1133 ZOUHERلقد شكل المبحث الأساسي لكتابه "بحث في الذهن البشري" عرضا لمسار تكون الأفكار في الذهن البشري وقدم توصيفا للعمليات التي تنقسم من خلالها إلى أفكار بسيطة وأفكار مركبة"1

عن دار ريم بألمانيا أضيف منذ 24 ماي 2017 للمكتبة الفلسفية التونسية والعربية وفي مرحلة بحثية متقدمة مؤلفا جديدا في 224 صفحة تحت عنوان "تدقيق فلسفي في نطاق المعرفة التجريبية" تم تقسيمه إلى ثلاث أبواب تتضمن بدورها مجموعة من الفصول يتوسطها تركيز حول مسألة الذهن عند جون لوك والأدوار التي تقوم بها التجربة في مجال المعرفة والقيم والتربية ، ولقد أعلن الكاتب الفلسفي بأن فلسفة لوك التجريبية الحسية تجلت بصورة ملموسة بعد بلوغه سن السادسة وخمسون حينما كتب "بحث في الذهن البشري" بين 1670 و1671 ولم يتم طبعه إلا في سنة 1690 ولقد أظهر فيه معارضة شديدة للتيار العقلاني وبيّن فيه رفضه التام نظرية الأفكار الفطرية التي تعتقد في امتلاك العقل البشري لمجموعة من الأفكار الفطرية يرثها منذ الولادة ولا يكتسبها عن التجارب التي يمر بها في الحياة ولا يتعلمها في البحث والجدل ، وفي مقابل ذلك أقر بأن العقل يولد صفحة بيضاء ويشبهه باللوح النظيف الخالي من كل شيء وصرح في هذا السياق بأنه " ليس ثمة شيء موجود في العقل إلا كان موجودا أولا في الحواس."

لقد احتوى الباب الأول الصراع الذي خاضته التجريبية ضد الميتافيزيقا ورصد تحولها من مجرد مقولة منطقية إلى منهج علمي ساهم في قيام ثورة معرفية وميلاد الحداثة وبحث في الإرهاصات الممهدة لها.

في حين الباب الثالث تطرق إلى تبعات تأسيس المذهب التجريبي في الفلسفة في مواجهة المذهب العقلاني ودور المدرسة الأنجلوساكسونية في تدعيم الدراسات التي تدور حول التجربة وتنطلق من الإدراك الحسي وتمنح اللغة وظيفة هامة في تنظيم العمليات المعرفية وتوجيه قوى الذهن نحو التحكم في ظواهر الطبيعة.

لقد أهدى الجامعي تأليفه إلى المهتمين بالفلسفة والعلوم الإنسانية والى الجمهور من الباحثين عن العلم والعمل وإلى الراغبين في المعرفة والساعين إلى الفعل وإلى المثابرين حول دقة النظرية ومحك التجربة.

في هذا المقام يصرح المؤلف في خاتمة مصنفه " لم تعد التجربة بالمعنى الذي أوجده كلود برنار تمثل فعالية اكتساب المعطيات في البحث العلمي بل إن الوثبة الاستكشافية في العلوم المعاصرة قد تمكنت من إخراجها من أسوار المختبرات إلى أعماق الظواهر وأدق الكائنات وللاشتغال على أبعد الظواهر."2

 

د. زهير الخويلدي

...................

المصدر:

الخويلدي (زهير)، عناصر في الذهن البشري عند جون لوك، دار ريم، ألمانيا، طبعة أولى ، ماي 2017.

الروابط:

https://www.morebooks.de/store/gb/book/%D8%B9%D9%86%D8%A7%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%87%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%B1%D9%8A-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%AC%D9%88%D9%86-%D9%84%D9%88%D9%83/isbn/978-3-330-80314-5

https://www.amazon.fr/%D8%B9%D9%86%D8%A7%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%87%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D8%B1%D9%8A-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%AC%D9%88%D9%86/dp/3330803142

 

shaker faredhasan2"نظرات" هو العنوان الذي اختاره الصديق الشاعر والكاتب كاظم ابراهيم مواسي لكنابه الصادر في العام الماضي ٢٠١٦، عن دار الهدى كريم للنشر، في كفر قرع، وجاء في ١٢٦صفحة من الحجم المتوسط، وهو مجموعة من مقالات معاصرة في في المجتمع والأدب والسياسة، كان نشرها في السنوات الأخيرة في الصحف المحلية والمواقع الالكترونية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي .

كاظم ايراهيم مواسي من مواليد باقة الغربية العام ١٩٦٠، وهو شاعر وكاتب ينتمي الى جيل حقبة الثمانينات من القرن الماضي، صدر له اكثر من عشرة كتب جلها في الشعر، والباقي خواطر ومقالات، وكتاب بحث عن بلدته باقة الغربية .

وكتاب " نظرات " الذي بين يدي، يتناول ويعالج العديد من قضايا الساعة، والقضايا السياسية، والمسائل الثقافية والأدبية، والمعضلات والظواهر الاجتماعية السائدة في مجتمعنا العربي .

فيكتب عن مدينته الفاضلة باقة الغربية، والانتقادات النكدية الموجهة لعمل بلدية باقة في فترة رئاسة مرسي أبو مخ، وعن الضلال العربي، وتوجيه الاعلام في الدولة، وعن امريكا التي تربكنا، ويتعرض للصراع الفكري في المجتمع العربي، وللجمعيات والمجالس البلدية، وحرمة المجلس البلدي، وماذا ينتظر رئيس البلدية في تحمل المسؤولية والنكد، ويرى ان رئاسة البلدية ليست وظيفة سهلة، ولا تجلب الشرف والجاه لمن لم يملكهما من قبل، وانه يجب على الرئيس الناجح أن تكون له سلطة قوية يستمدها من الناس وليس ممن هم فوقه، ويتساءل عن من نوصل الى المجلس البلدي، وما هي القيادة، ولماذا التهافت عليها ؟؟!.

ويتحدث ايضاً عن المبادرات الثقافية والاجتماعية والسياسية من اجل الاصلاح الثقافي والاجتماعي، التي سرعان ما تلقى العراقيل والفقر في الموارد والدعم الشعبي .

ويطرق كاظم مواسي أبواباً كثيرة، فيدخل الى عالم السياسة ويرى ان قضية فلسطين هي اقتصادية في الدرجة الاولى، ولا ينسى ان يتطرق الى قيمة يوم الارض الخالد في سفر الكفاح لجماهيرنا العربية الفلسطينية، الذي كتبت تاريخه بدماء الشهداء الابرار، والى أوجه التمييز في المجتمع الاسرائيلي، ومشروع ليبرمان التبادلي الترانسفيري .

ويلقي كاظم ابراهيم مواسي في كتابه نظرات واضاءات على المسائل الثقافية التي تؤرقه، ويتناول قضية الأدب والمتلقي، موضحاً ان الكتابة الأدبية تنتج عن تفسية وثقافة وظروف متباينة، كذلك الامر فان للمتلقين ثقافتهم وظروفهم ونفسياتهم المتباينة، وان من يستطع الحكم على الأدب هو المثقف الموضوعي الذي يرى في النص مادة لها تحليلاتها وتفاعلاتها ومكوناتها .

وهو يتساءل من هم الشعراء؟ ومن يحتاج النقد؟! مؤكداً على ان اليوم وفي بلادنا العربية لا سائل ولا مسؤول عن الشعراء وأشباه الشعراء وما يكتبون، يختلط القمح بالزوان، وقلما نجد القارىء الفطن الذي يميز بين الصالح والطالح، وتجد ان كل من خط خاطرة او كتب تعبيراً يعتبر نفسه شاعراً كبيراً، ناسياً ان على الشاعر ان يكون متمكناً من قواعد اللغة، وغارفاً لتاريخ الانسانياً، وحالماً بالتغيير والاصلاح، ومعالجاً للمعضلات التي تواجه مجتمعه .

كما يتعرض كاظم للبرادوكس الأدبي في المشهد الثقافي المحلي، مشيراً الى ان نقادنا باغلبيتهم السنتهم في افواههم يمدحون ويذمون وفق مصالحهم، وعلاقاتهم الشخصية، فيضيئون النص حين يريدون ويسدلون عليه عتمتهم متى شاءوا، وهذا طبعاً بالنطق وليس بالكتابة .

ويطرح رأيه وموقفه ووجهة نظره من السيرة الذاتية، وقضية الابداع والحياة، والنقد المحلي، والمسرح الادبي، والخلط بين الخاطرة والقصيدة، والتعميم والذوق الخاص في الأدب، ويتساءل هل تكتمل لغتنا العربية ؟ وما قيمة الأدب ؟!!

وفي نهاية الكتاب يقدم كاظم مولسي اضاءات فكر على قضايا اخرى متنوعة من واقع وصلب حياتنا الاجتماعية والسياسية والثقافية .

كاظم ابراهيم مواسي يمارس ضروب الكتابة باتقان، وينزع الاعجاب بآرائه وافكاره الواضحة الصريحة، يؤمن بحرية الرأي والمعتقد، ويحلم بالاصلاح المجتمعي، ويرى بان الانسان المناسب يجب ان يكون في المكان المناسب .

وكتابه "نطرات" يشكل ومضات فكر وعقل منفتح، يفكر بهدوء ويطرح الأمور بعقلانية وموضوعية وبكل روية، وهو كتاب يستحق القراءة، ففيه رؤى وافكار جميلة وطروحات عميقة، مكتوبة بلغة شفافة ورشيقة ممتعة .

اشد على يدي صديقي المعتق كالقهوة العدنية كاظم ابراهيم مواسي، وتمنياتي له بالعمر المديد، والمزيد من العطاء لما فيه خير مجتمعنا ومشهدنا الثقافي، مع خالص التحيات القلبية المعطرة والعابقة بالمحبة .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

1395 jamila"عبق الحنين" هو الديوان الشعري الأول للشاعرة الفلسطينية، ابنة الناصرة، جميلة شحادة، الصادر عن دار مؤسسة نجيب محفوظ للثقافة في مصر، ويضم بين ثناياه باقة عطرة فواحة العبير من بواكيرها الشعرية النثرية، مع اهداء ومقدمة للشاعرة، ومراجعة نقدية وتحليلية للديوان للكاتب المصري محمد سلامة .

جميلة شحادة شاعرة مرهفة، تتنفس الشعر حنيناً وخفقات عطاء، يسيل لعاب حبرها من مداد يفيض انسانية ومحبة، وتكتب على اوراق الخريف حروفها، فلنسمعها تقول في قصيدتها الاستهلالية للديوان " في الخريف تبعثرت أوراقي ":

اعشق الخريف كثيراً

واخشاه كثيراً

فحين غابت شمسه

ولم يبق سوى ذاك الشفق الأحمر

وتطايرت تلك الوريقات العليلة

تبعثرت اوراقي

وايقنت أن احدى حكاياتي

سهواً قد سقطت

فكان نصيبي من الحزن ..وفيراً

جميلة شحادة شاعرة وقاصة وكاتبة للاطفال، تعمل مربية واخصائية تربوية، وحاصلة على شهادة في االقانون / المحاماة .

كتبت ونشرت الكثير من المقالات الاجتماعية والتربوية والقصص القصيرة والخواطر الوجدانية والنصوص الابداعية في الصحف العربية والمواقع الالكترونية المختلفة، وصدر لها ثلاث كتب من قصص الاطفال، وهي : " الكوكب الأزرق، ضوء ملون، ابو سليم واصدقاؤه " .

وجميلة شحادة شاعرة تأنس بالقمر، تعشق وتتذوق الكلمة الجميلة في كل انواع والوان القصيدة، التي تحرك فيها مشاعر الحب والشجن والحنين والفرح، والشعر بالنسبة لها هو الاحساس النابع من معين المشاعر وتلابيب الروح وعمق الوجدان، انه ملاذ بحد ذاته في عالم الكلمة والفكر، ويضعها وجهاً لوجه امام تفاصيل التجربة الانسانية .

يمثل ديوان " عبق الحنين " لجميلة شحادة انطلاقة جميلة في اصدار دواوينها، وهي في الغالب تلتزم الحداثة في شعرها الذي يميل وينتمي للقصيدة النثرية، رغم انها تكتب القصيدة العمودية التقليدية، التي تتجلى بوضوح في قصائدها الثلاث التي ضمها الديوان بين دفتيه .

ومنذ البداية يكتشف القارىء في نصوصها خصوصية ومساحة شعرية متميزة، ففي شعرها نسمع صوتاً انسانياً هادئاً يسرد علينا، دون تردد، آلامنا وأوجاعنا اليومية  وهمومنا الوطنية والسياسية، كشعب محاصر ومعذب ومكلوم يعاني التمييز والقهر والخنق والاضطهاد وسلب الاراضي وهدم البيوت، ومصادرة الهوية والتراث .

قصائد الديوان تعبق بالاحاسيس والمشاعر العاطفية الوجدانية، مشاعر الحب والحزن والغضب وخيبات الأمل، وفي الوقت ذاته مشرقة بالتفاؤل رغم كل شيء، وهي قصائد تعود للبيئة وتعكس الواقع الحياتي، وتطرح مواضيع انسانية ذات طابع وجداني، وقضايا اجتماعية وسياسية، من ابرزها مسألة هجرة اللاجئين الفلسطينيين وحلمهم بالعودة الى ديارهم، والغربة في الوطن، والعنف المستشري المتفشي في جسد مجتمعنا العربي، وزواج البنات القاصرات، وتطفح بالدعوة الى التسامح والاخاء والمحبة وتصافي القلوب والتحلي بالروح الانسانية، وتبرز مع موضوعاتها تمكنها من ادواتها الكتابية التي تدعو للتأمل والغوص في المعاني .

تتشكل قصائد جميلة شحادة من الم انساني ذاتي وعام، وحنين  وجداني جارف، وانفعال بالحدث والتأثر فيه، ولحظات صفاء وتأمل وحيرة وقلق، وتساؤلات، والحان فرح، وانغام شجن، وعطر ذكريات، وتنهمر شاعرتنا البهية على ارض عطشى لا يملأ شقوقها سوى كلماتها، وتجوب مرافىء الذات والعام، وتعتصر وجعاً وأنيناً وعشقاً للوطن، الذي يترك فيها ذكريات اللاجئين ومفاتيح عودتهم، وصور طوابين الخبز والطواحين والبيادر واشجار التين والصبار والزيتون والبرتقال والسنديان التي تسكن وجدان المشردين والمهجرين، وتلتصق بحياة الفلسطينيين :

مسحت دمعة

وخبأت أخرى

لتكون زادها

في طريق عودتها الى الهذيان

هي لم تثق بحديث الطيور

عن مخاطر هجرتهم بمراكب الريح

وغضب أمواج البحر ... ساعة الهيجان

هي لم تثق بحديث الطيور

أن رحلتهم، بلا عنوان

وأن بلاد العجم

ليست مفروشة امامهم بالبيلسان

                   (قصيدة حديث طيور مهاجرة)

قصائد " عبق الحنين " تظهر شاعرية عالية، ووجدانيات سامية، ووطنية صادقة، والتزام حقيقي بقضايانا وهمومنا، وعواطف جياشة، وحسن اوصاف، وجمال صور، ورقة مشاعر، وشفافية عبارات :

من بين أنين الردم

غداً سيزهر الزعتر

ومن خلف ركام العمر

سيورق عوده الأخضر

فالأرض ... رؤوم بنيتها

عزيزة في بأسها

ومن عاتيات الريح لا بد أن تسخر

وتطل من حنايا بيت يسكن في الروح

وفي صحراء الحلم السرمدي يسهر

وبقايا زمن قد تكسر

لتخبىء في صناديق

ذكرى من زمرد ...وعاج ومرمر

              ( قصيدة عبق الحنين )

وتبث جميلة فينا فكراً وحساً انسانياً صادقاً وخالصاً، ووجداناً، وايماناً، وتفاؤلاً، فناً وموسيقى، وسبك عبارة، وجمال كلمات :

هناك ...خلف الحد الفاصل للوجع

تطل على غد لها ...جديد

ترقب انبلاج فجر

وطيف فرح قادم من بعيد

اوجعها المكوث في الظل

وملت ... رفقة وحدتها

وها هي ... تقف على عتبة عهد تليد

ساءلت حالها على عجل ...

وكأنها تخشى لوم رقيب وحسيب .. ووعيد

كم مرة تابعت أسراب العصافير المهاجرة ؟

وكم مرة شقيت بقدوم صيف ... كالجليد ؟

               ( قصيدة غداً ...فجر جديد )

يقول الكاتب محمد سلامة : " جميلة شاعرة ذات طبع من طراز متطور، فهي لا تكد قريحتها كثيراً في اجتياح عالمها الشعري والتحليق فيه بكل اقتدار، وهي ايضاً تتجنب الاستنزاف الابداعي في لغتها، ولا تميل الى المماحكة في صنعة الشعر، بل تجتلب المعاني الشعرية البديعة وتلبسها من أواسط ما تلبس من هندام ألفاظها، فنجد عندها رحابة الرؤيا وسلاسة أفكارها مع بساطة التعبير الممتنع، ولعل أهم ما يميز شاعرتنا المحافظة على جوهرتين ثمينتين، قلما يجمع بينهما شاعر قويم، هما : المحافظة على جوهر الشعر وجذوته المتوهجة، والمحافظة على الهوية الثقافية النابعة من روح الأمة ووعيها، فلا تجازف بها، ولا تضطرها الملكة الشعرية الى مضايق الشعر أو ترديها في فخ المراهقات وفتنة الموهبة .

وتخاطب جميلة شحادة في قصيدة ״ يا قدس " زهرة المدائن، ومدينة الصلاة، القدس العتيقة العريقة التي يغازل وجهها القمر، التي بكت شاعرتنا على " عتبة قيامتها ندماً " " وأشعلت دموعها نار الحزن والحرمان " فتقول :

يا قدس يا عتيقة ! يا قمراً  مضيئاً الأركان

طفت بحواريك لأنتمي

فازدادت غربتي، وأوجعني خبث الاستيطان

يا قدس يا عتيقة ! يا أبهى ما في الكيان

لوحت لأسوارك من لهفتي

فنأى بي صمودها، عن صدى سكون الجدران

يا قدس يا عتيقة ! يا زهرة بديعة، تزين المكان

سجدت على أبوابك

لأدعو الله أن يغفر لي حبي لك

فذابت حروف كلماتي،،، وسمت النفس بحبك

وتألقت بجلالك الأذهان

وتناجي جميلة شحادة ايضاً بلدها " الناصرة "، ناصرة المحبة والأخاء والسلام، ومنبت السوسن والاقحوان، الراسخة والباقية في القلب والوجدان، المدينة السخية التي " يشهد على طيبها ملقاها حجاجها الكرام " و" يتغنى بحسن ضيافتها زوارها من كل البلدات "، وتحذر من الايدي الشريرة ومطمع الطامعين بالفتنة والتفرقة الطائفية :

ناصرة ... أنت مطمع للطامعين بشرفك الغالي

فكوني منيعة ... وتمسكي بالمحبة والتآخي

الدين لله ...يا زهرة البلدان

وأنت لأهلك من كل المشارب والأديان

تمسكي بعزك، بمجدك، بالانسان

وكوني حصينة من الفتنة ...

لا بوابة للغزاة ... كما كنت للرومان

عندها ... يطيب العيش فيك

ويهنأ أهلك بالوئام والأمان

وفي قصيدتها الأخيرة في الديوان تعود جميلة وتخاطب المقدسيين، الذين يواجهون خوذات ورصاص وبنادق المحتلين والمستوطنين، هؤلاء المقدسيين الذين يستشهدون دفاعاً عن الأقصى المبارك، وتشيد بمقاومتهم لجند الاحتلال والمستوطنين العنصريين، وتعلنها بصوت عال انها تفتخر بهم، وترفع اسمى آيات ورايات التقدير لصغيرهم وكبيرهم وكهلهم، وراية الاجلال لنسائهم ورجالهم، فتقول :

قولوا لي

ما سر جريان الشهامة في دمكم ؟

والأصالة والكرامة

والعزة والنخوة في عروقكم ؟

دلوني على مورد صبركم

وأناتكم وعزيمتكم

ونبع التآخي ... حتى وقف المسيحي

مع المسلم في صفكم

أنبأوني عن فيض ايمانكم

ومكمن السكينة في نفوسكم

وكيف لسجادة طاهرة

تحكي بدل السيوف عن قضيتكم ؟

وتتجلى عاطفتها الرجدانية وانسانيتها الدافنة في قصيدة " أمي ... تعالي الليلة نسهر " الطافحة بالوجد الذاتي،  والتوهج الشعوري الانساني، التي تحاكي فيها ست الحبايب التي اشتاقت اليها،:

وكم ... أحب زمرة عينيك ... وياسمين خديك ؟!

اشتقتك ... تعالي الي الليلة نسهر

فعندي لك حكايا وأكثر

تعالي ... لا تترددي

واعبري روحي لأقبل جبينك

وأمسد شعرك الأشقر

ونلمس هذه العاطفة القوية كذلك في قصيدة " نحن النساء ... كلنا الخنساء " التي تفيض بالدفق الشعوري والاحساس المرهف والتعابير الجميلة، وكم كانت تود لو كانت كل قصائدها " غزل في القمر والنجمات " و" وصف براءة الأطفال " وليس " آهات محزونين في الحياة والممات"، فلنصغ اليها وهي تتساءل :

لكن بربكم أخبروني :

كيف يقطر يراعي حباً

ويبوح بعشق ليلى وعبلا

ويسرد قصص الأميرات ؟!

وكلنا خنساء

والدم يسفك في كل مكان

ومن كل الجهات ؟!

ثم تقول :

نحن يا سادة ! وجبتنا الصباحية دسمة بالطائفية

وغداؤنا وفير بالجاهلية

أما عشاؤنا ... ف عنفاً وعنجهية

ثم نحلم بالانسانية ... فقط في المنامات

فكم انت صادقة يا جميلة بوصفك وتعريتك لواقعنا البائس !!!

ويحتوي ديوان جميلة شحادة على ثلاث قصائد من الشعر العمودي التقليدي، وهي " أقبل العيد " و" زفاف قاصر " و" رمضان "، وفي قصيدة " رمضان "تتحدث عن شهر الصيام والمكارم والتقوى والاحسان، وليس الامساك عن الطعام، وتتوجه للصائمين الى الصوم " عن أذى الناس بالفعل والكلام "، وتهذيب صيامهم والشعور بالفقراء والأيتام، والعمل على نشر المحبة والوئام، فتقول في ختام القصيدة :

رمضان وان بعدت النفوس طول العام

                  رقت فيه القلوب وأوصلت الأرحام

رمضان شهر من أشهر الحرام

                   لا دم فيه يسفك ولا اجرام

فاهجروا شجاراً واقتتالاً وانقسام

           وادفنوا الحرب واغمدوا سيوفاً وسهام

لتهنأ الأوطان بالأمن والسلام

           وتشرق الشمس في اليمن وبلاد الشام

قصائد ديوان " عبق الحنين " تشهد على شاعرية جميلة شحادة، حيث الصورة الفنية والمعنوية، وصدق العاطفة والمشاعر، وعمق التأثر والتأثير، فهي تصارع الواقع المشحون بالاحباط واليأس، وتبعث فينا أملاً قوياً في النهوض والغد الأفضل، والمستقبل القادم لا محالة .

ما يميز تجربة جميلة شحادة في ديوانها الشعري الأول هو التنوع والتلامس بعمق مع نهر الحياة، والاقتراب بلغة الشعر من الحياة اليومية بنصوص متنوعة والوان متدرجة في القوة والايحاء، انها تملك أدواتها الفنية والشفافية المدهشة والوضوح الجلي واللغة الداتية، وبساطة التراكيب، وعمق المعاني، وتنفتح على تأويلات متعددة تتيح للقارئ التحليق مع قصيدتها في عوالم شتى في آن واحد .

وهي تتعلق بصور الجماعة ومظاهر الحياة، والتمسك بالقيم، والغناء على قيثارة الشعر لنقل الذات الى فضاء الكلمة الحية المتجددة .

جميلة شحادة غيمة بيضاء تمطر على أرض ظمآنة للحب والوفاء والتسامح بديلاً للعنف، وعطشى للروح الجميلة والانسانية المهذبة التي تشبه روح جميلة ذاتها، ويشكل ديوانها الأول "عبق الحنين" اضافة نوعية وكمية للشعر الجميل الرقيق الناعم المنساب البوحي العفوي الصادق، وكلي أمل أن يجد اهتماماً من القراء والنقاد والدارسين على حد سواء، مع خالص التحيات والتمنيات لصديقتنا الشاعرة جميلة شحادة بدوام العطاء والزهو الاشراقي الادبي، والمزيد من الاصدارات، والمستقبل  الابداعي امامها .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

jafar almuhajir2يطلقون عليها ثغرالعراق الباسم، وحسناء الخليج، وأم الشناشيل، والفيحاء،وأم الخير. ومدينة العلم والأدب. وغيرها من الأسماء. وقيل عنها إنها جنة عدن التي صلى فيها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام. وهي مدينة الفراهيدي والجاحظ وإبن الهيثم وسيبويه وغيرهم الكثير من العلماء والمفكرين والأدباء على مر التأريخ .نشأت على ضفافها أعرق الحضارات ويلتقي في قرنتها الرافدان الخالدان. وقال عنها إبن بطوطه: بـ(أنها بندقية الشرق).هذه المدينة العريقة بتأريخها وبأهلها الطيبين الذين اشتهروا بالكرم وحسن الضيافة والمعشر. هذه المدينة التي قالت عنها مطربة العراق مائدة نزهت (أحيا وأموت على البصره خلت بكليبي الحسره) نعم إنها تركت في قلوب أهلها حسرات وحسرات لعشرات العقود نتيجة لماعانته من حرمان وظلم وإهمال على أيدي الحكام. وظلت تمنح الذهب الأسود الذي قدره الخبراء بـ 60% من مجمل النفط المنتج في العراق لكنها ظلت مدينة بائسة حزينة وينطبق عليها قول الشاعر:

كالعيس في البيداء يقتلها الظما

والماء فوق ظهورها محمول.

