صدر مؤخراً عن المركز الثقافي العراقي في مدينة الحلة الذي يديره الشاعر ولاء الصوّاف وبالتعاون مع مطابع دمشق بسوريا كتاب جديد للكاتب أحمد الحلي بعنوان (عطر الأمكنة أو ريشة الهدهد، مرويات في سيرة المهمّشين والمنسيين )، وهو كتاب طريف فريد في بابه، حيث تناول الكاتب بطريقة السرد الروائي المشوّق سيرة عدد كبير من شخصيات قاع المدينة من بائعي العربات والمدمنين من الشعراء والأدباء وسواهم وحتى المجانين ممن ترتبط بسيرهم حكايات وثيمات يمكن أن تُحكى، ولم يقف المؤلف عند هذا الحد بل امتدت سرده ليتناول تجربة الحياة في الجبهات القتالية إبّان الحرب العراقية الإيرانية عاكساً لنا حكايات عدد من الجنود وعلاقتهم الملتبسة بضباطهم .

غطى الكتاب لمجريات أحداث معينة عايشها العراقيون ووثق لبعض الأمكنة ولاسيما المقهى الشهير باسم (مقهى أبو سراج) الذي شهد محاورات ومواقف متعددة بعضها سياسي والآخر اجتماعي وثقافي، خاصة إذا علمنا أن النظام البائد اختار ساحته في مرحلة التسعينيات لتنفيذ جريمة قطع ألسنة عدد من شبان المدينة على يد ما سمي بـفدائيي صدام .

زينت الغلاف لوحة فنية جميلة وموحية للفنان العراقي المغترب صدر الدين أمين .

صدر الكتاب بواقع 294 صفحة من القطع المتوسط

 

حسنين قاسم

 

لقد قرأت بتمعن وشغف كتاب د. عبد الجبار الرفاعي" الدين والظمأ الانطولوجي" ط2، والذي صدر عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد 2017. بدأت بقراءة مقدمته، لكني لم أتمكن من التوقف، فانجذبت الى قراءة الكتاب بالكامل. انه سفرٌ مشوق يحمل بين طياته قلباً وجدانياً مفعماً بالحب والايمان، وفكراً ناضجاً عميقاً، نيراً وصادقًا. كلماته تعبر عن ذاته لذاته وللآخرين. إنها خبرة حياة وأيمان بكل معنى الكلمة، وليست اجتراراً للسلف، ولا ترديداً لطقوس جامدة، ولا تدينا زائفًا.

كتاب أتمنى أن يقرأه كل رجل دين مسلم ومسيحي، وكل أنسان مؤمن، لأنه في النهاية باعتقادي، سيقوده إلى أن يعبد الله "بالروح والحق"، كما يقول السيد المسيح (إنجيل يوحنا 4/13). لأن من يقرأه سيزداد معرفة وتنويراً وحقاً وحباً لله...

  أقول ومن دون مجاملة وجدت الكتاب سفراً غير معتاد من مسلم، يتحدى الجمود  "الاكليروساني- الاسلامي" عن معرفة وخبر،  فجاء مبدعاً ومحركاً. عبد الجبار الرفاعي "ابن الحوزة العلمية"، يتكلم عن خبرة ذاتية، وعن علاقة شخصية بالله، ويتكلم عنه بمنطق الايمان وليس بأسلوب فلسفي -  ميتافيزيقي، أو بكلام الصالونات، أو باجترار للسلف، بلا تاريخ، "عود أبدي" كما يسميه عندما يروي سيرته الشخصية في الفصل المخصص عن سيرته والمعنون "نسيان الإنسان"  ص 35-90. استمتعت جداً جداً بسيرته الذاتية، والتي أتمنى أن تتحول إلى فلم أو مسلسل يعلّم الجيل الجديد كيف يكون عصامياً بجهد شخصي"بعرق الجبين"، وليس بطريقة أخرى سهلة!

 الكاتب لا يريد أن يعيش على الحدود، ويرفض البكاء على الأطلال، أو التغني بالأمجاد كما يفعل العرب عموما، بل يريد الإبحار إلى العمق إلى الجوهر ليكشف ما فيه من جديد الله في جديد الإنسان، وجديد الزمن، كما يروي في الفصل المخصص عن سيرته.

ما يشدّ في الكتاب أنه يحكي ببساطة عن خبرة حياة ايمانية، عن انسان يقيم علاقة شخصية معمقة مع الله فيتكلم بشجاعة الأنبياء عن أن الإيمان ثورة حب، ووجدان، وغفران، وروح وليس ممارسات جوفاء ( ص  74.. الخ).  يتكلم عن إنسانية الدين ويعطي الطمأنينة والأمان. يتكلم عن خبرات الإنسان، وتساؤلاته، وأوجاعه، وقلقه، وأحزانه، وأفراحه الصغيرة، وآماله الكبيرة، وخيباته، وإمكاناته، وطاقاته التي من خلالها يظهر الانسان بكل جماله.

القيامة في الحياة والحياة في القيامة.لأن الحياة مشوار الى القيامة. ومن ليس قائما منذ اليوم، لا يقوم إلى الأبد! القيامة هي الحياة الحقة التي لا تولد، بل تبدع كما سطرت. الإيمان (وليس التدين)، الفكر، الحب، خدمة الإنسان هي الخلود.

 انه يتواصل مع البدايات الممتازة، مع الينابيع الأصيلة من أجل "الأصالة والمعاصرة"، والا تتخشب المعطيات ولا تقول شيئاً ذا معنى لإنسان اليوم كما فعل المسيح مع" الفريسيين، علماء الشريعة والذين سماهم:"القبور المكلسة" (متى  23/27).

يشدد الرفاعي على أهمية الدراسة المقارنة للأديان، التي يتجلى فيها الجوهر الروحاني العميق لها، فيكتب: "الدراسة المقارنة للأديان والفرق والمذاهب ضرورة تفرضها النزاعات الدينية في مجتمعاتنا. المنهج العلمي في دراسة أية ديانة لا يصح إلاّ بالعودة إلى نصوصها المقدسة، ومدوناتها الحافة بهذه النصوص. مالم يتسع حقل مقارنة الاديان والفرق والمذاهب بين الدارسين والباحثين في المعارف الدينية، لا يمكن تصويب سوء الفهم والأحكام المسبقة، وحذف الكثير من الاخطاء المتراكمة في فهم اتباع ديانة أو مذهب لمقولات اتباع ديانة أو مذهب أخر. سوء الفهم والأحكام المسبقة تتوالد منها أحكام أحادية اقصائية حيال الآخر، وتتحول إلى منبع تستقى منه حالات التعالي، وازدراء الآخر، واحتقار ديانته وتراثه. وسيجد الباحث عبر المقارنة الموضوعية للأديان انها تنشد تكريس واثراء الجوهر الروحاني للانسان".

  وفي الحوار الذي أُجري معه في الصفحات (175- 216 ) والذي عنونه: "لا خلاص للدين إلاّ بالخلاص من أدلجة الدين وإعادته الى وظيفته في إرواء الظمأ للمقدس"، يجيب الرفاعي عن الأسئلة العظمى للدين: "معنى الوجود والخلود والاخلاق والطقوس والقوانين ...".  ويسعى بشجاعة لتحديث التفكير الديني في الإسلام وخطابه، ولربما هنا جواب غير مباشر على من يفكر بلا منطقية الدين، أو يخطف للتحريض على الإكراه والقتل والدمار.

الدين خلق وإبداع وليس جمود وتحنيط، سفر دائم الى الآفاق البعيدة، لاكتشاف معنى الأحداث والأشياء، وإيجاد أبجدية جديدة تنطق وتشحن وتحرك وتغير. الدين يدعو الى تخطي  ثقافة الكلمات الى ثقافة  المعاني.

كتاب عبدالجبار الرفاعي يتكلم عن عبور متواصل، قادر على الحضور في زماننا، من خلال تجدد  يومي في الحياة، واحتفاء دائم بسر الوجود، وصلة حية بالله. كي نولد في قلب الله... أليس هذا هو الايمان؟

لا يدعو للحب باسلوب مبسط، وانما يحاول أن يتعمق في تفسيره، ليشرح جذوة الحب الملهمة، بوصفه حالة تحققها الذات وتتحقق بها، ويكشف عن شيء من طبائع الشخصية البشرية. يكتب الرفاعي: "الانسان كائن مسكون بطلب الحب. الحب من أصعب اختبارات المرء في الأرض، وأغناها عطاء. حب الناس من أشق المهمات في حياة الانسان، ذلك أن الكائن البشري كثيراً ما يتعذر عليه أن يحب غيرَه. الحب لا يُتخذ كقرار، وانما هو حالة تتحقق وتوجد في الذات، وتتحقق وتوجد بها الذات في طور أجمل. الحب لا يُمتلَك إلاّ بعد تربية طويلة، وتزود بخبرات الشفاء من الكراهيات الغاطسة في الذات، ومقدرة الانسان على مراجعة سلوكه مع غيره وكيفية تعامله مع الناس، وشجاعة نقد وتقويم الذات، وبصيرة تمكنه من اختبار سلوكه مع الناس بمقارنته بما ينفره من مواقفهم معه، فكل ما يزعجه منهم يزعجهم أيضاً لو صدر منه. الانسان أعمى عن أخطائه، لأنها مألوفة لديه، ولفرط تكرارها أضحى مدمناً عليها بشكل يمنعه من رؤيتها أخطاء، وعادة فإن ما يصبح مألوفاً في حياته يتعذر عليه أن يراه قبيحاً. الانسان ليس كائناً آلياً، بل هو بطبيعته أسير ضعفه البشري، لذلك لا تجف منابع الغيرة في أحاسيسه، ولا تموت نزعات الشر في أعماقه، ولا يكف عن الصراع مع غيره، ولا يتوانى عن اللجوء للعنف مع خصومه. تلتقي في نفس الانسان الكثير من الدوافع والرغبات المتضادة، المنبعثة من مكبوتات متنوعة مترسبة في ذاته".

أتمنى أن يقرأ هذا الكتاب كل رجل دين مسلم ومسيحي، حتى تكون له شجاعة الأنبياء في تبليغ الناس رسالة الايمان، وليس الغلاف الذي ينسى  الانسان. هذا الكتاب صرخة موجعة أمام الواقع المرير، انه نداء يتوجه إلى ضمير كل مؤمن مسلم ومسيحي. ويتمنى هو، وأتمنى أنا أيضاً: أن يجد صدى ما في حياتنا.

 أتمنى ألا يستمر صوت د. الرفاعي وحده حتى النهاية، بل أترقب أن يكوّن حوله مدرسة من طلاب فكر وإيمان ونور ومحبة وخير، فيعيد  الى الدين جوهره وصفاءه ممن خطفوه وشوهوه!

 

المطران الدكتور لويس ساكو

د. لويس ساكو - بطريرك الكلدان الكاثوليك

.............................

مار لويس روفائيل الأول ساكو، بطريرك الكلدان الكاثوليك منذ شباط 2013. حصل على شهادة الدكتوراه من الجامعة البابوية في روما عام 1983، وماجستير في الفقه الإسلامي سنة 1984، كما حاز لاحقا على شهادة دكتوراه من جامعة السوربورن سنة 1986.

 ألف ونشر ما يزيد عن 200 مقالاً، و20 كتاباً في مجالات اللاهوت والدين..

