adnanhusan ahmadصدر عن دار E-Kutub بلندن كتاب "حفلة لثائرة .. فلسطينيات يكتبن الحياة" إعداد الروائية هيفاء زنكَنة، وتقديم الناقدة فريال غزّول. يضم الكتاب نصوصًا مفتوحة لثماني كاتبات فلسطينيات مُحرَّرات من الأسر، والتاسعة لم تمرّ بمحنة الأسر وهي الشاعرة والمترجمة روز شوملي مصلح.

هذا الكتاب هو ثمرة ورشة للكتابة الإبداعية التي أقيمت على هامش احتفالية فلسطين للأدب أشرفت عليها الروائية العراقية هيفاء زنكَنة التي عانت هي الأخرى من تجربة السجن وكتبت عنها غير مرّة ويكفي أن نشير إلى روايتها المعروفة "في أروقة الذاكرة" التي تعتبر نموذجًا مثاليًا لأدب السجون في العراق.

يكشف التمهيد الذي كتبتهُ زنكَنة أسباب عزوف المُحرَّرات الفلسطينيات من السجون الإسرائيلية عن تدوين تجاربهن الشخصية والجماعية، وتعتقد أن البعض منهن ربما تعرّضنَ إلى تجارب مهينة أساءت إلى كرامتهن وسمعتهن الأمر الذي يدعوهنَّ إلى لزوم الصمت، وتناسي الذكريات المؤلمة القديمة. كما تعتقد أن صعوبة اللغة العربية قد تقف حائلاً أمام الكتابة الإبداعية أو حتى التدوين الذي يهدف إلى توثيق هذه الأحداث المُفجعة التي مرت بها السجينات الفلسطينيات، إذ تخشى الكثيرات منهن الوقوع في أخطاء لغوية قد يُنتقدنَ عليها لأن غالبيتهن لم يمارسن الكتابة الأدبية من قَبل لكن المشرفة على الورشة شجعتهن على خوض هذه التجربة، وحفّزتهنَ على الكتابة الإبداعية التي تنطوي على حبكة جيدة، ولغة متوهجة، وبناء فني رصين يجتذب المتلقين ويدفعهم لقراءة نصوصهن الأدبية والاستمتاع بمضامينها ومقارباتها الفنية على حدٍ سواء.

أما الناقدة فريال غزّول فقد صنّفت هذا النمط من الكتابة بـ  Nonfiction creative writing الذي يعني"القصة الإخبارية التي تجمع بين الخبر والسرد الأدبي"(ص11) وهو توصيف دقيق لأن القصة الإخبارية تشتمل على الأقصوصة، والنص المفتوح، والرسائل، واليوميات، والاستذكارات وما إلى ذلك من كتابات حميمة تحاول السيطرة على الذاكرة المراوغة التي قد تكون ضحية للخطأ والتصحيف والنسيان.

يمكن اعتبار النص المفتوح الذي كتبته نادية الخياط قصة قصيرة وذلك لتوفره على اشتراطات النص القصصي الناجح الذي يتوفر على ثيمة جيدة، وحبكة قوية، ولغة مُعبِّرة لا تخلو من الصياغات الجميلة، والومضات الشعرية التي يستقر بعضها، في الأقل، في ذهن القارئ وهو يتتبع الحدث القصصي منذ بدايته  وحتى جملته الختامية. تتناول القصة ثيمة إنسانية وهي إنجاب "سميحة" لبنتها البِكر "ثائرة" في سجن إسرائيلي، وسوف تتحول هذه الطفلة الرضيعة إلى الحدث الأبرز في القصة، خصوصًا وأنها سريعة في كل شيء، في النُطق، والمشي، والتعلّم، فلاغرابة أن تكتشف بحدْسها الداخلي أنها تعيش في معتقل مُعادٍ لكل السجينات بمن فيهن أمها وعمتها وجدتها اللواتي زُج بهن جميعًا في هذا السجن المعزول نسبيًا عن العالم الخارجي. ولعل وجود الطفلة "ثائرة" وهي تلعب في الممر القريب من غرف السجينات هو الشيء الوحيد الذي يكسر رتابة الروتين اليومي الذي تعيشه الأسيرات على مدى سنوات طوالا، وسوف يشعرن جميعًا بالأسى حينما يكتشفن أن هذه الطفلة على وشك أن تغادر السجن بعد إتمامها السنة الثانية بحسب قوانين السجون الإسرائيلية. وهذا هو مكمن المفارقة في هذه القصة الناجحة، فبدلاً من أن تفرح السجينات لتحرر هذه الطفلة من الأسر يشعرن جميعًا بالخوف كلما اقترب موعد خروجها فهي أجمل ما لديهن في هذا السجن اللعين.

تعتبر "رقصة المطر" لمَي الغُصين من أنضج نصوص هذا الكتاب، وهي قصة قصيرة أيضًا وليست نصًا مفتوحًا لأنها تتوفر على ثيمة، وتصعيد درامي ملموس، ونهاية فنية جدًا تتحول فيها السجّانة إلى مجرد سجينة لا غير! وأكثر من ذلك فإن النسق السردي لهذه القصة ينطوي على أبعاد بروكسيمية Proxemics  تدرس المساحات التي يتركها المتحدثون فيما بينهم، وربما يستعمل بعضهم وسائل الإتصال غير القولي مثل اللمس، والشمّ، وحركة الجسد، والإيحاءات الكامنة وراء اللغة، ودور الزمن في الإتصال. قصة "رقصة المطر" مكتوبة بضمير المتكلم التي تسرد لنا حكايتها بشغف واضح حينما تقول:"تلمس قطرات المطر وجهي. . أستنشق رائحتها. كم هي زكية رائحة التراب المبتل بالمطر! تلعب الذاكرة لعبتها فتأخذني إلى أيام مضت"(ص93) ثم تذهب القاصة إلى وصف السجن وصفًا دقيقًا يبدأ بـ "الفورة" أو ساحة السجن التي يصعب تحديد شكلها ثم تصف غرف المعتقل المكوّن من طابقين، وسلّم جانبي يفضي إلى بوابة مُغلقة، وغرفة المراقبة التي تجلس فيها السجّانة لتراقب السجينات دون أن يرفّ لها جفن. أما أعلى الساحة فثمة سياج وشبك قد وضع لكي يمنع السجينات من التحليق أو ليحجب أشعة الشمس من الوصول إليهن.

حينما خرجت الراوية إلى الساحة لتقف تحت قطرات المطر الأولى توهجت لغتها فقالت:"لامست قطرات المطر النديّة روحي قبل أن تبلل جسدي، وبدأت الورود تتفتح بداخلي. اشتدّ هطول المطر، بدأت بالركض لأجد نفسي خارج حدود الزمان والمكان"(ص94). ثم سمعت وقع خطوات وراءها وبدأن يركضن جميعًا  ويحلقنَ بفرح طفولي حتى تحررنَ من سطوة المكان المغلق، وأصبحنَ أكثر حرية من السجّانة التي شعرت لحظتها بأن السجينة الوحيدة رغم امتلاكها مفاتيح الأبواب الخارجية، وهنَّ الطليقات رغم أنهن محكومات مدى الحياة! أما النهاية الفنية لهذه القصة فتكمن في تصوير البراعم الجميلة التي نمتْ، وأزهرت، وتشامخت حتى اخترقت الشبك لتشعر بحريتها في الفضاء الجديد الذي لا تسوّره القيود، ولا تخنقهُ الأسلاك الشائكة.

اشتركت الكاتبة والشاعرة روز شوملي بنصين في هذا الكتاب، الأول يحمل عنوان "عودة منقوصة"وهي "قصة إخبارية" كما تذهب غزّول لأنها تصوِّر الخبر بأسلوب أدبي متميز وهذا ما يتضح للقارئ منذ الجملة الاستهلالية التي تقول فيها: "ربع قرن مر، وأنا أحمل قذى الغربة مثل عصا تجلدني ولا تكتفي"(ص61) وحينما تقرر العودة لزيارة أهلها ووطنها الذي حُرمت منه على مدى 23 سنة يموت والدها قبل وصولها بيومين فتؤجل أمها موعد الدفن، وحينما تواريه الثرى، وتصل ما انقطع بينهما يتوجب عليها المغادرة لتصبح هذه العودة منقوصة فعلاً.

أما النص الثاني الذي كتبته شوملي فهو "يوميات من حصار رام الله"وقد التزمت فيه الكاتبة مجمل الاشتراطات التي يجب أن تتوفر في فن "اليوميات" الذي انطلقت فيه من الخاص إلى العام، فبعد أن أوضحت لنا تأثيرات الحصار على أسرتها انتقلت إلى حصار المقاطعة وهي مقرّ الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي صمد بوجه الحصار وخرج منتصرًا ليكون، كعادته، قدوة للجميع في الصبر والتحدي والصمود.

تحتاج الكاتبات الست الأخر اللواتي لم يكتبن نصوصًا أدبية من قَبل إلى قراءات مكثفة، وورش عمل إضافية، وتجارب حياتية تحفز على فعل الكتابة الإبداعية، ولعل اكتشاف موهبتين أو أكثر من بين كل ثماني كاتبات هي نتيجة مشجعِّة حقًا تعد بالكثير من النتاجات الإبداعية إذا ما تصورنا أن عدد الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي قد بلغ 7000 أسير بينهم 54  إمرأة و 400 طفل فلسطيني بحسب وزارة الأسرى، ولابد أن يكون بين هذا العدد الكبير منْ يمتلك موهبة الكتابة ليدوِّن لنا معاناة الأسرى في السجون الإسرائيلية، وأن يكتبوا بأنفسهم تجاربهم الشخصية لا أن يكونوا موضوعًا يكتب عنه الآخرون كما يذهب الشاعر الراحل محمود درويش.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

1184 aliصدر مؤخراً عن دار الرافدين كتاب "الراوي والمروي له والقارئ" لمجموعة مؤلفين، ترجمه عن الفرنسية بشار سامي يشوع* .

ما يُميز هذا الكتاب أنه من الكتب القلائل التي تُرجمت عن النظرية السردية عن اللغات الأجنبية عموماً وعن اللغة الفرنسية على وجه الخصوص.

حاول المُترجم في مُقدمته للكتاب أن يُسلط الضوء على نتاج جيرار جينت الناقد الفرنسي الذي وضع نظرية في السرد حدد بها مستويات السرد الثلاث: الحكاية والقصة والسرد، وقد إعتمد المترجم على كتاب جينت "(Figures 111) (أشكال 111) الصادر 1972 والمترجم 1999، ولجينت كتابان سابقان "أشكال "11 الصادر عام 1969، و قبله "أشكال 11) الصادر عام 1966.

حاول جينت التمييز في نظريته السردية في تقنيات كتابة أشكال السرد الثلاث بين الكاتب والراوي والشخصية، في تأكيد منه على ضرورة الفصل بين الأشخاص الحقيقيين الذين يُشاركون في عملية التواصل، أي "الكاتب والجمهور" وبين الشخصيات المُتخيلة الذين يظهر لنا تواصلهم في النص "الراوي والمروي له". فالكاتب هو الشخص الحقيقي الذي كتب الشكل السردي، أما الراوي، فهو الشخص المُتخيل في الشكل السردي الذي يروي ويتحرك ويُحرَك بنية النص السردي الداخلية التي رسم حدودها كاتب النص، ولذلك فمهما حاولنا تمثل وجود هذه الشخصية المُتخيلة "الراوي" في الواقع، إلَا أن وجودها يبقى وجودا تصوري أكثر منه وجود حقيقي.

في المُقابل يُميز جينيت بين "المروي له" داخل الشكل السردي وبين القارئ الحقيقي أو الواقعي، فمثلاً في حكايات "ألف ليلة وليلة" نجد هناك راو هي شهرزاد ومرويُ له هو شهريار، وكلاهما شخصيات مُتخيلة داخل النص الحكائي. ولذلك يُمكن تسمية الراوي الحقيقي بأنه "الراوي الخارج حكائي" والمروي له الحقيقي بأنه "مرويُ له خارج حكائي".

لربما يتبادر لذهن قارئنا سؤال هو: هل يُمكن أن توجد هناك أوضاع أُخرى يكون فيها المؤلف والراوي والشخصية في هيئة واحدة؟،

الجواب: نعم كما هو في أعمال السيرة الذاتية، وحين ذاك يُسمى "سرد (إسترجاعي)" يسترجع به الشخص الحقيقي شريط الذاكرة ليُصيغ حياته نثراً، فيه الكثير من الواقعية، لأنه يتكلم عن شخصيته الحقيقية وحياته الفردية، ولكنها في الوقت نفسه ينبغي ألًا تفقد بنيتها الشعرية بحسب جينيت التي تقتضي عدم مُغادرة المؤلف للبناء التخيلي لسرديته، ومحاولته في الوقت ذاته تفعيل مُخيلة القارئ، خُذ مثلاً على ذلك "المنقذ من الضلال" للغزالي، أو "إعترافات" للقديس أوغسطين" أو "إعترافات" لجان جاك روسو، أو "حياتي" أحمد أمين، أو "سيرة حياتي" لعبد الرحمن بدوي.

في الجزء الأول من الكتاب نجد محاولات تطبيقية لما تقدم طرحه في بعض الأعمال السردية، والتي تحاول إظهار تماهي القارئ مع "المروي له" المخاطب "أنت"، وكذلك تماهي القارئ مع أنا "الراوي"، وكلا الصيغتان "الأنت" و الأنا" لا يتحقق التماهي بين "المروي له" و "الراوي" إلَا حينما يكونان في حالة الإصغاء والإدراك الواعي لتحولات الشخصيتين المُتخيلتين داخل النص السردي.

يخوض الكتاب في سرديات بلزاك، ومن دون الدخول في تفصيلات ناقد بلزاك، فذلك أمر نتركه لمن رغب بقراءة الكتاب، إلَا أنه ينتهي مُخاطباً

قارئ بلزاك بالقول: "يجب على القارئ الحقيقي أن يجد لنفسه مكاناً إزاء المروي له المُتحرك: فهو يتماهى مع مروي له لكي يبتعد بمسافة عن مروي له آخر، وإن ولج لموضع الشريك المتواطئ مع الراوي، فسيرى أنه إبتعد قليلاً عن رُتبة التلميذ الجاهل"، لذلك نجد في سرديات بلزاك "نزوعاً نحو قارئ نموذجي، يستطيع التعامل مع النص بالشكل الذي يُعيد بنائه".

يُنهي المترجم كتابه بدراسة له بدراسة لرواية "موبي ديك" للروائي الأمريكي الإنكليزي الأصل "هيرمان ميلفل التي صدرت في عام 1851، هي رواية تتحدث عن قُبطان يُدعى "أهاب"، له قدم خشبية يتكأ عليه، رجل شديد، كان يهوى صيد الحيتان ليستخرج منها الزيت، لأن هذا الزيت غال الثمن، فإنطلق ومعه مجموعة الصيادين، ولكنهم لم يعلموا أن غاية "أهاب" لم تكن صيد الحيتان كما يرومون، إنما هي للإنتقام من الحوت الأبيض الذي تسبب بفقدان ساقه، وقد أطلق عليه أسم "موبي ديك"، وبعد قضاء ثلاثة  أيام بلياليها في البحر يجد القبطان ضالته، ليكشف "ميلفل" عن صراع الإنسان مع الطبيعة اللانهائي، ليقضي الحوت "موبي ديك" على كل أفراد المركب من البحارة، ولم يبق منهم سوى إسماعيل الذي يجد له تابوتاً يختبئ به، فيكون هذا التابوت طوق النجاة له.

كان إسماعيل هو "الراوي" الذي يروي "موبي ديك" روايته على لسانه، فقد كان أحد البحارة الذين ذهبوا مع "أهاب" على متن السفينة "المركب"  "بيكود" التي جابت البحر لإصطياد الحيتان، لكنه إكتشف أن هم "أهاب" لم يكن مُنصباً على صيد الحيتان، إنما همه الحقيقي كان مُنصباً على صيد الحوت الأبيض والإنتقام منه.

 حاول المترجم بدراسته لرواية "موبي ديك" إظهار "الهوية المزدوجة" بين "الراوي" والمروي له"، فمرة يكون إسماعيل هو "الراوي" وأُخرى يكون هو "المروي له". ولكن "الراوي في رواية "موبي ديك" لا يتواجد في حقيقة الأمر إلَا في داخل النص،... (لذلك)، فالتمييز بين القارئ والمروي له مُناظرٌ للتمييز بين المؤلف والراوي، ولكن القارئ هو الحقيقي الحي الذي يُمسك الكتاب بين يديه، وليس للمروي إلَا وجود نصي" "مُتخيل".

يروم المُترجم التمييز بين "السرد الراديكالي" الذي يستبعد "المروي له" داخل الشكل السردي، وبين السرد المُعتدل" الذي يجعل هناك مساحة لحضور وفاعلية "المروي له" وللمُتلقي "القارئ الحقيقي" ليكونا فاعلين، الأول في النص السردي المُتخيَل بوصفه حضور لازم للـ "الراوي" "المُتخيَل"، والثاني بوصف حضوره لازم ومكمل للإعتراف بالمؤلف لمنح سرديته حضورها الحقيقي، ليتحقق فعل التواصل "المُتخيَل" بين "الراوي" و "المروي له" داخل النص السردي، وأيضاً ينبغي أن يتحقق فع التواصل "الحقيقي" بين "المؤلف" "السارد الحقيقي للنص، والمُتلقي "القارئ الحقيقي للنص"، وشرط وجود "السارد المُعتدل" يكمن في مقدار قدرته في جعل القارئ "الخارج نصي" مُتماهياُ مع "المروي له".

وما يُميز "السرد حكائي "نصي" عن "المُتماثل حكائياً" هي المسافة الزمنية الفاصلة بين فعل السرد والأحداث المسرودة، تخلق هذه المسافة "هوية مُزدوجة" للراوي: الأولى، هوية الذي يعيش أحداث ومراحل قصته بوصفه شخصية، والثانية، أكثر نضوجاً منها، هوية الذي يحكي القصة".

 

د. علي المرهج

.....................

ـ الراوي والمروي له والقارئ: مجموعة مؤلفين، ترجم عن الفرنسية: بشار سامي يشوع، دار الرافدين، بغداد، بيروت، ط1، 1918. الكتاب من القطع المتوسط، عد صفحاته: 76. 

* المترجم: أستاذ الأدب الفرنسي المساعد في كلية الآداب في الجامعة المستنصرية. يُترجم عن الفرنسية، له ترجمة لكتاب سلطة التفاؤل لآلان لوي مك جينيس، صدر أيضاً عن دار الرافدين، بفداد/بيروت، ط1، 2017. وله بحوث ودراسات في الأدب الفرنسي.

 

 

 

mohamad taqijonالحمدُ لله الذي جعل اللغة العربية لغتنا الأولى في المعاش، والتفكير، والعبادة. وقد أتيح لي أثناء الخدمة العسكرية التعايش مع فيليي بغداد وخانقين وجلولاء وسواهم، فألممت باللغة الفيلية الماماً جيداً. ثم أصبحتْ في مجال اهتمامي حين كتبتُ في الشأن الفيلي.

تعدُّ الفيلية أفضل اللغات الكردية غناءَ مفردات، وجمالَ عبارات، ومرونةَ تشكيل، وتراث أدب. وتضم لهجات كثيرة يوصلها بعضهم إلى سبع عشرة لهجة. وهي لغة منسوبة إلى أرض (فهلة) المتمثلة بالمناطق الحدودية بين العراق وإيران، فسميت (الفهلوية)، وسمي أهلها (الفهلويين). ومع التطور اللساني قلبت الهاء ياءً فسميت (الفيلية) وسمي أهلها (الفيليين).

اتخذت اللغة الرسمية من قبل الدولة الميدية والأشكانية. وكانت – حسب قول ياقوت الحموي وابن النديم - اللغة الرئيسة ضمن اللغات الخمس الرسمية للدولة الساسانية: الفهلوية والدريَّة والفارسية والخوزية والسريانية؛ اذ كان يتكلم بها الملوك. وكانت سائدة في العراق قبل الفتح الإسلامي.

 بمجيء الإسلام اتخذت الفيلية لغة للدواوين، لأنَّ الفتح وقع في أراضي الفيليين، وهم الموالي الأوائل. وقد حدث خلط كبير فنسب الكثير مما للفيليين إلى الفرس. واستمرت الفيلية لغة للدواوين في صدر الإسلام والعصر الأموي، حتى جاء العصر العباسي فسادت الفارسية بعد أن صار الفرس شركاء العباسيين في صنع الدولة.

 ومبكراً تغلغلت مفردات كثيرة من الفيلية في اللغة العربية مثل: ديوان، رستاق، طسوج، جام، تخت، وصيغ مثل: كيفية، ماهية، روحاني، نوراني. وفي خطب الإمام علي () صيغ فيلية مثل (رباني) في قوله:" الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع".

 بسيادة الفارسية أفل نجم الفيلية سياسياً، ولكنه بزع في الأدب حين تفرغت الفيلية للشعر. وقد أثبتت جدارتها في التعبير عن المشاعر الشخصية والدينية (العرفانية). وظهر بابا طاهر عريان في القرن الرابع قمة شعرية فيلية في رباعياته الرائعة المعروفة بـ(الفهلويات)، وهو أول شاعر كردي كبير على الإطلاق. وظهر بعده شعراء فيليون كبار مثل: ملا أحمد باطي، خاناي قوبادي، فقي طيران، وظهرت نتاجات خالدة في الشعر الفيلي كتبت باللهجة الگورانية (الفيلية) التي أصبحت لغة الشعر الكردي قاطبة، واستمر الشعر يكتب بها حتى العصر الحديث، فقد اتخذت لغة الأدب والمراسلة من قبل الدولتين البابانية (في السليمانية) والاردلانية (في دهوك) في القرن التاسع عشر، وبظهور السورانيين أصبحت اللهجة السورانية المستحدثة لغة الشعر بدل الفيلية.

تفترش اللغة الفيلية مساحة واسعة في إيران والعراق؛ في ايران تتركز في الوسط والجنوب الغربي لإيران، وما يقابل ذلك في العراق من الوسط والجنوب الشرقي إلى ضفاف دجلة. وتتركز في بغداد، وديالى، وواسط، وبابل.

 ومنذ ترسيم الحدود بين إيران والعراق عام 1929م انقسم الفيليون رسمياً إلى فيليين عراقيين، وفيليين إيرانيين، وهذا أعطى للفيلية العراقية سمات خاصة تميزها عن الفيلية الإيرانية. وهذه السمات حددتها طبيعة حياة الفيليين العراقيين ومعايشتهم للعرب؛ واهم صفاتها أنها أصبحت في أكثر المناطق ولاسيما الوسط والجنوب للاستهلاك الحياتي فقط دون الأدبي والعلمي، وهذا أفقدها الكثير من مفرداتها وأساليبها ذات الطابع الكمالي والجمالي. وبسبب الامتزاج الحياتي مع العرب، تركت الفيلية كلمات وعبارات فيلية كثيرة حلت محلها كلمات وعبارات عربية. وبعض الجمل الفيلية كأنها ترجمة أمينة لجمل عراقية محلية. وصارت الفيلية في كثير من تراكيبها كجمل الأفعال المتعدية، والمضاف والمضاف إليه تبنى على القواعد العربية.

 ومثلما تأثرت الفيلية بالعربية والعراقية الدارجة، فانها أثرت بالمقابل في العامية العراقية في مفردات مثل: (مردانه) بمعنى (مرجلة)، وهي من (مه‌رد) الفيلية بمعنى رجل، ومصدرها الفيلي (مه‌ردايه‌تي) . و(صرماية) بمعنى رأس المال، من (سه‌رمايه) الفيلية بالمعنى نفسه. و(طرشي) من (ترش) التي تعني بالفيلية الحامض. و(بقچة) للبستان الصغير، وهي بالفيلية (باغچة) بمعنى البستان الصغير، و(چمچة) بمعنى مغرفة الطعام، وأصلها فيلي هو (كه‌مچه) وتعني مغرفة الطعام الصغيرة، وفي العامية العراقية (عايشين بصايتك) فـ(صاية) أصلها فيلي هو (سايه) بمعنى ظل، فيقولون (ده سايه‌ي خوت بژيمن = عايشين في ظلك).  ويصيحون على القط (پشت) وهي مأخوذة من (پشيا) (قط) بالفيلية. ويقولون للتحفيز (عفية) وهي مأخوذة من الكلمة الفيلية (عافه‌رم). ويقولون (عنده تنگ) واللفظ العربي الصحيح (عنده ضيق)، وهي مأخوذة من الفيلية (تنگ) وتعني ضيّق. ويقولون في العامية العراقية للبنت النادرة والشاطرة (چيوانية) والكلمة منقولة من الفيلية في وصف البنت التي تحمل على عاتقها واجبات البيت، فيقال لها (كێنو)، و(كێنو باوكي) أي شاطرة أبيها. ويقولون عامياً (الكروة) وهي كلمة فيلية (كرێ) وعربياً الاجرة. ويضيفون لصاحب المهنة مقطع (چي)، فيقولون: (فيترچي)، (عبايچي)، (أوتچي). وهو اقتراض من الفيلية مثل: شكارچي: صياد، كه‌موته‌رچي: مطير الطيور، شاگرده‌چي: صانع. واللغة العربية الفصيحة تضيف لصاحب المهنة (الياء) مثل: حمامي، ساعاتي، بستاني.

كما أخذت العراقية الدارجة من الفيلية عبارات كثيرة منها: (طحت وراه) أي تعقبته، مأخوذة من الفيلية (كه‌فتم دمۆي) بمعنى تعقبته وحرفيا (سقطت وراءه = طحت وراه). وعبارة (لا تاكل قهر) والعربية الصحيحة تقول (لا تحزن)، وهي مأخوذة من الفيلية (خوصه‌ت نه‌خور) بمعنى لا تحزن، وحرفياً (قهر لا تأكل). ونقول بالعامية العراقية (بطنه تمشي)، واللفظ العربي لهذه الحالة هو (إسهال)، و(بطنه تمشي) ترجمة حرفية لـ(زگي دچي) الفيلية التي تعني الإسهال. وغير ذلك كثير.

ظلت الفيلية في وسط وجنوبي العراق محافظة على وجودها النسبي بمجمعات عرفت بـ(عگد الأكراد) في بغداد والكوت والحلة وغيرها. وكانت مقبولة من الشارع العربي، إلا أنَّ محاربتها من البعثيين وقمع الفيليين واتهامهم بالتبعية الإيرانية، جعلها تنكفئ في البيوت الفيلية. ومع الإرهاب الحكومي اختفت حتى من البيوت، فلم يعد الأب يعلّم أولاده الفيلية لغة الأجداد خوفاً من النظام عليهم، حتى اندثرت أو كادت عدا المناطق التي أغلبيتها من الفيليين، كالكفاح وأبو سيفين في بغداد، وخانقين، ومندلي، وجلولاء، والسعدية، وغيرها.

إنَّ الظلم الذي يقع على الإنسان ظاهر ومرئي، بينما الظلم الأقسى الذي يطول اللغات غير ظاهر ومرئي، وقليلا ما ينتبه عليه. فقد اجبر (تل) البريطانيين على التحدث بالفرنسية بعد الاحتلال الفرنسي لبريطانيا، وغيّرت الانكليزية لصالح الفرنسية بمقدار 60% . وفرض الانگليز لغتهم على الهنود بعد احتلالهم الهند. وعملت الدول الاستعمارية: بريطانيا وفرنسا واسبانيا على محو اللغات الأفريقية المحلية وجعل لغاتها البديل منها. واستطاعت فرنسا فرض الفرنسية على الجزائر ردحاً من الزمن جعل الجزائر تعاني من اجل إعادة اللغة العربية إلى الوجود. وهذا وقع بشكل اقسى مع اللغة الفيلية فنسيت في الوسط والجنوب، فالفيلي اليوم لا يعرف خمس كلمات فيلية، وإذا نطقها ينطقها خطأ. ولهذا السبب عملت على جمع اللغة الفيلية رفعا للظلم الواقع عليها من البعثيين، ولكونها لغة عراقية أصيلة.

اعتمدتُ فيه على معايشتي للفيليين، والسماع لكبار السن، والاطلاع على التسجيلات في النت، واستشارة المثقفين الفيليين، وافدت قليلا من كتاب (مقترح للكتابة باللهجة الفيلية) للأستاذ (هيوا زندي) لأنه يخلط الفيلية بالگرميانية، ومن كتب سورانية مثل (الشامل لتعليم اللغة الكردية) لـ(نور الدين مردان) لوجود مشتركات بين السورانية والفيلية.

أقدم هذا الكتاب المتواضع في تعليم الفيلية للفيليين غير العارفين بلغتهم، وللعراقيين من العرب والقوميات الأخرى، إذ يجدر بالفيلي معرفة لغته، وبكل عراقي الإلمام بها بدرجة معينة لكونها لغة عراقية أصيلة. متمنياً أن تملأ فراغاً علميا واجتماعيا. وهي لفرط سهولتها تفتح الباب لمتعلمها ليتعلم الانگليزية، واللهجات الكردية الأخرى، واللغة الفارسية، لأنها لغات من عائلة واحدة وتشتغل على الآلية نفسها.  

يقع الكتاب في (250) صفحة، ويشتمل على أكثر من (3000) كلمة وجملة فيلية. وقد راجعه الأستاذ (عبد الواحد جمعة فيلي) وهو من المثقفين الفيليين البارزين. واني انتظر الدعم المالي لطبعه ليوزع مجاناً على أوسع مجال لتعميم فائدته.

 

أ.د محمد تقي جون الحسني

 

 

ali almirhigهو مفكر لبناني مسيحي ولد في مدينة طرابلس اللبنانية في عام 1847م. في عام 1879م وتوفي عام 1922([1]). هاجر إلى الاسكندرية  بحثاً عن حرية الفكر المغيبة في بلاده أيام السلطان عبدالحميد. إطلع على أفكار فلاسفة التنوير لا سيما أفكار (جان جاك روسو) و(جول سيمون)[2] و(كارل ماركس)، فتشرب آراءهم الديمقراطية والإشتراكية فأعجبه مناخ الحرية في كتاباتهم. في هذه الفترة أسس مجلته "الجامعة" التي أصبحت منبراً للتعبيرعن آرائه الاجتماعية والسياسية وما طرحه هؤلاء الفلاسفة من أفكار تنويرية.

أهم أعماله:

ـ مقالاته في مجلة الجامعة وتأسيسه لها، ومقالاته في جريدة صدى الأهرام وجريدة الأهالي وكلها صدرت في مصر.

ـ ابن رشد وفلسفته.

ـ أعماله الروائية: الدين والعلم والمال ـ الوحش، الوحش، الوحش ـ أورشليم الجديدة أو فتح العرب بيت المقدس، ومريم قبل التوبة، وثلاثيته "نهضة الأسد، وثبة الأسد، فريسة الأسد"[3].

ـ أوديب ملكاً (مسرحية) لسوفكلس (ترجمة)ـ الساحرة (مسرحية) لسوفوكلس (ترجمة). وترجم رواية "إبن الشعب" لديماس حينما سافر لأمريكا في عام (1903)، (وهناك عاود إصدار مجلته "الجامعة" بعد أن بلغت سنتها الرابعة)[4].