لأن الحكام الذين حكموا العراق والمحافظين الذين توالوا على تسلم المسؤولية فيها لم يكونوا بمستوى المسؤولية، ولم يهتموا بعراقتها  وتضحيات أهلها الكبرى. وكثافة سكانها الذي يربو على أربعة ملايين إنسان وهي المحافظة الثالثة في العراق .ولو كان موقعها في دولة أخرى لضرب بها المثل بين دول العالم في تقدمها العمراني والحضاري والإجتماعي والإقتصادي. وكان من الواجب الأخلاقي عليهم أن يسألوا أنفسهم ألا تستحق هذه المدينة أن تكون كذلك؟ ومن حق المواطن البصري أن يسأل أين ذهبت تلك التضحيات ؟ وماذا بقي لها من بترولها الذي يسري كالبحر تحت أرضها ؟ ولماذا ظلت بنيتها التحتية في حالة يرثى لها بعد تلك الحروب الثلاث المدمرة المهلكة التي دفع أبناؤها الثمن الفادح من أرواحهم وممتلكاتهم حين تعرضت لأعنف أنواع القصف الصاروخي والمدفعي أثناء الحرب العراقية الإيرانية.ثم أعقبتها حرب أم المهالك والحرب الثالثة باحتلال العراق من قبل أمريكا وكانت البصرة منفذها الرئيسي فقضت على الآلاف من أبنائها، ودمرت الزرع والضرع وخاصة نخيلها الزاخر بأفضل وأشهر أنواع التمور في العالم كالبرحي والبريم والخستاوي والخضراوي والمكتوم وجمال الدين وأنواع أخرى كثيرة تربو على 600 نوع.وكان ينتشرفي منطقة طولها  120 كلم لكنها تحولت اليوم إلى أرض يباب تصفر فيها الريح.   وتراجع عدد النخيل فيها من 30 مليون نخلة في سبعينات القرن الماضي إلى أقل من مليوني نخلة في الوقت الحالي .وحين يبحث المواطن عن تلك الأنواع الجيدة في أسواقها يجد المستورد فقط.

ويتساءل المواطن البصري أين مياهها العذبة؟ ولماذا أصابها التلوث وانتشرت الأمراض السرطانية وما زالت مكافحتها على أدنى مستوى؟ ثم ماذا بقي من بيوتها الجميلة ومزارعها ؟ولماذا يعيش نصف سكانها في بيوت الصفيح ؟ ويعاني شبابها من البطالة ؟ ولماذا ظلت معظم حاراتها في دوامة من الخراب والآلام والأوجاع والحسرات؟ أما أقضيتها وقراها ومناطقها النائية فمعظمها لاتتوفر فيها أدنى متطلبات الحياة التي تتناسب وكرامة الإنسان. وباستطاعة إيرادات بترولها بناء دولة عصرية تعج بناطحات السحاب والشوارع الفسيحة والحدائق الغناء والمدارس والملاعب والمستشفيات الراقية والأسواق الحديثة؟ لكن من يزورها اليوم من العراقيين وغيرهم يراها مدينة كئيبة، يغطي جسدها الغبار، وتتراكم فيها أكوام القمامة،وقد شحت مياهها، وتصاعدت فيها نسبة الأملاح عن الحد المسموح به، وذبل شبابها واحترق نخيلها وماتت بساتينها،وتراجعت فيها الخدمات وخطفت الأمراض السرطانية والمعدية حياة المئات من أطفالها وشبابها وشيوخها ونسائها بعد أن شبعت تربتها من اليورانيوم المنضب فتلوث الحجر والشجر في تلك الأرض الخصبة الطيبة المعطاء؟وعشعشت في شناشيلها التراثية العناكب والحشرات. أليس خراب البصرة عاد إليها من جديد ؟ ترى إلى متى ستظل هذه المدينة على هذه الحال؟ ومن المؤلم إن محافظها السابق ماجد النصراوي تخلى عن مسؤوليته الوطنية والأخلاقية حين هرب إلى إيران . ولو كان نزيها حقا لذهب إلى القضاء وبرأ نفسه . أما رئيس مجلسها جواد البزوني فقد حكمه القضاء بالحبس الشديد لثلاثة أعوام لتعامله بالرشوة مع إحدى الشركات وكان الأولى بهذين الشخصين اللذين تصدرا المسؤولية في المدينة وأقسما على أن يكونا بمستوى طموحات سكانها أن يداووا جراح مدينتهم، وينقذونها مما هي فيه لينالوا ثقتهم لكنهم خيبوا آمال سكان مدينتهم .

إن هذه الجراح والمآسي لاتتفرد فيها البصرة وحدها وإنما تشترك فيها شقيقاتها ميسان وذي قار والمثنى والقادسية وواسط. هذه المدن وتوابعها التي تعرضت لأفدح الأضرار وأقسى موجات الحرمان والفقر والبطالة وكثرة الأيتام والأرامل مازالت تعج بالشوارع المدمرة المليئة بالحفر والمطبات والبيئة الملوثة ومياه المجاري الطافحة وانتشار أكوام القمامة وتذبذب الكهرباء ودرجة الحرارة تتجاوز الخمسين في صيفها اللاهب كشقيقتها البصرة. وكذلك شحة المياه الصالحة للشرب وانقطاعهما المستمر،وتدني الخدمات الصحية إلى أبعد حد وانتشار البعوض نتيجة البرك والمستنقعات المنتشرة بين شوارعها وفي ساحاتها، ومعظم مشاريعها متروكة بعد نسبة إنجاز بسيط فتحولت إلى مكبات للنفاية. وحين ينتقل الشخص من بغداد إلى الفاو لايجد غير الصحاري وحديد الخردة الملوث باليورانيوم المنضب المتراكم فوق بعضه مطروحا على جانبي الطريق، والكلاب السائبة والأكواخ المنتشرة بشكل عشوائي . وما عليه إلا أن يتنهد تنهيدة عميقة والحزن يغمره ويقول:أهذه هي أرض السواد؟

ومعظم هذه المدن تطفو على بحور من الذهب الأسود كذلك. لكنها محرومة من تلك النعمة التي أودعها الله في أرضها ولم تجن منها غير هذا الواقع المأساوي المرير. ومنذ سقوط الصنم وأبناؤها شبعوا إلى حد التخمة من الوعود والعهود التي منحت لهم من على شاشات الفضائيات وفي اجتماعات مجلس الوزراء وبين طيات الصحف من قبل السياسيين والمسؤولين بإنهم لايدخرون وقتا ولا جهدا للنهوض بهذه المدن لكن  معظمها تحول إلى مواعيد عرقوب . ولم يتحقق إلا النزر اليسير الذي لايتناسب مع ملايينها الصابرة واحتياجاتهم الضرورية الملحة . فتبددت الأموال شذر مذر على أيدي المفسدين الذين يقولون شيئا ويفعلون شيئا آخر . وطالما حلم أبناء هذه المدن بتلك الوعود وصبروا السنين الطوال ولكن خاب أملهم وتبخرت أحلامهم، وثالثة الأثافي يتسلل الإرهابيون إلى أسواقها ومطاعمها وتجمعاتها السكانية في كل فترة ليحصدوا جمعا من الأبرياء فيها. وفي كل مرة يسمع المواطن المحروم في هذه المدن بوضع الخطط اللازمة لحفظ الأمن والقبض على الإرهابيين قبل الإقدام على جرائمهم النكراء ولكن دون جدوى.

وهاهم أبناء هذه المحافظات اليوم يحتجون ويصرخون بوجوه كل من خدعهم بوعوده البراقة بالطريقة التي رأوها بعد أن طفح الكيل وبلغ السيل الزبى. ونفذ الصبر فماذا يتوقع هؤلاء المسؤولون من ملايين المحرومين الذين فقدوا كل أمل بهؤلاء السياسيين ؟ هل يريدونهم أن يقدموا لهم الولاء والطاعة والشكرعلى وعودهم البراقة الخاوية ؟ وكل حقائق الأمور تقول إذا تراكمت الآلام وازداد الظلم فأنه سيؤدي إلى الانفجار.

أن كل عراقي شرب من ماء دجلة والفرات وله غيرة على وطنه لايرضى أن تسير الأمور نحو الأسوأ وتدمر بقايا البنى التحتية للوطن، والممتلكات العامة التي هي ملك للشعب ولكن تراكم الأخطاء وأغماض العيون من قبل المسؤولين عن رؤية الحقائق، ودس الرؤوس في التراب والبحث عن المغانم والمكاسب على حساب الجماهير المحرومة لايمكن أن يستمر ألى مالانهايه.ولابد أن يتحول غضب الجماهير ألى طوفان يكتسح كل الدمى والطفيليات التي تسرق قوت الشعب وتدعي الحرص على مصالحه زورا وكذبا.وعند حدوث أية ردة فعل من قبل الجماهير المحرومة تتخذ بعض الحلول المؤقتة الآنية والشكلية التي لاتغني ولا تسمن من جوع وسرعان ماتعود الأمور ألى أوضاعها السيئة .

أن العراق يعيش اليوم أخطر مرحلة من تأريخه وقد أصبح ساحة للتدخلات الخارجية وأعداء أستقرار العراق ووحدته. وقد وجدوا فرصتهم الذهبية في توجيه سهامهم الغادرة نحو صدره وخاصرته طالما أن المسؤولين العراقيين قد غرقوا في خلافاتهم واستعان بعضهم بالأجندات الخارجية وانكشف أصرارهم على جني المكاسب من كعكة العراق المدماة دون أن تردعهم هذه المخاطر الجمة التي تهدد العراق داخليا وخارجيا . ففي الوقت الذي يضحي أبناء هذه المدن بأرواحهم، ويحررون الأرض العراقية من دنس الدواعش، تحرك أفاعي الطائفية والتقسيم ذيولها، وترفع عقيرتها للدعوة بما تسميه (الإقليم السني)  بشتى الذرائع الواهية.وما هي إلا دعوة مبطنة خبيثة لتقسيم العراق على أساس قومي ومذهبي بعد أن قام مسعود البارزاني باستفتائه للبدء بتفتيت تراب العراق .وشتان بين من يضحي بروحه من أجل الوطن والمصائب تغمره من قمة رأسه إلى أخمص قدميه وهناك من يتمتع بالإمتيازات في مجلس النواب ويحتمي بالسيارات المصفحة والحمايات ولم يذهب يوما إلى جبهة القتال ويساهم في تحرير مناطقه. لكنه بارع في الكيد لأبناء العراق الشرفاء المضحين حين يطلق لسانه في الفضائيات ويطالب بتقسيم وطنه دون حياء ولا أي شعور بالمسؤولية وآستهانة واضحة بالقسم الذي أداه للحفاظ على وحدة العراق..

 إنني لم أدون هذه السطور بعيدا عن واقع هذه المدن المتعبة . بل شاهدتها بأم عيني قبل أشهر. فإلى متى يظل جسد العراق ينزف  وقادته يبحثون فوق جسده النازف عن مكاسبهم الضيقة فقط؟ وأتمنى أن يقرأ كل من يهمه الأمر من أصحاب القرار فصيدتي (مدن الخراب) وقلت في بعض مقاطعها:

مدن يجف في دمها الندى

وينهشها الذباب

هجعت على صخور الموت

تحرسها الذئاب

فيها الضحايا تستغيث

بلا مغيث أو جواب

من ألف عام ترتدي أحزانها

تغفو على آلامها ودموعها وجراحها

وتستفيق على السراب

وعيونها قد أطفأت

بين المرارة والتوجع والعذاب

مسلوبة الأفراح تفترش التراب

محرومة من نفطها الثر الغزير

مكشوفة الأضلاع يلفحها الهجير

ولها الفجائع والمآتم والقبور

وللحروب المهلكات هي النذور

ولغيرها الذهب المصفى

واللذائذ واللباب

فمتى يعود لها الشباب؟

ومتى يغادرها الخراب؟

ومتى سيأتيها السحاب؟

جعفر المهاجر.

5/10/2017

 

 

shaker faredhasan"نوم الغزلان" هو احدث اعمال الكاتب والقاص الفلسطيني محمد علي طه، والصادر  عن دار "الشروق" رام الله - عمان، وهو "ليس رواية ولا سيرة ذاتية ولا سيراوية، وانما هو فصل على هامش السيرة الذاتية - كما يقول محمد علي طه في "اول الكلام" .

محمد علي طه، الميعاري المولد والنشأة والطفولة والاصل، وكابولي الاقامة والسكن، اشهر من نار على علم، فنجمه ساطع، وهو حكاء وراو ماهر من الدرجة الاولى، ومن ابرز واهم كتاب السرد القصصي والروائي الفلسطيني في الداخل، واحد اعلام ورواد القصة القصيرة والرواية الفلسطينية، ومن المؤسسين لأدب القصة في ثقافتنا الفلسطينية داخل الحصار .

انه كاتب قصصي يتمتع بالحس الانساني والادبي المرهف الصادق، التزم بالواقعية، مسكون بقضايا الوطن والهم والجرح والمصير الفلسطيني، ولم ينس جدوره الميعارية، وحافظ على خاصيته الريفية، ويقول رأيه وموقفه ويعبر عنه بكل وضوح دون مواربة وتزلف وخوف، وبجرأة واقدام .

وفي كل اسبوع ومع انبلاج الصبح كل يوم احد نلتقي محمد علي طه في زاوية " صباح الخير " على صفحات " الاتحاد " السنديانة الفلسطينية الشيوعية الباقية والراسخة، رغم كل الصعاب .

تحظى كتاباته ذات النكهة الفلسطينية، بالاهتمام النقدي والبحثي في الداخل والخارج، وكتبت ونشرت عن أدبه العديد من المقالات والمتابعات والأبحاث والاطروحات الاكاديمية، ومن اهم الكتب التي صدرت عنه كتاب " محمد علي طه، راودته الكلمات وراودها " للكاتب الناقد نبيه القاسم .

رلعل محمد علي طه هو الكاتب والأديب الفلسطيني الأكثر قراءة لدى الناس وجمهور القراء المهتمين بالقصة والرواية، وذلك بفعل اسلوبه القصصي الراقي، الأخاذ، الجاذب، الساحر، القريب من الذائقة الشعبية والأدبية، ولغته الحية، الصافية، وكلماته الانيقة المدهشة، التي تمس القلب والروح وتلامس الوجدان الفلسطيني .

وما يميز كتابة محمد علي طه روح السخرية، والالتصاق بالبيئة الريفية وحياة القرية الفلسطينية والهموم والآلام والمعاناة اليومية للناس البسطاء العاديين، وتنبعث منها رائحة فلسطين وعبق زعترها ونرجسها وسنديانها وميراميتها ونعنعها، وعبير اشجارها وزهورها البرية ونباتاتها الشتوية والربيعية، ووديانها ومروجها وسهولها  وجبالها وينابيعها وعيون مائها وبيادرها وطوايينها وخوابي بيوتها وطينها ومراعيها الخضراء وقطعان غنمها وغزلانها .

وهو يقدم شخصياته في نماذج اجتماعية وانسانية حية وواقعية .

وفي " نوم الغزلان " يحكي محمد علي طه، وكما عودنا دائماً باسلوبه المشوق ولغته الشعرية والادبية الجميلة السلسة الانسيابية، فصولاً عن طفولته وبواكيره وبداياته وملاعب صباه وأيام المراهقة والشباب، وعن النكبة والتهجير والتشريد القسري والحكم العسكري البغيض، ونضالات شعبنا، والحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية، ويروي يومياته الثقافية والسياسية والدراسية، وذكرياته صداقاته العميقة التي ربطته مع الكثير من رجالات الادب والشعر والفكر والثقافة والسياسة، من ابرزهم محمود درويش، توفيق زياد، سميح القاسم، راشد حسين، اميل توما، اميل حبيبي، توفيق طوبي، علي عاشور، احمد دحبور، يحيى يخلف، عز الدين المناصرة، محمود امين العالم، نجيب محفوظ، لطفي الخولي، ممدوح نوفل، الياس خوري وسواهم .

وهو يخصص في كتابه فصلاً كاملاً يتحدث فيه عن ذكرياته مع الرئيس الفلسطيني الرمز ياسر عرفات .

كما يطوف محمد علي بنا في جولاته وزياراته وسفراته الى مصر والاردن وتونس واليمن وسوريا والبحرين والنمسا وكوبا وروسيا والصين  وكندا، فنشعر وكأننا جزء من هذه الرحلات والجولات والمشاركات الثقافية في المؤتمرات والمواسم الادبية .

في " نوم الغزلان " نقرأ قصة فلسطين، وسيرة البقاء والكفاح والتحدي والمواجهة والتمسك بالارض حتى الجذور، وصيانة الهوية والحفاظ على اللغة والتراث، ونعرف اكثر أن فلسطين هي فلسطين الباقية الراسخة في عمق ووجدان كل فلسطيني،  وكل طفل يحبو،  وكل مقاوم بالحجر والمقلاع، وكل مهاجر ومشرد في مخيمات البؤس  والجوع والالم والشقاء يحلم بالعودة، فلسطين الذكرى والذاكرة والبقاء والحياة والغد الجميل، رغم العواصف والرياح العاتية التي مزقت اوصال الوطن، ورغم تقلبات الزمن، وما جار عليها من ظلم تاريخي وقهر دائم ومتواصل واحتلال ظالم .

محمد علي طه في " نوم الغزلان " يتقلب على جمر الرواية الفلسطينية، مقتحماً اللغة الشفافة الموغلة في الصدق العفوي، وسرد السهل الممتنع، في شتاءات ماطرة وعاصفة، وحنين لاهب، ليحظى بربيع بديع دافئ، وتنتصر الحكاية في غد سعيد اكثر اشراقاً وجمالاً واخضراراً .

" نوم الغزلان "هي الذاكرة الفلسطينية الحية التي يجب أن تسجل في سفر التاريخ الفلسطيني، وهي اضافة نوعية مميزة للرواية الشفوية الفلسطينية التي يجب أن تعرفها الاجيال الفلسطينية الجديدة، انها ايقونة ادبية كتبت بحروف من نار ونور، جمعت  في طياتها كل العناوين والدلالات الانسانية والجمالية والمعاني العميقة لفلسطين الرمز والتاريخ والشعب والوطن والقضية والتراجيديا المتواصلة والنكبة المستمرة .

ويسود حكايات محمد علي طه اسلوب سردي حكائي صاف، قربته من نفوس لباقة ولياقة مبدعنا المعهودة في السرد، بلغة شفافة ندية وعذبة فيها الجزالة والفصاحة والبلاغة والبديع والوصف الشاعري الجميل، ونلمس عمق انسانية وفلسطينية محمد علي طه وصدق تجربته، التي ينساق معها انسياق اللحن المفرد في السمفونية المتناغمة، فيبدو في حزن واسى وشجن على الماضي اللي راح، وتطغى عليه الذكرى، وطن وحبيبة وجمال، يتقاذفه الشوق والحرقة، فيحن حنين الملتاع، ويلجأ الى نشوة الحواس، ويفيق منها متعباً باحثاً عن درب الخلاص، وهو يعي ويدرك ويعلم تماماً أن طريق الحرية ليست مفروشاً بالورود، وانما يحتاج للتضحية والكفاح المقننن والنضال المثابر الدؤوب .

تحية لك يا أبا علي، يا عاشق فلسطين بكامل زهوها وجمالها وقداستها، السيدة الابدية التي تستحق الحياة والوجود، وتجعلنا مثلها نستحق الحياة، وكما قال سيد الكلمة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش " على هذه الارض ما يستحق الحياة " .

 

بقلم : شاكر فريد حسن       

 

khaira mobarakiفي خضم جملة من المصطلحات المتداخلة والمتشابكة يحاول تدوروف أن يكون أكثر دقة في تحديد جملة من المفاهيم المشحونة بحمولة فكرية . فبعد تحديد مفهوم البربريّة يحاول أن يفرّق بين الحضارة والهويّة دون أن يلغي مقولة "البربريّة " التي يجعلها سندا ومقياسا لتعريف "الحضارة "، باعتبار أن هذه الأخيرة هي كل ما يناقض "البربريّة " .فالحضارة هي ذلك الارث الانساني والقيمي المشترك ترتبط بتشكيلات "تاريخيّة تظهر وتندثر وتتميّز بوجود عدة مواصفات ترتبط بالحياة المادّية كما بالحياة الفكريّة " وهذا ما يعمّق الاختلاف بين معنى كلمة " بربري " الذي يحمل المعنى النسبي والمعنى المطلق اللذين يشكّلان هرميّة خاصّة . وبين معنى "حضارة " بصيغة المفرد الذي يدل على العمومية والشّمولية في مواجهة البربريّة.بهذا يحاول الكاتب أن يحدّد معنى التحضّر بأنّه الإقرار بإنسانيّة الآخر. وذلك لا يتحقق إلاّ عبر مرحلتين حسب الكاتب وهي أوّلا حين " نكتشف بأنّ للآخرين أنماط عيش مختلفة عنّا " وثانيا حين "نتقبّل بأنّهم يتشاركون معنا بالإنسانية نفسها " وهاهنا فتعريف تدوروف للتحضر يقوم أساسا على الوعي بالاختلاف والتّعدد والقبول به . بل اعتباره جزءا من إنسانيتنا بهذا فكل انغلاق على الذات هو مؤشر واضح  من مؤشّرات الحيوانيّة والبربريّة . ويذهب إلى أبعد من ذلك إلى أنّ الانتقال من البربريّة إلى الحضارة ينبغي أن يتّصل بشرط " الانفصال عن الذّات للتمكّن من معاينتها من الخارج كما بأعين الآخرين " بهذا فالتحضر إنّما هو الانفتاح على الآخر ومحاولة تفهّمه ومعرفة حقيقة وجوده وطبيعة عيشه لعلّه ضرب من ضروب الاقناع الذي ينهجه تدوروف من خلال منهج حجاجي عقلاني بعيد عن مظاهر الدغمائيّة والتّأثر السلبي بالآخر فهو ينطلق من معطيات الواقع التّاريخي وخاصة مرحلة الثورة العلمية وما اتصل بها من نهضة فكرية وثقافية . لتنبجس للرجل رؤية مزدوجة : رغبة في نسج تاريخي لمسيرة تشكل مشروع الأنوار، ورغبة في تعيين أصول الانحرافات التي أصابت هذا المشروع  ثم يحللها وليست غايته في ذلك التأريخ وإعادة بعث الماضي بل هو من ضروب القياس على الحاضر والرّاهن وكأنّه بذلك ينتقد الفهم الخاطئ للتاريخ الغربي ويحفر في هناته التي جعلت منه كيانا كليانيّا يعترف فقط بمن يماثله من  ناحية ومن ناحية ثانية هو ينتدب نفسه لإعادة قراءة هذا التاريخ وخاصة ما تعلق بالأنوار من منظور نقدي يعيد التفكير في هذه الحقبة  بوصفها مشتركا إنسانيّا  أو فكرا حاملا لقيم الحركة الإنسيّة لفهم الحاضر . وكأنّه بذلك يسعى إلى إثبات مشروعه الحضاري والحوار بين الأطراف المتعادية في ظل مقولة "الغيريّة " . لعلّه في هذا السّياق ينتقد في معرض حديثه عن الحضارة والبربريّة مفكّري الأنوار الذين يعارضون كل تجديد في القيم الأساسيّة للأنوار ويعتبرهم مجرد مدافعين عن القيم والثقافة الغربيّة وهذا يعني عدم الاعتراف بالآخر كشريك فعلي للثقافة والحضارة الإنسانيّة ليؤكد على إرث الرفض الذي انطلق منذ عصر الأنوار وبدايات تشكّل ايديولوجيا العقل الأوربي الحديث . وكأن التاريخ يعيد نفسه لكنّه يقر عبر منهج استقرائي وعبر جملة من الفرضيات التي تتصل بالطبيعة الإنسانيّة دون أدنى تمييز . لذلك فالعودة إلى مشروع الأنوار هو ترميم ما علق بها من أعطاب وتصحيح انحرافاتها . والأهم من كل ذلك هو الإيمان براهنيّة منطلقاتها الكبرى وفاعليّتها في مواجهة إشكالات الحاضر بهذا ينتقد بشدة من ناحية أخرى المعارضين الذين يعادلون بين الأنوار والإرهاب في اعتبار " أنوار تساوي ثورة، وثورة تساوي إرهاب " وتبعا لهذا الاتهام فإن مبادئ الأنوار هي نواة الاستبداد وهو انتقاد يقدم أمامه تدوروف مرافعة لتبرئتها من التهم الموجهة إليها.فيحاول مع كل ذلك أن يعيد دراسة التاريخ دراسة موضوعيّة بعيدة عن الأحكام الذاتية الضيقة والدغمائية المقيتة . وهو في هذا يعيد النظر في فكر كلود ليفي شتراوس ومن خلاله يصل إلى حقيقة مفادها "إنّ الحضارة لا تتعارض مع الثقافة ولا الأخلاق مع التقاليد ..." ليخلص إلى أمر هام يتصل بطبيعة العلاقة بين الحضارة والثّقافة بل إنّ الواحدة تتغذى من الأخرى على حد تعبيره. لعلّه مدخل مناسب للحديث عن الهويّة يقول في ذلك : "لم يعد للهويّة الجماعية سمعة حسنة إذ تحوطها الشبهة بأنّها نوع من التآمر على الحرية الفرديّة " ليؤكد من هذا المنطلق أن الهويات ليست " بحد ذاتها هي التي تتسبب بالنزاعات . وإنما النزاعات هي التي تجعل الهويات خطرة " بهذا فهو يفرق بين العديد من أنماط الهويّة : الهويّة الفرديّة، الهويّة الجماعيّة، الهويّة الثقافيّة ..لكنه يحافظ في الآن نفسه عن "الآخر المختلف " بكل ما يمتلكه من ثقافة وحضارة وهو المنطلق السليم لإقامة حوار حضاري مثمر . هو مشروعه الذي يشتغل عليه إن كان تلميحا بكل الانتقادات التي يوجهها للغرب منذ بداية الكتاب أو تصريحا باقتراح الحلول التي من شأنها أن تفتح على عالم متوازن .وهو في هذا السياق يركز على "الآخر" المسلم في علاقته بالغرب فيتحدّث عن الاسلاميين والإسلام في معرض حديثه عن العلاقة بين "صدام الحضارات " وتصدّع العلاقات الدوليّة وهذا التصدّع إنما مرده أيديولوجي بحت . فكل تصادم يرتبط بالأساس بالكيانات السياسيّة وليس الثقافيّة وينطلق في ذلك من رؤية هنتنغتون "وهو أن الصّدام والنّزاع والحرب هي مظاهر تكشف حقيقة العلاقات الدّوليّة " بهذا يفترض منطقيّا منطلقا للنزاع الأيديولوجي في عالمنا المعاصر. ومنطقه يفترض أن العدو المسلم هو الذي حل محلّ العدو السوفيتي القديم وتتجذّر هذه الرؤية خاصّة بعد تفجيرات 11 سبتمبر /أيلول 2001 لذلك فالمواجهة ستكون بين الغرب والإسلام ويكون العالم أمام عدو جديد هو "الإسلامي –الفاشي " وهو خطاب روّج له اليمين المتطرّف. وهاهنا تتعمّق مقولة الصّدام بين الحضارات وتطرح معها قضيّة " الحركات الإسلاميّة والتوتاليتاريّة "  وفي هذا يطرح تزفيتان تدوروف مقارنة طريفة بين الحركات الإسلاميّة والتّنظيمات الشّيوعيّة، فيعتبر أن  كلاهما يشكو من الظلم الاجتماعي والتّفاوت الطّبقي، وجميعهم يدّعون الوقوف في وجه الإمبرياليّة الغربيّة وأنهم طليعيّون وتقدّميون هذا فضلا عن أفكارهم حول الوحدة الأيديولوجيّة لينتهي بعرض الاختلافات بين الحركات الإسلاميّة والشّيوعيّة . ومع هذه المقارنة  يحاول المؤلف أن يفصل في حديثه عن الحركات الإسلامية بين الديني والسيّاسي هذه الحركات التي أرسى لها مرتكزات بين الحربين العالميتين " من جهة في مصر على يد مؤسس الإخوان المسلمين حسن البنّا ومن جهة أخرى في شبه القارة الهنديّة على يد الباكستاني أبو الأعلى المودودي" لتتطور شيئا فشيئا إلى منتصف القرن العشرين حين سلكت منعطفا أكثر راديكاليّة مع مؤلفات أحد مفكري الإخوان المسلمين المصري : سيد قطب ومن خلال العقيدة التي جاء بها آية الله الخميني الذين عززوا المنحى القتالي عبر مفهوم الجهاد في العقيدة . ويبرر تدوروف ذلك بكونه ردّة فعل على التحول المتسارع للعالم الذي يعيش فيه المسلمون ويندرج  ضمن ضرب المثل على تبرير وتحليل مقولة البربريّة التي ولدت من رحم التوتاليتاريّة الغربية لهذا يرفض الربط بين الحركات الإسلامية والإرهاب " لا يجب أن نخلط بين الحركات الإسلاميّة والإرهاب . ليس فقط إن كل الإرهابيين ليسوا من الإسلاميين ...إن الانتماء إلى حركة إسلاميّة هو إيديولوجيا لا تقود إلى أعمال عنف إلا في بعض الظروف الخاصّة . أما الإرهاب المعاصر فهو نمط نشاط لا يمتّ إلى الدين البتّة لا في أصوله ولا في أهدافه . إنّه يندرج بالأحرى في خط الإرهابيين الرّوس في القرن التاسع عشر، الذين أخذ عنهم تقنية الاغتيال بالمتفجّرات وأعمال القتل الإفراديّة ..." يبدو الكاتب واعيا بمشروعه النقدي. وإعادة التاريخ بهذه الشاكلة ليس بريئا،وإنما فيه إدانة واضحة للغرب تصل حد السخرية والنقد اللّاذع خاصّة في توظيف المقابلات حين يتعلّق الأمر بالسياسة الأمريكيّة والدول العظمى وما ترفعه من شعارات حول حقوق الإنسان والديمقراطية وحرّية التعبير... يقول في معرض حديثه عن الحرب على العراق " كانت الحكومة الأمريكية تؤكّد على أن الدّيمقراطيّة تترسّخ في العراق وفيها مئات المساجين يقبعون منذ سنوات طويلة في معسكر غوانتنامو بدون محاكمة وإمكانيّة الدفاع عن أنفسهم ...ويخضعون للمعاملة المهينة، نرى الحكومة تصرّح بأن الولايات المتحدة تضع كل قواها في خدمة حقوق الإنسان.." بهذا تتحوّل الديمقراطيّة إلى دكتاتوريّة وحقوق الإنسان يغدو إذلالا له وحريّة التعبير مشروطة لصالح الغرب حين يتعلّق الأمر بهم . وهذا من شأنه أن يعمّق الهوّة بين الشرق والغرب وهو برأيه  عين البربريّة " إن القوة المركّزة في أيدي حكّامنا بلغت حدّا يخيفنا جميعا، ويُخشى أن تتحوّل حرب العوالم كذلك إلى نهاية العالم " هكذا حدّث تدوروف وهكذا بث مخاوفه فهل يمكن أن ينجح الحوار الذي حلم به ؟