 

 

يتيح لنا كتاب (علم الكلام الجديد.. مدخل لدراسة اللاهوت الجديد وجدل العلم والدِّين)، الذي أعدَّه وحرَّره الباحث والمفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي، بمشاركة عدد من الباحثين والمفكِّرين العرب والأجانب، ضمن الجزء الثالث من موسوعة فلسفة الدِّين، التي تصدر عن مركز دراسات فلسفة الدِّين في بغداد، وتطبعها وتوزعها دار التنوير للطباعة والنشر في بيروت والقاهرة وتونس، الوقوف على نشأته، بداية من خلال مُفتتح الكتاب (تمهيد لدراسة علم الكلام الجديد) للرفاعي نفسه، بالإطلالة التاريخية التي قدَّمها باتفاق الدارسين - عودة إلى أحد الهوامش في التمهيد - ومن بينهم جوزيف فان إس في مقالته (نشأة علم الكلام عند المسلمين) التي نشرها العام 1933، وطبعت كملحق في كتاب (مدخل لدراسة الفلسفة الإسلامية) لمحمد علي أبوريّان وعباس سليمان، باعتقاد فان إس أن أول المصنفات في علم الكلام ظهرت نحو سنة 70 للهجرة، بالرسالة التي وضعها الحسن بن محمد بن الحنفية، المتوفى سنة 100 للهجرة، رداً على القدرية. في المفاصل التاريخية لنشأة علم الكلام، يأخذنا الرفاعي إلى (مرحلة تمدد الإسلام خارج الجزيرة العربية، والتنوع الذي حدث له واستيعابه لمجتمعات وأثنيات، بدءاً من بلاد الشام مروراً بالعراق وإيران وليس انتهاء بآسيا الوسطى وحدود الصين، ومصر وشمال إفريقيا حتى الأندلس، وما واجهه المسلمون من جملة الآراء «وما تمخّض عن احتكاكها بعقيدة التوحيد ومواقف المسلمين، فأصغى المسلمون القادمون من شبه الجزيرة العربية إلى أسئلة وإشكالات لم يسمعوا بها من قبل مثل: حقيقة الإيمان، ومنزلة صاحب الكبيرة، والقضاء والقدر، وطبيعة الصفات الإلهية)، الأمر الذي أوجد جملة من المفاهيم في سياق الجدل العقائدي، تصوغ رؤى مختلفة حيال تلك الاستفهامات والإشكالات.

يأخذنا الرفاعي في تمهيده مطولاً إلى الجوانب التاريخية التي بدأ فيها تشكل ملامح علم الكلام، الذي أصبح (واحداً من السمات المعرفية الخاصة بالحضارة الإسلامية)، وما حدث من انخراط قطاع كبير من العلماء المسلمين في دراسته والتأليف فيه، وذلك منذ نهاية القرن الهجري الأول.

 

مناهضة علم الكلام... البدعة

وعن مدلول تسمية (علم الكلام) وتاريخ استعمالها، يورد الرفاعي ثمانية أسباب لتلك التسمية، منها: لأن عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا. ولأن مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه، وأكثر نزاعاً وجدالاً، حتى إن بعض المتغلّبة قتل كثيراً من أهل الحق لعدم قولهم بخلق القرآن. ولأنه يورّث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم، كالمنطق للفلسفة. ولأنه أول ما يجب من العلوم التي تعلم وتتعلّم بالكلام، فأطلق عليه هذا الاسم لذلك، ثم خص به ولم يطلق على غيره تمييزاً له. ولأنه إنما يتحقق بالمباحثة وإدارة الكلام بين الجانبين، وغيره قد يتحقق بالتأمل ومطالعة الكتب. ولأنه أكثر العلوم خلافاً ونزاعاً، فيشتد افتقاره على الكلام مع المخالفين والرد عليهم. ولأنه لقوة أدلته كأنه هو الكلام دون ما عداه من العلوم، كما يقال للأقوى من الكلامين: هذا هو الكلام. وأخيراً لابتنائه على الأدلة القطعية المؤيد أكثرها بالأدلة السمعية، أشد العلوم تأثيراً في القلب وتغلغلاً فيه، فسمي الكلام المشتق من الكلم وهو الجرح.

في التمهيد عروج على المناهضة التي واجهت علم الكلام، منذ أيامه الأولى، وخصوصاً من بين رجال الحديث، في مقاومتهم لمحاولات تدبّر النصوص المتشابهة وتأويلها، والتهم التي تم سوقها ضد الذين يمارسون هذا اللون من التفكير، حتى راج في ذلك الوقت شعار (فُرّ من الكلام، في أي صورة يكون، كما تفر من الأسْد). من بين وجوه الأمة في تلك الفترة المبكرة يضعنا الرفاعي أمام مواقف كل من الأئمة: مالك، والشافعي، وابن حنبل، فالإمام مالك كان يحذر مما أسماه بدعة تعاطي التفكير والحديث في ذات الباري وصفاته، محذّراً بالقول: (إياكم والبدع، قيل يا أبا عبدالله وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان)، وكان يقول: (من طلب الدِّين بالكلام فقد تزندق).

 

القصور في التراث الكلامي

أما الإمام الشافعي فحكمه في أهل الكلام، أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك السنة وأخذ في الكلام.

أما الإمام أحمد فلم يبتعد عمن سبقوه في موقفه من (الكلام)، بل وأسرف في تكفير من يتعاطون في (الكلام)، فقد نقل عنه قوله: (لا يفلح صاحب كلام أبداً، ولا ترى أحداً ينظر في الكلام إلا وفي قلبه مرض)، وقوله (علماء الكلام زنادقة).

يشير الرفاعي إلى أبرز 11 بُعداً من القصور في التراث الكلامي، بغية اكتشاف مبررات تجاوز الكلام التقليدي، وإعادة بناء التفكير الكلامي في إطار استفهامات العصر ومعارفه، موجزاً إياها في الآتي: هيمنة المنطق الأرسطي باعتباره مسلمات أساسية في البحث الكلامي، مركزين على القياس الأرسطي وأشكاله كقوالب أساسية في الاستدلال على المقولات والمسائل والآراء. ظلت المقولات والمناهج السائدة والمتداولة في المنطق الأرسطي، منذ ترجمته، حتى اليوم، حقائق نهائية.

في ظل كل التحولات التي مر بها التعاطي مع المنطق الأرسطي، كانت بنية المجتمعات في تغير بيِّن، وكذلك الأمر في طرق التفكير، وبروز مشكلات وقضايا جديدة، أوجدت بالضرورة مفاهيم خاصة بها لتبيان حدودها وإشكالاتها وحلولها أيضاً. في ظل كل ذلك برز جدل مفاده أن أرسطو لم يفعل شيئاً سوى الكشف عن قوانين التفكير البشري الأبدية، والتي هي مشتركة بين كل البشر (بقطع النظر عن الزمان والمكان ونمط التمدن والثقافة والمعرفة والعلوم السائدة. لكن هذه الحجّة يكذّبها تاريخ المنطق ذاته، فإن الخبراء بتاريخ هذا الفن يعرفون أن للمنطق تاريخاً، مثلما لأي فن ومعرفة وعلم تاريخاً، بل أن للعقل تاريخاً، كما تقول الأبستمولوجيا).

وفي التدليل على ذلك يمكن النظر إلى أن المنطق الأرسطي انسحب بالتدريج من الحياة العقلية، وتبددت سطوته على الفلسفة منذ الأورغانون الجديد لفرنسيس بيكون، وكوجيتو رينيه ديكارت، مروراً بتنوير إيمانويل كانط، ومنطق هيغل.

 

نسيان الإنسان في الكلام القديم

هنالك النزعة التجريدية أو الفصام بين النظر والعمل، وعن هذا العامل يرجع الرفاعي سببه إلى أن إسراف المتكلمين في استعارة المنطق الأرسطي، وتوظيف مفاهيمه في صياغة علم الكلام فيما بعد، نجم عنه تشبّع التفكير الكلامي بمنهج هذا المنطق، فانحرفت وجهته، وراح يفتش عن عوالم ذهنية مجردة، بعيدة عن الواقع وتداعياته ومشكلاته (فتغلّبت بالتدريج النزعة التجريدية الذهنية على المنحى الواقعي في التفكير الكلامي، وتحول علم الكلام إلى مشاغل عقلية تتوغل في صناعة آراء ومفاهيم ومقولات لا علاقة لها بحركة الحياة وشجونها).

ولأن المساحة تحكم تناول الأبعاد الـ 11 جميعها بالتفصيل، نوردها مختصرة، كي يتسنى لنا استعراض بعض الأبحاث التي وردت في الكتاب. من بين تلك الأبعاد، تفريغ علم الكلام من مضمونه الاجتماعي، وتراجع دور العقل وشيوع التقليد في علم الكلام، نسيان الإنسان في الكلام القديم، ويشير الرفاعي هنا إلى أن المتكلمين لم يدرجوا في مؤلفاتهم بحثاً خاصاً بالإنسان، يتناول تأصيل موقف نظري يحدد موقع الإنسان في سلّم المخلوقات (أي منزلة الإنسان وقيمته بالنسبة إلى غيره، والهدف من وجوده، وحقوقه وحرياته، وطبيعة وظيفته، وأنماط حياته، وثقافته، وعيشه، وعلاقتهما بما يتشكّل لديه من رؤية للعالم، وما يرتبط بذلك من مسائل).

وهنالك التربية على الخوف وترسيخ نفسية العبيد، وترسيخ اللاهوت الصراطي، مبيّناً هنا أن كل فرقة من المتكلمين تحتكر صورة لله، بعد أن تنحتها في سياق مواقفها ومقولاتها الاعتقادية، وآفاق انتظارها، مع أن الله تعالى لا صورة له. الله صورة من يتصوره. ونسيان الروح والقلب والعاطفة الدينية، وافتقار علم الكلام القديم للمضمون الأخلاقي، والخلط بين النص المقدّس وقراءاته، واعتماد الكلام القديم على الطبيعيات الكلاسيكية، مستنداً على معطياتها كحقائق نهائية (بينما نسخت العلوم الطبيعية الحديثة معظم الآراء والفرضيات التي قامت عليها الطبيعيات بالأمس، وبرهنت الاكتشافات الحديثة لقوانين الطبيعة على أن الكثير من فرضيات تلك الطبيعيات وأفكارها أوهام محضة).

تناول تمهيد الكاتب والمفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي، موضوعات على ارتباط وثيق بموضوعة علم الكلام الجديد، وجعل من ورقته تمهيداً للكتاب باعتبار أن تناولاته على متاخمة مع بقية الأبحاث والأوراق التي ضمَّها الإصدار. من بين تلك الموضوعات التي تناولها: إحياء علم الكلام، مبتدئاً بتوطئة تاريخية، مروراً بمفهوم تجديد علم الكلام، والذي حدَّده بعضهم بعدم اقتصاره على ضم مسائل جديدة فحسب، وإنما يتسع ليشمل التجديد في: المسائل، والهدف، والمناهج، والموضوع، واللغة، والمباني، والهندسة المعرفية. كما تناول التمهيد بدايات علم الكلام الجديد، والتي تتحدد في النصف الثاني للقرن التاسع عشر الميلادي حتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين، حيث نشطت دعوات إحياء علم الكلام، مرجعاً ظهور مصطلح علم الكلام الجديد للمرة الأولى من خلال عنوان كتاب شبلي النعماني (1878-1914)، مع عدم الجزم بأن النعماني هو أول من نحت المصطلح.

 

الفلسفة وتجديد اللاهوت

تنقسم دراسة المفكر والأكاديمي اللبناني أديب صعب، والتي حملت عنوان (الفلسفة وتجديد اللاهوت)، إلى قسمين، في الأول، يطرح تحديداً لفلسفة الدِّين، وينظر في أهمية هذه الفلسفة للدِّين والإيمان، وينطلق القسم الثاني من هذا التحديد لمعالجة أثر الفلسفة عموماً، وفلسفة الدِّين خصوصاً في تجديد اللاهوت. الأسئلة التي يبدأ بها صعب دراسته تتْرى مع بروز عبارة (فلسفة الدِّين)، من قبيل: ما شأن الفلسفة بالدِّين، والدِّين بالفلسفة؟ أليست العلاقة التاريخية بين الاثنين علاقة تنافر ورفض؟ هنالك سؤال ليس على مبعدة من الأول: ما النفع الذي يمكن أن يجنيه الدِّين أو الفلسفة من فلسفة الدِّين؟

زهراء طاهر تترجم دراسة لميشيل بيترسون وآخرين، حملت عنوان (العلم والدِّين هل يتوافقان أم يختلفان)؟ الدراسة تنطلق من كتاب كوبرنيكوس، الذي وضع على قائمة الكتب المحظورة، وطلب الكنيسة من غاليليو التخلي عن موقفه من نظرية كوبرنيكوس، وما أبداه من شجاعة في الدفاع عنها. يظل غاليليو القضية التي تقود البحث باعتبارها مليئة بالمسائل المعقدة (سواء استخدام السلطة من قبل مؤسسة دينية، والممارسات الضاغطة والمجحفة من قبل العلماء المتبعين لنظريات بطليموس)، والعملية التي كان يتبعها اللاهوت في استقاء الحقائق العلمية من الكتاب المقدس، والتوتر الناشئ داخل حقل العلم بين المناهج الاستدلالية والاستقرائية، وافتقار غاليليو للأسلوب الدبلوماسي في نشر أفكاره).

