ولكن يعي مقدار مُعاناة والدته إن إستبطأته، فلربما تأتي تعد الخطى بمرارة الألم تلوم النفس كيف تسنى لها أن تُرسل طفلاً في السادسة أو السابعة من العُمر كي يجلب الثلج، فتباً لكل نسائم البرد والشعور بلذة رشفة الماء المبرد حينما يكون الثمن القلقل على الولد، فماذا ستقول لمن يلوم ولكل حاسد إن كان همه البغض والحسد؟ فتحمل الألم والحر والقهر أكثر إيلاماً وأشد من فقد ولد.

ولم تدري أم علي أن الولد يهوى بساتين القلعة "بستان الكواظمة وبستان عيلان وبستان كعيم وبستان سيد ابراهيم" وكل بساتين الغراف ما قدم منها وما إستجد.        

 

 

1231 husanملاحظة: للأسف، سوف يتوقف صدور الأجزاء المتبقية من موسوعة جرائم الولايات المتحدة الأمريكية (33 جزءاً) لظروف مادية قاهرة .

هذه الموسوعة هي هديّة العراق للبشرية . العراق الذي اعتاد منذ فجر تاريخه على أن يخدم البشرية ويعلمها أسس ومظاهر الحضارة بلا مقابل . بعد بحث مضنٍ في المواقع الإلكترونية للكتب والمكتبات العالمية في الشابكة ثبت أنه لم تصدر على الإطلاق موسوعة عن جرائم الولايات المتحدة الأمريكية، شاملة كاملة، تغطي دقائق هذه الجرائم منذ تأسيس هذه الدولة الشيطانية، عدا هذه الموسوعة التي تصدر من بغداد المحروسة التي عذّبها الأمريكان.

إن خطورة هذه الموسوعة تتمثل في اعتمادها على الوثائق الانكليزية . فالأمريكان والغربيون يريدون للمواطنين المسحوقين في دول العالم الثالث أن يقرأوا ويعرفوا ما يريدون هم الأمريكان أن يعرفه مواطنوا العالم الثالث وليس ما يريد هؤلاء المواطنون اكتشافه من الحقائق . نكرّر : على المواطن العراقي ومواطني كل الشعوب المظلومة القراءة بالانكليزية لمعرقة مسرحية الظلم والديمقراطية الأمريكية التي توصل إلى الإبادة البشرية الكاملة من خلال لعبة الوثائق المفرج عنها بروح ديمقراطية كي يطلع القتلى المظلومون كيف تم قتلهم وإبادة شعوبهم وعوائلهم.

تضمن محتوى الجزء السابع الفصول التالية التي تكمل فصول وموضوعات الجزء السادس :

(1) هل تمّ توظيف المنظمات البهائية وتحوّل ديفيد كيلي إلى البهائية لتنفيذ اغتياله ؟ (القسم الخامس)

(2) كيف صمّمت الحكومة الأمريكية هجمات الجمرة الخبيثة بعد هجمات 11 ايلول 2001؟

(3) فضائح جورج بوش الأب رئيسا: كيف انقلب على صديقه تاجر المخدرات الجنرال نورييغا ودمّر بنما (4000 قتيل مدني)، تسليم المناصب لمن تبرع أكثر لحملته.

(4) فضائح بوش الإبن تكمل فضائح بوش الأب: مخدّرات وسُكُر وسجون وتهرّب من الخدمة العسكرية وفساد مالي وإداري وسياسي

(5) هل كان الرئيس بوش الأب شريكا لصدام حسين في جريمة احتلال الكويت؟

تفاصيل اجتماع السفيرة أبريل غلاسبي بالديكتاتور، أخيرا حسمت وثائق ويكيليكس القضية: بوش أعطى الضوء الأخضر لصدام لارتكاب جريمة احتلال الكويت

(6) مشروع مارشال: هل كان خطّة استغلال وتآمر أمريكية أم خطة لوجه التنمية ؟

(7) الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID: فساد .. وانقلابات .. ودم .. و"تنمية" !

(8) الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID: وكالة للتنمية أم للإنقلابات ؟

(9) الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID: والإبادة الجنسية لشعوب العالم الثالث .

(10) الحكومة الأمريكية هي التي زوّدت العراق بأسلحة الدمار الشامل، مصنع للأسلحة الكيمياوية العراقية في ولاية فلوريدا الأمريكية، قائمة بالجراثيم الحربية وتواريخ شحناتها المُصدّرة من أمريكا إلى العراق!

(11) الولايات المتحدة صدّرت الجمرة الخبيثة وغاز الخردل إلى العراق، ثلاث مختبرات نووية أمريكية ساعدت العراق في مشروع الأسلحة النووية

(12) تقرير الأمم المتحدة 1996: الولايات المتحدة وبريطانيا باعتا للعراق أسلحة الدمار الشامل النووية والكيمياوية والجرثومية. شركة رامسفيلد هي التي باعت المفاعلات النووية لكوريا الشمالية.

(13) تقرير مجلس الشيوخ الأمريكي عام 1994: الشركات الأمريكية المرخصة من قبل وزارة التجارة قامت بتصدير المواد البيولوجية والكيميائية الخطيرة للعراق وبضمنها الجمرة الخبيثة.

 

diaa nafie2صدر كتاب – (محاضرات حول الادب الروسي) في موسكو باللغة الروسية عام 1999 ليس الا، ويقع في (440) صفحة من القطع المتوسط (واعيد طبعه عام 2012 ايضا في 448 صفحة)، ويتضمن محاضرات الكاتب الروسي الشهير فلاديمير نابوكوف (1899 روسيا – 1977 سويسرا) التي ألقاها امام الطلبة الامريكان في الجامعات الامريكية باللغة الانكليزية، عندما كان يعمل هناك استاذا محاضرا، وهي محاضرات في الادب العالمي بشكل عام، والروسي بالذات طبعا . لم يطبع نابوكوف هذه المحاضرات في كتاب خاص اثناء حياته، وقد تم نشر تلك المحاضرات باللغة الانكليزية بعد رحيله، وبمبادرة من المؤرشف فريدسون بادرس وبمساعدة ودعم ارملة نابوكوف وابنه، وصدرت بثلاثة كتب هي – (محاضرات حول الادب) 1980 /// (محاضرات حول الادب الروسي) 1981 /// (محاضرات حول دون كيخوته) 1983، والكتاب الذي نعرضه هنا هو الثاني، اي – محاضرات حول الادب الروسي، وقد أصدرته في موسكو صحيفة (نيزافيسيمايا غازيتا) (الجريدة المستقلة) عام 1999 كما أشرنا أعلاه، وأضافت اليه بعض مقالات نابوكوف حول فن الترجمة، وعن بعض الادباء الروس، ومنهم بوشكين وليرمنتوف، وهي مقالات تنسجم مع طبيعة الكتاب ومضامينه.

يبتدأ الكتاب بمحاضرة عنوانها – (الادباء والرقابة والقراء في روسيا)، ويمكن القول ان هذا الفصل بمثابة المقدمة النظرية لهذا الكتاب، اذ يتناول نابوكوف فيه الخصائص العامة للادب الروسي وموقف الدولة الروسية القيصرية والسوفيتية تجاه اعلام هذا الادب كما هو واضح من طبيعة عنوان هذا الفصل، وتنعكس في هذا الفصل طبعا آراء نابوكوف العامة حول بنية النظام وعلاقته بالادباء الروس، وهو فصل يحمل سمات كل المحاضرات اللاحقة في ذلك الكتاب من امثلة تفصيلية وصور فنية مرسومة باسلوب نابوكوف وملاحظاته الدقيقة والتفصيلية ومعرفته المعمقة لتاريخ بلده ومسيرة الادب فيها.

ينتقل الكاتب بعد هذا الفصل الى سلسلة محاضرات عن غوغول، وتتوزع هذه المحاضرات على اربعين نقطة فرعية، حيث يتناول حياة غوغول منذ شبابه الى موته، ثم يتوقف بعدئذ وبالتفصيل عند خصائص الدولة الروسية آنذاك وفي خمس نقاط باكملها وبعنوان غريب هو – (شبح الدولة)، وينتقل بعد ذلك الى بطل رواية (الارواح الميتة)(يرد عنوان الرواية بالعربية بعض الاحيان – النفوس او الانفس الميتة)، ويكرس له تسع نقاط وبعنوان واحد – (السيد جيجيكوف) وهو بطل تلك الرواية (يكتبون اسمه بالعربية بعض الاحيان تشيتشيكوف)، ويختتم تلك النقاط بنقطة قبل الاخيرة بعنوان – (تمجيد الاقنعة)، ويكرس النقطة الاخيرة للتعليقات والهوامش حول غوغول وما ورد بالذات في تلك النقاط التفصيلية عنه.

ينتقل نابوكوف بعد ذلك الى تورغينيف، وتتوزع هذه المحاضرات على اربع عشرة نقطة، وتتركز على رواية تورغينف الشهيرة (الاباء والبنون) . ثم ينتقل الى دستويفسكي، ويتحدث المؤلف عنه في ست عشرة نقطة تبتدأ من تفصيلات سيرة حياته وتتوقف عند مرض الصرع والهستيريا عنده وخصائص سايكولوجيته وانعكاس كل تلك الامراض على نتاجاته الادبية، ثم يتوقف في نقاط منفصلة عند بعض تلك النتاجات، وهي - رواية الجريمة والعقاب ومذكرات من البيت الميت (يرد العنوان في الترجمة العربية – بيت الموتى او ذكريات من منزل الاموات) والابله والابالسة (يرد العنوان في الترجمة العربية الشياطين) والاخوة كارامازوف، وينعكس في هذه النقاط طبعا رأي نابوكوف السلبي تجاه دستويفسكي، اذ من المعروف ان علاقته به كانت دائما مضادة، وقد تناول الباحثون في تاريخ الادب الروسي هذا الموقف وأشاروا، الى ان نابوكوف لم يفهم فلسفة دستويفسكي ولم يحاول ان يستوعب افكاره، بل ان بعض النقاد اتهموا نابوكوف بالغيرة الشديدة منه، وهي (تهمة !) كبيرة طبعا وتتطلب اثباتات وبراهين مادية دقيقة لا توجد واقعيا، وهناك من يقول ان نابوكوف كان يمثّل رأي تلك الشريحة من المثقفين الروس الغاضبين على وطنهم روسيا، هذا الوطن الذي تركهم خارجه ولم يلتفت اليهم ولم يرعاهم، بينما دستويفسكي تمسّك به رغم وضعه الصعب ولم يتركه، وهذا الرأي ذاتي بحت طبعا ولا يؤيده الكثير من الباحثين . ان موقف نابوكوف من دستويفسكي هو موضوع كبير ومعقد ومتشابك في تاريخ الادب الروسي ويقتضي الدراسة والتحليل المعمق لنتاجاتهما الادبية والمقارنة بين مواقفهما الفلسفية والسياسية والفكرية بشكل عام بلا شك، ولا يمكن لنا تحديد موقف معين هنا حول هذا الموضوع الكبير في اطار هذا العرض السريع لكتاب نابوكوف عن الادب الروسي واعلامه.

ينتقل نابوكوف بعدئذ الى تولستوي، ويوزع محاضراته عنه ضمن (128) نقطة تفصيلية باكملها، تبتدأ من حياته ثم يتوقف عند رواية (آنّا كارينينا) ورواية (الحرب والسلم)، ويختتم تلك النقاط بالحديث عن (موت ايفان ايليتش). من المعروف في النقد الادبي الروسي والعالمي ايضا اهتمام نابوكوف الكبير بتولستوي، اذ انه يعتبره قمة الادب الروسي، وواحدا من أعاظم ادباء العالم وفنانيه .

يختتم نابوكوف محاضراته بالتوقف عند اسمين من اسماء الادباء الروس وهما تشيخوف وغوركي، حيث يتحدث ضمن(11) نقطة عن تشيخوف تبتدأ بحياته، ثم يتوقف تفصيلا عند قصته الطويلة (السيدة ذات الكلب الصغير)، والتي كان نابوكوف معجبا بها جدا، ويعدّها واحدة من أبرز القصص في الادب العالمي عموما وليس في الادب الروسي وحسب، ثم يتوقف اخيرا عند مسرحيتة - (النورس). الاسم الاخير في هذه المحاضرات هو غوركي، وقد تحدث نابوكوف عنه بشكل سلبي، اذ من المعروف انهما يتناقضان مع بعض سياسيا وفكريا، وان مواقفهما بعيدة عن بعض بشكل جذري .

ان كتاب (محاضرات حول الادب الروسي) لنابوكوف هو عمل علمي هائل الاهمية، يستحق القراءة من قبل الذين يريدون ان يتعمقوا في معرفة الادب الروسي واعلامه اولا، وكذلك من قبل الذين يريدون ان يفهموا موقف نابوكوف الفكري وطبيعة عبقريته في النقد الادبي والبحث العلمي ثانيا.

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

sabah shakiraleghamالاسلام السياسي ايديولوجية شديدة التأثر مستمدة ومشكلة بصورة انتقائية وتجزيئية من بعض نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ومن مرجعيات تراثية، وهو توصيف مشاركة الاسلام في وضع الهوية السياسية للشعوب التي يدين سكانها بالدين الاسلامي .

صدر عن المركز الثقافي للطباعة والنشر الكتاب الموسوم (مفاهيم الدولة والامة لدى الاسلام السياسي) للباحث العميد الركن الطيار المتقاعد رياض البياتي، عدد صفحات الكتب 305 من القطع المتوسط . الكتاب يضم مقدمة وستة فصول وخاتمة، الكتاب خالي من الاخطاء اللغوية وهو بطباعة انيقة .

في المقدمة عرف المؤلف الاسلام السياسي(بأنه مجموعة من الافكار والأهداف السياسية النابعة من الشريعة الاسلامية التي يعتقد بها المسلمون الأصوليون)، وأوضح أن الاسلام السياسي لا يؤمن بالديمقراطية ولكنه يستخدم آلياتها للوصول الى السلطة، ومن ثم يبدأ بالتحول الى دكتاتورية دينية، كما في العراق ومصر والسودان والجزائر وتونس، كما اوضح المؤلف التعارض بين الدين الاسلامي وفلسفة الحداثة كما جاء في ص13 " منذ مطلع القرن الماضي ادرك الكثير من المسلمين التعارض البنيوي بين الدين الاسلامي وفلسفة الحداثة التي بدأت تسود العالم، وخصوصاً في اوربا منذ القرن السادس عشر الميلادي" .

 في الفصل الاول (انبعاث الاسلام السياسي الحديث)، أوضح المؤلف أن قيام الثورة الايرانية في العام 1979م ضد نظام الشاه وتأسيس جمهورية اسلامية والتي رفعت شعار تصدير الثورة الاسلامية، سببت قلقاً للاتحاد السوفيتي لمجاورتها لشعوب الجمهوريات المسلمة، واربكت الوضع في دول الخليج العربي .

أوضح المؤلف في ص21 كيف نشأت الحركة الوهابية التي قام بها محمد بن عبد الوهاب بن سليمان آل مشرف التميمي (1703-1791م) وهو عالم دين حنبلي من العينية في نجد، وأن دعوته تمحورت  حول ظهور ما إعتقده مظاهر شرك وعددها في كتيب له اسمه (التوحيد)، انطلق في دعوته الى العودة الى منابع الاسلام الأولى كما يزعم، ولذلك اطلق عليها مصطلح (الدعوة السلفية)، تحالف محمد بن عبد الوهاب مع آل سعود للسيطرة على الجزيرة العربية، ولم يبقى منها إلا الحجاز التي كانت تحت سيطرة الامير علي بن الشريف حسين، فتمكنت قوات آل سعود من دحر قوات الامير علي الذي هرب الى العراق، واعلانها تأسيس المملكة العربية السعودية والتي اعتنقت المذهب الحنبلي.

أوضح المؤلف كيفية ظهور حركة الاخوان المسلمين في مصر في العام 1928م على يد حسن البنا الذي كان معلماً في مدينة الاسماعلية، عندما وضع الأصول العشرين لحركة الاخوان المسلمين والتي ما زالت تعتبر دستورهم لحد الآن، وهي تسعى لإعادة الخلافة الاسلامية والعودة الى مفاهيم الاسلام الصحيحة، لقد خالف الاخوان المسلمين منهج السنة الذي يمنع الخروج على الحاكم المسلم حتى وان كان فاسقاً. لقد ذكر المؤلف في ص 32 "حدد حسن البنا وبكل وضوح هدف الاسلام السياسي، وهو الوصول الى السلطة وقلب كل الانظمة السائدة في حينها، واعادة منظومة اسلامية لتحكم المسلمين ".

اعتبرت حركة الاخوان المسلمين القاعدة الفكرية لكل الحركات السلفية التكفيرية في العالم الاسلامي، واعادة الخلافة الاسلامية، فكان لفكر الاخوان المسلمين على المناهج الدراسية في السعودية تأثيراً واضحاً، فكان اغلب الارهابيين الذين ارسلوا الى افغانستان هم من السعوديين بدفع من المراكز الاسلامية وخطباء الجوامع. كما كان لفكر الاخوان المسلمين تأثيراً كبيراً على فكر الشباب في دول الخليج وخاصة في دولة قطر، كما تأثر حزب الدعوة في العراق بأفكار الاخوان المسلمين، وأن الحزب الاسلامي هو تنظيم الاخوان المسلمين في العراق.

أوضح المؤلف في ص43 " كان ابرز ما انتجته شبه القارة الهندية كاتب اسلامي من اهالي حيدر اباد هو ابو العلا المودودي(1903-1979)، وهو من ابرز الشخصيات الاسلامية في الهند، ولاحقاً في الباكستان، حيث اسس حركة سياسية سميت(الجماعة الاسلامية) وطرحه فكرة الحاكمية لله". تأثر بفكر المودودي سيد قطب، وزاد عليه فكرة (كفرانية النظم) التي جاءت من الفكر الوهابي، والتي على اساسها اعتبر الوهابيون المجتمعات المسلمة مجتمعات كافرة يجب الهجرة منها الى اماكن نائية في شبه الجزيرة العربية سموها (الهجر) وفيها يبثون الدعوة.

عملت الولايات المتحدة الامريكية على دفع المسلمين المتطرفين الى الهجرة الى افغانستان وكانوا مشحونون بفكرة الجهاد واعادة مجد الاسلام، فشكلوا دولة (طالبان) بقيادة ابن لادن، وكان الغرض منها استهداف الاتحاد السوفيتي وتفتيته الى دويلات باعتباره يمتلك فكراً الحادياً، فانهار الاتحاد السوفيتي وتحول الى 15 دولة. بعد ذلك كان تفتت الاتحاد اليوغسلافي، وصاحب ذلك قيام الصرب بشن تطهير عرقي ضد مسلمي البوسنة واندلاع معارك شرسة بينهم وقد شارك في المعارك مقاتلين من افغانستان، ومقاتلين من حزب الله اللبناني . قامت الولايات المتحدة الامريكية بشن هجوم كاسح على افغانستان بعد أن وجهت انذاراً الى حكومة طالبان بتسليم بن لادن، تم قتل بن لادن بقصف جوي في العام 2008 .

 في الفصل الثاني (أهل القبلة والجماعة) أوضح المؤلف في ص71 " الدعوة الاسلامية ارتبطت منذ بداية مسارها التاريخي بمفهوم(اهل القبلة) وهذا المصطلح يعني دائرة الانتماء الروحي المشترك التي تجمع اهل العقيدة الواحدة على اختلاف اصولهم واجناسهم وخلفياتهم، وهذه الدائرة هي دائرة دينية ترتب عليها التزامات انبثقت من معيار الأخوة في الدين الذي جاء به القرآن الكريم بديلاً للعصبية القبلية " .

اصبح مصطلح (الجماعة الاسلامية) بديلاً عن مصطلح (اهل القبلة)، وامام الجماعة اصبح بديلاً لشيخ العشيرة، فتخلى المسلمون عن دائرة الانتماء القبلي .

عرف المؤلف في ص83 ( الجماعة في الخطاب الاسلامي هم القوم الذين يتمسكون بالكتاب والسنة)، واعتبر الطاعة احدى مرتكزات أي تجمع لديه اهداف استراتيجية كبرى، وقد بدأ النبي محمد(ص) بتكريس ثقافة الطاعة بين المنتمين الى الدين الجديد، اعتبرت التنظيمات المؤدلجة ان الطاعة سمة من سماتها التي تسند مشروعها باستخدام القوة في فرض مفاهيمها.

لقد وضع النبي محمد(ص) للدولة الاسلامية دستوراً وهي(صحيفة المدينة المنورة)، وقد ذكر عنها المؤلف في ص88 (كانت اقرب الى تفاهم بين هذه المكونات لضبط الاشكالات التي من المحتمل حدوثها بين مجتمعين مختلفين، وكذلك بين المسلمين من المهاجرين والانصار)، ومع نزول الآيات القرآنية المدنية بدأت هذه الوثيقة تفقد اهميتها امام النص القرآني.

 في الفصل الثالث(الدولة الاسلامية) أوضح المؤلف في ص105 " أن الدولة مفهوم وضعي لا علاقة له بالقرآن الكريم الذي لم يوصف دولة ولم ترد مفردة الدولة الا في جمع المال"، وأن دور النبي الكريم(ص) هو ادارة الجماعة المسلمة في المدينة، وأن دولة الاسلام التاريخية قد تأسست بعد وفاة النبي الكريم .

أوضح المؤلف في(نظريات الحكم الاسلامي) أن المسلمون اعتمدوا الشورى لاختيار الخليفة، وقد تم ذلك عند تسمية الخليفة الاول، ولكن تسمية الخليفة الثاني تم دون اتباع قاعدة الشورى، وأن الخليفة الثاني قد رشح 6 اشخاص ليتم اختيار واحد منهم، ولم يشترك الجمهور في الشورى الا بتسمية الخليفة الرابع. وفي الدولتين الاموية والعباسية اصبحت الخلافة وراثية.

أوضح المؤلف نظرة المذاهب الاسلامية في موضوعي الخلافة والامامة، فيرى فقهاء االشيعة أن الامامة كما ورد في ص112 " أن الامامة اختيار إلهي لا دخل لبشر به، الإمام المعصوم لا يخطئ، ويمتلك كل مواصفات النبي الا انه لا يوحى اليه مباشرةً . اما فقهاء السنة فانهم يرون الخلافة و كما ورد في ص113 " أن يكون الخليفة نائباً عن النبي في سلطته الدنيوية، وبالتالي لا يمتلك صلاحية الرسول في التشريع واحكامه اجتهادية ليس لها الزام الاحكام النبوية " .ويرى فقهاء السنة وكما ورد في ص114 " منافسة الحكام مخالفة للشرع، وطاعتهم واجبة، ولا يجوز الخروج عليهم"، وهي بذلك تستند الى جملة احاديث نبوية توصف بأنها متفق عليها وصحيحة .

أوضح المؤلف أن السنة النبوية قد دونت بعد قرنين من الزمن وهي فترة زمنية طويلة نسبياً، وكانت تتناقل شفاهياً، وقد سطر كتاب السيرة ما يحتاجه الحكام من روايات واحاديث نبوية خدمة لأغراضهم السياسية، وقد رفض النبي الكريم(ص) كتابة السنة النبوية الشريفة في حياته، حتى لا تزاحم القرآن الكريم، وحتى لا يترك خلفه الا كتاب الله هادياً ومرشداً للمسلمين، وهذا ما حصل بعد ذلك من خلاف بين المسلمين لاعتمادهم السنة النبوية بدل القرآن .

عرف المؤلف مفهوم الامة والدولة في ص 123 " الأمة مصطلح للدلالة على بشر تجمعهم ثقافة مشتركة وتاريخ ومفاهيم متفق عليها سواء كانت دينية او غيرها، اما الدولة فهو اشارة الى منطقة جغرافية يسكنها بشر ما "، لذلك فأن الدولة الاسلامية قد تشكلت على فكرة الدين، وأن القرآن الكريم لا يتحدث عن دولة كما يصورها الاسلام السياسي، أما السنة النبوية الشريفة فإنها لم تتحدث عن دولة وانما جاءت بمبادئ تتعلق بطاعة الحاكم وممارسة الشورى وتحقيق العدالة والمساواة، لذلك فان الناس بعد وفاة النبي قد تصوروا انتهاء الالتزامات التي تربطهم بالدين، ولكن ابو بكر(رض) استطاع اعادة التوازن النفسي الى مجتمع المدينة .

عرف المؤلف مفهوم البيعة في ص127 " البيعة توصيف لممارسة قامت بها مجموعة من الناس اصطلح على تسميتهم بأهل الحل والعقد "، حيث يختارون مسلماً منهم ليكون اماماً للمسلمين، يتولى  أمر الجماعة ويكون نائباً عن صاحب الشرع في حراسة الدين والدنيا.

ذكر المؤلف مواصفات الخليفة والتي اتفق على معظمها الفقهاء في ص 128 " ان يكون الخليفة مسلماً، قرشياً، ذكراً، حراً، بالغاً، عاقلاً، عادلاً، شجاعاً، عالماً، كافياً لما يتولاه من سياسة الأمة ومصالحها ". أن شرط ان يكون الخليفة من قريش كانت مثار خلاف بين المسلمين لعدم وجود سند لها في القرآن الكريم . كان يفترض بخليفة المسلمين ان يتصف بالنزاهة والعفة، والتي كان من سمات الخلفاء ابو بكر وعمر وعلي(رض)، ولكن لم يكن كذلك مع الخليفة الثالث عثمان بن عفان الذي قرب اقاربه واساء استخدام المال العام، أما معظم الخلفاء الامويين والعباسيين لم يكن لهم مواصفات الاخلاق الاسلامية .

ذكر المؤلف عن أهل الحل والعقد في ص140 " أجمع جميع الفقهاء أن من يعين اهل الحل والعقد هو الخليفة نفسه، واذا لم يوجد خليفة لأي سبب كان فأن اهل الحل والعقد هم من يتواجد في مكان البيعة"، لم يحدد عدد اصحاب الحل والعقد لاعتماده على عدد الحضور، وهم من يختار خليفة المسلمين، وقد طبقت لأول مرة في سقيفة بني ساعدة عند اختيار الخليفة الاول ابو بكر(رض).

أوضح المؤلف أن سلطة الحاكم (الخليفة) تأتي من نص البيعة التي وردت في ص149 " السمع والطاعة للأمام بغير معصية في المنشط والمكره والعسر واليسر وعدم منازعته الأمر وتفويض الأمور اليه"، وكان حق الجماعة على الخليفة يكون في العدالة، والعدالة في المفهوم الاسلامي يكون في الاحوال الشخصية من فض النزاعات في الميراث والخلافات بين الاخوان والزوجات.

أوضح المؤلف أن الدولة هي التي تنتج الامة، ومادة الامة هو الشعب، والرعية لكي يتحولوا الى امة عليهم أن يتحولوا الى شعب، ولكي يكونوا شعب يفترض أن يشتركوا مع بعضهم في مصالح مشتركة، فالأمة هي الشكل السياسي للدولة . وقد ذكر المؤلف في ص160 "الأمة في دولة الخلافة الاسلامية عبارة عن افراد منخرطين في الضرورة التاريخية، وتشكل وعيهم الذاتي من خلال الوعي الجمعي الذي شكله الفقهاء" .

 في الفصل الرابع أوضح المؤلف أن الحاكمية فكرة ذات مرجعية تاريخية، وقد حدثت لأول مرة في حادثة التحكيم في معركة صفين، والتي ادت الى انشقاق جيش الخليفة علي بن ابي طالب (ع)، وخروج جماعة منه (الخوارج)، الذين اتهموا من يحكم بغير كتاب الله بالكفر، وقد انتقلت لاحقاً لتأخذ بعدها الخلافي بين الطوائف الاسلامية، وقد ذكر المؤلف في ص172 " الحاكمية كانت وما زالت من اشد المفاهيم اثارة للجدل والتناحر، تاريخياً هذا المفهوم اريقت حوله الكثير من الدماء منذ ان ظهر الى الوجود في معركة صفين ". اما في الاسلام السياسي فان مفهوم الحاكمية يفترض ان ينظر اليه بمعزل عن المفاهيم الاسلامية مثل الإستخلاف، والشريعة، والمنهاج وغيرها .

للتفريق بين الحاكمية والحكم أوضح المؤلف ان الحكم هو اسم للحدث، وقد ذكر في ص173 " أن المنظور الفلسفي الإسلامي للحكم غايته ومقصده منع الفساد والوصول الى الاصلاح، لذلك يفترض ان يتسم بالإتقان، وأن يؤسس على الحكمة واصابة الحق، وادوات ذلك هي النبوة والكتب السماوية والاستعانة بالعلم والعمل والقضاء بالعدل بين الناس". الاسلام السياسي يعتقد ان الحاكمية من هي خصوصيات التوحيد، وان توحيد الحاكمية يعني افراد الله تعالى وحده بالحكم والتشريع، وهو الحكم العادل والآمر، لا شريك له في حكمه وتشريعه، وهم يستخدمون العديد من الآيات القرآنية لدعم حجتهم . أن هذه الافكار تتقاطع مع المفهوم الغربي للدولة الحديثة، وخصوصاً في موضوع السيادة، والذي يمنح للشعب بصورة كاملة .

أوضح المؤلف أن حدود الدولة الاسلامية تكون مرجعيتها الحاكمية لله كما حصرها المودودي، وقد ذكر المؤلف في ص187 "إذا كانت الدولة خلافة من الله تعالى وتسلم بحاكميتها القانونية فلا بد ان تكون صلاحيتها محدودة ضمن ما وضع الله تعالى من حدود"، فتكون حدود الدولة مرهونة بحدود الشرع، وباجتهادات شرعية، فلا سيادة للشعب على الدولة، لان سيادتها تستمدها من حاكمية الله، فلا يمتلك احد حق التشريع .

أوضح المؤلف أن السلطة التشريعية في الدولة الاسلامية كما يفهمها المودودي هم اهل الحل والعقد، وهي لا تصدر أي قانون مضاد لأحكام الله ورسوله، وواجبها وضع اللوائح لتنفيذ الاحكام القطعية الواضحة عن الله ورسوله، وتعمل على اختيار التأويل المناسب لها، ووضع اللوائح التي لم يرد نص فيها، وفق المبادئ العامة للشريعة . اما السلطة التنفيذية لتنفيذ الأحكام الإلهية، وتطبيق الشريعة على احسن وجه، وكان الخليفة يختار حجابه ووزرائه من الاشخاص الخلص له مراعياً سلامة موقفهم من الشريعة .

قام المؤلف بإجراء مقارنة بين الفكر الاسلامي والفكر الغربي، ففي الغرب الدولة تنشأ اولاً ثم تشرع القوانين وحسب حاجتها، اما الدولة في الاسلام فإنها تنشأ طبقاً للقوانين الاسلامية واقامة الشريعة الاسلامية وقيادة الامة وفق هذه الشريعة. السيادة في الفكر الاسلامي تكون حسب مفهوم الحاكمية وهو جزء من الشرع، ويكون مصدرها هو الله، فتكون مقيدة بالقرآن والسنة، اما في الفكر الغربي فيكون مصدرها الإرادة العامة للامة. الديمقراطية في الفكر الغربي تكون على اساس أن الشعب هو سيد نفسه ليحكم نفسه بالمنهج الذي يراه مناسباً، أما في الفكر الاسلامي فأن الانسان يكون عبداً لله، ويدعوا الى التسليم لله وحده بسلطة التشريع. سلطة الامة في الفكر الاسلامي تكون ضمن اطار احكام الاسلام، ولا تملك الحق في الخروج عليها ولا التعديل فيها، أما في الفكر الغربي فأن سلطة الامة مطلقة لا يحدها احد من خارجها، والتي تراعي الجوانب الاخلاقية في احكامها.

  في الفصل الخامس (الامة الاسلامية) عرف المؤلف الامة هي تكتل بشري متجانس، وقد ذكر في ص206 " المفاهيم الاوربية الحديثة للأمة والدولة كانت احدى نتاجات الحداثة التي ترافقت مع الثورة الفرنسية، وهذه المفاهيم عمت كل العالم، وهيمنت على كل المفاهيم التي سبقتها "، واوضح أن مفهوم الامة الاسلامية سبق المفهوم الاوربي، ولكنه لم يذهب الى نفس دلالة المفهوم الاوربي .

أوضح المؤلف ان الاسلاميون يعتقدون ان المسلمين خارج الدول الاسلامية من حقهم الانتماء الى العالم الاسلامي، وانهم يجب ان يطيعوا الخليفة الذي اعطوه البيعة، ولا يطيعوا حكام دولهم التي يحملون جنسيتها، وبذلك فان امة الاسلام يمكن ان تتواجد في أي مكان من العالم وتكون منفصلة عن الكيان الرسمي للدول ولا تأتمر لأمر حكوماتها، لذا فان الأمة الاسلامية لا تعدوا كونها فكرة مفترضة متخيلة، لا وجود واقعي او قانوني لها.

ذكر المؤلف في ص211 " اللغة هي اخطر الابتكارات التي ابتكرها الإنسان واكثرها فعلاً وتأثيراً على الانسان، وهي الحامل لمهارات وتقنيات وثقافة مجموعة من البشر"، وبعد ان استعرض المؤلف الآراء حول اصول اللغة العربية، ذكر في ص213 " العرب ينقسمون الى مجموعتين، العرب العاربة الذين تكلموا بلسان يعرب بن قحطان، وهو اللسان الحميري اليمني القديم، والعرب المستعربة وهم الذين تكلموا بلسان اسماعيل بن ابراهيم(ع) وهي لغة الحجاز وما والاها، ويفترض ان تكون لغة عربة "، وهذه الآراء لا تتفق مع الدراسات العلمية الحديثة، حيث ان اللغة العربية هي احدى اللغات السامية التي شملت اللغات السريانية والآرامية والكلدانية، والتي اخذت صورتها النهائية في القرن الثالث الميلادي، ثم استعرض المؤلف خصائص ومميزات اللغة العربية، وعلاقة لهجة قريش بالقرآن الكريم، حتى اصبحت اللغة العربية منطلق تشكيل الهوية الاسلامية بعد نزول القرآن الكريم .

ذكر المؤلف في ص238 " القرآن الكريم هو الحامل للرسالة الاسلامية، وهو الذي يحتوي كل ما يحتاجه المسلم من ارشادات لاتباع دين الله، ومجاميع الاسلام السياسي يعتبرونه حاملاً لايديولوجيا سياسية، الاخوان المسلمين رفعوا شعار(الاسلام هو الحل) ونظام للحكم، واضاف الفقهاء الى القرآن الكريم السنة النبوية، بدون ان يكون سند قرآني لهذا المنهج ". يزعم الاسلام السياسي أن السنة النبوية هي سلوك وتقريرات النبي الكريم(ص) والتي مارسها في حياته، والحقيقة انها كتبت بعد وفاته بقرنين من الزمن، مما ادى لاحقاً الى خلافات دموية بين المسلمين .

ذكر المؤلف في ص243 " كانت الفكرة الاساسية في تشكل الحكومة الاسلامية هو الدين، اما المواطنة حيث تكون فكرة الاشتراك في الوطن هي الاساس في تشكل الامة فقد رفضها الاسلام ليستخدمها الفقهاء المسلمون "، وهم يرفضون المصطلحات الحديثة كالمواطنة والديمقراطية.