 

 

1128 aliديولافوا فنانة فرنسية زوجة مارسيل ديولافوا المهندس المعماري الذي اغراه الشرق وأراد ان يعرف عنه الكثير ولم يشف غليله ما قرأه عن الشرق فأراد أن يراه على حقيقته فيمم وجهه شطر هذا المكان من الكرة الأرضية عام 1881 على حسابه الخاص برفقة زوجته وكان العراق أحد محطات هذه الرحلة .

في سبتمبر 1881 ابحرت بهما السفينة الى نهر الكارون وبعد يومين وصلا المحمرة وبعدها إستقرا لبضعة أيام في البصرة التي تصفها ديولافوا بأنها " بندقية الشرق" حيث المرفأ الجميل والنخيل السامق والحقول الزاهية التي تخترقها مجاري المياه الرقراقة وفيها قطعان الجاموس والبيوت مختفية تحت ظلال غابات النخيل الكثيفة واشجار الليمون المثقلة بأثمارها ذات اللون الاحمر الجميل واشجار الموز بأوراقها العريضة التي تزيد هذا المشهد روعة وابداعا فضلا عن الزوارق الجميلة .(ص18 – ص19 )

لكن الملاحظ في البصرة في ذلك الزمان والى اليوم هو عدم إهتمام السلطات، بها وذلك ما كانت عليه السلطات العثمانية حيث السدود المهدمة والأوبئة المنتشرة إلَا أن ما أثار مدام ديولافوا كان هو موديلات الالبسة الجميلة في هذه المدينة فالنساء يلففن أنفسهن – بدل العباءة – بقطعة رقيقة من القماش تسمى (إيزار) وهي منسوجة من الحرير الأزرق أو الوردي أو الأبيض المصفر موشاة بأسلاك رقيقة من الفضة أو الذهب ويلبسن تحت الإيزار عادة ثوباً قصيراً قد وشيَ بالفضة أو الذهب .

والغريب الذي تشير اليه مدام ديولافوا أن حال المرأة ليس كحال الرجل، ومُقيدة بنوعية معينة من الملبس، أما الرجال المدنيون فلباسهم المتأثر بأوربا يقلل من قيمتهم بين السكان.

تشير الرحالة ديولافوا أن البصرة شيدت فوق أرض رسوبية وأنها لم تكن من المدن القديمة إذ لم تنشأ إلَا بعد وفاة النبي العربي بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب فقد إتخذ منها مركزا تجاريا وعسكريا مهما في العراق، تارة تكون تحت الحكم العثماني وتارة أخرى تحت الحكم الفارسي.

كان التمر من محاصيل هذه المدينة يصدر منها سنوياً ألوف الأطنان الى الخارج (ص29) وهي مدينة تعايش يسكنها جميع الطوائف " انك تجد النساطرة والسنة والشيعة والبابية والوهابية والمسيحية الرومية والمسيحية الكلدية والصابئة واليزيدية واليهود والأرمن وغيرهم كل بجنب الاخر وقلما يحدث نزاع بين أنصار هذه الطوائف التي تمارس كل منها شعائرها المذهبية الخاصة بمطلق الحرية والأطمئنان "، قارن ذلك مع وضع البصرة في القرن الحادي والعشرين .

كانت شركة لنج لندن، هي التي تنقل المسافرين من البصرة الى بغداد ولكنها "قذرة جداً" لأنها تترك لركابها حرية القيام بعمليات الطبخ والغسل في ممراتها وعنابرها. وهناك شركة عثمانية أسوء منها و لأن مدام ديولافوا كانت تريد الرحيل الى بغداد وعلى وجه السرعة فقد ركبت احدى سفن هذه الشركة وقد وصفت مدام ديولافوا سلوك العثمانيين بأسوء وصف لاسيما قبولهم الرشوة وإبتزاز الناس لاسيما الأجانب. مرت السفينة بمدينة "القرنة " والتي تصفها بأنها كانت تسمى " جنة الأرض " ! (ص36) ، ولكنها عند العثمانيين لايطالعك فيها إلا ساحل قذر تغطيه مياه الفيضان وموطنا للأمراض كما تستخدم محلا للجواميس .

بعد مرورها بعدة مدن لم تستقر بها وصلت مدام ديولافوا الى المدائن "سلمان باك" عاصمة كسرى أبرويز، إذ تقول عندما يدخل الانسان في هذا البهو العظيم يُؤخذ بالرهبة منه ويستولي عليه العجب العجاب لضخامته وعظمته على الرغم من مرور تلك العصور المتلاحقة من تاريخ انشائه وتصفه بكل جوانبه وأبنيته بإعجاب (ص42 – ص48) .

أهم ما لفت نظر مدام ديولافوا بعد دخولها بغداد والاستقرار بها ملاحظتها وضع النساء فيها فقد وجدت أن أكثرهن يعانين الأذى لما يؤمن به الاهلون بعادات وتقاليد غريبة.

شاهدت قوافل الزوار حينما يتجهون الى الكاظميَن "يحيط بها الأطفال السائبون ويأخذون في إسماع أفراد تلك القافلة قارص الكلم وجارحه في وسط زوبعة من الهرج والمرج ... ولا يستطيع الزوار إقامة دعوة في المحاكم، فالمسؤولون الترك - في الواقع - يشجعون تلك الحوادث و ربما تحدث بوحي منهم " ص76 – ص77 .

تذكر الرحالة وجود مدرستين فرنسيتين واحدة في بغداد وأخرى في البصرة يتعلم فيها العراقيون من جميع الطوائف اللغة الفرنسية " تؤدي هاتان المدرستان نتائج بعيدة في تثبيت نفوذ فرنسا في الشرق وتوسيعه وإني لمست آثار ذلك خلال سفرتي هنا وهناك بحيث أثلج ذلك صدري" (!!) (ص77) ، كيف لا وهي الفرنسية التي جاءت وأحد دواعي سفرها هو هذا الامر .

وما لفت نظرها واعجابها واعجاب الراهبات المدرسات في المدرسة الفرنسية " ذكاء ونبوغ أطفال هذه البلاد " (ص78 ) .

أما فيما يخص أثر الحضارة الغربية على مناطق الشرق فتشير مدام ديولافوا الى القول أن نقل الحضارة الغربية الجديدة الى الشرق والعمل على تمدينه وتلقيحه بمبادئ هذه المدنية المادية الحديثة يبدو مستحيلا لأن ماكنة الحضارة الغربية بإعتقاد ديولافوا معقدة بحيث لا يستطيع أن يقوم بها شعب من شعوب الشرق الجاهل الساذج هذا ...(!!)

لذلك ينبغي علينا أن نُوجد مبادئ أخرى نستخلصها من روحيتهم وميزاتهم النفسية عندئذ تكون سياستنا نحوهم ناجحة ومفيدة ص83 .

من الأشياء التي يجب أن يقوم بها الغربيون هو تغيير إنطباع الاتراك عن الغرب والمسيحية لأن " في قلوبهم حقداً دفيناً للنصارى ويكرهونهم كرهاً شديداً ذلك لأنهم يروننا كفارا وخارجين عن كتاب الله وسنته فيجب الحذر منهم والابتعاد عنهم ما إستطاعوا الى ذلك سبيلا (!) ثم لأننا نريد تغيير عاداتهم وتقاليدهم الشرقية بما نمتلك من ثقافة وعلم. وخلاصة القول أنهم ( الأتراك الشرقيون) يعدون معلميهم من الاوربيين أحقر وأقذر من الكلاب السائبة " ! ص86 .

وحين دخلا الى بغداد ( مدام ديولافوا وزوجها ) وجدا "أن النساء يرتديَن ملابس فضفاضة تغطي أجسامهن من قمة الرأس الى أخمص القدم " ص62. فضلا عن ذلك ففي هذه المناطق يحظر على النساء أن يشاركن الرجال في أعمالهم أو التواجد في أماكن عملهم. ص63 .

أما إسم بغداد فهو كما يعتقد المؤرخون الأولون يعني "هدية الله أو إنعام باك" وباك هذا هو إسم صنم قديم كان يقدسه الكلدانيون، أما في إعتقاد العرب فأنه حرف من كلمة " باغ " التي هي البستان في اللغة الفارسية و "داد" الذي هو أحد الزاهدين النساك والعلماء وكان يملك بستانا في هذا المحل بعينه لذلك سميت هذه المنطقة بأسم " باغ داد " أي بستان داد ويقال (باغ داد) أي بستان العدالة نسبة إليه وسميت هذه المدينة بهذا الإسم عند تأسيسها . ص64

تشير الرحالة مدام ديولافوا الى أن هذه المدينة التي أسسها المنصور كانت مأهولة بالسكان، وفيما أسس الخليفة العباسي جسرين عائمين يربطان الضفتين (ضفتا دجلة) (الكرخ والرصافة) إحداهما بالاخرى، وعلى إثر هذا أخذت بغداد تتوسع وأصبحت إحدى المدن المهمة في العالم يوم ذاك، وهو ذات الوقت الذي كانت أوربا غارقة في ليالي الجهل والوحشية كانت بغداد هذه موطن العلم والمعرفة ومركز الإشعاع في الدنيا كلها .ص65

لم تغفل مدام ديولافوا الاشارة الى الصراع الفارسي العثماني، إذ تذكر كيفية دخول "آل بويه" الى بغداد وصراع السلاجقة وإستحواذهم عليها، وإحتلال بغداد كان يتم بالتناوب بينهما، الأمر الذي أجج الصراع الطائفي في هذه المدينة . ينظر ص66- ص68

وهذا ما نوه إليه الوردي في كتاب لمحات اجتماعية والذي نظر اليه بوصفه احد الاسباب الرئيسية في تأجيج الصراع الطائفي في تاريخ العراق .

تذكر هذه الرحالة أن مدينة بغداد في أيام رحلتها أغلبيتها من الطائفة السنية وتذكر سوء تصرف أبناء الطائفة السنية مع الشيعة. وبغداد اليوم ليست بغداد الأمس، فأغلبيتها من الشيعة، لا من السنة.

أما أسباب التخلف وإنهيار الدولة العثمانية فمنها كما ترى" تعدد الزوجات، ومنها الإعتقاد بالقضاء والقدر إعتقاداً راسخاً، وهذا الأمر الأخير تتميز به السنة أكثر من الشيعة، لأن الشيعة معتدلون في سلوكهم ومسيرتهم، فطائفتهم تؤمن بجانب سلطة القضاء المحمي بإختيار الانسان وأثره فيما يأتيه من أعمال" ص86.

أما " كثرة الزوجات فقدأدت (بنظر ديولافوا) بالرجل المتزوج من أكثر من إمرأة الى أن يقوم بأعمال كثيرة ولا يتورع حتى عن المسائل غير المشروعة لكي يستطيع سد نفقاته المتزايدة " ص86 ، لذلك نجده منهك القوى فضلا عن لجوئه للرشوة، الأمر الذي أدى الى خراب هذه الأمة .

أما القضاء والقدر فقد دفع بكثير من المسلمين الى الإعتقاد بالجبرية والقدرية إعتقاداً مطلقاً حتى صاروا أناساً كسالى متوانين وتركوا جميع أشياءهم في كف القدر. ص87 ، ومن الآثار التي تتركها عقيدة القضاء القدر " انها تجعل منهم ناسا لا مبالين خانعين لا يجشمون أنفسهم عناء التفكير في الغد وما يحمله لهم، ولا يضعوا خططاً لمستقبل حياتهم وحياة اولادهم ".

وقد وجدت المستشرقة أن اليهود كانوا أكثر قوة لاسيما ما يتعلق بسيطرتهم التجارية والاقتصادية، أما أحياءهم فإنها تختلف عن أحياء المسلمين، فالمنازل ذوات شبابيك ومشارف ذوات سياج حديدي تطل على الأزقة، والنساء اليهوديات عادة منزوية في البيت ويملن الى إقتناء الذهب والجواهر النفيسة والألماس (ص106) وهذا دليل عدم التفرقة والتعايش السلمي بين أطياف المجتمع العراقي، فالأقلية فيه محترمة وتتميز بنفوذ واضح ولم يثر هذا حفيظة الأكثرية في ذلك الوقت.

تناولت المستشرقة الصراع بين السنة الشيعة، إذ نجدها بحكم معيشتها في إيران وبحكم إطلاعها البسيط على بعض عقائد المسلمين تجزم على أن الحق مع الشيعة في إعتقادهم بولاية علي (ع) وتقول "أن هذه المسألة أصبحت جلية لا تحتاج الى نقاش أو جدل بحكم قربه من النبي (ص) لذلك أراني احترم الإيرانيين واجلهم لأنهم يؤمنون بحق علي في الخلافة " ص126.

المستشرقة بشكل عام نجدها أكثر احتراما للإيرانيين مقارنة بالأتراك، وتعتقد أن الشعب الإيراني أكثر تحضراً من الشعب التركي، وأعتقد أن حُكمها هذا المتعلق بتقديرها للإيرانيين كونها قد زارت المناطق التي هي تحت الحكم العثماني، فشاهدت معاناة أبناء هذه المناطق وحالة التخلف والجهل والإهمال بسبب حُكم الاتراك السيء، فضلا عن فساد الموظفين الترك في هذه المناطق، إذ نجدها تقول حينما زارت الحلة "يسكنها اليوم خمسة عشر ألف نسمة تقريباً وهم خليط من العرب والكلدانيين واليهود وجماعة من الشيعة الإيرانيين ، وموظفي الباب العالي ، والطائفة الأخيرة تجدهم في أي بلد تحت سلطة العثمانيين وكأنهم السرطان الذي يفتك بجسم تلك البلدان ... " ص130- 131

من كل ذلك نستطيع القول ان الرؤية الاستشراقية في هذه الرحلة تقوم على الإستفادة من علوم الانثروبولوجيا ودراسة واقع المجتمعات البدائية والنامية بغرض الإحاطة بأخلاقيات وعادات هذه المجتمعات لمعرفة كيفية التعامل معها وإستثمار طاقاتها البشرية والمادية خدمة للنزعة الكولنيالية التي دفعت باتجاه تطوير الدراسات الاستشراقية ، لذلك نجد مدام ديولافوا في رحلتها للعراق تنظر الى هذا المجتمع بوصفه مجتمعا تنقصه الخبرة ويسوده الجهل على الرغم من التوافق الاجتماعي بين فئاته وهي تعتقد أن هذا المجتمع لديه القابلية على النهوض في حال إستطاع التخلص من الهيمنة العثمانية، والرحلة في طياتها تحمل دعوة الى الدول الاوربية الى تخليص هذا المجتمع من الاحتلال العثماني ، بمعنى آخر إبدال إحتلال الشرق للشرق بإحتلال الغرب للشرق، مبررة هذا الإحتلال بكونه من واجبات المجتمعات المتقدمة تجاه الدول الأقل تقدماً أو المتخلفة (!) منطلقة بطبيعة الحال من مقولة مركزية الغرب وهامشية الشرق وإن بقيت ديولافوا منبهرة بسحر الشرق وروحانيته .

 

الكتاب : رحلة مدام ديولافوا (1299 هـ - 1881 مـ)

ترجمها عن الفارسية : علي البصري

مراجعة وتقديم : د . مصطفى جواد

مكان النشر : الدار العربية للموسوعات ط1 ـ بيروت 2007    قراءة تلخيص : د. علي عبد الهادي المرهج

حجم الكتاب : 17 سم X 24 سم

عدد صفحات الكتاب : 176 صفحة

 

 

1127 masaroaبداية أجمل باقات الورد وأحلى التحيات والتهاني للصديقة الشاعرة البهية فاتن مصاروة، ابنة كفر قرع، صاحبة الاحساس الراقي، والصفاء الوجداني الفلسطيني العميق، بمناسبة صدور ديوانها الشعري الجديد "وأقطف صمت التراب الجميل" الذي يرمز الى تراب الوطن الفلسطيني المخضب بدماء الشهداء الابرار الذين سقطوا في معارك الحرية والكرامة .

وهو صادر عن مكتبة " كل شيء " في حيفا، لصاحبها الاستاذ الناشر صالح عباسي، ويضم باقة من قصائدها التي جادت بها روحها وقريحتها الشعرية خلال السنوات الأخيرة .

وكان صدر لفاتن ديوانها الاول " فرس المجاز " العام ٢٠١٤ عن دار الشروق في رام الله .

فاتن مصاروة صوت شعري بالغ العذوبة، له خصوصيته ونكهته الفلسطينية وتميزه، ومبدعة مقتدرة تتنفس القصيدة، وتجمع الى موهبتها الشعرية الحقيقية الصادقة ثقافة أدبية وسياسية وفكرية واسعة مكنتها من انضاج وصقل تجربتها الشعرية، وتطويع اللغة وتفجير طاقاتها الدلالية الايحائية، ولغتها الشعرية رافضة لمختلف النعوت والديكورات المنمنمة الزائفة، وتحاول بطريقة ذاتية،واسلوب شاعري راق أن تؤجج الشوق اللاهب في النفوس الظامئة والمتعطشة لمدينة الشمس والغد المرتقبة، التي لا يلجأ اليها سوى الشرفاء والاحرار وإصحاب الضمائر النقية وفقراء الناس .

وهي توظف أدواتها الفنية والجمالية وصورها الشعرية المتدفقة في بناء شعري هندسي وفني متناسق يحفظ موقفها السياسي الفكري الفني نصوعه، وللمعايير الجميلة مقاييسها .

وحين تطرح فاتن مصاروة في قصيدتها موقفها الايديولوجي الطبقي، وهو مسألة نظرية ورؤيا فكرية عقلية مجردة بحتة، تضفي عليها جمالية فنية بحيث تتحول الى فكر فني - على حد تعبير "غوركي" .

انني اذ اهنئ فاتن مصاروة، الشاعرة الانيقة الملتزمة، والانسانة صاحبة الموقف والقيم الوطنية، والناشطة السياسية المكافحة بلا كلل، اتمنى لها مزيداً من العطاء والتألق الشعري، وستكون لي باذن الله وقفة أخرى مع ديوانها ونصوصها وعالمها الابداعي، والى الأمام ..

 

 شاكر فريد حسن

 

 

1125 mohanadيقع الكتاب في  252 صفحة، صادر عن دار مركز نماء للبحوث والدراسات (بيروت): وهو حصيلة بحوث اجريت على مدى عشر سنوات، كالاتي:

*مقاربة اسلامية مع نماذج "المنجمنت" الغربية: نماذج "نيوليبرالية" للدعاة الجدد أصحاب الأجندات الوظيفية!

*من طبائع الاستبداد الى طبائع الاستهلاك، عن ابتلاع الحداثة لصيغ التمدن، وخطر الرأسمالية على صيغ التدين.

*ويجدر الاعتراف أن الفاعل الوحيد الذي يملك مشروعا يقوم على القطيعة الفعلية هو التيار الجهادي الراديكالي، مما يفسر جزئيا نجاحه في تجنيد أعضاء جدد.

*اسلام السوق -اذن- ليس رافعة للتعبئة الهوياتية، بقدر ما هو حافز للانفتاح على العالم، وهو يشارك في اللحظة النيوبرالية التي تعكس التخلي عن البنى السياسية الكبرى، ولقد أسهم الربيع العربي في تاكيد هذا الاتجاه بشكل كبير.

*يمنح "اسلام السوق" لعدد من القيم والعواطف والسلوكيات الدينية فرادتها التي ترتبط بالتفاعل بين المجال الديني والحقل الاقتصادي، وليس من خلال تسييس الاسلام.

*ان الاخوان لم يعودوا قادرين على رؤية وتحليل المشاكل الحقيقية. انهم لا يرون سوى مشاكل وحلول تنتمي الى الماضي، ويواصلون تكرار خطابات وشعارات اطلقت في الخمسينات والستينات (ص. 49)، فخطابهم الديني فقد بريقه.

*كما يلاحظ مثقف اسلمي تركي: استهلاكية الحجاب ليست نتاج الأسلمة بقدر ماهي تعبير عن الحلم الأمريكي للبرجوازية الاسلامية.

*فرض عبد الله جمنستار في جنوب آسيا، وعمرو خالد في العالم العربي نفسيهما في اقل من خمس سنوات باعتبارهما أهم دعاة اللحظة الراهنة.

*يهتف عمرو خالد في احد دروسه الدعوية الاولى "كفانا اخلاصا لله خوفا منه"، ويضيف "لم أعد اريد علاقة مؤسسة على مبدأ: أنا أخافه لذا تجب علي عبادته – لا، أنا اريد علاقة مؤسسة على المحبة، والكسل هو أسوأ الشرور"، أما الأندونيسي الأخ جيم، فيفرض نفسه في الساحة الاعلامية الأندونيسية، بتمجيده لفضاائل التسامح وتأكيده على النزاهة والسخاء. (ص.84).

*تدين تحركه قوى السوق...

*في تركيا، يعتبر فندق "كابريس" على ضفاف نهر ايجه، الفندق الأول الذي يمنح مرتاديه بيئة تتوائم مع معايير الأخلاق الاسلامية، ويركز على "أسلمة" كافة وسائل الترفيه!

*لاهوت النجاح: لا بد ان تتذكروا أن الرسول كان رجل اعمال، كذلك يذكر عمرو خالد بأن الثرة هي وسيلة للسمو الديني، فالمسلم الغني احب الى الله لأنه سوف ينفق ثروته في سبيل الله وفي أعمال الخير.