يؤكد بيترسون أنه بتأمّل تاريخ البحث الإنساني، فإننا نجد أن جميع حقول البحث انبثقت فعلياً من الفلسفة. وبالعودة إلى قضية غاليليو، اعتبرت ولفترة طويلة رمزاً للتصادم الجوهري بين الدِّين والعلم. من بين أشهر المسائل المرتبطة بالتصادم أو الجدل، هو الجدل المعروف حول مسألة التطور والخلق؛ إذ طوال مئة عام أثار هذا الجدل المحتدم وجهة نظر ترى أن البشرية نتاج معقد لعمليات طبيعية في مواجهة وجهة نظر أخرى ترى أن البشرية خلقت على يد كيان إلهي ذاتي.

تأخذنا الدراسة أيضاً إلى فترة طويلة من القرن العشرين؛ حيث أيد مذهب الوضعية المنطقية )positivism) المادية العلمية. خذ على سبيل المثال، أي. جاي. آير (1910-1989) وهو من القادة البارزين لهذه الحركة، وقد اتخذ مساراً أبستمولوجياً متشدداً بقوله، إن العبارات التي يمكن أن نعتبرها ذات معنى حقيقي هي تلك التي يمكن إخضاعها لاختبار الصواب والخطأ بواسطة الاختبار التجريبي. «ولأن الدِّين والميتافيزيقيا وحتى الأخلاق تشير إلى وقائع ليست بالتجريبية ولا بالحسية، فإن العبارات التي ترد ضمن هذه المجالات تُعتبر أشباه جُمل، خالية من أي معنى معرفي.

في تناول الدراسة للتطور اللاهوتي وجدل العلم والدِّين، إشارة إلى أن التطور اللاهوتي (Theistic( )evolution) يعتبر محاولة أخرى لبناء التكامل بين العلم والدين. (التطور اللاهوتي الذي لا يرى وجود صدام بين معتقدات اللاهوت وحقائق التطور، كان دائماً خيار اللاهوتيين ذوي الاطلاع». يظل اللاهوت مقبولاً على أسس فلسفية ولاهوتية، أما التطور في شقيه الكوني والبيولوجي، فمقبول وفق أسس علمية).

 

تاريخية علم الكلام

دراسة المفكر والأكاديمي المصري حسن حنفي (نحو علم كلام جديد... تاريخية علم الكلام)، تشير إلى أن تاريخية علم الكلام تظهر في تاريخ الفِرَق، وتاريخ النسق، أي قواعد العقائد، وتاريخ الثقافة، وتاريخ العصر أو الزمن. موضحاً حنفي أن تاريخ الفرق يثبت أن الفرق الكلامية نشأت في ظروف اجتماعية وسياسية. «فالمعتزلة بآرائها، والأشاعرة بعقائدها، والخوارج بأصنافهم، والشيعة بأقسامها، إنما نشأت في حوادث معينة، فكرية أو سياسية، بسبب خلاف في الرأي، أو خلاف في الموقف السياسي.

مشيراً حنفي إلى أن علم الكلام باعتباره قواعد للعقائد، علم تاريخي محض، تشكل في التاريخ، وتطور بتطوره (ويمكن تتبع مراحله مثل تتبع أي ظاهرة حية، ميلاد، وتطور واكتمال ونهاية)، مشيراً إلى أن العلم اكتمل في القرن الخامس والسادس والسابع، وبدأ في الانهيار بعد ذلك، منذ الإيجي وابن خلدون، وهناك محاولات إصلاحية حديثة، منذ (رسالة التوحيد) لمحمد عبده، كلها تحاول أن تطور العلم - علم الكلام - بعد توقفه، وتنقل موضوعاته ومناهجه وأهدافه من علم الكلام القديم إلى علم الكلام الجديد.

مختتماً حنفي دراسته بالإشارة إلى أن الخصام في وجدان العالم والمواطن بين علم الكلام القديم وبين العصر الحاضر ليشعر به الجميع، وإن الحاجة إلى علم كلام جديد مطابق لظروف العصر الحاضر، لحاجة يشعر بها الجميع أيضاً في السر والعلن. والشعور بالشيء أولى مراحل العلم.

تضمن الكتاب دراسات لكل من: أمير عباس علي زماني، عبدالمجيد الشرفي، فضل الرحمن، علي مبروك، علي المدن، شلايرماخر، جون ماكوري، سورن كيرككورد، نعيمة بور محمدي، محمد لغنهاوزن، ميشيل بيترسون وآخرون، محسن جوادي، مصطفى ملكيان.

يذكر أن (موسوعة فلسفة الدِّين) يحررها ويعدها: د. عبدالجبار الرفاعي، ويصدرها مركز دراسات فلسفة الدِّين في بغداد، وتطبعها وتوزعها دار التنوير في بيروت والقاهرة وتونس. وقد صدر منها ثلاثة مجلدات، تناولت:

  1. تمهيد لدراسة فلسفة الدِّين.
  2. الإيمان والتجربة الدينية.
  3. علم الكلام الجديد.

 فيما يترقب القراء صدور المجلدات التي تتناول:

  1. الهرمنيوطيقا والتفسير الديني للعالم.
  2. لغة الدِّين.
  3. التعدُّدية الدينية.
  4. الدِّين والأخلاق.
  5. مشكلة الشر.

 

جعفر الجمري

 

عنوان الكتاب: أرض النهرين،

تأليف: أدون بفن

نقله من الإنجليزية إلى العربية: الأب انستاس ماري الكرملي

ساعده:  الأب لويس مرتين الكرملي

أخرجه ووضع فهارسه: حكمت توماشي

عرض ونقد: حسين سرمك حسن

إصدار دار ضفاف (الشارقة/بغداد) للطباعة والنشر- 2016

 

تواصل دار ضفاف (الشارقة/بغداد) للطباعة والنشر جهدها المتميّز في نشر الكتب المترجمة والمخطوطات التي تتعلق بتاريخ العراق القديم لتحصين الجيل الحاضر بالوعي المطلوب بتاريخه المجيد الذي يكاد يذوي ويضمر – للأسف - في عقول وذاكرات الأبناء في الوقت الحاضر. وضمن جهدها المبارك هذا يأتي هذا الكتاب "أرض النهرين" الذي ترجمه الأب انستاس ماري الكرملي (المتوفى في 7 كانون الثاني 1947م ، والذي نقل هذا الكتاب إلى العربية في شهر آب سنة 1918م، وساعده في ذلك الأب لويس مرتين الكرملي- ص 3). ولم يتسن له نشره في حياته حسب قول الأستاذ "حكمت توماشي" من أمناء مكتبة المتحف العراقي الذي تصدّى لإخراجه ونشره (ص 4)، لتأتي دار ضفاف فتكمل هذا الجهد بإعادة نشر هذا الكتاب المهم.

يتناول الكتاب (166 صفحة) حضارة وادي الرافدين منذ فجر حياتها بصورة موجزة طبعا . ويلخص المؤلف هدفه من وضع كتابه هذا ببساطة في مقدمة الكتاب قائلاً :

(ليست غاية هذا الكتيب أن يتحف القارىء بشيء جديد، كما ليست غايته أن يرجع إليه بمنزلة كتاب نصوص أو مقالة معلمة (دائرة معارف)، بل غايتي أن أدون كتابة ما يفعله رجل في مخاطبة رجل آخر إذا ألقى عليه سؤالاً في مطاوي الكلام وهو:

ما كانت الجزيرة في الماضي؟ فلقد اشتركت الآن البلاد التي نسميها خطأ الجزيرة والبلاد المعقودة بناصيتها - أرمنية والأناضول وفلسطين، وبلاد العجم، بمصالح تهم كل إنسان ويتحدث بها اليوم، وكلها ترجع إلى مسائل تعود إلى السياسة التي قد أخذ بأطرافها، فهذا ما حداني إلى أن أطرف القراء بذكرى جديدة هي عجالة تطلعهم على ما كانت تعني هذه الألفاظ في الماضي، فإن غابرها قد بدا للعالم كله مدة عدة قرون فإذا أراد القارئ أن تتجلى حوادثها الماضية أمام فكره في ساعةٍ واحدة أو ما يقرب منها فلا بد من أن يصطدم بأحد أمرين: إما أن يقف أمام تفاصيل أخبار ناشفة من كل لذة لا يحصى عددها مع سماع أعلام لم تألفها آذانه، وإما أن يهمل كثيراً من الأحداث الجوهرية الضرورية لتصوير صور التاريخ بجميع مناظرها.

أما أنا فحاولت أن أبين ما يهم القارئ من الأمور الرئيسية وأهملت التفاصيل التي لا تلزم أعظم لزوم لإدراك الكل، ولم نذكر من أعلام الناس والمواضع أكثر مما ظناه اللازم اللازب، ولما كتبت ما كتبت ظننتني أسرد أموراً لرجل ليس له اطلاع خصوصي على التاريخ القديم، بل مجمل علمه قائم على معرفة عامة تتعلق ببلاد اليونان ورومية وببعض أعلام مذكورة في الكتاب الكريم- ص 5 و6).

ثم يمضي المؤلف في استعراض تاريخ بلاد النهرين وحياتها الحضارية بأوجهها المختلفة السياسية والدينية والثقافية والاقتصادية بدءاً من مرحلة دويلات المدن. ويتناول منجزات هذه البلاد الحضارية وعهودها اللاحقة المختلفة الأكدية ؛ البابلية والكلدانية، والآشورية المتداخلة ثم فترات الغزو الخارجي المختلفة : الأخميني (كورش ودارا خصوصا) والمقدوني (السلوقي بعد موت الإسكندر) والفرثي والساساني .. كما يستعرض العلاقة بين بلاد آشور وبلاد مصر وبين بلاد آشور والدولة اليهودية في فلسطين.. وغيرها .

ومن خلال قراءة متن الكتاب أكثر من مرة توفّرت لدي الملاحظات النقدية التالية :

(1). الغلطة الكبرى التي وقع فيها المؤلف والغريب أنه يصرّ على تكرارها في أكثر من موضع هو اعتبار المصريين هم من اخترع الكتابة !!! في حين أن أبسط قارىء في العالم يعرف أن العراقيين القدماء (السومريين حصرا) هم من اخترع الكتابة. على سبيل المثال :

ص 12 : (ويمكننا أن نقول إن هذه المدة امتدت إلى جميع الحضارات القديمة وإلى آخر العصور المتوسطة أي أنها دامت زهاء ستة آلاف وخمسمائة سنة منذ اختراع الكتابة في مصر أي نحو 5000 سنة).

ص 22: (وأخذ الأكديون عن الشمريين الكتابة ذلك الاختراع الذي اخترعوه في أرض الفراتين (كما اخترع مثله سكان النيل قبلهم ببضعة ألوف من السنين)!!