المسرحيات التي من تأليفه: (مصر الجديدة)، (أبو الهول يتحرك)، (السلطان صلاح الدين)، (بنات الشوارع وبنات الخدور).

أكد على حقوق الأقليات، لا سيما المسيحية منها، وحقها في المواطنة الذي غيبته السلطات العثمانية. وهو من العلمانيين الذين يدعون إلى وحدة المجتمع الشرقي على أساس المواطنة وليس على أساس الدين.

عروبي الهوى ومن الذين مهدوا لولادة فكرة القومية، في محاولة منه لمواجهة الفكر الديني الذي كانت الدولة العُثمانية الممثلة له، وهي المثال الأسوء آنذاك للدولة التي تُدير مؤسساتها وفق تبني الرؤية الدينية، لا سيما في تبنيها للخلافة الإسلامية والحكم بإسمها، في الوقت الذي كان الفساد يدُب في جميع مفاصلها.

كان في الجهة المقابلة فكرياً له، والمُعارضة أيضاً لسياسة الدولة العُثمانية هو جمال الدين الأفغاني، ولكنه كان يرى أن الحل لمشكل النهضة يكمن في العودة لمنابع الإسلام الأولى "القرآن والسنة النبوية والعصر الراشدي" الذي مثل عنده وعند جُل "زُعماء الإصلاح" حل لمُشكل النهضة، إذ أكد على ضرورة تأسيس الجامعة الإسلامية، وأيده تلميذه محمد عبده الذي رأى أن سبب تأخر المسلمين هو "عدم معرفتهم لأمور دينهم" فأكد على ضرورة التجمع أو توحيد العرب والمسلمين ليكونوا أخوة تجمعهم رسالة الإسلام السمحاء. وقد كان لآراء عبد الرحمن الكواكبي تأثيرها الواضح بوصفه إمتداد لمدرسة الأفغاني وعبده حينما ذهب الى القول بإمكانية الدمج بين الإسلام والعروبة.

أما فرح أنطوان فإنه يؤكد على  ضرورة وحدة المجتمع الشرقي وتكوين المجتمع القومي الذي يسمح  للأقليات لاسيما المسيحية التي هو جزء منها، ان تأخذ حقها في بناء الدولة على أساس المساواة في المواطنة. وهذا لايتم باعتقاده في دولة تُؤطر إدارتها بصبغة دينية واحدة، لأن مثل هكذا نوع من الحُكم سيؤدي حتماً للتنازع بين الأديان والمذاهب المتواطنة أو المُتعايشة على أرض واحدة وسيكون التعصب الإختلاف والتصارع مصير هذه الجماعات المحتوم.

يرى أنطون بأن الإحتكام للعقل لا الدين، هو الذي نستطيع من خلاله بناء الإنسان، والأجدر ألَا تعلو سلطة أُخرى مهما كانت قيمتها على العقل، لأننا بالعقل وحده نستطيع فهم ما يُحيط بنا، وبالعقل نفهم العالم وكل ما فيه من أنظمة. ولكنه مع ذلك لا يُنكر قيمة الأديان والتأكيد على ضرورة إحترامها، فلكل دين مكانته عند مؤيديه، وينبغي تقدير تبني هؤلاء المؤيدين لرؤيتهم الدينية عند المُخالفين لهم، إلَا أن هذا لا يعني بأي حال من الأحول جعل الدين، أي دين سماوي كان أم وضعي يُسير حياة جميع المواطنين على إختلاف دياناتهم ومُعتقداتهم ومذاهبهم.

كان فرح إنطوان من دُعاة الإعتماد على العلم في كل الأمور حتى في مجالات التفسير الديني.

آمن بالاشتراكية ودعا إلى تطبيقها حتى لو إستدعى تطبيقها المُنافحين عنها إلى إستعمال القوة والعنف (!!) وتجد في ذلك غلواً عنده لا يختلف في غلوه عن السلفيين الراديكاليين، فإستخدام القوة والعُنف ليس هو الحل ولن يكون، وإن كان، فإنه لا بد وأن ينتهي بعد حين بمجرد ضعف دُعاة القوة الرامين لمسك السلطة أو حينما يُمسكون بها.

إن المشكلة التي واجهها فرح أنطوان والتي كانت أساس كل ما كتب وقدم من أفكار وآراء ومبادئ هي مشكلة الأقليات الأثنية والدينية في الشرق العربي، تلك الأقليات التي كانت تحاول جاهدة الإنتماء إلى كيان سياسي واحد يجمعها مع الأكثرية الإسلامية على قدم المساواة والحرية والعدالة الاجتماعية بهدف مواجهة إجتياح الحضارة الغربية للشرق على المستوى الفكري والسياسي والاجتماعي والعسكري على السواء. وقد أشار الدكتور خليل سعادة - أحد أصدقاء فرح أنطوان في خطبة القاها بمناسبة حفل تأبين لذكرى أنطون ـ إلى أهمية المشكلة واجتماعاته مع بعض المفكرين السوريين والمصريين التي دارت حول شقاء الشرق وخموله وعلله وعلاجها بالقول: "كنا نتمنى في هذه الاجتماعات إتحاد الشعوب الشرقية وتضامنها لنزع نير الغرب عن أعناقها. وكنا نتمنى التعويض عن الجامعة الإسلامية بجامعة شرقية عامة تزول منها النعرة الدينية حتى يتسنى لكل الشعوب الشرقية الانخراط فيها".

وكان يواجه المشكلة بشقيها الأساسيين. فمن جهة كان يجب مقاومة الإستعمار الغربي وتدخله في شؤون الوطن العربي وثانيهما رفض الجامعة الإسلامية القائمة على أساس الدين التي تحول دون إنتماء جميع الأقليات الدينية. ولا يمكن الوقوف بوجه الغرب إلا بالاتحاد والتضامن حتى بدأ بنشر مجلة الجامعة انطلق من شعارين: الله، الوطن، ثم الإتحاد والإرتقاء.

وقد جاءت فكرة الوطن عند فرح أنطون لتتوج عملية الإتحاد والتألق والتجمع لقوى الأمة في مواجهة العدو المشترك، وإذا كان الوطن يشكل الرابط السياسي والقانوني والمادي، فإن الله يشكل الرابط المعنوي والروحي الذي تقوم عليه أخلاق الأمة كما تقوم عليه مبادئ الثقة، الحق، المساواة والواجب. فمن واجبات الإنسانية الدفاع عن الوطن وحب الوطن جزء من الإيمان ورباط يربط عناصر الأمة والوقوف بوجه الغرب يدعو إلى النظر إلى الأمام وعدم الانغلاق والتقدم والتطور للإنسانية وبناء المدنية القائمة على العقل والعلم والتكتيك ويجب تماسك الإسلام والمسيحية وكأنهم كالبنيان المرصوص.

أهم مُنطلقات فرح أنطوان الفكرية:

ـ احترام الأديان: فالجوهري في الأديان هو مجموعة المبادئ الاخلاقية التي تدعو إلى الفضائل والخير. وهذا ما تشترك به الأديان جميعاً. أما العرضي فهو مجموعة التشريعات والقوانين التي يجب أن تخضع لسنة التطور. لذلك نجده يدعو لتفسير عقلاني للنصوص الديني غير خاضع لهيمنة رجال الدين وجعل العلم طريقاً لمعرفة الله.

لقد إبتعد فرح أنطوان عن الخوض في المسائل الدينية وحاول قدر الإمكان عدم الإنزلاق في مسألة رفض الدين أو الدفاع عنه، كون الدين ليس بحاجة للدفاع. يقول أنطون في مقدمة الباب الثالث: "نحن لم ندافع عن دين ولا عن علم وإنما ندافع عن مبدأ. أما الدين فهو في غنى عن دفاعكم والأديان هي سلم مدنية الشعوب وروح حياتها الأدبية لا تحتاج إلى دفاع لأن ذلك (أي الدفاع عنها) بمثابة دلالة ضعفها".

وكذلك رد على محمد عبده الذي دافع عن الدين الإسلامي وعقائده بتفريقه أو تمييزه بين الدين بكونه مجموعة المبادئ والقيم الروحية والفضائل السامية القائمة على الإيمان بالله وبين تقاليد الدين التي يسهر على تطبيقها رجال الدين.

فالمبادئ الدينية منزهة عن كل شائبة فهي تهدف إلى إنهاض الشعوب ورفع مستواها الحضاري والفكري والأخلاقي وهي أساس الأخلاق والفضائل والنتيجة منها فضيلة لا رذيلة وهي فعل الخير والتقوى وليس القتال والفساد بين العقائد والأحزاب لإصلاح شأن البشر. أما من يُسيء إلى الدين بأقوال وأكاذيب وباطل كرجال الدين الذين لديهم مصلحة أو لا يفهمون فتقوم بتعطيل قوى الإنسان فالأديان تواجه خطر زحف مجتمع الشرق نحو الغرب ومجتمعهم وبذلك يجب التآخي والتعاضد ورفض الخصومة بين الأديان، فهما شقيقان. ومن منافع الأديان يصبح العقل ضروريا للحفاظ على مبادئ الدين وخلاص المجتمع.

ـ الإيمان بالعقل: ينطلق في بحثه من مسألة العقل. فالعقل في هذا الزمان لا يعرف حداً لبحثه ومتى وضع له حد فإن ذلك بمثابة خنقه وقتله، فالعقل هو وسيلة يمكن بواسطتها للإنسان الوصول إلى الحقيقة وهو إمكانية بشرية لا يمكن إيقافها عند حد دون ممارستها الكاملة.

لا يعني إيمان فرح أنطون هذا بالعقل وحقائقه الدعوة إلى نفي الأديان ومُعارضتها، لأن العقل والدين يهدفان إلى الغرض نفسه، وهو إصلاح الشعوب وتوجيهها نحو الوئام والفضيلة والتقدم. إلَا أن الدين متى ما إنتقل إلى حيز الممارسة تتعرض مبادؤه إلى مزالق تُخرجه عن خطه السويَ، لأن المُمارسة الدينية ذات بعد روحي فرداني، أو يرتبط بتحقيق مصالح الجماعة المُنتمية إليه، أو بمصلحة الجماعة المُتصدرة للدعوة للممارسة السياسية بإسم الدين، وهذا يعني إختلاف المصالح والأهواء بين دُعاة دمج الدين بالسياسة، وكل منهم يروم القيادة وفق فهمه للدين أو المذهب الذي ينتمي إليه، وحينذاك سيكون الدين عرضة لأوحال السياسة، لا سيما حينما يتخذ منه البعض ستاراً لتحقيق أغراضهم. وهنا يأتي تنصيب العقل رقيباً على تلك الممارسة ورادعاً للأخطاء. وهنا يجب الإهتداء بنور العقل للتسامح وتبني الموقف العقلاني الذي يُعيد للإنسان رُشده، لأن الله ميَز الإنسان عن باقي الكائنات الحية بالعقل. والتسامح بغة العقل التي ينبغي أن تسود بين المُتدينين.

أما الشك عند فرح أنطوان فهو من ثمار العقل. فالشك طريق لتحقيق التسامح قبل أن يكون طريقاً في الشك المنهجي وفقاً للكوجيتو الديكارتي بتأكيده على قاعدته الأولى في الشك القائلة: ألَا أُسلم بشيء على أنه حق ما لم يتبين ليً أنه كذلك. أو"مسح الطاولة" وبناء المعرفة من البداية منذ أن كان العقل "صفحة بيضاء" بلغة جون لوك. إن لغة العقليين والتجريبين على ما بينهما من إختلاف في إتخاذ طريق الوصول للحقيقة، سواء أكانت عن طريق العقل أم عن طريق التجربة، إلًا أن ما يميزهما هو أنهما فلسفتان شكيتان، يدعوننا إلى إعادة تقييم كل معارفنا القديمة والشكل يقيمتها المعرفية والعلمية.

مع الشك صار التسامح ضرورياً لكشف الحقائق وصحتها القائمة على البرهان العقلي "الإستدلال" أو على المشاهدة والتجربة "الإستقراء". مما سبق تأتي أهمية العقل الذي نستطيع من خلاله اتوصل إلى الحقائق لأن التحديث لا يكون فقط بالممارسة التأويلية للنصوص الدينية، ولكن يكمن في الممارسة العقلانية الذي يساعد في نقد المجتمع ومحاولة تغييره تغييراً جذرياً بما يتناسب والثورات العلمية والسياسية التي حصلت في أوربا.

ـ العلم قاعدة العمران والتربية طريق التمدن:

يطرح أنطون حول (مسألة العلم) وجهتين متكاملتين هما:

ـ وجهة تنظيم المجتمع.

ـ وجهة العمران والتقدم.

فمن الوجهة الأولى يعرض للحالة الإنسانية التي دعت إلى نشوء الدين والعلم. ففي طفولة الإنسانية نشأ الدين فيها لتدبير شؤونها الروحية والزمنية. وكان العلم في بدايته مقصوراً على الأقوال الجدلية. وهذا يعني عنده أن عملية التطور والتقدم الاجتماعي لا تكمن ليست في الإيمان بالله والعمل بمقتضى المبادئ والقواعد الدينية، إنما تكمن في إعمال العقل في جميع العلوم والفنون والمجالات وتطبيق النتائج العلمية على متطلبات الحياة والعمل عليها. وإذا كان يرجى في المستقبل وصول الشر إلى محطة الكمال وتأليف وحدة لهم فهذا الوصول لا يكون الا بالعلم. وقد رفض فرح أنطوان المبادئ المادية وأكد أن الدين هو دين الفضيلة ورفض إضطهاد الأديان ومعتقداتها  وقد أكد أن لكل من الدين والعلم جانبه وعالمه، فعالم الدين هو الروح وتجلياتها، وعالم العلم هو الطبيعة وتجلياتها، فآلية العلم هي العقل، لأنه مبني على المشاهدة والتجربة أو الإستدلال، لأنه مرتبط بالطبيعة محاولاً فهمها والسيطرة عليها بلغة فرنسيس بيكون، لفه تقلباتها ومُتغيراتها. أما الدين فآليته القلب أو الروح، لأنه مرتبط بالعاطفة والسماح والفضيلة. وكلاهما نافعان وضروريان للإنسانية.

أما عن التربية فيقول: "أبواب الإصلاح في الشرق ثلاث: التربية، والبيئة، والتربية البدنية والدينية"[5]، فالتربية على الفضيلة هو أساس التربية الدينية، والإهتمام بالصحة والعافية هما أساس التربية البدنية، وهاتان مقولتان كانتا الأس الذي بنى عليه هربرت سبنسر رؤيته للفلسفة التربية. والأهم في رؤيته لأثر البيئة في التربية هو أن الإنسان إبن بيئته كما يُقال، فإذا كانت البيئة التي يعيش فيها بيئة يحكمها التعصب ويُسيَرها رجال الدين وهم المشرفون على تربية النشأ، فإن مصير هذا النشأ الإنحراف والتطرف لا محالة.

ـ فصل الدين عن الدولة:

هذا المبدأ هو أساس المبادئ الثلاثة الأولى، والسبيل الوحيد إلى تحقيقها في المشاركة ببناء الحضارة العربية وانتمائهم إلى الأمة العربية.

وهناك خمسة أمور رئيسة طرحها، تدعو إلى الفصل بين السلطتين الدينية والمدنية.

والأمر الأول أهمها: إطلاق الفكر الإنساني من كل قيد خدمة لمستقبل الإنسانية، و تحقيق هذا الأمر يقتضي الفصل بين الدين والدولة وكذلك كما يقتضي الفصل بين مُعطيات العلم ومُعطيات الدين، ولا يعني هذا إنكارأو نقض وجود بعض نقاط للتلاقي بين الدين والدولة أو بين الدين والسياسة، ولكن التلاقي في بعض الأمور لا يعني باي حال من الأحول التطابق في المهام وفي إتباع الطريق ذاته للوصول للفضيلة أو للحقيقة، لأن الغرض الذي جاءت من أجله الأديان يختلف عن غرض الحكومات، فغرض الدين السير وفق مُتطلبات المثال ببُعده المطلق، أما غرض الدولة "الحكومة" فهو التعامل السير وفق مُتطلبات الواقع ببُده المُتغير.

والأمر الثاني: هو الرغبة في المساواة بين أبناء الأمة مساواة مطلقة وعدم النظر لعقائدهم ومذاهبهم ليكونوا أمة واحدة.

الأمر الثالث: إنه ليس من شؤون السلطة الدينية التدخل في الأمور الدنيوية، لأن الدين يدخل دائرة القلب. أما تنظيم المجتمع والسيادة فهو من شؤون الساسة الذي لا يُشترط بهم معرفة أمر الدين بأبعاده الشرعية، إنما المطلوب منهم معرفة فقه السياسة وفلسفة السلطة وفق مقدرة العقل البشري الذي يتعامل مع السياسة بوصفها فن الممكن.

الأمر الرابع: هو ضعف الأمة وإستمرار الضعف فيها إلى ما شاء الله ما دام الدمج مستمراً بين السلطة المدنية والدينية. وإذا وقعت الأمة بيد رجال الدين فستبقى ضعيفة وغارقة بالجهل والعجز.

الأمر الخامس: هو إستحالة الوحدة الدينية وهذا أمر غاية في الأهمية، وهو من أكبر وأكثر الأسباب التي دعت إلى الفتن والاضطرابات في الإسلام والمسيحية. ولا يمكن أن تتوحد المجتمعات لإختلاف عقائدها ودياناتها والطوائف، فكل المجتمعات تختلف دياناتهم. ولا سبيل إلى صهرها في مذهب واحد وإلى هذا تُنسب كل الحوادث الدموية التي حدثت فيما بين الديانات[6]، وهذا ما حصل في التاريخ في أماكن مختلفة. ولكن النتيجة السيئة كانت واحدة، وهي انقسام المجتمع الواحد وحروب دينية طائفية ومشارفة هذا المجتمع على الانهيار دون أن تتم الوحدة الدينية فعلا.

وبناء على الأمور الخمسة يستنتج أنطون أنه: "لا مدنية حقيقية ولا تساهل ولا عدل ولا مساواة ولا أمن ولا ألفة ولا حرية ولا علم ولا فلسفة ولا تقدم في الداخل إلا بفصل السلطة المدنية عن الدينية ولا سلامة للدول ولا عز ولا تقدم في الخارج إلا بفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية"، "فشر الظلم ظلم رجال الدين"[7].

 

د. علي المرهج - أستاذ فلسفة

....................

[1]ـ ينظر: حول أفكار فرح أنطون المدونة في المتن أعلاه المصادر التالية: فرح أنطون: المؤلفات الروائية، دار الطليعة، بيروت ــ لبنان، ط1، 1979. تقديم أدونيس العكرة. وكذلك فرح أنطون: ابن رشد وفلسفته، دار الطليعة، بيروت ـ لبنان، تقديم أدونيس العكرة، وحول حياة أنطون يُنظر: أسامة بركات: فرح أنطون وأثره في الفكر القومي العربي المعاصر، دار بولاق، عمان ـ الأردن، ودار الفارابي، بيروت ـ لبنان، ط1، 2003، ص35ـ40.

[2]ـ جول سيمون: (1814ــ 1869) فيلسوف روحاني فرنسي، وكان رجل سياسة تولى وزارة الثقافة العامة في حكومة الدفاع الوطني التي تشكلت عام 1870في باريس برئاسة الجنرال تروشو. فعمد أنطون إلى نشر سيرة حياته ورؤاه الفسفية والاجتماعية على صفحات مجلته (الجامعة) لا سيما في دفاعه عن المرأة وحقوقها. ينظر: فرح أنطون: الأعمال الروائية، مصدر سبق ذكره، ص6.

[3]ـ  مارون عيسى الخوري: في اليقضة العربية: الخطاب السوسيوسياسي عند فرح أنطون، دار جرس برس، بيروت ـ لبنان، ط1، 1994، ص95ـ110.

[4]ـ يُنظر: سمير أبو حمدان: فرح أنطون وصعود الخطاب العلماني، دار الكتاب العالمي،، بيروت ـ لبنان، ط1ـ 1992، 27ـ31.

[5]ـ أسامة بركات: فرح أنطون وأثره في الفكر القومي العربي المعاصر، ص37.

[6] ـ  يُنظر: فرح أنطون: إبن رشد وفلسفته، ص144ـص147.

[7]ـ فرح أنطون: المصدر نفسه، ص78.

 

 

abdullah alfifiإن السؤال المنهاجي الذي يستفزُّه ذلك البحث الجادِّ المتفرِّد الذي أنجزه (الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن ناصر المانع)، تحت عنوان «على خُطا المتنبِّي (دَرْسُ طريقِ هروب أبي الطيِّب المتنبِّي من الفسطاط إلى الكوفة)»، (الرياض: كرسي المانع لدراسات اللغة العربيَّة وآدابها، 2017)»، هو:

المتنبِّي جغرافيٌّ أم شاعر؟ 

أ يهدف الشاعر عادةً إلى تقرير الحقائق والوقائع والمواضع الجغرافيَّة، أم إلى تصوير مشاعره بالكلمات، وقفزات خياله بالعبارات، والتطريب بهذه وتلك؟

إن أبا الطيِّب- وإنْ كان قد مَرَّ بتلك الطريق التي رسمها مؤلِّف «على خُطا المتنبِّي» أو بقريب منها، كما هو معلوم من أخباره ومن شِعره- لا نستطيع الجزم أن كلَّ ما قاله يماثل خطَّ سيره، كما تقوله لنا وثيقةُ رحَّالةٍ أو تقريرُ جغرافي.  فالرجل يظلُّ شاعرًا، قد يستدعي ذِكر مكان لإيحائه التعبيري، أو لتساوقه مع صياغة بيت، وما ينبغي أن يؤخذ قوله مأخذ قول الإخباري؛ وليست تلك بغايته، ولا هي بصناعته، وإنما قد يوظِّف أسماء الأماكن لشِعريَّتها، وربما على السماع، لا أكثر.  فإذا أضيف إلى هذا ما عُرِف عن أبي الطيِّب من الإدلال بمعارفه، والمباهاة بعِلْمِه، والمفاخرة بذاته، والمغالاة في وصف نفسه، ازدادت مشروعيَّةُ التحفُّظ على تفسير ما يورد في شِعره على أنه يعبِّر عن حقائق جغرافيَّة أو تاريخيَّة خَبِرَها واقعيًّا بالفعل.  ولهذا يمكن أن نسأل، مثلًا: لماذا قدَّم المكان المُسمَّى (الكِفاف) على (كَبْد الوِهاد)، إنْ كان قد مَرَّ بالأخير أوَّلًا، حسب رسم الباحث لطريقه؟  أذلك للضرورة الشِّعريَّة؟  لقد كان بإمكانه القول:

رَوامي الكِفافِ ككَبْدِ الوِهادِ  * *  وجارِ البُوَيرَةِ وادي الغَضَى

ليُفيد، بإضافته كاف التشبيه قبل الاسم «كَبْد الوِهاد»، مرورَه بكَبْد الوِهاد أوَّلًا، دون أن تؤدِّي ضرورةٌ شِعريَّةٌ إلى مخالفة الواقع المكاني.  وما يليق بشاعرٍ بحجم المتنبي أن تقف ضرورةٌ وزنيَّةٌ دون أن يقول ما يريد كما يريد.  وها نحن هؤلاء نجد له المخارج العَروضيَّة، لو أراد ترتيب الأماكن حسب مواقعها في شَمال الجزيرة العربيَّة.  وكذلك في قوله:

ومَسَّى الجُمَيعِيَّ دِئداؤُها  * *  وغادَى الأَضارِعَ ثُمَّ الدَّنا

فقد كان يُفترض أن يشير إلى (الأَضارِع) قبل (الجُمَيعِي)؛ لأنه متقدِّم في مكانه، وَفق خريطة الباحث.  وقد علَّل الباحث، (ص170)، هذا التقديم والتأخير بضرورة الوزن.  لكن لو تأمَّلنا لما وجدنا هنا ضرورةً أصلًا؛ فقد كان بإمكان الشاعر أن يقول:

ومَسَّى الأَضارِعَ دِئداؤُها  * *  وغادَى الجُمَيعِيَّ ثُمَّ الدَّنا

أو

وغادَى الأَضارِعَ دِئداؤُها  * *  ومَسَّى الجُمَيعِيَّ ثُمَّ الدَّنا

فالوزن (المتقارب) لا يختلُّ، قدَّمَ الشاعر أو أخَّر، ومَسَّى أحد هذين الموضعَين أو غاداه. 

لقد جاءت القصيدة في وزنٍ من أسهل الأوزان على الشعراء وأكثرها غنائيَّةً، وإنْ لم يكن الشاعر «متنبِّئًا».  وهو وزنٌ مِطواعٌ للتعبير عن موضوع القصيدة، من جهة، مصوِّرٌ حركة الإبل والخيل، بين مِشْيَة الخَيْزَلَى والهَيْذَبَى، من جهةٍ أخرى.  كما أن القافية على رويِّ الألف قد جعلت القصيدة تبدو كأنها من الشِّعر المرسَل؛ لأن هذا الرويَّ- وإن كان جائزًا اتِّخاذه رويًّا، ما لم يكن للمدِّ- هو في العربيَّة في جُملةٍ من أكثر مفرداتها، يأتي في الفعل: «مضَى»، مثلًا، والاسم «الهَيْذَبَى»، والمصدر «غِنَى»، والحرف «ذا، وها، لا».  وقد يكون أيضًا ذا أصلٍ واويٍّ أو يائيٍّ أو ألفيٍّ.  ولهذا فتلك أسهل تقفية على الإطلاق؛ حتى إن القارئ يكاد لا يشعر بالقافية في القصيدة، للِين الرويِّ، وسكونها، وتنوُّع الحرف قبلها بتنوُّع كلمات القافية.  ولو كان أبو الطيِّب كـ(أبي العلاء المعري)، في حساسيَّته الموسيقيَّة المفرطة، للزم ما لا يلزم، كي يُسنِد رويَّه بالتزام حرفٍ قبله.  فلا ضائقة وزنيَّة بقيت أمام المتنبِّي، إذن، ولا تقفويَّة، ولا ضرورة لشاعرٍ بعد هذه البسيطة الإيقاعية، التي تُشبه دماثة الصحراء وانبساطها أمامه.  ومن هنا، فلو ابتغى أبو الطيِّب ترتيب أسماء المواضع حقًّا، وَفق مواقعها الجغرافية، لتأتَّى له ذلك بيُسر، كما مثَّلنا آنفًا.

لذا ما ينفكُّ التساؤل قائمًا عن مرور الشاعر حقيقة بجميع المواضع التي أشار إليها في قصيدة فراره من (مِصْر)، وبالترتيب نفسه المذكور في دراسة الباحث.  بل أكثر من هذا: التساؤل عن مدى معرفة أبي الطيِّب بتلك المواضع، ما دامت المادةُ التي بين أيدينا لا تعدو قولَ شاعر.  وممَّا يؤكِّد هذا إشارةُ الشاعر إلى (عُقدة الجَوف)، على أنها موردُ ماء، في حين أن عُقدة الجَوف هي (أبارق)، كما ذهب إلى ذلك (حمد الجاسر)، وهي التي عناها أبو الطيِّب.  وهذا المكان لا ماء فيه ولا كلأ، بل هو صحراء قاحلة، كما ذكر الباحث! (ص173).  ولو صحَّ أن عُقدة الجَوف هي (دُوْمَة الجندل)، كما ذهب إلى ذلك الباحث، لكان السؤال: كيف شربت إبل المتنبي «بماء الجُراويّ» وهي في عُقدة الجَوف، أو دُوْمَة الجندل؟:

إِلى عُقدَةِ الجَوفِ حَتّى شَفَتْ  * *  بِماءِ الجُراوِيِّ بَعضَ الصَّدى

لأن الجُراويَّ يصبح وراءها حين تصل إلى دُوْمَة الجندل!  ثمَّ كيف رجع الشاعر حين وصل إلى الجُمَيعِيّ، وهو موضعٌ على حدود (العراق)، إلى الأضارع، وهو مكان يقع قبل دُوْمَة الجندل؟!  ليقفز من هناك فجأة إلى (أعكُش)، في العراق:

ومَسَّى الجُمَيعِيَّ دِئداؤُها  * *  وغادَى الأَضارِعَ ثُمَّ الدَّنا

فَيا لَكَ لَيلًا على أَعكُشٍ  * *  أَحَمَّ البِلادِ خَفِيَّ الصُّوَى

  لا تفسير لهذا كلِّه، إلَّا بالتسليم بأن الشعراء يقولون ما لا يفعلون، وأنهم في كلِّ وادٍ يهيمون، ومَن يتَّبعهم مِن البُلدانيِّين، محتكمين إلى أقوالهم، هم الغاوون! 

من أجل هذا، كنتُ وما زلتُ، أرى في البحث في شِعريَّة الجغرافيا ما هو أجدى من الانشغال بالجغرافيا الواقعيَّة عينِها(1)؛ يقينًا بأنه يكمن وراء اختيار الشاعر للأسماء ما هو أبعد من ظاهر معناها، إنْ لم يكن في وعي الشاعر فهو بلا ريب في وعي النصّ.  من حيث إن منهاج التمسُّك بواقعيَّة الإشارات الشِّعريَّة المطلقة لا تنحصر خطورة نتائجه أحيانًا في إفقار شِعريَّة النصّ، بتحويله إلى محض وثيقةٍ واقعيَّةٍ، بل قد تتجاوزه إلى تمزيق النصِّ إربًا في سبيل التحقيق الجغرافيّ؛ لأن أسماء الأماكن، هي- قبل كلّ شيء- مفرداتٌ شِعريَّةٌ، يصرِّفها الشاعر وَفق مقتضياته الدِّلاليَّة، من فنيَّة أو رمزيَّة، كحالِ كلِّ ما تَحوَّل عن طبيعة الواقع إلى طبيعة الفن.  وفي هذا ما يجيب عن حَيرة الحائرين: أين (وادي القُرَى) المقصود في قصيدة المتنبي؟ وأين (وادي المياه)؟  وما علاقة أحدهما بالآخَر؟  وإلى أين كان ينوي المتنبي التوجُّه؟  لقد كان المتنبي ينوي التوجُّه إلى الشِّعر وحده!  وتلك أسئلةٌ جغرافيَّة، لا محلَّ لها في الشِّعر، في حقيقة الأمر، ظلَّت تتردَّد لدى الدارسين مع الشعراء حين يتناولون بشِعرهم المواضع!  وسبب الحَيرة أن هذه المفردات تَرِد على ألسنة الشعراء لأسباب فنيَّة تخييليَّة، لا علاقة لها بالواقع بالضرورة، في حين يُصِرُّ البُلدانيُّون على نفي طبيعة النصِّ الشِّعري ووظيفته، ليجعلوا منه وثيقةً جغرافيَّة.  وهو ما كان قمينًا أن يُفسد قراءات الشِّعر من ناحية ويُفسد كتب البُلدان المتكئة على الشِّعر من ناحية أخرى. 

وأمَّا الاحتجاج بما جاء في خبر هروب المتنبي، فأغلب الظنِّ أن ذلك الخبر بُنِيَ على ما وردَ في شِعر المتنبي نفسه، وكثيرًا ما كانت القصص الإخباريَّة تُبنَى على القصائد في تراثنا العربي، منذ قصة (المهلهل/ الزير سالم) إلى خبر هروب (أبي الطيِّب المتنبي).