*اليوتوبيا الادارية الجديدة: وفي هذا السياق سيتم اكتشاف "المنتجات الرئيسية" التي ستسد الفجوة بين الالتزام الاسلامي والفكر الاداري.

*نحن الآن نكتشف شيئا جديدا: التفوق والجودة والتنمية، وسيكون الشيخ "محمد الغزالي"، هو اول من سيقوم بربط المبادرات الاسلامية بأدبيات الادارة.*

*وصلت المبالغة لحد تشبيه مقولات "ستيفن كوفي" في كتابه " العادات السبع لأكثر الناس فعالية"، بما يقوله "القرآن الكريم" لافهام الناس بالعادات السلوكية الحميدة.

*أما في دول الخليج العربي، فقد ظهر "طارق سويدان" كأفضل من يمثل الداعية الذي يجسد هذه الرغبة في الجمع بين الدعوة  وبين اصلاح الذات، بالاعتماد على ادبيات "التحقق الذاتي" الأمريكية.

*يعزى نجاح مفهوم "المنجمنت" الاسلامي في جنوب شرق آسيا خاصة من الأرخبيل الندونيسي، الى كونه كان آداة موضوعية لخدمة طبقة التجار المسلمين في نزاعها القديم المتجدد مع الأقلية الصينية، وفي الواقع تفرض هذه الأقلية نفسها كقوة اقتصادية كبرى منذ أيام العهد الاستعماري.

*في اطار هذه الانعطافة بالضبط، سوف ينفتح "اسلام السوق التركي" على نماذج "المنجمنت" الغربية، ولسان حالها هو خطاب تركيبي يجمع ما بين الهاجس الأخلاقي والمشروع الاصلاحي.

*بدون شك، فان "فتح الله غولن"، هو الوريث الحالي لفكر "سعيد النورسي"، والمعروف بدعوته لاسلام يتوافق مع العقل والعلم والحداثة، وهو الأقرب الى مخيال عالم الأعمال الجديد الناتج عن اسلام السوق.

*فتح الله غولن لا ينبذ شيئا من الحداثة السياسية الغربية،بل يشجب تطبيق الشريعة من قبل الدولة، وينتقد الأنظمة السعودية والايرانية، ويعتبر الديموقراطية أفضل أشكال الحكومات، وهو يفضل "اقتصاد السوق" وصورة المسلم الفعال والمنتج انطلاقا من خطاب "تركيبي" موجه نحو أفكار "بذل الجهد والانضباط"، كما يجمع في طروحاته ما بين الهاجس الأخلاقي والمشروع الاصلاحي.

*انه "اسلام المشاريع" الذي سيصبح التعبير الأجد عن اسلام السوق، ويتم الآن العمل في اطار اقتصاد السوق باستخدام المعايير الدينية.

قيم كل من "المحافظة الأمريكية واسلام السوق" يتقاسمان نفس الطموح: تعمل "المنجمنت" بصيغتها العصرية البرجماتية كبديل مقبول للقيم الاسلامية العملية، حيث يؤكد المصري "محمد فتحي" على مهمته في تشكيل جسر، يجمع بين قيم الدعوة والمنجمنت.

*يجب اذن القبول بفكرة ان العالم الاسلامي يمر في مرحلة انحطاط، وان امتنا قد وصلت الى منحدر ليس هناك أعمق منه، وتكمن نقطة البداية في احياء الأمل، الذي تعبر عنه تجربتان عالميتان لاعادة البناء والنهضة وهما : اليابان والمانيا.

*وهذه القيم الموجودة في الاسلامهي ما تجعل الأمل ممكنا، فالقرىن الكريم يشدد على بذل الجهد 250 مرة، وعلى عمارة الأرض  400 مرة، وعلى استثمار الوقت 5 مرات!

*باختصار، فقد لخص الرسول (صلعهم) الاسلام  في جملة واحدة معبرة: "الدين النصيحة"، والنصيحة أن يكون المرء ايجابيا ومتفاعلا.

*والسؤال الأخير المطروح حول النهضة الاسلامية الجديدة: فهل هي اصولية جديدة، اسلام سياسي، ام حركة اصلاحية؟!

*أما الروح الانسانية فيمكن تشبيهها بالمنطاد المليء بالهواء، الذي لا يمكنه ان يعمل الا اذا تم فتحه!

*وفي الختام: يبدو ان الاسلام "بالمشاريع" يساهم في تشكيل طبقات اجتماعية وانماط حياة معينة، مندمجة في العولمة، وتتمتع باستقلالية نسبية تجاه الدول الوطنية.

الكتاب يتحدث بعمق ومع بعض الأمثلة الدالة عن التزاوج العصري بين ممارسات الخطاب الاسلامي والاسس الفلسفية والعملية لمفاهيم "السوق والمنجمنت"، وهذا التزاوج الفريد محمول بمضامين "العولمة والنيوبرالية"، وقد رأيت ان الخصه للقراء الكرام كمساهمة لفهم مجريات الامور في العالم العربي والاسلامي، وهو ربما من الكتب القليلة التي تتحدث عن هذا الموضوع ومن منظور غربي يتمتع نسبيا بالحيادية واحيانا بالسذاجة وسؤ الفهم, فعسى ان يكون مفيدا ويلقى التجاوب. والتفاعل.

 

مهند النابلسي/كاتب وباحث 

 

khaira mobaraki"إن الخوف من البرابرة هو الذي يُخشى أن يحوّلنا إلى برابرة السّوء الذي نتسبّب به لأنفسنا سيتخطّى السوء الذي كنّا نخشاه في الأساس..إن كل الارهابيين في العالم يعتقدون بأنّهم يتصدّون للإرهاب وأنّهم لا يقومون سوى بالرّد على عمل مروّع في السّابق "  تزفيتان تودوروف

ينطلق تزفيتان تودوروف من تحليل موضوعي يحاول من خلاله أن يقف عند الأسباب الحقيقية للصراع الذي سيولّد الشعور بالخوف ، ولعلّه اطراد منهجي يبرّر به مقولة الحقد في تطوره نحو تأجيج الصراع بمختلف أشكاله ينطلق من مواجهة كبرى بين الشرق والغرب لمدة تقارب العشرين سنة . ليشهد تطورات جديدة غابت فيها المواجهة والتصادم الشّمولي. وهذا الهدوء النسبي أفرز ثورة تكنولوجية حقيقية ساهمت في تعزيز الاتصال بين البلدان وهو ما أطلق عليه اسم " العولمة "  أثّر على العلاقات الدوليّة ، ليخلق ضربا من التّواصل بين "شعوب الكرة الأرضيّة " . قد يبدو لهذا التواصل بين البلدان والأشخاص مفاعيل إيجابية كما أشار تودوروف ، إلاّ أنّ ابتكارات تكنولوجيّة قد تصبح مصدر قلق وهو الوصول بسهولة إلى الأسلحة المدمّرة وخاصة المتفجّرات التي أصبحت في متناول أيّ كان فلا يحتاج الفرد سوى لهاتف محمول لكي يقوم بالتفجير. هنا تنشأ المخاوف من خلال تحليل الكاتب لأنّه ومن خلال قوله :" لم تعد هناك من حاجة لقوّة دولة لكي نُنزل بالعدو أفدح الخسائر ، ويكفي لذلك وجود بضعة أفراد مصمّمين ويمتلكون الحد الأدنى من الامكانيات الماليّة .." يؤكد أن هذه الثّورة من شأنها أن تسبّب صراعا بين الأقوياء والضعفاء يغذّي الحقد والثّأر الدّفينين النّاجمين عن الإذلال الذي مارسته هذه الدول على مدى عقود أو قرون طويلة. هو صراع بين الازدراء أو الشفقة وبين الشعور بالحسد والرفض لتعمّق هذه الثنائيات صراعا آخر بين التكنولوجيا والقوّة من ناحية والتّفوّق العددي والغضب من ناحية ثانية. والجدير بالذّكر أن الكاتب قد أقام خطابه على تحليل موضوعي يستند إلى العقل فينطلق من التاريخ ليقف عند الأسباب الموضوعية للخوف في ضرب من الاستقراء للواقع والأصح هو يحلل طبيعة المأزق التاريخي الذي يعيشه الغرب عبر متابعة طويلة ومتزنة  وليست غايته التأريخ بقدر ما هي الابتعاد عن التنظيرات الجافة والتّخيلات الخادعة ليلامس الواقع ويعيشه من الدّاخل . وهاهنا يدرس الاجتماعي للفرد والجماعة وما يحيط به من مثيرات اجتماعية. وكأنّه بذلك ينطلق من دراسة علميّة للإنسان ككائن اجتماعي ويهتم بالخصائص النفسيّة للجماعات ومتطلّباتها . لعلّه بهذا يشير إلى تصادم الذّات الفردية والجماعية أمام التّغييرات والتّبدّلات الحاصلة ببيان مقنع يلوذ به إلى التطورات الحاصلة وصيرورة التاريخ والثقافة وهذا ما يوصله إلى يقين وهو أنّه لا توجد ثقافة خالصة أو مختلطة  "فكل الثقافات مركّبة هجينة أو مهجّنة بما فيها الهويّات الفرديّة والجماعيّة كممثّل للثّقافة من جراء التواصلات الإنسانيّة".  هنا تطرح مسألة الغيريّة بعنف كيف ينظر كل طرف إلى الآخر؟ وهو أمر يراه مقترنا بالأهواء الانسانية  باعتبارها المحرّك للمجتمع استنادا إلى مقولة منتسكيو التي جاءت في كتابه روح الشرائع Lesprit des lois :"الفضيلة في الجمهوريّة ،والشّرف في الملكيات " وذلك ضمن مفهوم أطلق عليه "مبدأ الحكم" .فيؤكد من خلاله أن هوية هذه الأهواء هي هويّة متحرّكة تفرض خصوصيّة كل بلد لكنّها في الآن ذاته تمكّنها  من التحوّل والانتقال بسهولة من مجموعة إلى أخرى وهو بذلك يقترح تجمعا للعالم هو بالأساس تصنيف اشتغل عليه دومينيك مويزي في كتابه "صدام المشاعر" The clash of emotions  هذا التّجمع من أربع كتل : L appétit أو "الشّهية" وتتضمن مجموعة الدول الطامحة للوصول إلى مستوى من الرقي والغنى من إفادتها من العولمة ومن الاستهلاك ومن وسائل الترفيه (البرازيل واليابان والهند ..) .أمّا المجموعة الثانية فهي مجموعة البلدان التي يلعب فيها "الحقد " والاستياء دورا أساسيا Ressentiment  وتجمع الدّول العربيّة – الإسلاميّة التي لا تستطيع أن تخرج من حقدها على الغرب وهو حقد كما أشار تزفيتان تودوروف من طرف القادة العرب كذريعة لتجنب المشاكل الحقيقيّة . أمّا المجموعة الثالثة فهي التجمع الغربي وتتميز بالموقع الذي يحتلّه فيها "الخوف " La peur  الذي يأتي من المجموعتين : تخشى "بلدان الشهية " من سيطرتها الاقتصادية و"بلدان الحقد"   هجوماتها الإرهابية . وأخيرا الكتلة الرابعة "التّردّد" Indécis . بهذا التّصنيف يصل الكاتب إلى جوهر الإشكال وحقيقة الأطروحة التي يفسّرها وهي حق الدّول الغربيّة في الوقوف والتصدي لكل اعتداء يمس أمنها وقيمها التي اختارت أن تؤسّس عليها أنظمتها الديمقراطيّة وتواجه أي تهديد إرهابي . وهاهنا يتعاظم الخوف الذي يتحول من منظور تودوروف إلى  تبرير عقيم لتصرّفات لاإنسانيّة  حين تكون كل الوسائل مقبولة لإزاحة هذا الخوف . بهذا يعتبر أن الحرب ضد الإرهاب قد  برّرت العديد من الجرائم التي ارتكبت ضد الانسانية وخاصّة منها الشرعيّة التي تمّ اضفاؤها على التّعذيب من قبل الدّيمقراطيات الغربيّة ولا أدلّ على ذلك ما يحصل في سجني أبي غريب وغوانتنامو أو الاجتياح العسكري المنافي للقانون الدولي وقصف قرى المدنيين من وحي المفهوم الميكيافيلي "الغاية تبرر الوسيلة " . إنّه مبرر منظّري الاستعمار وهو نفسه الذي برّر له منظري التدخل باسم الإنسانيّة والحماية أو باسم الديمقراطيّة والحرّية ، كما ردّد جورج بوش وهو يحضر لغزو العراق " القول بالكونيّة يهدّد فكرة مساواة الشّعوب" بهذا يحذّر من أنّ "الخوف من البرابرة هو شعور يوشك أن يجعلنا برابرة" وهاهنا يتعمق في هذا الشعور الجامح الذي يتحوّل إلى حالة مرضيّة وخاصة ضد الاسلام والمسلمين لاعتبارات عدة تتجاوز التاريخ في صراعه مع المسيحيّة إلى ما هو أعمق وأخطر فالخطر "الذي يمثلونه ليس وهميّا . أخيرا شاءت الجغرافيا (أو الجيولوجيا) أن تمتلك هذه البلدان المسلمة أهم احتياطات الطاقة الموجودة في كوكبنا .وحين يرتفع سعر الوقود أو فاتورة التدفئة المنزليّة،فإنّ الشعور بالتبعيّة إزاء من كانوا خاضعين سابقا هو إحساس مزعج"  وهذا الأمر ضاعف من الشعور بالحقد لنكون إزاء ما يسمى الكزينوفوبيا (كره الأجانب) الذي يشكّل برنامج الحد الأدنى لأحزاب اليمين المتطرّف كأن يصرّح فيليب ديوانتر رئيس حزب "المصلحة الفلامنكيّة ": "الاسلام هو العدو رقم واحد ليس فقط في أروبا وإنّما في كل العالم الحر " وتترافق هذه الكزينوفوبيا مع ما يسمى الإسلاموفوبيا ليقترن الخوف والحقد في علاقة جدليّة . من هنا تظهر رؤية الكاتب وبرنامجه النقدي . هو نقد ذاتي يتصل بأخلاقية التحليل الموضوعي لقضايا تتصل بالعلاقة بين الذات والآخر. وخاصّة مشكلة الغرب مع العالم الإسلامي التي تتمثل في في إصراره على إسقاط تجربته الحضاريّة على الآخر . في هذا السّياق يحذّر المؤلف من تبعات هذه الأحكام كقوله : "أي شخص يحمل هذا الاعتقاد يصبح خطيرا عندما يقرّر أن على العالم بأسره أن يستفيد من مزايا مجتمعه وتجربته التّاريخية المحدودة في الزمان والمكان ، وأنه مدعو إلى غزو بلدان أخرى إن لزم الأمر من أجل إمدادها ببشائر التقدم والرّخاء ". هنا ينتقل تودوروف من موقع المفكّر صاحب النّظريّة إلى موقع السياسي صاحب الموقف . ليرفض بذلك السّياسات العنيفة لدول العالم الحر في التعامل مع دول معادية ونفوذها المتعاظم داخل دوائر صنع القرار وهذا لن يمثّل خطرا على الدّيمقراطيات الغربية فقط بل يتجاوزها إلى العالم بأسره . فخيارات الولايات المتحدة لا تختلف كثيرا عن تلك التي كانت ستتخذها بلدان عديدة أخرى ...فهي متحفّزة للشر والهجومات من ورائه لأنّها تحتلّ على الصعيد العسكري موقعا متميّزا . "إنّ ترسانتها المدمّرة هي بما لا يُقاس أضخم من كلّ البلدان الأخرى : ..إنّ كل البلدان تخشى ردّة فعل الولايات المتحدة..فالمواصفات الرّائعة للتكنولوجيا العسكريّة التي تمتلكها ،هي التي تجعل منها البلد الأشد خطرا-على الآخرين وكذلك على نفسها ،ذلك أنّ أسلحتها النوويّة يمكن أن تعرّض للخطر حياة الكرة الأرضيّة " (تزفيتان تودوروف الخوف من البرابرة :ما وراء صدام الحضارات ص14) . بهذا هو يشدّد على ضرورة إعادة النّظر في مفهوم "العدو" نفسه مشيرا إلى خطورة ما يفكّر به الغرب يقول هنتنغتون : " الكراهية جزء من صميم إنسانيّة الانسان ، ولتجديد هويّتنا وإذكاء مشاعرنا سنكون في حاجة إلى أعداء ". بهذه الطريقة يدمّر الغرب نفسه فيسقط في البربريّة حين يعلن المؤلف حقيقة المعنى في خضم "معمعمة" من المصطلحات المتشابكة المعنى ليركّز على مفهوم "البربرية" فيقوم بمماثلة منهجيّة تاريخيّة يربط من خلالها بين وصف دوائر غربيّة للحضارة الإسلامية بأنّها "بربريّة " وبين مفهوم البرابرة في عهد اليونان وهو إطلاق الاسم على كل من لا يتحدّث اللغة اليونانيّة ، لينتهي إلى أن المركزيّة الغربيّة تعتبر أن كل من يتجاوز القيم الغربيّة يدخل دائرة "البرابرة"  وهاهنا يرفض رأي الفيلسوف كلود لفي شتراوس  حين اعتبرها حالة انسانيّة ويؤكّد على وجود البربريّة فيحددها بمحدّدات مختلفة تتجاوز التنظير إلى ملامسة الواقع الموضوعي فالبربريّة برأيه هي حالة نفي إنسانيّة الآخر تتحقّق حين تعتقد مجموعة بشريّة ما بأنها تجسّد التّمدّن والإنسانية وترفض الاعتراف بتجربة الآخر وهذا ما يوقعها في شرّ الانغلاق على ذاتها وهو مؤشّر رئيسي في حالة "البربريّة " بهذه الطريقة يدمّر الغرب نفسه ، ليكون جزءا من الثقافة "البربريّة" التي يخشاها ويزعم أنه يريد القضاء عليها .

يتبع ....

 

 

husan sarmakمن الصديق الشاعر سلمان داود محمد حصلتُ على العدد (برتقالة!) لسنة 2017 من مجلة "تامرّا" التي يصدرها اتحاد أدباء وكتّاب ديالى.

أشاعت قراءة هذه المجلة الفرح في نفسي، فالإبداع – لا الأبنية والعمارات الإسممتية على أهميتها - هو الدليل على حيوية الشعوب وخلودها. وهذه المجلة علامة على توقّد إرادة الخلق في نفوس مبدعي هذه الأرض المعطاء. والعدد مُتخم بالجمال الآسر شكلا ومضموناً. واحد وخمسون نصّاً لواحد وخمسين مبدعا من أجيال مختلفة حيث يتجاور اسم عملاق شعري مثل ياسين طه حافظ ويزدهي بحديقة الزهور الشعرية المُحيطة به مثلما تتألق نخلة نقدية مثل فاضل عبود التميمي وسط حديقة من القامات النقدية.

واختيار اسم "تامرّا" للمجلة جاء بوعي وقصدية كما يقول "طه هاشم" مستعيناً برأي الجغرافيين في مقالته "تامرّا .. نهر بعقوبا العذب": (تامرّا بفتح الميم وتشديد الراء والقصر، نهر كبير تحت بغداد من شرقيّها مخرجه من جبال شهرزور مما يجاورها .. وعلى شاطىء هذا النهر (تامرّا) كانت باجسرا وبعقوبا والنهروان .. وهو يصب إلى دجلة تحت بغداد بأكثر من فرسخ ويسمّى فم مصبّه (فم ديالى) و (ديالى) هو اسم لآخر هذا النهر من النهروان .. وقد قيل أن (ديالى) اسم النهر الذي ينحدر من تامرّا بعد سدّة النهروان..) (ص 5 و6).

استُهل العدد بملف عن الرواية المهمة "مقتل بائع الكتب" للروائي المبدع سعد محمد رحيم ساهم فيه : فاضل عبود التميمي وسامان جليل وشيماء العبيدي. أمّأ في الشعر فقد جاءت نصوص مهمة لابراهيم البهرزي وجلال زنكبادي وياسين طه حافظ وأنمار الجراح وغزاي درع الطائي وأحمد عبد الجبار ومصطفى الهود وغيرهم.

في الترجمة قدم علي صاحب نصوصا لطاغور وقدم عقيل يحيى قصتين قصيرتين لميخائيل بولغاكف.

وارتباطاً بالترجمة، توقفتُ وبمتعة عند مقالة الأستاذ أحمد خالص الشعلان "جدوى ترجمة الأثر الأدبي إلى اللغات الأخرى" (ص 95-102) والموثقة بالمراسلات بينه وبين الراحل الكبير "فؤاد التكرلي" حول معضلات ترجمة رواية التكرلي "الرجع البعيد" إلى الفرنسية والإنكليزية.

أمّأ في حقل السرد فكانت هناك نصوص لمحمد الأحمد وماجد الحيدر وكلزار أنور وتحسين كرمياني وكامل التميمي وصالح الشيباني وغيرهم.

وعن المسرح هناك دراسة للأستاذ سالم الزيدي "مسرح ديالى رسالة محبة وسلام" ونص مسرحي للمتبتل في محراب المسرح "صباح الأنباري" عنوانه "حدث ذات حب".

ولفتت انتباهي وأعجبتني مبادرة أسرة المجلة في تخصيص ملف لعشرة من الأصوات الشعرية الشابة مع دراسة نقدية عنها للأستاذ مندوب العبيدي (ص 121-134). وسيكون للشاب "علي اللبيب" حضور شعري كبير مستقبلا مع العناية بالتركيز والتكثيف وتجنّب الأخطاء اللغوية. قصيدته "مهاجر في حارات الله" رائعة ومهمة وتفصح عن طاقة شعرية كبيرة خصوصا لو أنه أنهاها عند المقطع العاشر.

وكما بدأ العدد بالنقد اختُتم يمجموعة من المقالات النقدية هي : شعرية النص لنوافل العبيدي عن المبدع الكبير ياسين طه حافظ ، و"الرثاء ونمطية الاستدعاء في قصيدة غزاي الطائي" لإياد الحمداني، و"جدلية الأبيض والأسود في ليل سمين لعلي فرحان" لماجد القيسي، وأخيرا "قراءة تداولية في قصص عائلة الحرب لصلاح زنكنة" لمثنى كاظم صادق.

وهكذا ترى أن "تامرا" لم تقدّم لنا (برتقالة) في عددها هذا بل بستاناً من برتقال النصوص الشهية. فلنشد على أيدي مبدعيها الرائعين. 

الإبداع هو ارتجافة قلب أيّ شعب وعلامة حياته. وهذه الارتجافة الخلاقة المُنعشة تأتي الآن من ديالى وسط خرابها هي العصيّة على الخراب.

تحيّة لديالى الإبداع.. ولتامرّا : نهرها الخالد.. نهر إبداعها الذي لا ينضب  

* ملاحظات بسيطة

(1). أعتقد أن الاستخدام الشعري المجازي يصلح في وصف النصوص وليس في تصنيفها. بمعنى أننا حين ندرس ونوثّق تاريخ المجلة بعد سنين إن شاء الله يُصنف العدد الأول والثاني وهكذا .. وليس العدد (برتقالة). وهل سوف نستخدم اسم فاكهة أخرى للعدد الثاني؟

(2). ينطبق هذا من وجهة نظري على عناوين الزوايا فلا أدري ما معنى 3D كعنوان لملف المجلة عن رواية "مقتل بائع الكتب". كما استخدمت هيئة التحرير تعابير "اشتعالات" و"كان يا ما كان" و "روافد" و "خشبة" و"ثمار النهر" بدلا من شعر وسرد ونصوص شابة ومسرح ونقد .. إلخ. ولم أستطع ربط عنوان مثل "من حقيبة الزاجل" بمقالة الأستاذ أحمد الشعلان. إن ذهنية القارىء وتوجّه الباحث مؤسس على توصيفات اجناسية راسخة ومُحدّدة أرى أن علينا التمسّك بها.

(4). تخطيطات الفنانَيْن: الأستاذ عادل كامل والدكتور غالب المسعودي جميلة ومعبّرة ، ولكن هناك "تخمة" من التخطيطات مع بعض النصوص القصصية مثلا.

(5). ولم أستطع استيعاب وقبول الملاحظة التي وضعتها إدارة المجلة على صفحتها الأولى والتي تقول : (لا تخضع موضوعات المجلة للمفاضلة في الترتيب بين الأسماء ، بل للضرورة الفنية). يجب – على سبيل المثال لا الحصر- وهي ضرورة إبداعية وأخلاقية وتربوية وتاريخية حفظ مهابة شعراء كبار بنوا امجادهم الشعرية بالعرق والدم والسهر والعناء الرهيب في وطن هو جحيم الله التطبيقية على أرضه مثل ياسين طه حافظ وغزاي درع الطائي وابراهيم البهرزي وغيرهم. وليس معيباً فنّياً مثلا أن يُفتتح العدد بقصيدة ياسين طه حافظ حتى قبل افتتاحية رئيس التحرير فهذا ما سيشرّف المجلة وليس "فنّيّاً" أن تضع اسم ياسين خلف أسماء أحفاده.

 

الدكتور حسين سرمك حسن

 بغداد المحروسة

  

1123 salihعملت خلال السنوات الماضية بجد من يحاول أن ينتهز ما بقي من وشل العمر ليعطي ما عنده، حتى لا يضيع هباءً مثل أعمارنا التي ضاعت هدرا، بل أضاعها الطغاة والقساة والمفسدون بنزقهم وطغيانهم وعبثهم وبحثهم عن الأمجاد الشخصانية الفارغة.

وعلى خلاف منهجي البحثي الخاص بتناول قضايا الفكر الإسلامي وتناقضات المذاهب ومجابهاتها، توجهت للكتابة في أمور وقضايا فرعية كثيرة، فتوفر لي خزين من الكتب المنجزة أو التي أشرفت على الانجاز، من كلا المنهجين القديم والجديد، ففضلا عن كتاب يتحدث عن رجال البصرة في كتاب ربيع الأبرار للزمخشري، وكتاب الإمام الحسن العسكري آخر الممهدين للغيبة، وهما الآن تحت المعاملة، ويؤمل صدورهما قريبا إن شاء الله، أنجزت وأصدرت خلال عام 2017  كتاب "قراءات انطباعية في حكايات أدبية" وكتاب "إليك فقط" والكتاب الذي أنا بصدد الإعلان عنه اليوم وهو بعنوان "مقدمات ونصوص"، كما أنجزت مجموعة شعرية جمعت فيها نتاجي الشعري خلال السنوات الماضية؛ وهي بعنوان "نوبات من الشعر" على أمل أن أرسلها إلى الناشر بداية العام المقبل، إن كانت في العمر بقية.