(2). لا أعتقد أن الكتاب مخصص لحضارة بلاد النهرين كما عكس ذلك عنوان الكتاب، فهو يضم استطالات كبيرة عن الحضارات الفارسية واليونانية والرومانية والزرادشتية ودورها وظهور المسيحية والإنقلاب الذي أحدثته والدولة اليهودية وتطورها .. وغيرها الكثير من الموضوعات التي لا تتصل بتاريخ بلاد النهرين إلا بصورة غير مباشرة.

(3). ومن تلك الاستطالات أن الكتاب يبدو في نصفه الأول وكأنه مخصص للحضارة المصرية القديمة وفي نصفه الأخير للحضارة اليونانية والرومانية..

(4). لا أعرف لماذا لجأ المؤلف إلى استخدام التسمية التوراتية لبلاد بابل وهي "شنعار" :

ص 20 : عنوان الفصل هو "نشوء شنعار"

ص 23 : يقول المرلف "المراد من إيرادنا بعض الأمور عن شنعار وأرض النيل .."

 ص 33 : عنوان الفصل "تأثير حضارة شنعار وديار مصر على سائر البلاد"..

وغيرها الكثير من المواضع .. فلماذا ؟؟

(5). ومثل ذلك نقوله عن استخدامه الإسم التوراتي للملك البابلي "مردوخ أبلا إدّينا الثاني" (710 -703 ق.م) حيث سمّاه بالإسم التوراتي وهو "مردوخ بلدان" (ص 60 وما بعدها) .

(6). ولا أعرف لماذا ترجم الأب أنستاس الكرملي تسمية القطر الجنوبي من العراق القديم باسم "شمر" بدلا من التسمية التي اعتدنا عليها منذ عشرات السنين وهي "سومر" !!

(7). وهناك ظاهرة النقاط (...) التي تعبّر عن فراغات في النص لا أعلم هل هي من المؤلف أم من المترجم الذي قفز المعلومة. ولكن في الحالتين فإن هذه النقاط أثّرت على المعنى وتسلسل السرد . مثلا -وسأضع النقاط بين قوسين- :

 ص 48 و49 : (وابن تغلث فلسر أخذ ثأر أبيه وأخذنا نسمع ببغداد للمرة الأولى (لا بكونها مدينة عظيمة بين مدن شنعار) بأن الآشوريين (......) وبعد عدة ملوك اضمحلت سلطنة آشور..

ص 61 : (وبينما كانت جماعة من الجند الآشوريين تسير في طريقها لاقت جماعة من جنود المصريين والظاهر أنها (.....) وفي الآخر أي في سنة 670 أقبل الحظ إذ عبر الآشوريين برافية (رفع) !!!

ص 64 : (وكان في (.....) الآشوريين جماعة من ملوك عيلام في السابق وكان آشور بنيبل يشدهم (......) ليجروها، فاعلاً ما يفعله بعد ذلك بقرون تيمورلنك بالملوك الذين أسرهم، وحينما كانت دولة آشور تشتمل على بابل ومصر وعيلام كانت أوسع دولة وجدت إلى عهدها بيد ملك واحد، ومع هذا فقد جاء بعده من الملوك من فاق سيّد آشور في سعة الملك وضخامته فقبل وفاة اشوبنيبل (.......) الذي تنمو علي تخوم آشورية وتهدد جارتها وبدأت كفة الميزان (.....) على الساميين، ونهض في مصر رجل صنديد اسمه) !!

(8). وتظهر حماسة المؤلف وتعاطفه المفرط مع اليهود في أكثر من موضع من الكتاب بصورة لا منطقية يحرّف بها وقائع التاريخ ومسلماته . على سبيل المثال :

ص 50 لماذا الانحياز لليهود : (ففي سائر  الممالك أيضاً كان الناس يدوّنون أفكارهم أو تواريخهم على الحجارة والفخار والبردي والرق، وحيثما كانت تلك الأخبار مكتوبة من هضاب فارس في الغرب إلى بحر الروم، نسيت بعد بضعة أجيال وغدت كأنها لم تكن وأما الأشياء التي دوّنها بنو إسرائيل فإنها لم تُنس قط وبقيت حيّة في ذاكرة الأمة لا تزال تطالع يوماً بعد يوم إلى عهدنا هذا في الأرض كلها).

ص 72: (وقد وافق وقوع هذه الهنيهة في زمن تطور خبرة شعبين آخرين خصا لأن يدفعا أفكار البشر وتصوراتهم وتخيلاتهم المستقبلة لتبت على أحسن صورة وقد خصا بذلك تفصيلاً لهما على أي شعبين آخرين كانا في وقتهما يومئذ لما في غرائزهما من المآثر الجليلة وهذان الشعبان هما اليونان واليهود وذلك لأن الحضارة الشنعارية المحتضرة كانت قد فعلت في نفوسهما كل الفعل قبل أن تشهق شهقتها الأخيرة وبقي اسم بابل في الأجيال المتتالية واسم المنتسبين إليها مرادفاً للعظمة والجلالة والبذخ والزهو).

ولا وقت عندي للإطالة ومناقشة المسلّمات وأكتفي بنقل رأي للمؤرخ والباحث الفرنسي الشهير "غوستاف لوبون":

 (لم يكن لليهود فنون ولا علوم ولا صناعة، ولا أي شيء تقوم به حضارة. واليهود لم يأتوا قط، بأي مساعدة مهما صغرت في إشادة المعارف البشرية، كما أنهم لم يجاوزوا قط الأمم شبه المتوحشة التي ليس لها تاريخ)

(9). ولا أعرف أيضا لماذا يترجم الأب أنستاس الكرملي "الجنائن المعلّقة" بوصف "البساتين المعلّقة" . منذ عشرات السنين والقارىء العراقي والعربي يقرأ "الجنائن المعلّقة" .. فلماذا هذا النحت الغريب لمصطلح جديد غريب ؟؟!!

ص 75 : (ولا جرم أن هذا القصر الملكي كان مصلاً بالجبل المصطنع، ذلك الجبل الذي وصفه لنا اليونان باسم «البساتين المعلقة») !!

(10). وهناك هامش على الصفحة 57 يقول فيه الأستاذ "حكمت توماشي" :

(لم نسمع بمملكة أراراط بل جبال أراراط)

وهو يعلّق على قول المؤلف : (في عهد سرجون الذي تسمى باسم الفاتح الاكدي الكبير قبل ألفي سنة، تقدمت السطوة الآشورية تقدماً جديداً ، وذلك أن سطوة مملكة أراراط في الشمال كسرت شوكتها- ص 57).

وهو أمر غريب حين يصدر من الأستاذ "حكمت" الذي توصيفه في الكتاب أنه " من أمناء مكتبة المتحف العراقي" .  فمملكة أرارات مملكة معروفة تاريخيا : (أورارتو (بالأكدية اورارتو Urartu)،بالأرمينية Ուրարտու ، هو اسم بالآشورية يدل على مملكة تقع في منطقة الهضبة الأرمينية جنوب شرق البحر الأسود وإلى الجنوب الغربي من بحر قزوين. وسميت أحياناً «نائيري» (Nairi) في حين سمى الأورارتيون بلادهم «بياينيلي» (Biainili).. قامت إبان القرنين الـ 9 والـ 7 ق.م. بجبال شرق تركيا حول بحيرة وان. وأهلها من الحوريين. وكانت العاصمة مدينة وان. وكان بها قلعة مدخلها بجبل صخري وعلي واجهة مدخلها لوحة صخرية منقوشة عليها رسومات نقشية سجلت حروبهم مع الآشوريين جيرانهم. وكانوا يصنعون التماثيل المجنحة والمشغولات البرونزية. وقد حكم أوراتو الآشوريون أوائل القرن الـ13 ق.م وكانت ثقافتهم متأثرة بشرق وشمال الهلال الخصيب وكما كتبوا لغتهم القزقازية بالكتابة المسمارية. والمعابد تشبه المعابد الإغريقية وهناك جبل أرارات ويقال أن به بقايا سفينة نوح) (الويكيبيديا).

(11). يقول المؤلف :

ص 154 : (ولو كانت يد أوروبية بدلاً من يد تورانية قبضت على بلاد الفراتين في مدة هذه العصور الأخيرة لما رأيناها في هذه الحالة المنكرة التي نراها عليها اليوم)

وهو رأي "نرجسي" يخالف منطق التاريخ ويحاول ان يغطّي، بالغربال، شمس العنصرية الأوروبية وتدميرها الوحشي الاستعماري لحضارات شعوب الشرق. نحمد الله أن بلاد الفراتين – في ذلك الوقت – لم تصلها اليد الأوروبية التي – على سبيل المثال – قتلت 6 ملايين مواطن في الكونغو في فترة الاستعمار الأوروبي "الذهبية". 

 

عرض ونقد : حسين سرمك حسن

......................................

ملاحظة:

هذا العرض هو التسلسل (88) ضمن سلسلة عروض الكتب من الناقد حسين سرمك حسن لعامي 2017/2016.

 

 

منذ نهايات القرن التاسع عشر لم تنقطع الكتابة ولم يتوقف التفكير في دور الدين في حياة المسلمين، وهل انه سبب انحطاطهم وتخلفهم؟ ام العكس تماما اي ان  تواري الدين عن ان يكون محور التشريع والتفكير والتنظيم السياسي والثقافي والاداري، وحلول ثقافة جديدة متعارضة مع الدين وذبول التفكير الديني

هو السبب في هذا الانحطاط والتدهور!؟ على خلفية هذا الجدل وتلك التساؤلات دار محور النشاط السياسي والفكري بين ساع الى الموائمة بين العلم والدين واظهار عدم تعارض الاسلام مع العلم، كما فعل المسلم الهندي السير احمد خان، او ساع الى تنشيط دور الرابطة الاسلامية كجامعة لوحدة المسلمين ورافعة لجهود نهضتهم كما نشط من اجل ذلك السيد جمال الدين الافغاني وتلميذه الشيخ محمد عبدة، قبل ان ينفصل عنه، ويتبنى منهج التربية والتعليم، كمحور لحل مشاكل التخلف والضعف وسيادة الجهل والخرافة.

بعد ذلك وجدنا علماء نابهين يحاولون استجلاء صورة الدين الاسلامي وتنزيهه مما علق به من توظيف سياسي واجتماعي، انتهى به الى مناصرة الاستبداد، ورفض التجدد، وظهور معارضة في قبول الكشوفات العلمية والنظريات المعرفية. كما فعل السيد هبة الدين الشهرستاني، والميرزا محمد حسين النائيني.. وعشرات غيرهما، كما تابعهم الدكتور فهمي جدعان في رسالته  "اسس التقدم عند مفكري الاسلام".

في عشرينات القرن العشرينات ومع صدور الكتاب الجدالي المهم للشيخ علي عبدالرازق "الاسلام واصول الحكم" في عام ١٩٢٥ اي بعد عام او اكثر من  الغاء نظام الخلافة العثماني وتاسيس الجمهورية التركية بنظام علماني، يقطع في الكثير من انظمته وقوانينه ورؤيته مما تعارف عليه الناس، وما ارتكزت عليه الثقافة العامة للمسلمين،  جاء اجتهاد الشيخ الازهري علي عبدالرازق، ومارافقه من ردود فعل عنيفة، بمثابة صدمة بين فكر ينحو الى شمولية راسخة تعتقد انها مؤصلة، وتدافع عن تمامية الاسلام، وبين فكر تنزيهي نقدي يدعو الى استئناف النظر في الكثير من المقولات السائدة والراسخة، ذات الاستقرار في البنية الثقافية العامة، وكان من جملة الردود على الغاء نظام السلطنة العثماني تاسيس  جمعية الشبان المسلمين في مصر الخديوية، بدفع رسمي لمنح السلطة شرعية دينية  تبعها بسنوات ١٩٢٧تاسيس جماعة الاخوان المسلمين، بشعار الاسلام دين ودولة، عقيدة وشريعة. ومالبث ان انتشر هذا الشعار، وهذا النمط من التفكير الديني في الاسلام الحديث في ارجاء واسعة من بلاد المسلمين.