ذكر المؤلف في ص253 " المسلمون يعتقدون ان ديانات الله السماوية هي واحدة، وأن الأنبياء والرسل هم مبلغون لهذا الدين وهو دين الاسلام "، وأوضح أن المسلمون يعتقدون ان الدين السماوي الذي اراده الله للبشر هو الاسلام، وأن ما جاء به موسى وعيسى يخالف السنن الإلهية وليس له مكان مع المسلمين، وأن أمة الاسلام لا تقبل ان يكون الساكنين في دار الاسلام الا من المسلمين، وان اتباع باقي الديانات قد ظلوا الطريق .

أوضح المؤلف أن أهل الذمة هم غير المسلمين في دار الاسلام، وأن عقد الذمة هو عقد الأمان الذي يمنح لغير المسلم في دار الاسلام، ومن شروطه: قبول غير المسلمين بسريان احكام المسلمين عليهم، ودفع الجزية لقاء تقديم الحماية لهم في دار الاسلام حيث لا يكلفون بحمل السلاح .

في الفصل السادس (العرب والاسلام) ذكر المؤلف في ص269 " تاريخ العرب قبل الاسلام اختلطت فيه الكثير من الاساطير، وما كتبه المؤرخون العرب يعوزه التحقيق والتوثيق والغربلة "، وأوضح أن القبائل التي سكنت الجزيرة العربية كانوا اقوام مرتحلة اكتسبوا اسمهم من النصوص التي وردت فيها مفردة (عرب) سواء كانت نصوص اشورية أو بابلية أو فارسية .

أوضح المؤلف أن القومية هو انتساب المرء الى اقوام معينة، ذو مشتركات اهمها اللغة والجغرافية والمصالح المشتركة، وهو مصطلح سياسي نشأ في اوربا نهاية القرن الثامن عشر ضمن الحداثة التي اجتاحت اوربا، وقد تأسست في اوربا مدرستين فكريتين انطلاقاً من الفكرة القومية، الاولى تعتقد ان تشكل القومية جاء من عوامل موضوعية مثل العِرق واللغة والتاريخ والعادات والتقاليد ووحدة الثقافة، وقد قاد هذه المدرسة المفكرون الالمان، والمدرسة الثانية التي اعتمدت على عوامل ذاتية مثل العامل الثقافي والموروث التراثي والرغبة المشتركة، وقد قادها المفكرون الفرنسيون .

ذكر المؤلف في ص274 " القبائل العربية كان لها ثقافتها وعاداتها وسلوكها الخاص، وقسماً من هذه العادات والمفاهيم يتقاطع مع مفهوم الاسلام، فكان على مشروع الدين الجديد ان يغير من مفاهيم العلاقة بين القبائل العربية، وذلك بإبعاد مفهوم العرب العاربة من العرب المستعربة "، وكرد فعل لهذه الفكرة بدأت اللبنة الاولى لتأسيس القومية العربية .

أوضح المؤلف ان القومية العربية لم تأخذ أي من مفاهيم الاسلام الانسانية والتي وردت في آيات القرآن الكريم، وأن العنصر العربي الذي قاد دولة الاسلام لم يكن لكفاءته ومقدرته السياسية ولكنه استند الى احاديث نبوية والتي تتقاطع مع فلسفة المساواة الاسلامية .

ذكر المؤلف في ص281 " يلتقي القوميين العرب مع السلفيين المسلمين في الغاء الآخر، ويستمرون بالاعتقاد ان كل من اصبح تاريخياً تحت الحكم العربي المسلم هي دولاً عربية ينبغي لها ان تكون جزء من عالم عربي مفترض "، وقد شمل ذلك الصومال وجزر القمر، وأن تاريخ الدولة العربية الاسلامية تاريخ مفرق لا يؤسس لأي كيان موحد .

أوضح المؤلف أن المشتركات بين الاسلاميون والقوميون العرب كلاهما يرى ان العرب امة واحدة رغم اختلاف الأقطار التي يسكنون فيها، وأن الاسلاميون يرون العرب قادة الاسلام، ولكنهم يختلفون بكون القوميون يسعون لتوحيد الامة العربية بدولة واحدة، والاسلاميون يسعون لبناء دولة اسلامية تطبق فيها الشريعة الاسلامية .

في الخاتمة أوضح المؤلف في ص295 " أن الصوت العالي الذي يتحدث به الاسلام السياسي لا يستطيع ان يخفي حقيقة انه يعمل للوصول الى الحكم "، وأوضح المؤلف كيف ان الارهاب الداعشي قد احتل مساحات كبيرة من العراق وسوريا، واعتبرها منطلقاً لتأسيس دولة الخلافة، وعندما اقتربت نهاية داعش طلب من اتباعهم في اوربا التوقف عن الهجرة الى العراق وسوريا، وممارسة نشاطهم في نطاق (الذئاب المنفردة) . وقد ذكر المؤلف في ص301 " أن فشل ايديولوجية داعش سوف يدفعها الى البحث عن ما هو اكثر تأثيراً وايغالاً في العنف " .        

         

1225 qasimiفي مقدمة كتابه: إشكالية الحرية في الآداب العربي، يصنف الكاتب علي القاسمي أبعاد الحرية في الكتاب، وطبيعة الكتابة في هذه المقالات والدراسات (تقارير وتجليات أدبية):

المقال الأول: عن مفهوم الحرية (تطور استعمالها التاريخي، مقابلاتها / أضدادها – حدودها) .

المقال الثاني: عن جذور الحرية وحقوق الإنسان .

المقال الثالث: عن أزمة الحرية عندنا أزمة ثقافة لا أزمة سياسة .

المقال الرابع: عن الحريات الثقافية في عالم متنوع .

هذه المقالات الأربعة تتسم بالنظري والفلسفي والحقوقي ... وتبدأ المقاربة الأدبية النقدية بالمقال الخامس .

المقال الخامس: نافذة صغيرة على نوافذ الغيطاني .

المقال السادس: الالتزام في فكر عبد الكريم غلاب .

المقال السابع: صياغة الفكر روائيا (شرقية في باريس لعبد الكريم غلاب).

المقال الثامن: الروائي ونظرية الكتابة (المباءة) لعز الدين التازي

المقال التاسع: الرواية الجغرافية في بطن البقرة لخيري شلبي .

المقال العاشر: وجوه مرت لعبد الرحمان مجيد الربيعي .

المقال الحادي عشر: لماذا التلعثم بالنبيذ: الغموض في مجموعتي بشكار وغلمان .

الكتاب – تجمعه تيمة/ موضوعة الحرية: حرية الكتابة – الالتزام وفقدان الهوية – حرية الشاعر في الغموض – الحرية في التجريب .

المدخل والمقدمة، والمقالات التي تنص على التعاريف والمفاهيم تتساوق مع المقاربات التطبيقية وتغنيها، فهي قوانين سنها الناقد لولوج عالم المبدعين . وهي مقدمات شمولية تنير المقدمات الصغرى التي مهد بها الناقد لكل مقال نقدي، وتساعد القارئ على تلمس بعد الحرية في الإبداع . وتدفع القارئ إلى استخلاص العبرة والمغزى من كل نمط من أنماط هذه الحريات عند قراءة الكتاب وختمه كما سنرى في نهاية هذا البحث المتواضع .

البعد الموضوعتي للكتاب

جمع القاسمي دراسات ومقالات حقوقية وأدبية (نقدية) في كتابه النور والعتمة تحت مسميات تيمية (كالحرية)، وفي كتابه (الحب والإبداع والجنون) تحت مسميات تيمية كذلك، تصب في الثلاثية التي دل عليها العنوان الثاني، وذلك بعد ان استقصى هذه الموضوعات في المعاجم والدواوين والمجموعات القصصية والروايات، وكتب اللغة والتاريخ وكتابيه (مفاهيم العقل العربي) و(العراق في القلب).

وصرح بالانطلاقة الموضوعتية هذه بدءا من دراسته لسيدة المرايا للسحيمي: " أول ما يلفت انتباهنا في هذه القصص أنها تعالج موضوعة (تيمة) واحدة يمكن تشخيصها بوضوح في كل قصة، وفي جميع قصص المجموعة تقريبا، تلكم هي موضوعة الحرية ص 123 .

وصرح في مواضع أخرى على هذا التبني " إن موضوعة الحرية التي اختارها عبد الجبار السحيمي أثرت في بناء السرد وتقنياته ... ولعل أمثلة من قصص المجموعة تبين لنا بوضوح تام أن موضوعة الحرية هي المحور الذي يدور حوله السرد ص 125.

وفي الإجراء التطبيقي نلمس ذلك جيدا بحيث يخلص للوحدة المتبلور حولها النص (الحرية) ويتناول عنصرا منبثقا عنها هو موضوعة السجن في رواية (نوافذ النوافذ)، مستعرضا (روايات السجن العربية منذ أوائل الستينيات، ومبرزا الهدف الذي جعل الكاتب يلجأ إلى سلاح الأدب لتعرية الواقع العربي، وجاردا نماذج توضيحية للربيعي ومنيف وصلاح حافظ والعزاوي .... وبعد ذلك ينكب على التطبيق: معالجة نوافذ الغيطاني، مركزا على (مسألة الحرية)، وعن اللمسة الشفافة للكاتب في التناول، وعن توظيفه (تقنية النافذة)، مستدلا بلقطة جمالية: عندما يحط العصفور على فتحة التهوية في سجن البطل الانفرادي، ويعلق على اللقطة.

فهل كانت الموضوعتية النهج الوحيد في الدراسات ؟ وهل اعتمد الناقد منهجا محددا في تناول التيمة ؟ فما هي إذا السبل التي تتفرع عن مقارباته لإقناع القارئ، وإحداث متعة القراءة عنده، وقبل إحداثها ما هي الوسائل التوضيحية المساعدة على بلوغ هذا الهدف: إشراك القارئ وتطهيره ؟

ثقافة الناقد علي القاسمي

يقول الأديب عبد الرحمن مجيد الربيعي " والدكتور علي القاسمي يحار المرء كيف يصنفه وفي أي موقع من مواقع الإبداع يضعه ..."

فهو عالم في اللغة والمعجم، والتربية والتعليم والفلسفة وعلم المصطلح، والتاريخ والجغرافية وفي الحضارات المقارنة، والعمارة وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والأنتروبولوجيا . والأسطورة وهو دارس للمناهج النقدية القديمة والحديثة، واللسانية التي دخلت النقد وأغنته، ولعل كتابا بحجم (العراق في القلب) يبهر القارئ بعلومه وآدابه وفنونه، وبتنوع المعالجات النقدية (التفسير والتحليل، والاستقراء والاستنباط، والموازنة والمقارنة والتأمل، والقراءة العاشقة) خير دليل على غزارة علمه واتساع مداركه الثقافية وروافدها، ولعل كتاب مفاهيم العقل العربي شاهد ثان على الموسوعية، وللترجمات الأدبية روائية وقصصية وشعرية ومسرحية، مقالية، خير دليل على ما نقول، ولعل ناقدنا القاسمي قد تجاوز بهذه المواصفات وغيرها، توصيف الناقد المثقف حسب معيار محمد النويهي في كتابه (ثقافة الناقد الأدبي)، أما الثقافة النقدية عنده فلها مجالات عدة تجمع بين العمومية والخصوصية، فهو يمتح من القديم والحديث، ويدمج آليات هذا وذاك في بوتقة واحدة لإيمانه بصلاحية كل منهج لمحطة من محطات التحليل .

فالنقد القديم يفيده في مقاربته اللفظ والمعنى، والطبع والصنعة ويقربه من فن الموازنات والوساطات بين أنصار هذا المبدع وخصومه، ويتنبه من خلاله إلى التوارد في الخواطر والسرقات المكشوفة، كما يستفيد من النقد الحديث المقاربات الاجتماعية والنفسية والشكلانية والموضوعتية، فتجده مسلحا بالاتجاهين معا، جامعا بين المنهج اللساني في ثوبه التقليدي والحديث معا بحكم تخصصه، وبين البنيوية والتكوينية، والانثروبولوجية كما بسطها ليفي شتراوس ونظرية التلقي التي تشرك القارئ في الإبداع، وتخلخل أفق انتظاره ... وتقنية العتبات النصية (النص الموازي)، محللا، ومفسرا، متقلبا بين النقد الانطباعي التأثري والسوسيولوجي والفرويدي ....

وذلك حسب الظاهرة المعالجة، فالغموض مثلا يتناوله في الشعر أو في القصة من زاويتين مختلفتين تفرضان عليه الموازنة والمقارنة، فيحتاج إلى منظومة المرزوقي والآمدي والعسكري في منهاجهم حول عمود الشعر العربي الذي يخضع للأقانيم المسطرة فيه، وتبدو في معالجته المعاظلة في الكلام والحوشي من اللفظ، وانسجام اللفظ مع المعنى، والماء والرونق، واستدعاء المشبه للمشبه به كما يحتاج إلى (العتبات) لفهم المقدمة أو المدخل ...، ويحتاج إلى جمالية التلقي لاختبار درجة المتعة التي خلفتها القراءة، ومدى اندماج القارئ في الإبداع وتقمص شخص المبدع.

يمتلك الناقد القاسمي ثقافة خاصة بكل جنس أدبي، من حيث التاريخ له ومصادره، فلو أخذنا الرواية على سبيل المثال، فهو على دراية بتاريخها إلى أن وصلت الشأو الذي هي عليه الآن، وحتى أصبحت في نظره (عنقاء) تلتهم جميع الأجناس الأدبية (السيرة الأدبية – الشعر – المذكرات – المسرحية – المقالة – التشكيل ...) وتطعن حتى على المعارف: (التاريخ – الفلسفة – السيرة بمعناها العام – علم النفس – الاجتماع ...) وتحدث عن تنوعها: (التاريخية – الفلسفية – النفسية – السير ذاتية ....)، كما نجده مطلعا على المستجدات في مجالها، في المرجعيات الموثقة وغير الموثقة (الشابكة)، حيث يفاجئنا بنمط روائي جديد غريب هو (الرواية المثلية) بسماتها الذكورية والأنثوية ويطلعنا – من خلال هذه الموسوعية الثقافية وفضول البحث – على إلمامه بأجناس أدبية متولدة منها كالرواية الجغرافية (الجغرواية)، وعلى نمط سيري هو (سيرة الأدب) .

وما قيل عن الرواية يقال عن القصة والقصيدة والمسرحية والتشكيل .... فتحليل القاسمي للرواية من خلال هذه التراكمات الثقافية التي تشكل زاد الناقد المثقف المسلح بآليات النقد المتنوعة، هي نفسها تقريبا يطبقها على التشكيل، إذ أن بعض الروايات والسير لا يمكن رؤيتها إلا على أنها بورتريهات أو كاريكاتور أو صور قلمية . ويأخذ عدته في نقده – كما قلنا – من القديم والحديث معا .

ولا غرو أن نجد تلاقحا فكريا ونظريا بين القاسمي وبعض النقاد في هذه الخصيصة كمحمد مندور، فتناولهما للمصطلح السابق (الصورة القلمية) اعتمد على المزج بين القديم والحديث وركز على المصدر الأساس وعلى الرائد الأول في هذا وهو الجاحظ .

أضف إلى ذلك معرفة القاسمي الناقد بتقنيات القاص أو الروائي المباشرة وغير المباشرة ص 125.

ومن مميزات ثقافة ناقدنا التحلي بالموضوعية، وتحكيم الأمانة العلمية، مشفوعة بالتواضع العلمي، وتقدير المبدع وثقافته وتجربته واجتهاده ... وهذه نماذج تثبت ما قلناه وهي جديرة بأن تذكر، وأن يتحلى بها الناقد المبدع المثقف المحب لعمله، المحترم لقارئه، يقول

" وينبغي أن اعترف أنني لم أقرا قصة من قبل تستخدم ضمير المتكلم الجمع " ص 136. وقوله " سهرت ليلة كاملة مع تلك الرواية (شرقية في باريس لغلاب أيضا)، لا لأنني كنت أتلذذ بحلاوتها العسلية فحسب، بل لأنني كنت أتعلم منها أشياء كثيرة أجهلها، ومن طلب العلم سهر الليالي " ص 206 .

ومن الدلالات الكبرى على هذا التواضع العلمي، إقراره بعدم فهم أي شيء على الإطلاق من نص شعري حداثي رغم إحساسه بإيقاعه الجميل وصوره المجازية، وكرر القراءة، ولكن دون جدوى، بل قرأ نصا شعريا نظم عنه وباسمه (علي القاسمي)، ولم يفهم شيئا كذلك، وكرر العمل، ولكن دون جدوى، إلى أن استعان بخصائص الشعر الحديث، ودراسة مسألة الغموض أسبوعين كاملين مستعينا بمراجع وبمواقع أدبية على الشابكة، و" هذه خلاصة مبتسرة لحكاية رواية " المباءة " بيد أن الروائي التازي حكاها بأسلوب متميز، وتقنيات روائية مبتكرة ..." 218 .

قضايا نقدية عامة في الكتاب

- يمزج القاسمي في الكتاب بين النظري والتطبيقي عند نقد مؤلف من المؤلفات التي انصب عليه النقد، حيث يقدم الأحكام النظرية، ويلتزم بها في التطبيق، وفي الخاتمة (الخلاصة) يحتكم إلى الاستنتاجات، ودرجة تساوق ما قدمه في الجانب الأول مع الإجراء، والتتبع الذي شمل المبدع .

- يهتم بصاحب النص ويخصص له حيزا هاما من حيث بيئته، ومدرسته ومؤلفاته وبعض شيوخه، وتلامذته إذا أمكن، كما فعل مع السحيمي وبرادة وغلاب والغيطاني وحميش ...

- قد يبدأ نقده باقتطاف فقرة تعتبر بؤرة الموضوعة المراد رصدها فيه، كما في نقده (نوافذ النوافذ) للغيطاني، وتكون هي المعبرة عن نزعة ما كالتجريب والتجديد وترسيخ (تقنية النافذة)، وبعدها يأتي الحديث عن المؤلف بوصفه – أيضا – مجددا، ومجهدا سيره في سبيله، وملخصا هذين العنصرين (التجريب والتجديد) في مستويين اثنين: البناء الفني، واللغة الشعرية المكثفة الموحية ...

- قد يغير القاسمي في طريقة تناوله (الموضوعة) أو الفكرة، عندما يجد جديد،كان يكون اطلاعا جديدا على ما يناقضه، أو اكتشافا ثانيا بعد تمحيص وتحر ... أو قد يكون مصدر التغيير استشارة ناقد أو المبدع نفسه . ومن الحالة الثانية (استشارة المبدع) فقد غير القاسمي رأيه الذي أصدره على رواية غلاب (وعاد الزورق إلى النهر) وتخلى عن اكتشافه الأول المتمثل في طرح الأديب (تيمة) الموت، وكان قد اعتبرها مسكونة بلغز الموت ولوعته، غير أنه بعد أن تحدث مع الأديب تخلى عن أطروحته الأولى لأنها كانت ثانوية، قياسا مع الطرح الجديد الذي اقترحه غلاب بعمق وهو أن التيمة الغالبة هي الحياة .

- يلجأ الناقد أحيانا إلى النقد التصنيفي الذي يرتب الأدباء إلى طبقات، على شاكلة القدامى ابن سلام وابن المعتز ...، فقد صنف الربيعي في الطبقة الثالثة بعد يحيي حقي ونجيب محفوظ، وذلك في تقنية وصف الشخصيات: " ولا يجيد وصف الشخصيات إلا كبار الكتاب المتمرسين من ذوي الثقافة العالية مثل الراحل نجيب محفوظ في وصفه لشخصيات رواياته خاصة ثلاثيته، ومثل الراحل يحيي حقي وعبد الرحمن مجيد الربيعي الذي يعد أديبا عربيا، أجاد في وصفه شخوصه العشرة الذين ضمهم كتابه بصورة ملفتة للنظر " ص 276.

- التخلص من تقديم المصطلح إلى فائدة فكرية أو نظرية أو الى حكم نهائي، فمثلا عندما ينتهي من تقديم مصطلح (الرواية الجغرافية) ويبرز خصوصياته يتخلص إلى رائده أو الذين حاولوا تبنيه، وتجلى بوضوح عندما قدم مصطلح (الصورة القلمية) فبعدها مباشرة قيم أعمال الربيعي وربط التقنية باللمسة الفنية التي ورثها عن ثقافته التشكيلية .

- الاستشهاد على الظاهرة أو المصطلح أو الفكرة أو الشخصية .... من النص ذاته، ومن خارج النص كذلك، ويكون الاستشهاد عبارة عن ضرب أمثلة توضيحية من النص لتعزيز النظري، وهذه سمة عامة عند الناقد في الكتاب كله، فلا يقدم (بيانه) النظري إلا معززا بأمثلة توضيحية، واستدلالية.

- الاستطراد في التوصيف والشرح خاصة عند الحديث عن المؤلف وثقافته ومدرسته وتلامذته ومؤلفاته، وموقعه ومميزاته الأسلوبية.

- دلالة المقدمة، إن أروع مدخل للنقد عند القاسمي هو المقدمة المصطنعة التي يتبين لنا فيها اجتهاده وثقافته النقدية وحضور بديهته، وولوج عالم (الموضوعة) . ففي (وجوه مرت) للربيعي يدبج الناقد مقدمة شاعرية بعنوان (وجوه ووجوه)، فهي مقدمة /جسر، تبدأ عامة وتبدأ في التخصص شيئا فشيئا حتى تصل إلى الهدف .

- الموازنة والمقارنة بين الأشخاص والمواضيع والأفكار والمؤلفات والمصطلحات والمدارس.

- النفحة الحجاجية: (الفرضية – البرهنة – الاستنتاج) .

- وكل هذه الملاحظات يلفها الناقد بأسلوب تفسيري يجمع بين الوصف والتحليل، وذلك بهدف توضيح نظرية أو مصطلح أو مدرسة، وهو المنهج الذي ظل مخلصا له في ثنايا مقالاته مطعما بمناهج حديثة معلن عنها كالعتبات ونظرية التلقي والموضوعتية، بل حتى البنيوية التي تنكر لها ومجها لأنها ترى ضرورة " قتل الكاتب و"فحص النص" ولا شيء غير النص، ورفضها كان مؤقتا لأنها بمفردها ليست صالحة لدراسة مجموعة غلاب (سيدة المرايا)، وهو كثيرا ما ينص على شخص الكاتب وإنتاجه في الأجناس الأدبية الأخرى ص 120 .

وفيما عدا هذا الموضع كان يرحب بكل المناهج، ويرى ضرورة تطعيم الفن بآراء ومناهج العلم والعلماء أيضا وذلك بهدف توثيق وضبط إبداعهم وتقنينه .. فهو يرى دور روايات جي. أج ويلز (قصص الخيال العلمي) التي ألهمت علماء الفلك، وأثر لوحات (سيزان) في همنجواي، فرحب بالانطباعية .

وفي الجانب التنظيري تكاد لا تجد خلافا بين تعاريف القاسمي وما سطره النقاد، والمصنفون المدرسيون وهم من نبغاء النقاد المعاصرين .

المناهج المعتمدة في الكتاب

من خلال الملاحظات العامة أوردنا مجموعة من الظواهر النقدية المتظافرة في تحليل الناقد، توجهها القراءة الموضوعتية (الحرية)، وتساق بأسلوب تفسيري، وتحليل يتوسل بالتفسير والوصف والتبرير المنطقي المعتمد على الافتراض والبرهنة والاستدلال والاستنتاج (التقييم) ..

وقد صرح الناقد في عدة مواضع من الكتاب باللجوء إلى التحليل والتفسير، كقوله " .... بيد أن الروائي التازي حكاها بأسلوب متميز وتقنيات روائية مبتكرة طبقا لنظريته في الكتاب الروائية، التي تحتاج منا إلى شيء من التحليل ... ص 218 .

ومظاهر الأسلوب التفسيري التحليلي تتجلى في تقديم المصطلح والاستفاضة في توضيحه وشرحه بل وتمييزه عن مصطلح أو مفهوم قريب منه: " السارد غير الكاتب، فالكاتب خارج النص والسارد داخله وجزء منه، فالسارد هو الذي يقدم شخوص القصة إلى القارئ ويخبره بإحداثها وقد يعلق أحيانا على مجريات الأمور، ويحكم على الأقوال والأفعال فيها ....." 134 .

ويستفيض في التفسير: " وبصورة عامة إما أن يكون هذا السارد أحد شخوص القصة الذي جرت له الأحداث، وأما أن يكون شخصا محايدا ليس واحدا من شخوص القصة ...." .

ويبدأ في التفصيل والتمييز: " في الحالة الأولى يستخدم السارد ضمير المتكلم المفرد أو المتصل مثل: أنا، وقلت ...." ويستدرك: " ويفترض في هذا السارد انه عارف بما يجري له وعالم بمشاعره وأحاسيسه وينقلها إلى القارئ عادة بأمانة وصدق "، ثم يبدأ في النقد متدخلا: " وقد يجانبه الصواب في روايته لسبب من الأسباب " .. ويعود إلى تفصيل ما أجمل: " أما في الحالة الثالثة فإن السارد يستخدم ضمير الشخص الثالث الغائب مفردا كان أم مثنى أم جمعا مثل: هو، هي، هما، هم، هن ..." ويستطرد مرة أخرى: " وفي هذه الحالة تكون معرفة السارد بمجريات الأمور أكثر من معرفة شخوص القصة أو أقل منها أو مساوية لها " 134-135 ويخلص إلى نتيجة تفيد القارئ وتقنعه: " فالسرد بضمير المتكلم لا يلائم مثلا قصة (شاهد المدينة) ولهذا اختار الكاتب السحيمي أن يسرد الأحداث بضمير الغائب، ولو اختار سرد الأحداث بضمير المتكلم / الأحمق لوقعت في القصة تعقيدات دلالية، وقد يدعم رأيه بعقد مقارنة أو موازنة بين هذا الكاتب (السحيمي هنا) وبين علم من إعلام هذا الفن القصصي أو الروائي، كما فعل عندما عزز رأيه الحجاجي هذا بحيلة وليم فولكنر الأمريكي في روايته (الصخب والعنف)، بل ويمكن استشفاف نتيجة حتمية اضطرت جبرا إبراهيم جبرا إلى كتابة مقدمة طويلة جدا لمساعدة القارئ على الاستيعاب، ولم تعف علي القاسمي بدوره من اللجوء إلى هذا النقد التفسيري / التفضيلي للهدف نفسه عند جبرا، وهذا عمل تعليمي هام يتميز به النقد التفسيري .

ويعضد القاسمي نقده التفسيري بتعليق يستشف منه درجة موافقته للمرجعية التفسيرية أو تحفظه عنها، وهو تفسير آخر يرسخ ما قيل أو يميل به عن الخط المتبع في الشرح، فمثلا يقول: " واستخدام الإيهام المرجعي في نظرنا لا يعني أن ما حدث في هاتين القصتين مثلا لم يحدث، وإنما المقصود منه إقناع القارئ بوقوع ما سرد وإن كانت الحكاية حقيقية أو خيالية " 138

وهذا التعليق التعضيدي مبرر بحجج، وموسوم بإقناع القارئ وعندما يقدم تقنية (نهاية القصة) يشترط لها تفسيريا – أن تضع حدا لتوتر القارئ، وتعطي جوابا لتساؤلاته عن بعض الشخصيات .

وإذا استعصى عليها أن تحقق ذلك، فعلى القارئ أن يجنح إلى إكمال المسكوت عنه في القصة، كأن يملأ الفراغ، أو أن يتخيل نهاية من عنده .

ويستفيض في التفسير والمبررات، ويحيل على المرجعيات النقدية والمصطلحية التي تستعين بذلك كنظرية الجشطلت، وهنا أيضا يشرع في تفسير دور هذه المدرسة أو النظرية في تبديد الغموض أو النقص في التصور ..." ويستطرد في التفسير والإقناع والإيضاح: "فالقصص ذات النهايات المفتوحة هي بخلاف القصص المستكملة لنهاياتها التي تضع حلا أو حدا للصراع الدرامي لدى شخوصها، أو تصل إلى خاتمة توفيقية تريح القارئ " ... ويشفع هذا التفسير، وذاك التفصيل باستنتاج (حكم نقدي) مقنع يضع حدا لقلق القارئ: كما يحاول رصد الصعوبات أمام القارئ وهو يفسر له السبيل التي تقف دون نجاح تقنية حذف الكاتب بعض إحداث القصة، ومنها معرفة الكاتب مسبقا بالحدث المحذوف، محيلا القارئ على نموذج عالمي لهمنجواي مثلا، وبعد الإحالة على النموذج يعود إلى الاستنتاج، وهو آخر عنصر في منهجه النقدي التفسيري، فيقدم العمل المنقود محافظا على التعليمات والتوجيهات التي رسمها له، باعتباره زبدة التفسير الذي أنار به التباس القارئ واندهاشه (كسر التوتر) .

وكذلك عندما يقدم مصطلحا فغنه يقربه للقارئ بشكل تبسيطي، مزيلا عنه بعض الغموض والالتباس الناجم عن رصيده المعرفي والمصطلحي العام، وهذا مثال تبسيطي لمصطلح الواقعية فهو عند القاسمي ليس ذلك المتأتي من استعمال اللهجة العامية في الحوار على الخصوص، فذلك عنده يساوي الواقع لا الواقعية، لأن المصطلح الأول نزع عنه لباس الفن .

والنقد التفسيري هنا جاء معتمدا على المنطق وموظفا الأسلوب الحجاجي الإقناعي، مقدما له

1- بالفرضية التالية: وقع كثير من القصاصين والروائيين في فخ استعمال اللهجة العامية خاصة في الحوار، توهما منهم أن استعمال اللهجة العامية جزء من الواقعية .

2- تفسير الفرضية أيضا بشكل يجعل القارئ ويشعره بمسايرة الناقد له في الالتباس، وهو – مع ذلك- مازال يوضح ويشرح .

" إذا ليس من المعقول أن يتحدث الفقير السوقي بلغة الأمير الثري أو يتكلم الفلاح الأمي بلغة الشاعر المتنبي.

3- البرهنة على عكس ذلك (دحض الفرضية)

" يبد أن هذه المقاربة تصور ساذج للواقعية "

4- تقديم المصطلح الجديد / البديل (تصحيح الاعتقاد)

أ‌- فالواقعية لا تساوي الواقع "

ب‌- " ... وإنما تساوي الواقع بعد أن يخلع عليه الفن بعض سحره ليكون جذابا للمتلقي ..."

ح – البرهنة الرياضية

" فالمعادلة الصحيحة هي:

الواقعية = الواقع + الفن "

5- يضرب مثالا فنيا (الفن الفتوغرافي) الذي يمثل الواقعية أيضا

6- إعطاء نتيجة: " كلما ابتعد الفن عن الواقع ازداد الإبداع والخلق الفني فيه " الخ

- ويتنوع عنده الأسلوب التفسيري من تقديم المصطلح أو المعنى أو شرح الظاهرة، أو وصفها أو تبريرها، والاحتجاج والخلاف والدعم والتعزيز والاستشهاد (انظر نقده لمعدي تقرير التنمية الإنسانية العربية الذي يعالج صورة المرأة في الرواية العربية) .

وقد يغلب الوصف على الأسلوب التفسيري، إلى درجة الانبهار بالأثر، فيتتبعه خطوة خطوة كتتبعه بناء رواية (نوافذ النوافذ) للغيطاني واصفا إياه بالتناسب – الاتساع – العمق - التأمل السخي – واقفا عند كل عنصر بالوصف، وينتقل إلى لغته الشعرية واصفا إياها بالكثافة والإيحاء والاحتفاء باللفظ الأنيق، والتمرد على الألفاظ المسكوكة المحنطة .

وقد يمزح في النقد التحليلي / التفسيري بين التفسير والوصف، فيتقدم أحدهما على الآخر مرة ويتأخر عنه مرة (انظر الفقرة الموالية لما قدمناه عن النوافذ ص 166)، مستعملا أساليب:

التفسير: " بحيث يسمح هذا البناء

وتمتاز اللغة الشعرية .....

وعلامات التفصيل (بخاصتين: الأولى..... والثانية........) ومن ناحية ثانية

ويدعم التفسير باستشهاد مطابق (كما لاحظ د . صلاح فضل)

ويكثر من العطف لاسترسال التفسير كما يكثره لاسترسال الوصف .

ولقد وظف القاسمي هذا المنحى التحليلي التفسيري بشكل أجلى في تحليله (المباءة) للتازي، موظفا إياه في كل المحطات المشتركة في المقالات الدراسية للكتاب وهي: الروائي – الرواية – الموضوعة (وهي هنا فقدان الحرية) . ملخص الرواية – مضامينها – خاتمة ...

وقد بنى هذا المنهج على أساس الانطلاق من فرضية أو فرضيات، فأذكى من نزوعه التفسيري والوصفي معتمدا الحجاج كما في تحليله لرواية (بطن البقرة) لخيري شلبي، ولأن لنا وقفة عند تحليله لهذه الرواية في القسم التطبيقي سأذكر فقط نقطة الانطلاق وهي طرحه فرضيتين (زعمين) .

الانطلاق من فرضيتين: - أن الكاتب حر في ابتكار أنواع أدبية جديدة.

- أن كاتبا عربيا استطاع أن يكتب الرواية الجغرافية الكاملة لأول مرة عالميا

طرح التساؤلات قبل الإجابة

الاستعانة بما يساعد على الإجابة (كالتعاريف الأولية وتحديد المصطلح والتمهيد التاريخي للظاهرة ..) طرح المزيد من الفرضيات: " كان من المفترض أن تظهر الرواية الجغرافية على يد جول فيرن ".

إسناد الفرضيات بتبريرات تضخمها: (المحاولات المتكررة لفيرن – ثقافته الجغرافية- رحلاته –

مؤلفاته – مؤهلاته المادية والمعنوية – إطلاقه المسمى

المتبارى حوله على النوع الأدبي (الرواية الجغرافية)

- رد الفرض تخمينا في البداية أي دون تبرير (ولكن هاتين الروايتين تنتميان إلى نوع المغامرات والرحلات وليستا من الرواية الجغرافية (وهذا حكم قيمة، ولكنه رغم كونه حكم قيمة فهو يظل مؤقتا)

- دعم فرضيته بآراء مؤيدي (جول فيرن) أمثال ميشيل مارغو، كما أيد فرضيته بمحاولة بروكوش برأي (كامو).

- رد ادعاء المناصرين لهذا وذالك بالوثوقية والتأكيد: " فإن جول فيرن في حقيقة الأمر لم يتمكن من كتابتها ..." و" فإن أركان الرواية الجغرافية لم تتوافر في روايتي بروكوش الشهريتين .." والأمثلة على الردود المؤكدة كثيرة .

- إرجاء الرد (إبراز الفرق بين الرواية الجغرافية والخطط) إلى أوانه في التحليل .

- الإعلان عن الرد والإجابة في أوانها " وتناولها هنا بالترتيب " و" يسمح لي القارئ أن أوضح ذلك بمثال من الرواية .

- الإجراء التفصيلي: معالجة كل عنصر على حدة .

- دعم آرائه وأحكامه بتعاريف للمختصين .