إن كتاب مقدمات ونصوص أهديته إلى أهل واسط الطيبين الذين احتضنوني حينما حللت عليهم ضيفا طارئا أجبرته قسوة أخيه الإنسان على ترك بيته وتراثه والبحث عن وطن جديد، فوجدتهم أهلا وأصدقاء وأقرباء وعشيرة، ولذا قلت في الإهداء: إلى الأرض الطيبة التي اتخذتها وطنا ففاحت عشقا .. إلى واسط الخير التي بسطت لي كفوف الراحة وكأني من صلبها فكانت وطنا وعشيرة .. إلى أهل واسط أهل الطيبة والنخوة .. وإلى كل الطيبين في الدنيا.

قسمت الكتاب على قسمين، تناولت في القسم الأول الحديث عن المقدمات تعريفا وتاريخا، واختلاف أنماطها، ثم الحديث عن المقدمة والتمهيد والتقديم وموقع كل منها في الكتاب، والمقدمة في العمل الأدبي، وتحدثت عن علاقة المقدمة بالإهداء والشكر، وتكلمت أخيرا عن طقوس إهداء الكتب بين الماضي والحاضر، سواء بإهداء النص إلى شخص أو جهة أو مدينة كما فعلت أنا بإهداء كتابي هذا إلى مدينة واسط وأهلها، أو بإهداء نسخ من المطبوع إلى أشخاص أو جماعات، وكيف كانت طقوس التعامل بين المُهدي والمُهدى إليه.

أما القسم الثاني من الكتاب فقد قسمته على قسمين، أوردت في القسم الأول منه المقدمات التي كتبتها لبعض المؤلفات، لتكون أنموذجا عمليا لما تحدثنا عنه في مطاوي البحث، ومنها:

مقدمة موسوعة الإمام الصادق والمذاهب الأربعة.

مقدمة منامات ابن سيا للدكتور محمد تقي جون.

مقدمة إليها فقط وهي مجموعة شعرية للدكتور محمد تقي جون.

مقدمة تاريخ أمة لكتاب مصطفى جمال الدين لعلي فضيلة الشمري.

مقدمة شاعرة تصلي في سماوات الحسين للشاعرة المغتربة خلود المطلبي.

مقدمة كتاب أبواب محبة الله للشيخ رحيم الطائي.

ومقدمة لكتاب الأستاذ طه سلمان.

وأوردت في القسم الثاني منه مقدماتي التي كتبتها لبعض مؤلفاتي وكتبي، ومنها:

مقدمة كتاب نحن والآخر والهوية.

كتاب نظرية فارسية التشيع.

كتاب الحسن بن علي الإمامة المنسية.

كتاب الحسن العسكري آخر الممهدين للغيبة.

وختمت الكتاب في نهاية الرحلة بالقول:

بعد هذه الرحلة الطويلة والحديث المتشعب عن المقدمات وتاريخها وعناصرها وذكر نماذج منها لابد من القول إن كتابة المقدمة تبدو ضرورة ملحة لكل عمل سواء كان أدبيا أم دينيا أم علميا أم صناعيا، وهي ستبقى على مر التاريخ الباب الرحب الذي يدخل المتلقي من خلاله إلى مركز العمل، فيفيد مما يرد فيه بعد أن تكون المقدمة قد عرفته على المتن، وأزالت ما قد يشعر به من التهيب بسبب اللقاء الأول. ومن دون المقدمة سيجازف الكاتب بالقارئ، فيدخله في متاهة قد تُضيِّع عليه فرصة التمتع بما كان يحلم أن يجده في المطبوع.

صدر الكتاب عن منشورات معالم الفكر البيروتية بمائة وثلاث وستين صفحة.

 

صالح الطائي

 

 

khaira mobarakiما وراء صدام الحضارات لتزفيتان تودوروف .. تحليل موضوعي للخطر الارهابي وصناعته

يعتبر تزيفان تودوروف واحدا من القامات النقديّة والفكرية التي مارست تأثيرا كبيرا في النقد والنظرية وتاريخ أنظمة الفكر على مدار نصف قرن باعتباره السيميولوجي والناقد الأدبي  والمؤرخ الأنتروبولوجي ،عايش  مختلف المنعطفات الفكريّة لعهد ما بعد الشّيوعيّة ، ليغدو مع هذا الحضور ذاكرة للقرن العشرين ومراقبا للقرن الواحد والعشرين  .وطالما كانت كتبه البحثيّة ومواضيعه الاختلافيّة ومفاهيمه ،محط اهتمام النّقاد . انطلق في مسيرته دارسا للأدب ليشكل مع جوليا كريستيفا ورولان بارت وجيرار جينيت ومخائيل باختين وامبرتو ايكو ورومان ياكوبسن وغيرهم محطّة مهمّة في تاريخ الكتابة والنظريات الأدبيّة التي وصل اشعاعها إلى العالم العربي يقول عنه مارتن والاس : "يعد تودوروف مترجم المقالات ،أشمل النقّاد البنيويين وأكثرهم نظاميّة . وتظهر كتابته الخاصّة عن السّرد كيف يمكن دمج النظريات الروسية والفرنسية..وهو  يدمج كذلك   النظريات النافذة لدى النقاد الأنجليز والأمريكيين مظهرا علاقاتهم بالاهتمامات الأروبية ... " . وهاهنا تتراءى لنا الحيثية الفكريّة للرجل فهو الفارّ من النظام الشيوعي السوفياتي إلى بلاد الأفكار والتحولات والأحلام بين وجودية سارتر ونفسانية جاك لاكان ونقدية رولان بارت وإشراقة سيمون دي بوفوار . وفي موازاة ذلك كان لصعود الكثير من نجوم الفكر والفلسفة من مثقفي  أروبا الشرقية الأثر الكبير في توجيه مساره الفكري مثل يوجين يونسكو وميرسيا إلياد وأميل سيوران من رومانيا وإلياس كانيتي من بلغاريا وميلان كونديرا من تشيكيا . هذا فضلا عن اهتمامه بالباحثة الفرنسية المتخصصة في علم الجناس جيرمان تييون والمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد . كل ذلك ساعده على تفكيك الخطاب الاستعماري وتوفير حقل سياسي وأنتروبولوجي لتعميق المقاربة لمسألة الآخر بصفته صورة مبتكرة تنهل منها بسخاء الأيديولوجيا الاستعماريّة .وهنا تظهر علاقة العلمي بالسياسي .بهذا فالأدب بالنسبة لتزفيتان تودوروف مرحلة من مراحل حياته الفكريّة لينتقل من الاستتيقا إلى الإتيقا ،فارتبط ب"المعنى الأخلاقي للتّاريخ " . ليبدأ في السنوات الأولى من الثمانينات رحلة جديدة في عمله الثقافي متفحصا الأفكار والمفاهيم باحثا في الحوادث ومنعطفات التاريخ عن المعاني وصيغ الوجود التي تحكم الفعل البشري وتقرر طبيعة العلاقات التي تقوم بين الأعراق والثقافات والأفراد . وهذا ندركه من خلال مؤلفيه : الأول "غزو أمريكا: سؤال الآخر" (1982) و"نحن والآخرون" (1989) أماطا اللثام عن تحول عميق في مسيرته كناقد ومنظر ومؤرخ للأفكار. ليكشف في الكتاب الأول عن الدور الكبير الذي لعبته العلامات وتأويل هذه العلامات - اللغة وأشكال التواصل- في العلاقة بين الاسبان وشعب الآزتيك في زمن الغزو ويجادل تودوروف في هذا السياق أن هيرناندو كورتيز استطاع التغلب على الآزتيك لاستفادته من معرفة ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم ورؤيتهم الدينية للعالم. أمّا في كتابه الثاني "نحن والآخرون" فإنه يبحث في الخصوصيات العرقية والكونية والخرافة من خلال جملة من المؤلفات مثل كتابات كلود لفي شتراوس وشاتوبريون وأنطوان آرتو وغيرهم كثيرون . وهي مواقف تراوحت بين الموقف المركزي العرقي حيث يعامل الآخر باعتباره مجرد موضوع في حين يتركّز الموقف الثاني على اعتبار الآخر كل شيء أو لا شيء على الإطلاق. لعلّنا هاهنا نتحسس الطريق إلى كتابه الذي مثل جماعا لهذه الأفكار التي تخطى بها منطق الهويات والعصبيات والحدود والمركزيات الأروبية والغربية ، ويؤمن بأن جوهر الحضارة يكمن في الاعتراف بالإنسانية الكاملة وبالتعدد الثقافي للآخرين حين يقول " أنا أساسا إنسان ولست فرنسيا سوى بالصدفة ". إنها رؤية جديدة تتعلق بمسألة الذات في علاقتها بالآخر بهذا فقد عالج تودوروف مسألة الغيريّة من زوايا نظر مختلفة أولها زاوية نظر الشعوب المستعمرة حين تنظر إلى ذاتها من الداخل . ولكنه عالج المسألة وهذا الأهم من منظوره الذاتي المعرفي حين استرجع تفاصيل انتقاله من المعسكر الشرقي إلى العالم الحر في كتابه "الخوف من البرابرة :ماوراء صدام الحضارات " وأعاد في غضون ذلك اكتشاف ذاته واكتشاف الآخر.. ففي هذه النقلة أُتيح له الخروج من بلدان ما وراء الستار الحديدي للانتقال إلى بلدان العالم الحر. وتحولت معه المواقف حول المسألة بين الأنظمة الشمولية من ناحية والأنظمة الليبرالية من ناحية ثانية.ولعله أمر سنلاحظه عند اقترابنا من مضامين الكتابة أن تودوروف وإن استعمل المصطلحين الشائعين في الكتابات السياسية مصطلح الأنظمة الشمولية من ناحية ومصطلح الأنظمة الليبرالية والتحرّرية ، فإنّه يضعهما موضع السؤال . ولا يجريهما في كتابه مجرى المطمئن إليهما أو المسلّم بالحد الذي ينطويان عليه ونتساءل لماذا هذا الموقف الشائع في الكتابات حين يستعمل مصطلح الأنظمة الشمولية للحديث عن دول العالم الاشتراكي مقابل الأنظمة الليبرالية التحررية في دول العالم الحر.فقد انتبه تودوروف  إلى حقيقة أن الأنظمة التي تتسمّى بالأنظمة الليبرالية ليست لها الحصانة الذاتيّة الكافية التي تحول دون انقلاب النظام التحرري إلى نظام تسلطي . فالديمقراطية بما هي نمط من أنماط تسيير العالم من الممكن أن تفرز نقيضها . بل إنها أفرزت فعلا أشكالا لا تؤمن بالديمقراطية وإن كانت وليدة لها .ومن أبرز الأمثلة على ذلك المثالان النازي والفاشي . فالنازية والفاشية انبثقتا من المؤسسات الديمقراطية ذاتها ولكنّها مؤسسات لم تحصّن بما فيه الكفاية ولم تستطع أن تمنع ظهور نقائضها من رحمها.

ينطلق تزفيتان تودوروف في كتابه "الخوف من البرابرة " من محاولة تفسير ظاهرة الخوف ضمن ميزان التحليل الموضوعي الهادئ نتيجة متابعة متزنة وعقلانية تندرج ضمن مرافعة الحوار الحضاري الخلاق والتعددية الثقافية الضرورية لإغناء التجربة الحضارية البشرية  ثم يحاول أن يوجد علاقة بين الخوف والبربريّة . وهاهنا يلوذ بالتاريخ بشكل منهجي مطّرد ليبرز أن العلاج قد يكون أخطر من المرض ذاته. وهو رد يهاجم فيه الأصوات المتطرفة في الغرب التي تعادي الآخر وخاصّة منها الآراء العنصريّة للكاتبة الصحفيّة الإيطالية أوريانا فالاتشي حين تصدح برأيها المعادي بقولها :" الإقدام على الحديث عن ثقافتين أمر مزعج ، أمّا وأن نتحدّث عن المساواة بينهما فذلك أمر يثير حنقي" كما ينسف الرؤية المتعالية للكاتب إيلي برنافي في كتابه " الأديان القاتلة " الذي يوازي بين الحضارة والبربرية ولا يمكن أن يجتمعا ولا مجال للحديث عن حوار بينهما . هذا فضلا عن مقولة الصّدام التي روّج لها الباحث الأمريكي صاموئيل هنتنغتون بهدف إشعال فتيل الحرب بين الغرب والشّرق حين يؤكد أن بقاء الغرب رهين بتأكيد الأمريكان لهويّتهم الغربية وأنّه على الغربيين أن يتوحدوا لإعطاء حضارتهم الغربية مزيدا من القوة في مواجهة التحدّيات التي تطرحها الحضارات الأخرى ". وهنا يحاول المؤلف تشكيل أطروحة بمزيج نظري غريب بين العوامل الدينية والجغرافية واللغوية ، معتبرا أن هنتنغتن يتعامل مع الحضارات ككتل ثابتة بينما هي في حالة تغير دائم .. لكل هذا ينبه تودوروف إلى خطر الخوف المرضي من الآخر –خصوصا الانسان المسلم –لأن الاذعان لهذا الخوف الذي بات رهابا للغربيين دفعهم إلى اعتبار الآخر بربريا ...

يتبع

 

قراءة للناقدة والتشكيلية التونسية : خيرة مباركي

 

 

nadheer khazrajiكان في سوق العلاوي بمدينة كربلاء المقدسة رجل بصير، وهبه الله قدرة في التشخيص مكنته من امتهان شغلة شريفة يعتاش وأهله منها، إذ كان يقف في مفترق سوق الخضار والألبان وسوق بيع الحبوب ومعه ماكنة لثرم اللحم، فيقوم بخدمة المتبضعين عبر ثرم اللحم الذي يأتون به مع البصل وبعض الخضروات في مقابل مبلغ بسيط، وهكذا يقف كل يوم من الصباح الى ما بعد الظهيرة دون أن تعيقه عاهته الخلقية الولادية، ومن لا يعرفه شخصيا يقف مذهولا أمام هذا الرجل البصير الذي يقوم بما لا يقوم به إلا صاحب نظر.

ومضت الأيام والسنون وأنا أشاهد هذا الكاد على عياله وبصوته شبه الجهوري وسعة صدره مع الزبائن، وفي يوم من الأيام وخلال مروري اليومي من سوق العلاوي بحكم مسقط الرأس والسكن افتقدت الرجل، ومضت الأيام والأسابيع، واكتشفت أن السلطات ساقته إلى الخدمة الإجبارية رغم أن قانون الخدمة يمنع استخدام صاحب العاهة المستديمة، وبخاصة حاسة البصر وتقدمه في السن وعبوره مرحلة الشباب آنذاك، ولكن السلطة التي لم ترعو لمثل هذه الأمور ساقته الى الخدمة العسكرية جبرا وأودعته في مطبخ أحد المعسكرات يقشر البصل ويقطعه ويساهم في طبخ قصعة الجنود، ودعواهم فيما أقدموا عليه أن الرجل رغم فقدانه للبصر قادر على العمل وعليه فإنه قادر على الخدمة العسكرية في المطابخ!

هذه القصة التي شهدتها نهاية السبعينات من القرن العشرين الميلادي، استعدت خيوط ذكراها بعد أربعة عقود وأنا أقلب صفحات كتيب "شريعة الجيش" للفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر حديثا (2017م) عن بيت العلم للنابهين في بيروت في 56 صفحة من القطع المتوسط، يتناول بعين الفقاهة أحكام الجيش، والتجنيد وأنواعه، ومهمات الجيش في حالتي الحرب والسلم.

مقومات الجيش

طالما دقَّ طبلة آذاننا مصطلح الوطنية وأشباهه لاسيما عندما يكون الحديث عن الجيش ودوره في حفظ الوطن وحدوده، وذلك كمؤشر على جاهزية قطعات الجيش النظامي وروحيته العالية للدفاع عن حياض الوطن وعدم التساهل مع أي عدوان خارجي والتفاني من أجل صيانة حرمة البلد وشعبه وممتلكاته، وهذا المصطلح الشفاف هو بمثابة وسادة وفيرة يضع عليها الشعب رأسه ويخلد الى الراحة والدعة دون خوف أو وجل من عدو غادر مهما بلغت قوته، أو مراهقين سياسيين أو عسكريين يحنون كل مرة إلى قراءة البيان الأول من الثورة المزعومة!

الفقيه الكرباسي في "شريعة الجيش" الذي قدّم له وعلّق عليه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، يموضع مقومات الجيش بخمسة مقومات هي: الوطنية والإختصاص والتطور والإخلاص والإستقلال، وهذه المقومات: (كلها معًا تشكل القوة التي يجب أن تمتلكها هذه المؤسسة وتكون على أساسها في غاية الجهوزية للدفاع عن حريم البلاد والعباد ومن الأعداء والمتربصين للوطن والمواطنين).

ولأن الوطنية شرط الجيش النظامي السليم، فإنه: (لا يجوز التعامل مع الجنود في قبولهم أو في ممارساتهم بالإنتماءات الدينية والحزبية والعرقية والطائفية، ولابد من التعامل معهم بروح المواطنة فقط)، ومن مقتضيات الوطنية أنه: (لا يجوز للمؤسسة العسكرية والمنتمين إليها تسريب أسرارها وأخبارها العسكرية)، وهذا من الخيانة بأمن البلد لأن: (الخيانة نقيض العدالة والإخلاص، وضد الثقة والإعتماد) وإفشاء السر العسكري حسب تعليق الفقيه الغديري: (من الخيانة، وهي محرمة بجميع صورها)، والخيانة المخالف لمفهوم الإخلاص ينقض أحد مقومات الجيش الخمسة ويجعله في مهب الإنكسار أمام أية موجة داخلية أو خارجية، على أن الإخلاص ليس حصرا بالمؤسسة العسكرية بل في كل مفاصل الحياة، ومن غير الإخلاص تعرَّض نظام الحياة لخطر الإنهيار إن كان على مستوى الفرد أو الأسرة أو المجتمع أو الدولة، وبتعبير الفقيه الكرباسي أن: (المراد من الإخلاص في هذا المورد هو التوجه الكامل والخالص إلى أداء الوظيفة وحفظ كيان النفس والمجتمع والهدف الذي أسست تلك المؤسسة لأجله)، وإذا كان حب الوطن هو من الإيمان ودلالة على الوطنية والتفاني فإن الإخلاص: (مرتبة عالية في جميع الأعمال، وبه تظهر قيمة الإنسان في حياته)، ولا يتبين أمره وحقيقته إلا: (من خلال العمل والممارسة، ولا يمكن تحققه بالأقوال)، نعم يمكن الجمع بين القول والعمل كما يعلق الشيخ الغديري: (لأنّ القول قد يحكي عن باطن الإنسان والعمل بصدقه، فإذا وجد الإختلاف فيهما فلا قيمة للقول).

 ولا تعارض بين الإستقلال والمشاركة السياسية، فـ: (للجندي وسائر العسكريين حق الإنتخاب وممارسة كل حقوقهم المدنية والسياسية)، كما: (للعسكريين الحق في الترشيح لكل المناصب في البلاد إذا كانوا مؤهلين)، واشترط الفقيه الغديري في تعليقه على ما ذهب إليه الفقيه الكرباسي: (أن لا يتنافى مع وظيفتهم العسكرية ولا يتعارض بما قُرر في نظام الخدمة العسكرية المتعاقد والمتعاهد عليه)، وقد تسالم في معظم البلدان الديمقراطية أن يُسمح للعسكري الإنخراط في عملية الإنتخابات دون الترشيح لعضوية مجلس النواب حيث يقتضي في الترشيح الإستقالة من السلك العسكري بوصف الجيش سلطة مستقلة هدفها حماية البلد دون الدخول في المناكفات السياسية والولاءات الحزبية وما يترشح عن التنافس الإنتخابي من آثار سلبية.

ولا يختلف إثنان بأن التطور في أي مجال مقبول ومعقول هو مطلب واقعي تدعونا إليه الفطرة السليمة، ويتعزز هذا الأمر في المجال العسكري لاسيما مع وجود قوى شيطانية تسعى عبر تطوير أسلحتها وأجهزتها العسكرية إلى فرض إرادتها على الشعوب تحت شفرة التفوق العسكري دون مراعاة للحدود ومصالح كل بلد في الوجود، وبعض الدول كانت ومازالت حتى يومنا هذا تستخدم تطورها العسكري في استنزاف طاقات الشعوب عبر احتلال أوطانها كما في السياسة القديمة، وعبر خلق الأزمات وتأزيم الخلافات وافتعال الحروب وفرض سوق بيع السلاح على الطرفين كما في السياسة الحديثة، وهذه السياسة الظالمة التي تفرضها القوى العسكرية النافذة تحتم على أية أمة أن تسعى إلى تطوير قدراتها الدفاعية من أجل خلق رادع أمني عملا بالسياسة القرآنية: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) سورة الانفال: 60، والتطوير المستمر لقدرات الجيش عدة وعددا وجهوزية يمثل  واحد من أهم مقومات الجيش الوطني، وإذا كانت بعض الحكومات قد أجازت لنفسها تطوير الأسلحة الفتاكة المحرمة شرعا وعرفا ودوليا كما في استخدام أميركا للقنبلة الذرية في هيروشيما وناكازاكي، واستخدام نظام صدام حسين للأسلحة الكيمياوية في جنوب العراق وأهواره وفي مدينة حلبجة بشماله، فإن تصنيع مثل هذه الأسلحة من حيث المبدأ غير جائز شرعا إلا في حالتين كما يشترط الفقيه الكرباسي، حيث: (لا يجوز تعليم الجنود على استخدام أسلحة الدمار الشامل وكذلك الأسلحة الكيمياوية المحرّمة شرعا، إلا لأمرين: الأول: لمعرفة القضاء عليها أو التخلص منها، الثاني: معرفة التعامل معها فيما إذا استخدمها الأعداء).

وحيث لا يستطيع كل جندي أن يتعلم كل وسائل القتال، كان الإختصاص هو جزء من عمل المؤسسة العسكرية منذ القدم وحتى يومنا هذا، وهو يعطي قوة لكل صنف من أصناف العسكر.

ولعل من علامات قوة أي بلد، هو ابتعاد الجيش عن خلافات الساسة وأن يبقى مؤسسة وطنية مستقلة حامية للوطن في الملمات الخارجية من عدوان عسكري، والملمات الداخلية من عوارض طبيعية ومناخية وبيئية تعصف بالبلد تتطلب تدخل قطعات الجيش التي أهَّلها اختصاصها لأن تكون جاهزة للعمل من أجل حماية المجتمع أثناء الفيضانات والحرائق الواسعة والزلازل، او لمساعدة أجهزة الأمن الداخلية لحفظ الأمن ومنع حدوث الفلتان الأمني أو تشظِّيه، ويرى الفقيه الكرباسي أنه ينبغي أن يكون في الجيش علماء من ذوي الإختصاص يرشدون الجيش وينمون فيه روح الوطنية والإيمان: (كما لابد من أن ينضّم الى هذه المؤسسة عدد كبير من الإختصاصيين بالشؤون المرتبطة بالعسكرة وما يساعدها في هذا المجال تطورًا وممارسة واستمرارية).

الجندي المسؤول

لا مراء بأن المؤسسة العسكرية تمثل واحدة من مؤسسات الدولة في النظام القديم والحديث لا فرق، ولكل بلد أن يستخدم نظام التجنيد الذي يناسبه وفق المصلحة العامة ومقتضيات الحال، وبتقدير الفقيه الكرباسي: (يفضل أن يجمع بين النظام الطوعي وإنضباطية الفرد)، ويذهب المعلق الغديري الى التجنيد الإجباري: (بل قد يجب تشكيل نظام التجنيد والعسكر للحفاظ على كيان الشعب والوطن والحراسة على ثروات الامة وللدفاع في مقابل العدو المهاجم)، لكن الفقيه الكرباسي حدد الإجبار بأمرين، ذلك أن: (النظام الإجباري يحتاج شرعيته إلى اختيار الشعب ومباركة حاكم الشرع).

 وإذا كان التجنيد طوعيا أو أجباريا أو استخدامها كوظيفة ومهنة وفق شهادات تخرج، فإنه ينبغي لمن يلتحق بها أن يتوفر على مجموعة من الصفات تؤهله لهذه المسؤولية الكبيرة، يلخصها الفقيه الكرباسي بمجموعات صفات أهما: البلوغ، العقل، الرشد، الإختيار، السلامة الصحية، الرجولة، الإخلاص، الإطاعة.

ومع نافذية هذه الصفات: (لا يجوز استخدام الأطفال في المؤسسة العسكرية)، كما: (لا يجوز لأولياء الأطفال زج الأطفال في مثل هذه المؤسسة)، و: (لا يجوز استخدام من يُعد أبلها)، على إن المراد بالإختيار: (أن لا يُهدَّد الشخص بالإنضمام إلى مؤسسة الجيش، فيكون التحاقه من باب الإكراه مرغما على ذلك)، ومن الإختيار أنه: (لا يمكن للأب إرغام ابنه على الإلتحاق بالمؤسسة العسكرية)، ولا جبر على المرأة الالتحاق بالخدمة العسكرية: (إلا في الجهاد الدفاعي)، ولا يعني عدم الوجوب الحرمة المطلقة، إذ: (لا يحرم على المرأة القتال في الحروب إلا أن ذلك ليس واجبا عليها)، ومعنى شرط الإخلاص: (أن لا يكون انتهازيا، بل يحب وطنه ولا يخالف الأوامر الملقاة عليه)، لأن: (الإنقياد شرط أساسي في المنتسبين إلى الجيش)، إذ: (لا يجوز التمرد على القيادة) العاملة بالقوانين التي لا لبس فيها، وللطاعة أصولها: (فلو أن القائد أمره بخدمة أبنائه فلا يجب إطاعته، كما لو أمره بتسريب أخبار الجيش إلى الأعداء فلا تجوز إطاعته).