-6-

ختامًا، يُلحظ أن المؤلِّف ربط بين قِصَّة هرب المتنبي، بما أضفيت عليها من لمسات خياليَّة، وقِصَّة هجرة (النبي، صلى الله عليه وسلَّم).  لكن الأقرب من هذا إلى الاحتمال الربط بين تلك القِصَّة وقِصَّة نَبِيٍّ آخر، هو (موسى، عليه السلام)، وهروبه من (فرعون مِصْر)!  غير أن عملَ الباحثِ القيِّمَ نفسَه لم يخل من تعظيم أبي الطيِّب والدهشة لإفلاته من براثن (كافور الإخشيدي)!  وإنْ كانت لا تبدو في مثل هذه الحادثة درجةٌ عُليا من الغرابة، فضلًا عن الإعجاز أو الخوارقيَّة.  فأمثالها تحدث في كلِّ زمانٍ ومكان، حتى في عصرنا هذا، على الرغم من تقدُّم وسائل المراقبة وسرعتها غير المسبوقة في التاريخ.  وإنما يستدعي الأمر درجةً من الفطنة والتضليل والأعوان، وهو ما توافر لأبي الطيِّب.

 

أ‌.      د. عبد الله بن أحمد الفيفي

.....................

 (1)  وهو ما يَلمحه بعضُ القدماء، على نحوٍ ما، ولاسيما باضطراب العلاقة بين أسماء الشِّعر وأسماء الجغرافيا، يُنظر مثلًا خَبَر (ابن المناذر): (الأصفهاني، (2008)، الأغاني، تحقيق: إحسان عبّاس وإبراهيم السعافين وبكر عباس (بيروت: دار صادر)، 18: 130- 131).

 

 

1183 mudafarصدر في العاصمة اللبنانية بيروت، عن دار جيكور كتاب الاعجاز الصرفي بين التوهم والادعاء، لمؤلفه (أ. م. د. ليث داود سلمان). ويتناول الكتاب إشكالية هامة تتعلق بموضوعة الاعجاز الصرفي.

تمحورت إشكالية فهم النص القرآني في فهم و إدراك النَّـصِّ، فكان محوراً للبحث والدراسة، للدِّرَاسَاتِ اللغَوِيَّةِ وَالبلاغية؛ التي نَشَأتْ فِي أحضان النَّص الْقُرْآَني، فقد أثار نزوله حركة فكرية لدى المؤيدين والمعارضين عَلَى حد سواء، وكانت البدايات فِي عصـر الرسول حين كَانَ يمارس دوراً تفسيرياً لبعض الآيات مُجيباً أو معلقاً أو شارحاً، وقد نهي الرسول«ص» عن تدوين غير الْقُرْآَن خشية التباسه بغيره، فروي عن علي بن أبي طالب«ص» «ما كتبنا عن النَّبي«ص» إلا الْقُرْآَن»، فكانت علوم الْقُرْآَن تنتقل مشافهة، لعدم حاجة العرب فِي ذَلِكَ العَصـر إِلَى تَفْسِيْرٍ مُدَوَّنٍ كَونه قَد نَزَلَ بِلُغَتِهم، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ إبراهيم:4، ولاعتقادهم أنَّ الله تكفل حفظ القرآن، ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ﴾القيامة: 16-17، إلا أنَّ الحال تغيرت بعد اتساع رقعة الدَّولَةِ الإِسلَامِيَّةِ، وَكَانَ لَابُدَّ أَنْ يَتَعَلَّم العربية غير العرب ولاسيما أن بعض العبادات تشترط «العربية»، كالصَّلاة، وجعل الله من «التِّلاوة» عبادة يتقرب بها المُسلم إِلَى ربه، فلم يكن أمام غير العرب من سبيل إلا تعلم الدين ومعرفته الَّتِي لا يمكن أن تتأتى إلا بضبط اللسان، فصارت معرفة الدِّين مرتبطةً بمعرفة العربية، وظهرت هَذِهِ التوجهات واضحة، حين بدأت السَّليقة العربية تضعف، وظهر «اللحن»، وتفشى بين الألسن، بفعل الاختلاط وظهور اللحن عَلَى ألسنة النَّاس حتى وصل الأمر إِلَى القرآن الكريم، فظهرت محاولاتهم لتدارك هذا الأمر، فكانت جهود الأوائل تفسيرية تأويلية، تهدف إِلَى فهم «النَّص القرآني» مُتِخذين من أحاديث الرسول«ص» فِي تفسير بعض الآيات، وسار من بعده عَلَى هذا النهج بخطى حذرة، ورسم حدود الممكن والممتنع في التَّعامل مع النص القرآني، وتعددت الدِّراسات، وَشَملتْ أغلب جوانب القُرآنِ، فقرئ نحوياً في كتب إعراب القرآن، ولغوياً في كتب المجاز والغريب، ودلالياً في كتب المعاني والتأويل، وقرئ صوتياً في كتب القراءات، وقرئ بلاغياً، ولا يكاد يخلو حقل من حقول المعرفة إلا ونجد أن الدراسات تناولت النص القرآني على ضوء ذلك الحقل المعرفي.

وظَهَرت المُحاوَلات الأُولى للتَّدوين فِي القَرنِ الثَّاني الهجري، وكانت هَذِهِ المُحاولات لِكشف دلالات النَّصِّ القُرآني وأبعاده، وفهم غريبه، ومعانيه، وبدأ العلماء بتدوين شـروح الْقُرْآَن، فظهرت لدينا جهود العلماء فِي الحفاظ عَلَى اللغة من اللحن فكانت مصنفات لـ«عبدالله بن إسحاق الحضـرمي «ت117هـ، عيسى بن عمر «ت149هـ، أبو عمرو بن العلاء «ت154هـ، الخليل بن أحمد الفراهيدي «ت170هـ، عمرو بن عثمان بن قنبر المعروف بـسيبويه «ت180هـ.، يونس بن حبيب «ت182هـ، علي بن حمزة الكسائي «ت189هـ، النضـر بن شميل «ت202هـ، الفراء «ت207هـ، «مجاز القرآن» لأبي عبيدة «ت210هـ، أبو عمر الشيباني «ت213هـ، عبدالملك بن قريب _ الأصمعي «ت213هـ، أبو زيد القرشي «ت215هـ، و «مُشكل القرآن لابن قتيبة» وتلتهم «أسباب النزول لابن المديني، وفي النَّاسخ والمنسوخ لابن سلام، وفي غريب الْقُرْآَن للسجستاني،...».

ويوجز المؤلف رؤيته بقوله: (ظل هذا المناخ المعرفي الذي تسمو به العقيدة، وتتدفق لديه المطالب العلمية، أشبعت الذات من تطلعاتها، وبدأت بوادر التصنيف تشمر عن سواعدها، وأخذت لغة التأليف تجود بقرائحها، ونالت الإلهيات في العقيدة والكلام – لضـرورتها الوجودية وحاجة الإنسان إليها – كثيراً من البحث والتنقير، وحازت العلوم القرآنية قصب السبق فيها؛ لأنّها متفرعة على الوجدانيات والمدركات العقلية. ومن بين كثرة المقاربات تعددت القراءات في تفسير القرآن وبيان إعجازه. ولا يخفى أنّ مفهوم الإعجاز مقدم على التفسير من جهتين:

الأولى: إنّ مشروعية القرآن تثبت من طريق البرهان بلغة الإعجاز ولسان التحدي.

والثانية: إنّ تفسير القرآن وبيان مقاصده يخضع للإطار الداخلي في المنظومة الدينية. أمّا الإعجاز فهو يعمل على ترسيخ الإطار الداخلي وتقرير مطالبه، ويشتغل على مديات خارجية أوسع تؤدي آلية حجاجية وفاعلية إقناعية في عملية التداول والتواصل؛ لكي تكون الحركة الفكرية في امتدادٍ متوازٍ مع توسع بيضة الإسلام بل إنّ سبيل الإعجاز إلى الإقناع أبلغ من غيره؛ لأنّه يبسط الدليل الجلي على موائد التفكير، ويعرض البرهان على الأذهان..

ولاقترانه بأسس العقيدة ومبادئ النبوة تسارعت إليه الهمم، وتسابقت إليه فارعات القمم، فتعاطوه عقيدة محكمة؛ لتقرير مطالب النبوة وتأكيد مجاري التنزيل، لكونه لسان القرآن المتحدث عن جوهره اللطيف، ومنبته الرصيف، وبوابة فهمه الهادية إلى مراتبه العالية. وقد نمت هذه المفردة في ظل أحضان البحث الكلامي الذي يبتغي معاينة مسائل التوحيد بمبصـرات حجاجية ولغة إقناعيه في تقرير الحقيقة. ولما كانت النبوة شأناً ربوبياً في التدبير والتقرير، ظهرت الحاجة إلى منطق الاستدلال وصناعة البرهان، حتى يكون التلقي ناجعاً في استنزال المطالب إلى الأذهان.

ومما كشفته المراحل السابقة أنّ طريق الإيقان يكون بفلسفات تداولية، تناسب الأفق المعرفي الذي يرزح تحته الأشخاص، وبمبتنيات حجاجية تسانخ الثقافة الرائجة التي تؤلف منظومتهم الفكرية؛ ليكون صـراط الحجة ناظراً إلى تلك الصناعة المألوفة، وقاصداً في الغلبة إلى تقويض ذلك المبنى الثقافي والتسامي عليه. فكان باب التَّحدي ونهج المعارضة أداة فاعلة في الاستجابة والقبول.

لقد حظي مفهوم الإعجاز – في مؤداه – بمزيد من العناية، وشديد من الاهتمام، حتى غدا التعاطي له من أولويات البحث والتنقير في كل عصـر ومصـر؛ إذ إنّه مقترن بالكتاب الإلهي الخالد، الذي لا تنضب معانيه، ولا تنفد مراميه، وهو فرع حياة القرآن وسر ديمومته، ومن تمثلات بعده الغيبي في عالم التكوين، قد تجلى بفلسفة محكمة تعاين الواقع وتشخص العين، وتناسب مستويات الإدراك المتفاوتة؛ لذلك لم تتجافَ عنه العقول، ولم تتنكر له البصائر.

إنّ هذه الاستراتيجية الغيبية المؤثرة في ذوي اللبّ والنهى مكنت الأجواء لتأسيس المفهوم ببعده المعرفي القار في الثقافة الإسلامية؛ كونه أداة طولى في بسط وجوده الفلسفي إلى ثقافات الشعوب الأخرى. ولكن بعد طول مسير، وأزمان من النظر والتدقيق أضرّت به عوادي الدهر، وحرّفته غواشي البشر، فخرج عن مجاله، وأبعد عن مقامه.

إنّ الجُرح المتقدم يمثل سؤال المعرفة الذي يروم هذا العمل إطلاقه، والإفصاح عن مكنوناته. وبمعنى: إلى أيّ مدى يمكن لمفهوم الإعجاز أنْ يوسع حدوده ويكثر نجوده ؟

أهو منفتح على شعب المعرفة ومدركات الفكر – يقترن بمفاهيمها ويتوغل إلى ميادينها – أم هو مأسور إلى منزعه ومأنوس بمنبته ؟

أقول:

لقد تحركت البواعث القدسية لدى ثلّة من الباحثين والدارسين – نشداناً لذلك الكمال المطلوب، وبحثاً عن متممات الجوهر المفقود الذي تقصده الذات في وجودها – وتعمقت الدوافع الكمالية؛ لاستدعاء مفهوم الإعجاز من منطقة اشتغالاته ومجاري معالجاته إلى محل يسمح له أن يؤدي دور الوظيفة الاقناعية في كل ميادين المعرفة، فتتكاثر أغصانه وتتكاثف أفنانه، فيتحصّل لدينا إعجاز فلكي في قبال ما يطرحه العلم الحديث من تنويرات في علم الفلك، وإعجاز طبي يضاهي الاكتشافات التي يضعها العلم المعاصـر بين أيدينا، وإعجاز عددي، وإعجاز كيميائي وإعجاز فيزيائي وهلم جرّا.. وأكثر من ذلك، فقد جُرّ هذا المفهوم إلى حقول موضوعية، لا يصنع معها مركباً معرفياً، يقبله العقل، ويرتضيه الذوق؛ إذ ثمة فسحة كبيرة بينها، تمنع ائتلاف المعنى، وتحظر تلاقي المغزى، كالإعجاز التاريخي والإعجاز الخطي، والإعجاز النحوي والإعجاز الصـرفي وغيرها.

إنّ تلك المحاولات سعت جاهدة بحثاً عن الكمال في مقارباتها، ولكنها أخطأته وفوّتته، لأنّها فرضيات وادعاءات لا تلامس جوهر الحقيقة، ولا تقترب من لوح الواقع، اتخذت من الزعم سبيلاً إلى المجازفة، ومن الارتياب سبباً إلى المغامرة، فرامت استنطاق المفاهيم بمرجعيات ذاتية فردية مشبعة بموروثات أحادية تلائم أذواق مسلك معهود في الثقافة، ولا سيّما من حُظرت أفكارهم على التقليد والتقديس.

وبأثر من تلك الصيحات الفارعة، ومن ذلك التهلهل في نسيج العلم، والتهرئ الناقع في نظام المعرفة، توقدت فكرة المشروع، وتثورت البواعث لديّ.. فكان العمل يعاين تلك الاتجاهات بعين الفحص والتنقيب، ويواكب مسارهم في جنبات النقد والتدقيق؛ كونها إسهامات أنجزت لتخطي عتبات الفكر، وتبلورت لتجاوز تخوم المنهج العلمي.

وقد مهد المؤلف لكتابه بمدخل نظري لحركة المفاهيم في منطقة اشتغال أهل اللغة وأصحاب المعجمات؛ لأنّه يمثل الإطار البنيوي في صناعة المصطلحات وتحديد وجهتها المعرفية، وأتبعته بقراءة فكرية لمساراتها عبر تعقب المفهومين لدى أرباب كلّ فنّ وقوفاً على المراحل التي مرّ بها المفهوم قبل أنْ يستقر به الحال مصطلحاً، وقبل أنْ يلملم مسائله؛ ليكون علماً مستقلاً، فيكون القارئ على وعي بالمفاهيم، وتفقه بحدودها، من المنابع الأساسية التي تشكل فيها إلى أن غدا فناً، له حدود وتخوم..

وهنا يكون القارئ قد استقرت به نوى التحديد، واستقلت له جهات التشخيص، وتجلت له المفاهيم بإطلالة السفور والوضوح. ورافق هذا النظر بعض القراءات النقدية والوقفات التحليلية التي تناقش الحدود وتحاور الرسوم – في ضوء المضمار الذي تتحرك فيه – وتتعقب الآراء، سواء أكانت للعلماء أم للباحثين، التي لحقها الأفن وأدركها الوهن، قاصداً إلى ذلك قصداً، ولا سيما في مفهوم الصـرف – الذي اُتخذ جهة في الإعجاز – لكي أبصـر القارئ أنّ هذا المفهوم لم يثبت علماً، له موضوعه ومسائله إلاّ متأخراً، وهو ميدان فسيح للأخذ والردّ، وفيه مساحة كبيرة من الخلافات والاعتراضات ما يجعل حلبة النقد فيه مديدة. ووقفت على التجليات اللفظية للمفهوم بصورتيه: الصـرف والتصـريف، وأثر ذلك في عملية التأسيس. وهذا بدوره يقود إلى مسألة جوهرية قد ابتنى عليها البحث، هي: إنّ هذا الفن لا يمكن أنْ يجود بقيم كمالية ولا بخصال جمالية، تؤهله أن يكون محلاً لتحرير مفهوم الإعجاز!!

وقد كان هذا المدخل المعرفي فصلاً مميزاً للتعرّف على ماهية المفاهيم المطروحة في الثقافة الإسلامية، الذي كان الإعجاز من أبرز مفرداتها.

ثم تخلص المشروع إلى المحور الثاني، وهو محور مهم، أراد به الباحث أن يعرف القارئ على أضرب الإعجاز في منظومتنا الحجاجية، فعمدت إلى تتبع الأقوال، والآراء، لا على نحو الإحصاء الدقيق والاستقراء الفتيق، لكي أجلو المديات المسموح بها التي حُددت من لدن العلماء، وما يمكن أن يقبل الإطراء منها، وما يلحقه النقد والتجريح فيها. فكانت الغلبة من بين تلك الأضرب للنظم مع اختلاف يسير فيما يقترن به، أو ما هو من شؤونه. وهو تفسير، لا يرتضي كاتب هذه الأسطر سواه؛ لأنّه يتناغم مع الفن الذي كان رائجاً عند العرب في زمن التحدي والمعارضة، وفي ضوئه اعترف أهل الفصاحة وذوو البلاغة بالسبق والفضيلة له...

ومن جهة أخرى أنّ كل الأوجه التي ذكرها العلماء إلى جنب هذا الضرب لا تعدو أن تكونَ أمارات كاشفة من تدفقات ذلك النظم العجيب الذي يدجّ في النص القرآني كله..  وقد فرّعت على ذلك أمراً مهماً، وهو التعرض – بلا إطالة – للاتجاهات النائية والقراءات الواهية التي أتى أصحابها على شرعنتها ونمذجتها، وهي مساعٍ تزيد المثالب، ولا تضفي المناقب، وتقرب المستهجن ولا تدني المستحسن، قد ألحقتها بأضرب الإعجاز؛ لتكون مرآة كاشفة عن الثابت والمتغير في ذلك المفهوم، فيُشخص في ضوئها المنزلقات التي ابتليت بها الثقافة الإسلامية بعد أعوام من الازدهار والانتعاش، وهنا يكون المتلقي قد وقف فعلياً على معطيات الفكر الإسلامي في صناعة مفهوم الإعجاز وتشخيص أضربه. وهذه الأسفار المستحضرة والمادة المستعرضةـ على ثقلها وكثافتها في المحور المتقدم ـ أراها تزيد من فاعلية الإقناع وتدعيم الحجة في تحديد الأطر المعرفية والمنتجات الثقافية لذلك المفهوم في تلك العصور. ولضيق المقام عن الإتيان على جميعها تفصيلاً، وتعاطيها تدقيقاً، حددت المحور الثالث بالإعجاز الصـرفي، ليأخذ التبيين بغيته، والتفصيل بنيته، فعرضت الفكرة الرئيسة، وأشهر من تبناها واعتنقها، مصوباً سهام النقد إليه بوغر الصدور ووجم النفوس، وقد أرسلت النظر في الجزئيات وعمدت الخوض في الدقّيّات من أجل القراءة النقدية الفاعلة في تتبع بصمات الشحن غير الإيجابية.

ولم يكن الإجراء الذي نثثته، ولا النقد الذي نقشته يقاصص الأشخاص بتحامل عاطفي أو تأثير وجداني، يدفعه الحسد العلمي، ويحدوه النبض الباطني. وكذا لم ابتغِ هوس العقيدة أو وكس الفضيلة. ولكن قادني القبيل وساقني الدليل لبعثرة نسيج الادعاء – الذي تعهّده نفر من المؤلفين والباحثين – وزحزحة وشائجه، وثني عزائمه، حتى تكون العقيدة بمأمن من مقاربات المتطفلين، ويكون القرآن في عصمة من لوث المغالين ومناوشات المتعصبين الذين لا يتعاطون إلا قشور المعرفة وزبد التفكير؛ لذا جاءت قراءاتهم سقيمة مضحكة، سفيهة مترحة، تزيد أعداء الدين والملّة سخرية واستخفافاً، وتمدّهم بالقوة والمنعة، ولا سيّما ونحن نعيش عصـر ازدهار العلوم التجريبية والمعارف التي يقوم عودها على الحسّ والمشاهدة، وتتنكر لما هو كائن فيما وراء المادة، فتجعله ضرباً من اليوتوبيا..

 

جواد المظفر

 

 

raed jabarkhadom2من المؤسف أن تظل الدراسات والكتابات العلمية والثقافية والمعرفية حبيسة المكتبات والرفوف والأنترنيت، دون قراءتها وتحليلها ونقدها، وتعريف القرّاء والمثقفين والمهتمين بها، فالكتب والدراسات لم تؤلف لتركن أو تموت أو تهمل، وانما لتحيا وتعيش وتثمر أفكاراً وآراءاً ومشاريعاً من أجل الاصلاح والتغيير والتنوير، والا لو لم تكن كذلك فلا قيمة لها ولا أهمية ولا ضرورة، فهذه هي الغاية العظمى للكتابات الجادة والفاعلة، والمثقف والقاريء اللبيب يستطيع أن يكشف الجيد من الكتب والكتابات من رديئها وسقيمها، ووظيفة الدارسين والباحثين والاكاديميين الكشف عن الجيد من هذه الكتابات والتعريف بها والاشارة الى جهد كتابها ومناهجهم في القراءة والعرض والتحليل، من خلال أعتماد آليات نقدية ومنهجية أكاديمية علمية جادة في ممارسة تلك القراءة والكشف عن ظاهرها وباطنها، دون ممارسة الطعن والتشويه والنيل من المؤلفين ومنتجاتهم المعرفية. ونقطة مهمة نود تسليط الضوء عليها والدعوة لها وهي ممارسة الترويج العلمي والمعرفي والاعلام الثقافي، فكل شيء في عالمنا يخضع للترويج والاعلان والاعلام، فلماذا لا يخضع الكتاب والمنجز الثقافي والمشاريع المعرفية لذلك العمل أيضاً، لزيادة الوعي ونشر المعرفة والتثقيف بين الناس، فعالمنا المعاصر عالم تقني ومعلوماتي وتواصلي، وشعار الامم والشعوب المتقدمة (المعرفة قوة)، وهذا ما نسعى اليه ونتمناه وندعو له في مجتمعاتنا العربية المتأخرة عن ركب المدنية والحضارة العالمية.

نود هنا في هذا المقال تسليط الضوء على دراسة أكاديمية في مجال الفلسفة للاستاذ الدكتور علي المرهج(*) في كتابه (النص الرشدي في القراءة الفلسفية العربية المعاصرة)، وكيفية قراءة المرهج لتلك القراءات العربية لأبن رشد، مع بيان قراءته ونوعها أيضاً. ولابد من الاشارة الى أن الدكتور عامر عبد زيد، استاذ الفلسفة في جامعة الكوفة، كان قد عرض للكتاب في مقالة له نشرها في موقع الحوار المتمدن عام 2007،(1) وهي أشارة وقراءة مبكرة للكتاب قام بها عبد زيد، وهو باحث جاد وفاعل ديدنه كشف الجديد من الدراسات وتسليط الضوء على المنجز الثقافي والمعرفي في العراق، وهذا ما نحاول السير عليه والدعوة له، في مجال الثقافة والنقد الفلسفي والمعرفي.

خارطة كتاب النص الرشدي للمرهج(2)، بصفحاته (269) الصادر عن دار الهادي بطبعته الأولى سنة 2005، تتألف من مدخل وأربعة فصول، حيث تناول المدخل موضوع اشكالية الاتباع والابداع في القراءة الفلسفية العربية المعاصرة. وتناول الفصل الأول النص الرشدي بين الفكر الفلسفي اليوناني والفكر الاسلامي. أما الفصل الثاني فتناول النص الرشدي في القراءة العلمانية. بينما تناول الفصل الثالث القراءة الدينية للنص الرشدي. والفصل الرابع والاخير قدم لنا القراءة الأبستمولوجية للنص الرشدي.

لا شك أن أبن رشد عقل فلسفي مميز، ولفلسفته أثر كبير على الساحة الثقافية العربية والاسلامية والعالمية، ولنصوصه الفلسفية أهمية كبرى في بناء نظام معرفي وفلسفي نقدي وعقلاني مميز جذبت نحو فلسفته الكثير من الكتاب والدارسين والمفكرين، وهذا ما يتضح في حجم الدراسات والمؤلفات التي كُتبت عن أبن رشد والاهتمام بفلسفته ومنهجه الفكري، ويكفيه فخراً أنه قسم الفلسفة العربية والاسلامية الى مرحلتين وكان الفيصل بينهما أبن رشد، مرحلة ما قبل أبن رشد ومرحلة ما بعده، ولعل الوهن الفكري والفلسفي قد أصاب الواقع والثقافة العربية والاسلامية فيما بعد أبن رشد، ليأتي الدور العالمي للثقافة الأوربية ونهضتها للاهتمام بالفكر والمعرفة والفلسفة عموماً، وقراءة أبن رشد وتبني أفكاره ومنهجه وطروحاته تحديداً، من خلال شروحاته لأرسطو، وأن كان (أفرويس) الذي هو أبن رشد كما يسميه الغرب لاتينياً، قد شغل مساحة كبيرة في الفكر الأوربي، فهو قد شغل مكانة مميزة أيضاً في الدراسات العربية والاسلامية، في المشرق والمغرب، وان كان المرهج يرى أن الاهتمام بأبن رشد عربياً كان بسبب أهتمام الغرب به، فنحن لا نلتفت الى شيء الا بعد أن نرى من يشير الى منجزنا وتراثنا وثقافتنا ويقوم بدراسته، وتلك عقدة معرفية أصُبنا بها، فأن كان مغني الحي لا يُطربنا فقد يُطرب غيرنا، وحين يُطرب الغير نتمسك به وندعو له، لأنه أطرب غيرنا فلعله يُطربنا، وتلك عقدتنا المستديمة في ذاتنا المعرفية والثقافية.

لقد كشف المرهج في دراسته عن قراءات متنوعة ومتعددة آزاء النص الرشدي، أنطلقت تلك القراءات من أيديولوجية القاريء وتوجهاته الفكرية، ولذلك حدد المرهج ووضع ثلاث قراءات لأبن رشد، بمختلف توجهاتها داخل هذه القراءات، وهي :

1ـ القراءة العلمانية.

 2ـ القراءة الدينية.

3ـ القراءة الأبستيمولوجية.

وقد حدد المرهج سمات وخصائص ومنطلقات هذه القراءات، وأوضح معالمها وروادها وتوجهاتهم.

 فالقراءة الأولى (العلمانية) التي مثلها جمع من المفكرين العرب المعاصرين، ضمن التوجه العلماني، المادي منه أو القومي، كما هي مع فرح أنطون والطيب تيزيني ونايف بلوز، التي قاست أبن رشد وفق توجهاتها وجعلته يقترب من العقلانية والعلمانية والمادية. وتتحدد رؤية هذه القراءة كما يذكرها المرهج في تسعة منطلقات والتي نوجزها في : (3)

1180 ali1ـ أرسطية أبن رشد، وبالتالي عقلانيته وواقعيته.

2ـ تقديم الفلسفة على الدين، أو العقل على النقل.

3ـ مادية أبن رشد، في مسألة قدم العالم وأزليته.

4ـ علمية أبن رشد وعقلانيته.

5ـ التأسيس لفصل الدين عن الدولة، من خلال تلك العلمية والعقلانية.

6ـ تغليب الجانب الانساني على الجانب اللاهوتي في فلسفة أبن رشد.

7ـ تخلي أبن رشد عن الجانب الديني في فلسفته وصبغها بنزعة علمية.

8ـ عالمية أبن رشد، من خلال طلبه للحقيقة اينما كانت، وأحد رواد الفكر التويري كما أعتمدته أوربا اللاتينية.

9ـ حصر الاخلاق بمفهوم الاخلاق الطبيعية وبما تقتضيه العلاقات الانسانية.

اما فيما يتعلق بالقراءة الثانية (الدينية) التي ذهب اليها جمع من المفكرين ومنهم محمد عبده ومحمود قاسم ومحمد عمارة وغيرهم، فقد جعلت أبن رشد في خانة الفلسفة الدينية والقرآنية، وسحبته الى الفكر الديني والى ساحة التوفيق بين الفلسفة والدين، كما صرح أبن رشد في أكثر من مؤلف له عن علاقة الحكمة بالشريعة، وجعل الاولى الأخت الرضيعة للثانية، وهذا ما صرح به في كتاب (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال)، وغيرها من مؤلفاته، وتنطلق القراءة الدينية هذه من المنطلقات الآتية كما نوجزها وهي:(4)

1ـ فلسفة أبن رشد دينية أو قرآنية.

2ـ عقلانية أبن رشد عقلانية دينية تجعل الفلسفة خادمة للدين (اللاهوت).

3ـ غلبة الجانب الميتافيزيقي والروحي في فكر أبن رشد وأقترابه من المتصوفة القائلين بوحدة الوجود العقلية.

4ـ توفيقية أبن رشد بين الحكمة والشريعة، ومقصود الشرع هو مقصود الحكمة أيضاً.

5ـ حكومة الفيلسوف حكومة شرعية، لا لأنه فيلسوف بل لأنه متنفقه في الدين ويعرف قوانين التأويل التي تجيز له فهم القرآن بما تقتضيه الحكمة والبرهان.

6ـ نقد أبن رشد للفلاسفة المسلمين عامة وللغزالي خاصة من خلال اعتماده على فكر اسلامي بعيد عن فلسفة أرسطو، أو هو أنتصار للرشدية الاسلامية على الرشدية الارسطية.

7ـ حصر الأخلاق بالتعاليم الدينية وتجاوز مفهوم الاخلاق الطبيعية.

8ـ احلال الميتافيزيقا محل العلم، والعلم في خدمة الميتافيزيقا.

اما فيما يتعلق بالقراءة الثالثة (الأبستمولوجية)، تلك التي قام بها المفكر العربي محمد عابد الجابري وتقترب منها كثيراً قراءة ماجد فخري ومحمد عاطف العراقي وحسام الآلوسي، كونها قراءة معرفية، وقراءة الجابري الأبستيمولوجية يصفها المرهج بأنها قراءة (حيادية)، فهي قراءة تقترب من القراءة العلمانية في أشياء، وتقترب من القراءة الدينية في أشياء أخرى، ولكنها ليست توفيقية، وهي قراءة ليست بريئة أيضاً، وأن كانت ذات منهجية علمية، لأنها وقعت في الجانب الأيديولوجي من جانب والعرقية والعنصرية من جانب آخر، ومنطلقات القراءة الابستمولوجية تتلخص في : (5)

1ـ فكر أبن رشد فكر أبستمولوجي فلسفي علمي لا فكر ثيولوجي ديني.

2ـ نقدية أبن رشد وتبنيه للبرهان، وتجاوزه للخطاب البياني والجدلي والعرفاني، لأنه خطاب معادٍ للعقل والبرهان.

3ـ أرسطية أبن رشد والتي تعني عقلانيته، وأستبعاد أي أثر للافلاطونية المحدثة في فلسفته.

4ـ الفصل بين الفلسفة والدين والذي يعني أيضاً الفصل بين الدين والدولة.

5ـ الربط بين السياسة والاخلاق بالعلم.