وهذا يجرنا إلى عنصر الموازنة، وهو من خصائص الدراسة التحليلية، وتقنية جيدة من تقنيات التفسير، ويذكرنا بموازنات الآمدي بين البحتري وأبي تمام، كما ذكرنا في الحجاج على أنصار جول فيرن وخصومه وأنصار بروكوش وخصومه بوساطة الجرحاني بين أنصار المتنبي وخصومه، وسواء كانت الموازنة على المستوى عربي عربي، أو محلي محلي أو شخصي، أو بين عربي غربي، فإن القاسمي وظف الموازنة لمزيد من توضيح المصطلح السائر من بين مصطلحين يتنازعان الوجود، أو بين أديبين أو بين معنيين أو بطلين روائيين عند كاتب واحد ..

فيوازن بين الوعي النقدي لدى الروائي والنظرية النقدية لدى الناقد، ويوازن بين الروائي والناقد (الأول يخلق عالما جديدا والثاني فيرتب ذلك العالم، ويوازن بين (الظاهري) بطل رواية (الخفافيش والورداني بطل (المباءة) في سمة / تيمة الجنون، وفي رفضهما – معا – الكتابة تحت الطلب، وهما من روايتين مختلفتين للكاتب نفسه (التازي) . يقارن بين جول فيرن وخيري شلبي وبروكوش إذا اعتبرنا هذه موازنة لا مقارنة ويقارن بين التأليف التاريخي (الخطط) كما عند المقريزي، والجغرواية عند شلبي (و(رواية الرحلات)، مصرحا بإبراز الفرق " وسنبين الفرق بعد قليل " ص 251 ولعل أبرز موازنة يمكن الوقوف عندها طويلا هي موازنة القاسمي بين نافذة الغيطاني ونافذة المازني، معتمدا على منهجية دقيقة تتلخص في: الاستحضار – التفصيل – المقارنة- الاستطراد النقدي (التفسير) – الحكم الاستنتاج . ومن المعايير التي لجأ إليها: الاستقراء وقد صرح بتبنيه في مواطن مختلفة منها قوله " فإن استقراء الرواية يدلنا على وجود تصنيفات أخر " أو يعبر عن الاستقراء بنهج القراءة العاشقة المتأملة، وهو نهج ساعده في نقده الغيطاني

1 على اكتشاف نوافذ أخرى في الرواية لم يتنبه لها الغيطاني

2 على معيار التصنيف اللائق بكل نافذة:

- معيار الوجهة (التموقع والتموضع)

- معيار الهيكل المؤطر

3 على ترجمة المنهج الاستقرائي / النظري عمليا (ذكر تصنيفات أخرى)

أ‌- نوافذ تطل على خارج المنزل ونوافذ تطل على داخله

ب‌- نوافذ ثابتة وأخرى متحركة

(6 ملاحظات واستقراءات)

4 الاستدلال على كل تصنيف بدليل من الرواية

ومن مواصفات المنهج عنده أيضا، ما يشبه التدخل النقدي أو الإحالة، وأخذ صيغا مختلفة منها أن يلاحظ – بعد تأويل البعد التحليلي أو المضموني عند المبدع الروائي أو القاص – ملاحظة يرى ضرورة إبرازها للقارئ أو تنبيهه إليها فيكثر من هذه الصياغات بعد كل فقرة من فقرات السحيمي.

(لاحظ رمزية الجري والجدار والجهة الأخرى) ص 126 .

(لاحظ الإبداع في " علامة الازدراء " التي يجب أن تضاف إلى علامات التنقيط في قواعد كتاب اللغة العربية مثل علامة الاستفهام وعلامة التعجب " ص 140 الخ أكثر من 5 ملاحظات

وفي دراسته (للمباءة) يغير التدخل والإحالة بصياغة أخرى مثل:

(هنا البلاد فقدت حريتها بسبب ....)

(هنا فقدان الحرية بسبب ....) الخ في ثمانية مواضع

واضعا التعليقات الثمانية بين معقوفتين، والهدف جلي، وهو مساعدة القارئ على تلمس سبب فقدان الحرية في ثنايا الرواية، ويعود إلى النمطية التي مرت بنا عند تدخله في دراسته لعد الجبار السحيمي فيكثر من (لاحظ رمزية الماء .....)

(لاحظ الإشارة إلى قدسية الفنون)

أو قوله معلقا ومؤكدا بكل ثقة " .... وهذا صحيح طبعا " ص 256

أو تكون الإحالة على مرجع من مراجعه هو بحكم تخصص هذا المرجع في قضية ما " فالحب هو الدافع للإبداع، وهذا ما حولنا شرحه في كتاب كامل ...." ص 253 .

وقوله عن غلاب: " وبذلك تشكل منعطفا متميزا في مسار الرواية العربية، وستكون نموذجا يحذو حذوه الروائيون في المشرق والمغرب لإنتاج روايات مضمخة بأريج الثقافة والفكر والأدب الرفيع ..." ص 212 .

وتتعدد أساليب الإعجاب والتدخلات والاستنتاجات والأحكام، فيعبر عنها بالدهشة " لقد سيطرت هذه الرواية على جميع حواسي ومشاعري وفكري وقلبي ..."

" لقد حملتني هذه الرواية على بساط سحري إلى باريس ...."

وقد يكون هذا الإعجاب مصحوبا بتفسير أو تبرير، وهو الغالب، وقد يكون متوجا – إضافة إلى ذلك - بانبهار كلي كما في هذا الشعور أو الصيحة التي دوت من قلبه الصادق: (يا سلام على الفكر السامق المتبختر ببردة أسلوبية ملوكية)، وهذا قمة النقد التذوقي .

- ولكن هل كان القاسمي يجامل في نقده ؟

من الأشياء التي جعلت القاسمي يتعاطف مع الإبداعات التي درسها في هذا الكتاب والتي أحدثت له هذا الانبهار وهذا التطهير catharsis هي أن جلها منتقى بعناية ويكاد يدخل في النقد الانتقائي (المختارات)، وعليه فيكون الكمال الفني حاضرا فيها، إضافة إلى خضوعها كلها (الى تيمة الحرية)، فهي الموجه للجمع في كتاب، والى اختيار أنماط المقاربات المهيمنة قبل أن تندمج في المقاربة التكاملية...

صحيح أن القاسمي قلما يلجأ إلى معارضة الرأي بصرامة إذا كان موجها إلى مبدع واحد بعينه، بل نجد هذه الطريقة (المعارضة الصارمة) – على ندرتها – تكون موجهة إلى مبدعين يشكلون مدرسة فنية معينة أو يتناولون (تيمة) خاصة، كالحرية مثلا، أو عندما يكون نقده موجها إلى لجنة مكلفة بإعداد تقرير حول ظاهرة أدبية (صورة المرأة في الرواية العربية مثلا) . وهنا لا يتوانى الناقد في نعت تصورهم للظاهرة بالسطحية، وقصور المعالجة .ومع ذلك لا يكاد يتنازل عن لباقته التي يخاطب بها المبدعين فرادى وجماعات أيضا لأن الحق والموضوعية ديدنه في ذلك . يستهل نقده بتقدير جهد لجنة (إعداد التقرير حول الظاهرة) ثم يبدي رأيه فان لنا رأيا مخالفا مفاده ....." ص 150.

وبعد التحليل والتفسير وإبداء الرأي والحجاج ... يكرر عبارة (مع الأسف) للتعبير عن الدونية في (عابر سرير) لأحلام مستغانمي رغم إعجابه بأسلوبها وتصويرها في البدء والختام . ويكررها مع محمد برادة في " مثل صيف لا يتكرر " ص 157 .

أو قد يغير من الصرامة قليلا " غير أننا كنا نتمنى لو أدخل المؤلف في روايته كذلك نماذج نسائية مغايرة " .

وفي الحالتين: الانبهار والصرامة الناجمين عن الموضوعية، كان يلجا إلى الاستشهاد بآراء النقاد الآخرين، كرأي صلاح فضل للاستدلال على اللغة الشعرية للغيطاني،أو برأي شوقي ضيف على الخصيصة نفسها من الناحية الإيقاعية، وبرأي كونديرا على اعتبار رائعة الغيطاني (مغامرة محسوبة) تدهش المتلقي وتصهره في ذات السارد .

والاستشهاد على الحكم بأبيات شعرية موضحة بهدف التفسير: أو الاستشهاد على الرأي من المبدع نفسه كالاستشهاد برأي شلبي على أن الأمكنة تؤدي دور الشخصيات الروائية في الرواية الجغرافية، أو الاستشهاد برأي ناقد آخر على الحكم على ناقد أو مبدع، كالاستعانة برأي إبراهيم أنيس في ضبط المصطلح من حيث نحته (الرواية الجغرافية) – (الجغرواية) .

نظرية التلقي والعتبات

ولإغناء المنهج النقدي التكاملي عند القاسمي الذي يبدأ انطباعيا وتأثريا، ويتدرج بفضل التفسير والوصف والتحليل والتأويل، والمحاجة والموازنة، والتدخل والاستشهاد، والاستقراء والاستنتاج، فإن بعض المحطات، لا بد أن يكون الولوج إليها من أبواب خاصة اجتهد القاسمي – بفضل ثقافته الشمولية – أن يقتحم من خلالها النصوص المغرقة في التجريب والحداثة، إيمانا منه بدور كل عنصر من عناصر الرواية أو القصة أو القصيدة، وإيمانا منه كذلك بأهمية ترسيخ (متعة القراءة) ولذة التأويل، وبالتطهير الذي تخلفه الآثار الإبداعية المتذرعة بالخيال والصور ... في ذهن القارئ، وإيمانا منه، بحاجة الأثر الأدبي إلى دور القارئ وانصهاره فيه لإحداث هذه المتعة وهذه اللذة . وهذا مبرر من مبررات دخول عالم النقاد الكبار المعاصرين على الخصوص رواد الحداثة وما بعد الحداثة . من ياكوبسون في فن الرسالة والمرسل والمرسل إليه، وليفي شتراوس من خلال السيميائية والتأويل العقدي والعادات والخرافات والتقاليد والطوطم – وياوس في التلقي، وخلخلة أفق انتظار القارئ، واستغلال عتبات النص كما وصفها جيرار جنيت ....

من خصوصيات نظرية التلقي: إشراك القارئ وإحداث تغيير مرغوب فيه لديه .

وقد عبر القاسمي عن ذلك مرارا، سواء في طرحه النظري لخصوصيات النوع الأدبي أو عند التطبيق فعند تقويم سرد الأحداث عند غلاب – مثلا- يستفيض في استخدامه التقنية السردية المتنوعة: كالاسترجاع وتيار الوعي والتحليل النفسي المعمق، والتلميح بدل التصريح والإشارة بدل العبارة ....

بعد هذه الاستفاضة يصل إلى الهدف من نظرية التلقي " ... ليشحذ ذكاء القارئ الذي يشارك في عملية الإبداع من خلال ملء الفراغات والبياضات في الرواية، وإبداء الرأي في القضايا الفكرية التي يثيرها المؤلف المتمرس " ص 212 .

وقوله عن غلاب في السياق نفسه: " وفي ذات الوقت يجد القارئ نفسه طرفا في النزاع الفكري، وأنه مطالب بإجابات وتفسيرات وشروح " ص 214 .

أو قوله:" والقارئ يستل منها[ الرواية ]نفسه بصعوبة شخصا مختلفا لا كما دخل رحابها " ص 206

وقوله: " فالقارئ هو الكاتب الثاني للرواية " ص 230 .

وقد بسط القاسمي مواصفات هذه النظرية مصطلحيا، وباعتبارها عناصر مكونة للنص الأدبي، وإشراك المتلقي في الإبداع، وأبعاد النص التذوقية: (المتعة والإثارة، وتوهج القراءة) وأبعاده المعرفية والفلسفية (أفق انتظار القارئ) .

ويلجأ إلى عتبات النص باعتبارها إفرازا تذوقيا من نظرية التلقي عند السحيمي وعند شلبي، وعند الغيطاني مسطرا عناصرها قبل التطبيق وهي: العنوان – المقدمة- الإهداء – الملاحظة الختامية .... ويفصل الحديث فيها على شاكلة المنظرين التربويين: ما يسبق النص (ما قبل النص) من عنوان وعنوان فرعي، وصورة غلاف، وإهداء ومقدمة، وكل ما يراه أو يقرأه المتلقي قبل دخول عالم النص الأدبي، مما يلقي ضوءا على النص ويوجه عملية التلقي وجهة معينة، أو يثير توقعات معينة لدى القارئ، أو يزيد من توهج القراءة ومتعتها ..." ص 246 .

وطبقه أساسا على (بطن البقرة) لشلبي وكذا على (وجوه مرت) للربيعي، بادئا من الغلاف بهدف مرسوم سلفا هو الإصرار على نزع جنس القصة عنها، فرغم وضع الناشر كلمة (قصص) على الغلاف فان القاسمي ينفي عنها هذه السمة لانعدام مواصفات القصة فيها، كما زكى رأيه بقراءة العنوان الداخلي (بورتريهات عراقية)، واستثمر الغلاف الخلفي للكتاب لمزيد من الاستدلال وتصور الحكم واستثمر مدخل الكتاب لتوجيه القارئ وتحريضه على أن يتسلح بنظرية (جمالية التلقي). ويعتمد على عتبات النص (النص الموازي) ليعرف جنس الكتاب الجديد، وذلك استنادا على التعاقد بين المبدع والقارئ (عقدة القراءة) ...

وقد كانت هذه العتبات حلا سحريا أفاد الناقد نفسه في حل لغز الغموض في ديواني بشكار وغلمان .

هذه هي السمات المشتركة لنقد القاسمي أي إبداع، حيث تتظافر النظريات النقدية القديمة بدءا من عمود الشعر العربي وأقانيمه المحترمة والمقدسة قديما وحديثا ... ومرورا بالوسيلة (الأداة التحليلية): التفسير والشرح والوصف والحجاج والموازنة والمقارنة، والتفاضل، واستنتاج الأحكام والتدليل عليها بالآراء والأحكام الخارجية والداخلية، والاستعانة بالآراء النقدية والنظريات النقدية المعاصرة، لسانية وأنتروبولوجية ونفسية (الجشطلت) وبنيوية، وبنيوية تكوينية وتلق وعتبات ...... وبها يتكامل التصور النقدي عند القاسمي، ويسير في الاتجاه التربوي الهادف، ورغم هذا الاشتراك المنهجي في دراسته للنصوص، إلا أن القارئ لا بد أن يلحظ تميزا وخصوصية ما في دراسة القاسمي للرواية عن القصة، عن المقالة عن القصيدة عن المسرحية ...

فكل جنس أدبي يريد أن يقدم على دراسته، يستهله بمقدمة تمهيدية توضح خصوصية النوع الأدبي الذي ينتهي إليه، ومواصفاته وعناصره الفنية، ويجعلها إضاءة حصرية لا يتنكب لها، فكان هذه المقدمات كانت عبارة عن استنتاجات في البدء واجل تصديرها إلى نهاية العمل، وكذلك تساهم الخلاصة (الخاتمة) في المزيد من إنارة العمل وتزيد من تميز النوع الأدبي المنقود .

والقاسمي في هذا التجنيس لا يخرج عن النقاد والمصنفين الأكاديميين الكبار كعز الدين إسماعيل والنويهي ومندور ونجم، وعصفور وفضل، والنساج وخالدة سعيدة ويمنى العيد لكنه – بفضوله العلمي وبحثه الدؤوب – لا بد أن يضيف جديدا: مصطلحا أو اكتشافا تجنيسيا (الوجوه / البورتريهات) الجغرواية .. السيرة الأدبية) وذلك بجرأة واستماتة مدعومة بأدلة وحجج وموازنات ومقارنات .

وهكذا وجدنا المواصفات العامة للرواية لا ترقي إليها القصة القصيرة، ولا المقالة ولا المسرحية ولا حتى السيرة بأشكالها، لأنها في نظره عنقاء تلتهم الأجناس الأدبية، ومع ذلك فهو يؤكد ويلح على تكامل الرواية أو القصة بان تمتح من كل الأجناس، والأنواع الأدبية بصورة غير متساوية.

تقديم المصطلح

من العناصر الأساسية المساعدة على النقد الأدبي، توضيح المصطلح الأدبي أو البلاغي أو النحوي أو النقدي ... وقد تضمن كتاب القاسمي هذا ما ينيف عن أربعين مصطلحا خالصا .

وجرده لهذه المصطلحات أنار الدراسات التي أجريت على النصوص، وقد تناولها بأشكال مختلفة كالاستفادة من إطلاقات الفنانين والنقاد والمصنفين، يطلق عليه في مصطلحات هذا الفن " وحدة الأثر " ص 118 .

أو يكون تفسيرا كقوله عن الطريقة الاستنباطية " ينبغي على القارئ اتباعها للوقوف على الحدث الرئيسي في القصة لأن الكاتب لا يستطيع البوح بهذا الحدث، فيغيبه ويكتفي بالتمليح بدل التصريح، أي بالإيماء إليه للدلالة عليه ."

ويكون التفسير أحيانا لتوضيح الفرق: " السارد غير الكاتب..."

كما يكون مسبوقا بأداة التفسير (أي) فالإيهام المرجعي مثلا: " أي أن الكاتب يوهم القارئ بان مرجعياته حقيقية صادقة " 137 وعتبات النص: " أي العنوان والمقدمة ..."

أو يكون تفسير المصطلح معتمدا على التطابق: " التوالد النصي " ويطابق ما هو متداول باسم التأويل الدلالي " .

كما يقدم المصطلح اعتمادا على الإحالة (الموسيقى الداخلية) نقلا عن شوقي ضيف " .

وقد يكون مصحوبا بمثل فتقديمه (للانطباعية)، جاء مصحوبا بنموذج للرسام سيزان. وقد يكون التفسير مستطردا فيه، فالصدق الواقعي / الصدق الفني جاء متحدثا عنه بإسهاب . ويكون مفسرا ومفصلا من الإنتاج الإبداعي نفسه كمصطلح الالتزام، فبعد التفسير والتقعيد له يذكر أنماطا له من رواية المعلم علي لغلاب: (التزام بالوطن – والتزام بحقوق الإنسان، والتزام بتنمية الثقافة)

ويكون مصحوبا بالتأريخ له (الرواية الجغرافية) و(ميثاق القراءة)

ويكون مصحوبا بالتفصيل الدقيق الذي يقف على التميزات والفروق كتفسيره مصطلح (الغموض): البليغ – الضروري – الاضطراري – المضر .

ويكون عبارة عن تقديم رياضي (الواقعية = الواقع + الفن) .

وكما يكون إحالة واستشهادا واقتباسا من معجم أو مدرسة ... يكون ابتكارا خاصا للقاسمي كتقنية النافذة – والسيرة الأدبية ...

النقد التطبيقي / الإجرائي

الرواية نموذجا = بطن البقرة – لخيري شلبي

كما عودنا الناقد علي القاسمي في هذا الكتاب والذي قبله (الحب والإبداع والجنون) يستهل القسم النظري بمقدمة، وهنا بدلهاب (فذلكة) لهدف لا يعرفه القارئ إلا إذا قرأ المقال النقدي كله، حيث سيكتشف معه – أن الروائي شلبي قد استعملها بالزاي لا بالذال وعلق عليها القاسمي قائلا: " مقدمة رواية " بطن البقرة " تحمل اسم (فزلكة)،وآمل أنه وقع خطأ مطبعي في هذه الكلمة فاستعملت الزاي بدلا من الذال، وأن المؤلف الفاضل لم يستعمل اللهجة العامية المصرية في هذا الكلمة " .

ويشرع القاسمي في بحث الكلمة العربية الفصيحة من حيث الاشتقاق ...

وقد أعلن القاسمي في هذه المقدمة عن فرضيتين أوليين .

1- حرية الكاتب في ابتكار أنواع أدبية جديدة (بشروط)

2- استطاعة كاتب عربي أن يكتب رواية جغرافية كاملة لأول مرة في الأدب العالمي (بعد سلسلة من الإخفاقات والمحاولات من الرواد) .

تقديم المصطلح:

أ‌- يتساءل عن المقصود بالرواية الجديدة

- يلجأ قبل ذلك إلى تعريف الرواية وتطوراتها بدءا من ظهورها خلال القرون الوسطى

- يتطرق إلى طغيانها على جميع الأنواع الأدبية والفنية والمعرفية

- يتطرق إلى تعدد أنواعها تبعا لتنوع المعارف المصاحبة والموجودة .

- يذكر نمطا اطلع عليه في الشابكة (الانترنت) جديدا كل الجدة (الرواية المثلية)

- في الأخير يعطي تعريفا للرواية ويصل من خلال هذا التقديم الى قابليتها للتجريب شكلا ومضمونا

كما يجرد- تاريخيا – الأنماط الروائية المعهودة

ب‌- يتساءل مرة أخرى لماذا لم تظهر الرواية الجغرافية في القرن 19 مع ظهور الاكتشافات

ح- يسرد لنا المحاولات: (محاولة جول فيرن) .

د- ينتهي إلى خلاصة مفادها أن (فيرن) لم يتمكن من كتابتها .

ه- يبرر عدم إمكانيته

- أما المحاولة الثانية فهي لفريدريك بروكوش، الذي كان قاب قوسين أو أدنى من كتابة الرواية الجغرافية، معززا هذه المحاولة بتأكيد ألبير كامي على وصول، بروكوش إلى مبتغاه .

أ‌- يؤكد القاسمي على مزية من مزايا هذا النوع في ابتكار بروكوش وهي إنابة الأمكنة عن الأشخاص.

ب‌- لكنها لا تتوفر على أركان الرواية الجغرافية، لأن الكاتب لم ير تلك الأماكن (آسيا) بل اعتمد في ذكرها على الخيال .

ح – ونظرا لبعض مزايا محاولة بروكوش فالقاسمي لم ينف عنه قربه من كتابة الرواية الجغرافية .

أركان الرواية الجغرافية

- يعرفها بأنها مزيج من الأدب والجغرافيا: (الرواية) و(الخطط) .

- يشترط لهذا المزيج (الزواج) بينهما أن يتنازل الأدب عن الخيال، والجغرافية عن الأسلوب العلمي والمصطلحات التقنية، فتكون مزيجا من الأسلوب الشاعري والموضوعية الجغرافية .

- يبرز القاسمي اختلاف الرواية الجغرافية عن بقية أنواع الرواية، في أن الشخصية الروائية هي المكان، على خلاف الأنواع الأخرى التي تسرد سيرة شخصية مركزية أو شخصيات متعددة، والفضاء يكون فيها ثانويا، فالرواية الجغرافية تسرد سيرة مكان واقعي (بلاد، مدينة، حارة، شارع) وما طرأ عليه من تحولات، وعلى كاتبها أن يكون مفتتنا بالمكان، وكما تتفاعل الشخصيات في باقي الروايات، فإن الأماكن في الرواية الجغرافية يتأثر بعضها ببعض .

- يذكر نماذج الروائيين من مختلفي البلدان وصفوا الأماكن بشكل جيد، ولكن ذلك الوصف لم يؤهلهم إلى كتابة هذه الرواية ومنهم نجيب محفوظ .

- كما يشترط لكتابتها توفر صاحبها على ثقافة موسوعية، مشفوعة بإبداع متعدد الاهتمامات .

- ويلخص في آخر الجانب النظري خصائص الرواية الجغرافية .

- كما ينبه إلى ضرورة التفريق بين مصطلحي (الرواية الجغرافية) و(جغرافية الرواية) .

بعد هذه العرض الذي استغرق زهاء 12 صفحة، أي قرابة نصف المقال النقدي، يبدأ الناقد في تطبيق معلوماته الضافية المحددة للنوع الأدبي، ونقده الحجاجي والتبريري على العمل، فيلجأ إلى:

- الحديث عن المؤلف خيري شلبي وروايته من الزوايا التالية:

- تعمده كتابة هذا النمط الروائي ووعيه به .

- معرفته بشروط هذا النمط الروائي ومقوماته وغاياته وتقنياته

- شعوره بالريادة في المجال (وقد استشف القاسمي ذلك من عتبات النص)

دراسات عتبات النص في (بطن البقرة) من خلال العنوان، والإهداء، والمقدمة .

1- العنوان الفرعي:

- يدل العنوان على أن هذا الكتاب رواية جغرافية، فهو بمثابة (ميثاق القراءة)

- حدد نوعه بدقة في العنوان الفرعي

- نظرا لإدراكه بإبداعه لهذا النوع لأول مرة على الصعيد العالمي، فقد ارتأى أن يولد له اسما

- قام بنحت كلمة محدثة هي (جغرواية)، ولم يستعمل المصطلح (رواية جغرافية) .

- يبرز القاسمي لجوء شلبي إلى النحت برأي إبراهيم أنيس، وبهويته هو كلساني وعضو في مجامع اللغة العربية، وبمرجعه المتخصص (علم المصطلح) .

2- الإهداء

- يريد شلبي من خلال الإهداء أن يؤكد على مرجعية ابتكاره (مصر) زرع بذورها المقريزي، تلقفها منه هو .

- يستدل القاسمي على هذا التلقف المرجعي من الرواية (الإهداء)

- يتحدث القاسمي عن المقريزي ومنهجه في التأليف التاريخي (الخطط)، والهدف من ذلك

- يوازن القاسمي بين الهدفين والمنهجين، مستخلفا الفرق الأوحد وهو تاريخية مؤلف المقريزي وروائية خيري شلبي .

3- المقدمة:

- هنا يتطرق القاسمي إلى مناقشة (فزلكة) بالزاي بدل الذال .

- يتحدث القاسمي عن وظيفة المقدمة في أي كتاب كان وذلك من خلال(الخطط المقريزية) أيضا ولخصها في ثمان .

- يعلق الناقد على المعلومات التي دبجها المقريزي – على قدمها – ويشيد بها .

- يشرحها واحدة واحدة ولكن مطبقا إياها على كتاب شلبي لا المقريزي، بحيث تتجلى الموازنة والتطابق، كما يمثل لذلك من الرواية . وهذه العناصر هي: العنوان (بطن البقرة) – المؤلف – محتويات الكتاب وأجزاؤه – الدافع، غرض الرواية – المجال المعرفي للكتاب مصادر رواية " بطن البقرة "- رتبة القارئ.

- فالقاسمي في هذا المقال النقدي لجأ إلى مرجعية نقدية حديثة جدا هي (العتبات) كما وردت عند جيرار جنيت، والى تقنية (ميثاق القراءة) الذي ظهر عنده كذلك، وهو قوام نظرية التلقي أيضا، كما وظف الموازنة بين المصطلحات، وبين المؤلفين القديم / المقريزي، والمعاصر / شلبي، وبين كل عنصر من العناصر الثمانية عندهما، معلقا عليها، ومفسرا ومبررا، وموظفا المنطق والفرضية والبرهنة (الإجابة على الفرضيتين في صدر المقال النقدي، بأسلوب حجاجي مقنع ومبرر بالحجة والمرجع، وبالسند والإحالة، وبالتدرج التاريخي، وبالثقافة العامة والموسوعية للناقد، والتمرس بالتحليل واكتشاف الأنماط والأساليب والتقنيات الفنية، واستحضار النقاد والمتخصصين في التاريخ والفن واللغة والمذاهب النقدية ...)

- الإخلاص للمنهج النظري الذي لخص في الصفحة 246 عتبات النص وهو مفصل من خلال النقد الحديث عامة ومن خلال جرار جنيت، ومكثف (ثلاث عتبات شاملة في بداية رواية بطن البقرة).

خلاصة:

إن كتاب علي القاسمي: النور والعتمة، كتاب نقدي بكل المعايير المعتمدة في النقد الأدبي بدءا من تقديم المصطلح الأدبي والفني واللغوي .... ومرورا بالموضوعة التي أسس عليها (الحرية)، ووقوفا عند المنهج التكاملي النظري الذي يعطي لكل خطوة من خطوات التحليل والتبرير والبرهنة والمفاضلة والاستنتاج والاستقراء، وإصدار الحكم ... نمطا تحليليا شافيا، وبلوغا عند الغاية التي سطرها الناقد لهذه القراءة العاشقة وهي إشباع فضول القارئ، وإشراكه وتطهيره حتى يقاسم الكاتب إبداعه.

فما حظ النور والعتمة من الكتاب ؟

إن دلالة العنوان تأكدت من خلال كل مكونات الكتاب، بدءا من الغلاف الذي هو لوحة جميلة دالة على (الصرخة) والعنوان ... وقد حلت القراءة العاشقة للكتاب برمته (التوتر) الذي قد تحدثه قراءة عنصر واحد أو اثنين فقط من عناصر الكتاب، وبدت للقارئ أنوار عديدة لا نور واحد، بددت عتمات عديدة لا عتمة واحدة، وهذه الأنوار هي: نور الحرية أولا ≠ ضد السجن . نور الوطنية – الالتزام – تحرير المرأة

نور المعرفة ثانيا: (الثقافة بأنواعها – محاربة الأمية ...)

نور الشعر ثالثا: (التغلب على التلعثم / الغموض)

نور الكتابة: (كتابة الكاتب المتحرر من قيود الواقع) التازي

نور الابتكار: (التجريب) عند شلبي + الربيعي (تجنيس الأعمال)

نور الطبيعة: النوافذ / اتساع الأفضية (الغيطاني)

نور الإلهام: الموهبة / الإلهام الذي صبغ كل الانتاجات المنقودة

وشكرا

 

عنوان الكتاب: النور والعتمة (إشكالية الحرية في الآداب العربي)

يقع الكتاب في 302 صفحة من القطع المتوسط .

منشورات دار الثقافة . صدرت طبعته الأولى سنة 2009

الغلاف " صرخة " للفنان التشكيلي المغربي لحسن عاشق، وهو دال عنوانا وفنا ولونا .

 

بقلم: إدريس الكريوي - فاس

 

 

1226 poemعن دار الكتب العلمية في بغداد صدر حديثا للأديب والمؤلف العراقي الراحل عبد الحميد الهلالي كتاب (شعراء من العراق) بمراجعة كريمته عالية عبد الرزاق الهلالي، وإشراف ومتابعة الكاتب والصحفي عاصم جهاد، وبطبعة أنيقة يستحقها مثل هذا الكتاب القيم .

ابتدأت صفحات الكتاب بمقدمة ضافية بقلم المؤلف جاء فيها أنه نشر (تحت هذا العنوان أبحاث هذا الكتاب على صفحات مجلتي (الأديب) البيروتية و(الثقافة) القاهرية في فترات متفاوتة)، وقد دفعه لدراسة هؤلاء الشعراء خمسة دوافع، هي : الرغبة في الكشف عن كثير من صفحات هؤلاء الشعراء، وتعريف القراء بهم داخل العراق وخارجه، وإماطة اللثام عن بعض الوقائع والحقائق الخافية عن بعض الدارسين، وتسهيل مهمة الراغبين في دراسة حياة هؤلاء الشعراء وشعرهم، وتقديم نماذج منتقاة من شعر كل واحد منهم .

تضمن الكتاب سيرا مفصلة لأربعة عشر شاعراً عراقيا، وهم :

1.الحاج محمد حسن كبه (1852- 1918م)

2.أحمد عزت باشا الفاروقي (1828- 1892م)

3.المفتي السيد محمد حبيب العبيدي (1878- 1963م)

4.الحاج عبد الحسين الأزري (1880- 1954م)

5.سعد صالح (1895- 1949م)

6.عبد الرحمن البناء الشاعر الاستقلالي (1881- 1955م)

7.السيد محمد الباقر الحلي (1894- 1971م)

8.أكرم أحمد شاعر الشباب (1906- 1968م)

9.محمد ناجي القشطيني (1892- 1972م)

10.الشيخ محمد مهدي البصير (1895- 1974م)

11.الشيخ علي الشرقي (1890- 1964م)

12.عبد المحسن الكاظمي شاعر الارتجال (1865- 1935م)

13.الشيخ محمد جواد الشبيبي أبو الشعراء (1862- 1944م)

14.خالد الشواف والمسرحية الشعرية (1924- 2012م)

وقد اعتمد المؤلف منهجا شائقا وواضحا في استعراض سير هؤلاء الشعراء يتلخص في تقديم موجز، وتعريف بأسرة الشاعر ونسبها، وبعدها إلى سيرته منذ ولادته ودراسته، ومراحل حياته المتعاقبة، ومؤلفاته قبل الانتقال إلى شعره، واختيار نماذج منتقاة من قصائده، والتوقف عند بعض المنعطفات المهمة في حياته وشعره، وما قيل عنهما من معاصريهم، ولا ينسى علاقاته مع معاصريه من الأدباء والشعراء، وما بينهما من أخوانيات .

ابتدأت فصول الكتاب بالشاعر الحاج محمد حسن كبه، فتحدث المؤلف عن أسرته العربية المعروفة في بغداد (آل كبّه)، والمتصل نسبها بقبيلة ربيعة، وقال إنهم أهل تجارة وعلم وفضل وأدب، وانتقل إلى  تفاصيل حياة الشاعر التي بدأت في الكاظمية ورحلته للحج، وهجرته إلى النجف طلبا للعلم ورغبة في التبحر بعلوم الدين بعد أن وجد مكانه غريبا في العمل التجاري فلم يطق البقاء فيه، ولحق بعد ذلك بالعلامة الميرزا محمد حسن الشيرازي في سامراء ولازمه فيها، وانتقل إلى ملازمة الشيخ محمد تقي الشيرازي بعد وفاته، ويرى أن حياة هذا الشاعر توزعت على صفحتين هما المرحلة الأدبية والمرحلة الدينية .

وتوقف للحديث عن أدبه، وما ترك من قصائد غراء، واختار نماذج من شعره الذي كان السيد حيدر الحلي قد جمع منه الكثير في كتابه النفيس  (العقد المفصل)، ومما اختار قصيدة غزلية نسبت خطأ للسيد محمد سعيد الحبوبي وظهرت في ديوانه المطبوع قبل أن ينتبه لها المعنيون، ومنها :

ما لقلبي تهزه الأشواق    خبرينا أهكذا العشاق ؟

كل يوم لنا فؤاد مذاب     ودموع على الطلول تراق

عجبا كيف تدعي الورق وجدي     ولدمعي بجيدها أطواق

فارحمي يا أميم لوعة صب     شفه يوم ذي الأثيل الفراق

كاد يقضي من الصبابة لولا    أن تحاماه في الوداع العناق

ومما قاله الشاعر متبرما بزمانه :

تتبعت آثار الزمان فلم أجد      هناك إلا الغادر المتلونا

فما لك إلا أن تسيء، فإنما     تسيء إليك الناس ما دمت محسنا

وتوقف المؤلف عند صلاته الأدبية ومطارحاته الأخوانية مع اثنين من أكبر شعراء عصره، وهما السيد محمد سعيد الحبوبي، والسيد حيدر الحلي، وينقل ما تبادل وأياهما من الشعر الجميل .

وبمثل ذلك تحدث عن الشاعر الثاني في الكتاب أحمد عزت باشا الفاروقي (1828- 1892م)، المولود في الموصل، وهو من الأسرة العمرية التي ينتهي نسبها إلى الخليفة عمر بن الخطاب (رض)، وأمه من السادة الأعرجية المشهورين في الموصل، وكان قد طلبه عمه الشاعر الكبير عبد الباقي العمري، فقدم إلى بغداد عند بلوغه العاشرة من عمره للإقامة تحت رعايته، فبقي قرابة ستة أشهر، أفاد خلالها فائدة كبرى في درس (شرح ألفية ابن مالك)، وعاد إلى مسقط رأسه، واستدعاه عمه ثانية سنة 1845م، فأكمل دراسة فنون الشعر والأدب على يده، وقرأ (شرح الشمسية) و(ابن عقيل) على علامة عصره أبي الثناء الآلوسي، واتقن اللغة الفارسية على يد الشيخ طه السنندجي، وكانت له سفرة إلى استانبول وقونية، وشغل مناصب عالية .