 في حين كان الشيخ ابو الأعلى المودودي في الهند يخط مؤلفاته عن الدستور الاسلامي، وحاكمية الاسلام، ويشدد على التناقض الجوهري المفضي الى الكفر، حينما يتبنى مسلم نظاما للسياسة والادارة لاينتمي الى الفكر الاسلامي، كما سطرته ادبيات فقه الحكومة السلطانية الاسلامي، منذ الماوردي وابي يعلى الفراء  الى ابن تيمية الحراني، وكان ابن تيمية هو الملهم الأهم للمقولات المحورية في كتابات المودودي وما استلهمه سيد قطب لاحقاً.

وبموازاة ذلك الظهور القوي لجماعات ماعرف لاحقا بالاسلام السياسي، كان الفيلسوف الهندي المسلم محمد اقبال يجوب الحواضر الهندية الاسلامية مبشرا بفكر تجديدي للاسلام، لاينحو منحى سياسيا، بل يركز على الامتلاء الروحي والتعالي الاخلاقي والسمو الوجداني واثراء الروح، ويدعو الى اخذ العلم الحديث كعنصر موازي في بناء شخصية المسلم، دون اقتحام المنطقة الخطرة في التفكير السائد، وهي موقف الاسلام من السياسة والادارة والحكم، وهي التي دارت عليها رحى النشاط السياسي والدعوي، والصراعات الايديولوجية والفكرية والحزبية، وحركت مناخ التجاذبات السياسية في منطقتنا.

ايضا كانت التساؤلات على اشدها بشان مساحة حضور الديني في المجال السياسي، بين من يرى ألا فصل بين الدين والسياسة، وبين رافض لهذا الدمج بين مجالين لكل واحد منهما مساراته الخاصة، كان تيار الوعي الاسلامي يصر على ان شرط النهوض والتنمية والاستقلال السياسي والثقافي، وقدرة المسلمين على بناء الدولة الناجحة والعادلة والرشيدة، متوقف على سيادة المنهج الاسلامي في كل المجالات، وان الاستقلال الثقافي والاقتصادي والعلمي والمعرفي منوط بالقطيعة المعرفية مع ذلك الفكر والنظريات والرؤى والاجتهادات الاسلامية. هكذا كان الانقسام الفكري والايديولوجي يتعمق كل يوم في بلاد المسلمين، والقطيعة النفسية والثقافية تتجذر بموقف صراعي عنيف، استغلته قوى حاكمة لتبطش بمعارضيها، ولتسود اجواء من القتال المجتمعي والتنكيل المسلح العنيف افضى الى خواء اجتماعي، وانهيارات اقتصادية، وتراجع خدماتي، وتخلف علمي، وتمدد الفقر، والامية، واتساع الفجوة المعرفية مع الحضارة المعاصرة، وخسارة اغلب المعارك الوطنية والقومية، وشيوع ظاهرة الحروب الاهلية، والانقسام المذهبي والقومي، وتدهور السلم الاهلي، وظهور ردود الفعل المناوئة لما يسمى بظاهرة الاحياء الاسلامي او الصحوة الاسلامية، التي انتهت بظهور تنظيمات الارهاب ذات الانتماء للفضاء الاسلامي، والتي اعلنت حرب التكفير ضد جميع من لايتبنى فكرها الاحادي، ومنهجها المنغلق، وسلوكها المتوحش، وعدوانيتها المستفزة للفطرة الانسانية.

في التحليل الاخير لا تمثل الظاهرة الارهابية إلاّ حالة انتحار اسلامي داخلي، يشي بعجز كبير عن مغادرة القراءة الاحادية واللاتاريخية للنصوص الاسلامية، وجمود عقلي كبير، واستلاب معرفي ماضوي، بشكل اطاح بمقولات تيارات الاسلام السياسي التي ترفع شعارات: الاسلام هو الحل، وصلاحية الاسلام لكل زمان ومكان، وشموله لكل شيء في الحياة.. وظهر ان الاسلام عاجز عن ان يحقق تلك المقولات عمليا، وان يحقق للمسلمين كأمة وجماعات وافرادا سلاما داخليا واطمئنانا روحيا، ويمنع عنهم فتن مهولة، توسعت لتصبح داءا يهدد السلام العالمي والحضارة المعاصرة، ولتظهر الدين وكأنه سلاح دمار شامل، لايتقيد بعرف، او قانون بشري، او قيم انسانية كونية.

في الرصد الدقيق بدات تتمظهر ظواهر: الالحاد، والعدمية، والخواء الروحي، وانطلق نقاش معمق عن دور الدين في حياة المسلمين، اذا كانت تجلياته السياسية والصحوية افضت الى هذا الدمار الواسع،  وتفشي موائد الذبح، وولائم التوحش والانحطاط، المتعدد الاشكال.

تبدو الحاجة ملحة الى فكر نقدي، ومراجعات فكرية جادة، وصراحة جريئة، للبحث عن الجذور الفكرية والمعرفية والسياسية لهذه الظواهر المتعارضة، والتي ترجع الى السوأل الذي أثرناه حول مدى مسؤولية الفكر الشمولي ومقولاته الطوباوية، الذي تفشى في عالم الاسلام، في كل هذا الذي حصل ويحصل في عالم الاسلام والعالم؟ والى  اي مدى ساهم اقحام الدين في  مجالات غير مجالاته الاصلية في ظهور هذه الظواهر غير القابلة للسيطرة؟ وهل كان تسيس الدين او تديين السياسة هي العوامل الفاعلة في المآلات الدامية التي نعيشها؟ وماهي القراءة العقلانية الناجعة للدين والايمان، التي بامكانها ان تعالج مشكلات العولمة، ومرحلة مابعد الحداثة الغربية التي اقصت الدين، وانتقصت من شان الايمان، وانتجت وأولدت كل ردات الفعل الدامية، التي حملت شعار الدفاع عن المقدس وسمو المقدسات، حتى اضحى القتل والانتحار باسم الله مقدسا، يستقطب الآلاف، ويقود نحو الهاوية؟

في ظل هذا الجدل الواسع الذي يحتدم في الساحة الثقافية تاتي مساهمات الدكتور عبدالجبار الرفاعي لتقدم زادا معرفيا دينيا مهما في لحظة تاريخية خطيرة، وهي مساهمات تمثل خلاصة تجارب روحية شخصية، وحوارات فكرية معمقة، ورحلة تكوين معرفي طويلة، انفتحت على قراءات واعية للموروث الاسلامي بمدارسه المتعددة، والفكر العالمي، وماانتجته عقول مفكرين مسلمين، بدأوا يستانفون النظر في الكثير من المفاهيم والمقولات الدينية الشائعة.

الدكتور الرفاعي صدم الأوساط الثقافية بمنجز فكري كبير، متحررا من قيود تاريخه الشخصي، ومجال اشتغالاته البحثية والمهنية، متبنيا منهج تفكيك المقولات القارة في قعر التفكير الاسلامي السائد، عندما اصدر كتابا جريئا بعنوان: "الدين والظمأ الانطولوجي". ما اقدم عليه عبدالجبار الرفاعي، وهو يقدم الطبعة الثانية للكتاب في غضون مدة أقل من عام واحد، يجعلنا نحتفي بمادة حوار وبحث ومسائلة جادة وعميقة، لما استقر في اذهان الغالبية الساحقة من المسلمين عن: الجوهري والفاعل والمقصود من رسالة الدين في حياة الانسان، وبين مساحاته وحدوده المفترضة.

ان التعاطي مع هذه المقولات والافكار من شانه ان يحرك الكثير من المياه الراكدة، ويستانف النقاش في مآلات التفكير الديني وتجلياته الراهنة، بما ينتظم  ضمن سلسلة طويلة من التفكير في الدين ودوره في حياة الانسان، حيث الجدل الصاخب بين ناكر لهذا الدور، ومتجاوز لحاجات الانسان وظمئه الوجودي للمقدس وللايمان وللدين، وبين متوسع في هذا الدور، لدرجة ادخل الايمان والدين في مجالات غير مجالاته المفترضة، ماحمل الدين وظيفة استخدمت كاداة للصراع ولنفي الآخر، والحط من كرامته، واشاع الكراهية والعنف والقتل المقدس. وذلك ما اختصره عبدالجبار الرفاعي بقوله: "‫يضفي الدين دلالات روحية ورمزية على العالم، تشعر الانسان بالانتماء اليه، وتخفض اغترابه الوجودي، وتروي تعطشه للمقدس. لكن اخراج الدين من حقله، وعدم رسم حدوده، والعبث بوظيفته، لا يضيع دلالاته ويبددها فقط، بل يطيح بوظيفته، ويجعلها تنقلب إلى الضد منها".

 

jafar abdulmahdisahibصدر عن دار العارف للمطبوعات – بيروت كتاب الأستاذ الدكتور محسن عبد الصاحب المظفر والموسوم المسرح العسكري البيئي. وهو كتاب ضخم (528) صفحة. يحتوي الكتاب ثمانية فصول معززة بالصور الرسوم التخطيطية والخرائط. وقد درج المؤلف في نهاية الكتاب جدولين الأول خاص بالجداول والثاني خاص بالأشكال والأغلام. وكعادة البروفسور المظفر، تمتاز كتبه بالرصانة العلمية والاستطراد النافع عند تطرقه لأي موضوع علمي يتناوله.

ومن خلال عنوان الكتاب فأن مادة البحث تطيل أكثر من حقل من حقول المعرفة العلمية ، الجغرافية العسكرية وعلم الجيوبولتيك والعلوم العسكرية والدراسات الاستراتيجية، والعلوم السياسية والقانون الدولي العام وقانون الحرب وغيرها. ونرى المؤلف قد صب جل اهتماماته العلمية في طرح مادة الكتاب بشكل واقعي ورصين، وكيف لا وهو الأستاذ الجامعي المتمرس ذوالسمع الحافلة بالانجازات العلمية المشرقة التي تشهد له سوح الجامعات العراقية والعربية.

تناول الفصل الأول من الكتاب تعريف المفاهيم المستخدمة في البحث إذ تضمن الفصل ثمانية عشر عنواناً فرعياً غطت مفهوم الجغرافية العسكرية ومقترباته: البنية النظرية للجغرافية العسكرية وأطرها الفكرية، مفهوم جغرافية العسكر، تطور جغرافية العسكر، ما ذكره هوز هوفر عن الجغرافية العسكرية، الجغرافية العسكرية المعاصرة، فروع الجغرافية العسكرية، التاريخ العسكري، الجغرافية العسكرية توجه الى التطبيق، علاقة الجغرافية العسكرية بفروع الجغرافية الأخرى، الجيوبولتيكا والفكر العسكري، علاقة الجغرافية العسكرية بالاستراتيجية، والمفاهيم المعتمدة في الجغرافية العسكرية، ومنهج البحث في الجغرافية العسكرية، وأساليب البحث في الجغرافية العسكرية، ووسائل وأدوات البحث في الجغرافية العسكرية، والوسائل المعتمدة في الجغرافية العسكرية، الأدوات التي يستخدمها الباحث في الجغرافية العسكرية، مضامين الجغرافية العسكرية.

وقد استوقفني عنوان فرعي، سبق ذكره أعلاه، علاقة الجغرافيا العسكرية بالجيوبولتيك، واهتمامي بالموضوع يأتي بحكم المهنة حيث قمت ولسنوات عديدة بتدريس مادة الجيوبولتيكا لطلاب الدراسات العليا ولمرحلتي الماجستير والدكتوراه. فقد تطرق المؤللف الى نظريات الجيوبولتكيين الألمان (الدولة ككائن حي) وذكر رودولف كيلين كنموذجاً منهم حيث عرف الجيوبولتيك  بأنه (نظرية الدولة) وهو التطبيق السياسي للجغرافية. وأروع عبارة شاهدتها تحت هذا العنوان  تقول: " فالجيوبولتيكيون عند العسكريين الضمير الجغرافي للدولة".