ومن نافلة القول: إذا كان النظام السليم القائم على الإختيار والقبول المتبادل بين الراعي والرعية ينحو الى الفصل بين السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعة والقضائية)، فإن الجيش بوطنيته واستقلاليته وإخلاصه ومهنيته وجهوزيته هو الحافظ الأمين لهذا المثلث الذي يحط المواطن عند زواياه رحاله وماله وعياله قرير العين، وينام على أريكة الأمن مطمئنا لا يخشى فوضى مختلقة ولا انقلابا مفتعلا...

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

1120 jbarعاش شلاير ماخر"1768-1834" عصرَ الأسئلةِ الفلسفية واللاهوتية الكبرى، فقد تعرّضتْ الأدلةُ الفلسفيةُ على وجودِ الله إلى نقدٍ تقويضي في فلسفة ديفيد هيوم وإيمانويل كانط وغيرِهما من فلاسفةِ القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر، وكان النقدُ الذي تعرّض له الكتابُ المقدّس شديداً، بعد تعارُضِ بعضِ ما جاء فيه مع الاكتشافات والنظريات العلمية الحديثة. وظهرتْ آراءُ لمفكرين ترى أن منشأَ الحاجة البشرية للدين عواملُ معروفةٌ بوسع الإنسان التغلب عليها، ومن ثمّ الاستغناء عن الدين.

وأعلت الرُّومانْسِيَّةُ من مكانةِ المشاعر والعواطف والخيال في الأدب والفن، ولم تعبأْ بالعقل، ولم تكترثْ بالتقنيات والمعايير الكلاسيكية، ودعتْ للعودةِ إلى الطبيعة والانغمارِ فيها واتخاذِها موضوعاً للكتابة. وشدّدتْ على الانهمامِ بالذات، والبوح بما يختبئ في أعماقها من ألم وأمل، وحزن وفرح، وكآبة ومسرة. ولم تجدْ حاجةً لالتزام الأديب بالمعايير الأخلاقية، فليس بالضرورة أن يكون الأديبُ أخلاقياً. وكانتْ حياةُ الإنسان الأوروبي في ذلك الزمان قلقةً كئيبةً حزينة، إثر شدّة النزاعات، وما تركته الثورةُ الفرنسية من آثار وتداعيات.

لم يكن للدين أمامَ هذه الموجاتِ الحادّةِ من النقد، وضراوةِ الألم الذي يجتاحُ حياة الفرد والجماعة، أن يتمسكَ بمحاججاته الموروثة، ويكرّرَ اللاهوتُ دفاعاتِه المعروفةَ، بل كانت هناك ضروراتٌ تفرض على الدين أنْ يتحدثَ لغةً جديدة، يتخطى فيها منطقَ جداليات عقله اللاهوتي الذي تجاوزه العقلُ الفلسفي، ويعيدَ النظرَ في تفسير مسلّمات كتابه المقدّس التي زلزل شيئاً منها العلمُ الحديث.

في هذا الفضاء الروحي والفكري قدّم شلاير ماخر فَهمَه للدين، وهو الخبيرُ بالفَهم الذي كان أولَ من فتحَ الطريقَ لتدشين مسارٍ جديدٍ للهرمنيوطيقا بوصفها "فهماً للفهم".

لم يتمسكْ شلاير ماخر في فهم الدين بالعقل لنقض أدلّة العقل، ولم يتمسكْ بالعلم لنقض نظريات العلم، وإنما اجترح طريقاً يتحدّث لغةً تحاكي لغةَ الشعراء، وتستوحي مخيّلةَ الفنانين، لاكتشافِ جوهر الدين وتفسيرِ وظيفتِه.كان يهمُّه التوغلُ إلى مديات عميقة في الذات البشرية، وتحليلُ طبيعة الحزن والألم واللامعنى الذي يُشقيها، وما الذي يمكن أنْ يقدّمه الدينُ لها.كان يبحث عن ذلك الدين الذي يشفي الروحَ من أمراضها، وليس ذلك الدين الذي يُمرِض الروح.

في هذا الفضاء العقلي والروحي، الذي تبلبلَ فيه تفكيرُ النخبة بشكوك مختلفة واستفهامات حائرة، ألّفَ شلاير ماخر: "عن الدين: خطابات لمحتقريه من المثقفين"، وأصدره عام 1799، وهو كما يشي عنوانُه كتابٌ موجّه للمثقفين في عصره، ممن يراهم يحتقرون الدين. وترسَّمَ فيه نهجاً خاصاً، تتناغم فيه رؤيا شاعريةٌ للدين ببيانات مكثّفة صاغها بأسلوبه المتدفق الغزير، وصنّفها في خمسة خطابات تتناول خمسةَ موضوعات، تكلّم فيها بلغة تجمع بين الذوق والكَشْف والحدْس والتأمّل. لغة تحضر فيها صورةُ الذات وتتجلى بصيرتُها الروحية أكثر من أيّ شيء آخر.

كتاب شلاير ماخر كتاب إيماني، والكتب من هذا النوع عادة ما يحضر فيها البيانُ ويشحُّ فيها البرهان. إنه كتاب يستمع اليه القلبُ قبل أنْ تصغي إليه الأذن، يخاطب المشاعرَ قبل أنْ يحاججَ العقل. يطغى على مساحات واسعة منه أسلوبٌ وجدانيٌّ، وكأنّه قصائد منثورة تلوّنها روحانيةٌ متوهّجة. بل كأنّه نصوصٌ مقدّسة، مشبوبةٌ بالعاطفةِ وتأجيجِ المشاعر، إذ يتحسَّسُ مَنْ يستمعُ إليها صوتَ الله يتردّد في ألحان عباراتها كأوتار قيثارة تعزفُ عليها أناملُ عازفٍ محترف. ومثلُ هذا اللون من الكتابة لا ينشغل بالأدلة، بل ينشد إيقاظَ الضمير، وإثارةَ العواطف.

هذا الكتابُ تعبيرٌ عن خبرة روح تحاكي خبرةَ الأرواح الحرة المشبعة بمكاشفات صوفية، إنه كلوحة يرتسم فيها سحرُ كلمات عميقة، المُضمَرُ فيها أعمقُ دلالةً من الظاهر، والخفيُّ فيها أعمقُ غوايةً من الجليّ، والجذوةُ فيها أعمقُ حرارةً من اللّهب. إيقاعُها يتناغم فيه ما يبوحُ به قلبُ مؤمن، وما يرسمه ضميرُ عاشق، وما ينشده إنسانٌ متيّمٌ بالحبّ والخير والجمال.

إنه كتابٌ ليس لأولئك القرّاء الذين لا يقرؤون إلّا ما يقولُه العقلُ المحْض والعلم، وإنما هو لنمطٍ خاصّ من القرّاء الذين تطربهم مثلُ هذه النصوص، إنهم الجائعةُ أرواحُهم إلى ما يشبعها، والظامئةُ قلوبُهم إلى ما يرويها، والتوّاقةُ مشاعرُهم إلى ما يشحذها.

الكتاب الحقيقي هو ما يبرَعُ في كتابةِ تاريخِه الخاص، الذي يخترق فيه قيودَ الزمان، ويتخطى فيه حدودَ البيئة، ويتغلب على مضايق المكان. فيمسي كتابًا عالميًا يخاطبنا اليومَ مثلما خاطب مواطنيه في عصره وبيئته الدينية والثقافية أمس. وحسب كتاب شلاير ماخر أنّ كاتبَه كان رائياً لا يروي روايةَ الفلسفة واللاهوت والعلم لزمانه، بل كان يروي سيرةَ القلب، يروي رؤيةَ البصيرة، وأشواقَ الروح. وحسبه أنه كان تجلياً للحياة الروحية لراءٍ يتبصّر خبراتِ الروح، فيصهرها بما يتذوقه القلب، ويلوّنها بما يُلهب المشاعر، ويسكب كل ذلك على الورق.

إن شلاير ماخر، وإنْ كتب كتابَه هذا بمشاعر الشاعر، لكنّه يعترف بموازاة تلك المشاعر بشيء للعقل. فهو في الوقت الذي يشدّد فيه على استغناء الدين عن العقل والمنطق، إلا انه يشير إلى أنّ الدينَ لا يضادّ العقل، نستمع اليه يقول: "فالدين ليس بحاجة للاستدلالات المنطقية، ولكنه في الوقت ذاته لا يدعو لإقصاء المضامين العقلية"1 .

يتلخص جوهرُ الدين وتتجلّى حقيقةُ التدين عند شلاير ماخر بالتجربة الدينية. وكأن الدينَ بمثابة المحار الذي يكتنز ما هو لؤلؤ داخلَ أصدافه، أو بمثابة الجوز الذي يحتوي ما هو لبّ داخل قشوره. فكلُّ "الأسرار المقدسة" مودعةٌ هناك في ذلك اللبّ والجوهر، وكلٌّ الشعائر والطقوس توقظ تلك "البذرةَ النائمةَ" وتستنهض الروحَ. وكلُّ ما في الدين، ما خلا الجوهر، شيءٌ ليس مطلوباً إلّا لكونه وسيلةً لتلك الحقيقة الباطنية التي تنغمس في الأعماق. يشرح ذلك بقوله: "إنني كإنسان عادي أحدّثكم عن الأسرار المقدَّسة والشيَع الغامضة للبشرية، من وجهة نظري، عن منطوق يكشف ذلك المتواري الذي أغراني للبحث عنه عندما كنت في عنفوان الشباب، عن تلك التجربة الباطنية والقوة الكامنة في أعماقي، التي تشعرني بوجودي منذ أن بدأت بتحسّس مفاصل الحياة وقيمة الفكر، عمَّا سيبقى مقامه هو الأعلى في داخلي إلى الأبد، على اختلاف طرائق تبدّل الزمن وعوامل حراك الإنسانية. إنَّ حديثي في هذا المقام لم ينبعث من قرارات عقلانية، ولا ينبع من شعور بالأمل أو الخوف، إلا أنَّه مع ذلك غالباً ما يحيط بالظواهر ويمنح الأشياء نسَقاً نسبياً متوخياً ما قد يؤول إليه من غرَض عقليٍّ نهائيّ، وهو حديث لم يتخذ المكاشفة المعتبرة لكيان الإنسان منهجاً بِناءً على سبب اعتباطي أو عرضي، إنَّه ضرورة داخلية تفرضها عليّ طبيعتي بشكل لا يقاوَم، بل إنَّه تسخيرٌ إلهيٌّ يمكنني عبره أن أُحدّد مكاني في هذا الكون، ويجعلني المخلوق الذي هو أنا". 

لا أريد أنْ أسرقَ متعةَ اكتشاف القارئ فأتحدّث له عمّا يكتنزه الكتاب، وأسهب في عرض مضامينه، لكن أودّ أن أشيرَ إلى أن قرّاءَ العربية عرفوا شلاير ماخر بوصفه المؤسسَ للهرمنيوطيقا بمعنى: فن الفهم، أو تقنية الفهم في العصر الحديث، ولم يدرسْ الباحثون رأيَه في هذا الكتاب وغيرِه من أعماله اللاحقة، الذي يغوص عبره في تحليل التجربة الدينية ويكشف عن أنها جوهرُ الدين.

يدعو شلاير ماخر إلى فهمِ الدين داخلَ الدين، لأنه "في الدين وحده لا في سواه؛ ينظر المعلم المحترف والتلميذ المبتدئ إلى أفق واحد، لأن فهم الدين لا يقع خارجه". ويعلن عن تفسيره للدين "بوصفه حاجة وجودية"، والذي هو الخيط الناظم لكتابه هذا. إذ يقول: "إن ما يهمني هو تكريس فهم الدين بوصفه حاجة وجودية تحمل الدعوة للنظر إلى الأبدية، وكل رؤيا للأبدية توجد مستقلة ومعتمدة على ذاتها، وهي ليست بحاجة لسواها لإكمالها، لأنها جزء من سواها وكله في آن". 

يرتقي الدينُ لدى شلاير ماخر إلى مرتبة سامية في الحياة، عندما يصير مصدراً أساسياً للطاقة العظمى في الحياة، بوصفه تجربةً وجودية، تجعله قادراً على التعبير عن كلّ شيء، لذلك يتحدث عن الكثير من الخصائص والصفات التي يتميز بها، ويعلن عمّا يَعِدُ به من المهام، إذ يصفه بقوله: "لقد ثبت لديّ أنّ للدين أهمية لا تتجلى على مستوى التفاعل العملي في معترك الحياة وحسب، وإنّما في مضمار التفاعل الفكري، لأنّه تجربة منوطة بالوجود، ينفرد برؤى ونواميس قادرة على التعبير والإخبار عن كلّ شيء. الدين طاقة أبدية غير قابلة للنضوب، دينامية وحراك تتخلل الحميمية طبيعتها، وهو أقوى من أن يضمر تحت تأثير ما يجابه به من عنف أو تسطيح، لأنّه لصيق فطرة الإنسان، التي لا يعني احتجابها، تحت أي ظرف كان، انعدامها. يمنحنا الدين قدرة على أن نرى الآخر كرؤيتنا لذواتنا، وأن نتعاطى مع شرعية وجودنا عبر ما نضفيه على الآخر من شرعية للوجود".

يهتم شلاير ماخر باكتشاف الصلة العضوية بين الفن والدين، فكلّ منهما يشبع توقَ الروح للمعنى، ويؤمّن حاجتَها للجمال. ويعلن أنَّ الدينَ لا يخاف المحبة، فغايةُ الدين تعني: "أن نحب روح العالَم، ونبتهج لمشاهدة صنيعها، وليس هناك أي خوف من المحبة، فالدين لا يختلف في جماله وحُسن وجوده عن سواه من قيم الجمال التي تنبثّ في ثنايا العالم، كيف لا وهو الفيض الذي يغمر الإنسان كرامة ومحبة منذ نعومة أظفاره".

وكما يعتقد أن محبةَ روح العالم تنبع من الدين، كذلك يعتقد شلاير ماخر بلغة لا تخلو من الجزم أن محبةَ الآخر لا تتحقق إلّا عبر الدين. "الدين هو اللبنة الأساسية لتشييد محبة الآخر، ثمَّ إدراك القيمة العليا لتلك المحبّة كرابط جماعي لا غنى للفرد عنه؛ لأنَّه الوحيد الذي لا يفتقر بذاته إلى إمكانية تحديد مصير البشرية والاقتراب من مفهوم الإنسانية مادة للدين".

   إن مهمةَ الدين هي مناهضةُ الاستبداد الذي يفرض فهمَه للحقيقة، ويرسم طريقَه الخاص للوصول إليها، ويحظر أيَّ شكل للفهم لا يتطابق معها. يذهب شلاير ماخر إلى أنَّ أخطرَ ما يهدّد الدينَ هو احتكارُ الفهم وانحصارُه في فهم واحد، لأن "أهم ما في الدين هو تعدديته في الفهم وكراهيته للاستبداد، ذلك الذي يجمّد كل ما لا يتفق معه، يحجّره ظناً بأنه سيحافظ على وجوده. التعدّد هو جوهر الدين وكنهه، وعبره تتحقّق فكرة الخلاص في المسيحية، ويصبح ما يجثم على صدرها من بؤس قابلاً للزوال. لا يوجد شيء أكثر مناقضة للدين من ذلك المقوّض لقابليته لتعدد أشكال فهمه".

ورغم كشف شلاير ماخر لتعدّدية فهم الدين، التي تعني تعدّدَ تعبيراته وتمثّلاته البشرية في الحياة، غير أنه يتحدث عن الدين في الكثير من فقرات كتابه هذا من دون نقد لبعض أنواع فهمه وتمثّلاته البشرية، ومن دون تحديد دقيق لتعريفه هو للدين، وما يعنيه كلٌّ من الإيمان والتديّن لديه.

يسوق شلاير ماخر كلمةَ الدين بتعميم ملتبسٍ، يتجاهلُ فيه كلَّ نقد الفلاسفة والمفكرين الغربيين للدين، ويوكل إليه مهمةً تلتقي فيها كلُّ أشكال المديح والتبجيل، ويرتقي بوظيفته إلى إنجاز مختلف المهام السامية، حتى يصبح الدينُ مستودعاً لكلّ الأخلاق الفاضلة، وكلّ ما من شأنه التسامي بمكانة الإنسان وحماية حقوقه وحرياته.

يضع شلاير ماخر الدينَ في سياق رهانات الحياة الجديدة، ويجعله الطريقَ الأمثل للصلة العضوية بالحياة، وكأنه مثابةٌ لما هو جديد، إذ يرى أن: "الدين ليس فكرة خسرت رهانها في الحاضر ولم يتبقَ لها غير الاستحواذ على الماضي القديم بدعوى أنّه منزلها الحقيقي، وإنّما هي فكرة قادرة على الانعطاف بنفسها نحو الجديد، لأنّها لا ترتابه أو تتجنّبه. الدين هو أفضل طرق الاتصال بالحياة".

 مع انه يعلن أن مفهومَه للدين إنما يختصّ بالدين الذي يتضمن اعتقاداً بإله، إذ يصرّح: (وتبعاً لوجهة نظري، وبموجب فهمي للإيمان الذي تعرفون "لا وجود للدين بغير إله"، ولا يمكن لأيِّ شيء أن يكون من دونه). وإذا كان "لا وجود للدين بغير إله" فلا وجودَ لدين بلا إنسان، ولا وجودَ لدين بلا حضور في حياة الفرد والمجتمع، ويتماهى ذلك الحضورُ بما يكون عليه كلٌّ منهما، من حيثُ ثقافتِه أو من حيث ظروفِ عيشِه المتنوعة، فحيثما يكونُ الإنسانُ يكون دينُه، وحيثما يكونُ الدينُ يكونُ الإنسان. ويعرفُ شلاير ماخر جيداً أولئك الكهنةَ الذين يرتزقون بالدين وينتهكون قِيمَه ويعبثون بمراميه السامية، ممن أشار اليهم في ثنايا كتابه. 

يستعمل شلاير ماخر عباراتٍ يتداخل فيها الشعرُ المنثور بالوعظ، وكأنّه كاهنٌ بليغٌ لا يكفُّ عن صبّ عِظاتِه الحماسية على رؤوس رعيته، ولحنُ صوته يصدحُ بالثقة والصرامة، ولا يريدُ من المستمعين إلا التسليمَ بما تقوله عِظاتُه، وهو يعلن الاستغناءَ عن حاجته للحجج العقلية، ويصرّح بأنّ الدينَ لا يحتاج الاستدلالات المنطقية.

 ولا تخلو كلماتُه من توبيخٍ لمن يراهم مناهضين للدين من مثقفي عصره. فهو يقول مثلاً: "أيعقل أن تستمرئوا احتقار هذا الاتجاه الروحي إلى الأبد، أيمكن أن يبدو لكم كل ما هو مهمٌ للإنسان سخيفاً؟ وتأسيساً على كل ما تقدّم من نقاط لا بد لي أن أقول إنَّ احتقاركم للدين هو نتاج لطبيعة خاصة بكم، وماذا عساني أن اقول أكثر من ذلك!". وحتى العنوان الشارح لكتابه هذا يستعمل فيه كلمة "محتقريه"، وكنت أتمنى أنْ يستعملَ المؤلِّفُ في عنوان كتابه عبارةَ: "خطابات لنقّاده من المثقفين"، بدلاً من: "خطابات لمحتقريه من المثقفين"، لأن كلمةَ "احتقار" تستبطن معنى الازدراء والامتهان والإهانة والتوبيخ، وتشي بمضمون لا يخلو من تسلّط، وإن كانت كلماتُ الازدراء والتسلّط مألوفةً في لغة الوعّاظ والكهنة. وهذه المعاني لا تلتقي ومعنى "مثقف"، ولا تليقُ به، فكما ينشد هو أنْ يكونَ المثقفُ أخلاقياً مهذّباً يُفترض بكتاباته أنْ تكونَ كذلك. ومعنى "مثقف" يستبطن "النقدَ" لا "الاحتقار".

كلُ فكرٍ يحملُ بصمةَ البيئة والحياةَ الدينية والثقافية والسياسية لزمانه، وربما نعذر شلاير ماخر لو وظّفنا معاييرَه في تفسير عباراته، التي لا يستقلّ فيها الفهمُ عن فضاء الأفق التاريخي للمؤلِّف، وبنيتِه السيكولوجية، وربما لو نقّبنا أعمق واكتشفنا الأسبابَ الكامنةَ وراءَ تأليف كتابه هذا، لاتضحَ لنا السببُ وراءَ تفضيله كلمةَ "احتقار" على كلمة "نقد".

لبث كتابُ: "عن الدين: خطابات لمحتقريه من المثقفين" إما مجهولاً أو منسياً أكثر من قرنين لدى الباحثين المهتمين بالفلسفة واللاهوت والدين في دنيا العرب، ولم أعثر على دراسة عنه أو مقالة تنوّه به، وتعرّف القارئَ العربي بأهميته. وعلى الرغم من ظهور عدّة كليات ومعاهد للتعليم العالي ومراكز أبحاث ودوريات تعنى بالدراسات الدينية في بلادنا في السنوات الأخيرة، غير ان هذا الكتاب كان من أقل كتب الأديان حظاً في حضوره. مع أننا نعرف أن هناك الكثيرَ من المؤلفات الممتازة في الدين باللغات الغربية وخاصة الألمانية ما زالت مهملة، إلا ان كتاب شلاير ماخر هذا ظلّ الأكثرَ غياباً.

 المؤسف أننا قلّما نجد من يهتم بالفكر الديني الغربي من الباحثين العرب ذوي التكوينِ اللغوي المتعدّد، والخبرةِ المعمَّقة بالعلوم الانسانية.كثيرون في بلادنا يتفادون الحديثَ أو الكتابةَ أو التأليفَ في الدين، وحتى الخبراء بالفلسفة والعلوم الانسانية الحديثة ينزعون لتوظيفها في قراءة الأدب والرواية والشعر وتحليل نصوص جديدة أو عتيقة، لكنهم دائماً يحذرون توظيفَها في حقل الدين ونصوصه، ويتفادون دراسةَ الدين وتمثلاته في مجتمعاتنا في سياقِ المكاسب الحديثة للفلسفة والعلوم الانسانية.

أقدّر حجمَ مغامرة اقتحام هذا الحقل، وأعرف كم هي موجعة ضريبةُ الاغتراب والنفي المتوقَعةُ من الخوضِ في مضماره، وتحرّشِ الباحث في المراجعة التقويمية لمسلّماته، وفحصِ بداهاتِه، ومساءلته لوثوقياته.

وأعلم أنّ أيّةَ محاولة لتحليل ونقد التفكير الديني وتعبيرات الدين في الحياة البشرية من شأنها أنْ تضعَ الكاتبَ في مواجهة مباشرة مع المؤسَّسات والجماعات الدينية، ومع كلّ من ينصب نفسَه وكيلاً عن الله في الأرض، ومن يصنّف نفسَه على طائفة وَرَثة الميراث الديني.

لكني أدرك جيداً، وكما أشرتُ إلى ذلك في أكثر من مناسبة، أنّ الدينَ هو الداءُ، وأنّه، هو أيضًا، الدواءُ لهذا الضياع في وديان التيه العربي منذ عدة قرون، والذي بلغَ أوطأَ حالاتِه منذ بداية القرن الجديد، هذا القرن الذي يحقّق ويَعِدُ فيه العقلُ البشري بمنعطفات عُظمى على مسار النمو والتطور العلمي والتكنولوجي، فيما نَسقُطُ نحن ونتردّى في حروب طائفية مريرة تستأنف ذاكرةَ حروب قبائلنا المزمنة في الجزيرة العربية.

في هذا المخاض القاسي ليس لدينا من خيار سوى العمل على المزيد من الدراسة والبحث العلمي في حقل الدين ومعارفه والظواهر المجتمعية التي ينتجها. وتلك مهمَّتُنا العظمى التي لو عملنا عليها بجدّ واجتهاد لفتحنا الباب نحو نقاشٍ بعيد عن الأغراض، لطريق الخلاص.

نبقى مدينين في تعريب هذا الكتاب للصديق الأستاذ أسامة الشحماني، الذي أنفق الكثيرَ من الوقت والجهد في نقله من اللغة الألمانية لعصر شلاير ماخر نهاية القرن الثامن عشر. ولولا جدّيته، واصراري عليه الذي أحرجني معه وأحرجه معي، ربما يمكث هذا الكتابُ في الظلام لأَمد لا نعلمه، بعيداً عن القرّاء العرب.

قد يجد القارئُ غيرُ المحترف أن كتاباً لا يتجاوز مائتي صفحةً من السهل ترجمته، لاسيما وهو يرى العديدَ من المترجمين يُغرق الناشرين باستمرار بمؤلفات كبيرة ينقلها عن لغات أخرى بعربية ملتبسة، لا تكاد تتلقى من كثير من عباراتها شيئاً مفهوماً. لكني كقارئ لترجمة هذا الكتاب ولترجمات أخرى، رأيتُ كيف يعاند نصُ شلاير ماخر أسامةَ، وكيف يعانده أسامةُ بالمزيد من الجلد والعزيمة، وهو يُعرّب جملَ شلاير ماخر الطويلة، وفقراتِ كتابه المتناسقة كنسيج حرير خيطي دقيق، وينضّدها كعقد مضيء، بعربية مكثفة تحاكي لغةَ المؤلّف، لذلك كان يعيدُ ترجمةَ جمل الكتاب وفقراتِه لأكثر من مرة، ويقف كثيراً عند الكلمات الألمانية لينتقي مقابلاتِها بالعربية الأشدّ وضوحاً، والأقرب في التعبير عنها لفظاً ومعنى.كان أسامة ينجز في البدء ترجمةً خشنة، ثم يكرّر ترجمتَها، بغية ترويض كلماتها وعباراتها كي تصبح ترجمةً مخملية.

كنت وأسامةَ نتحدث طويلاً وقتَ انشغاله بترجمة خطابات الكتاب، وعند فراغه من كلِّ خطاب من هذه الخطابات الخمسة.كانت رحلةً شاقةً لكنها شيقةٌ مع شلاير ماخر، أمضينا فيها ثلاثَ سنوات من حوارات جميلة عبر الهاتف بين بغداد وزيورخ، كلما أنجز أسامةُ شيئاً من ترجمة صفحات الكتاب. وهكذا نحتفل اليومَ معاً بصدور هذا الكتاب الذي نقدّمه للباحثين والمهتمين بالدراسات الدينية بالعربية، متمنين أنْ يأخذَ مكانتَه المناسبةَ في المكتبة الدينية.