ومن شعره مجيبا أستاذه أبا الثناء الآلوسي :

ما بين قلبي وبرق المنحنى سبب    هذا وذياك خفاق ومضطرب

شتان ما بين خفاق بلا سبب          ليلا وما بين خفاق له سبب

ما لاح برقك يا برق الحمى سحرا   إلا وحن إلى مغناه مغترب

وذكر موشحين جميلين له، جاء في مطلع الأول منهما قوله :

عنبر الليل وكافور الصباح      أشغلاني باغتباق واصطباح

يا نديمي قم فقد هب النسيم      وبدا من عرفه مسك الشميم

وانبرت في الكأس نيران الكليم

وهكذا يمضي المؤلف في بقية كتابه، بمعلوماته الغزيرة وأسلوبه الماتع، ويمكن اعتبار هذا الكتاب ضمن مجموعة خيرة الكتب التي تناولت سير الشعراء العراقيين في القرن الماضي، ككتب الدكتور يوسف عز الدين ومير بصري وغازي عبد الحميد الكنين وأمثالهم .

ومن الجدير بالذكر أن المؤلف عبد الرزاق الهلالي ولد في البصرة سنة 1916م، وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة فيها، وتخرج في دار المعلمين سنة 1936م، وعمل في التعليم، ثم واصل دراسته، فتخرج في دار المعلمين العالية سنة 1941م، وشغل مناصب عدة، منها معاون رئيس التشريفات الملكية، وآخرها المدير العام للمصرف الزراعي سنة 1965م، وأحيل على التقاعد سنة 1969م، وهو مؤلف معروف ورصين، وقد طبع له 29 كتابا، من أهمها معجم العراق بجزأين، وتاريخ التعليم في العراق بثلاثة أجزاء، وتوفي – رحمه الله – سنة 1985م، وقد كتب عنه الكثيرون ومازالت مؤلفاته القيمة تحظى باهتمام الأدباء والمثقفين .

بقي أن نقول إن هذا الكتاب (شعراء من العراق) قد طبع بتمويل مشكور من وزارة النفط العراقية التي رأت أن مسؤوليتها لا تقتصر على الحفاظ على الثروة النفطية الوطنية بل واهتمامها بالثقافة بشكل أكبر وأكثر لأنها الثروة الحقيقية التي لا تنضب .

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

 

goma abdulahيملك الناقد الفذ (حسين سرمك) رؤية نقدية متكاملة، في التحليل والتشيخيص، يضاف اليها مهنته الطبية الاختصاصية في علم النفس، وتوظيفها في منجزاته النقدية الثرية، في تشريح وتحليل النص في الرؤى النقدية، وفي الاسلوبية النقدية التي يتميز وينفرد بها، في المنهجية الشاملة او الجامعة بين (الادب وعلم النفس)،، وبرز في هذا المجال بشكل كبير في الابداع النقدي، نحو جماليات النقد المنهجي والموضوعي. اي الناقد يضع النص الروائي تحت مختبره التشريحي، مثل ما انجزبشكل متألق في رواية (قصة عائلة) للروائي قصي الشيخ عسكر، وضعها في سرير التنويم المغناطيسي، يستبطن ويستنطق النص الروائي، وفق معارفه الثقافية الواسعة . التي تشمل (الادب النقدي وعلم النفس)، ليكشف المدلولات الدالة الظاهرة والمخفية في بطن المتن الروائي، وفق دراسة موضوعية شاملة، في السايكولوجيا، السياسية والاجتماعية في علم النفس، في براعة التحليل والدراسته، وفق ما تفرز العين المجهرية المختبرية، في مرآتها الكاشفة، في غوصها العميق في دواخل العمل الروائي، وتبيان دوافعه وتداعياته ومسار تحرك وتفاعل الاحداث المتلاحقة والدراماتيكية، في براعة قلم ناقد محترف، في عملية اعادة صياغة العمل الراوائي، وفق معطيات النقد المعاصر، في الدراسة والتحليل، وهي تبرهن على الجهد النقدي المثابر والكبير، في الدراسة التحليلة الشاملة، وفحص المذكرات والوثائق والمدونات كمواد خام للرواية، التي اعتمدها في المتن الروائي لرواية (قصة عائلة) . وهي تتناول اعقد حقبة سياسية عصيبة، في تاريخ العراق السياسي، الذي اخذت منحى الصراع السياسي العنيف، بعد سقوط الملكية، وافراز اشكال العنف السياسي، في ذبح وسحل العائلة الملكية ورموزها في الشوارع، وظهر على السطح الصراع العنيف بين قوتين او تيارين سياسيين متنازعين، تيار اليسار الشيوعي، وتيار القومي / البعثي من الطرف الاخر . وهذه القراءة هي استقراء للدراسة النقدية لكتاب (البطل البريء) للناقد الفذ حسين سرمك، في مدخل الدراسة التحليلية النقدية، تتوقف في حثيثات بدايات فعل الجريمة، دوافعها وتداعياتها والمعطيات التي فجرت الصراع السياسي، الذي انشطر في ارجل اخطبوطية، خرجت عن المنطق والمعقول، وألهبت الشارع في هزات عنيفة عاصفة من الشحن السياسي، المشحون في كسر العظم بين الطرفين (اليسار مقابل تيار القومي / البعثي) آنذاك، وكذلك في المعيار بين الجريمة والبطولة، رغم ان الضابط (هاني) بريء من فعل البطولة، ومن فعل الجريمة والقتل العقيد جلال (اقتربت من الجثة وطلبت من بعض الجنود، أن يقلبوا العقيد على ظهره .. فبدأ لي وجهه وسط ضباب النور، موشحاً بالكدمات والبقع الزرقاء .. عيناه جحظتا كأنهما تحلقان فيَّ .... كل ملابسه ممزقة . بدلته تلطخت بالقذارة فأختلط الدم بالوحل . هذا الوجه الوسيم والشعر الخفيف ينبيء عن صورة مرعبة . تلك الدقائق رأيت في وجهه الملطخ بالدماء، مستقبلي الغامض، حياتي الجديدة كأن الجنود التابعين لي قتلوني معه .. قتلوا مستقبلي) لذلك فأن جريمة القتل، التي لم يقترفها اصلاً وبريء منها، لكنها اخذت ابعاد خطيرة في الشحن السياسي المضاد، وزاد من وتيرة تصاعد النزاع السياسي العنيف، وخرجت الجريمة من منطقها الموضوعي، الى ابعاد خطيرة، وقعت على كاهل الضابط البريء (هاني)، في التطرف النقيض بين الطرفين، فجانب من الصراع السياسي، يعتبره عملية القتل بطولة تستحق التقدير، بينما الطرف الاخر المضاد، يعتبره متهم بجريمة القتل، هذه النزاعات السياسية اخذت جانب الاسقاط والتسقيط المتنازع، وانسحبت بظلالها الى الشارع . في عواصف سياسية هائجة بالشحن المضاد، لذا فأن موضوع البحث النقدي، التي تناولته الدراسة النقدية الشاملة، في التحليل العلمي الموضوعي، في سايكولوجيا النفس والشارع السياسي، وافرزت الدراسة التحليلة، افرازات الطرح والطرح المضاد، الاسقاط والاسقاط المضاد، في طيات المتن الروائي لرواية (قصة عائلة) تناولته من جوانب وزوايا متعددة، وفق ما جاء في المذكرات والوثائق المدونة، وخرجت بهذه المسلمات السبعة:

69 husansarmak

1 - الواقع الفعلي يتحدث عن جريمة القتل، كما ورد في المتن الروائي في ثنايا الحبكة الفنية القديرة

2 - جريمة القتل اتخذت سمة سياسية لطرف سياسي، ضد طرف سياسي اخر في طابع سايكولوجي سياسي وعسكري، في قتل العقيد (جلال) على يد جنود محسوبين على اليسار، ووهو انتهاك صارخ للاعراف والسياقات النظم العسكرية المعروفة .

3 - الاستفادة من مدونات والوثائق التي اعتمدتها في احداثيات المنظور الروائي والذي سلط الضوء على جريمة القتل ودوافعه وتداعياته، في الاحداث المتلاحقة والمتسارعة بعد فعل الجريمة .

 4 - البراعة في توظيف عملية الاسترجاع الزمني (فلاش باك)، وتسليط الضوء عليها، في نشوء العنف السياسي، الذي اتخذ شكل من الاشكال البشعة والهمجية، التي بدأت مفاعيلها في قتل وسحل العائلة الملكية في الشوارع، وهي بمثابة تدشين العنف السياسي في الصراع الدامي

5 - الحدث المركزي في الرواية هي جريمة القتل، وتحميل الضابط (هاني) توابعها في الاتهام بارتكاب القتل لدوافع سياسية

6 - محاولة تبرئة الضابط (هاني) من الاتهام بفعل ارتكاب الجريمة، رغم انه غير موجود ساعة قتل العقيد وسحله من قبل بعض الجنود، لكن هذه البراءة كانت تعزف في الفراغ، بل تطورت بشكل دراماتيكي، بين فعل البطولة، وفعل الاتهام، فهو البطل البريء، والمتهم البريء، وكذلك هو من ناحية الاخرى، المجرم المتهم القاتل، اي انها انساقت الى ظروف قصرية غير منطقية، واصبحت قضيته تجارة سياسية، لاهداف وغايات سياسية مضادة ومتناقضة، وكل طرف له استنتاجات لا موضوعية ولا عقلانية في حثيثات الجريمة .

7 - الجهد الروائي للرواية، استغرق ثلاثة السنوات من الجهد والمتابعة الحثيثة والدؤوبة، في تدقيق المذكرات والوثائق التي في حوزة (هشام) شقيق الضابط المتهم، وهو المشارك المحور الاساسي في شخصية الرواي، في رواية (قصة عائلة)، واستخلصت الدراسة النقدية، في تحليلها وتشخيصها حثيثات العمل الروائي، في ظواهره الذاتية والموضوعية، استخلصت هذه الحقائق الظاهرة على المكشوف:

 1 - الحقيقة الاولى: ظاهرة اشتعال عقلية الجماهير وتفاعله في فعل الجريمة، وطريقة تفكيره السايكولوجيا، المتولدة من الشحن السياسي المضاد، الذي خرج عن سياقات المنطق والمعقول، وتحركه سايكلوجي الذي فرض نفسه على واقع الاحداث، دون عقل وتفكير، في سايكلوجية الجمهور او الشارع، وترك بصماته على تحركاته المجنحة بالتسيس المنحاز والمتطرف (قد تكون الظاهرة الابعث عن الدهشة، من ظاهرات أشتعال الوحدة العقلية للجماهير التالية: فأياً تكون نوعية الافراد الذين يشكلون (الجمهور النفس) وأياً يكن نمط حياتهم متشابهاً او مختلفاً، واياً تكن طبيعة اهتمامهم وامزجتهم ودرجات ذكائهم، فأن بمجرد تحولهم الى جمهور يزودهم بنوع من الروح الجماعية، وهذه الروح تجعلهم يحسون ويفكرون بكيفية مختلفة تماماً عن الكيفية التي سيحسس بها ويفكر ويتحرك كل فرد منهم لوكان معزولاً) ص58 .

2 - الحقيقة الثانية: الجمهور المسيس بتعصب في تحركاته في التعصب السياسي المحتقن، وتحركه غزائر منفلة عن ضبط الاعصاب، وتقييم الامور بموضوعية، فأن غرائزه تدفعه الى العنف، وهو في حالة التماهي في الفعل، تبعاً لسلوك السياسي الذي ينتمي وينحاز اليه (اوتوماتيكياً) بدون استشارة العقل، لذلك اختلفت الرؤى في فعل الجريمة القتل ضمن الجنون السياسي السائد، فمن يعتبر الجريمة عمل بطولي والفاعل يستحق البطولة، وعلى النقيض من يعتبره مجرم متهم يستحق العقاب، هكذا كان الرأي العام، يضع نفسه فوق القانون والمحاسبة .

3 - الحقيقة الثالثة: العقل اللاشعوري هو المسيطر في طريقة تفكير الجمهور العام وطريقة تحركه اشتعال اللاشعور، فيتصرفون دون رؤية بصيرية لواقع الحال . وانما اتخاذ قرارات جماعية بلهاء دون حساب العواقب المترتبة عليها .

4 - الحقيقة الرابعة: (تذويب الشخصية في اللاوعي، المحكوم بقوى اللاشعورية الطاغية،بالانسان المنوم معناطيسياً، فيما أن حياة الدماغ تصبح مشلولة لدى الانسان المنوم، فأنه يصبح عبداً لكل فعالية اللاواعية، ويصبح منومه قادراً على توجيهه الوجهة التي يشاء، بعد ان غدت الشخصية الواعية مغمياً عليها، واصبحت اردة التمييز والفهم ملغاة، والحال ان المنوم بالنسبة الى الجمهور النفس، هو المحرض) ص143 .

5 - الحقيقة الخامسة: دخول الدين في حلبة النزاع السياسي، فتحطمت قيمة الدين والسياسة معاً، لانها خلطت الامور في الغموض والضبابية للواقع الموجود، فأنقسم رجال الدين بين القوى السياسية المتصارعة،بين التأيد او الرفض والسخط، أو بين التمجيد الافعال الهجينة، أوبين اشعال الشقاق والخلاف الى اقصى درجة من العنف، فقد لعبت الفتاوى الدينية دوراً تخريباً، في اهدار حرمة الدم، بشكل رخيص ومبتذل، بذريعة محاربة الكفر والالحاد، اي ان تسيس الخطاب الديني لمآرب واحقاد متنازعة، هذه الظاهرة المدمرة، ساهمت في تخريب قيم المجتمع، فقد ضاعت المقاييس في رجل الدين، هل هو مسؤول حزبي؟ ام مسؤول النفاق السياسي المدمر؟ .

6 - الحقيقة السادسة: . الخطاب الديني المسيس ساهم في تمزيق اواصر المجتمع، فقد اصبح جزءاً من الصراع السياسي الناشب والعنيف، فمنذ ذبح العائلة الملكية، ووقوف الخطاب الديني، الذي ساهم في الاحقاد السياسية واضطراب الاوضاع كلية، حسمت بمجيء الانقلاب الفاشي للبعث في شباط الاسود عام 1963، ودخل العراق في مسلخ القتل والذبح . الدم يجر الدم

7 - الحقيقة السابعة: هي التلاعب في عواطف عامة الناس لغايات سياسية وتحريكها كدمى سهلة وطيعة، مهما كانت الغايات (ايجابية أم سلبية . طيبة او شريرة . لذلك تتميز هذه الافعال الجماهيرية بطابع المزدوج . فهي مضخمة جداً ومبسطة جداً في آن واحد، لهذا فأن الفرد المنخرط في الجمهور يقترب كثيراً من الكائنات البدائية . فهو غير قادر على رؤية الفروقات الدقيقة بين الاشياء) ص176 .

 هذه هي الخطوط العامة للدراسة النقدية الشاملة، التي فككت مفاتيح رواية (قصة عائلة) ووضعتها تحت مجهر التحليل النقدي الحصيف والبارع في الجمالية الابداعية.

 

- كتاب: البطل البريء

- تأليف: الدكتور حسين سرمك حسن

- الطبعة: عام 2018

- اصدار: مؤسسة المثقف العربي . سدني / استراليا

- نشر وتوزيع: دار امل الجديدة . دمشق / سوريا

- صفحة: 267 صفحة

 

جمعة عبدالله

 

ali almirhig"المقارنة هي أساس الأشياء ومن لا يُقارن لا يعرف وستظل نظرته ضيقة للأمور ومحصورة بنطاق تراثه ودينه فقط"

محمد أركون (نحو تايخ مقارن للأديان التوحيدية،  ص283)

يتألف الكتاب من ستة فصول:

الأول: المسألة الأخلاقية في الفكر الإسلامي، والثاني: التفكير في الفضاء التاريخي المتوسطي، والفصل الثالث جاء بعنوان الوسطاء الثقافيون الثلاثة، فيما كان الفصل الرابع عن: صورة الآخر: التشكيل المتبادل لصورة الإسلام والغرب، أما الخامس فقد تحدث به أركون عن علاقته  بيواكيم مبارك ولويس ماسنيون، بينما كان الفصل السادس والأخير عبارة عن مقابلتين مع أركون.

ملاحظات توضيحية حول الكتاب أهما:

ـ أهمية الكتاب: يُعد الكتاب من مؤلفات أركون المتأخرة. فقد نُشر بعد وفاته بعام، وفيه سعي من أركون لتنشيط المنهج المقارن في كتاباتنا ومتبنياتنا بعد غيابه الطويل والمفقود إلى حد كبير في مؤسساتنا الأكاديمية وفي حياتنا الاجتماعية والثقافية.

ـ إنه يخلو من نظرية واحدة متماسكة، ويحمل دعوة إلى تبني منهج مقارن بين الأديان، ولربما يتبادر إلى قارئ العنوان أن محمد أركون سينشأ نظرية أو رؤية واضحة للمقارنة بين الأديان، ولكن شيء من ذلك لم يكن واضحاً، بقدر ما كان الكتاب عبارة عن مجموع أبحاث أو أوراق تحاول أن تعقد مقارنة بين فعاليات نظرية وتأملية قام بها بعض مفكري الأديان التوحيدية الثلاث، من أجل تقريب وجهات النظر بين الديانات المتنافسة. وهو في هذا الكتاب يدعو لتبني المنهج المقارن ولا يعقد مقارنة بين الأديان، لذلك حمل العنوان في بدايته كلمة نحو، وهي تعني سعي من الكاتب ودعوة مبنية على المتمنى بأن تكون قراءتنا  للدين الذي وُجِدنا عليه وفيه ليست قراءة عاطفية وجدانية بقدر ماهي قراءة عقلية نقدية تاريخية، قائمة على أساس مقارنة معطيات دين سماوي بمعطيات دين سماوي وتوحيدي أخر، وأحياناً مقارنة الدين السماوي بأديان وضعية وأيديولوجية لعلنا نستطيع بناء نظرة موضوعية عن معتقداتنا ومعتقدات الآخرين.

ـ ظهر لي أن الكتاب هو مجموعة من الأبحاث المتفرقة التي كتبها محمد أركون في مناسبات مختلفة، ولكن عن موضوعات تكاد تجتمع في هم واحد هو الدعوة لتبني المنهج العقلاني النقدي التاريخي المستفيد من معطيات المناهج المعاصرة، الأنثربولوجية والسيميائية واللغوية (الدلالية) والتفكيكية والبنيوية ومدرسة الحوليات الفرنسية.

ـ يحمل الكاتب بين ثناياه أحلام الرومانسيين والطوباويين الذين يريدون أن يجمعوا المتناقضات ويجعلوها تحت خيمة ما سُميَ بالنزعة الإنسانية التي بدأها الغرب في نقده لحضارته ومارس ما يناقضه في التعامل مع حضارة الإسلام. وفي الوقت نفسه كان الإسلاميون المتطرفون عامل مساعدة في إبعاد الإسلام عن نزوعه الحضاري في التسامح متفقين في ذلك مع الأنظمة الدكتاتورية التي حكمت البلدان العربية منذ أواساط القرن العشرين، وهذا بيَن في إدراك أركون لأحوال الغرب هذه وتصرفاته وأحول الشرق وتصرفات دعاته.

ـ لم يظهر لي أركون في هذا الكتاب وغيره من كتاباته الأخرى أنه يميل إلى التأليف الأكاديمي المتماسك والسستماتيكي ما عدا أطروحته للدكتوراه حول "نزعة الأنسنة في القرن الرابع الهجري: جيل مسكويه والتوحيدي أنموذجاً.

ـ نستطيع القول ان أركون في كل كتاباته هو مفكر مفاهيمي من طراز خاص، ولم يكن مفكراً تأملياً تجريدياً. ولربما يعترض معترض أن المفاهيم ما هي إلا من عالم التصورات والتأملات والتجريدات. نقول نعم، المفاهيم هي كذلك، لكن ما يميز مفاهيم أركون أن لها مصداق من الواقع وهي لا تسبح في فضاء التجريد وليست بمعزل عن الواقع المعاش، وهي ميزة تُحسب له لا عليه، لأن في إنتاجه للمفاهيم سعي جاد لكي يُساعد المفكرين في تسليح أنفسهم بعُدة مافهيمية تجعلهم قادرين على فهم وتفسير الواقع ومتغيراته.

ـ يحاول أركون جاهداً أن يستفيد من مجموعة كبيرة من الإتجاهات الفكرية والفسفية والأنثربولوجية الغربية والنفسية والتاريخية واللغوية، محاولاً تبيئتها ونقلها من مجالها التداولي الغربي إلى المجال التداولي العربي الإسلامي. فضلا عن ذلك فهو يحاول أن يقرأ التراث العربي الإسلامي في ضوء تبيئته للمناهج والمفاهيم الغربية المعاصرة، معتقداً بأن الحضارة العربية والإسلامية أكثر إتصال زماني ومكاني وثقافي مع الحضارة الغربية وليس مع حضارت الشرق الأخرى لا سيما الصينية والهندية واليابانية. وفي هذا الرأي رد على أطروحة هنتنجتون صاحب كاتب "صدام الحضارات". فأركون يسعى جاهداً لتعريف الغرب بالشرق، وتعريف الشرق بالغرب، لقناعته أنهما لا زالا لم يعرف بعضهما البعض، فما عرفه الغرب عن الشرق أنه روحاني وهذا ما أيدته كتابات المستشرقين، وما عرفه الشرق عن الغرب أنه مادي، وهذا تصور دفعت بإتجاهه حركات الإسلام الراديكالية وحتى الحركات الصوفية. وكلا النظرتين مرتبط بالتصور الأسكولائي  القرووسطي.

لذلك نجد في هذا الكتاب تأكيد من أركون على تلاقح الثقافات وتلاقيها لا سيما في إستشهاده بكتابات مسكوية والتوحيدي، أو في تأكيده على أهمية فلسفة ابن رشد بطابعها العقلاني والتلقي الإيجابي الغربي لفلسفته، لا سيما فلسفة تلميذه المسيحي توما الأكويني وتلميذه اليهودي غير المباشر الذي عكف على دراسة فلسفته إبن ميمون الذي حسبه مصطفى عبدالرازق على الفلاسفة المسلمين لشدة تأثره بعلم الكلام والفلسفة الإسلاميين، ودمجه بين  معطيات الحضارة الإسلامية واليهودية، كونه ينقد دينه وكأنه فيلسوف مسلم.

تبنى أركون في كتابه هذا آراء (ريمون لول 1233ـ 1316)[2] في المقارنة بين الأديان وعدم تحيزه للديانة المسيحية التي ينتمي إليها في مقابل الديانة الإسلامية التي يحاول أن يقرأها قراءة عقلانية وليست عاطفية وجدانية، محاولا وضعها في خط متواز مع ديانته.

ظهر سعي أركون هذا أكثر وضوحاً في إظهار إعجابه بأستاذه لويس ماسنيون (1883ـ 1962).

وكان أكثر إنجذاباً للطف وحيوية تلميذ ماسنيون القس المسيحي الشرقي (يواكيم مبارك 1924ـ 1995)[3] الذي أفنى الكثير من عمره البحثي في دراسة القرآن، لا سيما في أطروحته للدكتوراه "ابراهيم في القرآن الكريم". قضى عمره مدافعاً عن بلده لبنان والقضية الفلسطينية.

في الفصل الأول يركز أركون على مفهوم الدين الحق، فمشكلة الأديان جميعاً أنها تنظر إلى ما جاءت به على أنه الدين الحق، وبالتالى فالأخلاق، والقانون الشرعي، واللاهوت السياسي، جميعها أشياء تندرج داخل الإطار الشامل للدين الحق، بمعنى أنه لا يوجد دين من الأديان جميعها إلَا ونظر أصحابه له بقدسية على أنه دين الحق الأوحد، وهذا هو منظور القرون الوسطى الذي بقيت وجهة نظره سائدة لا سيما في الإسلام إلى يومنا هذا. أما في المسيحية فتخلصت منه بحكم إتساع حركة التنوير منذ القرن السابع عشر وأوجها في القرن السابع عشر(ص93). لكن تبقى الحقيقة واحدة بالنسبة للأصوليين في كل الديانات فكل واحد منهم يجد الحقيقة متمثلة في دينه، فالحقيقة يهودية بالنسبة لليهودي، ومسيحية بالنسبة للمسيحي، ولا يختلف المسلم عنهما في النظر إلى دينه على أنه دين الحق. (ص185)

إن واحدة من أهم مشاكل العرب والمسلمين هي إختفاء الثقافة الأخلاقية والفكر الأخلاقي منذ عهد مسكويه منذ ألف عام، فلم يعد أحد يهتم بالأخلاق كعلم.(ص96) الأمر الذي ترتب عليه إنتصار الخط الديني للأخلاق على الخط الفلسفي لها. في مقابل إنتصار الخط الفلسفي للأخلاق في أوربا على الخط الديني لها وإنتشار عقل التنوير الذي فكك العقل اللاهوتي وعقلية القرون الوسطى، وسيادة العلمانية كنمط عيش للإنسانية. هذا الأمر الذي كان مترافقاً عندهم مع الثورات العلمية والتكنولوجية.(ص101).

إن إختفاء الثقافة الأخلاقية ببعدها الفلسفي والصراع بين (العلوم الدينية) و(العلوم العقلية) وإنتهاء العلوم العقلية ووصفها بالدخيلة (ص193) أدى إلى إختفاء التعددية العقائدية التي كان يتحلى بها التراث العربي الإسلامي لا سيما في القرن الرابع الهجري. وبالتالي إنتشار الأصولية وغياب الحوار المبتغى بين الأديان وهو إن كان موجوداً، فهو بروتوكلي لا يهتم مؤمنوا الأديان المشاركين فيه بالمعرفة العلمية النقدية المتعلقة بالدين وكثيراً ما تتقدم يقينياتهم وعقائدهم الإيمانية على المعرفة العقلانية وبراهينها. (ينظر: ص110)

تطورت أزمة المسألة الأخلاقية بعد ظهور أنظمة الإستقلال التي سيطرت على كل مقدرات الدولة، وإستمرت في تأميم الدين لصالحها، تلك الخطوة التي إبتدأها الأمويون في تراثنا العربي الإسلامي، ولكنها إتسعت مع هذه الأنظمة التي إستطاعت أن تشمل جميع المواطنين بالمراقبة البوليسية حيثما كانوا على وجه الأرض، وبتأميم الدين تمت تصفية العقل وإفساده. بمعنى أنه لا يحق له أن يطرح أي سؤال على صحة "الأرثذوكسية الدينية" أو كيفية تشكلها التاريخي، فهي تفرض نفسها وكأنها مقدسة ومعصومة كلياً. (ص111) وهذا الأمر دفع بإتجاه غياب التجربة الشخصية لمعانقة المطلق الإلهي، ويعني بها أركون تلك التجربة المستنبطة في الداخل بإختيار شخصي محض ومن دون إكراه أو قسر. إنها تجربة مستنبطة من قبل كل ذات إنسانية في تحريها المخلص عن معنى الوجود. ولكن التدين السائد اليوم هو إستعراضي، سطحي، أكثر مما هو روحاني حر. (ص112).

في ظل ظروف مثل هذه يرى أركون أنه من المستحيل تصور وجود ذروة أخلاقية لا تُنتهك. لماذا؟ لأن الآليات المؤسساتية السائدة لا تسمح لها بالإنبثاق وممارسة عملها بشكل طبيعي ودائم. وعندئذ لا يعود موجوداً من الدين من الناحية الاجتماعية والسياسية إلا مظهره الخادع. (ص113)، لذلك نلاحظ سيادة التعصب الأعمى والفهم الخاطئ للدين أصبح يشكل مشكلة، بل هو المشكلة، فقد تحول الدين إلى سياسة محضة عند المتطرفين إلى أداة للتطرف يستخدمه المتطرفون لحلية القتل ويدعون للتمسك بفهمه الأحادي كي يكون سلاحاً بيدهم لإحتكار السلطة بإسم الدين وممارسة العنف الشرعي الذي جعلنا نفقد بعده الأخلاقي، فغابت مقولة "إنما جئتُ لأتمم مكارم الأخلاق" ليحضر حديث الذبح "لقد جئتكم بالذبح" لإثبات وتكريس نزعة الإقصاء الكامنة في التوجه الديني الراديكالي وتغييب نزعة التسامح الديني الذي أيدته آيات السماء "من شاء فاليؤمن ومن شاء فاليكفر"، لا لتثبيت صدقية ولاء الراديكاليين في الإنتماء للاسلام، إنما هو سعي منهم لإثبات حضورهم وتأثيرهم وفاعليتهم في تغيير نمط العيش المشترك ليكونوا هم القيمين على أمور الدين والمحتكرين للحقيقة الدينية،  الأمر الذي جعل الدي يفقد كثيراً من بريقه الورحي المُتسامي وبناء تصور عن الدين بعيد كل البعد عن طموح الأنبياء في الوصول لمجتمع أخلاقي يكون العقل أداته في التعامل مع الطبيعة ومحاولة إكتشافها، والقلب نبض العقل وضميره الأخلاقي والإحيائي حينما يجنح نحو الإنغماس بالملذات.

شارك الغرب في بلورة هذا التصور للدين الأرثذوكسي بخصومتهم المستمرة للإسلام. إذ يعتقد أركون أن الغرب صنع له عدواً جديداً بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي وإنتصار المنظومة الرأسمالية على المنظومة الاشتراكية. و"كأن الغرب لا يستطيع أن يعيش من دون عدو تاريخي يقف في مواجهته" (ص116)، فصنعت ثنائية جديدة بديلة عن ثنائية (الرأسمالية ـ الإشتراكية) وهي ثنائية (القيم الكونية) متمثلة بالغرب و(البربرية الجديدة) أو (الإرهاب) متمثلا بالعرب والمسلمين. أو محور الخير الذي يمثله الغرب (!!) ومحور الشر الذي يمثله العرب والمسلمون (!!). وكأنها عودة لصراع الأديان بوصف كل واحد منها يمثل الدين الحق وكل مُخالف على باطل، خالد في جهنم وبئس المصير(!!).

إن الخروج من هذا المأزق هو الذي يترافق ويتزامن مع خروج الغرب نفسه من "السياج الدوغمائي" المغلق للروح والفكر، مثلما ينبغي على العرب والمسلمين الخروج من "السياج الدوغمائي" المغلق للدين، الذي وضعوا أنفسهم به مُبتعدين عن معطيات عصري الحداثة وما بعد الحداثة. (ينظر: ص238)

للخروج من هذا الصراع الذي وضعنا أنفسنا به وقوَلبنا الآخر به، يقترح أركون تأسيس (علم ما فوق الأخلاق) وهذا العلم مهمته التساؤل بشكل دائم اليوم عن المضامين والمنشأ التاريخي والاجتماعي والعقائدي والبراغماتي العملي والأنثربولوجي للمبادئ والقيم المتغيرة التي نخلع عليها المشروعية، وهذا يعني أن أركون يدعو إلى أخلاق كونية تنطبق على جميع البشر تتجاوز نطاق الدفاع عن أخلاق الجماعة بوصفها أخلاقاً مطلقة. (ص145)

يُقارب أركون بين (الأدب الفلسفي) الذي ظهر في القرن الرابع الهجري وبين النزعة الإنسانية التي ظهرت في أوربا في عصر النهضة، ويجد أن مفهوم الأدب اليوم إختلف عما كان عليه في القرن الرابع الهجري، فهو اليوم يعني الشعر والأدب بينما في السابق ـ كما يعتقد أركون ـ كان مُساوياً للنزعة الإنسانية التي ظهرت في أوربا. فالأدب كان يعني عند العرب المسلمين الاهتمام بآداب اللياقة، والفضائل، والميزات الشخصية، والثقافة الراقية التي لا بد منها من أجل التوصل إلى مجتمع المتأدبين، والمؤلفين المشهورين بكتاباتهم ومعيناتهم وخبراتهم. ثم جاء "الأدب الفلسفي" لكي ينضاف إلى كل هذه الآداب السلوكية والحياة الفكرية والروحية. وعندئذ أصبح الأدب يعني ما سوف تعنيه كلمة النزعة الإنسانية النهضوية في أوربا. (ينظر: ص146ـ147) هذا التصور إستنبطه أركون من كتابات مسكويه والتوحيدي.

يحاول أركون هنا أن يؤكد أن همه في تأكيده على أهمية ما قدمه مسكويه والتوحيدي لم يكن لغرض العودة للماضي والإكتفاء به، وإن كانت هذه العودة ضرورية ومفيدة. ولكن مشاكل الحاضر لا تُحل عن طريق الماضي، لذلك كانت مهمته معرفة سبب نسيان الفكر الأخلاقي النقدي داخل السياقات الإسلامية ثم تصفيته. ومن ثم الكشف عن مشروطية إمكانية الخروج من النزعة التبجيلية المسيطرة على العرب والمسلمين اليوم، وكذلك ضرورة الخروج من النضال الحركي السياسي الإنفعالي بُغية المساهمة في نجاح البحوث العلمية عن التراث ونقل المعارف الجديدة. (ص151)

إن ما يريده أركون هو الدراسة العلمية للدين، ومن ثم نقد العقل الديني التقليدي عن طريق تطبيق المنهجية التاريخية المستفيدة من علوم الأنثربولوجيا ومناهجيات التأويل والسيمياء والألسنية. فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى تحديث الإسلام لا أسلمة التحديث. (ينظر: ص197وص198وص202)

تكمن محاولة أركون النقدية للعقل الديني في التمييز بين المصحف أو ما يسميه " المدونة الرسمية الناجزة " = المصحف الذي دونه الخليفة الال عُثمان إبن عفان و "النص الشفهي" الذي لفظه النبي محمد = القرآن، ومحاولة الإقتراب منه ومن معانيه الأصلية لا المعاني الحافة أو ما يسميه "آثار المعنى"، وهي محاولة منه رغم إستفادتها من المناهجيات المعاصرة إلَا أنها أقرب إلى حدس الصوفي تجاه الكلام الشفهي الذي تحول إلى نص مغلق. وهو سعي يريد منه أركون التمييز بين: الكلام الموحى به، والخطاب الشفهي الأولي، الذي ألقاه النبي على أسماع صحابته، والمصحف. (ينظر: ص204ـ ص205) إذن  يحاول أركون أن يكشف عن المسافة الغائبة بين كلام الوحي المُعطى بوصفه كلام شفوي وبين النص المكتوب بوصفه مدونة رسمية مُغلقة. وهذا الرأي عنده ينطبق على جميع الديانات السماوية.