أما الفصل الثاني فقد خصصه الباحث في الحرب وأنواعها وأساليبها وومصطلحاتها ونظرياتها والأسلحة المستخدمة في الحرب البرية والبحرية والجوية. وتضمن هذا الفصل أيضاً نظريات أبرز علماء الجيوبولتيك الألمان: فرايدريك راتزل Friedrish Ratzel و

كارل هاوسهوفر karl Haushover  و جوهان رودولف كيلين Johann Rudolf Kjellen و السير هالفورد جون ماكندر Halford Jon Mackinder ووالتر ميلز  Walter Millis والألكسندر دسكفري Alksender DiscaveDry وجيلو دوهيه Gillo Douet ووليم ميشيل Wilhem Michel.

 وهناك عناوين فرعية أخرى مثيرة للاهتمام، عسكرة الفضاء - حرب النجوم، حرب البيئة، التدخل في عناصر المناخ، استعمال الاشعاعات الكهرومغناطيسية، حرب المياه، الحرب النووية، حرب الطاقة الموجهة، الحرب الكيمياوية، الحرب البايولوجية، الحرب الألكترونية، الحرب الاقتصادية، الحرب الاستباقية، الحرب النفسية، الحرب الخاطفة، الحرب الديموغرافية، الحرب الأيديولوجية، الحرب القذرة، الحرب العادلة. وتناول المؤلف كل نوع من  أنواع هذه الحروب شارحا تعريفها وتسميتها وعناصرها ووسائلها مع اعطاء نماذج حية منها لحروب نشبت فعلاً.

ويخصص المؤلف الفصل الثالث من الكتاب لدور العناصر الطبيعية وأثرها على العمليات العسكرية. فيتكلم عن العوارض الطبيعية وتأثيرها على العمليات العسكرية مثل الجبال، وتطرق الى أنواع الجبال وعناصر النجاح في الحروب الجبلية وصعوبة القتال فيها من جهة أخرى، وتكيف الجيوش للمعارك الجبلية، والمباديء العامة القتالية في الجبال.  ثم يتناول أهمية العوامل الجيمورفولوجية في تحقيق الأغراض العسكرية، والمواقع المناسبة لبناء المطارات، وتأثير السهول على المهاجمين، والصحاري وتأثيراتها السوقيةومباديء القتال في المناطق الصحراوية، ومباديء العمليات الدفاعية في الصحراء،و أهمية الصحاري السوقية، وتأثير الصحاري الباردة على القطعات العسكرية، وخصائص  واستخدام الأسلحة في الصحاري. وينتقل المؤلف الى المناخ وتأثيراته على العمليات العسكرية، ويقصد بها الحرارة والرياح والغيوم والتساقط ويربط ذلك بقوة الدولة. فحالة الجو لها تأثيراتها  العسكرية على حركة الطيران الحربي والحركات البرمائية. ويتناول المؤلف جانباً آخر من العوامل الطبيعة ذلك المتعلق بالمناطق الغابية وأثرها على الحركات العسكرية. ويعطي البروفسور المظفر نماذج لمعارك دارت في الغابات مثل مثل المعارك التي شنها الجيش النازي على الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الكونية الثانية حيث ركز الجيش السوفيتي على مواقعه داخل الغابات ووجه نيرانه صوب القوات الغازية، التي تقطعت خطوط مواصلاتها، وهي تحاول التقدم من أراض مكشوفة، فأجبر الجيش الألماني في تغيير مسيره عبر المستنقعات. وأعطى المؤلف مثالاً  آخر يتعلق بسير المعارك بين القوات الكردية ضد هجمات الجيش العراقي حيث استفادت تلك القوات من من المناطق الجبلية والوديان التي تغطيها الغابات في شن هجوماتها المضادة، وبذلك تعد الغابات كمناطق آمنة للاختفاء تقلل من حركة الآليات والنعدات العسكرية المقابلة، وهذا ما جعل القوات المهاجمة تعتمد أحياناً على حرق الغابات بهدف كشف الغطاء عن القوات التي تتحصن بالاختفاء تحت أشجارها.

ويتجول بنا البروفسور المظفر في عوالم الأنهار والوديان والبحيرات والمستنقعات ودورها في الحركات العسكرية سلباً أو إيجاباً ، ويستشهد بعدة مواقف عسكرية سببتها الأنهار للجيوش المهاجمة، منها الصعوبات التي واجهتها القوات الإيطالية في عبور نهر الراين في خريف عام 1944، وما واجهته الفرقة المدرعة الأمريكية في عبور نهر سافا في لبوسنة في شتاء عام 1996.

ويخصص البروفسور المظفر الفصل الرابع للعناصر البشرية وتأثيرها على الحركات العسكرية، ويذكر بالتفصيل الحدود السياسية وتصنيفها كالإمتداد البحري والعمق الجوي والأشكال الهندسية للحدود وتأثيرها على الحركات العسكرية. ويتناول أيضاً طرق السكك الحديدية وطرق الآليات والمسالك والنياسم والطرق الجوية. ويتطرق المؤلف الى مراكز الاستيطان وأثرها على الحركات العسكرية والموانع والعوائق التي هي من صنع الإنسان وكيفية اختراقها كالألغام والكمائن ولتحصينات والقلاع والخنادق والأبراج والسقالة والخطوط المحصنة. وفيما يتعلق بهذه الخطوط ذكر المؤلف نماذج منها خط ماجينو وخط سيكفريد وخط مرهايم وخط إيدن التي اشتهرت في الحرب العالمية الثانية ودورها في منع جيوش العدو من التقدم. ولابد أن نقول لزميلنا العلامة المظفر كان من الأفضل لو ذكر خط بارليف الإسرائيلي باعتباره من النماذج الحديثة والقريبة من الذاكرة العربية.

ويحمل الفصل الخامس من الكتاب عنواناً مهماً ( إستراتيجيات الحرب وعناصر التفوق العسكري). ويضم هذا الفصل ثمانية وخمسين عنواناً فرعياً.، ويبداً بمقدمة يكون موضوع السَوق محورها الرئيسي. وقد لاحظنا أن دكتورنا الرصين محسن المظفر قد كتب في هذه المقدمة القصيرة مواقف وتعريفات الإستراتيجيين السوفيت فقط دون أن يذكر أو يشير الى مواقف المختصين من المعسكر المضاد. فذكر رأي المنظر أ. فاتسييتس الذي مات قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية (1938) حيث يؤكد هذا المنظر الذي يعتقد أن ليس بمقدور العالم العسكري أو رجل السَوق العسكري أن يهيىء الوضع لحرب المستقبل على انفراد، بل ينبغي أن يكون رجل السَوق عالم سياسة وفاهم في الاقتصاد في ذات الوقت. وذكر المؤلف منظراً سوَقياً ثانياً  هو ك. الألكسندر، والمتوفي بنفس سنة زميله السابق، فهو يرى بأن الأفعال العسكرية تتخذ جملة أشكال كالتدمير والاستنزاف والدفاع والتعرض والمناورة والموقف، ولكل شكل من هذه تأثير جوهري على خط السلوك السَوقي. وثالث منظر سوفيتي هو القائد العسكري السوفيتي ميخائيل ن. توفاشفسكي الذي يرى أن الأوضاع الحديثة تتطلب أن توجد علماً للحرب لأن هذا علم كهذا لم يوجد حتى الآن، وأن الدول التي حاربت في الحرب العالمية الأوى طورت نفسها من خلال الحرب ذاتها. وذكر الدكتور المظفر منظراً سوفيتياً رابعاً، إيفان زافيلوف، الذي أوضح ما يتصل بالعلاقة بين السَوق وفن العمليات والتعبئة.

وكما نوهنا أعلاه فأن البروفسور محسن المظفر قد ذكر في المقدمة تحديداً أربعة من المنظرين السوفيت دون أن يبين لنا رأي منظر واحد سواء كان ألمانياً أو فرنسياً أو بريطانياً أو أمريكياً. هذا بالإضافة الى بعدهم الزماني عن عصونا الحالي الذي تطورت فيه وسائل التعبئة والسَوق العسكري، في زمن تستخدم فيه السبرنتيكا والقتل النظيف والقنابل الذكية والحرب الألكترونية (علماً بأن المؤلف قد تناول الحرب الألكترونية بشكل مفصل في هذا الكتاب ص 174- 180).

إن عدم ذكر آراء المنظريين في المقدمة يقتصر على المقدمة فقط،، فالمؤلف لم يغفل عن ذكرهم في متن الفصل، واعتراضنا كان على تركيب المقدمة التي ذكرت طرفاً واحداً من أطراف المعادلة العسكرية الكونية.

فقد ذكر المؤلف (ص 219) بأن مفهوم القدرة العسكرية تغير في الوقت الحاضر بمستوى أكثر اتساعاً لأن الأمر أصبح لا يستهدف دولة واحدة في عالم التحالفات والأحلاف العسكرية والتكتلات السياسية والاقتصادية. إضافة الى أن القدرة لم تعد مقتصرة على الجانب العسكري بل اشتملت على الإمكانيات الاقتصادية والبيئة الاجتماعية والخبرات العلمية والقدرات المعنويةوالعسكرية مجتمعة.

وجاء الفصل السادس من الكتاب تحت عنوان: الأقاليم العسكرية، وهو يحتوي على ثلاثة وعشرين عنواناً فرعياً. وتفرض طبيعة البحث  وموضوعه تناول مفهوم الإقليم من زاوية عسكرية صرفة كالأقاليم التعبوية وتقسيم تلك الأقاليم استناداً الى  الواقع المناخي مثل الأقاليم المعتدلة، والأقاليم القطبية الباردة، والأقاليم الصحراوية وشبه الصحراوية والأقاليم المدارية.وقد تطرق الباحث في هذا الفصل الى أمثلة تطبيقية حية أفرد لها عناوين مستقلة ضمن هذا الفصل مثل التقسيم الإقليمي لجبهات القتال وأرض المواجهة في معارك الجيش العراقي، وعنوان آخر خص بأقاليم المواجهة مع إسرائيل.

أما الفصل السابع من الكتاب فيطرح العلاقة بين عناصر الربط بين قوة الدولة ووضعها العسكرية. فيبدأ المؤلف بتعريف مفهوم القوة وأنماط قوة الدولة الشاملة وتنميط قياسها  المختلف باختلاف آراء العلماء المختصين مثل (جيرمان F.C.German  ووليم فوكس Wilhelm Fucks ووريتشارد ومير Richard Muir ورآي كلاين Ray Cline ).

وعلى سبيل المثال يقيس الألماني فوكس قوة أي دولة بالاعتماد على عاملين أساسيين هما حجم الناتج الاجمالي وحجم القوة البشرية للدولة، وفق المعادلة التالية:

قوة الدولة = قوة الانتاجية للدولة = حجم الناتج القومي x الجذر التكعيبي للقوة البشرية

أما نمط جيرمان الذي ركز فيه على عدة عوامل رئيسية وأخرى مساعدة لقياس قوة الدولة . ومن العوامل الرئيسية (الجغرافي والسكاني ووالاقتصادي والعسكري).  العامل الجغرافي وما يتعلق به من مساحة الدولة وعلاقتها بكثافة السكان وتأثير تلك المساحة على طرق المواصلات فيها اعتماداً على السكك الحديدية. في حين نظر الى العامل السكاني من خلال حجم القوى العاملة ومستواها التقني. وفيما يتعلق بالعامل الاقتصادي فصب اهتمامه فقط على مجموع الناتج الاجمالي الصناعي تحديداً. أما العامل العسكري فيجد فيه حجم القوة البشرية بالإضافة الى امتلاك الأسلحة الذرية .

واتبع كلاين مسلكا آخر في نمطه بالاعتماد على عوامل محسوبة كالاقتصاد والسكان وغيرهما الى جانب اعتماده على عناصر غير مادية كالروح المعنوية والروح القومية والإرادة السياسية والتي يمكن تبنى عليها معادلة القوى المحسوسة.