ويرى المرهج ان هذه القراءات لم تكن بريئة أو محايدة، وانما وضعت أبن رشد في قالبها الفكري وصاغته وفق أطرها الفكرية، ووقعت تحت قيد التقديس للتراث، فـ (القراءات الثلاث التي تعرضنا لها على الرغم من الاختلاف فيما بينها وأختلاف مشاربها الاانها ما زالت تحمل تلك النظرة التقديسية للتراث بما فيها القراءة الأبستتيمولوجية التي غضت الطرف عن الكثير من نقاط الضعف في فلسفة أبن رشد ... ان جميع القراءات كانت الأيديولوجيا هي المحرك الرئيسي للفعل المعرفي فيها بما في ذلك القراءة الابستيمولوجية التي حاولت أن تخفي ذلك الجانب في قراءتها الا أنه يعلن عن نفسه بين اللحظة والأخرى وذلك ما بدا واضحاً في قراءة الجابري.)(6)

وموقف المرهج النقدي من المفكرين العرب في القراءات الثلاث للنص الرشدي تتلخص فيما يأتي: (7)

1ـ بالنسبة للقراءة العلمانية فأنها أثبتت مادية أبن رشد، الا أنه رفض ذلك وذهب للقول بمثاليته، كما ان أصحاب القراءة العلمانية لم يكن هدفهم أبن رشد بقدر ما كان همهم تقرير أهمية الغرب وضرورة تبني طروحاتهم في الفكر ونبذ التراث، وكأن أبن رشد قد مثل لهم تلك الركيزة التي من الضروري الأتكاء عليها تدعيماً لموقفهم وخروجاً من سلطة التراث، لأنها مبرر للتخلي عن التراث من التراث نفسه. وبالتالي فالمرهج يميل الى القول بمثالية أبن رشد لا ماديته، ولاهوتيته مقابل وحاولة اثبات العلمانيين مادية أبن رشد، وكذلك فأبن رشد ـ من وجهة نظر المرهج ـ ذهب الى دمج الفلسفة والدين مقابل قول العلمانيين بفصل الفلسفة عن الدين.

2ـ بالنسبة للقراءة الدينية لأبن رشد فأن المرهج يتفق معها بقولها بمثالية أبن رشد لكنه لا يميل الى القول بأن فلسفة أبن رشد فلسفة دينية أو قرآنية، لأن النص الرئيس الذي أشتغل عليه أبن رشد هو النص الفلسفي الأرسطي لا القرآني، الا أنه في الوقت نفسه لا يريد أن يخرج عما يقتضيه النص القرآني أو تقتضيه الشريعة. وبالاضافة الى ذلك فالقراءة الدينية ـ من وجهة نظر المرهج ـ كانت مشغولة بهاجس اسمه المستشرقون، سواء بالتبني أو النقد، والذي يستشعره القارىء ان طريقة الدفاع عن أبن رشد تبدو ضد أبن رشد أكثر منها لصالحه، وتقلل من أهمية طروحاته.

3ـ أما بالنسبة للقراءة الأبستيمولوجية فيرى المرهج انها على الرغم من التزامها بالجانب المعرفي الا أنها بقيت مغرمة بالعقلانية الغربية، واثبات مركزية العقل الأوربي وهامشية العقل العربي. كما انها لم تلتزم بالمنهج الابستيمولوجي بصورته الغربية كما هو مع باشلار وفوكو، فأبستيمولوجيا الجابري تتبنى الدعوة الى رشدية عربية معاصرة ضمن ما تقتضيه توجهاته الأيديولوجية التي تريد أن تثبت أرجحية العقل المغربي على العقل المشرقي، من خلال النظام النسقي الذي وضعه الجابري أو ثلاثيته المعرفية، (البيان والعرفان والبرهان)، والتي حاول أن يحشر فكر المشرقيين في نظامين هما "البيان" و "العرفان" أما المغاربة فقد خصهم الجابري بـ "البرهان"، وبعد هذا وذاك فالمرهج يرى أيضاً انه على الرغم من نقد الجابري في قراءته الأبستيمولوجية للبيان ودعوته للبرهان، الا أنه صاغ خطابه الفكري والمعرفي بلغة بيانية عالية ذات شكل جناسي، وتغلب على لغته المسحة الخطابية أكثر من البرهانية.    

قراءة علي المرهج لفلسفة أبن رشد:

الدراسة القيمة التي خلص لها المرهج ليس في قراءته لمن قرأ أبن رشد من المفكرين العرب المعاصرين فحسب، وانما للقراءة الموضوعية والفلسفية الدقيقة التي قرأ فيها فلسفة أبن رشد، وهو جهد كبير قام به في الفصل الأول من الكتاب قبل أن يذهب للقراءات العربية للنص الرشدي، وتلك كانت مهمة ومعاناة شاقة مارسها الكاتب في قراءة فلسفة أبن رشد وقرّاءه، فهي قراءة تأويلية تكاملية وشاملة ذهب اليها المرهج ليكون أميناً ومدركاً لكل ما قاله أبن رشد وما قام به القراء من الباحثين لنقد وتحليل فلسفة أبن رشد، وأرى أن قراءة المرهج لأبن رشد في كتابه لا تقل أهمية عن القراءات التي قدمها في فصول كتابه، وهي قراءة وضعت أبن رشد في مساحات فكرية وفلسفية متنوعة، من يونانية أفلاطونية وأرسطية وأفلاطونية محدثة، الى اسلامية مشرقية بين كلامية وعرفانية ودينية، يقول المرهج واصفاً فلسفة ومنهج وطريقة ولغة أبن رشد : (أصبحت فيه لغة أبن رشد الفلسفية تقترب أو تكاد تكون لغة لاهوتية يحكمها علم الكلام والفلسفة المشرقية الاسلامية)(8)

وهذه قراءة مشرقية بحتة تضع أبن رشد في خانة فلاسفة المشرق الكبار ومنهجهم المثالي الذي يقترب من الدين ويوفق بين الفلسفة والدين، شأنه شأن الفارابي وأبن سينا والغزالي، الذين تركوا أثرهم على أبن رشد رغم نقده لهم، من خلال اعتماد منطق أرسطو وطريقته في التفكير، فهو لا يختلف عنهم الا بالتأويل، وهو الطريق الذي دخل من خلاله أبن رشد لنقده للفلاسفة، (فباستطاعتنا القول أن نزعة أبن رشد العقلية هي نزعة أسترضائية تبرر للعقل حركته بالقدر الذي يسمح به الشرع بوصف عدم التعارض الموجود بينهما، وبوصف دعوة الشرع للتعقل والتفلسف والانفتاح على الآخر، ما زال هذا الآخر هو الذي بيده مفاتيح الحكمة، لذلك شرح أبن رشد أرسطو ولخص الضروري من المعرفة العلمية في فلسفة أرسطو، وكان جل همه نقل فكر أرسطو في وقت دعوته الى معرفة علوم الغير، ولكن في الوقت نفسه أضفى على فلسفة أرسطو بوعي أو بدون وعي فهماً يمكن أن نسميه رشدياً نتيجة قراءته للفكر الاسلامي الكلامي وشراح أرسطو والفارابي وأبن سينا فضلاً عن التزامه النص الديني.) (9)

ولعل البعض وجد في فلسفة أبن رشد نزعة علمانية ومادية، كم ذهب أصحاب القراءة العلمانية، فسحبوا أبن رشد الى ساحتهم وأضفوا عليه مسحة علمانية، ولكن موقف المرهج من ذلك يتضح بقوله ان أبن رشد : (جعل هناك مساحة أوسع للشريعة أو فتح مجالاً أمام السلطة الشرعية لتكون قيمة على السلطة الحكمية، بوصف انها تستمد سلطتها من السماء، وبالتالي شمولية هذه المعرفة على المعرفة العقلية، بل ان المعرفة النبوية تحتوي ضمناً المعرفة الحكمية، ولهذا فأبن رشد في الوقت الذي يبدو عليه نصه دعوة للانتصار للفلسفة، نراه يجعل من الفلسفة تابعة للشريعة، على الرغم من انه يُقِصُر في بعض مواضيع الشريعة على ما يتعلق بالأخلاق وتدبير الناس والفضيلة، الا انه جعل الشريعة تحتوي على الطريقين "النظري والعملي").(10)       

وبالتالي فأن فلسفة أبن رشد وفق منظور المرهج، لم تستطع الخروج من النسق الفلسفي المشرقي رغم نقده للفلسفة المشرقية، وأعتماده العقل والبرهان، ونقده للخطاب الجدلي والبياني، فـ (ان أبن رشد فيما يخص الشريعة واقع تحت تأثير الغزالي، بل ولا يريد هو الخروج عن منظومة الغزالي الشرعية، الا بما تقتضيه الشريعة نفسها في الدعوة لأستخدام العقل، والعقل لا يبحث الا بما يجيزه قانون التأويل الشرعي، وبهذا تكون المنظومة الأرسطية بخدمة المنظومة الغزالية عند أبن رشد والتنظير لها من جديد ووضعها في اطار يسمح لها للخروج من التصوف والعرفان الى العقل والبرهان وفهم الطبيعة لا بما يقتضيه قانون العادة، بل بما يقتضيه قانون السببية الذي لا يتعارض مع ادراك الذات الالهية، اذا لم يكن هو المؤيد لها على ضوء ان لكل سبب مسبب وصولاً الى مسبب الأسباب الذي تريد الشريعة اظهار فاعليته وبأنه الوجود الحق.)(11)

فأبن رشد قد تم تصويره في المغرب وتحديداً من قبل محمد عابد الجابري، بانه رائد العقلانية والبرهان والتنوير، وانه قدم الفلسفة على الدين، وبالتالي تخلصه من القيود الدينية والتحرر من النزعة اللاهوتية، ولكن المرهج يرى خلاف ذلك، ويرى (ان أصالة أبن رشد الفلسفية تكمن في هذه النقطة أي الربط بين ما هو كلامي وما هو فلسفي والأرتقاء بالكلامي لأجل أن يكون فلسفياً، والنزول بمستوى الفلسفي الى مستوى الكلامي، وذلك ما يتبين أكثر حين البحث في المشكلات الأخرى التي عالجها أبن رشد.) (12)

ويبطل المرهج القول الذي ذهب اليه مجموعة من الباحثين حول أرسطية أبن رشد الصرفة، وهو ما يميز أبن رشد في عقلانيته على غيره من الفلاسفة، الا أن المرهج يرى ان أبن رشد قد وظف أرسطو توظيفياً يقترب من الشريعة، وهناك فرق بين الفلسفتين، (ففلسفة أبن رشد ليست نفسها فلسفة أرسطو، فهي على الرغم من أقترابها من هذه الفلسفة بشكل كبير الا انها تختلف عنها بنقاط جوهرية، مثل مسألة ايمانه بعلوم الأنبياء التي لم يمر عليها أرسطو. ومسائل صفات الله وأسماء الله هذا فضلاً عن مشكلة الألوهية نفسها، فالمعالجة الرشدية تكاد تختلف بشكل كبير عن أرسطو، فضلاً عن مشكلة العالم، فقد أقترب أبن رشد مرة من المثالية، ومرة من الصوفية، ومرة من الكلاميين، وبالتالي مرة من اللغة القرآنية، وتصور الذات الالهية ومشكلة الخلف، تصور يسمح به النص بنفس القدر الذي يسمح به تأويل النص الأرسطي في ضوء النص القرآني. وبالعكس، أي تأويل النص القرآني في ضوء توجهه الى أرسطو.) (13)

وبالتالي نستنتج من قراءة المرهج ان أبن رشد مشرقي الهوى والفلسفة بامتياز في فلسفته رغم انه ابن المغرب، وبالتالي لا يمكن عد أبن رشد الا تابعاً أو أبناً شرعياً للمشرق، رغم كل المحاولات التي سعى لها الكثير من المفكرين العرب، ومنهم الجابري الى بيان استقلالية أبن رشد عن المشرق وعدم تبعيته له، فيبقى أبن رشد ذلك الفيلسوف الذي سار على النهج العربي الاسلامي وعلى خطى الفلاسفة المشرقيين رغن نقده لهم الا انه تأثر بهم وداخل بين فكره وفكرهم، ولم ينفصل عن منظومة المشرق الميتافيزيقة والعرفانية والمثالية. وأما قول الباحثين بمادية أبن رشد وعلمانتيه انما هي دعوة غربية بامتياز، وهي توظيف غربي لأبن رشد أو أبن رشد في عيون غربية، وهذا الذي كنا نتمناه من المرهج في دراسته، سواء في كتابه هذا او في دراسات قادمة وهو الكشف عن قراءات المستشرقين لأبن رشد، فهي قراءة تحمل الكثير من المعلومات والموضوعات، وهي التي ربما تكون الدافع الرئيس التي وجهت وحركت رواد القراءة العلمانية لأبن رشد بأن يقراؤه بعيون علمانية، وأن ينسحب الى ساحتهم وأن يغضوا النظر عن كثير من التوجهات الدينية والاسلامية والمثالية والكلامية التي ذهب اليها أبن رشد في فلسفته، والتي كشف بعض ملامحها ومعالمها الدكتور المرهج في دراسته هذه. وقراءة المرهج التأويلية هذه قراءة منفتحة لم تغلق الابواب ورائها وانما دعت الباحثين والدارسين لتقديم رؤى وأفكار وقراءات معرفية للفلسفة الاسلامية عموماً ولفلسفة أبن رشد تحديداً، وهي قراءة أستطاعت أن تتبع منهجية أكاديمية في تحليل القراءات العربية الفلسفية للنص الرشدي من خلال كشف المضمر من الخطاب المعرفي والثقافي والغوص في أعماق أنساق تلك القراءات المتعددة وبيان الدافع الذي كان يوجه قراءات الدارسين وكشف الأيديولوجي من الأبستيمولوجي في قراءة النص الرشدي في الفكر الفلسفي العربي المعاصر. 

د. رائد جبار كاظم. كاتب وباحث أكاديمي. واستاذ الفلسفة المساعد في الجامعة المستنصرية.

......................

(*) الاستاذ الدكتورعلي عبد الهادي عبد الله المرهج. كاتب وباحث أكاديمي من العراق. أستاذ الفلسفة والفكر العربي المعاصر في قسم الفلسفة ـ كلية الآداب ـ الجامعة المستنصرية. له اضافة الى الكتاب أعلاه مجموعة من الكتب والبحوث والمقالات، منها كتابه عن الفلسفة البراجماتية ودراسة فيلسوفها ومؤسسها بيرس. وكتاب علي الوردي وآراؤه المنهجية والفكرية (مشترك). وكتاب الإصلاح والنهضة، دراسة في إمكانات ومعوقات الإصلاح في الواقع العراقي، (مشترك). اضافة الى البحوث والدراسات الأخرى والمقالات في مجلات وصحف عربية وعراقية ومواقع ألكترونية متعددة.

...................

(1) ينظر: د. عامر عبد زيد رابط المقال في الحوار المتمدن : http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=100387                                                      

(2) ينظر : للفائدة رابط كتاب النص الرشدي في مكتبة نرجس. http://www.narjes-library.com/2016/08/blog-post_346.html.

(3) ينظر: علي عبد الهادي عبد الله. النص الرشدي في القراءة الفلسفية العربية. ط1. دار الهادي. بيروت ـ لبنان. 2005. ص 15ـ16. 

(4) ينظر: المصدر نفسه ص 16 ـ18.

(5) ينظر: المصدر نفسه. ص 19ـ20.

(6) المصدر نفسه. ص 249.

(7) ينظر: المصدر نفسه. ص 249 وما بعدها.

(8) المصدر نفسه. ص44.

(9) المصدر نفسه. ص 51.

(10)  المصدر نفسه. ص52ـ53.

(11) المصدر نفسه. ص 56.

(12) المصدر نفسه. ص 60.

(13) المصدر نفسه. ص 63.

 

 

 

abdullatif alaniيقع الكتاب في 237 صفحة طبع في بيروت عام 2017 اشتمل الكتاب على ستة فصول وأهداء ومقدمة . حيث تم أهداء الكتاب الى شباب العراق ابطال الطبقة الوسطى الذين هم نصف الحاضر وكل المستقبل الواعد المشرق بأذن الله تعالى .

أحتوى الفصل الاول مدخل نظري ومفاهيمي عرف فيه الطبقة الوسطى مبيناً حدودها وطبيعتها وخصائصها ودورها الوظيفي في المجتمع . بيما ركز في الفصل الثاني على العوامل الداخلية والخارجية التي أدت الى نشأة الطبقة الوسطى في العراق . مبيناً جذورها ومراحلها وتطورها في العراق . واهتم الفصل الثالث بعوامل النهوض والسقوط ودورها في تطور الطبقة الوسطى في العراق، مقسماً هذه المرحلة الى خمسة مراحل، اطلق على الاولى المرحلة الذهبية اي مرحلة التألق وقد حددها تاريخياً بــ (1950 – 1980)، وسمى المرحلة الثانية بدايات التردي بسبب الحرب العراقية – الايرانية  (1980- 1988 ) ثم انتقل الى المرحلة الثالثة وهي مرحلة الحصار الخانق (1990-2003) وتداعياتها، اعقبتها المرحلة الرابعة مرحلة الانحطاط – الاحتلال الامريكي المباشر (2003- 2011) واخيراً المرحلة الخامسة مرحلة محركات التدمير الذاتي - اي مرحلة مابعد الاحتلال 2011 ومابعدها - .

1181 iraqوبين لنا في الفصل الرابع اشكالية الدين والدولة والمجتمع في العراق تناول في هذا الفصل جذور علاقة الدين بالدولة عبر تاريخ وحضارات العراق . ثم تسائل هل نحن ضد الدين؟ مبينا صعوبة موجة المد الديني والأصولية في التاريخ المعاصر . متسائلاً عن حدود الدين والدولة في المجتمع المدني . منتقلاً الى اشكالية الدين في العراق . ثم تسائل ثانية هل الاسلام دين أم دين ودولة؟ مبيناً لنا الطبقة المتدينة في العراق . خاتماً لنا هذا الفصل بالنتائج المستخلصة عن علاقة الدين بأدارة الدولة والمجتمع في العراق .

اما الفصل الخامس فقد وضح لنا اهمية الطبقة الوسطى وقضايا اخرى مقارنة . ذاكراً لنا العلاقة بين الطبقة الوسطى بالسلطة في العراق وطبيعتها . منتقلاً الى اشكالية ظاهرة العسكرة في المجتمع العراقي، مبينا لنا مزايا الطبقة المزيفة في العراق . ومؤكداً على دور المرأة العراقية في الطبقة الوسطى ومحددتها .

اما الفصل السادس فقد أوضح لنا المؤلف رؤيته متسائلاً ما العمل – رؤية مستقبلية معرفاً الرؤية مركزاً على عملية صراع منظومات القيم مبيناً طبيعة الصراع البناء في منظومات القيم ومن خلال هذه الامور مجتمعة بين السيد المؤلف ان شريحة الطبقة الوسطى تمثل العمود الفقري والرافعة لنهضة معظم الدول المتقدمة وهي القائدة لبقية الشرائح الاجتماعية في المجتمع الى المستقبل والاتجاه الصحيح . وذلك بسبب ما تتمتع به من وعي وعقلانية وهي الشريحة الاكثر انتاجاً مادياً وفكرياً وهي صمام الامان لمعظم الدول المتقدمة كونها المصد لكثير من الصدمات والمطبات والمنعطفات التي تتعرض لها حيث تعمل على تخفيفها .

وان وجود هذه الطبقة وتشكيلها مقترناً بتشكيل المجتمع والدولة المدنية . وعن طريقها يتم تحويل السلطة وعناصر القوة الى مفاصل المجتمع . حيث كان لها دورها المتميز في العصور التي مر بها العراق . والذي انعكس تأثيرها في منظومة القيم وبدايات النهوض والتقدم . وبسبب هذه الطبقة فقد شهد العراق مرحلة استقرار شاع فيها النظام الذي أدى الى سيادة المدنية والسلم والاستقرار الاهلي .

ويشهد العراق اليوم دولة ومجتمع حالة من الانحطاط بسبب غياب دور هذه الشريحة وتهميشها . ومن ثم يؤكد الباحث على ضرورة ان تأخذ هذه الشريحة مكانتها في المجتمع والدولة وتستفيد من زمام المبادرة للقيام بمسؤولياتها التاريخية في النهوض بأعباء المرحلة القادمة . لأنها الشريحة الوحيدة القادرة لأن تأخذ مكانتها كي تعمل على صياغة رؤية واضحة للمجتمع والدولة .

الحقيقة انه جهد متميز وواعد يضع المؤلف لنا من خلاله رؤية نظرية شاملة حول امكانية تفعيل الدور السياسي للطبقة الوسطى في العراق . من اجل المساهمة في صياغة مستقبله وضمان تقدمه .

تحية اعجاب وتقدير للمؤلف على الجهد الرائع الذي ينم عن احساس وطني وشعور مخلص لهذا البلد المعطاء بلد البطولة والامجاد العراق العظيم .

د. عبد اللطيف العاني - استاذ متمرس بغداد

 

ali almirhigمُصطفى عبدالرازق، مفكر مصري له حضوره المميز في تاريخ الفكر العربي، ولد في مدينة بهنسا عام 1885 في الصعيد الجواني، من عائلة لها باع طويل في العلم والدين والسياسة، وتوفيَ في عام 1947.

تعلم قراءة القرآن منذ صغره، وتتلمذ على يد أكابر مشايخ الأزهر، وعُرف بكثرة إهتمامه بقراءة الشعر وكتابته، كان مُجيداً لعلوم الأدب والنحو وأصول الفقه والتفسير والبلاغة.

كانت له علاقة تلمذة ليست مُباشرة بالشيخ محمد عبده، فقد كان صديق والده، إذ كان والده أحد أعضاء المجلس النيابي، وقد إلتقى فيه والد مُصطفى في المدة التي أُختير فيها الشيخ الأستاذ مُفتياً للديار المخصرية في عام 1889.

كان مُصطفى عبدالرازق شديد الإعجاب بمحمد عبده، ولم يترك مقالً ولا خطبةً ولا كتاباً للشيخ إلَا وقرأها وبذل جُهداً في إدخارها وفهمها، فقد ترجم فيما بعد رسالة التوحيد لمحمد عبده للفرنسية، وقد طُبعت هذه الترجمة في باريس عام 1925.

 قال في أُستاذه محمد عبده شعراً بعد عودة الأخير من فرنسا:

إقبل عليك تحيةٌ وسلام      يا ساهراً والمسلمون نيامُ

وقد كتب حينما مات الأستاذ الشيخ محمد عبده في عام 1905 شعراً يقول فيه:

إن قلباً صافياً بالود حيَاً    صدَعته بموتك الأيامُ

كان في هذه الحياة رجاءٌ  قد دفناه يوم مات الإمامُ

كان مُصطفى عبدالرازق شافعي المذهب، عُرف عنه التواضع والتسامح والكرم والإيثار، يؤمن بقول الشافعي "قولي صحيح يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب".

في عام 1908 تجاوز إمتحان مدرسة القضاء، ولكنه لم يستمر في القضاء، فبعد عام إستقال من المدرسة، وقرر السفر إلى فرنسا، ليتعلم اللغة الفرنسية، ويحضر بعض دروس الفلسفة في السوربون.

بقيَ في فرنسا حتى عام 1912، تعلم فيها اللغة، فعرف الفلسفة الغربية والفرنسية في جامعة ليون حينما حضر دروس الأستاذ غوبلو، وحضر دروس عالم الاجتماع دورغهايم، وتولى هو في كلية ليون تدريس اللغة العربية.

بعد عودته لوطنه مصر إستمر ينشر مقالاته في صحيفة "الجريدة" التي كان يترأس تحريرها المفكر الحُر أحمد لُطفي السيد، وهي الصحيفة الناطقة بإسم "حزب الأمة" آنذاك، ثم توالت مقالاته في مجلة "السفور"، وكان لنشره في هذه المجلة دلالة واضحة على ميوله التحررية.

إنتمى إلى الحزب الديموقراطي الذي فاوض سعد زغلول مؤسس حزب الوفد، إلَا أنه لم يتفق مع مرامي سعد زغلول في طريقته في التعامل مع الإحتلال البريطانيز وبعد ذلك أُختير بناءً على رغبة السلطان فؤاد الأول عام 1920ليكون مٌفتشاً بالمحاكم الشرعية.

في عام 1927 إنتقل لجامعة "فؤاد الأول" = "جامعة القاهرة" فيما بعد، ليعمل فيها أستاذاً، ومن ثم أُختير عضواً في مجلس إدارة الكتب المصرية.

في عام 1935 مُنح لقب الأستاذية في الفلسفة، وبعدها بعامين مُنح لقب البكوية من الدرجة الثانية.

بين عام 1938ـ 1940، عُين وزيراً للأوقاف المصرية، وبين عامي 1941ـ 1942 شغل أيضاً منصب وزير الأوقاف.

في عام 1941 مُنح رُتبة الباشوية، وبعده تم تعيينه شيخاً للأزهر.

في عام 1946 تم إختياره أميراً للحج.

في 15 من شهر فبراير من عام 1947 ذهب للأزهر كعادته، ثم عاد لمنزله فتغدى ونام القيلولة، ثم إستيقظ، فتوضأ وصلى، وأخذ يلبس ثيابه، فشعر بهبوط وإعياء، فأوى إلى فراشه، ودُعَ الطبيب لإسعافه، فحضر، ولكنه وجد قضاء الله وقدره قد نفذ، ولا مرد لققضاء الله، فتم دفنه بمقابر الإمام الشافعي.

كان من مُحبي صوت أم كلثوم، "فأم كلثوم نعمة من نعم الدنيا" (ص445، من آثار مصطفى عبدالرازق).

كان يرى أن النزاع بين دُعاة التدين من لابسي العمامة ودُعاة المدنية من لابسي "الطربوش"، إنما هو صراع لا أصل له في التاريخ مصر الفرعونية، لأن "العمامة العربية، قد دخلت مصر على يد الفتح العربي الإسلامي، فإتصلت بالروح الديني (عند المصريين) من أول يوم. وأما "الطربوش" التركي فهبط إلينا من رؤوس المُتسلطين لباساً رسمياً للجنود والموظفين، فهو رمز التسلط والحُكم". (ص452، المصدر نفسه).

كان من أنصار حُرية المرأة، ولكن وفق مُقتضيات ما يُتيحه الشرع وتأويله من منح المرأة لحقوقها التي أقرها الشرع الإسلامي الذي يقتضي تمسك المرأة بأمور دينها وإحترامها للزوج ولحُسن الذوق والكرامة والمحافضة على الفضيلة، لا وفق رغباتها العصرية في تقليدها للمرأة الغربية وإتباعها لها في محاسنها وخطاياها.

كان يؤمن بحُرية التدين، فقد صادق شاباً هندياً كان زميلاً له في السفر، فأحبه فشعر إتجاهه بمحبة غامرة وكأنهما صديقان  كم يقول: "منذ زمان، وإن لم تجمعنا رابطة جنس ولا لغة ولا دين" (ص446، المصدر نفسه).

إهتم بالفكر الفلسفي ببعده البرهاني، بوصفه فكر من بنية التدين العقلاني الذي لا إختلاف في مضامينه ومراميه عن مرامي الفكر الديني الأصيل وغاياته، وإن كان يرى أن أصالة العقل العربي وإبداعه إنما هي كامنة في علوم اللغة وأصول الفقه وعلم الكلام والتصوف، مؤكداً رأيه هذا في كتابه المعروف "تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية".

الحرية عنده أصل في الدعوة الدينية، لأن الدين عنده تسامح وقبول، والدين القيم هو الدين الذي يقبل التعدد على قاعدة "لا إكراه في الدين"، وبالتالي فالحرية الدينية تُجوزها الديانات والشرائع، والحرية الفكرية والسياسية حق طبيعي ومُكتسب، ولا حق لمُختلف أو مُغاير سلبه، والقوانين هي التي تكفل الحُريات، والناس متساوون أمام القضاء، لأن "الحُرية هي طبيعة إنسانية لا ينبغي لنا قهرها" لذلك دعى مُصطفى عبدالرازق إلى إحترام الحُريات الفكرية والسياسية، لأن في الحُرية خيرٌ في الإنسانية جمعاء، فهي السبيل الحقيقي لشعور الفرد بإنسانيته، وهي السبيل الأمثل لشعور الإنسان بقيمته في العمل والعامل المساعد له في تعظيم ثقته بنفسه، فلإنسان الحر هو الإنسان المُريد الذي له القُدرة على الإختيار، فالإنسان من دون إرادة هو كائن ناقص، لأنه لا يستطيع قضاء مراميه وغاياته ومقاصده، من دون الإستعانة بآخر، والآخر، ربما يكون السلطان القاهر. ولكنه بإستعانة من مثل هذه قاصر، ولحرية الإنسان التي أرادها الله له جاحد وناكر.

فـ "الذين يخدمون الحُرية الفكرية ـ برأي مُصطفى عبدالرازق ـ هُم خُدام الحق وأنصاره، فإن العقول المُستعبدة لا تسموا إلى جلال الحقيقة وجمالها".

وإن الذين يفكون العقول من أغلالها إنما يُمهدون لها السبيل إلى الحق، والدين من أسمى حقائق الوجود.

حيى الله خُدَام حُرية الفكر وإستقلاله وزادهم تثبيتاً وتوفيقاً، وجزاهم عن الدين وعن العلم خيراً". (ص502، المصدر نفسه).

 

 الكتاب: من آثار مُصطفى عبدالرازق، من القطع الكبير.

تصدير: علي عبد الرازق.

تقديم: طه حُسين.

منشورات: وزارة الثقافة بمصر: الهيأة العامة لقصور الثقافة، القاهرة ط!، 2014.

عدد الصفحات: 502.

 

د. علي المرهج

  

 

moamar habarمن حسن حظّ القارىء المتتبّع أنّه يقرأ ويقارن حتّى ولو لم يشر إليها صاحب الكتاب عمدا، ولمعرفة هول الاستدمار الفرنسي المفروض على الجزائر وكيف حوّل كلّ عزيز  ثمين يملكه الجزائري إلى زهيد يباع بأبخس الأثمان، عليه أن يقف على حقيقة الاستدمار من أهله وأصحابه، ومنهم الكتاب الذي انتهيت من قراءته البارحة في انتظار أن أقدّم قراءة بشأنه:

ALGERIE D’AUTREFOIS  DESCRIPTION DU VOYAGE EN ALGERIE", DE FRITZ PERNOD DE COUVET EN L’AN 1866 », Présenté par M Docteur Mustapha Makaci, Thala Editions, Alger, Algerie, 2013, contient 80 pages.

جاء في صفحة 13، أنّ ثمن حصان جيد سنة 1866 أي السنة التي زار فيها الجزائر كان يساوي 400 فرنك، وثمن العجل يساوي 80 فرنك، بينما ثمن البغل يتعدى عادة 1200 فرنك. ومعنى هذا الكلام أنّ الجزائري وهو يملك ثروة كالحصان تحوّلت بفعل الاستدمار إلى سلعة لاتساوي شيئا لأنّ الحصان أمسى سلعة غالية لايقربها الجزائري  بل أمسى عامل نظافة للمستدمر الفرنسي يرعى أحصنته التي هي في الأصل أحصنة عربية جزائرية أصيلة لم يحلم بها نابليون والذين احتلوا الجزائر.