الفصل الثاني من الكتاب يقوم على سؤال حول سوسيولوجيا الإخفاق بالنسبة لنا نحن العرب وسوسيولوجيا النجاح بالنسبة للغرب؟ ولماذا كلما فشلنا تقدم الغرب؟ ففي الوقت الذي غادرتنا فيه الفلسفة مع محنة ابن رشد نجد الغرب بدأ بالنجاح؟ ولماذا كانت اللغة العربية هي لغة العلم والمعرفة مع ابن رشد في القرن الثالث عشر وصارت في القرن نفسه لغة اللاتين هي لغة العلم والمعرفة؟ محاولا الاستفادة مما طرحه المفكر الإسباني ريمون لول الذي ألَف كتاباً ضخماً بعنوان (كتاب التأمل في الله). ما يُميز لول في هذا الكتاب هو قيامه بمقارنة حرة بين أديان التوحيد الثلاث من دون أن ينتصر لدينه بشكل مسبق على الدينين الآخرين. (ص243) ولو كُنَا نُريد الإستفادة من هكذا أطروحات لما تقاطعنا مع حداثتنا في العصور الوسطى متمثلة بالفلسفة الإسلامية ومعطياتها أولا، ولما إستمرت مقاطعتنا لمعطيات الحداثة الأوربية في زمننا هذا. وبقيت تحضر عندنا وبشكل دائم القراءة التبجيلية، الشعاراتية، الأسطورية، الأيديولوجية، للماضي غير مهتمين بالقراءة النقدية لهذا الماضي وعندما حاول علي عبدالرزق وطه حسين ووُجهوا برد فعل عنيف من حُرَاس الأرثذوكسية. (ص249) الذين كرسوا كتابة التاريخ الطائفي أو القومي والأسطوري، وتأييد تلك النظرة التبجيلية لكل طائفة أو قومية تنظر إلى نفسها وكأنها الجماعة المختارة. (ينظر: ص263)

يُشبه أركون محاولته للمقارنة بين الأديان بمحاولة ريمون لول في القرن الثالث عشر، وهي محاولة قائمة على فتح وتفكيك الملفات الكبرى التي لا يقبل حُرَاس الأرثذوكسية الإقتراب منها. (ينظر: ص253)

بمعنى تبنينا للنقد الذاتي، يتبعه النقد الذاتي لأمريكا والغرب والسياسة الخارجية التي يتبعانها تجاه الإسلام والعرب لما في هذه السياسة من تجني على الإسلام والعرب. وهذا النقد الذاتي هو الشرط الضروري الذي لا بد منه لكي ننتقل إلى سياسة أخرى في المنطقة: سياسة تحررية أو محررة للجميع قائمة على التقريب بين هذه الدول من أجل طي صفحة الماضي. (ينظر: ص259)

الفصل الثالث: تركز البحث في الوسطاء الثلاثة بين الديانات: ابن رشد: في الإسلام، ابن ميمون: في الديانة اليهودية، وتوما الأكويني: في الديانة المسيحية. (يُنظر: ص267)

يؤيد أركون على ضرورة العودة لهذا الماضي "اليهودي والمسيحي والإسلامي" في حال إمكانية الإفادة منه في تفهم "برادايم" = "أنموذج" التفاعل بين الأديان التوحيدية الثلاثة. (ص269) ومحاولة ترميم العلاقة بين الديانات السماوية الثلاث لإصلاح وإزالة سوء التفاهمات والعداوات بينها بالعودة إلى ثلاث نماذج كانوا يمثلون تمثيلاً عالياً وكبيراً الأديان التوحيدية الثلاثة، وهم الفلاسفة الذين ذكرناهم، وهذه العودة لأعمال هؤلاء المفكرين الثلاثة تمكنه من القيام بالمسارات التالية:

1ـ تُتيح له تفهم كيفية إشتغال العقل داخل ما سماه الفضاء الجغرافي التاريخي المتوسطي الممتد من إيران إلى أوربا مع الإشتمال على أفريقيا الشمالية وتركيا الحالية.

2ـ أعمال المؤلفين الثلاثة هؤلاء تُتيح لأركون فهم كيفية حصول عملية التداخل أو التفاعل المفهومي والأبستيمولوجي بين نصوص الفكر الإغريقي من جهة، ونصوص الإعتقاد الإيماني التوحيدي بنسخه الثلاثة من جهة أخرى. كيف حصلت عملية التوفيق بين الفلسفة الاغريقية والديانة التوحيدية، أي بين العقل والدين؟.

3ـ دراسة أسباب فشل ونجاح هؤلاء المفكرين داخل أديانهم الثلاثة. وهذا ما دعاه أركون بعلم اجتماع الفشل والنجاح لفكر ما في بيئة ما وزمن ما.

4ـ محاولة الخروج من التأريخ الأسطوري المتعصب دينياً وقومياً، عبر الإستفادة من آراء هؤلاء المفكرين الثلاثة. (ص272)

ما يربط بين المفكرين الثلاثة هو  سعيهم لإستكشاف العلاقة بين الإيمان والعقل وحاولتهم التوفيق بين العقل والنقل، أو بين الفلسفة والشريعة، بما يحفظ للعقل حضور بوصفه هبة إلهية، وبما يحفظ للدين هيبته وبعد المُتسامي وإن كان "جميعهم يؤمنون بأولوية الدين على العقل، فكانوا مشغولين بالتوفيق بين العقل والدين" (ص276)، وإستخدام التأويل في فهم الوحي أو تفسيره، وهذا ما فعله ابن رشد في كتابه "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الإتصال" وابن ميمون في كتابه "دلالة الحائرين"، والشيء نفسه فعله توما الأكويني في كتابه "الخلاصة اللاهوتية".

إن حضور ابن ميمون وتوما الأكويني وإستمرار إعادة إكتشاف بعض ما يمكن توظيفه من فلسفتيهما العقلانية في ثقافة مجتمعيهما، وغياب فلسفة ابن رشد وعدم إستحضارها أو إستحضار روءاها وأهدافها وإستمرار محاربتها في ثقافة مجتمعنا، هو الذي ساعد في إنشار الفقه الظلامي والتربية الدينية السلفية السائدة التي أنتجت أشخاصاً مثل ابن لادن والزرقاوي وغيرهما...(ينظر: ص293ـ294) وهذه الأمور مجتمعة والإنسياق لها والقناعة بها جعلت التعليم في الجامعات تعليماً شكلياً، فلم تكن ولا زالت لا توجد مكتبات حقيقية ولا بُنى تحتية لإستيعاب الطلاب ولا حتى إيجاد فرق بحث علمي بالمعنى الحقيقي للكلمة. بما يعني إنخفاض مستوى التعليم إذا لم نقل تراجعه، فبقينا تابعين للغرب في علومنا، نفتخر بالدراسة في جامعاتهم، نبحث عن إعتراف منهم بصلاحية ما نقدمه من بحوث علمية. (ينظر: ص289) لذلك غابت عنا الدراسة العلمية النقدية للظاهرة الدينية لأن ما ذكرناه ساعد في بناء قاعدة اجتماعية رافضة لمثل هذا النوع من التفكير، ومن يريد ممارسة هذا الشكل من التفكير النقدي عليه أن يختار أوربا ملاذاً له لكي يعبر بحرية عما يريد، بمعنى آخر ضيق فضاء الحرية إذا لم نقل غيابه. (ص290) حتى صارت الفلسفة بوصفها تعبيراً عن التفكير الحر الناقد في عقول كثير من العامة وحتى النخب الدينية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية تساوي الزندقة وفقاً لقاعدة "من تمنطق فقد تزندق".

خاتمة هذا الفصل كانت طوباوية إلى حد بعيد، وهي توحيد الفضاء المتوسطي الذي مزقته الصراعات الدينية والسياسية على مر القرون. وهو نفسه يرى أن هذا الرأي "طوباوي إلى درجة لا يخطر على بال مؤرخي الفكر والأديان في كلا العالمين الشرقي والغربي، أو في كلتا الضفتين" (ص302ـ 303)!! وعلامة التعجب من عندنا، فكيف يمكن تلتقي أجيال إنغلقت على ذاتها وعلى تراثها نظرت إلى فكرها الديني أو الاجتماعي على أنه يمثل الحقيقة المطلقة؟ لا أعتقد أن الاستشهاد بأمثلة معتدلة والمقارنة وبين الحال الذي وصلنا له اليوم ممكن أن يسعف في التلاقي بين حضارتين متطاحنتين على طول تاريخ بين غالب ومغلوب، وإن كان هذا أمل لا ينبغي تركه، وهذا واحد من أحلام أركون.

الفصل الرابع: يدور حول صورة الآخر: التشكيل المتبادل لصورة الإسلام الغرب، يبدأ أركون بالإستشهاد بنصوص من الكتب المقدسة للديانات السماوية الثلاثة، تشير إلى أهمية الحفاظ على العلاقة التوافقية مع الآخر حتى وإن كان مغايراً لنا في الدين والملة. ومن ثم يستشهد بنصوص من الفلسفة الأوربية (كانت، سارتر، هوسيرل، إيمانويل ليفناس، وبول ريكور)، (ص315ـ 316) ولا نعرف سبب إستبعاده لنصوص من الفلسفة الإسلامية.

بعد كل اشارات أركون لآرثذوكسية الآخر وآرثذوكسية الأنا وتطرفهما، نجده يُخصص الفصل الخامس للبحث عن فضاء للتلاقي، عبر دعوته لبلورة لاهوت جديد أو فلسفة جديدة تقبل منذ البداية أن تهضم بعض التساؤلات التي ضعها، وهي:

1ـ هل يمكن القبول بمشروعية حرب غير متكافئة من أجل تحقيق أهداف قومية، أو على حساب نفي الآخر؟

2ـ هل يمكن ان نسمح بأن ينتشر على الصعيد العلمي شيئان سيئان لا يمكن إحتمالهما، وأقصد بهما الإرهاب والعنف؟

3ـ هل يمكن للتراث المهتم بالآخر والمبلور داخل الفضاء التاريخي المعروف باسم الغرب أن يستمر في الاعلان عن كونية قيمه من دون أن يدمج إلزامات المسؤولية الفكرية والأخلاقية تجاه الآخر؟ (المسلم المنظور له على أنه الشر المطلق).

4ـ هذا السؤال موجه للعرب والمسلمين الذين يغذون العنف عن طريق التلاعب بالمفهوم اللاهوتي ـ السياسي المدعو بـ "الجهاد" (ينظر: ص321ـ322)

إن العنف هو إلان واضح لإلغاء كرامة الإنسان لما فيه من إعتداء صارخ وفاضح على إنسانية الإنسان وتأكيد لطغان البعد الغريزي بطابعه الحيواني على البعد العقلاني في التكوين الإنساني والسيطرة عليه والتحم فيه.

كان هناك سببان سياسيان برأي أركون ساعدا في إستمرار العنف في مجتمعاتنا العربية ، الأول: الأنظمة التي تشكلت بعد عام 1950، والثاني: عنفوان الدول القومية الأوربية وأمريكا التي لا تريد أن تتخلص من عنجهيتها وشوفينيتها، وإستمرارها في النظر إلى بُلداننا بوصفا الأضعف والأكثر تخلفاً، فضلا عن إحتقار الجاليات العربية والمسلمة في هذه البلدان والنظر إليها على أنا على أنها الآخر المُحتقر والمنبوذ، مثال على ذلك إنتفاضة الضواحي الفقيرة الواقعة على هامش المدن الفرنسية. على ألَا ننسى دعم هذه الدول لأسرائيل في حربها مع العرب. (ينظر: 323ـ 324)

المشكلة أن جميع أصحاب الديانات يمارسون التبجيل الإسقاطي العاطفي على ديانتهم فيما يتعلق في العلاقة مع الآخر، فهم يسقطون على الأزمنة القديمة أفكاراً حديثة لم تعرفها وما كان بالإمكان أن تعرفها، وهذا هو معنى الإسقاط أو المغالطة التاريخية. (ص333)

في ضوء نزعة أركون الإنسانية التي تقترب كثيراً من أحلام الطوباويين، نراه يحلم  بالحل لإمكانية الإعتراف بالآخر ممكنة في حال أن في حال تمثلنا لفلسفة بول ريكور في النظرإلى "الذات كأنها آخر"، فما دمنا لا نعامل الآخر وكأنه ذات، أي كأنه مثلنا، لا يمكن أن توجد نزعة إنسانية. بمعنى أن يتحول الآخر إلى ذات، أو الذات إلى آخر، لكي يحصل التناغم والإنسجام في المجتمع والعالم كله. (ص337)

ينبغي العلم ان الغرب، بسبب تفوقه، لا يستطيع حتى الآن أن يعامل الآخرين كذات لهم نفس الكرامة والحقوق. والأصوليون في الجهة الإسلامية لا يستطيعون إحترام الآخرين المختلفين دينياً أو مذهبياً لأنهم معتبرون أنجاساً وكفاراً بسبب عدم إعتناقهم الدين الحق كما يفهمونه. (ص340)

يختم أركون الفصل بإشارة مهمة حول دور الغرب في إنتشار ظاهرة العنف وإنتقالها من الحدث العارض إلى الحدث البنيوي المنتظم والمستمر. لذلك يعتقد ـ أركون ـ أنه لولا إنتصار العقل "التلفزي ـ الألكتروني ـ العلمي" في جهة الغرب، وهو آخر تجليات العقل الوضعي المادي الحديث. لما إستطاع الإرهابي توسعة معلوماتهم وسهلت قدرتهم على شراء وإستخدام وتنفيذ برامجه ومشاريعه التفجيرية. (ص341)

الفصل الخامس: كان للحديث عن يواكيم مبارك وأستاذه لويس ماسنيون، والإختيار لهذين الشخصيتين لم يكن إعتباطياً، فكلاهما يدينان بالديان المسيحية، أحدهما من مسيحيي الغرب وهو ماسنيون والآخر من مسيحيي الشرق وهو يواكيم مبارك وقد كان الأخير من أهم تلامذة ماسنيون. وهما مثالان لعلاقة الأستاذ بتلميذه على الرغم من اختلاف ثقافة كل منهما وإن كان كلاهما مسيحي ولكن ماسنيون من الغرب ويواكيم من الشرق، ولكن التلمذة كما يراها أركون لا ترتبط بالمكان ولا بالزمان ولكن بالهموم المشتركة. فقد كان توما الأكويني تلميذاً لابن رشد ولم تقف إختلاف ثقافتيهما عائقاً أمام التلمذة، ولا حتى اختلاف الديانة.

وواضح أن هذين المفكرين المسيحيين يشكلان جزءً من إسناد محمد أركون الروحي ومرجعيته الفكرية، فيواكيم مبارك كان "هو بالذات ذا نزعة إنسانية حقيقية" كان إحدى حلقات الإسناد الفكري للنزعة الإنسانية التي يتمسك بها أركون، فقد "كان رجلاً رائعاً وإنساناً حقيقياً". (ينظر: ص348 وص349) ومن كل ذلك كان أركون مشغولاً بكيفية خروج الفكر المسيحي الوسيط من سياجه الدوغمائي وبقاء الفكر الإسلامي مُغرقاً في دوغمائيته، "فالفكر المسيحي يتقدم ويتجدد ويُغير لاهوته القديم، فيما الفكر الإسلامي يبقى جامداً، أو حتى يعود إلى الوراء". (ص355) وكان يعتقد بخطر الفكر السلفي الذي يتبنى الموقف الإصلاحي عن طريق العودة إلى السلف الصالح، لأنه ينظردائماً إلى الوراء ويظل متعلقاً بلا كلل أو ملل بتلك اللحظة الأسطورية التدشينية لتاريخ الإسلام. إنه يظل محكوماً بذلك التاريخ المقدس الذي يتعالى على التاريخ الأرضي ويفسد علاقتنا به. (ص355)

في هذا الفصل ينتقد أركون أساتذته الذين درسوه في الجزائر من الفرنسيين المؤمنين بسياسة الفرنسة والذين كانوا دائمي الإنتقاد للإسلام ولنبيه، فضلا عن إنتقاده لأساتذة مسلمين درسوه لأنهم كانوا يدرسونه بطريقة تلقينية إجترارية  موروثة عن عصور الإنحطاط الأولى. (ص363) وهو ينتقد عجرفة جميع هؤلاء مقارنة بماسنيون "الشيخ الرائع" بعبارة جاك بيرك (1910ـ 1995). (ص365) الذي كان "يُريد أن ينصف الإسلام ويُعيد إليه إعتباره". وتعاطفه مع الفقراء والمعدمين ونقده للمسيحية التبشيرية الظافرة الغربية "التجارية والمادية الإلحادية المحضة"  وكان أركون يأخذ على ماسنيون اغراقه في الاعتقاد الديني، لأن ذلك قد يكون على حساب ممارسة العقل النقدي. (ص366)

الفصل الخامس: يدور حول مقابلتين مع محمد أركون.

المقابلة الأولى: إبتدأت بالنزعة الإنسانية ذات التعبير العربي ونسيانها. أشار أركون لإهتمامه  بالمعرفة الإنسانية بمعزل عن التجريد والضياع في غياهب الميتافيزيقا أو لغو الكلام. وهذه المعرفة بوصفه ولدت في مجتمع عربي وإسلامي وعاشت في مجتمع أوربي.

حاول أن يهتم بالإسلام ومعرفته وإستكشافه بشكل علمي وتاريخي دقيق، ومحاولة الاهتمام باللامفكر فيه فيه في ثقافتنا. إذ يقول:  كان لوجودي في فرنسا الأثر المهم في محاولة الكشف عنه ومحاولتي البحث عن الإنسان ودوره وأهميته في ثقافتنا العربية والإسلامية، ولذلك كتبت الدكتوراه عن "النزعة الإنسانية في القرن الربع الهجري" مستخدماً المناهج الغربية، مبتدءاً بالمنهج الوصفي والدرارسة التحليلية ـ النقدية ـ التفكيكية. (ص380)

ينعى أركون نفسه في هذا الحوار وكل ما كتبه لأنه لن ولم يلق آذاناً صاغية، لأن الساحة محتلة إما من قبل أصحاب الخطاب الديني الرسمي وإما من قبل اصحاب الخطاب الأصولي السياسي العنيف. فكل خطاب آخر ممنوع إما بحجة التغريب والغزو الفكري وإما بحجة الكفر والخروج عن الإسلام. (ص383) ولأن خطاب أركون يعتمد المنهجية التاريخية أو الاجتماعية السوسيولوجية أو الألسنية أو الأنثربولوجية النقدية لدراسة الاعتقاد الديني متمثلاً بالإسلام والشعائر التي تعبر عنه، لذلك نجد جماعات الإسلام السياسي و مشاركيهم من فقهاء السلطة يرفضون مثل هكذا رؤية نقدية وعلمية للإسلام. (يبنظر: ص385)

يتسائل أركون عن العلاقة بين إسلام الأمس متمثلاً بالفارابي وابن سينا ومسكويه والتوحيدي وابن رشد وابن عربي وبين إسلام اليوم؟ فيجيب إن اسلام اليوم "منغلق، متخلف" لأنه يأخذ من نفايات الحداثة الإستهلاكية السطحية ويترك الجوانب التحريرية الهائلة للحداثة الفكرية والعقلية والابداعية، وهي مكتسبات أصبحت كونية اليوم، لكننا لانعبأ بها. (ص386)

مشكلة المسلم أنه لم يتسائل عن المكانة المعرفية للقرآن. ولا يتسائل عن الكيفية التي تشكل فيها القانون الوضعي المدعو الفقه. فأصبحنا نحيطه بهالة من القدسية متنتاسين أنه من وضع البشر وهو مفهوم مختلف عن الشريعة. ولا أحد يتسائل عن استقلالية القضاء عن السلطة السياسية. ولم يُطرح سؤال عن مصادرة الدين الإسلامي وتأميمه من قبل السلطة السياسية منذ أيام معاوية ابن ابي سفيان وحتى هذه اللحظة.(ص386)

المقابلة الثانية: دارت حول ماهية النزعة الإنسانية التي يقصدها أركون، وكنا قد أشرنا إلى أنه يقصد بها بالتحديد رؤى الفلاسفة المسلمين وبالأخص مسكويه والتوحيدي وتتويج هذه النزعة في أطروحات ابن رشد ودفاعه عن العقلانية.

يؤكد أركون على انفتاح العقل الفلسفي في هذه المرحلة على العقل الديني على الرغم من مهاجمة العقل الديني للعقل الفلسفي وإدانته المستمرة له. (ص409)

يُرجع أركون أسباب نشوء هذه النزعة لوجود طبقة اجتماعية مؤلفة من التجار الأغنياء ومنفتحة على الثقافة الجديدة وترعاها وتدعمها مادياً. مؤكداً أن الفعالية التجارية تُحبذ التفكيك التأملي الحر وتشجع عليه، كما تُشجع على المعرفة الابتكارية والعقلانية النقدية. مؤيداً قوله هذا بدعم البرجوازية الغربية الأوربية لمثل هكذا نوع من التفكير في عصر النهضة. مع علمه بهشاشة وصغر الطبقة البرجوازية (التجارية) في عالمنا العربي الإسلامي في ذلك الوقت (ص411) ومع غياب هذه الطبقة وهيمنة القوة الأوربية على التبادلات التجارية، بدأ الإسلام الشعبي للطرق الصوفية بالانتصار على الإسلام العالم (المثقف) الذي كان يسمح بحصول مناضرات خصبة بين الفكر الفلسفي والفكر اللاهوتي إبان العصر الذهبي. (ص411) أما الذي يجري اليوم على يد دعاة السلفية فإنهم يدعونا إلى أسلمة الحداثة وليس إلى تحديث الإسلام. (ص416)

 

د. علي المرهج - استاذ فلسفة

..................

[1]ـ محمد أركون: نحو تاريخ مقارن للأديان التوحيدية، ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، بيروت ـ لبنان، ط1، 2011عدد صفحات الكتاب 432 صفحة من القطع الكبير، صادر عن دار الساقي ببيروت بطبعته الأولى لعام 2011م. قدم له المترجم بـ 81 صفحة للتعريف بمؤلف الكتاب ومشروعه الفكري وأهمية الكتاب والتعريف بمحتوياته.

[2]ـ مفكر مسيحي كاثوليكي ماروني، أتقن اللغة العربية وقرأ الكير من كتب التصوف الإسلامي.

[3]ـ مفكر لاهوتي لبناني مسيحي مُتخصص في العلوم الإسلامية والعربية ومهتم بتنشيط الحوار المسيحي الإسلامي، تخرج من جامعة باريس، كانت أطروحته للدكتوراه بعنوان"إبراهيم في القرآن الكريم".كان من المؤمنين بالتعددية الدينية لأنها السبيل الوحيد للعيش المشترك.

 

 

hafeed islamani"التسامح ومنابع اللاّتسامح: فرص التعايش بين الأديان والثقافات" كتاب لـ: ماجد الغرباوي، الناشر الحضارية للطباعة والنشر، إصدار معهد الأبحاث والتنمية الحضارية، الطبعة الأولى 2008، وعدد الصفحات 162 صفحة. يتناول فيه الباحث موضوعا مهمّا وهو: التسامح واللاّتسامح. في هذه القراءة سنبِّين أهم أفكاره الرئيسة مُبدِين رأينا فيها.

إنّ التسامح ضرورة حياتية تبقى الحاجة إليها قائمة ما دام هناك إنسان يمارس العنف والإقصاء والتكفير، ويرفض التعايش السلمي مع الآخر المختلف، بل الحاجة إلى التسامح تشتدُّ مع اتّساع التنوّع الإثني والديني، لامتصاص تداعيات الاحتكاك بين القوميات والثّقافات والأديان، والخروج بها من دائرة المواجهة إلى مستوى التعايش والانسجام. كما عبّر الكاتب عن الوضع الحالي بالقول: "إنّ ما نشاهده اليوم من صراع محتدم بين القوميّات والأديان والمذاهب يكشف عن رخاوة الأسس التي يقوم عليها مفهوم التسامح أو غيابه، فهو في نظر الأوساط المتصارعة لا يعدو كونه قيمة أخلاقية تتحكّم به المؤثرات الاجتماعية والسياسية، وهو في رأيها مِنّة وتفضّل مشروط، قد ينقلب إلى ضدّه إذا فقد رصيده الأخلاقي، وما نحتاجه فعلا لتوطيد العلاقة بين الطوائف والقوميات مفهوم يرتكز إلى أسس متينة، تتفادى الاحتكاك على خطوط التماس".كما يرى الكاتب أنّ التسامح بمفهومه الجديد لا يتحقّق بسهولة، وأنّ تتوقف فاعليّته على حجم استجابة الأوساط الاجتماعية والدينية لضروراته، وهو في نظر الكاتب لأمر صعب، يحتاج إلى مران طويل يخفّف الإنسان خلاله من حِدّة غلوّه وتطرفه، وذلك يحتاج إلى عودة متأنّية للذات من أجل نقدها وتمحيص بناها الفكرية والعقيدية، وتأهيلها لتكون أرضية صالحة لاستنبات قيم التسامح الجديدة.

- التسامح ومنابع اللاتسامح: مقاربات تمهيدية

لا بدّ من التأكيد أنّه لم يبق أمام الشعوب الإسلامية خيار للحدّ من ثقافة الموت والاحتراب والعداء والإقصاء المتفشية في كل مكان سوى قيم التسامح، لنزع فتيل التوتر وتحويل نقاط الخلاف إلى مساحة للحوار والتفاهم بدل الاقتتال والتناحر، وهذا صعب في نظر الكاتب لكونه "يستدعي جهودا يتظافر فيها الخطاب الإعلامي مع الخطاب الثقافي والديني والسياسي والتربوي، ويتطلب تعاون الفرد مع المجتمع، والشعب مع القانون، والدولة مع الدستور. إنّه عمل جذري يستهدف البنى الفكرية والعقيدية للمجتمع، وإعادة صياغة العقل والأولويات والوعي، وتقديم فهم عصري للدين والرسالة والهدف، ونقد للمفاهيم والقيم والسلوك".

لقد اعتبر الكاتب أنّ ما نشاهده اليوم من مظاهر عنف واحتراب يستدعي العودة إلى الذات لمراجعتها، ثم الارتكاز إلى قيم جديدة تستبعد الكراهية والحقد، وتنفتح على قيم الإنسانية والدين. وهذا "يتطلب الغوص في أعماق الفكر والعقيدة بحثا عن جذور المشكلة؛ أي ينبغي البحث عن الدوافع الحقيقة وراء ثقافة الموت والاستهانة بالحياة وتكفير المجتمع. وتقصّي المفاهيم المسؤولة عن صياغة البنى الفكرية والمعرفية لعدوانية المرء تجاه الآخر أيّا كان الآخر داخليا أم خارجيا، دينيّا أم سياسيا".

التسامح: الدلالات

ومن الحديث عن التسامح ومنابع اللاّتسامح، توقّف الكاتب كذلك عند دلالات التسامح؛ فبخصوص الدلالة اللغوية لمفهوم التسامح يرى الكاتب أنّها: تستبطن المِنّة والكرم، وتشير هذه الدلالة أيضا إلى وجود فارق أخلاقي بين المتسامِح والمتسامح معه. فليست هناك مساواة بين الطرفين، وإنّما هناك يدٌ عليا واهبة، ويد سفلى متلقّية، وهو مقتضى المنّة والكرم. في نظرنا نعتبر أنّ التسامح واجب علينا فلا هو مَنٌّ ولا كرم بل هو حقّ للآخر. وفي معناه الاصطلاحي يراد به الموقف الإيجابي الذي يسمح بتعايش الرؤى والاتجاهات المختلفة بعيدا عن الإقصاء، على أساس شرعية الآخر المختلف دينيا وسياسيا وحرية التعبير عن آرائه وعقيدته. وفي علاقة بذلك، يتساءل الكاتب: ما هو المطلوب من الشخص المتسامِح؟ هل المطلوب التنازل عن القناعات الفكرية والعقيدية نزولا عند رغبة الآخر، أم إنّ ذلك ضرورة يقتضيها التسامح؟ أم إنّ التسامح يعني الانصياع والتبعية والرضوخ للآخر المختلف؟

انطلاقا من الأسئلة المطروحة أعلاه، يرى الكاتب "لا هذا ولا ذاك، وإنما التسامح يعني اعترافا بالآخر والتعايش معه على أساس حرية العقيدة وحرية التعبير، لا تكرُّما ولا منَّة، وإنما هو حق باعتبار تعدد الطرق إلى الحقيقة، وعدم وجود حق مطلق لدى طرف دون آخر، وأنّ الحقيقة موجودة لدى جميع الاتجاهات الدينية والعقيدية على أساس وحدة الحقيقة وتعدّد التجارب الدينية". وثمة نقطة جوهرية، وهي أنّ التسامح لا يقتصر على الجانب الديني، بل يتعدّاه إلى ما هو سياسي وإيديولوجي واجتماعي، فالتسامح السياسي مثلا هو اعتراف بالآخر وحقّه في التعبير عن رأيه وممارسته. ونفس الأمر على مستوى التسامح الاجتماعي؛ أي الاعتراف بالآخر على أساس إنساني بعد تجريد مرجعية التفاضل من القيم العنصرية.

 

tasamoh2- منابع اللاتسامح

إنّ منابع التسامح - حسب الكاتب - تتعدّد تبعا لطبيعة المجتمع ثقافيا وفكريا وعقيديا، وأيضا تبعا لمستوى حضور الدين ومدى تمسك المجتمع بالقيم الدينية والاجتماعية. ومن منابع اللاتسامح يذكر الكاتب ما يلي:

أوّلا: منطق العنف:

 إنّ العنف كان سائدا داخل المجتمعات غير المتحضّرة التي ترفض الاحتكام للقانون أو الأعراف، وبالتالي يبقى العنف السبيل لتقرير المصير. يقول الكاتب "لجوء الإنسان البدائي للقوة والعنف كان دفاعا عن النفس بسبب الأخطار المحدقة به، ولمّا ظهر التنافس بين المجموعة البشرية الواحدة واحتدم الصراع على المراعي والحقول، لجأ الإنسان إلى العنف للدفاع عن حياته وعائلته وممتلكاته"، وإذا لم تعمّ ثقافة التسامح اليوم ربما سيعود الصراع والعصبية، فيكون الفيصل لغة الدم، يقول الكاتب "ينبغي علينا أن نعي مهمّة ثقافة السلام والتسامح وضرورة انتشارها وتثقيف الشعب عليها عبر خطاب مؤهّل قادر على استنبات قيم جديدة، بدلا من النسق القيمي الذي نطمح لاجتثاثه، بمستوى يصبح التسامح مسؤولية تاريخية يتصدى لها جميع أبناء الوطن من أجل الوطن ووحدته وسلامته وأمنه ومستقبله، كي يلمس الشعب حقيقة التحوّل الذي طرأ على البلاد نتيجة التحوّلات التي مرّ بها".

ثانياً- الولاء القبَلي:

هذا الولاء يعدُّ من منابع اللاّتسامح، ونحن نعيش اليوم الولاء والتعصب إمّا للدين أو للمذهب أو للحزب، في غياب شبه تام لمقدّمات العيش في إطار الاختلاف، فالهوّة تتسع ويتسع معها العنف. ينبه الكاتب إلى خطورة الولاء القلبي بالقول "ليست العشائر في المجتمع القبَلي سوى خطر كامن يتفجر متى شاء، إذ أنّ قرار العشيرة قادر على تحريك كل أفرادها وبالتالي تعبئتهم ضد أية جهة، وحينما تتعرض مصالح العشيرة للخطر، حتى وإن كان ذلك على حق، فإنّها تتمرد على قرارات الدولة وإرادة القانون... فالمجتمع القبلي عبارة عن قنابل نووية مخصبة قابل للتفجير والانتشار الواسع. فتفكيك النسق القيمي وليس الاجتماعي للقبيلة وإعادة تشكيل العقل العشائري له الأولوية في عملية التغيير المرتقبة، ليصير إلى وسط اجتماعي يتقبل التحوّلات الجديدة ويتفاعل مع قيم التسامح".

ثالثاً- سلطة القيم:

يرى الكاتب أنّ ترزيق (تلقين) القيم إلى وعي الفرد يبدأ عادة في السنوات الأولى من حياته عندما يُلقّن بمفاهيم الخضوع والاستسلام للقيم، ويُلزم بقيم الاحترام والطاعة والخضوع، أي يُلقّن بمفاهيم قيمية يراد له الالتزام بها كي يكتسب احترام المجتمع. وهنا يعطينا الكاتب المثال التالي: فحينما يرتكز المجتمع إلى العنف في تسوية الخلافات وانتزاع الحقوق، فإنّ الاحتكام إلى العقل والتسامح، من قبل بعض الأفراد، يصبح جبنا. وهناك مثال آخر متعلّق بالعقلية الذكورية، فحسب الكاتب "تتصف مجتمعاتنا أيضا بأنها مجتمعات ذكورية، تمنح الرجل صلاحيات واسعة في مقابل تهميش المرأة وتحقيرها، وتلغي وجودها وتعتبرها أنثى يطأها الرجل حينما يرغب ويتخلى عنها متى يشاء"، وهذا فيه إقصاء للمرأة ومنعها من حقها في أداء رسالتها الحضارية إلى جانب أخيها الرجل.

إذًا لا بدّ من نسق قيمي يطال المشاعر والأحاسيس يؤهّل الإنسان لحياة جديدة قائمة على التسامح وإعادة وعي العلاقة بين جميع الأطراف، بشكل معقول ومنسجم مع طبيعة النفس البشرية الموغلة بالنقص والخطأ، يتفهّم الحالات المختلفة أو المتناقضة التي تطرأ على الإنسان.

رابعاً- الاستبداد السياسي:

 يؤكد الكاتب على أنّ الاستبداد السياسي يعدُّ خصما حقيقيا للتسامح؛ ففي الوقت الذي يعتبر فيه الاعتراف بالآخر جوهر التسامح الديني والسياسي والاجتماعي، يعتبر رفض الآخر وتهشيمه جوهر الاستبداد السياسي، لذا لا يمكن التوفيق بينهما. وبالتالي، لا يمكن إشاعة قيم التسامح في ظل أجواء التفرّد والاستبداد بالسلطة، لأنّ طبيعة الاستبداد تقتضي عدم الاعتراف بالحقوق السياسية للآخر، التي منها حقّه في ممارسة السلطة مع استكمال الشروط اللازمة لها.

خامساً- العنف الديني:

يعتبر العنف الديني أحد أخطر منابع اللاتسامح، لتلبّسه ببُعد شرعي، وتوظيفه النص الديني، وسرعة تصديقه من قِبَل الناس، وقدرته على التخفّي تحت غطاء الشرعية والواجب والجهاد والعمل الصالح. فـ "عندما نعود إلى سياق التسامح ومنابع اللاتسامح نؤكد أنّ الفهم الذي يكرّس الأحقاد ويصرّ على تكفير الآخرين، من أجل شرعنة قتالهم ومطاردتهم، هو فهم لا ينسجم مع روح الشريعة الإسلامية، وبعدها الإنساني، وبالتالي فهذا الفهم يُعدّ من أخطر منابع اللاتسامح، لالتساقه بالدين الحنيف، فالمطلوب من أجل الرقّي إلى مستوى المجتمعات المتسامحة العمل على تفكيك الخطاب الديني المتطرّف، وتفتيت بناه المعرفية، وإشاعة وعي ديني قادر على فهم الحقيقة، كي يتوارى هذا اللون من الفهم ويحلّ محلّه خطاب متّزن يمهّد لاستنبات قيم التسامح والعفو والرحمة".