ويمكن لنمط كلاين أن يختصر بالمعادلة التالية:

القوة المحسوبة للدولة= الكتلة الحيوية (السكان + المساحة) + القدرة الاقتصادية +القدرة العسكرية × الاستراتيجية القومية + الإرادة الوطنية.

ولا يخلو هذا الفصل من شرح مفاهيم القوة الإعلامية وتأثيرها على الرأي العام والقوة الأيديولوجية والقوة وأثر القيادة في تسيير دفة الدولة. ويفرد المؤلف عنواناً باررزاً يتطرق فيه للقوة الجيوبولتيكية للولايات المتحدة الأمريكية .

ونقرأ الفصل الثامن وهو الفصل الأخير من هذا الكتاب الذي وشح بعنوان يقول (التغير في أثر المسرح المكاني على نظام الجيوش والسلاح والتعبئة والسوق خلال التاريخ)، ويندرج تحت هذا العنوان ستة وعشرون عنواناً فرعياً يستعرض فيها البروفسور المظفر المعارك الكبرى عبر مراحل التاريخ المختلفة مع تبيان نوعية الأسلحة والعتاد في مختلف العصور. ويقسم المؤلف التاريخ العسكري القديم الى خمس: مراحل تاريخية، وهي:

 المرحلة الاولى: عصر التطور البطيء  (من 3000 ق. م الى 1500 ق. م).

المرحلة الثانية: عصر مشاة الصدمة الثقيلة (من 500 ق . م الى 500 م).

المرحلة الثالثة: عصر خيالة الرمي (من 500 م الى 1500م).

المرحلة الرابعة: عصر فرض قانون المدفعية ( من 1500 م الى 1800 م).

المرحلة الخامسة: العصر الحديث (من 1800 م الى أيامنا هذه).

ويمتاز الفصل الثامن بكثرة الرسوم التوضيحية والجداول الرقمية والجداول التبسيطية المساعدة في شرح العرف على مراحل التاريخ العسكر ي الذي يبحث عن أسباب الحروب التي نشبت  بين الدول والأسفار التي قام بها قادتها للوقوف على المباديء السَوقية والأسس التعبوية التي طبقت خلال تلك الحروب.

وذكر الدكتور المظفر أمثلة حية لمعارك تاريخية منها معركة اليرموك 636 م والدروس المستقاة منها في فشل الروم وقيمة الأرض في هذه المعركة.

ومثال آخر من معارك الحرب العالمية الثانية وهي معركة العلمين التي دارت بين الجيشين الألماني والبريطاني على الأرض المصرية مع شرح يتعلق بطبيعة ارض المعركة وأهميتها في سير القتال، والتخطيط والإدارة في الدعم اللوجستي بالإضافة الى تفوق القوة الجوية البريطانية وهيمنتها على سير المعارك، واهتمام مونتيغمري بأمن المعلومات والاستطلاع ودقة المعلومات الاستخبارية في جبهات القتال وانتخاب مواقع الأرض الحيوية. وتنتهي هذه النقطة باستعراض الدروس من معركة العلمين من خلال الحديث عن الموقف الإداري والموقف الجوي الذي اشرنا اليه قبل قليل. وأخيراً عامل الطقس الذي تمثل بسقوط الأمطار الذي أعاق سرعة مطاردة القوات البريطانية لوحدات رومل المتقهقرة.

أما العنوان الأخير من هذا الفصل فقد كرسه المؤلف للعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 مبيناً الخطة العامة للعدوان ووصف ساحة الحركات ومن ثم طرح عوامل نجاح إسرائيل في حملتها على سيناء، الذي رده المؤلف الى الدعم العسكري البريطاني والفرنسي والتنسيق المشترك بين القوات الغيرة للدول الثلاث إضافة الى عامل المباغتة في القصف الجوي.

وبعد أن انتهينا من استعراض هذا الكتاب استعراضاً سريعاً، يمكن لنا القول بأن مادة الكتاب غنية بمضمونها العلمي الأكاديمي والتي يمكن أن تكون مادة مرجعية رئيسية للطلاب والعلماء الباحثين في ميادين الدراسات الجيوستراتيجية والعسكرية والجيوبوليتيكية بالإضافة الى المعلومات الغنية بالجوانب التاريخية والسياسية والاقتصادية. وليس غريباً أن يكون كتاباً بهذا الوزن من الكياسة العلمية يصدر عن مؤلف أكاديمي رصين وموسوعي كالبروفسور دكتور محسن عبد الصاحب المظفر الذي أتحف المكتبة العربية بمؤلفاته الراقية العلمية العديدة.

 

تأليف:  البروفسور دكتور محسن عبد الصاحب المظفر.

عرض: البروفسور دكتور جعفر عبد المهدي صاحب.

 

haidar abdullradaإن من حصيلة تمظهرات فعالية أدوات المنهج النقدي السليم ، هو توافر ثمة حركة إجرائية مرنة من شأنها أولا وأخيرا خلق علائقية حيوية دافقة بين النص المدروس وبين صلب موجهات رؤية الناقد التي من شأنها منح دراسته النقدية فسحة إجرائية سوية الدلالة والأداة والتقويم والطرح لفضاء ولمتن وشكل ذلك النص المدروس . في سياق سلسلة قراءات كتاب (سرد ما بعد الحداثة) للناقد والروائي الصديق عباس عبد جاسم وجدنا طبيعة قراءات الناقد في حقل الرواية والقصة القصيرة والتي اراد منها الوصول الى مداليل منطقة ما وراء السرد ــ الميتاسرد ــ في تجربة النصوص التي أتخذها نموذجا لموضوعة وفكرة سرد ما بعد لحداثة . غير أننا ونحن نطالع أدوات ومحمولات تلك الأشكال المبحثية في معاينات قراءة تلك النصوص وجدنا جل معالجات الناقد لتلك التجارب قد طال الناقد في خصوصية مصطلح مفهومه النقدي حيث رطانة الأصطلاح وتشعبات الأسئلة المطروحة من جهة الناقد والتي لم تدخل في صياغة أية علاقة عضوية ما بين صوت الناقد ورؤيته وبين موضوعية النص نفسه . وهذا الأمر بات من الوضوح في وجه مباحث مقال (الوصف والسرد / من تعديل المفهوم الى تأويل النص) فمن خلال ما قرأناه في ورقة هذا المقال تبين لنا حجم اشتباكية إخضاع النص لرؤية وعلاقة الناقد قسرا ودون أي تعاملية فريدة في أسئلة الإجرائية النقدية لديه بأستثناء وجود ثمة سؤال ممنهج إحادي الطرح والمطارحة في عتبة تمظهرات نظرية عصية وبالغة العسر في ملاءمة رؤية موضوعة النقد مع فحوى تجليات النص نفسه ، وتبعا لهذا النهج يقول عباس عبد جاسم عبر عتبة فقرات مقاله مثل هذه الإفتتاحية: (استتبع تغيير أشكال القص تغيير آليات الوصف والسرد فقد تمثل الوصف في الرواية الجديدة في لغة تصف نسيج المكان وحده برؤية بصرية من الخارج ومزجت رواية تيار الوعي الوصف مع السرد في لغة تصف نسيج الذهن وحده برؤية تحليلية من الداخل ولم تكتف حركية القص بالوصف المستقل عن السرد بعين الوصاف الشيئي أو المزج بينهما وأنما أتجهت الى استخدام الوصف بعين الشخصية القصصية نفسها فتغيرت العلاقة بين الوصف والسرد وخاصة بعد أن خلخل السرد غير النقي واقعية السرد نفسه مما جعل حركية القص تتجه الى خلط الترتيب الزماني والمكاني للوصف والسرد بأفق مفتوح على مستويات متعددة من اللغة والدلالة والشكل .. ولا تلعب شفرات النص السردية والشكلية والتقنية المختلفة دورا أساسيا في تخليق أضاءات جوانية مضمرة في دلالات وملامح النص بل أنها تعيد تكريس منتوجها الأسلوبي في بنى من الصياغات الأسلوبية الخاصة فارضة بذلك تحديداتها على رؤى النص ومغزاه . لذلك نجد أن غياب التناول التفصيلي لتلك الشفرات النصية وافتقار النقاد لإكتشاف الجدليات الفعالة فيها بات من أخطر أوجه القصور في نقدنا الممنهج / سرد ما بعد الحداثة) . ونتيجة لتخطيط عباس عبد جاسم الجيد للموضوع واختياره الموفق لصياغات مصطلحاته التعاملية . غير أننا نجده وعند وصوله ورقة أو مرحلة دراسة أنموذج النصي الذي يقع كترتيب تسلسلي بموجب علاقات فقرات مباحث المقال والذي كان بدوره نصا قصصيا للقاص محمود عبد الوهاب بعنوان (الحديقة) إذ نرى الناقد من خلاله راح يعقد مخطوطة سيميائية خاصة ومركبة من شأنها فرز اشارات وتفاصيل ومحاور مخفيات وكشوفات علائقية النص السيميائية والإفعالية والصفاتية في جل تغيراتها الدلالية لغرض الكشف النقدي عن جوهر العلاقة النصية العضوية التوالدية للمعنى ، وتبعا لما قرأناه في حقل المخطوطة والمداخل التنظيرية من لدن إطارية مباحث الناقد حيث للأسف الشديد وجدنا الدارس لم يوفر لفضاء تفصيلاته التراتيبية العصية أي جهة ملاءمة مع أحداث وحالات النص نفسه بل أنه راح يفوت على نفسه وعلى القارىء حصيلة أختيارات بنيوية ودلالية هامة كان من المفترض على الناقد رصدها بادىء ذي بدء قبل الدخول الى غائبية شروحاته التغاضية الهائلة عن محتوى ما يحمله النص من طبيعة نوعية هامة في شفرات وانسجة القص . أن من أشكاليات مباحث الناقد عباس عبد جاسم في معاينة تجارب النصوص هو ولوجه الصارم نحو مستويات منظورية مركبة كامنة في مقترباته لدراسة النص الأدبي ، على حين غرى نلحظ بأن بعض النصوص لا تبلغ كل هذا المستوى من رؤى التفخيم المفهومية لديه والحاصلة في علاقات وأجواء وطبيعة وموضوعة وشكل النص المدروس كحال عوالم القاص علي السوداني في مقال (هو كوكو وما كوكو / اللعب الحر بقواعد القص) ومقال (الميتاسرد التاريخي وتمثيلات القهر الكولونيالي / موقع مخيم المواركة من سياق الرواية العربية) . وبالرغم من جدة استقصاءات المقتربات في سرد ما بعد الحداثة في رؤى آليات الناقد غير أنها في الوقت نفسه جاءت تسلط شفراتها المفهومية والمنهجية حول موطن تجارب ليست بالقريبة بالشكل الموضوعي الدقيق من قراءة موقعية وآلية منهج الناقد .