وحين زار الكاتب الفرنسي باتنة ودائما في سنة 1866 يقول: أهديت لي أرض بمساحة 15 هكتار وتحتوي على مياه كثيرة وبستان بـ 1300 فرنك، وأضاف: لأبين لكم أنّ سعر الأرض ليس مرتفعا. وعليه أضيف: وكان عليه أن يقول: سعر الأرض في الجزائر زهيدا جدا ، لأنّ الجزائري إبّان الاستدمار الفرنسي لم يعد باستطاعته خدمة الأرض لأنّها مكلّفة من حيث الضرائب التي يفرضها عليه المستدمر الفرنسي لذلك تخلى عنها للمستدمر المحتل، وقد سمعت لأحد المؤرخين الجزائريين هذا العام عبر الإذاعة الجزائرية، أنّ الجزائري كان يخاف من النيران إن أتلفت حقله لأنّه حينها سيدفع ثمن الحريق رغم أنّه ليس السبب بل كان من المفروض أن تعوّض الخسائر الفادحة التي ألحقت به، فهو في كلّ الحالات يرهقه الاستدمار بالضرائب. وحدّثني شيخ طاعن في السّن فقال: "يٙاوْلِيدِي، كنّا ندفع بٙتِيتٙةْ الهْوٙا " أي ضريبة الهواء حين ينثر الجزائري القمح في الهواء لتمييزه واستغلاله.

ويمكن للقارئ الآن أن يقارن بين سعر البغل بـ 1200 فرنك وسعر 15 هكتار بـ 1300 فرنك أيام الاستدمار الفرنسي ليعرف مدى الظلم والإجحاف الذي ألحق بكل عزيز ثمين يملكه الجزائري ليتحوّل إلى تراب لا يساوي شيئا ويتحوّل في نفس الرخيص الذي يملكه المستدمر إلى لؤلؤ وذهب يباع بأغلى الأثمان.

والمثال الثاني سبق أن ذكرته في مقال لي بعنوان: "الجزائر كما يراها بيار لوتي"، بتاريخ: الإثنين 23 جمادى الأول 1438، الموافق لـ 20 فيفري 2017 أثناء عرض كتاب:

DE PIERRE LOTI « LES TROIS DAMES DE LA KASBAH », EDITIONS DU LAYEUR, 96 PAGES..

باعتباره زار الجزائر أوّل مرّة سنة 1869، وخلال سنوات 1869-1880، وتحدّث عن الذهب الذي يزيّن المرأة الجزائرية لكنه لايساوي شيئا وتبقى حاملته الجزائرية فقيرة رغم كميته الكبيرة جدا، وسيطرة اليهود على سوق الذهب والفضة والمال وتبعية الجزائريين لهم بسبب الفقر المفروض عليهم من طرف نهب الاحتلال والاستدمار الفرنسي".

 

معمر حبار

 

 

1178 enayatشهد الفكر اليهودي إبان الفترة الحديثة تحولات جذرية تغيرت على إثرها براديغمات النظر للذات وللعالم، وذلك مقارنة بما ساد طيلة الفترة القديمة الموسومة بسيطرة الرؤى التلمودية وهيمنة شروحات الأحبار، أو كذلك بما ساد على مدى الفترة الكلاسيكية المتأثرة بأجواء الحضارة العربية الإسلامية، ولا سيما التأثر بالجدل العقائدي والمذاهب الكلامية وبوادر تشكل رؤى "الاعتزال" اليهودي، التي بدت ملامحها مع ابن عزرا الغرناطي (ت. 1167م) والسّموءل بن يحيى المغربي (1130-1174م) وموسى بن ميمون (1135-1204م)، إلى أن تلقّفها باروخ سبينوزا مع بداية التحول الفكري اليهودي الحديث خصوصا في كتابه "رسالة في اللاهوت والسياسة". غير أن الصرامة العقلية المبكرة لسبينوزا، في زمن مازال فيه الفكر اليهودي محكوما بطابع المحافَظة، كلّفه طردا من الجماعة السيفاردية بوصفه خارجا عن الملّة. في حين جاءت براديغمات النظر التي طبعت الفكر اليهودي الحديث متأثرةً بأوضاع العالم الأوروبي، وبقضايا التنوير، وفكر الحداثة، وأجواء العلمنة والبحث عن اندماج في المجتمعات الحديثة، وانعكست تلك المؤثرات على رؤى المفكرين اليهود وعلى علاقتهم بالإرث الديني.

في المؤلف الجماعي الذي أشرف على إعداده أدريانو فابريس، أستاذ الفلسفة الأخلاقية في جامعة بيزا الإيطالية وصاحب المؤلفات المتنوعة عن سِير الفلاسفة اليهود المعاصرين، محاولةٌ لرصد هذه التحولات الحديثة. يستعرض المشاركون حشدا من المفكرين اليهود المحدثين، ممن جمع بينهم النهل من مرجعية تراثية يهودية (التوراة والتلمود والقبالة بالخصوص)، وهو ما انعكس في تأملاتهم المتماثلة أيضا. لكن الاشتراك والتماثل المشار إليه بين هؤلاء المفكرين لا يعني أحادية النظر، بل هناك "تعددية فكرية" وتنوعا في النظر بينهم. نجد من بين هؤلاء مارتن بوبر، وفرانز روزنفيغ، وفالتر بنيامين، وليو شتراوس، وحنة أرندت، وهانس جوناس، وفلاديمير جانكلفيتش، وإيمانويل ليفيناس. فقد عاش سائر هؤلاء الفلاسفة اليهود في القرن العشرين، القرن الخاطف والتراجيدي، كما يسمى، لِما أثقلته من أحداث جسام. حيث يُخصّص الكتاب مبحثا لكل من هؤلاء الفلاسفة لعرض أهمّ أطروحاتهم وتأثيرها العميق في الأوساط اليهودية وفي الفكر العالمي؛ إضافة إلى قسم ثان من الكتاب عالجت فيه مجموعةٌ أخرى من المشاركين قضايا محورية شغلت الفكر اليهودي المعاصر، مثل قضية العقلانية، والخلاص، والمسيحانية، والمحرقة، والعلمانية، والتأويل، وجدل الأصالة والمعاصرة. الكتاب بقسميه يتطلع إلى عرض شامل لأهمّ قضايا الفكر اليهودي المعاصر، انتدب لها المشرف مجموعة من الفلاسفة ممن عايشوا أحداث القرن الماضي، وممن كانت لهم إسهامات معتبَرة في تطوير الفكر اليهودي، وأردف ذلك بمراجعات لأهمّ القضايا التي شغلت العقل اليهودي.

يتميز الفكر التأملي الشاغل لسائر فلاسفة اليهود من الحقبة المعاصرة بتقاطع قضايا الدين، المستوحاة من تراث ضارب في القدم، مع أوضاع اليهود المضطربة والمتقلبة، في زمن شهدت فيه اليهودية انعتاقا وتغربُنا، تخلّصت فيه تقريبا من سماتها الشرقية، وباتت محتضَنة داخل الواقع الغربي، تعيش إشكالياته وتنهل من معين أفكاره التي بات يتقاسمها جمعٌ واسع من المفكرين.

ولا شك أن معدّ الكتاب قد غفل عن مفكرين يهود بارزين انتموا إلى الحقبة المعاصرة، مثل أرنست كاسيرار، وكارل لويث، وجرشوم شولام، وأرنست بلوخ، وأندريه نيهير، وجاك دريدا، جاء موضوع الدين لديهم باهتا أو منعدما. وقد برر أدريانو فابريس اختياره بأن عملية الدمج ضمن "الفكر اليهودي في القرن العشرين" لا يكفي فيها التحدر من أرومة يهودية، بل يقتضي المؤلَّف، وعلى وجه الخصوص، أن تشكّل اليهودية عامل إلهام في أعمال الكاتب وحافزا لتأملاته وهو الشرط الحاسم في الاختيار. ومن هذا الباب تم إيثار كتّاب دون غيرهم، ممن شكّلت أصولهم عاملا قويا في التأثير في فكرهم. وقد توزع هؤلاء الكتاب على ثلاثة فضاءات: ألمانيا عشية اندلاع الحرب العالمية الأولى، وأمريكا على إثر التحاق جموع واسعة من المفكرين والكتّاب والفنانين اليهود بالعالم الحر درءا للاضطهاد، وفرنسا بعد اجتيازها محنة الحرب العالمية الثانية واختيار عدد من المثقفين الإقامة والعيش في أحضانها.

يتساءل معدّ الكتاب أدريانو فابريس عن مدى مشروعية القول بـ"الفكر اليهودي"، وما دلالة هذا المفهوم؟ وهل تواجد حقا فكر يهودي مغاير لأنماط فكرية وفلسفية أخرى؟ وإن تواجد فعلا فكر يهودي فما هي خاصياته المميزة؟ وما هي حدود اتصاله وانفصاله مع الفكر الغربي عامة؟ غير أنه يذهب وببساطة إلى أن فحوى الكتاب يتعلق بمجرّد تأمّلٍ صيغ من قِبل مفكرين من أصول يهودية، كان التشبّع بالفكر الغربي والانشغال بالمصير اليهودي والخلفية التراثية بيّنا لديهم، وهم على غرار نظرائهم ممن ينتمون إلى تقاليد دينية وثقافية أخرى. ولم يحبّذ معدّ الكتاب اختيار نعت "اللاهوت اليهودي" أو "الفكر الديني اليهودي" لمؤلَّفه، برغم الحضور البارز للبُعد الديني لدى هؤلاء الفلاسفة في القضايا المعالَجة، خشية الزيغ بمقصد الكتاب، كون "اللاهوت" أو "الفكر الديني" يمتح كلاهما من تقليد ديني محدد، ويجدان مرجعيتهما التأصيلية في النص المقدس، في حين الفكر اليهودي، وإن تبنى رؤى دينية فهو يبدو أكثر تحررا وانفتاحا في إرساء علاقة جدلية مع قضايا الفكر وإكراهات الواقع. كما يشرح صاحب الكاتب مبررات عدم اختيار تعبير "الفلسفة اليهودية" بوصفها نهجا تأصيليا داخل التقليد اليهودي. فالبيّن أن مفهوم الفلسفة اليهودية صيغ من قِبل سلومون مونك (1859م)، وقد أَطلق تلك التسمية على التأمل العقلي المتبلوِر في الحقبة الوسيطة، واعتماده الفلسفة الإغريقية لتفسير الوحي وتأويل النص المقدس، في نطاق البحث عما بين العقل والنقل من اتصال. والواقع أن هذا التيار قديم في الفكر اليهودي، برز مع فيلون الإسكندري إبان الفترة الهيلنستية، وتطور لاحقا من ابن ميمون في الحقبة الأندلسية، وهو ما بلغ نضجه مع سبينوزا في كتاب "الأخلاق" (1677م).

شكّل البحث عن الانعتاق شاغلا من شواغل الفكر اليهودي المعاصر. فقد تواصل النظر للانعتاق في مطلع الحقبة الحديثة ضمن أبعاد صوفية تجلّت في مفهوم المسيحانية، التي باتت تشكّل أطروحة خلاص واعدة للفرد وللجماعة. هذا وشهد الحس المسيحاني تأججا في ملحمة سبتاي زيفي (1665-1667م)، وهي من الملاحم الكبرى التي هزت العالم اليهودي، لما اختزنته من تهويمات ووعود لم تعرف فتورها سوى باهتداء صاحبها إلى الإسلام.

والمسيحانية كتيّار رؤيوي شكّلت في مدلولها الانعتاقي مراجعة عميقة داخل التاريخ اليهودي، اختلطت فيها النزعات الباطنية بالتأملات الفكرية بحثا عن هوية جامعة على أنقاض الشتات. فقد اُعتبر انعتاق اليهود بمثابة الوعد الإلهي المرتقب، وصارت فضاءاتُ الغربة فضاءات التحقق والتطور لهذا المسار. غدت فرنسا الحديثة الأرضَ المقدسة، وإعلانُ حقوق الإنسان بمثابة الوصايا العشر، والعالم الجديد تجسدا لأورشليم التوراتية. لم ينشأ ذلك النظر عرضا، بل جاء جراء تأويلات واستنباطات طورها حاخامات بحثا عن تلاؤم مع العالم الجديد. في البدء عارضت جل القراءات مزاعم الانبعاث في فلسطين والتأسيس ليهوذا بقيادة مسيا يتحدر من سلالة بيت داود النقية والطاهرة، باعتبارها خيارات وهمية تفتقد إلى الواقعية.

وفي أحضان تلك الحركة المسكونة بنزعة طوباوية، تشكلت حركة التنوير الأفكلارونغ (الاستنارة)، نحَتْ صوب تأملات واقعية، وهي حركة تنوير قادها جمعٌ من المفكرين بقصد تعاط عقلاني مع الموروث الديني ولسحبِ اليهود نحو الحداثة وإخراجهم من حيز المنبذ (الغيتو) الذي بات يأسر عقولهم وإن غابت الأسوار. فالغيتو الأكبر الذي ناضل ضده الفكر العقلاني اليهودي، خلال الحقبة المعاصرة، هو الغيتو المنتصب في وعي اليهودي وفكره. مثّل حينها ظهور "علم اليهودية" _Vissenschaft Judentums_، مسعى جادا من قبل حركة قراءة التراث لبناء وعي علمي بتاريخ اليهود الديني، بقصد تخليص اليهودية من ثقل اللامعقول والأسطورة الطاغيين، وما كان ليتحقق ذلك المسار في غياب التواصل مع المنزع التنويري السائد في الغرب، الساعي إلى ضبط كافة إيقاعات الحياة داخل أطر عقلية ومعايير علمية. حيث نلحظ رغبة لدى عديد المفكرين اليهود لتورخة الدين والتراث، سواء باعتماد منهج النقد التاريخي في معالجة المرويات، أو بجعل النظر إليها محكوما ببُعدٍ عقلي، بمنأى عن كافة تبريرات اللامعقول.

هرمان كوهين يقول في مؤلَّفه "أخلاق الإرادة المحض": "يهوديتي في علاقة عضوية مع قناعاتي العلمية.. لم أوكل مسار وعيي اليهودي إلى غريزة التماهي بمعتقد أو سلالة ما؛ بل بالعكس إلى الصرامة الفلسفية، في نطاق ما تيسر لي، وإلى النقد التاريخي، لأنهما أنارا لي السبيل" (ص: 71-72).

فقد كان الخلاص اليهودي في مدلوله البدئي مشوبا بمنزع صوفي ومدلول باطني، بيْدَ أنه ساد جدل معمّق في الفكر أساسه سؤال محوري: هل على اليهودي أن يتدخل في التاريخ ويساهم في صنعه أم يقتضي الحال أن يتمركز خلاصه في الروح؟ في البدء خلص ذلك الجدل إلى تمحور النظر للتاريخ ضمن أطر ثلاثة: أن الخلاص يأتي بشكل إعجازي، وأنه يتمخض عن عالم طوباوي، وأن المسيا (المخلّص) يأتي في أعقاب أبوكاليبس كارثي. لكن تلك القناعات عصفت بها تحولات شهدتها الساحة الغربية، تمثلت في احتدام موجة العداء لليهود مع اللاسامية، حيث بلغ المقت الأوروبي مداه في ما عُرف بالمحرقة. هذه المجريات المستجدة دفعت إلى تطور رؤى سياسية باتت ترى في الصهيونية سبيل الخلاص الموعود، وإن تواصلت معارضة ذلك مع تيارات أورثوذكسية رأت في قيام دولة لليهود، في غياب المسيا الحقيقي، هو ضربٌ من الخيانة والتنكر لليهودية.

وما كانت نداءات العودة إلى صهيون، "العام القادم في أورشليم"، لتلقى قبولا في أوساط اليهود لولا حصول انقلاب في قناعة كثير من الحاخامات، باتوا يرون الخلاص سياسيا وليس روحيا كما سلف. عندها تزاوج الوعي السياسي (الصهيونية السياسية) بالوعي الديني (الصهيونية الدينية) واشتركا معا في السير صوب أورشليم. جرى التقليص من غلواء الخلاف المستحكم بين الطرفين، المتدين والعلماني، بإرساء ما يشبه الصلح البراغماتي بين الثنائي، ومن هذا الباب كان البعد الديني حاضرا في الصهيونية حتى وإن لم تُتَح له فرصة القيادة.

بقي المنزع التأويلي في اليهودية حاضرا إلى حدود الحقبة المعاصرة، حيث أن جمعا واسعا من المثقفين اليهود ومع إيمانهم بسطوة المقولات الدينية، على شاكلة مارتن بوبر، أو ملاحدة عتاة، مثل أرنست بلوخ، قد جمعت بينهم رابطة رومانسية موحّدة في معاداة الرأسمالية، وتقاسموا رغبة عارمة في تشييد مجتمع جديد، تتجسّد فيه مملكة الرب على الأرض، مملكة العدل والحرية. نجد الفيلسوف الروسي نيقولاي برديائيف يذهب مذهبا داعما يلتقي فيه التأويل الديني مع العالم الراهن، مرتئيا أن البروليتاريا في مذهب كارل ماركس هي إسرائيل الجديدة، وهي شعب الله المختار، المحرِّرة والمشيدة للمملكة الأرضية الموعودة، وما الشيوعية سوى شكل معلْمَن للعهد الألفي اليهودي. حتى أن المفكر ميكائيل لوفي يتحدث عن تجانس خفي ومضمر بين المسيحانية اليهودية واليوطوبيا الفوضوية، أدى إلى تحالف وثيق تحققت نبوءته فوق أرض فلسطين.

التحول الكبير في الفكر اليهودي، الذي يرصده الكتاب، تدشّن مع التطورات السياسية الكبرى التي هزت أوروبا في أعقاب تضييق الخناق على اليهود مع اللاسامية والتي بلغت مداها مع حدث المحرقة. دفعت تلك الأوضاع إلى طرح تساؤلات عميقة في أوساط الإنتلجنسيا اليهودية التي ركنت إلى فكر الحداثة والعقلانية والعلمانية. بدأ الحديث عن "أوسشويتز"، رمز المحرقة، من أمريكا في أوساط المثقفين اليهود ممن رحلوا عن ألمانيا وتحلقوا في البداية حول مدرسة فرانكفورت ثم لاحقا في النيو سكول للأبحاث الاجتماعية في نيويورك. فقد كانت حنة أرندت وهانس جوناس وهربرت ماركيوز من الطلاب المباشرين لهايدغر، المهندس البارز للعقل الألماني الحديث الذي بات متهَما بالتنكر للعقلانية وموالاة الآلة النازية. طُرحت تساؤلات كبرى عن فحوى تلك المفاهيم في ظل واقع الفرز المفروض على اليهود. فقد اعتبر أدورنو وهركهايمر معتقل "أوسشويتز" ليس نتاجا لانحدار العقل ولكنه تضخم للعقلانية الأداتية. وقد لعبت حنة أرندت دورا مهما في محاكمة العقلانية الألمانية في ضوء ما حدث في "أوسشويتز"، وكانت من أوائل من أثار قضية ما جرى في "مصانع الموت"، بغرض تفهم المجزرة المصنّعة عقليا (ص: 265).

من جانب آخر تطارح الفكر اليهودي مسألة الألوهية والشر. ففي محاضرة ألقيت عام 1984 تساءل هانس جوناس عن "مفهوم الألوهية بعد أوسشويتز"، وعن أفول الدين وعن صمت يهوه؟ إجابته مغايرة عن إجابة أدورنو أو أندرس، ليس في جعبته نفيٌ لوجود الرب، بل إعادة تفكير في حضوره من خلال المصادر القبالية. فالمحرقة لا تمثل سقوطا مفاجئا في البربرية، بل بالأحرى هي الجانب الخفي، والانعطافة الجدلية للحداثة.

 

الكتاب: الفكر اليهودي في القرن العشرين.

إعداد: أدريانو فابريس.

الناشر: كاروتشي (روما) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2017.

عدد الصفحات: 343ص.

 

عزالدين عناية - أكاديمي تونسي مقيم بإيطاليا

 

 

abdullah alfifiأَلا  كُــلُّ مـاشـــِيَةِ الخَــيْزَلَـى  * *  فِـدا كُــلِّ مـاشـــِيَةِ الهَــيْـذَبى

لِتَعـلَـمَ مِـصرُ ومَـنْ بِالعِــراقِ  * *  ومَنْ بِالعَـواصِمِ أَنِّي الفَـتى

وأَنِّـي وَفَـــيْــتُ وأَنِّــي أَبَــيْــتُ  * *  وأَنِّـي عَـتَوتُ على مَنْ عَـتا

وما كُـلُّ مَـنْ قـالَ قَـولًا وَفَى  * *  ولا كُلُّ مَنْ سِيْمَ خَسفًا أَبى

ولا بُــدَّ لِـلـقَــلْـــبِ مــِن آلَـــــةٍ  * *  ورَأيٍ يُـصَــدِّعُ صُــمَّ الصَّـفَـا

ومَـنْ يَـكُ قَـلْــبٌ كَـقَـلْـبي لَـهُ  * *  يَـشُقُّ إلى العِــزِّ قَلبَ التَّوَى

وكُــلُّ طَــــريــقٍ أَتـــاهُ الـفَـــتَى  * *  على قَدَرِ الرِّجلِ فيهِ الخُـطا

-2-

ما أهمية مثل هذا البحث الذي أنجزه (الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن ناصر المانع)، تحت عنوان «على خُطا المتنبِّي (دَرْسُ طريقِ هروب أبي الطيِّب المتنبِّي من الفسطاط إلى الكوفة)»، (الرياض: كرسي المانع لدراسات اللغة العربيَّة وآدابها، 2017)»؟

إنه كتابٌ في الأدب، والنقد، والرِّحلة، والتاريخ، والأعلام، والمَواطن، في آن.  فضلًا عن أن مغامرة الباحث قد سيقت في سردٍ قصصيٍّ،  ذي أسلوبٍ أدبيٍّ ماتعٍ آسِر.

وإذا كان ممَّا يثير الإعجاب في هذه التجربة مثابرةُ الباحث وشغفُه بموضوعه، والجهدُ المضني الذي بذله، فإن ممَّا يثير الإعجاب أيضًا توظيفه علاقاته في سبيل البحث العلمي، مستنًّا سُنَّة أبي الطيِّب في توظيفه علاقاته في سبيل هروبه.  وكذا يثير الإعجابَ حقًّا التعاونُ الرائع الذي حظي به الباحث، والذي قلَّما تحظَى به المشاريع البحثيَّة في عالمنا العربي.

فماذا لو تواصلت بحوثٌ مثل هذا البحث؟  وكم كانت ستضيء آفاق تراثنا، في هذا العصر الذي تيَّسرت فيه أمور لم تكن ميسورة في الماضي؟  ثمَّ كيف لو صُوِّرت هذه الرحلة البحثيَّة سينمائيًّا؟  للجمع بين التحقيق العِلْمِي الرَّصين والصورة الحيَّة، كي تشمل الرسالةُ في استهدافها جميع شرائح المتلقِّين، في عصر الصورة الحيَّة، إذ قد تُصبح الثقافة الورقيَّة جزءًا من التاريخ، ولو بعد حين.

-3-

يلفت النظرَ في بعض طريق المتنبِّي تعرُّجُها الغريب.  فهل كان ذلك للتَّضليل؟ 

ما الذي جعله، مثلًا، يذهب شَمالًا من (كَبْد الوِهاد) إلى (رأس الصوان)، في (الأردن)، ثمَّ يعود جنوبًا إلى (البويرة)؟  تُرى أكان متردِّدًا في وجهته؟  أم ربما كان ينوي العودة إلى (الشَّام) من جديد، لكنه عَدَل إلى (العراق)؟  وهو القائل:

وأَمسَــتْ تُخَـــيّــِرُنـا بِالنِّـقــابِ  * *  وادي المِياهِ ووادي القُرَى

وقُلنا لَها أَينَ أَرضُ العِراقِ  * *  فَقـالَـت ونَحنُ بِتُـربانَ: هــا

أم ذلك قول شاعر، يشرِّق فيه ويغرِّب، ويذهب شَمالًا وجَنوبًا، في رسم لوحات خواطره، لا بقول البُلدانيٍّ، يُراعي الأبعاد والجهات والمسافات والترتيب؟

تساؤلاتٌ يثيرها خطُّ السير المرسوم في الخريطة المرافقة لكتاب «على خُطا المتنبِّي». 

-4-

فإذا توقَّفنا عند بعض الأماكن التي توقَّف عندها الباحث، كانت لنا الملحوظات الآتية:

لعلَّ (نَجْه الطَّير)، ذلك المكان الذي شغل الباحثَ كثيرًا، تصحيفٌ عن (نَجْع الطير)، وقد آن تصحيحه باسم المكان المعروف اليوم في (سيناء).  ولا ضرورة لتصوُّر أن الاسم حُرِّف صوتيًّا من «نَجْه» إلى «نَجْع»، كما ذهب الباحث (ص104- 105).  على أن ما استدلَّ به من كلام (الأربلي، جواهر الأدب في معرفة كلام العرب) لا يبدو فيه دليل؛ فالإربلي إنما تحدَّث عن قلب الهمزة عينًا أو هاء، في كلمة «أما»، لا عن قلب الهاء عينًا بصورة عامَّة.  وتلك لغة في (أما) وحدها، ولم يذكر أنها في كلِّ الكلمات، أو كلِّ الحروف الحلقيَّة.  فالأقرب إلى الاحتمال، إذن، أن الاسم قديمًا وحديثًا: «نَجْع الطَّير»، وإنما صحَّفه الكَتَبَة!

وكذا القول في (الشَّغُور)، جَنوب بلدة (السليمانيَّة)، شَمال شَرق (سكاكة)، بمنطقة (الجَوف).  فقد أبان الباحث أنْ لا وجود لماء في المكان الذي ذكره الشاعر سِوَى ماء يسمَّى (المُغُور) أو (المُقُور).  ولا أدري لِمَ لَمْ يذهب الباحث إلى فرضيَّة أن الاسم القديم الشَّغُور إنما هو تصحيف: المُغُور أو المُقُور، المعروف اليوم، بل ذهب إلى أن اسمه تحوَّل اليوم إلى المُغُور أو المُقُور؟ (ص206).  ذلك أن ما بقي على ألسنة الناس هو أوثقُ ممَّا كُتِب قديمًا، مع ما يعتوره من احتمال التصحيف، أو الجهل بالاسم الحقيقيِّ في منطوق أهالي المكان.

ولقد كان في البحث اللغوي عن أسباب تسمية المواضع مرجِّحٌ في مدى صحتها.  فـعبارة «نَجْه الطَّير» تعني: زجر الطَّير.  فما علاقة هذا التعبير بالمكان؟  وربما كان لاسم «المُغُور» علاقةٌ بلون التربة في المكان الذي سمِّي به؛ فالمَغْرَة: الطين الأحمر.  في حين أن المَقْر: نوع من نبات الصَّبِر أو الصَّبَّار.  أمَّا الشَّغُور- الذي تواردت كُتب اللغة والبلدان على أنه موضع في البادية- فربما كانت له علاقةٌ ببُعد مائه عن الطريق؛ ذلك أن العرب يقولون: «أَشْغَرَ المَنْهَلُ واشْتَغَرَ»: أي صار في ناحية من المَحَجَّة.(1)  فأيُّ هذه أقرب إلى الرُّجحان، حسب طبيعة المكان؟  هذا مبحث كان يمكن أن يمثِّل مدخلًا للترجيح؛ لأن أسماء المواضع لا تُطلَق اعتباطًا غالبًا، ولا يكفي الاعتماد فيها على أقوال البلدانيِّين الملتبسة والمتضاربة في كثيرٍ من الأحيان.

على أن الباحث يورد بعض جدله حول الأماكن على افتراض قد لا يصحُّ أحيانًا، ذلك الافتراض أن الشاعر مرَّ بالمكان الذي ذَكَرَه بالضرورة، وأن الأماكن التي يذكرها مواردُ ماء، وأنه وردَ ماءها!  وهي افتراضات لا دليل عليها من نصِّ الشاعر في بعض المواضع. وقد يكون المكان المشار إليه جبلًا لا ماء.  من هذا ما جاء في ردِّ الباحث قولَ (موزل): إن الشّغُور جمع (شغار) و(شغير)، وهما موردا ماءٍ شَمال غَرب (الجَوف). (ص195).  في حين أن الشاعر لم يقل إنه مرَّ بالمكان أصلًا، أو استقى منه، بل إنه لاح على طريقه:

ولاحَ لَها صَوَرٌ والصَّباحَ  * *  ولاحَ الشَّغُوْرُ لَها والضُّحى

بل ليس ثمَّةَ ما يدلُّ على أن المكان الذي عناه الشاعرُ منهلُ ماء، بل ربما كان جبلًا، كما ذهب إلى ذلك (حمد الجاسر). (ص206).  ثمَّ ألا يمكن أن تكون بعض الموارد خارج طريق المتنبي إلى الكوفة؟ وهو ما قاله اللغويُّون في معنى المنهل الشَّغُور، أي البعيد عن الطريق.  فيردها المرءُ ثمَّ يعود إلى طريقه.  أي أن المواردَ التي يُفترض أن أبا الطيِّب استقى منها ليست دائمًا على طريقه، ضربة لازب.

أمَّا قول المؤلِّف، (ص274): إن تسمية (دُوْمَة الجندل) مشتقَّة من «الدومة» أو «القُبَّة» الصخريَّة هناك، فمخالف لتعليلٍ آخر قديم، راجح، وهو أنها سمِّيت باسم أحد أبناء (إسماعيل بن إبراهيم)؛ فمن أبنائه: (قيدار)، و(دُوْمَة)، و(تيماء).  والاسمان الأخيران ما زالا معروفَين إلى اليوم، بـ(دُوْمَة الجندل) و(تيماء).  جاء في (العهد القديم، سفر التكوين)(2): «وهذِهِ مَوَالِيدُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، الَّذِي وَلَدَتْهُ هَاجَرُ الْمِصْرِيَّةُ جَارِيَةُ سَارَةَ لإِبْرَاهِيمَ. وهذِهِ أَسْمَاءُ بَنِي إِسْمَاعِيلَ بِأَسْمَائِهِمْ حَسَبَ مَوَالِيدِهِمْ: نَبَايُوتُ، بِكْرُ إِسْمَاعِيلَ، وقِيدَارُ، وأَدَبْئِيلُ، ومِبْسَامُ، ومِشْمَاعُ، ودُوْمَةُ، ومَسَّا، وحَدَارُ، وتَيْمَا، ويَطُورُ، ونَافِيشُ، وقِدْمَةُ.»

[وللقراءة في هذا الكتاب بقيَّة]

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفيفي

.........................

(1)  انظر: الجوهري، الصحاح؛ الفراهيدي، العين، (شغر). 

(2)  25: 12- 15.

 

 

hasan maysiralaminغصن كثيف الثمر لشجرة باسقة، عميقة الجذور، وارفة الظلال، ضمن بستان دائم العطاء مداد البصر، غزير الإنتاج وفير الغلة، ملؤه أزهارٌ معبقةً بالطيب والسلام والتآخي والمحبة والتسامح، ذلك هو بستان شركائنا في الوطن وفي أحزانه وأفراحه، أبناء المكون المسيحي الأوفياء، سليلي أولى الحضارات وأقدم النصوص، اخواننا وزملاؤنا في الدراسة وفي العمل وفي البناء والإعمار وفي التضحية لأجل الوطن والدفاع عنه، ذلك البستان الذي أحتضن العراق بقلبة وجوارحه، وهذا الغصن الذي أسكن نينوى وأهلها حداق العيون، خدمها فأخلص لها، وأبدع في الوفاء والإعتزاز والإشادة بها، كتب لها شعرًا فاصدق القول لها، ونثرًا فأجاد، وتغنى بأمجادها ومآثرها فكان نِعمَ ما قال فيها، حبًا لها وتعلقًا بها، إنه الشاعر والكاتب والإعلامي (الدكتور بهنام عطاالله)، مواليد سهل نينوى في منطقة قره قوش (بخديدا - بالسريانية  – والتي تعني - بيت الله، وباللغة التركية تعني الطائر الأسود) عام (1956)، درس مدارسها الإبتدائية والمتوسطة وأنهى دراسته الثانوية عام (1975)، وتخرج عام (1979) حاصلًا على شهادة البكالوريوس من جامعة الموصل، كلية التربية، قسم الجغرافيا .