عبدالجبار الرفاعي – بغداد

 1-9-2017

...............

 شلاير ماخر. عن الدين: خطابات لمحتقريه من المثقفين. كل ما هو بين هلالين مقتبس من هذه الترجمة لأسامة الشحماني.

malika asalتقديم محترم لعمل أدبي تحت عنوان (تساؤلات) للأديب السعودي حاتم الشهري ...

توطئة: في داخل كل واحد منا فكرة أصل الوجود، فلا يوجد من لا يستشعر في داخله التساؤل من أين أتى، ومن أوجده وأرسل به إلى هذا الكون، يسع في جوفه العديد من القضايا، ليس بغريب عن مثقف ممتلئ، التوغل بالتأمل العميق في أحشاء الوجود، أن يثير أسئلة أنطولوجية عملاقة حول حياته وعوالمه المتنوعة، وبدء الخلق والنهاية، أسئلة حيرت العلماء والفلاسفة والفقهاء، والمثقفين، على اختلاف مشاربهم الثقافية والعلمية والدينية والفلسفية، قديما وحديثا، فتنوعت لدى البعض، وتضخمت لدى غيرهم، وتفاقمت لدى الآخرين، وستظل وتستمر طالما لم تجد لها أجوبة مقنعة ..وتدور هذه الأسئلة حول نقط معينة مثل :

- ما سر هذا الوجود؟ ــ كيف خلقنا؟ ــ وما مصيرنا؟ وكيف حصل التناغم بين الكون واحتياجات الانسان، بتصميم محكم في كل مستويات الوجود، بجماله بالبساطة في التنوع، بالانضباط والمنطقية للكائنات والأشياء ؟...، معضلة تخز بإبهامها العقول الراجحة والمتوقدة تولدت عنها عدة تصورات شديدة، لفهم الكون بعوالمه ومتغيراته، تراوحت بين نظرة علمية منطقية مغرقة في ماديتها، وأخرى غيبية ميتافيزيقية ترى أن نشأة الحياة من المسلمات الصرفة التي لا ينبغي الخوض في غمارها، أو مناقشتها، آراء ونظريات وتصورات تضاربت واختلفت، منها ما تؤكد أن ظهور الحياة لم يكن أمراً عشوائياً، بل بتخطيط مسبق، تُحكم انتظامه وتناسقه آليات وقدرة وطاقة لا ندريها ..

ومبدعنا كغيره حين تعذر عليه فهم الوجود بعوالمه البشرية والطبيعية المتغيرة باستمرار، انتابته سلسلة من الأسئلة الأساسية المحيرة بعضها موجه إليه من الواقع المحيط، وأخرى من تلقاء نفسه بعد تفكير عميق للخروج من الدوامة ...وهذا هو سر وضع عنوان (تساؤلات) لأضمومته المباركة ...

الأضمومة

لقد استهلها بصيغة فلسفية، حين تأمل واقعا آيلا نحو الفناء، حيث فقد أديبنا الأعزاء والأحبة من حوله، فأصبح وجوده عبارة عن نقطة ستتلاشى في يوم من الأيام، أو دمية بشرية فارغة لادور لها في هذا الوجود، أو مجرد حطام من البشر، أفقده ذاك الحس المعنوي المؤسس عن الحب والعلاقات الإنسانية الطيبة، فلم تعد لكلمة (أحبك) معنى واردا في ظل الأيام المجحفة هذه، حيث أيادي القدر توجه بوصلتها إلى الكائنات الوجودية، فتغير كل شيء، لذا أديبنا امتطى ركنا قصيا من زاوية هذه الحياة يتأمل ويفسر، علّه يصل إلى الحقيقة ..لحظات عصيبة أمطرته بجملة من الأسئلة المرة حول وجوده والكائنات من حوله، والعلاقات بينها، ومصير هذه الحياة، وهل من حياة أخرى بعد الموت، أسئلة فلسفية جامحة خلخلت كيانه في هذا العالم، إلى درجة الشك في كينونته، الشيء الذي أفقده حسه بنفسه كذات لها حسها وحيزها في الوجود، وهذا السؤال ليس بغريب فقد حيّر ثلة من الفلاسفة قبله ...

بعض من التيمات المطروحة

يتماهى أديبنا حاتم الشهري بين العالمين الفوقي والتحتي، منطلقا من نفسه أولا، مرورا بمحيطه القريب، رافعا عنان فكره بتأن وثبات وعمق إلى الأمداء البعيدة، يستفسر عن ذاته، كنقطة لها كينونتها في متسع هذا الفضاء المطنب، ليدرك بالضبط ما دورها وما علاقتها بما حولها، فيتقاسم نفس النقطة مع المفكر جورج دفورسكي حين يتساءل بنفس الحدة قائلا (ونسأل أنفسنا: لماذا توجد كل هذه الأشياء في الكون، ولماذا تحكمها هذه القوانين الدقيقة بشكل رائع؟ وماذا ينبغي لوجود أي شيء على الإطلاق؟) هكذا هم المفكرون حين يستبصرون الوجود الإنساني في هذا الكون مع انتظام الحياة اليومية، الشيء الذي تعجز عنه الكلمات، يدخلون في حالة عميقة من الوعي الوجودي لإثارة المبدأ الإنساني بالخصوص... وأديبنا تخطى الواقع بنظمه بفوضاه ليحلق على أجنحة فكره الجامح، محللا خاصيتي الحياة والموت بشكل ساخر (لماذا تاء الموت مبسوطة كاليد، وتاء الحياة معلقة كالمشنقة؟ ربما كانت تاء الموت مبسوطة كأنها قبر لأن نهاية الإنسان فيه، وتاء الحياة مدورة كأنها دورة الحياة محكوم عليك فيها أن تسعى وتدور) .. ومن منا من لم يرعبه الموت رغم أنه حدث يومي يلازمنا في هذا الكون، ومع ذلك تهزنا الربكة ويتزلزل الكيان لمّا يتخطف الموت عزيزا أو صديقا محبوبا من عشيرتنا أو رفقانا، فنُطالَب بالعض على نواجذ الصبر، ودراية النكبة بتلفيقات وهمية لا ندريها صحيحة أو خاطئة، كي نسكتَ الروع الهائم فينا، ونخرج من الأزمة وتستمر الحياة، مادام الموت سرّا مبهما عالقا على مشجب وجودنا، ووجودنا زمن متناه نحو الفناء ..ويقف أديبنا على مرحلة الموت والحياة والمصير بعد الموت، متسائلا عن الحياة الأخرى، (لو كانت هناك حياة أخرى أتمنى أن أكون جذع نخلة أو حائط مبكى، أوكرسي في الصف الأول. أتمنى أكون مسك ختام في حفلة) تساؤل مبني على حرف شرط يفيد التعليق في الماضي والمستقبل، لامتناع الجواب نظرا لامتناع الشرط، مع اختيار العديد من المتمنيات يتحول فيها إلى أشياء هادفة تسدي خدمات نافعة، تترك بصمتها الذهبية في عنق التاريخ، لتبقى خالدة ..ولم يبق قيد التمني، بل تمنى أن يكون له خيار تحويل رفاته كما يشتهي، لينتفع به غيره، (لو كان لك الخيار ماذا ستفعل برفاتك بعد الموت؟ أعتقد سأوصي بوضعي في قنينات فارغة مكتوبٌ ظاهرها غاز سام.) ..

قمة التشرذم والتيه نتجت عن تأملات وأفكار تهاطلت بغزارة على رأس مبدعنا، فالتساؤل المحير لم يبق قيد الحياة في التمعن في عناصرها، بل رحل به بعد الموت، باحثا عن شيء يجعل من رفاته أداة هامة تقدم خدمات جليلة للبشرية، حس إنساني أصيل تفجر عن قاعدة التأمل والتمني والرغبة في تغيير ما هو معتم ودامس إلى غد مشرق بفجره المضيء ..

ثم يطير مبدعنا يتعقب كما الفلكي الكواكب على مختلف مشاربها، بنظرة فيزيائية صرفة، فيعدد معالمها، وخصائص تكوينها وهذا ـــ (بين قوسين لن يأتي إلا من أديب مطلع على الأجرام السماوية وكواكبها، وتشرب مواد تكوينها )ـــ ليس بنية إبلاغنا معلومة عن الكواكب، ومحاولة تقديم معرفة عنها، وإنما هو نوع من الصراع الأبدي المحتد في نفسية الشاعر، أصبح معه كالطائر الفاقد لوكره، ولا يدري إلى أين المسير، فهو يريد وفي نفس الوقت لا يريد، عالقا بخيط أشياء يريدها ويطمح إليها لتحقيقها، ومتدليا من مشانق أشياء يكرهها ويمقتها ولا يطيقها ؛ وفي غياب الممكن لتحقيق ما يصبو إليه أديبنا، يعيش أزمة نفسية، يفك خيوطها بتساؤلاته الملحة العالقة، ومتمنياته المأمولة، إلى درجة الشك في وجوده، حيث يرى نفسه مجرد سراب عابر، أو جثة هامدة بين الموتى (من قال لك بأني حقيقي ربما أنا كذبة، ربما أكون شبحا، أحتاج لشاهد واحد يخبرني بأني موجود)، وهذا بالكاد يوضح أن مبدعنا في خلوته، يسلط عدسته المجهرية بمفرده على الكون بأسره ليكشف أسراره ويفهم أغواره .

المبدأ الإنساني حافز قوي

هذه التساؤلات الملحة والمتنوعة، لم تأت عبثا، ولا انهالت أقراطا من فراغ تومض في ذهن مبدعنا، وإنما من مبدأ إنساني عظيم نتج عن تجربة الحياة المعيشة بمقتضياتها الإنسانية، والظواهر القاتلة المرة، والبلايا المتفشية بين البشر، أصبح معه الواقع كالغاب الغلبة للأقوى (فمن الأرجح أن لديهم طاغية يسومهم سوء العذاب وهم يعملون على التخلص منه، فالحياة بكرامة مطلب كل الشعوب حتى في الأجرام السماوية.) يصنعون الأسلحة الفاتكة بالإنسان، زارعة روعَ الحروب، وهول القتل في الكون، مما أدى إلى غياب القيم النبيلة كالصبر والحب والإصغاء والصداقة الحقة، والصدق والعلاقات الحميمية بكل أطيافها، والتسامح وحب الآخر، والحوار والرأي المختلف، والتضحية، وتمتين العلاقات الطيبة بين الجميع، والعيش بسلام، وكتم الأسرار ؛وحل محلها سلوكيات ممقوتة كالذبح والغش والمكر والكره والحقد، وتغلِيب المصالح الشخصية بأنانية على المصالح العامة :كسيادة الطمع، والاختلاس، والسرقات وغيرها ...

 كما يقف بحذر حول الأفكار التي تتنوع ما بين البالية المتحجرة التي لا تزود الإنسان بإلهام والأفكار اللامعة المتنورة، والتي تنطوي عليها أمهات الكتب، أو قد نستوردها من الواقع بالتجربة المعيشة، فبقراءة الأشياء تنمو المعرفة وتضيف ألوانا جديدة إلى الحياة، مما قد يسكت عواء ربة الإلهام ؛فبالتفكير العلمي نقضي على الجهل، حتى ولو أحيانا لا يحل مشكلة الالتباس الحاصل من الظواهر الطبيعية والإنسانية، وقوانينها التي تديرها وتسيرها ..هي بالكاد دعوة جريئة من أديبنا حاتم الشهري إلى قراءة الأشياء، سواء من خلال التجربة في الواقع، أو في الكتب بالوعي والبصيرة، أي بالتأمل الفاحص، والتفكير الثاقب، والتدقيق في تفاصيل الأشياء، ثم الخروج منها بمغزى هادف، ولو أن التدقيق في المعرفة وتوسيعها في فهم الأشياء ومسبباتها وطرق علاجها، قد يؤدي بالمبدع أحيانا إلى الشؤم والهلاك، خاصة في عدم امتلاك الأدوات، وغياب الطرق والإمكانيات، للتغيير حسب التصور والمراد .

معلومات وعظية للتنوير

لقد توغل مبدعنا في تفاصيل الكون بعوالمه في الحياة وما بعدها، وتمعن ببصيرة متوقدة في كائناته، بمصطلحاتها ومفاهيمها، ليعطي تفسيرات لها من منظوره الشخصي، والتدقيق في تعاريفها لتقديمها أطباقا شهية إلى القراء من أجل الوعي والتنوير، واقفا بإمعان على مصطلح(الحب)هذه الكلمة اللبيبة التي تنقر القلوب في خفاء، موضحا أنه لن يصح من طرف واحد، بل يجب أن يكون الأمر متبادلا، ساعيا إلى تنبيه المرء إلى فرصة الحياة الوحيدة التي لن تكرر، محفزا إياه أن يقضيها سعيدا بعيدا عن التوتر والقلق (الحزن أو الفرح. هي حركة دائمة ودائبة تسير إلى الأمام لا إلى الخلف، باعتبار القلق من منغصات الحياة) التي تغطيها بنظارتين سوداويين قاتلتين لكل حلم ولكل أمل، مصرا على أن يكون الإنسان مختلفا عن غيره بخصال يشتهيها هو لبناء شخصيته لا كما أراده غيره، متطرقا إلى عوالم الكتابة والخيال، ومواضيع الأدب التي يختارها المؤلف بأساليب تشويقية مدهشة، يثري ذلك بحِكَم وعظية خصبة، تدعو إلى جمال الروح، وصفاء الجوهر، وكأنه بذلك يريد من جديد غرس القيم النبيلة في النفوس، كي يحيا المرء في سعادة وراحة البال ..

الخاتمة

من خلال ما ورد تبين لي أن المبدع موسوعة ثقافية طبية علمية اجتماعية فلسفية، فلكية، دينية له باع طويل في تفاصيل الكون، بكل أطيافه الطبيعية والإنسانية /الأرضية والفوقية/ الحياتية وما بعدها ..صاغها بمهماز التساؤل اللانهائي في نصوص مفتوحة، لاهي قصصية ولا شعرية، تعتمد السرد الانسيابي بوضوح، مطَعّمة بحِكَم رشيدة، (حينما أكون بين) يديك (احذرمن (كيدي)؛ لأن كلمة (مدن) قد تنقلب إلى (ندم) .. تلاعب لغوي متجدد بكل ثقة في النفس، يستنطق اللغة بغير المعتاد لتنمو وتحيا، وتأتي بما ليس في مخيلة القارئ، من أجل تصحيح وتقويم الخصال السيئة المبنية على أرض هشة، ونشر القيم النبيلة الروحية، التي تخلق السعادة للإنسان، وبث بعض المعلومات الغائبة في خطاب توجيهي بأسلوب بسيط مقنع، له حقه من الصور الشعرية، والنكهة الساخرة التي تشد القارئ من أول خيط ...

بقلم: مالكة عسال

................

المراجع:

- كيف بدأ الخلق

المدون: د.عمرو شريف، كتب في: 26- 01- 2014/ موقع وراق

ـــ الفيلسوف العربي / بقلم جورج دفورسكي (مقال من النيت)

ترجمة: فاطمة القريشي وأحمد الجنابي

- تساؤلات للمؤلف حاتم الشهري

هو حاتم بن علي الشهري/ أديب سعودي

صدر له 7 كتب وهي تباعا كالتالي:

١- تحفة الزمان في مدح سيد ولد عدنان

جمعت فيه قصائد عن مدح النبي.

٢- الدر النفيس في متعة الجليس

جمعت الدرر من خلال جولاتي في بطون الكتب.

٣- حديث الروح

نصوص أدبية نثرية.

٤- ليته يعلم

نصوص أدبية نثرية

٥- أنا وصديقي

مراسلات أدبية بيني وبين الشاعر بدر المطيري

٦- شعثر

جمعت فيه نثري وشعري.

٧- جمع الشتات

كتاب أدبي يجمع اختلاف المباني وائتلاف المعاني.

أكتب منذ قرابة ١٢ سنة، وأول كتاب صدر لي عام ١٤٢٩هـ

بكالريوس دراسات إسلامية.

عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية

وترجم لي في معجم أدباء مجلس التعاون الخليجي.

تحت الطبع:

1 - أفانين.

٢- ندامى مجموعة قصصية.

٣- سلاسل الذهب نصوص أدبية.

٤- الجمال اليوسفي.

٥- قبضٌ من الريح مقالات

 

 

juotyar tamerيمر الشرق الاوسط بمرحلة تاريخية مهمة جداً، سواء على الصعيد الداخلي لاغلب الدول القاطنة في المنطقة، او على الصعيد الدولي والاقليمي، فاكثرية الدول في الشرق الاوسط الان تعيش حالة من الفوضى الداخلية التي تسببتها الحكومات المتسلطة الدكتاتورية ذات الفكر الاقصائي الخاطئ، سواء في تعاملها مع شعبها او مع جيرانها من الدول الاخرى، فحتى ابناء القومية الواحدة باتوا في يعيشون حالة نفورا تام تجاه بعضهم البعض ناهيك عن نفروهم اللامنطقي تجاه ابناء القوميات الاخرى، فضلاً عن كون المنطقة في الاساس تعيش على فوهة بركان لايخمد ابداً بسبب الصراعات الدينية القائمة في الاساس على اساس انكار الاخر، وتهميش وجود الاخر، واقصاء الاخر نهائياً من الوجود، وكل دين يعتبر نفسه الاول والاخر، وسدنته كهنته رجالاته هم وحدهم الصاقدين واتباعهم هم فقط الناجين، مما خلق بؤرة حقد بركانية ما تلبث ان تنفجر في مكان داخل المنطقة وتثير الفوضى والرعب في الارجاء، فلايمكن انكار ان اغلب التيارات الارهابية موطنها الشرق الاوسط عبر السلسلة الحديثة للجماعات الارهابية والفكر الاقصائي الحداثي لهذه الجماعات والنابع من صميم عقيدتهم، كل الاديان تعبث بالاخرى ولاتنتج سولا المزيد من البغض والكراهية، وبالتالي تبحث عن بؤر تفرغ غلها عليه، وبلاشك فان منطقة الشرق الاوسط هي اكثر البؤر في العالم الحديث يمكنها ان تجذب وتستقطب تلك النعرات المبغضة.

هذه المنطقة على الرغم من ادعاءاتها بانها مهد الحضارات الاولى ومهد البشرية ومهد الانبياء والرسل والاديان والتسامح والمحبة الا انها في الحقيقة مهد لكل ما هو لاانساني بغيض، بلاشك لايمكن التعميم هنا " في بعض مراحلها التاريخية - لكننا امام حقائق نلامس كينونتها من داخل المجتمعات ضمن نطاق الشرق الاوسط، فالصراع القومي الديني بين الفرس والعرب والترك واليهود والمسيحين امر لايمكن تجاوزه وانكار وجوده واستمراريته بمجرد اننا ندعي نحن في عصر الانسانية والحرية، فالامر ليس متروكاً للشعارات ولا الادعاءات، انما هو مبني على اسس حقيقية نابعة من صميم تاريخ المنطقة والصراعات الدائرة منذ البدء بين هذه الفيئات غير المتجانسة لا عرقياً اثنياً قومياً ولا دينياً طائفياً مذهبياً، بالتالي فاننا امام حقيقة لاتتغير بمرد تغير الشعارات التي يطلقها جهة او طائفة او مذهب او دين او قومية.. فتاريخياً كانت الحروب بين الفرس واثينا واسبرطة ومقدونيا ومن ثم الرومان ومن ثم دخول العرب المسلمين في سلسلة الحروب مع الجهات الاربع الشرق والغرب والشمال والجنوب، ومن ثم تدوير العجلة لتشمل المطبات الداخلية بين القوميات ذات الدين الواحد الصراع الروماني البيزنطي والحروب الصليبية ،ومن ثم الانشقاقات المذهبية والصراع الايقوني واللاايقوني داخل الجهة الواحدة والدين الواحد والانشقاق الكبير للكنيسة بين الشرق والغرب وفي الغرب ظهور البروتستانت وتاثير ذلك على الشرق الاوسط، وفي الجهة الاخرى ظهور الخوارج بعد الحرب الداخلية القومية الدينية الاموية العلوية، ونضوج الفكر الاعتزالي الفلسفي وظهور المذاهب السنية والمذاهب الشيعية، فضلاً عن ظهور الدويلات داخل الدولة الاسلامية وصراعاتها القاتمة والدموية وخضوع السلطة لتلك الصراعات لاسيما بين الدولة الاموية والعباسية وبين الاخيرة والفاطمية الشيعية، وداخل الدولة العباسية ظهور العشرات من الدويلات المتصارعة مثل  الاخشيدية والطولونية والسامانية والغزنوية والخوارزمية والزنكية والايوبية، بالاضافة الى ظهور القوة الفتية المغولية الكاسحة الاليخانية والتيمورية، ومن ثم المماليك بين البحرية والجركسية، واخيرا ظهور الصفويون والعثمانيون والانقسامات الاخيرة التي اكتسحت المنطقة بعد الحرب العالمية الاولى وانهيار العثمانيين.. هذا الصراع الدموي المقيت في الشرق الاوسط يراه البعض ضمن دائرة المؤامرة العالمية اليهودية الصهيونية الامبريالية والى غير ذلك من الشعارات المهمشة التي يستخدمونها لاخفاء ضعفهم وعدم قدرتهم على التعامل مع الواقع ومع هذا التنوع الاثني القومي الديني المذهبي في المنطقة، لذا كل هزائمهم ناجمة عن المؤامرات الخارجية، مع ان الانحلال الداخلي كان ولم يزل هو السلاح الفتاك لهذه المنطقة باجمعها.

كان التداخل القومي والتمازج بين الاديان والمذاهب مثل الطاعون في المنطقة، وباء لاعلاج له قديما ولا حديثاً ولا مستقبلاً فالهمجية التي تتبناها القوميات والاديان تجاه بعضها البعض لادواء لها، لاسيما حين تجد كيف تلتم بعضها مع البعض ضد الاخريات، وهذا ما يحيلنا الى نقطة مهمة وهو ان العنصر التركي لايمكن ان يجتمع مع الفارسي الا اذا وجد هدف مشترك، كما حصل بين معركة جالديران والتي بعدها تم تقسيم اراضي كوردستان بينهما، فضلا عن المعاهدات المستمرة بعدها بينهما لترسيم الحدود والتي وصل الامر فيها الى تقسيم العشائر الكوردية فيما بينهم.. فضلاً عن ان العرب والفرس لايجتمعون الى لهدف مشترك ايضاً كما فعلوا في اتفاقية الجزائر التي تنازل العرب عن مساحات واسعة من مياهها الدولية لصالح الفرس وذلك لكبت جماح الثورة الكوردية ، ولايمكن حصر الامثلة هنا، لانها لاتعد ولاتحصى، ولكن في الاجمال فان المنطقة هذه اصبحت وباء لكل القوميات التي ليس لها كيان مستقل فكما الكورد في صراع من اجل البقاء، نجد الاشوريين والكلد وغيرهم ايضا يعيشون تحت وطأة نفس الوضع، فالشتات لم يكن يوما يهودياً بحتاً انما الشتات اصبح سمة القوميات الاخرى ايضا التي نجدها وبفعل المصالح الدولية للدول الكبرى اصبحت خاضعة لمنطق التقسيم والتشتيت والتوزيع.

هذه المنطقة بهذه الصورة اضحت هي البؤرة الاكثر لا استقراراً على الاطلاق، فبين كل فترة واخرى ينفجر بركان في دولة ويجتاح المنطقة باكلمها، ويدخلها في حسابات وصراعات وتحالفات وتنازلات مقيتة تخدم اجندات خارجية في الدرجة الاولى وتخدم مصالح السلطوية القومية الدينية بالدرجة الثانية، وما تمر به المنطقة الان خير دليل على هذا الكلام الممنطق، فظهور التيارات الارهابية التي اجتاحت المنطقة بشكل رهيب وسريع دليل على ان المصالح الثنائية بين المنظومة الدولية والكراسي الحاكمة هي التي تسير الوضع وتسمح لهكذا تيارات ان تعبث بالمنطقة وبالشعوب فيها،

فمن ظهور الاخوان الى حماس الى منظمة بدر وحزب الله الى القاعدة وجبهة النصرة وتنظيم الدولة " داعش "  والحوثيين والعديد من التيارات الاخرى نلامس بوضوح مدى تفاهة القيادات  السلطوية في المنطقة ومدى تلاعبها بمشاعر ابناء شعوب المنطقة بالتالي فانها اصبحت مثار جدل وحراك شعبي اتجه الى العنف في الكثير من الدول حتى بات الدم هو العلامة الفارقة التي يعرف بها تلك الدولة او ذلك الشعب، ناهيك عن قيام تحالفات بين الاضداد للحد من وقوف بعض القوميات المضطهدة داخل المنطقة كما يحدث الان للكورد حيث اصبح الترك والفرس والعرب مجتمعين معاً تاركين احقادهم تجاه بعضهم البعض للوقوف بوجه الحراك التحرري الكوردي الساعي لخلق كيان مستقل لامة مشتتة في ارجاء الخراب الارضي.. وضمن السعي الكوردي لاثبات وجوده القومي تحركت تلك الاحقاد ضمن هيكل الارهاب الداعشي لضرب الكورد في مناطقهم.. مستندة في اعمالها على دعم الترك والفرس وبعض الدول العربية.. فكان لابد من تغيير شمولي على الصورة الكوردية في المنطقة وهذا ما حدث بفعل القوة الضاربة التي وجهها الكورد من خلال _ البيشمركة ووحدات حماية الشعب -  للارهاب الديني والقومي في المنطقة فبات الكورد معادلة صعبة لايمكن اتخاذ اي قرار بشأن التحولات الجغرافية في منطقة الشرق الاوسط الا بمشاركتهم الفعلية، وهذا ما يمكن ان يرصده القارئ من خلال متابعة وقراءة المقالات والدراسات ضمن هذا الكتاب.

 

1118 afrahوصلني من صديقي الشاعر الرقيق الجميل البهي حسين مهنا ديوانه الجديد "أفراح مؤجلة" الصادر عن مكتبة كل شيء في حيفا لصاحبها الناشر صالح عباسي.