- التسامح: تأصيل الأسس

للتسامح أسس، وإرساؤها يعدّ مدخلا لجعل المجتمعات محتضنة لقيم التسامح ونبذ اللاتسامح، وهذه الأسس:

1- حقوق المواطنة: إذا كان الشعب غير مُهيّئ نفسيا وفكريا وثقافيا للاعتراف بالآخر، لأي سبب كان، فإنّ قبول الآخر وقبول التعايش معه أمر تفرضه وحدة الوطن، من أجل استتباب الأوضاع واستقرار الأمن والسلام. من هنا تكون حقوق المواطنة أحد الأسس الكفيلة بإرساء دعائم التسامح داخل المجتمع ولو بشكل مرحلي، وهي "قضيّة تمليها وحدة الوطن والحرية الشخصية والاعتراف المتبادل بين أبناء الشعب جميعا، رغم تنوّع خصوصياتهم؛ أي أنّ جميع الأفراد، وفقا لحقوق المواطنة، متساوون بالحقوق والواجبات على أساس التساوي في انتمائهم للوطن الواحد. مما يعني أنّ مقتضى حقوق المواطنة هو تقديم ولاء الوطن على غيره من الولاءات".

2- الحقوق الإسلامية لغير المسلمين: أي لا بدّ أن يرتكز المجتمع على قاعدة احترام الخصوصيات التي تنطلق من عناصر الالتزامات الدينية؛ بحيث لا يعتدي فريق على آخر، ولا يضطهده في خصوصياته. وفي ضوء ذلك "تتحدّد حرية المعتقد والتعبير في الضوابط القانونية الخاضعة للسلامة العامة للنظام والإنسان، على هذا الأساس ينفتح العيش المشترك في المساواة في الحقوق والواجبات في القانون العام. وفي الخصوصيات الشخصية، وفي مسألة الحريات في نطاق المسؤولية عن الفرد والمجتمع". ويبقى المطلوب حسب الكاتب هو الارتكاز إلى التسامح بالمعنى الاصطلاحي للكلمة لفاعليته وتجذّره وقدرته على ترسيخ قيم المجتمع المدني. أي المطلوب أساسا هو الاعتراف بالآخر وبحقوقه المشروعة، باعتبار تعدد الطرق إلى الحقيقة على صعيد التجربة الدينية.

3- سيادة القانون: مثلما أنّ حقوق المواطنة هي الأساس الأول لإرساء قيم التسامح في المجتمع، فإنّ القانون وسيادته هو الأساس الثاني لها. بل لا يمكن للتسامح الاستمرار في تأثيره الاجتماعي ما لم يكن هناك قانون يستند إليه ويدافع عن قيمه، سيما إذا لم يتمثل الشعب بُعد التسامح إلى درجة الاعتراف بالآخر اعترافا حقيقيا. لذلك فإنّ وجود القانون ضروري. وفي هذا الباب يقول المؤلِّف: "مهما كان المستوى الثقافي للمواطن جيّدا غير أنّ نوازعه النفسية وطموحاته السياسية وقراءته المتباينة للأديان والحقوق القومية والطائفية، جميعها تساعد على زعزعة الأوضاع، وتخلق فراغا كبيرا إذا ما تفاقمت الحالة وتعذّرت السيطرة عليها. غير أنّ القانون سيلعب دورا أكبر، إذا توافر على قوة ردع عالية، مرتكزة إلى حرص السلطات التنفيذية والقضائية على تطبيقه، إضافة إلى حجم الحماية التي يمدّه بها الشعب". إضافة إلى ذلك، نؤكد على أنّ مشكلة الأمّيّة تعدّ السبب الخطير لانتشار اللاتسامح.

4- إعادة تشكيل قيم التفاضل: إنّ الناس في نظر الإسلام: إمّا أخ لنا في الدين أو نظير لنا في الخلق ومن ثم لا تفاضل بين الناس إلاّ بالتّقوى وهو ما تؤكّده الآية القرآنية (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) سورة الحجرات13.

ويعلّق الكاتب على الآية أعلاه قائلا: "التقوى لا تعني كثرة العبادة، وإنّما خشية الإنسان من الله تعالى إبّان تعامله مع الناس، سلوكا وعاطفة؛ فربّما عابد لا يخشى الله في خلقه يمارس سلوكا لا أخلاقيا في تعاملاته اليومية، فيضرب ويقتل باسم الدين والقرآن والأخلاق، وهو بعيد عن كل ذلك. أو لا يتمتّع بالمشاعر والأحاسيس الإنسانية التي أكّد عليها القرآن الكريم، فيتحايل عليها ويظلم الآخرين ويبخسهم حقوقهم بل ويتعدى على حقوق الآخرين. فالإنسان التقيّ من يخشى الله، سيما في موضوع استباحة الدماء، خصوصا مع المخالفين دينيا أو مذهبيا، فإنّ حرمة الإنسان عند الله كبيرة، فكيف إذا كان أخ لك في الدين والعقيدة ولا يعدو خلافه معك إلا في أشياء اجتهادية". إنّ الخطاب في الآية القرآنية تحدّث عن الناس ولم يقل المسلمين. ومن ثمة، فالآية العامة تتجاوز العبادة إلى المعاملة.

5- إطلاق الحريات العامة: الحريات العامة بدورها تلعب دورا كبيرا وفاعلا في ترسيخ قيم التسامح بين أبناء الوطن الواحد. وتعدّ حرية الرأي والعقيدة من وجهة نظر الكاتب إشكالية ملتبسة في الفكر الإسلامي، رغم وضوح القرآن الكريم في قوله تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) سورة البقرة 256. فالطريقة المثلى حسب الكاتب ليست قتل المرتد وإنّما الانفتاح عليه بأساليب أخرى لتفهّم إشكالاته وشبهاته.

بناء على ما سلف، نؤكّد مع المؤلِّف على قيمة التسامح في شتّى تجلياته، ليتحقّق معه وبه مجتمع إنساني يؤمن بقيم الرحمة والاحترام والمحبّة دون بغض وحقد تجاه الآخر، سواء كان الآخر ابن الوطن أو الآخر المختلف دينيا أو مذهبيا، فعصرنا عصر العولمة يفرض علينا السير مع مستجداتها وتجديد التراث بخطاب يسير ولغة العصر.

فغياب التسامح، إذن، يجعل العالم يعود إلى عهوده الأولى، حيث يسود الصراع القبلي والعنف، وهي نقطة جوهرية في الكتاب، وإننا نرى اليوم في كثير من البلدان مثل هذه الأمور، كتلك الصراعات القبلية الراجعة إلى قضية اللغة. وينطبق نفس الأمر على مسألة الاستبداد السياسي الذي أهلك ودمّر دولا عديدة.

ومن القضايا التي توقف عندها المؤلِّف بإيجاز، قضية العنف الديني، وفي الحقيقة موضوع العنف الديني بحاجة ماسة إلى المزيد من الكتابات، فالخطاب الديني اليوم يستلزم تعميق النظر فيه، وإنتاج خطاب يراعي التطوّرات، وإلاّ سيستمر خطاب العنف واللاّتسامح سائدا، وهو ما ينعكس أثرُه على البشرية جمعاء.

 

د. حفيظ اسليماني

باحث في الفكر الإسلامي ومقارنة الأديان - المغرب

..............................

الدراسة نشرت أيضا في موقع مؤمنون بلا حدود

 

1223 ali صدر عن النادي الأدبي الثقافي بجدّة كتاب جديد للشاعر الناقد المغربي إدريس الكريوي، مفتش التعليم في فاس، بعنوان " قصص علي القاسمي القصيرة: الرؤية والأداة" . ويقع الكتاب في 320 صفحة من ،الحجم الكبير، ويجمع بين النقد الأدبي والبيداغوجيا التعليمية. وكتب الدكتور صالح الحجوري مدير مجلة “ جذور” مقدّمة ضافية للكتاب لخّص فيها مضامين فصوله. وينقسم الكتاب إلى قسمين: الأول دراسة نقدية لقصص القاسمي وخصائصها التربوية، والثاني مختارات قصصية للقاسمي تتكون من ثماني عشرة قصة...

يهدي المؤلّف كتابه إلى مدرسات ومدرسي اللغة العربية في أربع عشرة مدرسة إعدادية في مدينة فاس انصبت أعمالهم الصفية والتطبيقية خلال سنوات عديدة، بإشراف المؤلف، على تعليم قصص القاسمي القصيرة بوصفها وسيلة لتنمية القراءة ، وغرس القيم الحميدة في نفوس التلاميذ، وتوسيع مداركهم الفنية والتقنية واللغوية. .

 يتناول الفصل الأول من الكتاب خصائص القصة القصيرة لدى علي القاسمي فيوجزها بالتركيز على الحكاية البسيطة المشوقة، واستعمال لغة إبداعية سهلة واضحة، والاشتغال على فضاءات مفتوحة  صالحة لأي مكان وزمان، والاعتماد على البناء الكلاسيكي للقصة من بداية وعقدة ونهاية، مع توظيف للتجديد والابتعاد عن التجريب، وغياب للهجات الدارجة ، مما يجعل قصصه تُقرأ من  فئات عريضة ومختلفة من القراء. وهذه الخصائص هي الواجب توافرها في القصة التربوية الصالحة للاستثمار في المدارس.

 وعرض الفصل الثاني للمرجعيات المتنوعة التي يستخدمها القاسمي في بناء قصصه، وأهمها المرجعية الطبيعية المتمثلة في دراساته المتعددة المتنوعة؛ والمرجعية الثقافية المتأتية من قراءاته الواسعة ورحلاته الكثيرة؛ والمرجعية الخارجية التي استمدها من ترجماته الكثيرة من الآدب الأجنبي خاصة السرد الأمريكي؛ والمرجعية الفنية المتأتية من مطالعاته  المكثفة في القصة والرواية، العربية منها والأجنبية؛ والمرجعية النظرية التي أبان عنها في كتبه النقدية العديدة،خاصة كتابه " مفاهيم العقل العربي"،؛ والمرحعية التاريخية الماثلة في توظيفه للتاريخ في سرده ومحاولة الجمع بين الصدق الواقعي والصدق الفني

ويحمل الفصل الثالث عنوان "طريقة الكتابة عند القاسمي"، فيرى المؤلف أن قصص ، القاسمي أقرب الى السيرة الذاتية منها إلى الحكاية السردية، مع توظيف مكثف لتقنيات فنية  كالمفاجأة في الحدث، وإشراك القارئ المتلقي في الأحداث، وانتقاء الأسلوب الملائم لمضمون القصة. وتتلخص ملامح أسلوب القاسمي في البدء بالإجمال ثم يليه التفصيل فالاستنتاج. ويعتمد أسلوبه كثيراً على المقابلة، والتلميح مبتعداً عن التصريح، واستخدام التكرار البياني، والسخرية والفكاهة لخدمة الموضوع الرئيس.

وينصبّ الفصل الرابع على التصنيف الموضوعاتي لقصص القاسمي، فيصنفها إلى القصص الفلسفية، والقصص العلمية ، والقصص العاطفية، والقصص التربوية، وقصص  الأسفار والرحلات، وقصص علم النفس الموازي.

ويتناول الفصل السادس القيم التي ترمي إليها القصص، فيعرّف بالقيم الأخلاقية والدينية والوطنية والحضارية والعلمية والحقوقية. وتتفاوت هذه القصص في الطرح الفني والموضوعي لتصلح لجميع الفئات العمرية.

وتُخصص بقية الفصول إلى طرائق تعليم القصص، ومكوِّنات درس القراءة، والموضوعات الاجتماعية التي تدور عليها القصص والدروس، مثل الغش وأثره على المجتمع ، والتقوقع والانعزال،  والنميمة والإشاعة، وتأنيب الضمير، والطفولة، والمرأة، والمواطنة ، والحرية، وحقوق الإنسان، والبيئة والهجرة، والتقدم العلمي والفني، والإبداع. ويختتم هذا القسم من الكتاب بدراسة تطبيقية بيداغوجية لمقاربة القصص، بدءا بالقصص المعدة للقراءة  الاستماعية ، والقصص المساعدة على اكتشاف الظواهر والمهارات، والقصص المناسبة لتطوير مهارة التعبير والإنشاء لدى التلاميذ.    . 

واشتمل القسم الثاني من الكتاب على قصص تم اختيارها من المجموعات القصصية الست التي نشرها القاسمي ، ووقع الاختيار على القصص التالية:البئر، الدرس الأول، الذكرى، السباح، أصابع جدي، الوصية، الحذاء، الرسالة، فطور الصباح ، في الهواء الطلق، الزلة، المدينة، الكومة، الحمامة، الساعة، النجدة، الغزالة، الفراشة البيضاء،. ومعروف أن كثيراً من هذه القصص تُدرَّس في مدارس البلدان العربية ، وترد أحيانا في امتحانات اللغة العربية.  

 

إدريس الكريوي.

 

1216 hadiaمن الكتب المهمة التي نالت إعجابي في العشر سنوات الأخيرة كناب (سنوات مع الخوف العراقي) لمؤلفته هاديا سعيد، فقد قرأته ثلاث مرات من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة بلهفة وتمعن، ووفرت نسخة الكترونية منه في حاسوبي جاهزة لترسل مع الممنونية إلى كل من يرغب في قراءته، ولم يستطع الحصول على نسخته الورقية، وباعتقادي أن مثل هذا الكتاب الوثيقة ضروري جدا لكل المثقفين والأدباء والكتاب من العراقيين والعرب؛ بل العراقيين عامة لما احتواه من صور صادقة لماض مؤلم والبدايات التي مهدت للكوارث التي حلت بالبلاد فيما بعد!!

كتب مقدمة الكتاب أمير طاهري مبينا أن مذكرات هاديا سعيد بدأت (مع وصولها بغداد عروسا لتوها)، وقد شاهدت مع من شاهد (كتابا وشعراء يتحولون إلى مخبرين ضد بعضهم البعض، بل إن الكتابة تتحول إلى أكاذيب لإرضاء دوائر المخابرات الرهيبة، ولحماية المنافع الضئيلة التي حصلوا عليها)، ووصف طاهري النظام السياسي يومذاك بأنه ينتمي (إلى خانة الشر نفسها التي تتضمن سيادة الرعب الذي خلقه ستالين وهتلر، وبمقياس آخر ماو تسي تونج)، وختم مقدمته بالإشادة بالمؤلفة التي نجحت (عن طريق تناولها فترة أساسية في تاريخ العراق الحديث) .

لست الوحيد المعجب بهذا الكتاب، فقد سبقني عدد آخر غير قليل كتبوا عنه، واستعرضوا مضامينه، ونوهوا بأهميته ؛ منهم سيار الجميل الذي قال عن الكتاب في مقالة نشرت له في موقع (الحوار المتمدن) سنة 2004م: (لا أريد أن اكتب مقالة عادية عن كتاب غير عادي)، وأضاف أنه على الرغم من صغر حجم الكتاب (لكنه سفر بحاجة إلى تأويل وشرح وتحليل)، وقال: (لعل أهم ما يلفت النظر في سنوات خوف هاديا، أن كتابها هو تاريخ حقيقي لمرحلة أساسية ورهيبة مرعبة  من حكم البعثيين العراقيين، وأن صفحاته تختزن معلومات شاهد عيان عربي حقيقي كتبها من خلال معايشته لها يوما بيوم ! وانه لا يقتصر على سرد معلومات وأحداث سياسية يابسة، بل انه سفر تنطق صاحبته ببراعة في وصف العراقيين ومجتمعهم وحياتهم ومشاعرهم وسماتهم وصفاتهم واهتمام فوق العادة بالمرأة العراقية وبالمثقفين العراقيين وبالاتجاهات السائدة على أيام السبعينيات) .

ومنهم الكاتب عواد ناصر، ولعله كان من أوائل من قرأه، وقدم عرضا عنه في جريدة (الشرق الأوسط)؛ وكان مما استوقفه أحد الفصول، فقال : (ويبقى الفصل المخصص للنساء العراقيات، أحد أجمل الفصول وأكثرها دفئا، حيث يبرز الكثير من حرفية الروائية وعنايتها المفعمة بالرأفة والحب وهي ترسم المشهد وشخصياته الطعينة).

ومنهم الكاتب عمر كوش إذ كتب في عرضه المنشور على عدد من المواقع الالكترونية: (ويمتاز هذا الكتاب الشهادة بتركيب فني من نوع خاص، فهو أقرب إلى رواية سيرة ذاتية، واقعية لمرحلة زمنية محدودة، وسرد للأحداث التي جرت خلال هذه الفترة التي عاشتها المؤلفة في العراق، وتمتد لتسجل بعض ما حلّ بالعراق والعراقيين بعد هذه الفترة، مقدمة شهادة مفعمة بالإنسانية لواقع الخوف والتوجس الذي عاشته مع العراقيين في العراق).

واستوقف الكتاب أيضا الكاتب العراقي فيصل عبد الحسن الذي أنصف مؤلفته بقوله: (لقد كانت الكاتبة هاديا سعيد بما كتبته في كتابها وفية للعراقيين عند وجودها في العراق وبعد خروجها منه مع موجة المهاجرين من المثقفين العراقيين بعد انفضاض الجبهة الوطنية عام 1978، حيث استقرت بالمغرب عدة سنوات واهتمت بقضايا المرأة المغربية ودافعت عن النساء المغربيات والعربيات)، وأضاف (الكاتبة هاديا سعيد ألتزمت دائما قضايا المغلوبين، الفقراء، وانتصرت لهم من ظالميهم بعكس أولئك الكتاب العرب الذين لوثوا أيديهم بأموال كوبونات النفط والرشى المالية التي كان يغدقها النظام العراقي السابق عليهم وآذوا عيون الناس بكتاباتهم المنافقة التي زينت الظلم في عيون الظالمين وأطالت من زمن المأساة والخوف للعراقيين كثيرا) .

وقدمت جريدة المدى عرضا عن الكتاب ورأت أنه ( يعطي صورة واضحة عن حياة العراقيين وكيف كانت تنحدر بهم بطريقة دراماتيكية نحو أفق مسدود برغم أن العراقيين كانوا على وشك أن يصدقوا أنهم اسعد شعوب الأرض . ويعطي أيضا صورة واضحة عن سبب الانحراف ويسجل آلية تحولات عدة أبرزها تحول المثقف من القضية إلى أداة سهلة في هيكلة النظام وهاديا سعيد لا تتابع فقط سقوط عدد من الأسماء البارزة عربيا وعراقيا وإنما تتحدث عن جيل صامد وأقلام كانت تجتهد في المحافظة على نفسها مؤرخة لحظات الافتراق ومبينة كيف يمكن للإنسان أن يبتعد عن وطنه وان يغترب).

ولم تتوقف المؤلفة على ما رأيته في العراق بل تتابع كما تقول جريدة المدى (الوجع العراقي في المنافي وهي حريصة على استكمال الصورة التي خرجت بها من العراق. كانت على صلة قوية بالعراقيين وهي في لبنان و المغرب و سوريا وبعد ذلك في أوروبا وكيف أنها تعرضت للملاحقة من مجهولين. وكانت طوال سنوات تعاني وتخاف من المجهول الذي يتصل ليلا عبر الهاتف ليهدد ويتوعد) .

وحظي كتاب الخوف العراق عند صدوره باهتمام الفضائيات والصحافة العربية، فنشرت عنه أخبارا وعروضا مطولة، منها قناة العربية، وجريدة الحياة، والشرق الأوسط، وغيرهما .

مؤلفة الكتاب هدايا سعيد أو هاديا حيدر كما يدعوها البعض هي كاتبة لبنانية متزوجة من أديب عراقي هو جليل حيدر، وقد رافقته للعيش معه في بغداد سنة 1972م، وعملت في الصحافة العراقية، وعاصرت كثيرا من التطورات السياسية التي شهدتها تلك الحقبة، واطلعت عن قرب على جرائم واعتقالات تعسفية وتهديد بتصفيات جسدية، وتحدثت عن غياب المرأة العراقية في تجمعات المثقفين، وأخبرتنا من موقعها كصحفية كيف تحولت الصحافة إلى بوق للنظام، وكيف صار شعراء وكتاب وأدباء "كبار" موظفين في دوائر أجهزة المخابرات يشون ببعضهم البعض، وكيف أفرغت الثقافة من محتواها!!

لعل أهم ما يميز الكتاب فضلا عما وثقه من وقائع تأريخية، هو أسلوبه الأدبي البديع، فقد كانت مؤلفته كما يصفها الدكتور سيار الجميل (فنانة بارعة في رسم أعماق معينة من طبيعة الخوف وسايكلوجيته القاسية عند العراقيين والذين لهم جميعا أعماقهم الأخرى من أحزان أخرى ومخاوف أخرى ستكشف عنها مذكرات أناس آخرين من عراقيين وغير عراقيين) .

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

 

abas alimorad2في كتابه الحب السوري المدرحي الصادر في طبعته الأولى في تموز2017 عن دار فكر للطباعة والنشر والذي يقع في 358 صفحة، يحدد الدكتور ادمون ملحم اتجاه البوصلة ولا وهم عنده ولا وهن، حيث فِكر سعادة وسوريا الطبيعية وسلامة أرضها ووحدتها ورقي ورفعة أبنائها هي الأسس التي نبني عليها لمستقبل أكثر إشراقاً.

يقف د. ملحم على أرض عقائدية قومية إجتماعية صلبة، زرع بذورها ورعاها الزعيم أنطون سعادة منذ وقبل تأسيس الحزب السوري القومي الإجتماعي عام 1932 حتى إشتشهاده غيلة على يد القوى الرجعية العربية في 8 تموز عام 1949، لأنهم أدركوا أن صاحب هذا الفكر ومشروعه القومي يشكّل خطراً على مصالحهم المرتبطة بأعداء الأمة وشعبها.

يحدد د. ملحم أعداء الأمة وخصومها، عارضاً للتحديات الوجودية، ومنابع القوة ومواطن الضعف، يضع الخطط، يقترح الحلول معتمداً قواعد علمية عدّتها الفكر، العقيدة، الثقافة، الأدب، السياسة والإقتصاد، الحلول المرتكزة على المقومات الحضارية لهذه الأمة، ولا يستثني د. ملحم المقيمين ولا المغتربين، فلكل منهم دوره في الصراع الوجودي مع عدو الأمة المسلح بأساطير تلمودية توراتية مزيّفة (أرض الميعاد، أو أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) ويلحّ ملحم على مواجهة تلك الأساطير، وكيفية المواجهة التي يحدّدها في الخطة القومية وفي المشروع القومي الطبيعي (ص72) وكنوز أساطيرانا الثمينة، كقلقامش والبعل وقدموس وتموز وأدونيس (ص95) ويحذّر ملحم من السلم الإسرائيلي، خطره وكيفية مواجهتِهِ (ص101). ويقول نحن جماعة تعشق الصراع لأنها تحب الحياة والحرية وترفض العيش الذليل (ص224). ويحذر من مثالب النزعة الفردية والتي يشدّد سعادة على مكافحتها كمكافحة الإحتلال الأجنبي (ص157) هذه النزعة التي تُضبَط بالوجدان القومي.

وهنا أحب ان أشير إلى مقالة مهمة في مجلة العربي العدد 706 أيلول 2017 للكاتب الفلسطيني محمد الأسعد بعنوان " قراءة في ثقافة عنصرية تربية الأساطير!" تنطبق على ما حذّر منه د. ملحم بخصوص السلم الإسرائيلي.  ويقول الاسعد هناك 16250 خطأ في الكتب المدرسية المخصصة لتعليم الطلاب العرب

1551 abasيوضح د ملحم معانٍ كثيرة قد تلتبس على البعض أو من يُسيئون الفهم كما يحاول البعض الآخرالإصطياد في المياه العكرة، فمثلا بالنسبة لإحتفال الحزب بمولد الزعيم يقول ليس عبادة للشخص ولا تعبّد لشخص أنطون سعادة مجرداً عن التعاليم السورية القومية الإجتماعية.. (ص190)

يضيء د ملحم أيضاً على قضايا مفصليّة مثل القضيّة الكرديّة ومعاناة الأكراد، والعوامل المسببة لها سواء الذاتية او الخارجية عارضاً للحل القومي الكفيل بإنقاذ الأكراد من ويلاتهم، ومعالجة مسألتهم معالجة جذرية بعيداً عن الحلول الجزئية والمرحلية والغامضة (255ص).

وعن نشؤ الكيان اللبناني يجيب د. ملحم عن السؤال عارضاً لإتفاقية سايكس- بيكو وتقسيم سوريا الطبيعية وموقف الحزب الذي يَعتبر بأن هذا الكيان اقتضته ظروف تاريخية وسياسية ومستعيداً قول سعادة :"  إذا كان هنالك سبب موجب للإستقلال الإداري أو السياسي فليس هنالك ما يوجب الإنفصال عن القومية السورية التي هي نتيجة الواقع الطبيعي الإجتماعي السوري.."(ًص240).

 وعرّج د. ملحم على العديد من المسائل والتي هي على تماس مباشر مع حياة المواطنين متصدياً لها بعمق تحليليّ كإصلاح المجتمع المدني وبناء الدولة الحديثة (ص299) مميزاً بين الإصلاح الشكلي الذي يعتمد الكذب والخداع،  والإصلاح الحقيقي الذي يتحقق بفعل الإرادة الواعية والعقل المبدع (ص305).

وفي ما خص الإرهاب، يرفض د. ملحم الإرهاب ويفصل بين المقاومة والإرهاب على أساس أننا من أكثر الشعوب إكتواءً بالإرهاب المنظم والعدوانية الصهيونية (ص265). وعن حقوق الإنسان يرى ملحم إن الغرب كاذب في إداعاءاته ولا تهمه القيم الإنسانية وحقوق الانسان ولا يفهم إلا لغة مصالحه…(ص291).

إذن، من وسط ركام الإنهيارات الكبرى سياساً، إجتماعياً، فنياً، ثقافياً، وإقتصادياً يطلّ علينا د. إدمون ملحم ليضيء الدرب ويفتح كوّة لإعادة ترتيب الوضع حتى لا نبقى جسداً بلا روح مستلهماً أخلاق سعادة الذي قال:" إذا كنتم ضعفاء وقيتكم بجسدي وإن كنتم جبناءَ أقصيتكم عني وإن كنتم أقوياءَ سِرت بكم الى النصر" (ص337) وهذا ما كان عليه سعادة في ممارسته الحياتية حيث لم يطلب من أبناء عقيدته شيئاً إلا وفرضه على نفسه، لا بل تقدمهم (ص197) بهذا التفكير الغائي الواضح من أجل حياة أرقى وأفضل وأجمل (ص318) وكما يقول د. ملحم إن عملية التأسيس التي بدأها سعادة مستمرة لأن غايتها تأسيس فكرة الأمة في عقول أبناء الشعب لتكون القاعدة الثابتة التي على أساسها يبنى أي عمل قوميّ نهضويّ. (ص171)

هذه هي المدرحية الدعوة الحقيقة لبناء مجتمع أمثل، خالٍ من التعسف والتعنت العرقي والفساد الأخلاقي وكل أشكال التفرقة والإنقسامات الإجتماعية، وهذا ما يؤكده سعادة حين يقول:"متى وَجَدَ الإنسان الحب فقد وجد أساس الحياة والقوة التي ينتصر بها على كل عدو" (ص274-275).

تأتي أهمية الكتاب لأنه مرجع ووثيقة تاريخية قوميّة مهمة، وعمل إيحائي يحيي الذاكرة وينافح عن الهوية القومية، ويعزز النظرة للوحدة الثقافية، الإجتماعية، السياسية، الجغرافية والإقتصادية ويدخل في باب الدراسات المستقبلية.  

 

 

1214 hatamيستخدم كل من المحافظين والليبراليين والتحرريين لغات مختلفة لتبرير عقائدهم، فاللغات التي يستعملها الناس في الحديث عن السياسة، عادة تعمل بدون وعي لتصنع اذهانهم. في كتاب (اللغات الثلاث في السياسة) (1) يسعى المؤلف لمساعدة القارئ على فهم مختلف وجهات النظر .

اطروحة الكاتب هي ان الجماعات الثلاث اعلاه لا يتفقون على القضايا وهم يتحدثون ايضا بلغات سياسية مختلفة. كتاب صغير الحجم يوضح فكرة اساسية واحدة غيّرت الطريقة التي نتحدث ونفكر بها عن السياسة. عبر صفحات الكتاب، يحاول الاقتصادي (ارنولد كلنك ) توضيح الانقسام الحالي في السياسة الامريكية – وهو انقسام حاد جدا لدرجة ان الخصوم يرون بعضهم ليس مجرد مخطئين وانما هم غير أسوياء. فرضية (كلنك)هي ان المعسكرين المتضادين يحكمون على العالم وفقا لمعايير مستقيمة فيها كل جانب يرى الواقع ويفسره بطريقة منسجمة داخليا وان كانت غير شمولية او غير ملائمة للآخرين. ان اللغة السياسية التي نستعملها تفترض وربما تفرض هذه المعايير بطريقة نادرا ما ندركها.

يطرح (كلنك) تمييزا هاما بين التفكير البنّاء والتفكير العاطفي. التفكير البنّاء يحدث عندما نجمع الحقائق ونزن الحجج بدون انحياز لكي نصل الى موقف حول القضية. اما التفكير العاطفي يتم عندما نعرف سلفا او قيل لنا موقف الطرف الاخر قبل جمع الحقائق، ثم نلتقط ونختار حقائقنا وحججنا لكي نفرض بارادتنا ذلك الرأي. فرضية (كلنك) هي ان اللغة السياسية المستخدمة من جانب مختلف الجماعات تشجع التفكير العاطفي بدلا من التفكير البنّاء.

المحاور المفضلة - Axes

فكرة ان مختلف الجماعات السياسية تتحدث عن مواضيع بلغات مختلفة هي ليست فكرة جديدة. ما هو جديد في كتاب اللغات الثلاث هو ان المؤلف يحاول تحديد ماهية هذه اللغات. المؤلف يفضل تسميتها بالخطوط او المحاور، مستلهما نظام ديكارت بنقاطه الثلاث X, Y, Z والتي جميعها تشير الى نفس الارقام لكنها لن تلتقي الاّ في نقطة الاصل. يحدد (كلنك) محاور لتفسير ثلاثة اطياف مهيمنة على الحياة السياسية في امريكا اليوم:

1- الليبراليون، يميلون للنظر الى الاشياء على طول محور المستبدين- المضطهدين مفضلين السياسات التي تقدم الدعم للمضطهدين ومعاقبة الفريق الاول . انه محور يهتم بتحديد هوية منْ يسيئون استخدام السلطة ومنْ يقعون ضحايا لها .

2- المحافظون يصطفون ضمن محور الحضارة - البربرية. هم يفضلون السياسات التي تحافظ وتعزز الاولى على حساب الاخيرة. هم يسعون لتحديد المدافعين عما بناه الآسلاف، واولئك المتمردين الذين يحاولون تحطيم ذلك البناء.

3- التحرريون، يقفون الى جانب الحرية ضد القمع. هم ينظرون الى الاسواق باعتبارها احسن طريقة لتحقيق الحرية وان الحكومة ليست الا كقوة للقمع . في اي سياسة معينة يمكن لفريق المحافظين او التقدميين او التحرريين ان يكونوا مع او ضد تلك السياسة . لكن مواقفهم تتأطر بلغات مختلفة كليا تعيق مقدرة اعضاء مختلف الاحزاب على فهم موقف كل منهم .

ان الليبراليين ربما يشعرون بكونهم "مضطهدين" بسبب الضرائب و الحاجة الى رعاية صحية عالمية، اما المحافظون قد يتجنبون استخدام كلمة "همجية". لكن المسألة الهامة بالنسبة للمؤلف هي حول القيم التي تكمن وراء كيفية اختيارنا لأحد الاحزاب بدلا من العبارات التي نستخدمها في وصف ذلك.

التأثيرات

اذا كنت ضمن واحدة من تلك الجماعات، حسبما يرى الكاتب، فانت تميل لتأطير القضايا طبقا للمحور المفضل لديك. مثلا، فيما يتعلق بتشريع قانون للمخدرات. يمكن هنا تصور الحوار التالي :

الليبراليون: يقولون ان حرب الحكومة على المخدرات دمرت الجماعات الفقيرة في اطراف المدن. هذه بوضوح قضية اضطهاد، واذا كنت لا توافق على هذا فانت يجب ان تكون مع الاضطهاد.

المحافظون: يقولون نحن لا نعرف الشيء الذي تتحدث عنه انت. هذه بوضوح قضية تتعلق بالحفاظ على النظام، واذا لا توافق فانت مع الفوضى.

التحرريون: يقولون انتما كلاكما مخطئان: هذه المسألة هي حول الدفاع عن حرية الفرد المقدسة وحقه في تدخين اي شيء طالما هو لا يؤذي اي شخص آخر. اذا انت لا توافق فانت تكره الحرية.

بالطبع، يصعب اعتبار هذا نوع من الحوار، التأطير المباشر للقضايا بعبارات مفضلة ستكون له تأثيرات سلبية على النقاش كما سنرى:

1- انه يحشرنا في معيار قيمي يمنعنا من رؤية الاشياء من وجهة نظر خصومنا، ويمنعهم ايضا من رؤية الاشياء وفقا لرؤيتنا.

2- هو يجعلنا نرى خصومنا في مناخ من العتمة، مع عدم وجود علاقة بالكيفية التي يرون بها حقا انفسهم.

3- كذلك، يجعلنا نشعر اننا ضحايا، لأن خصومنا يرفضون التحدث باللغة التي اخترنا استعمالها.

4- يجعلنا نشعر متفوقين اخلاقيا لأن لغتنا تفترض سلفا نظاما قيميا لا ينسبه خصومنا لأنفسهم.

الآن، يرى المؤلف هناك عدة اسباب وراء وقوعنا في هذه المصيدة:

اولا: المحور المفضل لدينا هو الموقف الذي نقع فيه عندما لا نمتلك الوقت او الطاقة الكافيين لنختبر تماما كل جوانب القضية. يستخدم المؤلف مفهوم في علم النفس يسمى الاستنتاج او closure، وهو النقطة التي يتوصل بها الذهن الى حكم حول القضية. يرى الكاتب ان محورنا الفاشل، هو عبارة عن طريق سريع للاستنتاج.

ثانيا: تمارس الجماعة السياسية ضغطا على طول محورها المفضل. اذا كنت تريد الانسجام مع جماعة سياسية متجانسة (سواء كانت حزب سياسي ام جماعة ضمن احتفال)، فان المسار الاقل مقاومة هو ان تؤطر الاشياء بعبارات مفضلة. وكما يشير الكاتب " في قبيلة معينة، تُستعمل اللغة السياسية لطمئنة الآخرين عن ولاء المرء للقبيلة، ولرفع مكانة المرء في قبيلته وإثارة العداء ضد القبائل الاخرى".

 انظر في ثلاثة اهداف لدى المسؤول السياسي. احد الاهداف هو فتح اذهان الناس في الجانب الاخر. الهدف الثاني هو فتح اذهان الناس الذين هم في جانبنا. اما الهدف الثالث هو غلق اذهان الناس الذين هم معنا . تقريبا جميع المحللين والمسؤولين السياسيين الذين يظهرون في الميديا اليوم يسعون فقط لتحقيق الهدف الثالث.

 استنتاجات الكاتب

1- ان نقاشاتنا السياسية محبطة وبلا نهاية لأن كل جماعة تعبر عن نفسها طبقا للمحور الذي تفضله. وبالتالي، نحن نتحدث عن موضوع مختلف بدلا من الاتصال فيما بيننا.