عُيّنَ  مدرسًا في ثانوية (تل عبطة التابعة لقضاء الحضر) لمدة (3) سنوات، وفي عام (1982) أدى خدمة العلم (الخدمة الإلزامية) فألتحق بكلية الضباط الإحتياط دورة (34) وتخرج منها ضابطًا مجندًا برتبة (ملازم ثاني) عام (1983) واكمل الخدمة العسكرية في جبهات القتال في شمال العراق وشرق البصرة حتى عام (1987) حيث التحق بالدراسات العليا في جامعة الموصل وحصل على شهادة الماجستير بتخصص علم الخرائط عام (1989) .

عاد (بعد حصوله على شهادة الماجستير) لإكمال ما تبقى من خدمته العسكرية برتبة (ملازم أول) في مديرية المساحة العسكرية (الشعبة الأولى) في بغداد حتى تسريحه منها عام (1990) .

تم تعيينه مدرسًا في معهد إعداد المعلمين في نينوى حتى عام (1996)، ثم واصل دراسته لإكمال دراسته العليا ضمن قنوات المتميزين وحصل على شهادة الدكتوراه في فلسفة علم الخرائط من جامعة الموصل - كلية التربية - قسم الجغرافيا عام (1999) .

باشر عمله في التدريس بعد حصوله على شهادة الدكتوراه في معهد اعداد المعلمات في نينوى وتولى في الوقت ذاته إلقاء المحاضرات على طلبة الدراسات العليا في كلية التربية - جامعة الموصل ضمن تخصص تصميم الخرائط، ثم انتقل للتدريس في معهد اعداد المعلمين في الحمدانية عام (2013) وكذلك في معهد الفنون الجميلة للطلبة النازحين في أربيل بعد احداث النزوح عام (2014) وحتى الآن .

ناقش العديد من الرسائل العلمية لنيل شهادتي الماجستير والدكتوراه في (تخصص علم الخرائط) في كلية التربية، قسم الجغرافيا في جامعة الموصل، كما انه شارك في عضوية لجنة تصميم خارطة العراق والوطن العربي والعالم في مديرية تربية محافظة نينوى عام (2006) . 

بالإضافة إلى أعماله التدريسية فهو عضو في الجمعيات والإتحادات التالية (الإتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين، إتحاد الأدباء والكتاب السريان، الإتحاد الدولي للصحافة، الإتحاد العالمي للصحافة في بروكسل (بلجيكا)، الإتحاد الدولي للأكاديميين العرب في الدانمارك) .

1442 hasan

بدأ نشاطه وعمله في المجال الأدبي والثقافي وفي الكتابة والنشر منذ مطلع السبعينيات من القرن المنصرم، حيث ظهرت موهبته في الأدب عمومًا والشعر خصوصًا منذ وقت مبكر وهو لما يزل في المرحلة الإبتدائية من خلال درس الإنشاء والتعبير وحفظ الأناشيد والشعر ومن خلال مكتبة البيت المتواضعة ومكتبة الصف آنذاك في مدرسة (قره قوش الأولى) حيث بدأ بقراءة الكتب والقصص الموجودة في المكتبة فضلًا عن دواوين الشعر لقدامى الشعراء والمعاصرين وأستمر به الحال في المرحلة المتوسطة حيث قرأ عددًا من الكتب الأدبية المتوفرة في مكتبة الثانوية فضلًا عن مشاركته في المهرجانات الشعرية التي كانت تقام في المدرسة، ثم أتجه لكتابة القصيدة العمودية وكانت أول قصيدة كتبها بعنوان (الربيع)، اما اول قصيدة  كتبها في الشعر الحر فكانت بعنوان (البحث عن الأرض) وتم نشرها في جريدة (الرسالة) الموصلية العد (161) عام (1972) وهي أول قصيدة تنشر له في حياته وكان هذا بفضل تشجيع ومؤازرة  مُدرسه في مادة اللغة العربية الشاعر الراحل الأستاذ (معد الجبوري - رحمه الله)، ثم قام بعدها بسنوات بكتابة قصيدة النثر .

نشر العشرات من البحوث والدراسات التاريخية والجغرافية والنقدية والثقافية، فضلًا عن النصوص الشعرية في العديد من الصحف والمجلات العراقية والعربية والأجنبية، وترجمت بعضًا من نصوصه الأدبية والشعرية إلى اللغات الإنكليزية والكردية والسريانية والهولندية .

شارك بالعديد من المهرجانات الأدبية والشعرية منها (اغلب المهرجانات الشعرية التي كانت تقام في ثانوية قره قوش منذ العام (1972 وحتى عام 1975)، (مهرجانات جامعة الموصل منذ منتصف السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي)، (مهرجانات المربد الشعري السنوي في بغداد)، (مهرجانات جمعية اشور بانيبال الثقافية في بغداد في تسعينيات القرن الماضي)، (مهرجان القوش الثقافي السنوي ومهرجان بخديدا للإبداع السرياني من عام 1995 لغاية 2001)، (اغلب المهرجانات الشعرية التي اقامها منتدى الحمدانية الأدبي من عام 2000 وحتى 2003)، (مهرجان شعري في اتحاد الادباء والكتاب في سوريا - دمشق عام 2007)، (مهرجانات البيت الثقافي في الحمدانية للأعوام من 2004 وحتى 2014)، (مهرجان المركز الثقافي العراقي في لبنان عام 2015)، (اغلب مهرجانات اتحاد الأدباء والكتاب السريان خلال مرحلة النزوح عام 2014 وما بعدها)، (مهرجان تكريم الناقد العراقي الراحل شوقي يوسف بهنام لمناسبة صدور كتابه عن الشاعر الفلسطيني احمد دحبور في القنصلية الفلسطينية في اربيل عام 2016)، (مهرجان أكيتو في أربيل عام 2017) .

شارك في عشرات المؤتمرات الثقافية منها (مؤتمر المسرح في الموصل في كلية الفنون الجميلة عام 2002)، (جميع المؤتمرات الأدبية التي أقامتها المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية في اربيل)، (جميع المؤتمرات الإنتخابية لإتحاد الأدباء والكتاب العراقيين والسريان، (مؤتمر المسيحيين في العراق الآن وفي المستقبل المنعقد في مقر الإتحاد الأوربي ببروكسل (بلجيكا) عام 2016) .

شارك في العديد من المؤتمرات والمهرجانات والندوات الشعرية وتولى رئاسة عددًا منها والتي عقدت داخل العراق وخارجه منها (رئيس منتدى الحمدانية الأدبي للفترة من عام 2001 وحتى 2003)، (رئيس اتحاد الأدباء والكتاب الكلدان والسريان في العراق من الفترة من عام 2004 وحتى 2007)، كما تولى رئاسة تحرير العديد من الصحف والمجلات السريانية وأشرف ثقافياً على البعض الآخر، منها (رئيس تحرير جريدة (قالا بخديدا)  (صوت بخديدا) الثقافية منذ حزيران 2003 وحتى الآن)، (رئيس تحرير مجلة (موتوا عمايا) المجلس الشعبي بالعربية والسريانية للفترة من عام 2010 - 2014)، (رئيس تحرير مجلة (الإبداع السرياني) الثقافية منذ عام 2007 وحتى الآن)، (مدير تحرير جريدة سَورا (الأمل) بالسريانية والعربية)، (أحد مؤسسي جريدة (صدى السريان) ورئيساً لتحريرها لسنوات عدة)، بالإضافة إلى قيامه بإعداد حلقات إذاعية لبرنامج (شاعر وقصيدة) والبالغ عددها (36) حلقة، تم إذاعتها عبر إذاعة صوت السلام من بخديدا في قره قوش، ويشغل الان منصب مدير تحرير جريدة (سورايا) الصادرة بالسريانية والعربية والكردية في أربيل، كما له العديد من المقابلات التلفزيونية والتحقيقات الصحفية وتزخر صفحته الفيسبوكية بالعديد منها .

أصدر العديد من المجاميع الشعرية منها (فصول المكائد  - شعر - عن سلسلة نون الأدبية رقم (13) عام 1996)، (إشارات لتفكيك قلق الأمكنة - شعر - عن مكتب النور للطباعة في الموصل عام 2000)، (مظلات تنحني لقاماتنا - شعر - عن مكتب الفادي في الحمدانية عام 2002)، (هوة في قمة الكلام - شعر - عن دار نشر في اليونان -  أثينا عام  2008)، (هكذا أنت وأنا وربما نحن - مجموعة شعرية - عن دار تموز  للطباعة والنشر في سوريا - دمشق عام 2012) .

ومما تجدر الإشارة إليه أنه الآن بصدد إصدار مجموعته الشعرية الجديدة بعنوان (الظلام مر من هنا) قريبًا وباللغتين العربية والسريانية (تحت الطبع)، وهي سفر من تدوين لمرحلة الظلام الداعشي التي عاشها منذ النزوح وحتى التحرير .

قام بتأليف وإصدار الكتب الأدبية والثقافية والتاريخية التالية (إضاءات في الشعر والقصة - دراسات ومقالات نقدية - عن دار الارجوان للطباعة في الموصل عام 2002)، (النشاط المسرحي في قره قوش - البدايات وآفاق التطور - عن مكتب الفادي في الحمدانية عام 2002)، (الضفة الأخرى - دراسات ومقالات نقدية إنطباعية -  من منشورات جمعية الثقافة الكلدانية في اربيل عام 2005)، (من أعلام بخديدا - إبراهيم عيسو - حياته وآثاره الأدبية والصحفية عن مطبعة شفيق في بغداد عام 2008)، (سفر بخديدا الثقافي - موسوعة بخديدا الثقافية - الجزء الأول -  مشترك مع الأب لويس قصاب - عن مطبعة شفيق في بغداد عام 2009)، (مشكلات إدراك الرموز الحجمية في الخرائط الموضوعية عن مطبعة شفيق في بغداد عام 2011)، (وهج القصيدة يقظة الذاكرة - مقالات وانطباعات وقراءات نقدية - عن دار تموز  للطباعة والنشر في سوريا - دمشق عام 2012) .

ورد اسمه في موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين لمؤلفه الدكتور (عمر الطالب رحمه الله) عام 2008)، وكذلك في معجم المؤلفين السريان لمؤلفه الدكتور (صباح نوري المرزوك)  - أربيل عام 2013)، وفي اكثر من (10) كتب من تأليف كبار المثقفين والأدباء في العراق ، كما وصدرت (7) كتب تناول فيها عددًا من الأدباء والمثقفين إعداد دراسات تحليلية ونقدية بناءه وكذلك تسليط الأضواء عن تجربته الدكتور بهنام الشعرية .

حصل على عددٍ من التكريمات والجوائز العينية والشهادات التقديرية من عشرات المؤسسات الثقافية والعلمية والبحثية .

تمكن وبكل جدارة من الربط الكبير ما بين تخصصه العلمي وهواياته الشعرية والأدبية حيث يُلاحظ من خلال متابعة أغلب نصوصه، الكم الكبير من المصطلحات الجغرافية والخرائطية، التي أستطاع أن يوظفها في قصائده، بل حتى عناوين البعض من قصائده تنحى هذا المنحى، ذلك الربط الذي رصده ووقف عنده الكثير من النقاد، من الذين تناولوا تجربته الشعرية بالبحث والتحليل، بحيث بلغت الكتب النقدية التي صدرت والممتدة لفترة أكثر من أربعة عقود (6) كتب نقدية لأكاديميين متخصصين، ولعل خير من رصد هذه الحالة هو الكاتب والناقد الأستاذ (معن عبد القادر ال زكريا) في دراسته النقدية المعنونة (عندما تكون المظلات استسقاء لمطر لا يأتي) المنشورة في كتاب (تضاريس شهوة الإنحناء) لمؤلفه ومعده الناقد العراقي الراحل شوقي يوسف بهنام والصادر عام (2006)، حيث أحصى فيها أهم المصطلحات الجغرافية والخرائطية المستخدمة في مجموعة واحدة فقط هي (مظلات تنحني لقاماتنا) الصادرة عام (2002) .

ومن اهتماماته الاخرى بالإضافة إلى الرياضة والرسم هي المسرح، فهو يُعد أول من كتب عن مسرح بخديدا واصدر كتابًا عنه كما ذكر في أعلاه، كما وثق لمسرح سهل نينوى وكتبت بحثًا مطولًا بعنوان (المسرح السرياني في سهل نينوى ... مسرح بخديدا أنموذجًا) وقد نشر في مجلة شانو (المسرح) التي تصدر في السليمانية، علاوةً على تمثيل مسرحية شعرية له بعنوان (الطائر البشير) لفرقة مسرح قره قوش للتمثيل وعرضت على الهواء الطلق في دير السريان عام (1997) والتي أخرجها الفنان داؤود بابا .

قال في جوابه على سؤال في احدى المقابلات الصحفية عن أمنية يتمنى تحقيقها فأجاب : (ان أمنياتي هي أن يعم الامن والأمان بلدنا العراق وان يعود شعبنا في سهل نينوى الى سهلهم الأخضر ليُعمروه مجددًا بعد سقوط دولة الخرافة الداعشية التي أحرقت الأخضر واليابس ومحو أفكارها الجهنمية) .

أدلى بتعليق قيم أرسله على الخاص تعقيبًا على المقال المنشور على صفحتي الفيسبوكية بتاريخ ( 8/7/2017) بعنوان (وتلك الأيام نداولها بين الناس)، والذي ذكرتُ في احدى فقراته : (نحنُ جميعًا نتطلع لأن تكون المرحلة القادمة هي مرحلة أمان وإعمار وإزدهار لنينوى والموصل بأي طريقة أو وسيلة كانت ولكن ضمن السياقات الصحيحة التي لا تفقد للموصل وأهلها ما يستحقون ويُجذر إنتمائهم للعراق وأهله فبعد أن فشلت الطائفية التي زرعها من زرعها في نفوس البعض من العراقيين وأنتقلت إلى نينوى والموصل بغباء مدقع في سياسة من كان يحكمها ويدير شؤونها وقتئذ وفشلت كل محاولات الأقليم والتقسيم وغيرها وتسعى الآن جاهدةً وبكل ما أوتيت من قوة لتعود لتتصدر المشهد السياسي لنينوى وبنفس تلك الروح الطائفية والتصريحات التي كانت السبب فيما حل بالموصل من كوارث وويلات .. الخ) قائلًا في جزء من رسالته أعلاه وفي احدى مضامينها :

(لقد كانت موصلنا كحديقة مزدهرة تحتوي على أطياف مختلفة من الشعب العراقي، وستبقى كذلك لان ما حصل للموصل، أم الربيعين كان كارثة بكل المقاييس، وعلى الرغم من ذلك فإن أهل الموصل خاصةً، والنينويون عامةً عازمون على بناء ما دمره الأشرار، ومحاربة الفكر الدخيل، نتمنى للشباب أن يأخذوا دورهم في البناء والتعمير والقيادة بعد الآن وفي المستقبل، وعدم السماح للوجوه السابقة التي كانت سببًا في سقوط نينوى والموصل بيد الظلام من العودة للعمل مرة اخرى) .

ووفاءً لشخصه الكريم ولمشاعره الفياضة بالحب وبكل الشعور النبيل الخالص على ما حل بالموصل وأهلها في ثلاث سنين عجاف، وحيث أن سلسلة الأقوال من أجل الموصل في محنتها ومستقبلها التي ننشرها تباعًا تشمل كل ذي موقف مشرف وكلمة صادقة وموقف نبيل في أرجاء المعمورة وبغض النظر عن الهوية أو الجنس أو الديانة أو القومية، فكان حقًا لنا وعلينا أن يكون حضوره المشرف ضمن السلسلة أعلاه وان يُسجل اسمه في صفحاتها ليأخذ استحقاقه بكل شرف وتميز فيما سيسطره التاريخ عنها وعن رجالاتها .

لقد اخترت مقولته الصدق وكلماته الحق كما في الصورة أدناه والتي عبر بها أفضل تعبير عن حقيقة الشعب العراقي العظيم عامةً واهل نينوى ومكوناتها والموصل وساكنيها وكذلك الشباب الواعي والمندفع بكل حرص وتفانٍ لخدمة الموصل ومساعدتها على النهوض من كبوتها، أولئك الذين لم ولن تغيرهم الظروف وتثنيهم عن مبادئهم الرصينة والمجبولين عليها رغم كل الأهوال والأحداث القاسية التي مرت عليهم ورغم كثرة أصحاب الفتن وعديد أبواق الطائفية ودعاة التفرقة وغيرها من المسميات، أضعها أمامكم سادتي الأفاضل راجيًا إثراء الموضوع بآرائكم السديدة حول مضمونها لتكون شهادة لقائلها الفاضل ولتغدوَ حكمة من رجل محبٍ ومخلصٍ و وطني غيور على العراق وشعبه وعلى نينوى ومن فيها أجمع وليسجلها التاريخ القادم شهادةً قيمةً لشاعرٍ ورجل نبيل وعالمٍ عامل، متأملًا تفاعلكم القيم ومسجلًا عظيم الشكر والإمتنان للشخصيات التي تواكب ما ننشر بكل حرص وسرور، وفق الله الجميع لما فيه خير العباد والبلاد وتقبلوا وافر الإحترام والتقدير .

 

حسن ميسر صالح الأمين

       

 

 

1176 aliصدر  حديثا عن دار أور للطباعة والنشر والتوزيع للكاتبة والصحفية عدوية الهلالي كتابها الأول والذي حمل عنوان (لأنني امرأة) يقع الكتاب ب 132 صفحة من الحجم المتوسط واحتوى الكتاب الذي صممت غلافه الزميلة رفيف الفارس  على 54  مقال (حكايات نسائية جدا) كتبتها خلال السنوات الماضية .

جاء في الإهداء

الى روح أمي .. ونساء أخريات قد يجدن ملامحهن ... في حكاياتي .. عدوية

قدم الكتاب الأستاذ حسب الله يحيى،جاء في جزء منه (حبرها دائم الخضرة، وأوراقها دائمة النقاء، ومابين الحبر الحي وبياض الأوراق، علاقة حميمية تشغل عوالم ورؤى كاتبة دؤوبة، حريصة على انتقاء من محن ومشكلات وعوالم بنات جنسها .

هذه الكاتبة التي ترصد وتراقب وتمتحن نفسها والنساء اللواتي تعرف أوجاعهن جيدا، تجد ان واجبها المقدس لا يكمن في كتابة تزوق وتجمل وتغلف الأشياء بما تتمنى وترجو وتأمل بل يعنيها ما هو موجع وقلق ومهان كذلك في حياة نساء تعرفهن وتتفاعل مع همومهن .. من هذا العالم التي تدور دائرته في شؤون المرأة، تدون عدوية الهلالي هذا الكتاب).

عندما تصفحت الكتاب وقرأت ما بين الأسطر وجدت ان الكاتبة عدوية الهلالي قد نقلت بكل موضوعية وحرفية مشاكل وهموم ومعاناة المرأة العراقية وما قاسته خلال حياتها، وهي بالفعل تنقلنا من حالة الى أخرى وتسرد حكاياتهن بكل عفوية بدون تزييف الحقائق او تحاول خلط الأوراق من اجل الخروج بحكاية ولكنها هنا تنقلنا حيث المعاناة والصبر من اجل الوصول الى بر الأمان وتوفير لقمة العيش، فقد تطرقت الى جميع مستويات المرأة الاجتماعية والثقافية والتي حاولت من خلال ما سطرته ان تنقل هموم ومشاكل وطموح المرأة وأمنياتها وأحلامها التي ربما تصطدم بجدار المجتمع من جهة ومن جهة أخرى بالظروف السياسية والاقتصادية والأمنية التي عصفت بالوطن، لذا نجدها كتبت عن المرأة المثقفة وعن أحلامها وكما كتبت قصص حب عاشتها بطلات حكايتها من خلال تجاربهن المريرة .

هذا وقد توقيع حفل توقيع كتاب الهلالي (لأنني امرأة)  في قاعة نازك الملائكة في المركز الثقافي البغدادي في شارع المتنبي بحفل اقامته دائرة العلاقات الثقافية في وزارة الثقافة  بحضور واسع من المثقفين والأدباء والمهتمين بالشأن الثقافي وعدد من وسائل الإعلام، وقد تحدثت الكاتبة والصحفية عدوية الهلالي عن عملها وتجربتها الصحفية في العديد من الصحف والمجلات وما وجدته من مساندة ودعم وتوجيه  بالشكل الذي ادى الى نجاحها واستمرارها بالعمل الصحفي، وكما شهد حفل توقيع الكتاب  عدد من المداخلات التي  أشادت بتجربة الهلالي الصحفية وبكتابها الأول وفي نهاية الحفل تم تكريمها بشهادة تقديرية منحتها دائرة العلاقات الثقافية في وزارة الثقافة .

عدوية الهلالي في سطور

كاتبة وصحفية عراقية، بكالوريوس لغة فرنسية، عملت مسؤولة لأقسام المنوعات والتحقيقات والمرأة  في صحف (الاتحاد والنهضة والمدى والمواطن والعراق والنور  والناس) ومجلات (الأسبوعية وشبابنا ونرجس والمرأة  وقوارير) كما ظهرت لها تحقيقات ومقالات عديدة في وكالات محلية  (وارفين ونينا) وصحف عربية مثل البيان الإماراتية والشرق الأوسط والإخبار اللبنانية والوطن القطرية .

نشرت لها مقالات وقصائد مترجمة عديدة في مجلات وصحف عربية عديدة .

نالت العديد من الجوائز منها

جائزة أفضل تحقيق صحفي في العراق من نقابة الصحفيين العراقيين عام 1997  جائزة أفضل عمود في مسابقة كلية الإعلام عن عمودها  اليومي (مجرد كلام) عام 2005

 جائزة أفضل قصة قصيرة جدا عن قصتها (دم منعش) في مهرجان النور الدولي للإبداع التي أقامته مؤسسة النور للثقافة والإعلام عام 2012

 جائزة أعلى نسبة متابعة لمقالها (خيانة الكترونية) من وكالة تكلمي  التي تعني بشؤون المرأة عام 2016

 جائزة أفضل مقال عن عمودها مجرد كلام في مسابقة الإبداع التي إقامتها النقابة الوطنية للصحفيين عام 2016

 جائزة أطوار بهجت للإبداع الصحفي من منتدى الإعلاميات العراقيات في اليوم العالمي لحرية الصحافة عام 2016

 جائزة تقديرية من وكالة الصدى الدولية عن مقالها الأسبوعي بين السطور عام 2016.

سيصدر لها  قريبا كتاب يضم مختارات من مقالاتها السياسية والاجتماعية يحمل عنوان (كلام في السياسة)

حرصت على تصوير هموم  الوطن والمواطن في مقالاتها السياسية والاجتماعية كما غاصت في أعماق المرأة لتعكس أدق مشاعرها الإنسانية وتتناول أهم قضاياها الاجتماعية .

 

علي الزاغيني

 

1173 اhusanوإستنهاض تساؤل العلم بالمجتمع والإنسان في المجتمعات العربيَّة لمحمَّدحسين الرفاعي

ضمن مشروع [إستنهاض تساؤل العلم بالمجتمع والإنسان] في المجتمعات العربية، تأليف: د. محمَّدحسين الرفاعي، صدر حديثاً، عن مركز دراسات فلسفة الدين- بغداد- بيروت، بالتعاون مع دار التنوير، الكتاب الثاني بعنوان "إبستيمولوجيا السُّوسيولوجيا: في إستنهاض تساؤل العلم بالمجتمع والإنسان في المجتمعات العربية". يعلن الرفاعي منذ المقدمة أن الكتاب يقع ضمن تساؤل المفهوم العلمي، وبناء المفهوم العلمي، وإعادة بنائه، في المجتمعات العربية. وهكذا، يبني الكتاب، في كليَّته، تساؤلَ المفهوم، من جهة كونه، هذه المرة، لا يأتي إلينا من بلدان العلم في الغرب فحسب، بل يؤخذ، على أرضية إبستيمولوجية، في بلداننا العربية، من أجل إعادة بنائه، وإعادة بناء مضامينه ومنظوراته النظرية. وفي الإجابة عن وظيفة الكتاب العلمية، يقدم محمَّدحسين الرفاعي الآتي:

"في الحقيقة، ضمن مشروع [إستنهاض- تساؤل- العلم- بالإنسان والمجتمع] في بلداننا العربية، يكون هذا الكتاب الجزءَ الثاني من الثلاثية التي من شأن بناء أرضية إبستيمولوجية لتناول المعرفة العلمية الآتية إلينا من بلدان العلم. فإذا كان كتاب "إشكالية التراث- والحداثة في الفكر العربي المعاصر: مقدمة نظرية في قراءة المعرفة السوسيولوجيَّة الآتية إلينا من بلدان العلم في الغرب (دراسة في إبستيمولوجيا السوسيولوجيا"، يتناول الإشكالية بوصفها عقبة معرفيَّة في وجه [إستنهاض- تساؤل- العلم]، وإذا كان يذهب، أولاً وفوق كل شيء، لأنْ يرسم معالم الطريق المؤدية لتجاوز العقبة، فإن هذا الكتاب، يأتي بعد لحظة الوعي التي من شأن الكتاب الأول ان ينجزها. ماذا يعني ذلك؟ إنَّهُ يعني هذا: يأتي هذا الكتاب، في اللحظة التي تلي لحظة الوعي التي بُنيت(بعد الإنتهاء من الجزء الأول من الثلاثية) بواسطة تجاوز العقبة المعرفية الأساسية في وجه التفكير العلمي، في بلداننا العربية. إنه الجزء الثاني من ثلاثية المشروع المعرفي الذي نطلق عليه تسمية [إستنهاض- تساؤل- العلم] بالإنسان والمجتمع، عَبر [إبستيمولوجيا السوسيولوجياThe Epistemology of Sociology]، في بلداننا العربية، بعامَّة".

←لماذا الإبستيمولوجيا في تناول المعرفية السوسيولوجية؟ ولماذا ضمن تساؤل العلم، وفيه، ومن أجله؟ لأنَّهُ حينما يكون العلم، تكون الإبستيمولوجيا؛ وحينما تكون الآيديولوجيا، تكون الإبستيمولوجيا، وحينما يكون الفكر تكون الآيديولوجيا؛ حينها، وحينها فقط، تحصل الإبستيمولوجيا على: 1- الموضوع الذي من شأنها الأخص: إنَّه الوجه الآيديولوجيِّ في أي معرفة في علوم الإنسان والمجتمع؛ 2- والموضوع الذي من شأنها الخاص: حقل ميدان من ميادين العلم؛ 3- والموضوع الذي من شأنها العام: حقل العلم بعامَّة؛ 4- والموضوع الذي من شأنها الأعم: حقل المعرفة بعامّة.

← كما أن الكتاب يتضمن ستة فصول مختلفة، تقع كلها في لحظة بناء حقل "إبستيمولوجيا السوسيولوجيا" في البلدان العربية. وهي، في كل مرة، تبني، وتعيد بناء حقل الفهم الخاص بتلقي المفهوم العلمي.

يتناول "الفصل الأول: الإبستيمولوجيا: تفكير في المعرفة العِلميَّة الحديثة" طبيعة وكيفية الممارسة الإبستيمولوجية، وخصوصيتها. ويقدم وعياً بالمضمون النظري، والمنظور النظري الخاص بالإبستيمولوجيا، التي من شأن علوم المجتمع والإٍنسان، في كل مرة. وتأتي في الفصل الأول، ماهية الإبستيمولوجيا، بعد بناء التساؤل عنها، على الوجه الآتي:

"...على من يسلك طريق التفكير، المؤدية إلى فهم العلم الحديث، التوقف عند المحطات التالية:المحطة الأولى: لا توجد معرفة علمية من دون دورة إنتاجية.المحطة الثانية: تتحدد الدورة الإنتاجية للمعرفة العلمية، بواسطة ذات الباحث من جهة، وبواسطة الموضوع المعطى من جهة أخرى.المحطة الثالثة: حسب الإتجاه المعرفي التي تنخرط فيه الدورة الإنتاجية للمعرفة العلمية، يكون الموضوع المعطى إما العلامات الخارجية التي يراها الباحث ويشاهدها ويلاحظها ويشعر بها(خارج الموضوع هو الموضوع)، وإما ماهية الموضوع وكنهه وحقيقته التي تجر الباحث إلى معرفة ما يكمن فيه من حقائق(داخل الموضوع هو الموضوع).المحطة الرابعة: تُضبط العمليات في الدورة الإنتاجية لصناعة المعرفة، عن طريق العلاقات والروابط المتبادلة بين عقل الباحث، وبين حواسه، من جهةٍ، وبين الباحث والموضوع من جهة ثانية، وبين ما تنتجه العلاقات والروابط المتبادلة بين عقل الباحث وبين حواسه، وبين الباحث والموضوع، وبين مؤسَّسة العلم، من جهة ثالثة".

← يتضمن الفصل الثاني: "فكرة النقد، وفكرة النقد المضاد، وبناء الفهم بممارستهما" الآتي:

"من جهة كون المفهوم في كل مرة كلٌّ، فإن هذا الكل (مفهوم النقد) الذي يخاطبنا من صميم ذاته، بعد وعينا للتصور الأداتي له في حقل العلم، والذي يبقى مع ذلك أداة غايتها أن تُحدِث وتَفعل حركة في النظريات والمناهج العلمية، يصبح كذلك(كُلاً) يضع نفسه في موقع أمام الوعي والفهم والإدراك، في تلك اللحظة التي يلتفت فيها الإبستيمولوجي(عالِم الإبستيمولوجيا) إلى: أولاً: كلُّ مفهوم مُكوَّنٌ من مكونات محددة ترسم معالم عالمه النظري الخاص به، وتُعَيّنُها.ثانياً: يمكن النظر إلى أي مكوَّنٍ من المكونات على أنَّه مفهوم له مكونات ترسم معالم عالمه الخاص.ثالثاً: لا يمكن النظر إلى الصيرورة الداخلية الخاصة بالمفهوم، إلاّ بالنظر إلى صيرورته الخارجية التي تخص علاقته بالمفاهيم الأخرى. رابعاً: يتم النظر إلى الصيرورة الداخلية للمفهوم، والصيرورة الخارجية العائدة إليه، في لحظة معرفية واحدة. بكلمة أخرى، إن فهماً يعتمد الإبستيمولوجيا يقتضي أربع لحظات مقترنة وضرورية في التعرف إلى المفهوم.وعليه، يتطلب النقد - المفهوم، من حيث كونه كُلاًّ، علاقة حرة به، ينفتح فيها العقل عليه وينتشر فيه، بعد أن يكون قد وعى ماهية حقل العلم، من حيث هو مؤسسة، من أجل التخلُّص منها وبالتالي تجاوزها، من جهة، وبعد أن يكون قد وعى وظيفته ودوره في التأسيس: إذ إنَّ ما يؤسّس شيئاً، ينبغي عليه ألاّ يكون مؤسَّساً من قبل الشيء عينه، من جهة أخرى.