يقع الديوان في ٩٦ صفحة من الحجم المتوسط، ويضم بين طياته ٤٣ قصيدة تتنوع موضوعاتها بين الحنين والسياسة والوجدان والوطن والام والمرأة والانسان والهموم الفلسطينية والحياة، وتصطبغ بالوجدانية والرومانسية والنزعة الانسانية .

حسين مهنا شاعر وقاص من قرية البقيعة الجليلية، من مواليد العام١٩٤٥لابوين فلاحين، تخرج من مدرسة الرامة الثانوية سنة ١٩٦٣، وعمل مدرساً للغتين العربية والانجليزية في مدرسة البقيعة الاعدادية .

وهو من الأصوات الشعرية الأصيلة التي امسكت بزمام القول الشعري، واعطى للكلمة الشعرية الفرصة كي تتفجر جمالاً وروعة واحساساً صادقاً واثارة .

ينتمي حسين مهنا للنبض الجمالي، ويمتلك آليات الخطاب الشعري، ومكتمل الأدوات الفنية، فيه الشاعرية والمعرفة بسراديب الحياة، وهو يطرق القول الشعري بالاصالة لا بالتبعية، وديوانه هذا كما هي دواوينه السابقة يترجم شخصيته الملهمة التي كانت وراء ممارسته الشعرية، ويكشف عن مساهمته الابداعية الناضجة الواعية المجربة الملتزمة، التي وشمت المشهد الابداعي الفلسطيني، واغنت خزانتنا الأدبية بحوالي عشرين عملاً ومنجزاً ابداعيا ً في الشعر والنثر .

حسين مهنا في ديوانه " أفراح مؤجلة " يرتشف رحيق الجمال الكامن في أعماقه، يحرك النفس ويستفز الخيال ويتفنن في الرسم بالكلمات .

لغة الديوان جميلة وأنيقة وشفافة، نابضة بحس انساني عميق يسبر أغوار النفس البشرية .

ومن أجواء الديوان هذه الأبيات من قصيدة " نامي ثورة بدمي " التي كتبها خلال جولة له في بيت لحم .. حيث يقول :

ات اليك وقلبي  سابق قدمي

                يا بيت لحم رعاك الله فابتسمي

ماذا عبوسك والأقمار ضاحكة

               والشعر طاغ ولكن عالق بفمي

فلتنطقيني وقد حملت قافيتي

              عطر الجليل ولحناً واثق النغم

اني عرفتك وجهاً مشرقاً أبداً

             يشفي قلوباً برتها سورة الألم

ما دق بابك مأزوم بعلته

            الا وعاد سليماً غير ذي سقم

تلك الكنائس والأجراس صادحة

           تتلو عجائب طفل ضاء في الظلم

وفي المساجد أصوات مرنمة

           تقول لا فرق بين العرب والعجم

هذي أخوة دهر لا تبددها

              أيدي الكرام وأنتم سادة الكرم

يا بيت لحم وأنت الدهر فاتحة

        صدراً رحيباً لوحي الشعر والحكم

قد جئت أعثر في خطوي ويرهبني

       هول اللقاء وليس الخوف من شيمي

اننا نرحب بديوان حسين مهنا " أفراح مؤجلة "، نتمنى له المزيد من العطاء والابداع، مع جزيل الشكر والامتنان على هديته النفيسة .

 

شاكر فريد حسن

 

 

nadheer khazrajiكثيرة هي المدن المكتظة بأهلها في هذه الأرض المترامية الاطرافية، يعدها البعض بنحو 3200 مدينة معمورة ناهيك على الأقضية والبلدات والنواحي والمديريات، فهي أكثر من أن تعد وتحصى.

ولكن كم منا يحفظ أسماء المدن ولو عشرها؟

لا أحد له القدرة على ذلك، فبالكاد من يحفظ في البلد الواحد أسماء مدنه وأقضيتها، فما بالك بالبلدان الأخرى، فالأمر يكاد يكون من باب المستحيلات؟

ولكن بالتأكيد أن غالبية عظمى من بني البشر من يحسن معرفة مدن تطرق الأسماع أسماؤها بين الفينة والأخرى، لخصلة جعلتها متميزة، لها ذكر في وسيلة مقروءة أو مرئية أو مسموعة، وفي عالم المعرفة فإن أكثر المدن وقعا في الآذان هي التي احتضنت مؤسسة علمية ومعرفية ذاعت شهرتها في الآفاق قديما وحديثا، من قبيل أثينا، مكة، أور، روما، بغداد، القاهرة، تونس، المدينة، الكوفة، أوكسفورد، كامبردج، كربلاء، إصفهان، الحلة، فاس، لكهنو، غرناطة، سمرقند، بخارى، جبل عامل، لاهور، دمشق، وغيرها من الحواضر العلمية.

فالعلم هو الذي حفظ لهذه المدينة أو تلك شأنها ورمزيتها وعراقتها، حتى صار يُقال لها "حاضرة علمية"، بعضها بقيت على حيويتها تغذي المجتمع بالعلماء جيلا بعد آخر، وبعضها تعرضت للخراب واليباب، لا يحفظ المجتمع إلا اسمها، والبعض الآخر نالها من الخراب ما نالها ولكنها بقيت محافظة على جذورها تنمو كلما تنفست هواء الحرية.

ولعل أكثر المدن شهرة تلك التي احتضنت جثمان علم من أعلام البشرية، وأكثرها شهرة تلك التي جمعت بين الإثنين، بين "العَلَم والعِلْم"، ومنها مدينة كربلاء المقدسة التي تقدّست باستشهاد سيد شباب أهل الجنة وحامل لواء الإصلاح الإمام الحسين (ع)، وصار مرقده الشريف منارًا للعلم والعلماء، ومحطة للتزود العلمي والروحي، وقاعدة لبث علوم أهل البيت(ع) في أرجاء الأرض.

هذه المدينة التي هي مهوى القلوب، وقبلة الموالين والمحبين، تناول المحقق آية الله الشيخ محمد صادق بن محمد الكرباسي جذور حركتها العلمية منذ القرن الأول الهجري وحتى اليوم في الجزء الأول من كتاب "أضواء على مدينة الحسين .. الحركة العلمية" الذي صدر حديثا (2017م) عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 462 صفحة من القطع الوزيري، والذي يمثل الجزء التاسع بعد المائة من أجزاء دائرة الموسوعة الحسينية المطبوعة من بين نحو 900 مجلد مخطوط.

نشأة الحركة العلمية

لا توصف مدينة بحاضرة علمية ما لم تكن دائرتها العلمية قائمة ونابضة ومنتجة وذات حركة دائبة برجالها ونتاجاتها المعرفية والفكرية، فالحركة العلمية إسم على مسمّى وهي نقيض الجمود والتوقف، وبتعبير المحقق الكرباسي: (إن الحركة العلمية هي من وراء المناقشات العلمية، فالنهضة العلمية إنما تتم بالحركة والعمل الدؤوب على رفع سقف المعرفة والتطلع إلى المزيد ليصل الى مستوى رفيع ولا ينُال ذلك إلا بالمثابرة مع عامل الإخلاص، والتوجه إلى الذي علّم الإنسان بالقلم وأمر بالقراءة فجعل ما يشبه الملازمة بين القلم والقرطاس، وبين القراءة والإلقاء، فهذا هو المقصود من الحركة العلمية في هذه الحلقة من حلقات الحضارة التي اكتسبتها هذه المدينة المقدسة منذ أن حطَّ الإمام الحسين (ع) رحاله عليها وامتزجت دماؤه الطاهرة بتربتها العطرة)، يساعد الحاضرة العلمية في النمو والرقي والبقاء توفر عوامل أربعة كما يقرر المؤلف وهي سلامة: الوضع الأمني، الوضع الصحي، الوضع المادي، والوضع العلمي.

فالعلم ينشط في الوضع الأمني السليم، وتوفر الصحة العامة إذ أن بعض الحواضر العلمية بادت او انتقلت إلى مدينة أخرى نتيجة لتعرضها لوباء أو مرض قاتل، والوفرة المالية من موقوفات وأخماس وتبرعات وغيرها، وهذه الأمور تساهم بشكل فاعل في خلق جو علمي نابض بالحركة والديمومة.

إذن فالحركة العلمية في مدينة الحسين لم تتوقف وإن خبت جذوتها بين فترة وأخرى بفعل ممارسات سلطوية، ولكنها بالقطع مرّت في مراحل مختلفة بين المد والجزر، يضعنا الكرباسي في صورتها عبر مؤلفه المتكون من الفصول والعناوين الرئيسة التالية: تاريخ الحوزات العلمية، تاريخ حوزة كربلاء، الحركة العلمية في الحائر، دور المرأة في حوزة كربلاء، كربلاء والنجف، كربلاء وقم، كربلاء وإصفهان، كربلاء والحلة والكاظمية، كربلاء وكاشان، كربلاء ومشهد، كربلاء وبروجرد وعبادان، كربلاء ودمشق، كربلاء والكويت، كربلاء ومعاهد العلم الأخرى، المنهج الدراسي ومراحله، المعاهد العلمية، ذكريات من كربلاء، حوزة العلم، المدينة الحضارية، المعاهد وروّادها، الدراسة العليا، المواد والعلوم الدراسية، تمويل الحوزة، دور الحوزة، آداب التعليم، أسلوب التدريس، حوزة كربلاء والهجرة، كربلاء والمرجعية، وتراجم العلماء والفضلاء.

ويمثل وصول الإمام الحسين(ع) إلى كربلاء في الثاني من محرم هو بداية المرحلة الأولى من مراحل النمو العلمي لهذه الحاضرة المقدسة: (رغم أن المدة التي أقامها الإمام أبو عبد الله الحسين (ع) في كربلاء المقدسة لم تكن إلا ثمانية أيام وساعات حيث وصلها من نينوى عند الضحى من يوم الخميس الثاني من محرم سنة 61هـ (4/10/680م) واستشهد عند العصر من يوم الجمعة في العاشر من محرم سنة 61هـ (12/10/680م) ولكن هذه الأيام الثمانية بلياليها كانت مدرسة علمية وعملية لمن رافقه ومنهلًا علميا لمن سمع بها ومنهجًا عمليا لكل من وصل إليه خبرها)، ومنذ العام 64 للهجرة وبهلاك يزيد بن معاوية بدأت المرحلة الثانية من الحركة العلمية، ومع وصول الإمام جعفر بن محمد الصادق(ع) إلى كربلاء المقدسة سنة 144هـ انطلقت بقوة المرحلة الثالثة المتواصلة حتى يومنا هذا.

حوزة كربلاء العلمية

في أدب الدراسة والتدريس تظهر مصطلحات ومسميات متعددة وإن توحدت في المقصد والمآل، من قبيل الحاضرة العلمية، الجامعة، الكلية، المجمع العلمي، المدرسة، الحوزة العلمية، وغيرها من المسميات التي طرفاه العالم والمتعلم وبينهما الدروس العلمية والمكان الذي يجمع الدارس والمدرس، ويشتهر في دراسة الفقه والأصول مصطلح الحوزة، وهي من الناحية اللغوية: (المكان الذي يقع في حيازة الدارسين أو الصحن الشريف، فالحيازة هي مصدر هذا العمل وكل منهم يشغل مكانًا لأجل التعلم، ومن هنا عُرفت كل التجمعات بالحوزة، والحوزة عادة لا تطلق على مدرسة واحدة أو مجمع واحد بل على مجموعة من المدارس والحلقات الدراسية). أما الحاضرة فإن جذرها مأخوذ من: (حضر والحضور والتي تعني التواجد في المكان أو المجلس وتطلق لغويا على المدينة الكبيرة بل المدينة ذات الحضارة بعيدا عن البدوية، وبما أنها تكون ملتقى العلم والعلماء والحضارات والمعارف فلذلك وصفت بها). وأما الجامعة فهي مصطلح جديد مأخوذ من: (الجمع والتجمع لأن رواد المعرفة يتوجهون إليها لطلب العلم، ولأن لها فروعا مختلفة حسب العلوم والمعارف والتي توزع على الكليات التي هي معاهد تختص بعلم من العلوم أو فن من الفنون، والجامعة تجمع كلها، ومن هنا سميت الجامعة جامعة لأنها المؤسسة التي تنضوي فيها هذه الكليات، وحكم الكليات في المصطلح القديم هو حكم المدارس التي تنشأ في الحوزات العلمية وحكم الحوزات هو حكم الجامعة).

الفقيه الكرباسي في باب (الحركة العلمية في الحائر) يتابع بعين باصرة تطور الحوزة العلمية حسب القرون، مع بيان ميزة كل قرن وموقف السلطة الحاكمة المحلية والمركزية من المدينة المقدسة ودورهما في دعم الحركة العلمية أو قمعها، ولأن العراق مرّت عليه حكومات وأسر متعددة من مدارس مذهبية مختلفة، فإن هذا التعدد ترك أثره على الحركة العلمية في عموم العراق وخصوص كربلاء التي كانت محط رحال مرجعيات دينية لها تأثيرها المباشر على الواقع المجتمعي تتودد إليها السلطة أو تتخوف منها، ويمثل القرن الخامس الهجري من القرون المزدهرة التي عاشتها الحاضرة العلمية في كربلاء وظهور أسماء لامعة فيها، كما يمثل القرن السابع من العصور الذهبية التي شهدتها حاضرة كربلاء العلمية، وعاشت المدينة في العهد العثماني بين مد وجزر، فيلتفت إليها حاكم ويعزف عنها آخر، ويتعرض لها بالسوء ثالث وهكذا دواليك، وكانت للعوارض الطبيعية دورها في إطفاء جذوة حاضرة كربلاء، كالطاعون الذي أصاب المدينة سنة 1811م حيث: (كان له الأثر الكبير في القضاء على النهضة العلمية المزدهرة في كربلاء)، ولكن هذا لم يمنع من عودة الإزدهار إليها، وقد امتاز القرن الثالث عشر الهجري: (بكثرة نبوغ أبطال العلم والمعرفة فيهما يمكن أن يقال فيه أنه بحق العصر الذهبي والقرن المزدهر رغم بعض الإنتكاسات)، ولعلّ أسوأ المراحل التي مرت بها الحركة العلمية في كربلاء هي نهاية القرن الرابع عشر الهجري وبداية القرن الخامس عشر الهجري حين حكم حزب البعث العراق في الفترة (1963- 2003م) وشرّد علماءها واعتقل الكثير منهم وأعدمهم وغيَّبهم في السجون المظلمة، ومع انتهاء حقبة الحزب سنة 2003م بدأت الحاضرة العلمية في كربلاء تستعيد عافيتها.

أشعة من كربلاء

أفرد المحقق الكرباسي فصلا للحديث عن المعاهد العلمية الإمامية في البلدان المختلفة حسب الأسبقية وهي على النحو التالي: المدينة المنورة، مكة المكرمة، اليمن المباركة، البحرين الكبرى، الكوفة، البصرة، دمشق، القاهرة، كربلاء المقدسة، قرطبة (الأندلس)، المغرب، سامراء المشرفة، الري وطهران، قم المقدسة، قزوين، مشهد المقدسة، نيسابور، حلب الشهباء، النجف الأشرف، القدس الشريف، جبل عامل، طرابلس الشام، ما وراء النهر، الحلة الفيحاء، بعلبك، تونس، إصفهان، الهند، أفغانستان، كاشان، باكستان، وغيرها.

وحسبما توصل اليه: (فإن معالم جامعة كربلاء برزت وبشكلها الرسمي في أواخر النصف الأول من القرن الثالث الهجري حيث استقر فيها أعلام وقدموا إليها من الكوفة وبذلك تعتبر هذه الجامعة إمتدادًأ لجامعة الكوفة التي بدأت تنحسر شيئًا فشيئًا لتؤسس في بغداد وكربلاء ثم النجف والحلة)، وكان لكربلاء تأثيرها المباشر وغير المباشر على قيام حواضر علمية في مدن أخرى داخل  العراق وخارجه أو تقويتها ومدها بالعلماء والطلبة من قبيل مدن: النجف الأشرف، قم المقدسة، إصفهان، الحلة، الكاظمية، كاشان، مشهد، بروجرد، عبادان، دمشق، الكويت.

ويرى الفقيه الكرباسي أن جامعة كربلاء أسعفت بكل قواها جامعة النجف مرتين على الأقل بعد أن انتقل إليها الشيخ الطوسي من كربلاء لتأسيس الحوزة فيها سنة 449هـ (1057م)، فضلا عن دورها الفاعل في القرنين الثامن والتاسع. وتعززت حوزة قم المقدسة بعد أن حلّ بها الشيخ عبد الكريم الحائري المتوفى سنة 1355هـ (1936هـ) والذي هو الآخر هاجر من كربلاء ليسكنها ويعمل على تقوية هذه الحوزة. كما تعززت حوزة إصفهان بانتقال أعلام كربلاء إليها أمثال المولى محمد إبراهيم الكرباسي المتوفى سنة 1261هـ (1845هـ) والسيد محمد باقر الشفتي المتوفى سنة 1260هـ (1844م). وكانت كربلاء  والحلة تتبادلان المعرفة وينتقل علماؤهما منهما وإليهما وأصبحتا ككفي ميزان. ومن كربلاء كان انتقال الشيخ أسد الله التستري المتوفى سنة 1234هـ (1819م) إلى الكاظمية لتنشيط دور الحوزة الكاظمية وغيره. وبعد أن أخذ العلوم على أعلام كربلاء رجع المولى الشيخ محمد مهدي النراقي المتوفى سنة 1209هـ (1790م) إلى كاشان وهناك أسس له مركزًا علميًا تُشدُّ إليه الرحال بعد أن كانت كاشان مُقفرة من العلم والعلماء. وفي سنة 1371هـ (1951م) هاجر من كربلاء السيد محمد هادي الملاني المتوفى سنة 1395هـ (1975م) إلى مشهد فسكنها وأعاد إليها نضارتها. وفي بروجرد نزلها السيد شفيع الجابلاقي الموسوي المتوفى سنة 1280هـ (1864م) الذي درس على أعلام كربلاء. وفي عبادان نزلها السيد أسد الله الهاشمي الإصفهاني المتوفى سنة 1399هـ (1979م)  القادم من كربلاء. وفي دمشق نزل بها السيد حسن بن مهدي الشيرازي المتوفى سنة 1400هـ (1980م) وهو أحد أعلام حوزة كربلاء وأسس في حي السيدة زينب بريف دمشق سنة 1393هـ (1973م) الحوزة العلمية الزينبية حيث تولى المؤلف الققيه الكرباسي إدارتها. وفي الكويت نزل بها السيد زين العابدين الكاشاني سنة 1376هـ (1956م) وهو أحد أعلام كربلاء، وفي سنة 1391هـ (1971م) نزلها المرجع الديني السيد محمد بن مهدي الشيرازي المتوفى سنة 1422هـ (2001م) وهو قادم من كربلاء وأسس فيها مدرسة الرسول الأعظم لدراسة الفقه والأصول.

مدارس ومناهج

على خلاف ما يشاع فإن المحقق الكرباسي يرى أن المدرسة العضدية الأولى ثم الثانية في كربلاء سابقة من حيث النشأة على المدرسة النظامية في بغداد التي افتتحت سنة 459هـ (1067م)، فالأولى تم تشييدها سنة 367هـ (977م) والثانية قبل سنة 372هـ (983م).

وازدادت المدارس العلمية في كربلاء بمرور الزمن، وقد أعد المحقق الكرباسي على عهده خلال وجوده في كربلاء حتى سنة 1391هـ (1971م) وهجرته القسرية إلى إيران، المدارس العلمية التالية: مدرسة إبن فهد، بادكوبة، البقعة، البروجردي، الإمام الباقر(ع)، حسن خان، الحسنية، الرضوية، الزينبية، السليمية، شريف العلماء، الصدر الأعظم النوري، الطبرغاسي، العضدية الأولى، العضدية الثانية، الحاج كريم، المجاهد، المهدية، المازندراني، الهندية الكبرى، الهندية الصغرى، الهندية الوسطى، الكتاب والعترة، الباكستانيين، ومدرسة الخوئي.

هذه خمسة وعشرون مدرسة ضمتها مدينة كربلاء في نهاية القرن الرابع عشر الهجري فضلا عن ثمان مدارس أخرى كما يقول المؤلف: (تحولت إلى خانات لم نتمكن من تحديد أسمائها والتي كانت تقع على جانبي السوق الكبير ما بين الروضتين العباسية والحسينية)، ولأن الغالبية العظمى من هذه المدارس تم إزالتها في العقود الماضية أو تخريبها فإن الفقيه الكرباسي يقترح:

أولا: أن ترسم أبعاد المدارس على الأرض بشكل ملحوظ في أماكنها حيث لا يمكن إعادة بنائها لتبقى معالمها متعلقة بالأذهان.

ثانيا: أن تُنشأ من جديد مدارس بأسمائها في أماكن أخرى مناسبة لإحياء ذكرها.

ويضعنا الفقيه الكرباسي في أجواء المراحل الدراسية الثلاث في هذه المدارس (المقدمات والمبادئ، السطوح، والخارج) حيث كانت حرّة من حيث: حرية إختيار المادة ، إختيار النص، إختيار الأستاذ، الوقت، الفترة الدراسية، اللغة، الإستمرار وعدمه، وحرية الخضوع للإمتحان وعدمه. وتنطوي دراسة المقدمات على العلوم التالية: الصرف، النحو، المنطق، الفقه، الكلام، الأصول، والبلاغة. وتضم دراسة السطوح (نسبة إلى السطح والظاهر وعدم التعمق) العلوم التالية: البلاغة، الفلسفة، الفقه، الأصول. اما دراسة الخارج (نسبة إلى الإستدلال خارج نطاق الكتاب الدراسي) فتضم بشكل أساس علمي الفقه والأصول.

وقد أفرد المؤلف في الجزء الأول من الأضواء فصلا لذكر أسماء الأساتذة والطلبة في مدارس كربلاء على عصره، كما أفرد فصلا لبيان تمويل الحوزة والمراحل التي مرت بها، متمنيا على المسؤولين في الدولتين الإيرانية والعراقية من أجل دعم الحواضر والحوزات العلمية: (أن يخصصوا نسبة من عائدات النفط للحوزات العلمية الإمامية في العالم بما يكفل لهم التخرج في فترة أقصر وبشكل أحسن ليتمكنوا من أداء  المهمات الملقاة على عاتقهم، وقد تحدثنا بهذا الأمر مع من يهمه الأمر، ونأمل منهم الوفاء).

ومن أجل توثيق الحركة العلمية ورجالها في كربلاء المقدسة منذ نشأتها فإن الجزء الأول من الحركة العلمية (وتليه الأجزاء التالية) ضم ترجمة وافية بأسماء العلماء والفضلاء الذين مارسوا العلم وتعاطوا المعرفة الخاصة بالدين وأحكامه، وهذا الجزء ضم 96 شخصية وكلهم في حرف الألف.

هذا العطاء العلمي والمعرفي الذي قدمته كربلاء بفضل الإمام الحسين (ع) ومديات تأثيره على بقية الشعوب والحواضر العلمية، تناولته الأديبة والشاعرة إقبال بريشتان هودوتي من مدينة برينشتا في جمهورية كوسوفو في المقدمة التي كتبتها باللغة الألبانية والملحق بهذا الجزء لتؤكد: (إن الإمام الحسين (ع) حاضر في ضمير الشعب الألباني، ومنه تعلموا الصبر والمقاومة وتحمل الأذى والمشقات، فهو لم يكن شهيد واقعة كربلاء فحسب، بل هو مثال الإنسان المضحي المحب للخير والباذل لمهجته من أجل الإنسانية)، معتبرة: (ان واقعة كربلاء ليست بنت زمانها وواقعها، بل هي عابرة للأزمان والأمكنة، وتتلقاها الشعوب المظلومة برحابة صدر متأسية بشخصية الإمام الحسين(ع) المضحية)، لتنتهي إلى خلاصة بأن: (الإمام الحسين (ع) علّم الإنسانية بأن الإنتصار على الشر لا يتأتى إلا من باب التضحية وبذل المهج والدماء في سبيل الخلاص وتحقيق العدل والحرية).

والخلاصة رسالة قائمة منذ أربعة عشر قرنًا من أخذ بها نال الظفر ومن تخلف عنها عاش القهر، وبين الظفر والقهر يمضي الصراع الأبدي بين قوى الخير والشر.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

1116 husanبدأت قراءة الرواية الساعة العاشرة مساء يوم الجمعة بعد أن أهداني نسخة منها الكاتب الصديق حسين عبد الخضر بعد امسية اقامها اتحاد الادباء .. في اليوم الثاني اكملتها الساعة الثالثة وخمس وأربعين دقيقة من صباح السبت بسبب انشغالاتي الكثيرة ...

انها رواية عالمية ......... شكرا لك حسين صديقي المبدع.

لم انقطع عن الرواية خلال 24ساعة الا للضرورات المعروفة ، فمنذ العبارة الاولى للرواية ستكون على موعد مع الاندماج والاتصال الفكري والعاطفي مع الاحداث التي لم تتوقف أو تهدأ حتى في وسط الرواية الذي يكون عادة مليء بالتفاصيل والحشو وابراز ثقافة الكاتب وقدرته على الكلام الادبي المنمق.

وجدتُ حسين عبد الخضر لا يحتاج الى الحشو لان روايته مليئة بالاحداث المشفوعة بالغرابة والرمزية التي تميل فكر القارئ الى عدد من الرموز الانسانية والوطنية التي خدمت الحركة الثورية والاصلاحية في العراق.

رواية " تحت التنقيح " من الواقع العراقي وتدور احداثها الرئيسية كما فهمت بعد سقوط النظام البعثي 2003 لكنها لا تخلو من إضاءات فكرية وانسانية واجتماعية تحتمل تفسيرها في كل جيل ومكان .

حسين عبد الخضر روائي عراقي من ذي قار له اربعة روايات سابقة وخمّسها ب"تحت التنقيح" الرواية الرائعة التي أدعوكم لقراءتها باسرع وقت لأنها ستعطيكم اوقاتاً من السعادة والراحة والجمال .

شكرا حسين ..

 

غفار عفراوي