2- ان تعلّم لغة الآخرين يساعدنا في فهم الكيفية التي يفكر بها الآخرون حول القضايا السياسية بدون اللجوء الى نظريات قد تكون حمقاء او غير واقعية.هم قد تكون لديهم وجهة نظر متماسكة، وربما تكون بنفس قوة وجهة نظرنا.المشكلة هي انهم يطبقون وجهة نظرهم في ظروف انت متأكد انها ليست ملائمة.

3- اذا اردنا الانتقال من التفكير العاطفي الى التفكير البنّاء، علينا ان نقاوم الميول للتمحيص النقدي فقط للحقائق والتحليلات التي تهدد عقائدنا.

4- من غير المحتمل جدا ان اكون موضوعيا بينما اولئك الذين لا يتفقون معي هم غير عقلانيين. انه من الصعب جدا التوفيق بين المنطق والبداهة في هذا الشأن.

5- يعتقد المؤلف ان هدف المرء تجاه الآخرين يجب ان يكون امتلاكهم اذهانا مفتوحة. اذا كان هذا هدفي تجاه الآخرين، عندئذ ذلك يجب ان يكون ايضا الهدف الذي اضعه لنفسي.

 الحل

لذا كيف نستطيع تجاوز هذه المشكلة؟ الحل الذي يعرضه الكاتب هو بسيط فيه يجب ان نتخلى عن المحاججة ضمن المحور المفضل لدينا، ونتعلّم رؤية الاشياء على طول المحاور الاخرى.

ان تعلّم اللغات الاخرى يمكّننا من فهم الكيفية التي يفكر بها الآخرون حول القضايا السياسية دون الحاجة للّجوء الى نظرية غير ملائمة . ومهما يكن الثمن لا بد من رفض الرغبة في النظر الى الآخرين كاناس غير عقلانيين :

احدى وسائل التفكير البنّاء هو تجنّب الادّعاء الذاتي بالعقلانية واتهام الاخرين بعدم العقلانية . بدلا من ذلك، يقترح الكاتب القاعدة العملية التالية، وهي انك الشخص الوحيد الذي يمكنه قول اللامعقول .

 

حاتم حميد محسن

.........................

الهوامش

(1) كتاب (اللغات الثلاث للسياسيين) للاقتصادي ارنولد كلنك، صدر في شهر ابريل 2013 في 54 صفحة. 

 

1211 enayatأن يدخل جمل في سمّ الخياط أهون من أن يدخل غنيّ ملكوت الربّ

عقِب اعتلاء البابا المستقيل جوزيف راتسينغر كرسي البابوية سنة 2005، بدأ معه تحذير من مخاطر تحوّل الكنيسة إلى مؤسسة دنيوية ربحية، على غرار غيرها من المؤسسات اللاهثة وراء تحقيق النفع المادي. وقد لخّص هرم القيادة الكاثوليكية موقفَه حينها في كتاب حِواري بعنوان "نور العالم"، عدّ فيه ما يجري هو حصيلة مسار سقيم انساق للتأقلم مع الثقافة اللائكية والتصالح مع روح العصر دون مراعاة خصوصية الكنيسة. فقد حالت صلابة راتسينغر الدغمائية دون أن يلوذ الرجل بالصمت، تقديرا منه أن ليس بوسع المرء أن يخدم الله والمال تبعا لما يرد في الإنجيل (متّى6: 24).

في الأثناء توالت الأصوات المحذّرة من الخط الدنيوي الذي بات متسرّبا داخل الكنيسة. وجاء ذلك من المقرَّبين من دوائر القرار في حاضرة الفاتيكان على غرار جان فرانكو سفيدركوسكي النائب الأسبق لرئيس تحرير صحيفة "أوسرتفاتوري رومانو" اللسان الرسمي للفاتيكان، وهو ما ورد بليغا وموجزا في كتابه "عودة رجالات الكنيسة" الصادر قبيل استقالة راتسينغر، والذي عدّد فيه المسائل العاجلة؛ وبالمثل من المتابعين العلمانيين للشأن الفاتيكاني على غرار فرانشيسكو بيلوزو مؤلف كتاب "مصرف البابا" الصادر أواخر العام الفائت، والذي يعيد فيه تفكيك سلطان المال داخل حاضرة الفاتيكان مبرزا خطورة ما يواجه البابا الحالي فرانسيس برغوليو من تحديات على غرار سلفه المستقيل.

في كتاب فرانشيسكو بيلوزو الذي نتولى عرضه يتمحور أساسا حول علاقة الكنيسة بالمال. والمؤلف هو خبير بالشأن الفاتيكاني من جماعة الكتّاب المعروفين في إيطاليا بالفاتيكانيسْتا، يتعاون مع العديد من المجلات والصحف المرموقة، ومن منشوراته "الربّ وحده" (لنداو 2007). حيث يحاول الكاتب تشخيص أعراض تلك الأزمة من خلال التطرق إلى أهم مفاصل النشاط المالي واختلالاته. يرصد في المحور الأول المعنون بـ"بندكتوس السادس عشر: الفاتيكان تحت الحصار" الدوافع التي حملت البابا الأسبق على الاستقالة، بوصف تلك المخاطر لا زالت تتربص بالبابا الجديد، مبرزا أن جوهر المسألة يتلخص في نفوذ بعض الأطراف المالية التي غالبا ما يعجز رأس الكنيسة عن إدخال أي تحوير على أنشطتها. وصحيح أن أزمة الكنيسة في العقود الأخيرة باتت مركبة، ولكن يبقى الجانب المتعلق بالمال أبرزها، فما انفكت قضايا الفساد المالي داخل حاضرة الفاتيكان تلقي بظلالها بوصفها إحدى المسببات للتوتر. ومن هذا الباب جاء اختيار فرانسيس برغوليو من قِبل "الكونكلاف" -مجلس الكرادلة المكلف بتعيين البابا- رغبة في إدخال تحوير على مراكز النفوذ داخل حاضرة الفاتيكان وتقليص الطابع الدنيوي الذي بات طاغيا. جاء البابا الجديد، أو جيء به، على أمل خوض إصلاحات داخل الكنيسة، وانهمكت آلة الدعاية حينها في تصوير برغوليو قدّيسا قادما من أقاصي المعمورة، أذكاها الرجل من جانبه بمظاهر تقشف لافتة، بدت في اختيار محل سكناه في دير القديسة مارتا المتواضع بدل القصر الرسولي الفخم، وما تبعه من انتقاء مظهر بسيط رفض فيه تقلّد الصليب الذهبي وحمل صليبا من حديد.

من أين تبدأ الإصلاحات داخل حاضرة الفاتيكان؟ يتساءل بيلوزو. موضحا أن خوض غمار ذلك، كما يقدّر البابا فرانسيس، يرتبط أشدّ الارتباط بتخفيف القبضة الإيطالية على كنيسة روما، في مسعى لتفكيك البيروقراطية المتجذرة والاستعاضة عنها بكفاءات من خارج. مبرزا الكاتب أن تلك المبادرات تجد دعما من جناح داخل الكنيسة يتطلّع إلى إصلاحات جذرية، مثل جواشيم مايسنر رئيس أساقفة كولونيا الأسبق، وروجيه ماهوناي رئيس أساقفة لوس أنجلس، وفرانسيس جورج رئيس أساقفة شيكاغو، وأنطونيو ماريا روكو فاريلا رئيس أساقفة مدريد. ففي تشخيص أعراض الأزمة التي تعرفها الكنيسة، ثمة رأي شائع يرتئي أن كوكبة رجال الدين الإيطاليين ولا سيما أعضاء "المؤتمر الأسقفي" يتحمّلون الوزر الأكبر في ما آلت إليه الأمور، جراء المحسوبية والمحاباة واستشراء البيروقراطية، وأن أي تحوير فعلي سوف ينعكس على "الكوريا رومانا"، عصب السلطة في حاضرة الفاتيكان الخاضع للهيمنة الإيطالية. وبالفعل مع البابا الحالي تم الشروع في ذلك التمشي بإبعاد عدد من الخبراء والمستشارين الماليين الإيطاليين وتعويضهم بآخرين من خارج إيطاليا، ينتمون إلى دائرة العلمانيين من الأوروبيين والأمريكان تعضدهم مؤسسات استشارية دولية. هذا التحوير الجريء يعوّل فيه البابا فرانسيس على "مجلس الحكماء" حديث الإنشاء، والمتكون من ثمانية كرادلة يتولون تشخيص الأدواء التي ترهق الكنيسة.

في المحور الثاني من الكتاب والمعنون بـ"المالية والكرسي الرسولي في زمن العولمة" يتطرّق الكاتب إلى تأخر اندماج حاضرة الفاتيكان في سياق التحديث المالي بفعل الطابع المتحفظ والسري الذي يميز معاملاته. ولكن أمام مخاطر العزلة اقتضت الأوضاع التلاؤم مع ضوابط المالية العالمية الهادفة إلى مقاومة غسل الأموال والتصدي للإرهاب. وجرى فتح جملة من الملفات التي تربط الفاتيكان ببعض الدول والبنوك في مختلف أنحاء العالم بقصد وضع حدّ للمعاملات القذرة، لا سيما وأن الفاتيكان أوشك أن يقع رهن عزلة مالية سنة 2012. لكن يبقى إصلاح "الإيور" المعروف في إيطاليا ببنك الفاتيكان، وهو الجهاز الاقتصادي الناشئ سنة 1942 بقصد إيجاد سند لدولة الفاتيكان الفتية، والعنصر الجوهري في إعادة الهيكلة المالية.

إذ لم يحل حولٌ على اعتلاء برغوليو كرسي البابوية حتى سارع بإنشاء سكرتارية للشؤون الاقتصادية، تتولى مراقبة ميزانية كافة القطاعات الإنتاجية التابعة للكنيسة سميت بـ"هيأة الاستعلامات المالية" (Aif). وهي عبارة عن جهاز رقابي مالي يعمل على شاكلة البنوك المركزية للحيلولة دون غسيل الأموال ولدرء الحصار المالي الذي يتهدد حاضرة الفاتيكان، لا سيما وأن هناك تهما بتواجد معاملات مشبوهة وأن الفاتيكان بات ملاذا لتدوير أموال متأتية بطرق غير شرعية. وقد أنشئت تلك الهيأة (Aif) في أعقاب سحب البنك المركزي الإيطالي ثقته من الكرسي الرسولي وما خلّفه ذلك من تتبعات متعلقة بالسيولة، ولذلك يذهب الكاتب في تفسير استقالة راتسينغر المفاجئة في 11 فبراير 2013 لارتباطها الوثيق بتداعيات أزمة الثقة.

كان توتر علاقة البنك المركزي الإيطالي بمؤسسة "الإيور" الراعية للأنشطة الاقتصادية حادثا جراء تدني شفافية المعاملات المالية، الأمر الذي دفع إلى تعطيل بطاقات الائتمان داخل دويلة الفاتيكان كإنذار أوّلي. وهو ما ترتّبت عنه حالة من الاختناق الاقتصادي، إذ يكفي أن نتصوّر طوابير زوار متاحف الفاتيكان، التي تُقدّر سنويا بخمسة ملايين زائر، والملزمة بالدفع نقدا؛ فضلا عن تعطل الخدمات المالية في كافة المؤسسات الأخرى مثل البريد والصيدليات ومحطات البنزين والمغازات. وهو ما استجابت له مؤسسات الإقراض الإيطالية بإيحاء من البنك المركزي، للتعامل مع مؤسسة الإيور كمصرف أجنبي. والجلي أن تراجع الثقة المالية في الكنيسة قد بدأ منذ مارس 2012 حين أدرج مكتب الدولة الأمريكي الفاتيكان ضمن قائمة الدول التي تشهد عمليات تبييض أموال.

في محور مكثف بعنوان "تعداد أموال الفاتيكان مهمّة مستحيلة" يتساءل فرانشيسكو بيلوزو عن موارد ثروة الفاتيكان، ويعود بالأمر إلى فترة توحيد إيطاليا (1871). حيث لم تجد الحكومة الإيطالية سبيلا لتطبيع علاقتها مع الكنيسة سوى بإبرام معاهدة لاتيران سنة 1929 التي وقعها من الجانب الإيطالي موسوليني "رجل العناية الإلهية" كما أسماه البابا، وهو ما حاز بموجبه الفاتيكان جملة من القصور التاريخية المتناثرة في روما وأحوازها، إضافة إلى هِبة مقدارها 1750 مليون ليرة ناهيك عن عائدات ضريبية تُخصم مباشرة من الدخل الفردي لعموم الإيطاليين، لا تزال سارية إلى اليوم تُعرف بـضريبة "ثمانية بالألف"، وهي الضريبة نفسها التي أُقرّت في ألمانيا، والمسماة بالـ"كيرشينستاور" والعائدة إلى اتفاق مبرم بين هتلر والفاتيكان سنة 1933، جرت دسترتها لاحقا في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

انتهى قسط من تلك الثروة التي حصل عليها الفاتيكان في مؤسسة "بروفيما" المالية السويسرية واستُثمر القسط الآخر في الصناعة الحربية الأمريكية بغرض مجابهة هتلر. ومنذ تلك اللحظة شرع الفاتيكان في دمج ثروته في الاستثمار الدولي عبر المشاركة بالأسهم والمضاربة. جعلت تلك الثروة الطائلة من الكنيسة صاحبة أكبر ملكية عقارية، ففي روما وأحوازها يبقى خُمس المحلات ملكا لمؤسسات دينية، حيث نجد 23 ألف عقار ومساحة ترابية تابعة لها. وقد بات في الراهن من الصعب ضبط عدد الأملاك بشكل حصري. ففي إيطاليا وحدها بلغت العقارات المملوكة للكنيسة، خلال العام 2003، 115 ألف عقار. ويحصي بيلوزو في القطاع التعليمي 8.784 مدرسة، منها 6.228 مدرسة أمومة، و 1.280 ابتدائية، و 1.136 ثانوية، و 135 مؤسسة جامعية وشبه جامعية، وخمس جامعات كبرى، وأكثر من 2.300 متحف ومكتبة. إضافة إلى 4.712 مركز رعاية طبية، تنقسم إلى 1.853 مشفى وبيت للرعاية الصحية، وعشرة مستشفيات كبرى، و111 من المشافي المتوسطة الحجم، و1.669 مركزا للرعاية الأسرية، و 534 مشفى عائليا، و 399 روضة أطفال، و136 نقطة مراقبة صحية و 111 مستشفى متوسط الحجم، و674 من الأصناف الأخرى. ومن جانب آخر تملك كنيسة روما 118 مقرا أسقفيا، و 12.314 أبرشية، و360 بيتا مخصصا للجماعات الدينية وألف دير، و504 من المبيتات يأوي إليها طلاب الدراسات اللاهوتية. وامتدت العقارات التابعة للكنيسة إلى عدة أنحاء في العالم فعلى سبيل المثال محلات "بولغاري" ومحلات المصوغ في "نيوبوند ستريت" في لندن موصولة بأملاك البابا، وكذلك المقر المحاذي لبنك "ألتيوم كابيتال" الواقع عند منعطف شارع "جايمس سكواير" و"بال مال". ففي هذا الحي الراقي في عاصمة الضباب تتركز سلسلة من العقارات التجارية تشرف عليها مؤسسة "بريتش غرولوكس" العالمية لفائدة الفاتيكان.

أهّلت تلك الثروةُ الكنيسةَ، وهو ما يورد فرانشيسكو بيلوزو نماذج منه، لتكون رائدة في مجال الاستثمار السياحي والعقاري والصحي والتعليمي، حتى أن "الإيكونوميست" البريطانية قدّرت أن كنيسة روما بوسعها زعزعة الاقتصاد الإيطالي في حال انسحابها من السوق المالية. إذ تحقق السياحة الدينية وحدها مداخيل قدرها خمسة مليارات يورو سنويا، بعدد نزلاء يبلغ أربعين مليونا. وفي كافة أرجاء التراب الإيطالي يسهر رهبان وراهبات على تسيير 250 ألف سرير لا تغطي الطلبات المتزايدة، ما دفع إلى تحويل العديد من الأديرة إلى فنادق وشقق للكراء.

في المحور الأخير المعنون بــ"مقاومة غسل الأموال والمال القذر" يستعرض المؤلف لحظات قلقة من تاريخ حاضرة الفاتيكان والمال، حيث يعيد تقليب صفحات التاريخ فيعود بنا إلى سنوات إفلاس بنك أمبروزيانو الكاثوليكي (1982) المورط في العديد من المعاملات المالية غير القانونية، وهو بنك خاص شديد الارتباط بالفاتيكان ومرتهن إلى مؤسسة "الإيور"، عُثر على مديره روبارتو كالفي مشنوقا في لندن، باتت تلك الأحداث تشكل جانبا من التاريخ المالي القذر للفاتيكان. حيث لعبت معاملات البنك المالية دورا بارزا في مساندة حركة سوليدارنوسك البولونية وعموم المنظمات التي تقف في وجه الشيوعية، فضلا عن دعمه المالي في أمريكا اللاتينية سواء للأنظمة السلطوية التي وقفت في وجه المعارضة اليسارية أو لمقاومة التنظيمات الثورية. في الأثناء يتساءل فرانشيسكو بيلوزو عن العلاقة الرابطة بين رسالة المسيح ومؤسسة مالية على غرار "الإيور" قادرة على المناورة في الأسواق العالمية وعلى التأثير على الخيارات السياسية للدول.

من جانب آخر يستعرض المؤلف ما تتعرض له الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة من نزيف اقتصادي منذ تفجر فضائح الاعتداءات الجنسية على القاصرين من قبل رجال الدين، الأمر الذي أجبر عددا من الأبرشيات على إعلان إفلاسها لتفادي تسليط غرامات مالية. وبحسب ما يورد بيلوزو نقلا عن تقرير "ميثاق حماية الطفولة والناشئة" الصادر عن المؤتمر الأسقفي الأمريكي في أبريل 2014، فقد دفعت الكنيسة أكثر من مليارين وسبعمائة مليون دولار من العام 2004 إلى العام 2013 تعويضات للمتضررين. وبلغت تفاعلات الاعتداءات على القاصرين حد قطع الحكومة الإيرلندية علاقاتها الدبلوماسية مع حاضرة الفاتيكان.

يتساءل المؤلف في آخر كتابه قائلا إن البابا الحالي الآتي من جنوب العالم يبدو حريصا على إيلاء المسائل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية اهتماما في رسائله البابوية وفي عظاته، فضلا عن انتقاداته المبطنة والعلنية للنظام العالمي عبر ما سماه "عولمة اللامبالاة"، فهل هي صحوة الكنيسة واحتواء لذلك الشعار الذي طالما رفعه لاهوت التحرر في أمريكا اللاتينية "أولوية خيار موالاة الفقراء" وإعلان عن انتهاء التحالف بين الكنيسة والرأسمالية؟

تبقى الميزة الهامة لكتاب "مصرف البابا" في توخي مؤلفه الأسلوب التوثيقي عند التطرق إلى المسائل المالية في حاضرة الفاتيكان بعيدا عن أي اتهام أو تهويل. لكن رغم أهمية مضمون الكتاب فإن الطابع الصحفي الذي توخاه المؤلف، حال دون إثقال الكتاب بالهوامش والإحالات، وهو أمر ضروري في بعض الأحيان، ولعل ذلك بهدف جعل الكتاب يسير القراءة على المختص وغير المختص.

 

الكتاب: مصرف البابا.. مالية حاضرة الفاتيكان بين الفساد والإصلاحات.

المؤلف: فرانشيسكو بيلوزو.

الناشر: مارسيليو نودي (مدينة البندقية) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2017.

عدد الصفحات: 220ص.

 

عزالدين عناية - أكاديمي تونسي مقيم في روما

 

 

sabah shakiraleghamاحتلت ما يسمى دولة العراق والشام الاسلامية (داعش) في عام 2014م محافظة نينوى بأكملها ومساحات شاسعة من محافظات صلاح الدين والانبار وديالى وكركوك، وكانت على وشك دخول بغداد،  فقامت القوات المسلحة العراقية بكل صنوفها والحشد الشعبي الذي تشكل على اثر فتوى الامام السيستاني بتحرير المناطق التي احتلتها داعش والذي استغرق اكثر من ثلاث سنوات، وكان من بينها مدينة الموصل التابعة لمحافظة نينوى .

 عن دار الفرات في الحلة صدر الكتاب الموسوم (العراق بعد تحرير الموصل ) للباحث اللواء الركن الطيار المتقاعد رياض البياتي والذي يحتوي على 119 صفحة من الحجم المتوسط، طباعة الكتاب غير جيدة لعدم وجود فواصل بين الكلمات وتقطيع بعض الكلمات الى مقاطع. الآراء التي وردت في الكتاب تمثل رأي شخصي وتحليل للأحداث التي وقعت والتي ستقع بعد تحرير الموصل  من وجهة النظر الشخصية  للمؤلف ومن خلال خبرته العسكرية وبتحليل استراتيجي دقيق، كما تضمن الكتاب استعراض تاريخي لبعض الحوادث التي حدثت في العراق وفي دول الجوار.

 الكتاب يحوي مقدمة وخمسة فصول وخاتمة، وقد ورد في المقدمة الاحتمالات المتوقعة بعد استعادة الموصل  منها ان داعش سوف يتحول الى حرب العصابات، وأن القوى السياسية الشيعية والسنية والكردية سوف تتصارع للحصول على المكاسب والامتيازات، كما ان وصول الرئيس الامريكي ترامب الى السلطة والذي اكد بانه ماضي قدماً لاستعادة دور الولايات المتحدة الامريكية في العالم والذي انحسر لصالح روسيا الاتحادية، فذكر المؤلف في ص7 : (كل هذه العوامل يجب أن لا تغيب عن تحديد شكل العراق بعد معركة الموصل، لأنها سوف تكون مؤثرة في شكل العراق القادم ومستقبله السياسي، ويتعذر الحصول على صورة واضحة للموقف دون التعرف على هذه العوامل، ودراسة تأثيرها على المكونات العراقية).

 في الفصل الاول (الربيع العربي) فقد أستعرض المؤلف الكيانات السياسية التي تكونت بعد معاهدة " سايكس بيكو" التي ابرمت في العام 1917م بين بريطانيا وفرنسا وروسيا والتي تخلت عنها بعد ذلك، والتي شكلت بموجبها دول منطقة الشرق الاوسط ومنها العراق الذي وقع تحت الانتداب البريطاني، ثم تحول الى مملكة نصب عليها فيصل بن الحسين ملكاً، شهدت المنطقة سلسلة من الانقلابات العسكرية وخاصة العراق وسوريا ومصر، تحول العراق ومصر على اثرها من الملكية الى الجمهورية، التي عانت من التصدع الداخلي بعد هزيمة حزيران 1967م، الجيوش العربية نفذت سلسلة من الانقلابات العسكرية وكانت تنادي بالوحدة العربية وتحرير فلسطين، وكانت جميعها انظمة شمولية ديكتاتورية .

1210 iraq في أول ظهور للإسلام السياسي كان للإخوان المسلمين في مصر عام 1928م على يد حسن البنا، فلاقى مقاومة عنيفة لطغيان الفكر اليساري والاصطدام المبكر مع ثورة 23 يوليو في مصر، مما ادى الى مغادرة كوادره الى السعودية وقطر، التي كانت تدين بالفكر السلفي الوهابي .

أن احتلال العراق من قبل الامريكان في العام 2003م يصفه البعض بداية (الربيع العربي)، اعقبه في العام 2009م عندما ادت المظاهرات في تونس اسقاط نظام زين العابدين بن علي، ثم اعقبها الثورة الجماهيرية في مصر التي اسقطت نظام حسني مبارك، ثم اعقبها الثورة الدامية في ليبيا وبمساعدة فرنسا التي اطاحت بنظام معمر القذافي .

بعد سقوط نظام البعث في العراق من قبل الامريكان أوضح المؤلف في ص14 " عندها تمكنت الأحزاب الدينية بفضل نظام انتخابي تحول الى قانون من الحصول على أغلبية برلمانية، حيث تمكنت القوى الدينية من اقصاء كل القوى اليسارية والقومية والوطنية لتنفرد بالحكم ".

اما في مصر وتونس استطاع الاسلام السياسي من الوصول الى الحكم عن طريق الانتخابات وتمكن من اقصاء كل القوى اليسارية والقومية، ولكن الشعب في البلدين استطاع  وبمظاهرات عارمة من اسقاط نظام الاسلام السياسي في البلدين .

اما اسرائيل فقد توترت العلاقات مع تركيا بسبب حادثة السفينة التركية، برغم اعتذار اسرائيل، حاولت اسرائيل اعادة العلاقات الى شكلها الطبيعي مع تركيا، بسبب الفوبيا التي تنتشر في إسرائيل من خطر التهديد النووي الإيراني، بعد الاتفاقية النووية المعقودة بين ايران والولايات المتحدة الامريكية في عهد الرئيس اوباما، اضافة الى حجم النفوذ الايراني في العراق، وتسليح حزب الله في لبنان .

أما في الفصل الثاني (صراع القوى الكبرى) فقد استعرض المؤلف كيفية اعتناق ايران المذهب الشيعي على يد الصفويين، والعداء بينهم وبين العثمانيون السنة والذي دار معظمه في العراق فسبب دماراً وخراباً فيه، وقد استمر هذا العداء حتى بعد تشكيل الحكومة العراقية في العام 1921م، ولم تعترف ايران بالعراق كدولة الا بعد اسقاط الشاه للدولة القاجارية عام 1929م، استمر توتر العلاقات بين الدولتين العراقية والايرانية حتى عامة 1975م حينما تنازل فيها العراق عن حقه في السيادة على كامل شط العرب، وبعد الثورة الايرانية التي اطاحت بالشاه نشبت الحرب العراقية الايرانية والتي استمرت ثمان سنوات وقد ذكر المؤلف في ص30 (تمكن العراق الذي ساندته كل الدول العربية من تحجيم دور ايران في مشروعها لنشر الثورة الاسلامية) وهذا رأي شخصي للمؤلف. 

في هذا الفصل بين المؤلف تأثير ايران على بعض الاحزاب العراقية كالمجلس الاعلى الاسلامي، وتدخلها بالشأن العراقي بعد سقوط نظام البعث عام 2003م خدمتاً لمصالحها، وقد ذكر المؤلف في ص32: "إصرار ايران على اصدار قانون يحظر حزب البعث في العراق كان من اولويات ايران في العراق، حيث كان الايرانيون يعتقدون أن حزب البعث هو الخطر الاكبر على ايران"، وهو رأي شخصي للمؤلف لا يستند الى مصدر).)

لقد بين المؤلف العداء بين ايران والولايات المتحدة الامريكية وتأثيره على العراق عندما قامت ايران بتدريب عدة فصائل مسلحة وتجهيزها بالسلاح لمقاتلة الامريكان وكما ورد في ص35 " لم تكتفي إيران بهذه القوى فقد توسع نفوذها وشمل فصائل اخرى مسلحة دفعتها لقتال الامريكان في العراق، حيث انتهجت سياسات مركبة، حيث تتواجد في العملية السياسية من خلال اصدقائها في الحكومة، وفي الوقت نفسه قدمت الدعم التدريبي والتسليحي لجيش المهدي التابع للتيار الصدري في قتال الامريكان".

ذكر المؤلف ان حجم التبادل التجاري بين العراق وايران وصل ارقاماً كبيرة كما ورد في ص44 "كان العراق يستورد الكهرباء والمشتقات النفطية، ولم يتخذ أي اجراءات فعلية لبناء مصافي للنفط، كما ان التعثر في اصلاح قطاع الكهرباء كانت ايران المستفيد الاول منه، وتوقفت المعامل العراقية بسبب عدم توفر الطاقة الكهربائية والى التكلفة العالية للإنتاج، مما فسح المجال لدخول البضائع الايرانية التي غزت الاسواق العراقية ".

في الفصل الثالث (دولة كردستان) اوضح المؤلف بعد تحرير العراق من داعش فان الخطر الاكبر الذي ستواجه الحكومة العراقية هم الكرد بسعيهم الى الانفصال، وتكوين دولتهم المستقلة والذي كان مطروحاً ضمن معاهدة (سيفر) التي عقدت في 10 ايلول عام 1920م، وهذا يعني تفتيت الدولة العراقية، وقد أوضح المؤلف في ص57 " حيث لم يشهد التاريخ دولة كردية في أي مكان".

استعرض المؤلف علاقة الكرد مع الحكومات المتعاقبة بعد قيام الجمهورية، فذكر التمرد الذي حصل عام 1960م بعد عودة مصطفى البارزاني من منفاه في الاتحاد السوفيتي بعد فشل دولة مهاباد، والذي استمر الى اتفاقية آذار عام 1970م والذي بموجبها منح الكرد الحكم الذاتي، ولم يوافق الكرد على ذلك لعدم ضم كركوك الغنية بالنفط، فنشب قتال عام 1974م والذي انتهى بعد الاتفاقية التي عقدها العراق مع ايران والتي قبل فيها العراق بمشاركة ايران السيادة في شط العرب.

بعد اخراج العراق من الكويت عام 1991م من قبل التحالف الدولي استغل الكرد الفرصة وبمساندة القوات الامريكية شكلوا ادارة محلية مستقلة عن الحكومة العراقية، والتي استمرت الى عام 2003م بعد احتلال القوات الامريكية للعراق.

وبعد احتلال العراق من قبل القوات الامريكية كان للكرد دور باحتلال الموصل وتسليمها الى القوات الامريكية، كما تم الاستيلاء على اسلحة الجيش العراقي السابق وتسليح البيشمركة التابعة لهم، وقد اصرت على حل الجيش العراقي بمساندة الساسة الشيعة، كما تمكنوا من ادراج نص في قانون ادارة الدولة والدستور العراقي الذي اقر عام 2005م، (أن العراق عضو في الجامعة العربية متجاهلين حقيقة ان العراق بلد عربي عريق)، وكان الكرد ومنذ اليوم الاول للاحتلال كانوا يخططون للاستقلال عن العراق، كما وضع في الدستور مواد تعطي الحق للكرد باستخراج وتصدير النفط دون الرجوع الى الحكومة المركزية  في المادة 112، وفي المادة 114 سمحت للإقليم بمشاركة الحكومة المركزية بإدارة المنافذ الحدودية،  كذلك تم وضع المادة 140 التي تعطي الكرد حق ضم مناطق متنازع عليها وخاصة مدن كركوك وسنجار وخانقين ومناطق واسعة من سهل نينوى، وغيرها من المواد .

وبعد احتلال الموصل من قبل داعش في 10 حزيران عام 2010م قامت البيشمركة باحتلال كركوك وسنجار وربيعة وعدة وحدات ادارية من سهل نينوى  ووحدات ادارية من محافظتي صلاح الدين وديالى وضمها الى الإقليم .

أما في الفصل الرابع(المشروع العربي للعراق) فقد اوضح المؤلف أن أغلب العرب السنة  كانوا منخرطين في المشروع القومي العربي، والقسم الآخر منخرط  في مشروع الاخوان المسلمين، وبسبب الفشل الذي اصاب المشروع القومي العربي اتجه العرب الى المشروع الاسلامي وكما ذكر المؤلف في ص81 "من المنطقي أن الفرد العربي المسلم في احباطه من المشروع القومي أن يتجه الى المشروع الديني"، من الاحزاب القومية التي حكمة العراق حزب البعث، الذي ذكر المؤلف في ص81 "تحول منذ الثمانيات الى مؤسسة عسكرية إقطاعية بدلاً أن يكون حزب سياسي "، وبعد اخراج الجيش العراقي من الكويت في العام 1991م وقيام الانتفاضة الشعبية في وسط وجنوب العراق، استخدم النظام العنف والقسوة في قمعها للتغطية على فشله في الحرب مع التحالف الدولي، وبدلاً من معالجة الاوضاع استمر بمنهجه الطائفي متبنياً سنة العراق، الذين شغلوا ومنذ تشكيل الدولة العراقية المناصب العليا في الجيش والشرطة، فتم بعد الاحتلال الأمريكي حل الجيش وكل الاجهزة الامنية بقرار من بريمر الحاكم المدني للعراق، وهذا ادى الى انخراط اعداد كبيرة من العسكريين في التنظيمات الارهابية التي ظهرت بعد الاحتلال الامريكي للعراق، وكان اول هذه الفصائل هو تنظيم القاعدة الذي تشكل في المناطق السنية، وللتصدي لهذا التنظيم شكل الامريكان قوات الصحوات والتي استطاعت القضاء على تنظيم القاعدة، ثم ظهرت بعد ذلك ما يسمى دولة العراق والشام الاسلامية(داعش)،والتي استطاعت احتلال ثلث مساحة العراق متمثلة بمحافظة نينوى بأكملها ومساحات شاسعة من محافظات الانبار وصلاح الدين وديالى وكركوك وبابل .

بعد احتلال داعش للموصل قام الاهالي بتهجير المسيحيون وسلب بيوتهم، كما تعرض الايزيديون الى تهجير واسترقاق نسائهم وبيعهن في اسواق النخاسة، كذلك تعرض الشبك والشيعة الى ابادة جماعية، كذلك تعرض تركمان تلعفر من الشيعة الى تهجير الى محافظات الوسط والجنوب ومصادرة بيوتهم واملاكهم، والتي لا يرغب اغلبهم بالعودة الى تلعفر بعد تحريرها.

أما في الفصل الخامس (إدارة الرئيس ترامب) فقد اوضح المؤلف حال استلام ترامب قيادة الولايات المتحدة الامريكية، كانت سياسته مختلفة كلياً عن من سبقوه، وكان لا يخفي انه ضد سياسات الرئيس السابق (اوباما) وقد انتقده علناً في كثير من المناسبات، وكان مراراً يعلن معارضته لحرب العراق، وانه مع زيادة الدعم للعراق في حربه على داعش، وكان موقفه متشدداً مع ايران عندما قال في اجتماعه مع رئيس وزراء العراق (أنا لا افهم لماذا عقدنا اتفاقاً نووياً مع ايران، وربما نفهم ذلك في المستقبل)، كما انتقد سياسة بوش في العراق عندما قال (ما كان لنا أن نذهب الى العراق، وما كان لنا أن ننسب منه بعد ذلك، وانسحابنا خلف فراغاً كبيراً).

وفي الخاتمة أوضح المؤلف الاحتمالات المتوقعة بعد تحرير الموصل والقضاء على داعش في العراق في ص114 "الكرد استعجلوا عندما صوت مجلس محافظة كركوك على رفع علم كردستان على مباني المحافظة، ثم صوت على إجراء استفتاء لضم كركوك الى اقليم كردستان"، ثم اعقب ذلك قرار الحكومة الكردية اجراء استفتاء على استقلال كردستان، والذي رفض من قبل الحكومة المركزية ودول العالم والامم المتحدة، والذي سوف يؤدي الى دولة كونفدرالية كمرحلة اولى يتبعها استقلال كامل حال توفر الظرف . وبسبب وجود اقليات في محافظة نينوى فإنها قد تمضي الى تشكيل اقليم يضم مدينة الموصل وسهل نينوى ذو الغالبية المسيحية وقضاء تلعفر التركماني بسنته وشيعته . كما قد يؤدي الى تشظي السنة الى ثلاثة اقاليم، او تشكيل اقليم واحد، او الانضمام الى اقليم عربي كبير مع عرب الجنوب (الشيعة)، ولكون مناطق السنة قد دمر بناها التحتية، ومواردها الاقتصادية محدودة جداً، فهي غير قادرة على تلبية متطلبات سكانها. أما العرب الشيعة  فقد اوضح المؤلف في ص 116 "فهم يملكون كل المقدرات الاقتصادية، ولكنهم لا يمتلكون بنى سياسية ناضجة، مناطقهم تعمها فوضى الاسلحة، والولاء لدول الجوار" .