← ويقدم الفصل الثالث: "ممارسة الإبستيمولوجيا:كتاب "بنية الثورات العلميَّة" لتوماس كون وفكرة الثورة العلمية"، الفكرة الأساسية الآتية:

"...لمجرَّد أن يقدم النموذج الإرشادي (البرادايم Paradigm) العلم العادي على أنه هو العلم، ويحدد معالمه، ولمجرَّد أن تكون صورة البحث العلمي التي يقدمها النموذج هي الصورة الوحيدة – الممكنة – المتاحة للبحث العلمي، ولمجرَّد وجود قواعد عامّة ضابطة ومقيِّدة للبحث العلمي، ولأن ممارسة تلك القواعد، وتطبيق ذاك الإلتزام، هي الممارسة العلمية، ولأنَّ نتائج البحث العلمي، أي بحث علمي، ضمن العلم المأطر بنموذج إرشادي، متوقعة سلفاً، ولأنَّ الأسئلة المطروحة في العلم المأطر بالنموذج الإرشادي أسئلة لا تُطرح إلاّ بعد صياغة إجاباتها المتوقعة من خلال النموذج، فيعني كل ذلك، ومع إجتماعه دفعة واحدة، ويقول بوضوح وجلاء إن عقبة إبستيمولوجية تحول دون الإنتقال إلى نموذج إرشادي آخر، وتقف في الوقت نفسه، في وجه تقدم العلم. ما هي هذه العقبة؟ هي العلم العادي المأطر بنموذج إرشادي يقدم نفسه، على أنه هو العلم، ويحول دون تقديم أي فهم آخر، على أنه هو العلم. العلم هو أنا.. وكل ما عداي ليس علماً.. هكذا يقول لنا العلم العادي".

←تحت عنوان "الإبستيمولوجيا والمعرفة السوسيولوجيَّة الحديثة- نموذج: التأويل في فهم الوجود المجتمعيّ- سوسيولوجيا الفهم عند ماكس فيبر" يقدم الفصل الرابع ممارسة ماكس فيبر للسوسيولوجيا على النحو الآتي:

تقوم سوسيولوجيا فيبر على وضع العقل داخل الظواهرالمجتمعيَّة(والنظر إليها على أنها كليّات).. وبما أن الظواهر المجتمعية تختلف، في كل مرة، عند الإنتقال من ظاهرة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر، ومن خصوصيَّة مجتمعيَّة إلى خصوصيَّة مجتمعيَّة أخرى، ومن محسوسٍ مجتمعيٍّ إلى محسوسٍ مجتمعيٍّ آخر، ومن فعلٍ مجتمعيٍّ إلى فعلٍ مجتمعيٍّ آخر، فيعني ذلك، إن الخصوصية: [خصوصية الشيء-كـ-موضوع] تضرب في جذور طبيعة المنهج؛ وبما أن المنهج، لا يوجد، ولا يظهر، ولا يمكن أن يُستخرج، إلا بعد حضور الموضوع، و[قيامه- إزاء- ذات الباحث- في- ترك الموضوع يتجلى فيها: (في ذات الباحث)]، لكل هذه الأسباب، تعني السوسيولوجيا [سوسيولوجيا الموضوع- في- خصوصيَّتِهِ- الكامِنَةِ- في- فهمِهِ]. وعليه، تمثل لحظة التعرف إلى السوسيولوجيا، لحظة تالية للحظة معرفة الموضوع(لأن ذات الباحث تُقدم على أنَّها مِن موضوع البحث، وفيه)، من جهة؛ومن جهة أخرى، تعتبر لحظةُ التعرف إلى السوسيولوجيا لحظةً تسبق لحظة التعرف إلى المنهج(لأن العقل في المنهج يجيب عن التساؤل كيف أبحث في الموضوع؟ بعديّاً، أي بعد اللحظة التي، فيها، يتعرف العقل على الموضوع، والعلم).

←يتضمن الفصل الخامس: "الفكر العربي المعاصر وتساؤل الهرمنيوطيقاممارسة إبستيمولوجية من أجل الهرمنيوطيقا في الفكر[I]" كيفية بناء التساؤل العلمي في العلاقة بين الدين، والنص الديني، من جهة، وبين الواقع المجتمعي، والقبليَّات التي من شأن التساؤل عنه، من جهة أخرى. إنه يقدم الآتي:

"إنَّما التساؤل عن الدين في وجوده المجتمعيِّ، علميَّاً، لهو تساؤل يتطلب أرضيَّةً لقيامه. في التساؤل عن الدين في وجوده مجتمعيَّاً، لا يمكن الحديث إلاّ عن الدينيِّ كما هو ضمن الواقعيِّ، يتجلّى: 1- تلك الوظائف المجتمعيَّة التي يؤديها الدين، ومن ثُمَّ 2- الدينِ بوصفه مؤسسة مجتمعيَّة تبني وتعيد بناء المجتمعيِّ، كما تُبنى ويُعاد بناؤُها بواسطة المجتمعيِّ، على أرضيَّةٍ من بناء الحريَّة الأصليَّة التي من شأن الفكر الإنساني بعامَّة.. وفي حال كهذه، لا يمكن إلاّ أن نأتي بالعلم إلى حقل التساؤل الذي من شأنه. وإنما التساؤل العلمي عن الدين في تعالقه بالواقعيِّ- المجتمعيِّ قد حصل على إجابة له منذ زمن طويل؛ نجدها عند إميل دوركايم، ماكس فيبر، كارل ماركس،...، وأخيراً عند يورغن هابرماس. وما هو جديد في التساؤل، ليس إلا هذا:التساؤل عن الدين في وجوده مجتمعيَّاً في البلدان العربية؛ وما يسمح بقيام هذا التساؤل القديم، مرة أخرى، وأخرى، هو الماهية الأصيلة للتساؤل، وبناءه وإعادة بناءه، بشأن الموضوع ذاته. ولكن ما هي تلك الماهية الأصلية للتساؤل؟ إنها بناء [التساؤل- في-كل- مرة]. [في- كل- مرة] هذه تكتسب مبرر وجودها من الواقعيِّ، ولكنها لا توجد في الواقعيِّ، أي إنها لا توجد في الموضوعيَّةِ الأولى التي من شأنه".

←يتضمن الفصل السادس: "الفكر العربي المعاصر وتساؤل الهرمنيوطيقاممارسة إبستيمولوجية من أجل الهرمنيوطيقا في الفكر [II]" كيفية بناء التساؤل العلمي في العلاقة بين الهرمنيوطيقا، من جهة، وبين الواقع المجتمعي العربي من جهة أخرى. إنه يقدم الآتي:إنَّ [الذهاب- إلى- النص]، محمولٌ بإشكالات Problems، وإشكاليَّات Problematics، يضعها [الواقعيّ- المجتمعيّ] في [الذهاب- الآتي- من- النص]. لأنَّ الذهابَ إلى النص، في الهرمنيوطيقا، ليس ذهاباً من أجل النصّ، بل هو ذهاب، على الدوام، من أجل البنى المجتمعيَّة الأساسية الثلاث: سياسة، ثقافة، وإقتصاد، وتلك العلاقات والروابط بينها. تلك التي ينوجد ضمنها [الكائن- الإنسان]. إنّهُ ذهابٌ يأتي؛ إنَّهُ إتيانٌ يذهب في كل مرَّة يحدث. وإنَّ أي ضرب من ضروب الذهاب إلى النص، عَبر تجاوز [الواقعيِّ- المجتمعيِّ] ونسيانه، لهو تراجعٌ إزاء تساؤل الهرمنيوطيقا. إنَّهُ إنسحاب التساؤل وإتيان الإجابات الجاهزة لفرض سلطتها على الواقعيِّ- المجتمعيّ. بيد أن الهرمنيوطيقا [على- الضدِّ- من- الإجابات- الجاهزة]. وإنَّها تحدث في تلك اللحظة التي تكون البداهات في موقع التساؤل والمسآءلة.. ولهذا، ضمن هذا لا يمكن الحديث ولا يقوم النقاش إلاّ في البداهات وعنها. لماذا؟ لأن البداهات، في حقل العلم في بلداننا العربية، لا توجد بعدُ؛ ولأنَّ العلم لا يقوم إلاّ بعد وجود البداهات التي من شأنه، وبعد التسليم بها، فالمخاطرة هنا ليست أكثر من هذا:محاولة بناء البداهات، وقيام تساؤلات بشأنها من أجل بنائها. وهذا، لأن التفكير الذي يقوم على أرضية الحريّة، في بلداننا، ليس إلاّ [على- الضدِّ- من- السائد- في- مجمله]، يكون.. وهذا لا يكون إلاّ بعد فهم السائد، بعمق، بوصفه ناتجاً عن / ومنتِجاً لـ [العقبات المعرفيَّة- المجتمعيَّة] في تناول تساؤل الهرمنيوطيقا.

← تقع مهمة الكتاب الإبستيمولوجية، بوصفه الجزء الثاني من المشروع الفكري- المعرفي للرفاعي، ضمن هذا:

يتناول هذا الكتاب، في ضرب هو الأعمق من تناوله، موضوعات الإبستيمولوجيا؛ ولا يقف عند هذا الحد، بل يذهب إلى تناول موضوعات المعرفة السوسيولوجية التي تأتي إلينا، بالإبستيمولوجيا؛ فهل يحيط بها كلها؟ لا بالتأكيد. إن أي إحاطة بالمعرفة العلميّة لهو إدعاء فارغ؛ وهو ليس خارجاً عن وهم الوحدة. فإذن ماذا يقدِّم هذا الكتاب؟ إنَّه يقدِّمُ تمعُّناً في عمليَّة تلقي المعرفة العلمية الحديثة في علوم المجتمع والإنسان، من قِبَل الممارسة العلميَّة في بلداننا العربية؛ يكشف هذا التمعُّن الأرضيةَ التي تقوم عليها كل المعرفة السوسيولوجية في بلداننا العربية.

هكذا، فإن هذا الكتاب ذاهب إلى أن يضع، إبستيمولوجيَّاً، الأسس لبناء، وإعادة بناء، حقل العلم في بلداننا العربية.

وعليه، إنَّما المسألة الأساسية فيه تتضمن تناول الأرضية التي تقوم عليها المفاهيم، ويقوم عليها تناول المفاهيم في بلداننا العربية؛ وفوق ذلك، إن الكتاب هذا يتناول تناول المفاهيم، ويتناول كيفية تناولها من قبل العلماء والمفكرين والأساتذة الجامعيين والطلاب والقُرّاء والكُتّاب العرب.

 

مصطفى ناصر

 

1175 hatamهل ان الحرية الفردية منسجمة من حيث المبدأ مع النظام الحالي المرتكز كليا على سن القوانين؟ قد تبدو هذه رؤية راديكالية لكننا بالطبع، لايمكننا انكار هذه الرؤية . ربما تكون الرؤى الراديكالية احيانا اكثر فائدة من التسويات التوافقية التي تعمل على إخفاء المشكلة بدلا من حلها.

الباحث القانوني برونو لينوي عرض نقده الثوري لمؤسسة التشريع في سلسلة من المحاضرات عام 1958، نشرها عام 1961 في (الحرية والقانون)(1). اطروحته هي ان العمليات القانونية التراكمية السابقة، او القانون العرفي،هي كافية لتزويد المواطنين بقواعد قانونية. وفق رؤية لينوي،ان القوانين التي يسنّها المشرع هي غير ضرورية وهي في الحقيقة مؤذية. انتقاداته للعملية القانونية تنطبق بقوة اكبر على البيئة الحالية التي تُخصّص فيها الكثير من سلطات المشرّع في كتابة القواعد القانونية الى الوكالات التنظيمية.

محتويات الكتاب

يتألف الكتاب من قسمين :

الحرية والقانون

يبدأ بمقدمة ثم ثمانية فصول كالتالي:

الفصل الاول اي حرية؟

 الفصل الثاني الحرية والقيد

الفصل الثالث الحرية وحكم القانون

 الفصل الرابع الحرية ويقين القانون

 الفصل الخامس الحرية والتشريع

 الفصل السادس الحرية والتمثيل

 الفصل السابع الحرية والرغبة العامة

 الفصل الثامن تحليل بعض الصعوبات.

استنتاج

القسم الثاني:القانون والسياسة ويتألف من:

1- القانون كإدّعاء فردي

2- القانون والاقتصاد اثناء العمل

3- الاتجاه الاقتصادي للسياسي

4- التصويت مقابل السوق

يجادل الكاتب ان القانون يمكن ان ينشأ على اساس التعامل مع كل موقف بشكل منفصل اعتمادا على الظروف الخاصة. في كل حالة تتخذ فيها المحكمة قرارا،تكون مهمتها ايجاد المحصلة التي تنسجم الى ابعد حد مع القيم الاجتماعية. هذه العملية كما يرى المؤلف هي عملية اكتشاف.

كل من الرومان والانجليز اتفقوا على فكرة ان القانون هو شيء ما يُكتشف اكثر مما يُشرّع وانه لا احد لديه من القوة الكافية لتجسيد ارادته  بقانون ملكية الارض (لينوي ص11).

الكاتب فحص  قيمة اضافة القانون العرفي الى التشريعات. استبدال التشريعات بتطبيق طوعي لقواعد غير قانونية للسلوك امر لايمكن الدفاع عنه مالم يثبت ان الاخيرة هي غير مؤكدة او غير كافية ام انها تخلق بعض الشرور التي يمكن للتشريع تجنبها مع الاحتفاظ بمزايا النظام السابق(ص14).

ومع تضخم السياسة،اصبح من الصعب قبول فكرة ان المشرعين يمثلون الناس ككل. كتب لينوي:

.... كلما تضاعف عدد الناس الذين يحاول احد تمثيلهم في العملية القانونية،وكلما زاد عدد القضايا التي يسعى لتمثيلها،كلما تضاءل معنى كلمة "تمثيل" في الاشارة للرغبة الحقيقية للناس(ص10).

يدّعي لينوي ان مشكلة الحسابات الاشتراكية تنطبق على التشريع. فكما يفتقر المخطط المركزي الى المعلومات التي تبرز في السوق، يفتقر المشرع ايضا الى المعلومات التي تبرز في القضية القانونية.

.... لا احد من المشرعين يستطيع بذاته دون تعاون مستمر من جميع الاطراف ذات العلاقة تأسيس قواعد تحكم السلوك الحقيقي لكل شخص ضمن العلاقات اللامتناهية بين جميع الافراد . 

لايمكن لأصوات الرأي العام ،ولا الاستشارات ان تضع المشرعين في موقع تقرير هذه القواعد اكثر مما يستطيع  خبراء الاقتصاد المخطط حين تُناط بهم مهمة اكتشاف الطلب الكلي والعرض الكلي لجميع السلع والخدمات. باختصار،.... النظام القانوني المرتكز على التشريع يشبه بدوره الاقتصاد المركزي الذي تُصنع فيه جميع القرارات الملائمة  بواسطة عدد محدود من الخبراء، تكون معرفتهم بكامل الموقف محدودة جدا و احترامهم لرغبات الناس يكون محدود ايضا.

بداهتنا تخبرنا ان التشريع الذي يتم عبر كتابة القواعد القانونية ،يزود المواطنين بحالة من التأكد. نظريا،التشريع يرسم لنا حدودا دقيقة حول ما هو قانوني وما هو غير قانوني. مقابل هذا،يرى ليوني انه في التطبيق، يخلق التشريع عدم التأكد لأن القوانين يمكن ان تتغير بسرعة وبدون سابق انذار. الشركة التي تخطط في ظل مجموعة واحدة من القواعد  ستصبح بلاربحية في ظل تشريعات جديدة.

يقين القوانين، او الصيغ المكتوبة،يشير الى الظروف المشروطة  بامكانية استبدال القوانين الجديدة في اي لحظة بقانون لاحق. كلما كانت عملية صنع القوانين اكثر حدة وتسارعا ،كلما اصبحت امكانية استمرارالتشريعات الحالية أقل احتمالا . كذلك،لاشيء  يمنع قانون مؤكد – بالمعنى المذكور اعلاه،من ان يُستبدل بشكل لامتوقع بقانون اخر اقل يقينا من القانون السابق(ص80).

بالطبع،في الولايات المتحدة اليوم،ومع وجود الوكالات التنظيمية المنفذة للوظيفة التشريعية،اصبحت عملية صنع القوانين اكثر كثافة وسرعة مما في ايام ليوني. شركات تمويل العقار السكني او شركات التامين الصحي يمكنها القول ما اذا كانت تعمل في بيئة من اليقين اليوم.

لازلنا في شك من امكانية عمل  النظام القانوني بكفاءة اليوم بدون التشريع والوكالات المنظمة. المجتمع اليوم معقد جدا من حيث كمية وانواع التفاعلات التي تحدث بين الناس.

يختلف النظام القانوني عن نظام السوق لأن النظام القانوني هو ميدان للخلافات. لو كنت بحاجة لشخص ما لتصليح السيارة ،سادخل ميدان السوق. ثم نتفق انا والميكانيك على السعر وكلانا نذهب سعداء: سيارتي تُصلّح والميكانيك يستلم اجره. الاجراء يستلزم قناعة متبادلة. ولكن افرض ان سيارتي لاتزال لا تعمل جيدا عندما اذهب للميكانيك لإلتقاطها، هنا الميكانيك يدّعي انه يستحق الدفع ،بينما انا ادّعي غير ذلك. الان سنكون في حالة من الخلاف . النظام القانوني يأتي هنا لتوفير طريقة عادلة لحل مثل هذا الخلاف.

في العصور الوسطى كان عدد التغيرات في  التفاعلات الانسانية قليل جدا. حجم السلع والخدمات كان قليلا مقارنا بما نراه اليوم. التخصص لم يتطور بعد والجزء الاكبر من الانتاج يتم داخل المنزل. في هذه البيئة البسيطة نسبيا كانت عدد الخلافات قليلة وتطبيق السوابق كان واضحا جدا.

اليوم  وبسبب الزيادة السريعة في التخصص والتجارة ،برز عدد كبير من مصادر الخلاف. حل كل واحد من هذه الخلافات عبر المحاكم وتفسير السوابق يكون مكلفا ومحبطا ومستهلكا لكثير من الوقت. ربما بدون قوانين رسمية وقواعد منظمة سننفق موارد مفرطة تستلزمها الدعاوي. عندما تكون اليوم نسبة النفقات القانونية من الاقتصاد كبيرة ،فستكون تلك النفقات اكبر لو اعتمدنا فقط على القانون المبني على اساس دراسة كل حالة على الانفراد.

تحدّي آخر هو ان العديد من تفاعلاتنا اليوم تستلزم اكثر من طرفين . فمثلا،وجود عيب في تصميم  السيارة سيؤثر عل عشرات الآلاف من المشترين وليس فقط على مشتري واحد. هذا بدوره يخلق مشكلة المساومة الكوسية (نسبة الى الاقتصادي كوس) المتعلقة بالزبائن ذوي العلاقة،الذين لا تشكل لهم  القضية القانونية حلا مقبولا. تعليمات تصميم السيارة قد تمنع هذه الحالات من الظهور، هذه التعليمات يمكنها تقليل كلفة الاجراءات في الاقتصاد.

بالطبع،حتى لو كان هدف المشرعين والوكالات التنظيمية هو تقليل الخلافات الاجتماعيىة والاقتصادية المتعلقة بالدعاوي،فان المحصلة تشير الى شيء مختلف تماما . السؤال العملي هو ما اذا كان ليوني صائبا في اننا سنكون احسن حالا عند الاعتماد فقط على الدعاوي الطارئة.

 

..................

الهوامش

(1) كتاب (الحرية والقانون) هو أهم عمل للفيلسوف الايطالي برونو ليوني، صدر اول مرة عام 1961 في 249 صفحة.ثم طُبع عدة مرات،في عام 1991 و 2011.ولد الكاتب عام 1913 حيث عاش حياة ديناميكية معقدة ومكثفة كباحث ومحامي وتاجر وموسيقي وكمدافع قوي عن مبادئ الحرية الفردية. كان بروفيسورا في النظرية القانونية ونظرية الدولة في جامعة بافيا،توفي عام 1967 وهو في ذروة عطاءه.

 

nabil alrobaei2نحن نعيش اليوم زمن ظلامي دامس، تزامن معهُ الاضطراب والجهل وانتشار الخرافات، ومما زاد من ظاهرة القبور والمقامات المزيفة من انتشارها على ارض العراق، فضلاً عن اتخاذ هذه القبور ثراءً فاحشاً من المال النافع وجلب النذور والأضاحي والهدايا، ومما ساعد على الجهل والجشع لفئة باغية اتخذت من القبور المزيفة مصدر للمال والجاه وسعياً لرخاء الحال، فزاد الجهل والمرض، وزادت ظاهرة الغيب الخارجي فوق ذلك زيادة اصبح الحالمون بوجود مثل هذه المراقد لهم دورهم ومزاعمهم التي تزداد يوماً بعد أخر، فتقام لهذه القبور المزيفة والمزعومة المشاهد، وتنصب لها القباب ثم تسمى مزاراً للإمام الفلاني فيزار من قبل بسطاء الناس.

صدر عن دار قناديل لطباعة والنشر والتوزيع في بغداد للباحث عباس شمس الدين كتابه الموسوم والوثيقة المهمة تحت عنوان (معجم موجز للمراقد المزيفة والموضوعة والمنقولة والمجعولة في العراق)، هذا المعجم يشمل جميع مراقد الديانات المزيفة في بلاد الرافدين، الكتاب عبارة عن دراسة اعيان القبور المنتشرة على أرض العراق فأصبحت في الآونة الأخيرة ظاهرة القبور المزيفة في وسط وجنوب العراق ومنطقة الفرات الأوسط، ظاهرة طبيعية، كان زعماء هذه القبور المزيفة والمجعولة يتخذون من مزارعهم أو دورهم مقامات ومراقد للأولياء من خلال حُلم أو رؤيا في المنام تدل على مكان القبر، ويبدأ صاحب الدار بتبليغ اهله وعشيرته وبعض رجال الدين المقربين له عن هذه الرؤيا، فيبدأ الداعمين لهذا المرقد المزيف في دعم مزاعم هذا الرجل، فيبدأ بجمع التبرعات لبناء هذا القبر ويعلى عليه القبة ليتخذ صاحب هذا المرقد دكاناً يعتاش عليه هو واهله وعشيرته، ثم يبدأ الخلاف والصراع على عائدية ملكية القبر والمال الذي جناه منه هذا المدعي بين أفراد العائلة والعشيرة، وتبدأ رحلة الناس المغفلين والبسطاء بزيارة هذا الضريح وتقديم النذور والهدايا وفي بعض الاحيان اقامة الرحلات الاسبوعية لزيارة صاحب هذا القبر المزعوم ودعوته عند الله ليرزق فلان أو فلانة المولود الجديد، ويحل عقدة فلانة لتحمل من زوجها فلان ويرحم فلان ويشافيه من مرض السرطان وما شابه ذلك. حتى تجاوزت اعداد القبور والأضرحة والمقامات لأئمة أهل البيت والأنبياء والأوصياء المزعومة (600) مرقد ومقام.

لقد قام الباحث الجريء عباس شمس الدين بتقديم هذه الدراسة المهمة والوثيقة التاريخية من خلال متابعة هذه المراقد والمقامات والتأكد من صحتها أو زيفها، ومن خلال مراجعة المصادر المهمة والتأكد من صحة نسبها، ففي هذا الوقت الصعب والحرج الذي يمر على العراق من حرب داعش وانتشار الفساد الاداري والمالي في وزارات ودوائر الدولة وفي ظل انتشار التطرف الديني والطائفي وانتشار ميليشيا الاحزاب المتنفذة، من الصعب أن يصدر بحث أو مقال في هذا المجال، إلا أن الباحث الجريء شمس الدين قد طرح هذا الموضوع من خلال كتابه للتصدي وفضح هذه المزاعم من ذوي النوايا السيئة وممن اتخذوا هذه المراقد والمزارات والمقامات دكاكين وتجارة مربحة ليعتاش عليها ثراءً منقطع النظير في هذا الوقت الصعب.

يسيح بنا الباحث شمس الدين في كتابه هذا في مقدمة جميلة ورائعة وهو يبحث عن تاريخ طقوس ووسائل الدفن في عصور ما قبل الميلاد والعصور الاسلامية، وكيف كان الانسان في ذلك الوقت يدفن موتاه وطرق ووسائل الدفن. والسؤال المهم الذي طرحه الباحث شمس الدين في كتابه هذا حول هذه المراقد المزيفة والمزعومة، هو : (هل هذا قبر فلان؟ والكتاب برمته جواب بالنفي لكل من ورد اسمه في القائمة الطويلة التي زادت على ستمائة عنوان إلا في بعض الاستثناءات لا تتجاوز اصابع اليد الواحدة، فثمة شكوك محيطة بها كافية لمنع النفي المتخم بالطمأنينة).

كتاب المراقد المزيفة اعتبره الباحث شمس الدين معجم موجز للمراقد المزيفة والموضوعة والمنقولة والمجعولة في العراق، وقد زادت في الآونة الأخيرة بعد عام 2003م في مختلف اصقاع العراق عدداً كبيراً من اشكال القبور المزيفة، بما يشكّل في كثير من الأحيان ضرراً تاريخياً واساءة لبقية المراقد المعلومة والموثقة تاريخياً لأهمية مكانتها في المجتمع والتاريخ الاسلامي، فقد احصى الباحث في كتابه قبور (بنات الحسن بن علي) في منطقة الفرات الأوسط وجنوب العراق وقد تجاوز عددها (19) قبراً، علماً أن بنات الحسن بن علي هُنَّ (5) بنات فقط ولم يزور الامام الحسن بن علي ولا بناته ارض الرافدين، فضلاً عن اتخاذ مجلس محافظة بابل مدينة الحلة بعد عام 2003م اسماً آخر اطلق على مدينة الحلة وهو (الحلة عاصمة الامام الحسن المجتبى)، والسؤال الذي اطرحه، إذا الامام الحسن بن علي لم يزور العراق ولم يزور الحلة خاصة فكيف تم اتخاذ مثل هذا القرار في هذا الوقت من قبل مجلسها؟ هذا القرار اثار المجتمع الحلي واصبح  محل سخرية من قبل بعض الادباء والمثقفين والزائرين للمدينة، ويعتبر هذا القرار لحق بها  الضرر واصابها مثلما اصابها من ظهور قبور مزعومة ومزيفة في الآونة الأخيرة، بل أكبر بكثير.

اصبح انتشار القبور المزيفة في الآونة الأخير واتخاذها دكاكين ليعتاش عليها اصحابها من عمدية وقصدية ونية مبيتّة، واختراع شخصية وهمية لا وجود لها، أو دراسة اسم الشخصية من قبل اصحاب القرار للقبور المزيفة والاطلاع على انساب اهل البيت ليصبح قرارهم صائب في هذا المرقد المزيف. كان لانتشار هذه القبور من خلال احلام حلم بها اصحابها كأن يكون طفل أو طفلة أو زوج أو زوجة صاحب هذا الحلم ومن ثم الاعتقاد واليقين بصحتها، واحياناً ينتج تزييف للقبر من خلال تشابه الاسماء أو الصفات التي ادت إلى تحريف في موضوعة القبر، فتشابه الاسماء قد كثر في منطقة الفرات الاوسط، ولهم قبور معروفة مع اسماء شخصيات معروفة، مما ادّى إلى نسبة هذا القبر خطأً إلى شخصية الأشهر بينها، مثل قبر النبي يونس وقبر النبي ايوب وقبر النبي شيت وقبر النبي ابراهيم الخليل، أما قبور الأئمة فمنها قبر عمران بن علي وبكر بن علي واحمد ومحمد بن الحسن وعون واولاد الكاظم وشريفة بنت الحسن فحدث ولا حرج.

اصبحت انماط مشهورة في منطقة الفرات الاوسط وجنوب العراق، وفضلاً عن المعابد البابلية القديمة التي اتخذت منها مقامات كمقام رد الشمس ومقام الخضر ومقام زين العابدين ومقام الغيّبة، لكن ظاهرة القبور المزيفة لا نعلم متى بدأت وفي أي عهد، إلا انها ازدادت في الآونة الأخيرة، وفي ايران تنتشر ظاهرة (امام زادة) أي (ابن الامام) وبالخصوص في القرى البعيدة حتى قفز عدد هذه المراقد في إيران من (1500) مرقد في عام 1979م إلى حدود (8000) مقام ومرقد وزادت إلى (10700) في نهاية عام 2008م.

مع كل ما يمر به العراق من جهل وتخلف وتردي للواقع التربوي والصحي وتدني الواقع الاجتماعي نجد الحكومات المتعاقبة على العراق منذ عام 2003م قد تسامحت مع هذه الظاهرة ظناً منها انها توزع الكتلة المتدينة عددياً على اكبر عدد ممكن من المراقد، وأن لا تكون هناك نقاط تجمع كبرى يجتمع فيها الناس، لكن المزورين ومهاراتهم المتعاظمة في الوثائق جميعها زادت من ذكائهم وصار اختراع القبر الزائف وسيلة وحيلة مربحة يبحثون عنها في كتب الانساب عن اسم لإمام فيها لا قبر له، ثم ينسبوه إليه، مستغلين جهل الناس، فضلاً عن انتشار ظاهرة البناء على الموضع الذي يغسل فيه الميت الفلاني، او بناء قبة وضريح لمرقد السدرة الفلانية او واسطة النقل (التراكتور) التي انتشرت اخيراً باعتبارها تمنح المراد لمن يزور هذا (التراكتور)، فتزداد القباب وتتعدد القبور.

فهذا التمدد الخطير للقبور المزيفة فعلى اصحاب الشأن ولا سيما من القائمين عليه من مديرية المزارات والشؤون والأوقاف الدينية ان تتصدى لها وتحظرها وتزيلها، وتتحقق من مزاعم من اقامها، فضلاً عن مشاركة الآثاريين في هذا الشأن لأهمية الموضوع، والقيام بالتنقيب للتأكد من مزاعم هؤلاء المزيفون، ومن خلال العثور على القبور المزعومة كأن يكون الدليل القاطع قطعة رخامة أو حجر كتب فيها اسم وسنة الوفاة لصاحب المرقد ولإثبات نسبه، مما يستدعي التدقيق في هذه القبور المزيفة، والتتبع السيَّري لتاريخ صاحب القبر المزعوم، قد ينفي صحة النسب للقبر أو المقام، ومحاسبة القائمين عليها قضائياً، لأن هذه الظاهرة تعتبر خطيرة على تجهيل المجتمع وتخلفه ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرون.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

1174 enayat"سِفْر الخروج" ليهود البلاد العربية هو سفر مدوَّن بشكل منقوص، وهو وإن حظي في الأبحاث التاريخية والأنثروبولوجية في الغرب بمتابعة، فهو لا يزال حقلا مهجورا في الدراسات العربية. لكن النقص في هذا المبحث لا يقتصر على هذا الجانب، بل يتعدّاه إلى تخبّط الكتابة العربية في موضوع اليهودية واليهود، التي لم ترتق إلى مستوى المعالَجة العلمية، وقد كنّا أفضنا في الحديث عن ذلك في مؤلف بعنوان "الاستهواد العربي في مقاربة التراث العبري" صدر عن دار الجمل (2006). وموضوع رصد تراجع أعداد اليهود في بلاد العرب والإحاطة بأسبابه وتداعياته هو أحد المواضيع التي تسود فيها رواية غائمة مفادها أن الأمر عائد بالأساس إلى الهجران الطوعي والتهجير القسري، في حين أن الأمر أبعد من ذلك وتتداخل فيه جملة من العوامل الجانبية.

كتاب المؤرخ موريس روماني الصادر بالإيطالية "يهود ليبيا: من التعايش إلى الرحيل" هو محاولة لتجاوز الرؤى الاختزالية في المسألة، من خلال سعي صاحبه لإعادة بناء الوقائع الاجتماعية على أساس وثائق الأرشيفات والشهادات الحية بعيدا عن التقولات والأحكام الجزاف. عِلما أن موريس روماني يهودي من مواليد بنغازي، منذ 1978 يدرّس العلوم السياسية، من مؤلفاته: "حالات يهود البلاد العربية"، "العامل الإثني في السياسة الخارجية الإسرائيلية" و"قوى التغيير في الشرق الأوسط"، أسّس سنة 1981 مركزا متخصصا في تاريخ اليهود السيفارديم.

كتابة تاريخ الهجرة اليهودية

يحاول الكتاب تسليط الضوء على الدور الرئيس للاستعمار الإيطالي في ذلك الخروج، مشفوعا بتتبّع ما كان يعتمل في الساحة الدولية من صراعات انعكست آثارها على مختلف الشرائح الاجتماعية. إذ يقوم البحث على فكرة جوهرية مفادها أن رحيل شقّ واسع من يهود بلاد المغرب حصل تحت ضغط الفاشية والنازية لا سيما في تونس وليبيا. وضمن هذا الإطار يستحضر المؤرخ سلسلة من الوقائع لدعم فرضيته التاريخية. حيث يركز اهتمامه في الحقبة الفاشية في ليبيا، متتبعا السنوات الممتدة بين 1938، تاريخ صدور ما يُعرف بـ"القوانين العنصرية" في إيطاليا، و1967 تاريخ اندلاع الحرب العربية الإسرائيلية وما خلّفته تلك الأحداث من اضطراب في أوساط الجاليات اليهودية. مبرزا كذلك الدور الذي لعبته المنظمات اليهودية الأوروبية والأمريكية في تهجير يهود ليبيا، وحشد الحالمين للـ"عاليا" (الهجرة) نحو إسرائيل، ناهيك عن الإجراءات التنظيمية والتعليمية والصحية التي رافقت الترحيل، ثم في موضوع متصل يتتبع الكاتب حجم الاستيعاب والإخفاق في المجتمع الإسرائيلي بعد مرور قرابة نصف قرن على الهجرة.

يستهلّ المؤرخ كتابه بسرد تاريخ اليهود القديم في ليبيا. إذ تعود موجات الهجرة إلى أمد بعيد، أُولاها مع نزول الفينيقيين بالمنطقة، تلتها موجة أخرى إثر هدم الهيكل في أورشليم مع نبوخذنصر سنة 586 ق.م. كما يورد المؤرخ وثائق تتحدث عن تحوّل مدينة برقة إلى منفى لليهود مع تيطس الروماني خلال 71م، وهو ما نجد له صدى في مدونات المؤرخ فلافيوس جوزيف. لم يشكل الفتح الإسلامي لليبيا في فترة لاحقة تهديدا لتلك الديانة، وعلى العكس لقيت في أحضانه الأمان بوصفها ملة من ملل أهل الكتاب. تواصل ذلك الوضع إلى غاية الفترة العثمانية، فمع أواخر عهد الدولة العثمانية غدا 69 من أعيان اليهود الليبيين، من الحاخامات والقضاة والسفراء، ضمن المقرَّبين من الباب العالي، وحظي أتباع تلك الديانة بـ21 بيعة و21 يشيفوت (مدرسة دينية) و19 بيتا للصلاة تلبي حاجاتهم الشعائرية.

على مستوى تدوين تاريخ يهود ليبيا، الذي يفرد له المؤرخ فصلا على حدة، يورد أن ذلك بدأ مع ثلة من المؤرخين جلّهم من أصول يهودية، مثل حاييم زيف هارشبيرغ، وشلومو دوف غويتن، وميشال أبيتبول. قدّموا من خلال أبحاثهم حصرا لأعداد اليهود، حيث قارب العدد الجملي في بلاد المغرب في حدود العام 1948 نصف مليون نسمة، أدناه في ليبيا 36.000 يهودي وأعلاه في المغرب الأقصى 260.000، فضلا عن 140.000 في الجزائر، و 105.000 في تونس. من جانبه يعتمد المؤرخ روماني تقارير ووثائق متعلقة بالطائفة اليهودية، محاولا من خلالها تسليط الضوء على مختلف أصناف التناقضات التي ألمّت بالجالية مثل التعايش والتدافع، والاضطراب السياسي والازدهار الاقتصادي، والطابع التقليدي والمنزع الحداثي، فضلا عن آثار ظهور القومية العربية والحركة الصهيونية.

ووِفق إحصاء لمؤسسة "التحالف الإسرائيلي العالمي" (Alliance Israelite Universelle) ورد ضمن الكتاب، كان يقطن 14.000 يهودي بطرابلس سنة 1903 وألفان ببنغازي، في حين توزع 4.480 على المناطق المجاورة. وقد كانت الطائفة اليهودية في طرابلس تضم في صفوفها جملة من العناصر الأجنبية، حيث يورد القنصل الإيطالي تواجد 79 يهوديا هولنديا و44 نمساويا وقرابة المائة إسباني، بالإضافة إلى رعايا بريطانيين يهود قدموا من منطقة جبل طارق وآخرين من مدينة ليفورنو الإيطالية. والجلي في ما اعترى أوضاع الجالية اليهودية، مع مقدم الإيطاليين، تأثرها الواضح بسياسة المستعمر. فما إن حلّ الاستعمار الإيطالي (1911م) حتى هلّل اليهود لمقدمه بوصفه مخلصا من نظام الملل العثماني. ودفعت أجواء الدعاية إلى التعلق بسراب التحرر، على اعتبار ما سيترتب عنه من تحديث للبنى الاجتماعية المتردية وما سينعكس على أوضاع الجالية اليهودية. ودائما مع سنوات الاستعمار الأولى، فقد حاولت الحكومة الإيطالية "طلْيَنة" يهود ليبيا وجذبهم إلى نموذجها الحضاري، وحذا الاستعمار الإيطالي حذو الاستعمار الفرنسي في إغراء اليهود بمنحهم الجنسية.

الفاشية ويهود ليبيا

كان الحدث الأبرز الذي هزّ إيطاليا بعد الحرب الأولى متمثّلا في صعود الفاشية، وهو ما لم ينحصر أثره بالداخل بل امتدّ إلى المستعمرات في الخارج. فقد اتخذ النظام الفاشي إجراءات صارمة طالت أوضاع اليهود في المستعمرات. في مرحلة أولى بدت العلاقة ودية ثم اتجهت نحو التعقيد لتشهد في الأخير تأزما فعليا. وفي البدء تجنّب موسوليني الصدام مع اليهودية العالمية تفاديا لأية عواقب. لكن الباحث جيني برنارديني يذهب في تحليله لعلاقة الفاشية باللاسامية، إلى تأصّل العداء لليهود في الفاشية منذ نشأتها، إذ يمثل التناقض مع اليهود جوهرا ثابتا في الفاشية، بوصفها أيديولوجيا قومية ذات طابع إمبريالي على غرار مثيلاتها من الأيديولوجيات القومية الأوروبية.

يفيد موريس روماني أن التعامل الإيطالي مع اليهود، وعلى خلاف التعاطي الألماني، كان متقلبا ومراوغا. التقى موسوليني عديد القادة الصهاينة، مثل حاييم وايزمان وزئيف جابوتنسكي وناحوم غولدمان وناحوم سوكولوف، وأُبرمت الاتفاقيات بين الطرفين لتيسير هجرة اليهود نحو فلسطين. ودائما ضمن مناورات موسوليني، فقد طمأن أثناء زيارته ليبيا بين 12 و 21 مارس 1937 اليهود، وفي خطوة مماثلة أعلن نفسه مدافعا عن الإسلام، تلقى حينها "سيف الإسلام" هدية من قادة إحدى القبائل الليبية. ويأتي قرار إسداء الجنسية لليبيين ومنعها عن اليهود، في التاسع من يناير سنة 1939، ضمن سلسلة من المناورات السياسية التي اتخذها موسوليني.

كانت سنوات ما بعد صدور "القوانين العنصرية" عصيبة على يهود ليبيا، وتبعا للمستجدات الجارية انسحبت الإجراءات الجديدة على الطائفة اليهودية، زادها حدّة تحول شمال إفريقيا إلى حلبة للصراع بين قوات المحور والحلفاء، انحاز فيها اليهود إلى قوات الطرف الأخير.

النشاط الصهيوني وانخرام الوئام الاجتماعي

استمرّ الاستعمار الإيطالي في ليبيا 32 سنة، من 1911 إلى 1943، تخلّلتها ولحقتها أحداث غيرت مجرى أوضاع الجالية اليهودية. يفرد لها المؤرخ ثلاثة فصول من كتابه. فمع الحرب العالمية الثانية وبحلول الفيلق اليهودي التابع للجيش البريطاني بليبيا شاع حلم الهجرة إلى فلسطين واستُعدّ للغرض بأنشطة ثقافية واجتماعية احتذاء بالتجارب الصهيونية في فلسطين. وعلى ما يوضح روماني فقد توجّهت أنظار الحركة الصهيونية نحو ليبيا لإنشاء وطن قومي لليهود منذ عهد مبكر. التقى الزعيم الصهيوني تيودور هرتزل قادة يهود ليبيا على أرض القسطنطينية سنة 1892، حثّهم حينها على المشاركة في الأنشطة الصهيونية. ثم جرى تبادل المراسلات بين يهود طرابلس وبنغازي والمؤتمرات الصهيونية في فيينّا بين 1900 و 1904. كان النظر للمنظمة الصهيونية، من جانب يهود ليبيا، بوصفها أداة أوروبية لرفع المظالم التي قد يتعرضون لها، ثم غدت وسيلة لإدخال إصلاحات اجتماعية وتحسين أوضاع اقتصادية، وما كان يُنظر إليها كأداة سياسية لبناء دولة. هذا التغلغل الصهيوني المتدرج، على ذكر المؤرخ، تدعّم بزيارة هرتزل ليبيا في غرة يناير 1904، طاف خلالها بمدن طرابلس والزاوية وغريان وتغرنة لحشد الأنصار.

ولم يفتأ هرتزل، قبل وفاته، أن التمس السماح بإنشاء وطن قومي لليهود في برقة، من ملك إيطاليا فيتوريو إيمانويل الثالث، تلاها سنة 1912 تشكيل أول تنظيم صهيوني في ليبيا تحت اسم "أورا فيسمحا" (نور ومرح) بقيادة إيليا النحايسي، الذي اعتبر إحياء اللغة العبرية حجر الزاوية الذي ينبني عليه الانبعاث اليهودي، وشهدت السنوات الممتدة بين 1920 و1930 أنشطة صهيونية مكثفة داخل ليبيا، استطاع الصهاينة من خلالها إدخال تحويرات في التعليم التقليدي وخلق تعبئة ثقافية ورياضية وجمع تبرعات لفائدة الصندوق القومي اليهودي في فلسطين.

"القوانين العنصرية" وحلول الفيلق اليهودي ببرقة

بحلول العام 1937 حصل تحولٌ في السياسة الإيطالية، وبدأت حملة تستعر ضد اليهود في الصحافة والإعلام. ولم تأت سنة 1938 حتى صدرت "القوانين العنصرية" التي حظرت على اليهود ارتياد المدارس العمومية في إيطاليا وليبيا والجزر الإيجية، تبعها منع الزواج على الإيطاليين من غير الجنس الآري. وعلى مستوى سياسي تم طرد المنتمين اليهود للحركة الفاشية، وفي التعليم تم عزل كافة المدرّسين اليهود شمل المرسَلين إلى المستعمرات. بلغ التوتر أوجه أواخر الثلاثينيات ومطلع الأربعينيات بإقامة محتشدات لليبيين ضمّت كذلك عددا من اليهود في جادو. خلّفت تلك الأوضاع ضغوطات دولية لعبت فيه المنظمات اليهودية العالمية دورا للسماح لليهود بالهجرة خارج ليبيا. ولم تأت سنة 1941 حتى حلّ بطبرق الفيلق اليهودي التابع للجيش البريطاني، مصحوبا بمدرّبين يهود. تمثّلت أعمالهم في افتتاح مدارس لتعليم العبرية وإسداء خدمات صحية واجتماعية وإنشاء معسكرات تدريب. ولعبت منظمات دولية يهودية مثل "المؤتمر اليهودي العالمي" و"الوكالة اليهودية" و"اللجنة اليهودية الأمريكية" و"الجمعية الإنجليزية اليهودية" و"التحالف الإسرائيلي العالمي" أدوارا مهمة في تبني قضايا اليهود الليبيين دافعة إياهم للهجرة نحو إسرائيل.

في الثالث والعشرين من يناير 1943 وعلى إثر دحر الإيطاليين من ليبيا حلّ محلهم البريطانيون. فعلى مدى قرابة نصف قرن شهد يهود ليبيا تبدل ثلاث سلطات: العثمانيون والإيطاليون والبريطانيون كل له قوانينه وسياساته معهم. لكن مع مقدم البريطانيين بات في صف اليهود حليف موثوق سواء في الداخل الليبي أو في طريق المهجر نحو فلسطين. في البدء كانت الهجرة مبادرة فردية ثم تحولت بين 1949 و 1952 إلى حملات منظمة وقانونية بوصفها تجري تحت مراقبة الانتداب البريطاني، وأثناء تلك الفترة هاجر معظم يهود ليبيا تقريبا باتجاه إسرائيل وإيطاليا، لقيت أثناءها الجالية اليهودية عقب سقوط الفاشية ترحيبا. لكن الفترة البريطانية في ليبيا تخللتها أحداث بين اليهود والأهالي مثل واقعة 1945، أوقعت انخراما في العلاقة بين مكونات المجتمع الليبي، تلتها أحداث 1948 التي جاءت تحت تأثير إعلان قيام دولة إسرائيل. لا يحمّل موريس روماني في هذه النقطة الطائفة اليهودية مسؤولية بتنكرها للوئام الاجتماعي وكأنه يبرئها مما حصل من أحداث.

يتناول الفصل الأخير من الكتاب تداعيات حرب 67 على يهود ليبيا، فقد تبقى إلى ذلك العهد زهاء خمسة آلاف يهودي، شملتهم موجة هجرة ضمن أزمة سياسية شاملة حلت بالمنطقة. وباندلاع ثورة الفاتح خلت ليبيا تقريبا من يهودها. لكن في مناورة من العقيد القذافي في أبريل 1993 أعلن مصالحة مع يهود ليبيا، شملت من يعيشون داخل الأرض المحتلة وبدأ الحديث عن تطبيع محتمل مع الكيان الإسرائيلي. كان المخطط يشمل إسداء تعويضات للمتضررين من الهجرة تخللته دعوة للتزاور من الجانبين. وبالفعل حلّ في يونيو من العام 1993 وفدٌ ضمّ 192 ليبيا بالقدس الشريف لقي حفاوة من قِبل وزير السياحة الإسرائيلي عوزي بارام. رتّب الزيارة حينها رافائيل فلاح، رئيس جمعية اليهود الليبيين بروما، بالتنسيق مع رجل الأعمال السعودي عدنان خاشقجي وياكوف نمرود أحد رجال الأعمال اليهود. وانتهت الزيارة بجولة خاطفة في المسجد الأقصى اعترضت عليها منظمة التحرير ومؤسسة الأوقاف بوصفها زيارة تطبيع مع الكيان الغاصب وأُبعد الوفد في التو عن الحرم الشريف.

تتمثل أهمية كتاب "يهود ليبيا: من التعايش إلى الرحيل" في حرص مؤلفه لبناء رواية تاريخية علمية في موضوع حساس تطغى عليه الأحكام الجاهزة. وإدراكا من المؤرخ موريس روماني لتناقض الرواية العربية والرواية الصهيونية في موضوع هجرة اليهود، حرصَ على انتقاد المزاعم والتقولات الطاغية في المبحث، مسلطا الضوء على الوضع الاستعماري المهيمن وما سببه من انخرام داخل بنى المجتمعات العربية، وهو ما انعكس سلبا على شرائحه الدينية المتنوعة.

 

الكتاب: يهود ليبيا.. من التعايش إلى الرحيل.

المؤلف: موريس روماني.

الناشر: كاستل فاكي (روما) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2017.

عدد الصفحات: 330ص.

 

د. عز الدين عناية - أستاذ جامعي تونسي مقيم في روما

 

moamar habarكتاب "دلائل القبلة" لأبي علي المتيجي من علماء الجزائر في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري والحادي عشر الميلادي، تحقيق الأستاذة: نصيرة عزرودي، دار الهدى ،عين مليلة، الجزائر، السداسي الأول 2017، من 226 صفحة

يعتبر الكتاب من التراث الغزير الذي تفتخر به الجزائر وتعتز، والعالم الفقيه الميتيجي ولد في عهد القائد يوسف بن تاشفين وقد أخذ القائد بما جاء في الكتاب. وسبب تأليف هذا الكتاب هو الأخطاء التي وقع فيها علماء وفقهاء المغرب الأقصى في تنصيب القبلة منذ 4 قرون من تلك الفترة، وردّ على كبار المجتهدين موضحا لهم سوء تأويلهم لحديث سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مابين المشرق والمغرب قبلة"، مبيّنا لهم أن الحديث خاص بأهل المدينة دون سواهم، ومن أخذ به من غير سكان المدين فقد أخطأ.

والنقطة التي دفعت صاحب الأسطر لعرض الكتاب هي إصرار الكاتب وبقوّة ومن جميع الطرق على ضرورة الاجتهاد وأن الاجتهاد من الدين ، وقد اعتمد على جملة من أقوال المجتهدين مايدل على أن علماءنا كانوا مجتهدين ويحترمون المجتهد ويصرّون على الوصول إلى الغاية السّامية بالاجتهاد، وهذه هي النقطة التي أركزّ عليها كثيرا في عرضي هذا ويبقى الجانب الفقهي الدقيق لأهل الفقه يعودون إليه فيضيفون وينتقدون ويستفيدون ويعرضونها بالطريقة الاجتهادية التي تناسبهم وتناسب من يقرأ ويسمع وينتقدهم.

ومن زاوية أخرى يبيّن لنا الكتاب كيف أن الجزائريين بلغوا مبلغا عظيما في الاجتهاد في معرفة القبلة بوسائل تقليدية وعلمية وحساب وفلك وبدقّة متناهية جعلتهم روادا في هذا العلم والاجتهاد، ويكفي أن يعرف القارىء أنّ الكتاب ألّف في القرن الحادي عشر أي عمره الآن 10 قرون.

ويركز العالم المتيجي على أن: العالم لايحقّ له تقليد العالم والمقلّد لايحقّ له تقليد المقلّد، وسادتنا الفقهاء ابن يونس وابن عبد البر وابن حبيب يرون أنّه من صلى من غير اجتهاد في طلب القبلة فصلاته باطلة ولو كانت مكّة أمام وجهه ومثله في ذلك كمن صلى بغير وضوء، وذكر الإجماع على وجوب الاجتهاد في طلب القبلة، والمجتهد في استقبال القبلة لا يقلّد المجتهد في استقبال القبلة، وعاب بشدّة على علماء المغرب الأقصى لأنّهم لم يجتهدوا في استقبال القبلة وقلّدوا من قبلهم من العلماء في سوء تأويل الحديث، وعليه نقول: وبعيدا عن المسائل الفقهية التي تبقى من اختصاص سادتنا الفقهاء والأئمة رضوان الله عليهم، يبقى الاجتهاد مطلوب والتقليد مرفوض والأمة كانت عظيمة لأنّها كانت مجتهدة وزوال الأمم والحضارات بسيادة التقليد فيما لايجب فيه التقليد.

وجاء في صفحة 25:" فبالرغم من محاولات الفلكيين تصحيح الأخطاء حول اتجاه القبلة لكنهم اصطدموا بمواقف الفقهاء المتشدّدة فارضين رأيهم لأنّهم مدعّمون من قبل السلطة المرابطية". وعليه أقول: الخلاف بين الفقهاء وعلماء الفلك وغيرهم من العلماء هو خلاف بين أهل الاختصاص ويبقى من شؤون المختصين، لكن أن يستعين الفلكي أو غيره بالسلطان لفرض رأيه أو يستعين الفقيه بالسلطان لفرض رأيه فهذا هو المذموم  الذي لايليق بعالم الفلك أو عالم في تخصّص آخر ولا يليق بالفقيه، فالعلم يعلو العالم والفقيه والسلطان ولم يكن يوما تبعا للسلطان، ومن اعتمد على السلطان لفرض رأيه العلمي والفقهي فقد أهان العلم والعلماء والفقهاء.

ومما جاء في الكتاب وله علاقة بأهمية وضرورة الاجتهاد:

الآية الكريمة "ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام'، البقرة 149. و "... وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ  .."، البقرة - الآية 144 ، وهي عامة محكمة في أمر القبلة غير منسوخة الأصل. ص51-52

الاجتهاد من طرق معرفة القبلة. ص55

تكفّل الله بالقبلة ولم يتركها للنّاس لكي لايعطّلوا فرضها ويصعب عليهم البحث عنها فيظلوا. 56

التقليد يكون من عامي لعالم مجتهد وليس لجاهل مثله. 58

قبلة يقين هي التي اعتمد عليها سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. 67

 جامع بيت المقدس، وجامع الفسطاط، وجامع القيروان، كلّها قبلة إجماع التي أجمع سادتنا الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم. 67-68

لايجوز استعمال أخبار الآحاد المظنونة في القبلة. 71

لايجوز أن يسأل أهل الجهالة عن القبلة. 73

نقل عن العالم ابن يونس قوله: من صلى من غير اجتهاد في طلب القبلة فصلاته باطلة ولو كانت مكة أمام عينيه. 77

الاجتهاد في طلب القبلة وتحقيق سمتها فرض واجب. 83

من صلّى بغير اجتهاد فصلاته فاسدة كمن صلّى بغير وضوء. 83

إذا قدّم المصلي في طلب القبلة الأدلّة وصلّى إلى الموضع الذي دلّ عليه الدليل صحّت صلاته ولو أخطأ القبلة. 85

الإجماع على وجوب الاجتهاد في طلب القبلة وبطلان صلاة من لم يجتهد. 88

لاتقلّد الإمام في القبلة واجتهد في معرفتها والبحث عنها. 89

نقل عن سيّدنا الإمام مالك في المدونة قوله: إن صلى المريض إلى غير القبلة أعاد الصلاة ما دام في الوقت ويسعى من حوله ليوجهوه إلى القبلة، مايدل على أهمية القبلة ولا عذر في عدم التوجه إليها.90

يقول في صفحة 102 أنّ يوسف بن تاشفين وبعد 8 سنوات من تأليف هذا الكتاب أعاد مسجد قصره بما يناسب حقيقة القبلة.

من اجتهد من أهل العلم في البحث عن القبلة وتبيّن خطأه فصلاته صحيحة، ولا يجوز تقليد أهل الجهل ولا يقلّد العالم العالم. 105

من قواعد معرفة استقبال القبلة الوقوف على قبلة أقرب دولة معروفة لديها القبلة عن علم واجتهاد. 110

من تمكّن من الدلائل استعملها. 124

يرى الكاتب في صفحة 127 أنّه أعرض عن القول في الطرق الغامضة في الاستدلال بالحساب والهندسة واكتفى بما قدّمه من وسائل للوقوف على حقيقة القبلة وذكرها بالتفصيل الدقيق لمن أراد الرجوع إليها. 127

 الآية الكريمة "... وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ... "  البقرة - الآية 150، "وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ..."، البقرة - الآية 144 ،  تحثّ على الاجتهاد في استقبال القبلة. 131

عموم الآية يبطل عموم الحديث "مابين المشرق والمغرب قبلة" 133. وكلاهما متناقضان من جميع الوجوه. 138

من اجتهد في طلب القبلة صحّت صلاته ولو كانت القبلة خلفه، ومن قلّد في صلاته ولم يجتهد في البحث عن القبلة فصلاته باطلة ولو كانت الكعبة بين يديه. 146

لكل بلدة قبلة وعلامة على قبلتهم تخصّهم دون غيرهم.

- معمر حبار

 

 

raed abdulhusanalsodaniبحلة قشيبة وطباعة فاخرة صدر عن دار (سطور) كتاب (وثائق ليست للبيع محطات من سيرة لم تكن ذاتية) لمؤلفه الاستاذ علي جالي بـ 309 صفحة، يتحدث عن ألم العراق وجراحاته، عن مجتمع وقع تحت سياط جلاد لم يشهد له التاريخ شبيها من قبل وقد فاق كل المستبدين والطغاة، وقد تعدت حماقته كل الحدود الانسانية والاجتماعية، وحتى الجغرافية فمن حرب دامت ثمان سنوات مع الجمهورية الاسلامية، إلى حملة دموية ضد كل يشك ولو شكا يسيرا في ولائه فضلا عن خصومه، فالحكم الاول على هؤلاء هو الموت، وقد أفرغ العراق من كل صوت معارض أو قلم مفكر اسلامي كان أم علماني، أممي أم قومي وفي مقدمتهم المفكر الاول السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه، ناهيك عن حملات التسفير والتهجير لمئات الالاف من الاسر بحجة تبعيتهم إلى ايران.ولما كان المستبد أي مستبد يتصف بالغباء فقد تصور إنه بهذه السياسة الهوجاء قد جفف منابع الفكر وقطع طريق النهضة، لاسيما بعد أن قمع انتفاضة آذار عام 1991المعروفة بالانتفاضة الشعبانية بكل قسوة وجبروت ناتجة عن اعطاءه الضوء الاخضر من الولايات المتحدة الامريكية بعد أن وجدت إن الخط القيادي في الانتفاضة تمثله الحوزة الناطقة .هنا دخل العراق في صراعات عدة، صراع مع الفقر نتيجة الحصارين، حصار السلطة على شعبها وحصار الامم المتحدة بقيادة الولايات المتحدة الامريكية على العراق، وصراع الامراض الفتاكة، وصراع الجدب الفكري، وضياع الآفاق أمام أبناء العراق وضياع مستقبل شبابه الذين اتجهوا إلى أعمال بعيدة كل البعد عن التحصيل العلمي ليسدوا حاجات عوائلهم ولو إن هذه الظاهرة بدأت بعد اشتعال الحرب مع ايران لكنها توسعت وازدادت شراسة أثناء الحصار، أو اضطرار الشباب الى الهجرة ليبحثوا عن لقمة عيشهم وارسال ما يستطيعون ارساله لأسرهم التي تتضور جوعا .هنا شعر حاكم العراق بالأمان مطمئنا بأن العراقيين قد انشغلوا عنه بلقمة العيش، ولا يعلم بوجود رجل يعرف مكامن العراقيين ويعي القوة المحركة لهم، مؤمنا بأنهم لا يختلفون عن الشعوب الاخرى في تطلعهم للعيش الكريم، وتطلعهم للنهوض ببلدهم في حال توفر من ينهض بهم ويقودهم لبر الأمان، وبر الأمان هنا، الوعي، ولا غير الوعي مهمة استند عليها وسار عليها هذا القائد، رمز الاصلاح الفكري، بل قل باني الاصلاح الفكري بعد جفاف طويل الذي اعتمد في مهمته النهضوية على الشباب أدواتا لهم وقواعد شعبية، فالشاب سريع الاستيعاب، خفيف الحركة، ويتحمل الامور الشاقة، وهل هناك أصعب من حمل مهمة النهضة والتبليغ بها والتبشير بانطلاقتها، وهذا الباني وحامل لواء النهضة هو المرجع والمفكر الميداني العظيم الشهيد السيد محمد الصدر، وهذا ما يحدثنا عنه علي جالي في كتابه الباحث عن أمل في مدينته المحاصرة والمنكوبة حتى في اسمها، مدينة الثورة التي حولها الحاكم الى اسمه فعرفت بمدينة صدام، لم يكن علي جالي وحده من يبحث عن هذا الامل فمعه كل شباب العراق، لكن لمدينة الثورة

1168 raed(مدينة الصدر) فيما بعد شأن خاص، لوقوعها في بغداد، وكثافتها السكانية، وتعد من المدن الولادة للكفاءات في الفن والرياضة والسياسة وحتى للشقاوات، إنها مدينة متميزة، يحدثنا علي جالي عن فرحته ببزوغ هذا الامل وانضمامه مع رفاقه الشباب في مسيرته واضطلاعهم بمهمة الدعوة اليه ودخولهم في جدالات حادة مع من كان يعارض هذا التوجه، وهنا دخل أبناء هذا الخط في حصارين وفي صراعين، صراع مع ابناء جلدتهم المعارضين والمناهضين وهذا كان أشد عليهم من صراعهم مع السلطة وأدواتها الجبارة التي لم تهنأ بهذا الظهور فحاولت احتوائه ففشلت وحاولت الابتزاز فخابت وجربت كل الطرق لكنها كانت مسدودة أمامها مما أدى بها الى اقتراف جريمتها الكبرى باغتيال أمل العراق ونجليه في 19/2/1999فنكب أصحابه من جديد لكنها نكبة الفرسان الذين لم يتهاووا ولم ينحرفوا عن هذا الفكر الخلاق الى فكر آخر، فكانت ساعة الصفر وهي ساعة الخلاص من حكم الطاغية بترتيب متقن مع بعض قطعات الجيش وبعض قوى المعارضة لكن لعدم الوفاء بما اتفق عليه أدى الشباب الصدري ما خططوا له بمفردهم وامكانياتهم البسيطة في الكوت بقيادة الشهيدين كاظم الصافي ورزاق كوكز وفي البصرة والسماوة، فصلها في كتابه الاستاذ علي جالي وقد كتابه بما يقرب من 26 صفحة من الوثائق، إنه جهد توثيقي رائع، مع لغة أدبية ساحرة،  وسرد جميل جدا، لكن لي ملاحظة: إن كثرة التقديم للكتاب يشتت ذهن القاريء فكنت أتمنى أن يكتفى بتقديم واحد وتمهيد للكاتب نفسه، وإن كانت مقدمة الاستاذ الكبير الدكتور سلمان كيوش تعبير عما اختلجته الاحاسيس باللغة التي نعرفها عنه وهي لغة لا يتقنها إلا سلمان كيوش لكن ملاحظتي لأجل الكتاب ليس إلا فثلاث مقدمات للاستاذ علي حداد والدكتور سلمان كيوش والاستاذ علاء البغدادي، وعلى ظهر الكتاب كلمة للشيخ صادق الحسناوي أعتقده أكثر مما يجب لكنها التجربة الاولى للمؤلف وقد يكون قدر ان الموضوع يستحق هذا أو أكثر، وهو كذلك .

 

رائد عبد الحسين السوداني