حذر المؤلف العراقيين في ص117 "الموقف معقد ولكنه متروك الى سكان العراق، إما أن يقرروا أن يصبحوا شعب تؤطره أهداف وطنية أو يستمروا مكونات سكانية لها هوياتها الفرعية دون هوية وطنية، وهو خطر كبير عليهم، يشجع دول الجوار أن تطمع بهم، وهو الخطر الأكبر على العرب شيعة وسنة " .     

 

  صباح شاكر العكام

 

 

1207 enayatأعادت الأوضاع المتوترة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لا سيما في العراق وسوريا، تحريك مسألة الأقليات والطوائف في الأوساط الدينية والسياسية الغربية. وتم التعاطي مع المسألة بشكل غلب عليه طابع الإثارة وافتقر إلى الروية. جرى في غالب الأحيان تصوير العالم العربي بمثابة فضاء طارد ومعاد لمكوناته الدينية غير العربية وغير المسلمة إمعانا في تجريده من رصيده الخلقي. والصورة فيها تلاعب فجّ لا تنصف المتضررين، مع حصول انتهاكات فظيعة بشأنهم في الفترة الأخيرة، ولا تردع الظالمين، بل تسيء إلى العرب أيما إساءة. هذا الكتاب الذي نتناوله بالعرض يأتي ضمن موجة الانشغال بأقليات البلاد العربية لاسيما منها المسيحية. وقد آثرنا عرضه نظرا لخطورة مضامينه، ولما يُعبّر عنه من مواقف تجاه التاريخ المشرقي عامة والواقع السياسي العربي راهنا، ولما يحوزه مؤلفه من موقع داخل حاضرة الفاتيكان. فهو من تأليف الكردينال فرناندو فيلوني، من مواليد 1946 بمندوريا الواقعة جنوب إيطاليا. الرجل يُعتبر من الوجوه البارزة لدبلوماسية حاضرة الفاتيكان، حيث شغل منصب القاصد الرسولي في العديد من المناطق خارج أوروبا، في إيران وهونج كونج والصين والفلبين والبرازيل، فضلا عن تقلّده مهام دبلوماسية في الأردن والعراق. بالإضافة إلى تولّيه مناصب حساسة في حاضرة الفاتيكان، حيث يشغل، منذ العام 2011، منصب مفتش أنجلة الشعوب، وهي أعلى الهيئات المعنية بالتبشير على نطاق عالمي.

يتساءل فرناندو فيلوني في مستهل كتابه عن مدى قدرة الوجود المسيحي في العراق على الثبات مستقبلا أم سيكون مصيره الاندثار على غرار الأقلية اليهودية؟ محاولا الإجابة عن ذلك السؤال من خلال إعطاء قراءة ذات طابع سياسي لما أحاط بالعراق خلال الحقبة الحديثة، وتأثير تلك الأوضاع على مسيحيي البلد. والكتاب يهدف بالأساس إلى بناء أواصر صلة بين الكنيسة العراقية والكنيسة الكاثوليكية، أكان ذلك في التاريخ القديم أم في التاريخ الحديث، ليخلص من خلالها إلى صياغة تاريخ للكاثوليكية في العراق. إذ لا يأتي الكتاب متابعة لتاريخ المسيحية في العراق بشكل عام، حتى وإن عاد المؤلف بذلك إلى رجالات التبشير الأوائل مع القديس توما والتلميذين عدي وماري.

يتناول الكردينال فيلوني في الفصل الأول من الكتاب تاريخ الجماعات المسيحية الأولى في العراق، مفسرا دواعي انعزال الكنيسة العراقية -على حد زعمه- التي تشكل مكونا هاما من مكونات المسيحية المبكرة الوارد ذكرها في (سفر أعمال الرسل2: 9). حيث يذهب إلى أن مسيحية القرون الأولى في العراق كانت خارج نطاق سيطرة روما والقسطنطينية، وقد كانت تلك الاستقلالية اللاهوتية ناتجة في البدء عن نهْل مباشر من الأصول المسيحية، وليس لأسباب سياسية وجغرافية، كون العراق في منأى عن الصراعات الجارية على ضفاف المتوسط. ليتابع المؤلِّف في الفصل الثاني الحديث عن تاريخ الكنيسة في العراق إلى حدود القرن السادس عشر، ويتخلل ذلك تناول الحضور العربي والمغولي والعثماني وذلك بدءا من منتصف القرن السابع الميلادي مبرزا مدى تأثير كل حقبة على الوجود المسيحي. ثم يركّز فيلوني في الفصل الثالث على حضور الكنيسة اللاتينية في أرض الرافدين، حيث يتناول مختلف أنواع التواصل طيلة الفترة المتراوحة بين القرن الخامس عشر والقرن التاسع عشر. ثم يخصص الفصل ما قبل الأخير إلى أحداث القرن العشرين، متناولا تاريخ العراق الراهن وما تخللته من اضطرابات سياسية طيلة الحروب التي خاضها نظام البعث وحتى احتلال العراق من قِبل الأمريكان وظهور ما يُعرف بتنظيم الدولة الإسلامية داعش. لينتهي في الفصل الخامس والأخير إلى العلاقات الرابطة بين الكرسي الرسولي في روما والعراق.

ضمن الباب الأول ينطلق كتاب فيلوني بعرض عام للحضور المسيحي في العراق، يأتي غائما وغير دقيق في عديد المواضع لافتقاره إلى الطابع التحليلي واعتماده أسلوب السرد والحشو للأحداث، يهيمن فيها تصوير للمسيحية العراقية تصويرا يغلب عليه طابع الفتنة والهرطقة والحال أن تطور اللاهوت طبيعي أن ينشأ في ظل انشقاقات عقدية، وإن افتقر إلى سند سياسي على غرار السند الروماني الذي رافق المجامع المسكونية الأولى في الغرب. حيث لعبت السلطة الرومانية دورا فاعلا في عقد المجامع وفي قراراتها، مثل مجمع نيقية (325م) ومجمع القسطنطينية (381) ومجمع إفسس (431) ومجمع خلقيدونيا (451م)، وهي المجامع التي أرست أركان المعتقد الثالوثي. حيث تجري كتابة تاريخ مسيحيي العراق في كتاب فيلوني من منظور غربي، باعتبار كافة أشكال الحكم التي شهدها العراق تحت حكم الفرس، والعرب، والمغول، والعثمانيين، وإلى حين تشكل الدولة العراقية الحديثة هي أشكال احتلال مارست ألوانا من الضغط والقهر على الشخصية العراقية المسيحية. وهي قراءة قاصرة على إدراك طبيعة حلقات تاريخ المجتمع العراقي لتجعل الفرز على أساس ديني هو المقياس العام المحدد.

والجلي أن ثمة صفحة من تاريخ مسيحيي العراق أُسقطت من الخلاصة التاريخية التي حاول فيلوني تقديمها عن هوية العراق المسيحية. فلو عدنا إلى تاريخ البدايات نلحظ أن التهديد البيزنطي المستمرّ على المنطقة، ما كانت مسيحية العراق والشام، ممثلة في النساطرة واليعاقبة، قادرة على الصمود في وجهه، ولا بوسعها الحفاظ على كيانها وخصوصياتها الدّينية المستقلّة من دون حضور الإسلام، وهو الأمر ذاته الذي واجهه أقباط مصر. يقول ميخائيل السرياني في الشأن، وهو بطريرك السريان الأرثوذكس في القرن الثامن عشر، في مؤلّفه التاريخي الضخم: "لأن الله هو المنتقم الأعظم، الذي وحده على كلّ شيء قدير، والذي وحده يبدّل ملك البشر كما يشاء، فيهبه لمن يشاء، ويرفع الوضيع بدلا من المتكبّر. ولأن الله قد رأى ما كان يقترفه الرّوم من أعمال الشرّ، من نهب كنائسنا ودُورنا، وتعذيبنا بدون أيّة رحمة، أتى من الجنوب ببني إسماعيل، لتحريرنا من نير الرّوم... وهكذا كان خلاصنا على أيديهم من ظلم الرّوم وشرورهم وأحقادهم واضطهاداتهم وفظاعاتهم نحونا...". وهو تقريبا ما يلتقي فيه مع الحسن بن طلال في كتابه "المسيحيّة في العالم العربي" (1995)، حين يذهب إلى أن فترة حصول الانشقاق بين القسطنطينية وروما، كان قد مرّ على خضوع المسيحيين في مصر والشام والعراق للحكم الإسلامي قرابة أربعة قرون. وبقي، من بين هؤلاء المسيحيين، الملكانيون وحدهم في مصر والشام موالين لبيزنطة، وعلى علاقة موصولة بها سياسيا وكنسيا، كما كانوا من قبل. أما أتباع مذهب الطبيعة الواحدة (الأقباط واليعاقبة)، وكذلك النّساطرة في العراق، فكانت بيزنطة بالنسبة إليهم مصدر اضطهاد لا غير. ولذلك رأوا في الحكم الإسلامي خلاصا من جور بيزنطة، فأبدوا استعدادا للتعاون معه منذ البداية. وهناك من يشير إلى أن الموارنة كانوا في عداد المسيحيين الذين رحّبوا بحلول الحكم الإسلامي محل الحكم البيزنطي بالشام، خصوصا بعد أن صدرت قرارات المجمع المسكوني السّادس عام 680م، وتبع ذلك حدوث الافتراق الكنسي بين الموارنة، والملكانيين في أبرشية أنطاكية.

لا يخلو كتاب فيلوني من روح الهيمنة التي رافقت كنيسة روما ونزعتها للتمدد، ضمن ما يُعرف بالنزعة المسكونية، لإخضاع كنائس العالم. ولكن صراعات السّيطرة على سدّة التّراتبية داخل الكنسية ينبغي ألاّ تخفي أن حوادث الانفصال ومطالب الاستقلال لبعض الكنائس، التي قابلها تلويح بالحرمان واتهام بالهرطقة، ما كانت ذات صلة بالمفاهيم العقدية المجرّدة، بل بحثا عن تحرر سياسي من التحالف الوثيق بين العرش والمذبح (أي الدولة والكنيسة). لذلك عند مراجعة تاريخ الكنيسة لابد من الحذر من مصادرة الحقيقة المغيَّبة، التي غالبا ما طمستها نعوت البدعة، والهرطقة، والمنحولة، والأبوكريفية، وغير القانونية، وهي إقصاءات أيديولوجية لطالما وُظِّفت للطّعن في الأطراف المعارضة لإلغاء مشروعيتها، استدعتها الكنيسة المهيمِنة ضدّ من خالفها الرأي. وقد غرق فيلوني طيلة الفصلين الثاني والثالث في هذا الانحياز لكنيسة روما دون مراعاة خصوصيات كنائس الشرق، معتبرا كل ما لم يرُق للكنيسة الكاثوليكية بدعة، ولو كانت تلك العقائد معبّرة عن الواقع الشّرقي ورؤيته وتصوّراته للمسيحيّة. إذ اعتبَر صاحب كتاب "الكنيسة في العراق" المرقيين هراطقة، وهو خطّ لاهوتي دعا إليه بريلّوس البصري، من بصرى الشام، في الولاية العربية الرّومانية، خلال القرن الثّاني. وملخّص رأي صاحبه أن المسيح خال من أي مسحة إلهية في ذاته، ولا ألوهية إلاّ ألوهية الآب التي حلّت فيه. كما اعتبر الأريوسيين الموحِّدين -أتباع الكاهن أريوس، الذي عاش في بداية القرن الرّابع. م- هراطقة، وقد انتشر مذهبه في شمال إفريقيا وامتد إلى الشام والعراق، والذي عُقِد لأجله مجمع نيقية الشهير سنة 325م. والأمر نفسه مع الآشوريين، الذين عدّهم هراطقة، وهم نساطرة رفضوا المذهب الرّوماني وشقّوا عصا الطاعة. وتعود نسبتهم إلى ثيودوروس المصيصي، المدعو نسطور، وهو ينحدر من أسرة آرامية عربية نزحت إلى شمال الشّام من بلاد العراق، التابعة في ذلك العهد إلى الدّولة الفارسية الساسانية، وقد مات نسطور بعد خلعه في المنفى، في صحراء مصر الشرقية.

على العموم لم يكن تاريخ الكنيسة الرومانية في المشرق صفحة نقية كما يصوره فيلوني. فقد شاب العلاقة اضطراب لم ينته عند إكراه كنائس المشرق على الاعتراف بهيمنة روما، بل شرعت كما يرى جورج خضر، مطران جبل لبنان للرّوم الأرثوذكس، في تحوير لاهوتي أنشأت بموجبه كنائس تابعة، فكان من الآشوريين الكلدان الكاثوليك في العراق، ومن الأرثوذكس الرّوم الكاثوليك، ومن الأرمن الأرثوذكس الأرمن الكاثوليك، ومن السّريان الأرثوذكس السريان الكاثوليك ("مجلة المسرّة" بيروت، 2004، ص: 72-73).

وكما يورد فرناندو فيلوني بدأ التطلع مجددا إلى ربط كنيسة العراق بروما في الفترة الحديثة مع إنشاء مطرانية بغداد سنة 1632 وتشكيل أول لجنة رسولية في سوريا خاصة بالشرق الأوسط سنة 1762. كان الغرض البعيد من ذلك إيجاد سبيل لاختراق الدولة العثمانية النافذة وتحصين مسيحيي المشرق من مخاطر البروتستانتية. لتتطور مخططات الكنيسة الغربية في العراق في فترة لاحقة إلى رهان على المدرسة كأداة لخلق شخصية مسيحية عراقية مرتبطة بروما، وقد حاز اليسوعيون قصب السبق في هذا منذ العام 1931 من خلال بعث "الجمعية التربوية العراقية الأمريكية" التي خولت لها وزارة التربية العراقية إنشاء أول مدرسة، ستتطور في السنوات اللاحقة إلى ما يُعرف بـ"معهد بغداد" 1932 و"جامعة الحكمة" 1956. لكن الإشكال الماثل، أن تعليم الإرساليات التبشيرية في المشرق عامة ما كان دعما للطوائف المحلّية وربطا لها بواقعها وتعريفا لها بأصولها، بل هدفَ أساسا إلى ربط ولائها بالخارج. يصف جبران خليل جبران هذا الواقع الناتج عن تعدّد الولاءات الثّقافية والسياسية في مطلع القرن الفائت، ضمن كتاب "صفحات من أدب جبران" لنبيل كرامة (ص: 61-62)، قائلا: "في سوريا مثلا كان التعليم  يأتينا من الغرب بشكل الصّدقة، وقد كنّا ولم نزل نلتهم خبز الصدقة لأننا جياع متضوّرون، ولقد أحيانَا ذلك الخبز، ولما أحيانَا أمَاتنا. أحيانا لأنه أيقظ جميع مداركنا ونبّه عقولنا قليلا، وأماتنا لأنه فرّق كلمتنا وأضعف وحدتنا وقطع روابطنا وأبعد ما بين طوائفنا، حتى أصبحت بلادنا مجموعة مستعمرات صغيرة مختلفة الأذواق متضاربة المشارب، كل مستعمرة منها تشدّ في حبل إحدى الأمم الغربية وترفع لواءها وتترنم بمحاسنها وأمجادها. فالشاب الذي تناول لقمة من العلم في مدرسة أمريكية، تحول بالطبع إلى معتمد أمريكي، والشاب الذي تجرّع رشفة من العلم في مدرسة يسوعية صار سفيرا فرنسيا، والشاب الذي لبس قميصا من نسيج مدرسة روسية أصبح ممثلا لروسيا".

يتناول فرناندو فيلوني في القسم الأخير من الكتاب مسائل راهنة تتعلّق بمسيحيي العراق، خصوصا في ظل النزيف الديموغرافي الحاصل، حيث تراجعت نسبة المسيحيين من 5 بالمئة، أي بما يعادل مليون و 400 ألف مسيحي قبل الاحتلال الأمريكي عام 2003، إلى حوالي 2 بالمئة اليوم. والجلي ما يطبع مسيحيي العراق من تنوع طائفي: أرمن وآشوريين وكلدان وسريان، كما تخترق تجمعاتهم الإثنية تباينات مذهبية: أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت وإنجيليون، اعترف القانون العراقي باثنتي عشرة طائفة منها. ويبقى تمركز جلّ هؤلاء، قبل الأحداث الأخيرة التي شهدها البلد، في بغداد وأربيل والموصل. وكما يشير فيلوني، يبقى تكتل الكلدان يميل إلى الشراكة اللاهوتية مع الكنيسة الكاثوليكية، في حين ينحو تكتل الآشوريين إلى تشييد كنيسة عراقية محلية. وأما تكتل السريان، الأقل عددا من الكلدان والآشوريين، فهو ينقسم إلى سريان كاثوليك وسريان أرثوذكس؛ في حين الأرمن فهم إلى الكاثوليك أقرب. وعلى العموم فالملاحظ أن بنية مسيحيي العراق الاجتماعية ليست بنية عشائرية ما جعل تشكيل عصبية داخلية بينهم ضعيفا بقصد خلق نوع من التكتل الواقي، وهو ما أبقاهم عرضة للتهديدات بشكل مستمر. وإلى جانب مشاكل الداخل، تجابه كنيسة العراق مشاكل أخرى متأتية من الخارج تتمثل في الكنائس العابرة للقارات، وهي كنائس متمرسة بالتحكم في اقتصاد المقدّس على مستوى عالمي، على غرار الإنجيليات الجديدة والكنائس التقليدية الكاثوليكية والبروتستانتية، والتي تحاول ابتزاز المستجير بسلخه عن هويته. لا نقدّر أن كنيسة جريحة، كحال كنيسة العراق اليوم، في ظل تهديد حقيقي لوجودها، قادرة على رفع تلك التحديات بمفردها ما لم يحصل تكاتف ووعي بأن ثروة التنوع الثقافي والديني في البلاد العربية هي ثروة الجميع.

 

الكتاب: الكنيسة في العراق.. التاريخ والتطور والإرساليات التبشيرية من البدايات إلى الراهن.

تأليف: فرناندو فيلوني.

الناشر: مكتبة حاضرة الفاتيكان (روما-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2017.

عدد الصفحات: 255ص.

 

د. عزالدين عناية - أستاذ تونسي بجامعة روما

 

 

1205 bushraصدر عن دار ميزوبوتاميا ديوان (لن تشفى مني) للشاعرة والكاتبة بشرى الهلالي بواقع 176 صفحة. وتضمن الديوان مجموعة من النصوص منها: يومٌ.. هو انت وتبادل اسرى وغربة وشقاوة أرق ومناورة وسكة حلم وفي محراب عشقك وتعويذة غيابك والموت رميا بالحب ووتقاويم لكل الأزمان. وغيرها العديد من النصوص. ومما جاء في نص: صلاة عاشق:

لا ترفع صوتا بأنينك

لا احد يدرك عمق الجرح سواك

لا تحبس دمعك..

ساعة حزن

لكن..

خذ ركنا منعزلا

ان الحزن

للمكلوم عبادة

فلتنجز فرضك

دون رقيب.

أما القصيدة التي حملت عنوان المجموعة: لن تشفى مني:

اسمح لي أن أتلوا

بعضها من احزاني

على جبل ضياعك

أطلقت صرخة

ما كانت نداء استغاثة

بل بركانا

ينسف كل تضاريسك

ما ذنبي ان كنت بحارا بلا مرفأ!

مرسى.. لزوارق لا تهدأ

غواص ما مست قدمه

رمال الشاطئ

وكنوز البحر

كانت دوما في الأعماق

فكيف اغوص معك؟

وقد كتب عن المجموعة الشاعر محمد حسين آل ياسين قائلا: قصائد بشرى الهلالي مرايا مرطة الصفاء، تعكس التماعة روحها وخفقة بوحها الاصيل. كلماتها تغريد عذب، يأتيك من بعيد فيفصح عن صدق الانفعال وندائه المحبب. تأسرك حروفها بالمبهج المدهش، ثم تكتشف انه البراءة الاخاذة التي استطاعت بالهمس والشجن والانتظار ان تكسر قيد الرتابة وتنطلق بعفوية ساحرة دون تكلف ثقيل او تصنع فج. تجربة بشرى الهلالي تتحدث ببلاغة باسلة وسلاسة منسابة غير مكبوتة، ولكنها ممتنعة فتبوح بأسرار شعرها وشاعريتها وتتوجها موهبة غير متكررة لأنها ابتكرت باقتدار بصمتها الخاصة.

 

محمد عادل

 

 

في العالم الغربي، هناك تقليد سنوي متعارف عليه، يقدمه بعض المعنيين بالشأن الفلسفي، يتضمن رؤية حول أهم الكتب الفلسفية التي اهتم بها القارئ العام-غير المختص بالبحث الفلسفي-، ومع نهاية العام الماضي 2017م، تابعت اللقاء الذي جرى مع استاذ الفلسفة البريطاني نايجل وربورتن(1) (Nigel Warburton) لمعرفة افضل الكتب الفلسفية لعام 2017م. وكان اختياره لاهم الكتب وفق مجموعة من الاسئلة، مثل: كيف ينبغي لنا أن نعيش حياتنا؟ كيف يمكننا مساعدة الآخرين بشكل افضل؟ ما معنى المعتقد الديني؟ وكانت هذه الأسئلة بمثابة معيار لأختيار الكتب التي  يهتم بها القارئ العام. وقد اعتمد هذا المقال على رأي نايجل، فضلاً عن بعض المواقع التي تُعنى بمعرفة افضل الكتب، مع اضافة بعض الشروحات عن الكتب ومؤلفيها لتكون اقرب للقارئ العربي من أجل التواصل لمعرفة ذائقة القارئ العام الغربي فيما يتعلق بقراءة النص الفلسفي، وقد توزعت اهتمامات القراء على قراءة النصوص الفلسفية الآتية:-

الكتاب الاول/ (الملحد والاستاذ، ديفيد هيوم وادم سميث، الصداقة التي شكلت الفكر الحديث)، لـ دينيس راسموسن(2) (Dennis Rasmussen) ، وهذا الكتاب من الدراسات القليلة التي تناولت صداقة هيوم وادم سميث التي استمرت لأكثر من عقدين ونصف من عام 1749م وحتى وفاة هيوم 1776م. إن هيوم يعتبر ملحداً وفق رأي راسموسن، إلا إن وربورتن يحاول القول بأن هيوم من الشكاك وليس من الملحدين، لأنه لم يكن يعتقد -أي هيوم- بأن هناك دليلاً مطلقاً على عدم وجود الله، رغم إن كتابه الذي نُشر بعد وفاته والمتضمن للحوارات المتعلقة بالدين الطبيعي، ذكر إنه يهدم معظم الحجج التقليدية لوجود الله. ومن المثير للاهتمام إن ادم سميث كما يوضح كتاب( الملحد والاستاذ) يمتلك العديد من المشتركات مع هيوم في موقفه من الدين، إلا إن سميث لم يصرح بتلك الآراء وكان هادئاً في تعامله مع المسائل الدينية، لهذا تمكن من الحصول على وظيفة اكاديمية- استاذ للمنطق والفلسفة الاخلاقية-، أما هيوم الذي اعترف الجميع بأنه كاتب محترف في المجال الفلسفي، إلا إنه لم يستطع الحصول على وظيفة اكاديمية بسبب ما عُرف به من موقف تجاه الدين .

إن هذا الكتاب وفق رأي وربورتن مثير للاهتمام، ففضلاً عما ذُكر سابقاً، فإنه يصف علاقة هيوم وسميث وكيف تبادلا الآراء حول الموضوعات الفكرية وتعليقاتهما على ما كتباه، كذلك تبادلهما للنصائح وتعاونهما من اجل تحقيق طموحاتهما الفكرية، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد الى الحياة الشخصية كذلك.

وكانت موضوعات الفلسفة والاقتصاد وعلم النفس والتاريخ والسياسة، وحتى الموقف من صراع بريطانيا مع المستعمرات الاميركية حاضرة في مناقشاتهما، ويكشف الكتاب ايضاً عن مساهمة هيوم في الاقتصاد ومساهمة سميث في الفلسفة اكثر مما هو متعارف لدينا.

الكتاب الثاني/ يبدو إن النقاش المعاصر حول الدين ما زال حاضراً في كل مكان، فمازال الملحدون متمسكون بقناعاتهم، إلا إن هذا الامر لا يؤثر على قناعات المتدينين. وهذا ما يتبين مع الكتاب الثاني في قائمة افضل الكتب الفلسفية لعام 2017م، وهو (معنى الاعتقاد) لـ تيم كرين(3) Tim Crane) ). إن تصور القارئ العام عن هذا الكتاب يوحي بأنه كتاب فلسفي بامتياز، وإنه ليس اكتشافاً لحقائق أو معلومات جديدة، إنما تحليل لمجموعة معرفية موجودة، وهذا ما يثير الاهتمام. ولا يتضمن هذا الكتاب تقييم الدين أو الموقف منه، إنما ينظر في معنى المعتقد الديني ويوفر وسيلة لفهم النقاش الحالي ويقترح أيضاً المواقف الفعالة عملياً التي يفترض أن يتخذها الملحدون من ظاهرة الدين .

وقد استعمل كرين في كتابه (معنى الاعتقاد) مهارته الفلسفية ورؤيته الناقدة للالحادية الجديدة (ريتشارد دوكينز بشكل خاص)، ووفق رأيه، إن هدف معظم الملحدين الجدد هو نقد الدين بوصفه علماً للكون، إلا إن هناك هدفاً آخراً للدين ألا وهو الجانب الأخلاقي المستمد مرتكزاته من المبادئ العامة للعيش سوياً في الحياة العامة. وفي هذا الكتاب يرى كرين إن الملحدين الجدد يفتقدون للإجابة عن سؤال ما الدين؟ فالدين هو الشعور بالاحساس بالانتماء للمجتمع والاشتراك مع الآخرين في الممارسات والشعائر الدينية، لهذا فإن نتيجة الحوار الذي يحدث بين المتشددين من الملحدين الجدد مع المتدينين، غالباً، ما يكون في مقاصد مختلفة ولا يناقشون الشيء نفسه. ويشير الى إن عدد سكان العالم اليوم ما يقارب سبعة مليارات، ستة مليارات منهم متدينين- أي ينتمون الى دين سواءً أكان سماوياً أم ارضياً-، لذلك حتى لو كنت ملتزماً بالالحاد من الناحية النظرية سيكون عليك ايجاد طريقة للعيش مع المتدينين من الناحية العملية .

وإن خلاصة هذا الكتاب تقول: إن هناك مشكلاً اساسياً مع معظم الملحدين، إذ إن الدين ليس كما يتصوروه، فالملحدون يميلون إلى معاملة الدين بوصفه نوعاً من علم الكونيات البدائية، بالمقابل من تفسير الكون الذي يقدمه العلم، وتوصلوا من خلال ذلك الى القول  بأن المتدينين غير عقلانيين وخرافيين ومغرضين، إلا إن هذا الرأي من الدين غير دقيق. ويقدم كرين رؤية بديلة على أساس فكرتين: الأولى/ فكرة الدافع الديني أو الوازع الديني. والثانية/ فكرة الانتماء أي إن الدين يتضمن الانتماء إلى جماعة اجتماعية يشاركها في الممارسات التي تعزز روابط الانتماء. وبمجرد فهم هاتين الفكرتين بشكل صحيح، يظهر عدم كفاية فهم الملحدين للدين .

الكتاب الثالث/ لماذا البوذية صائبه (علم وفلسفة التأمل والتنوير) لـ روبرت رايت(4) Robert) (Wright. ينظر مؤلف هذا الكتاب الى البوذية وفق رؤية غربية علمانية، وكذلك من خلال خبرته العملية في التأمل. وهذا الكتاب خليط من مجموعة تخصصات، مثل: علم النفس التطوري، الفلسفة، علم النفس، والحكايات والسيرة الذاتية. يتفق هذا الكتاب مع الفكرة المركزية للبوذية، التي تقول بأنها فلسفة جوهرية تقوم على القول بأن الحياة تتضمن جميع أنواع المعاناة. والذي اضافه رايت في هذا الكتاب المقاربة بين البوذية وعلم الاحياء التطوري والقول بأن البشر قد تطوروا وراثيا، ويتوصل الى القول بأن التأمل البوذي لا يجعل من الافراد سعداء فحسب، بل يجعل من المجتمع افضل. ويشير في كتابه الى امكانية جعل الفرد افضل من خلال فقدان بعض التعلق بالذات والمصلحة الذاتية التي يمكن من خلالها جعل العالم افضل. وقد شرح رايت عملية تطور شكل الدماغ البشري، مع القول بأن العقل مصمم ليخدعنا في كثير من الأحيان، فإذا علمنا إن عقولنا يسيطر عليها القلق والاكتئاب والغضب والجشع فماذا نفعل؟ وهنا اعتمد رايت في اجابته على البوذية، التي ظهرت منذ آلاف السنين وليست من اكتشافات علماء اليوم. تعتقد البوذية إن المعاناة الإنسانية نتيجة لعدم رؤية العالم بوضوح، وتقترح التأمل علاجاً لهذا المشكل، فالتأمل سيجعلنا أفضل وأكثر الناس سعادة. وفي هذا الكتاب، يقود رايت القراء في رحلة فكرية، لمعرفة كيف ولماذا التأمل يمكن أن يكون بمثابة أساس للحياة الروحية في عصر العلمانية .

الكتاب الرابع/ لـ ماسيمو بيغليوتشي(5) (Massimo Pigliucci) وكتابه بعنوان: كيف تكون رواقياً؟ (الحكمة القديمة للحياة الحديثة). وقد وجد من الرواقية وسيلة مفيدة لتشكيل الحياة الفاضلة، التي هي فلسفة معنية بالتفكير كيف يكون الفرد انسانياً، والرواقية تبحث عن العيش بشكل افضل، وهي شكل من اشكال الصوفية القديمة أو فلسفة للعيش بحياة اكثر وفاء وتأمل وسعادة. امتاز الكتاب باسلوبه السهل جداً من اجل المساعدة الذاتية لقراءة الفلسفة، ويؤمن بيغليوتشي بامكانية تحسين حياتنا بشكل فردي، تماهياً مع الفكرة الرئيسة التي تقول: من خلال تحسن الافراد يتحسن العالم. وفي هذا الكتاب، يساهم بيغليوتشي في رحلة فكرية قوامها الاجابة عن الاسئلة الاتية:- من أنا؟ ماذا افعل؟ كيف ينبغي أن أعيش حياتي؟ ويعلمنا الكتاب أن نعترف بمشاعرنا ونفكر في أسبابها ونعيد توجيهها نحو كيف يمكن أن نكون سعداء. يستكشف بيغليوتشي الفلسفة الرواقية وامكانية تطبيقهاعلى حياتنا اليومية في البحث عن المعنى، مع نصائح وتمارين عملية من خلال التأملات .

الكتاب الخامس/ النفعية: مقدمة قصيرة جدا. وهذا الكتاب من تأليف الفيلسوفين النفعيين(6)  (كاتارزينا لازاري-راديكKatarzyna de Lazari-Radek ، وبيتر سنجر Peter Singer) والنفعية نهج فلسفي يهتم كثيراً بجعل العالم افضل، ولكن ليس بالضرورة من خلال التنمية الذاتية للفرد. ويقدم هذا الكتاب عرضاً شاملاً لأهم نظرية أخلاقية علمانية راهنة. وهو  جزء من سلسلة مقدمة قصيرة جدا التي تنشرها بعض الجامعات الغربية، والتي تباع منها ملايين النسخ في جميع أنحاء العالم .

د. قيس ناصر راهي

.....................

الهوامش

(1) يعد نايجل وربورتن (1962-؟) من الشخصيات الفلسفية المعنية بالكتابة الفلسفية للقارئ العام، وله في هذا المجال عدة مؤلفات، منها: الفلسفة: الاساسيات(1992م)الذي طُبع أكثر من ثلاث عشرة طبعة، كذلك كتاب (الفلسفة: الكلاسيكيات) (1998م)،  فضلاً عن كتاب التفكير من A الى Z (1996م)، وكذلك كتاب لمحة تاريخية عن الفلسفة (2011م)، فضلاً عن كتب اخرى مثل: الحرية مقدمة وقراءات، والفلسفة: دليل الدراسة الاساس. أما عن المقابلة معه فيما يتعلق بأفضل الكتب الفلسفية، فيمكن التعرف على تفاصيلها من خلال زيارة الموقع الآتي:

https://fivebooks.com/best-books/best-philosophy-books-2017/

(2) ينيس راسموسن: استاذ العلوم السياسية المساعد في جامعة تافتس في الولايات المتحدة الاميركية، ويدرس تاريخ الفلسفة السياسية والنظرية السياسية المعاصرة والفكر السياسي الأمريكي يركز في اهتماماته البحثية على التنوير وعلى فضائل ورذائل الديمقراطية الليبرالية ورأسمالية السوق. من مؤلفاته  الملحد والأستاذ: ديفيد هيوم، آدم سميث، والصداقة التي شكلت الفكر الحديث (مطبعة جامعة برينستون، 2017)، والتنوير البراغماتي: استعادة الليبرالية (هيوم وسميث ومونتيسكيو وفولتير)، (مطبعة كامبردج،2014م). اما عن عنوان كتابه باللغة الانجليزية، فهو:

The Infidel and the Professor: David Hume، Adam Smith، and the Friendship That Shaped Modern Thought  by Dennis Rasmussen.

(3) تيم كرين: يُعد من الملحدين. حالياً، يعمل استاذاً للفلسفة في الجامعة الاوربية المركزية، بعد أن عمل في جامعة لندن لمدة عشرين عاماً. في عام 2005م أسس معهد الفلسفة في جامعة لندن، وكان أول مدير له حتى عام 2008م، وفي عام 2009م انتقل إلى كلية الفلسفة في جامعة كامبريدج، وبقى فيها الى2017م. أما عن عنوان كتابه باللغة الانجليزية، فهو:

The Meaning of Belief: Religion from an Atheist’s Point of View  by Tim Crane .

(4) روبرت رايت، صحفي اميركي مختص بعلم النفس التطوري وتاريخ الاديان. عنوان كتابه باللغة الانجليزية:

Why Buddhism is True: The Science and Philosophy of Meditation and Enlightenment by Robert Wright .

(5) ماسيمو بيغليوتشي، دكتوراه في (علم الأحياء)، فضلاً عن دكتوراه فلسفة، تتوزع اهتماماته البحثية في الحقول الاتية: فلسفة العلم، فلسفة البيولوجيا، والعلاقة بين العلم والدين. أما عن عنوان كتابه باللغة الانجليزية، فهو:

How To Be A Stoic: Ancient Wisdom for Modern Living by Massimo Pigliucci.

(6) كاتارزينا دي لازاري-راديك، (1946-؟) أستاذ فلسفة الاخلاق في كلية الدراسات العليا.

أما بيتر سنجر، فهو أستاذ أخلاقيات البيولوجيا في مركز الجامعة للقيم الإنسانية في جامعة برينستون منذ عام 2005. أما عن عنوان كتابهما باللغة الانجليزية، فهو:

Utilitarianism: A Very Short Introduction by Katarzyna de Lazari-Radek and Peter Singer.