 

تعليق القراءة

في الواقع أن الاهتمام بالبنية أو البنى السردية المختصة بعوالم نصوص ما بعد الحداثة هي من السمات الفاعلة والبارزة في منهج ورؤى عباس عبد جاسم شاكرين له ولكن هناك مجاليات غير مستجيبة في طبيعة تجربتها النصية الغير فاعلة في شكلها الاعتيادي المتوحد . فالناقد في مشروع كتابه (سرد ما بعد الحداثة) راح يلجأ الى تجارب نصية لا علاقة لها تماما بمشروعه المعني بسرد ما بعد الحداثة وذلك لبعد الترابط والتلاحم الموضوعي مع آلياته ومنهجه ومقولاته . فضلا عن هذا الأمر راح يبرز لنا كقراء هو مدى حجم سلامة أدوات الناقد . فالقارى لها لربما لا تتضح له سوى مقتربات مقولية موغلة في بطون مجالات المكفوفية النظرية التي تحاول رسم وفرز وتقويم حالات وحياة النص ذوقا وكشفا , فالناقد في فضاء قراءاته النقدية لم يفصل القول النظري عن مساحة موقعية الممارسة الإجرائية بأي حدود فاصلة ما ، بل وجدناها أي العلاقة الإجرائية للنص شبه دمجية مع آليات نظرية غامضة بأطروحاتها الجاهزية المبنى والمصدرية . صحيح ولا أنكر بأن هناك تجارب تستحق التعويل عليها لما فيها من قيمة فنية وجمالية وتقنية كبيرة كتجربة مقال (الضفيرة / رواية ما فوق واقعية) وفصل مقال (طفولة جبل / الأحساسية الجديدة في كتابة الرواية ) ولكن هذا الأمر لا يتوقف على نوعية النص وكاتبه بل الإشكالية تتعلق بمقولات وآليات وتنظيرات الناقد لها والتي راحت تضع النصوص المنقودة في مقالات الكتاب في موضع الإيماءات الأصطلاحية والصور الكيفية الغير معتدلة مع محتوى تضمينات دلالات النصوص ذاتها. وفي الأخير لا أجدني بالضد مع تجربة الصديق الناقد ولكن أجدني مخالفا لبعض مشخصات ادواته النقدية التي لم تحسن عملية الفصل والمفاصلة بين مجال التنظير ودائرة الإجرائية التطبيقية للنصوص المدروسة . أن قراءة مباحث ومقالات كتاب (سرد ما بعد الحداثة) سواء كان الأمر في الرواية أو القصة القصيرة أو غير ذلك فالأمر يتطلب من الناقد إدخال ثمة علاقات مشخصة ومفاهيم متحركة في طبيعة مقولاته القرائية للنص ، بل ينبغي أيضا توفير ما هو متغير في شكل من أشكال التقنية والدلالة الرؤيوية في مساحة المعاينة النقدية لدى الناقد نفسه .. لا أن يقدم قراءات مصدرها الأساس قناعات مصدرية خاصة قد تنطبق على مداخل نصوصية مطابقة لذلك المحمول المدلولي المختص بمنطقة ما وراء السرد .. لا أن تقدم القراءة النقدية مرة أخرى لدى الناقد ثمة تجارب لا تعتمد ولا تتمثل بها تلك الأفكار لا من بعيد ولا من قريب بل لربما تبدو القراءة النقدية بهذا الحال وكأنها عشوائية غنوصية متنافرة الرؤى والأطراف والأقطاب والمشارب والأهواء . هكذا قرأنا مقالات كتاب (سرد ما بعد الحداثة) حيث وجدناه عبارة عن مقولات قرائية كان مصدره الأساسي المتحكم هو صنعة وحرفية عين الروائي الذي أخذ يقدم وجهة نظره النقدية ومشخصاته المفهومية حول تجارب روائية وقصصية وفقا لسيرورة مرتبطة أشد الأرتباط بقاموسية دليل الناقد المنظر وبلا هوادة ما وهو يؤول مقولاته المفهومية الحادة حول مواضع نصوصية كان من الأجدر به تقويمها بمقصوديات إجرائية معيارية تتوافق ودليل ونتائج وقائعها النظرية المفترضة بطريقة اتفاقية ما.

 

sadiq alsafiمؤلف الكتاب: شيريب سبيريدوفيتش، كما قدمه ناشر الطبعة-مأمون سعيد- من أسرة أسكندنافية نبيلة الأصل، وجده الاعلى الأمير رورك الذي أستدعاه السلافيون عام 862م الى فوجرود حيث أسس أسرة حاكمة أعطت لروسيا أهميتها.

أمتاز شيريب بروح شفافه واعية وتلقى تعليما خاصا وتدريبا مميزا مع خاصية موهبته العجيبة وقدرته على خلق فهم لمتطلبات الحاضر،  ولديه معجزة التنبؤ بالمستقبل،  تدرج بالرتب العسكرية والمناصب وكان اخر أيامه يحمل رتبة عليا -ميجرجنرال-في الجيش الامبراطوري الروسي، لكن وفاته كانت بصيغة غامضة مسموماً بالغاز في غرفته بفندق فخم يقيم فيه.؟يوم23تش1عام1926م قبل فترة قليلة من حضور مؤتمر للسلافيين،  كان طموحا لكنه توفي قبل ان يحقق حلمه في توحيد ملايين السلافيين الموزعين في أرجاء دول العالم.

وقد تطرق في تأليف كتابه الى أحد أهم حوادث التأريخ الحديث، وعن أشهر القادة الرؤساء في العالم، ولاهمية المعلومات التي تعطينا فكرة واضحة عن خلفية الأحداث الغامضة والقوى المحركة وراء كل حدث عجز الناس عن أيجاد تفسير منطقي له.؟

وقد أختار المؤلف هذا العنوان {حكومة العالم السرية - أو - اليد الخفية}

The Secret World Gove --- or -- TheHidden Hand

وفيه توضيح ل100مائة حدث تأريخي غامض في كتابه، أهمها قناعته بوجود هيئة يهودية لها صفة عالمية قدر عدد أفرادها في أوائل القرن العشرين ب300شخص يهودي، يرأسهم-أحدهم-نظامهم ديكتاتوري أستبدادي ويعملون وفق خطط موضوعة مسبقا للسيطرة على العالم.؟

هم حكومة خفية تحكم الشعوب بواسطة عملائها، لا تتوانى عن قتل او تحطيم كل مسؤول يحاول الخروج عن طاعتها، أو يقف حجر عثرة في سبيل تنفيذ مخططاتها.؟ ولها من النفوذ والقدرة ما يجعلها قادرة على أيصال اي{حقير} الى {الزعامة} وقمة المسؤولية، وتحطيم أي قائد حيثما يشاء.؟

 

المنظمة السرية

يعطونها أسماء مختلفة أهمها-{قيادة الماسونية العالمية} وهي حكومة سرية عالمية تتحكم في شعوب العالم من وراء ستار.؟

يؤكد مؤلف كتاب اليد الخفية سبيريدوفيتش {أن القوة الخفية التي تتحرك من خلف الماسونية هي{الحكومة السرية اليهودية}

وهنا علينا أن نحدد الاستنتاجات والمعلومات عن دور هذه{القوة} التي لاتستطيع أعطاءها أسما معينا، حيث ظهرت خلال حقب التأريخ جمعيات سرية تغرق في - الرمزية - ونجد أفتضاح أمر هذه الجمعيات السرية عند أعتقال أفرادها ومعرفة طرق تنظيمها وأفشاء أسرارها.؟ ومن الطبيعي أن تستفيد التنظيمات الاخرى وتتحاشى سلبياتها ولو تغيرت الاهداف والغايات ..!

لابد من التأكيد بأنه من المعروف تأريخيا - كان لليهود دولة بمعنى الدوله زمن النبي داود-ع- والنبي الملك سليمان-عليه السلام- فقط،  وتوفي النبي الملك سليمان-ع- حوالي922قبل الميلاد-،  وفي سنة 587 قبل الميلاد -قام الملك البابلي القوي نبوخذ نصر بتوسيع نفوذ مملكته، ونظرا للشغب الذي عملته مملكة يهوذا،  قرر نبوخذنصر معاقبتهم فدمر مملكة يهودا،  وساق أهلها اسرى الى بابل -بما يعرف تاريخيا { السبي البابلي الشهير}.

ولم يستطيع اليهود بعد ذلك من أقامة دولة متماسكة لهم، رغم محاولاتهم المتكررة، حيث يعقب كل محاولة تشتيت جديد في انحاء العالم.. لذلك عمد زعماء اليهود الى أختراع فكرة{ الوعد} لدى أسرى بابل، ورسخوها في أذهانهم ليحافظوا على وحدة اليهود، وان يعيدوا لهم الثقة بأنفسهم بعد كل هذه الانقسامات بمقولة -خرافية-{شعب الله المختار}.؟؟

لذا لانستبعد عقليا فكرة ان يقوم اليهود بتأسيس جمعية سرية تعمل عى تحقيق أهدافهم التي يسمونها{غوييم} وهم الذين يعتقدون ان اليهود شعب الله المختار، لذلك لانستغرب بوجود{حكومة عالمية سرية}لليهود، لاوطن لها،  ولا أرض،  ولا سلطات.؟

لكن مامدى سيطرة هذه المنظمة السرية او {الرحكومة الخفية} على الحكومات الحقيقية،  خاصة التي أرتبط أسمها بالصهيونية العالمية واخص بالذكر         

{الماسونية}

الماسونية

قال الاستاذ فؤاد فضول وهو احد كبار الماسون العرب في كتابه {الماسونية خلاصة الحضارة الكنعانية}في معرض دفاعه عن الماسونية،  نقلا عن جان ابي نعوم وهو ايضا من كبار الماسون .؟- من هنا ساد الاعتقاد ان {البّناء الحّر} كان كنعانياً،  وان {البنائية}وهم الاسم الذي يطلقه الماسون على {الماسونية} بأنها- بنت الحضارة الكنعانية وهي قديمة قدم الانسان-.؟ ويعتقد هؤلاء بأن الصهيونية دخيلة عليها، ومتجنية فكريا وعلميا ودينيا.؟

ويكتب الاستاذ فؤاد فضول فصلاً مستقلاً في كتابه{تسلل الصهيونية الى الماسونية} يقول فيه - رب قائل يقول - لايهمنا الماضي بل يهمنا الحاضر-،  وحاضر {البنائية} يظهر علاقة البنائية بالصهيونية.!! لمثل هذا نقول أن التنكر للماضي هو تنكر للمستقبل، ونحن نرفض بشدةٍ قبول الامر الواقع ونعمل لتصحيح الحاضر.

 

التدرج في قيادة الماسونية

اغلب الناس يعتقدون ان الماسونية بجميع محافلها تدار عن طريق التسلسل من قبل قيادة يهودية لايدخلها غير اليهود، ومنهم مؤلف كتاب-حكومة العالم الخفية- سبيريدوفيتش،  لكن الاستاذ عبدالرحمن سامي مؤلف كتاب{الصهيونية والماسونية}

يقسم الماسونية الى 3ثلاث فرق

- الفرقة الأولى-المبتدئ- هم الماسونية الرمزية العامة ذات الدرجة 33 -ثلاث نقاط متراكبة نجميا-وهي الشائعة في كل الاقطار، وسميت عامة لانها للناس كافة على أختلاف أديانهم ولها ثلاث درجات اعلاها{ 33}ويسمى حاملها{أستاذ أعظم}

- الفرقة الثانية-رفيق- هي الماسونية الملوكية{العقد الملوكي}وهي متممة للفرقة الاولى ويقبل فيها{الاساتذة الاعاظم} الحائزين على درجة{33} ممن أدوا خدمات هامة جليلة لتحقيق أهداف الماسونية، لكن لايجوز لهؤلاء أن يتعدوا-المرتبة الاولى-فيها وهي رتبة{رفيق}أذا كانوا من غير اليهود.؟!!

- الفرقة الثالثة-الأستاذ- هي الماسونية الكونية وهذه لايعرف عن رئيسها ولا عن مقرها أي احد.؟ سوى أعضاءها من رؤساء محافل{العقد الملوكي} وكلهم يهود ولهذه الطبقة الماسونية محفل واحد لا يتعدد مهما طال الزمن.؟

هذه الفرقة تصدر تعليماتها الى محافل العقد الملوكي، وعن طريق هؤلاء تصل الاوامر الى محافل الماسونية الرمزية.؟-- انتهى--

ملاحظات سريةهامة

يجب ان لا ننسى ان معظم -{ماسونيّ العرب} منتمين سواءا كانوا ملوك او رؤساء ووزراء كبار او صغار.؟ لايعرفون هذه الحقائق-حسب المختصين- فهم جميعهم مهما ارتفعت درجاتهم يعتبرون في الدرجات الماسونية الدنيّا، بذلك يبقون خارج المخططات العالمية،  ومنهم من يترك الماسونية عندما يعرف حقيقة هذا الكلام عنها.؟ والباقين منهم يكابرون على أقل تقدير..ومنهم يأمل ان تتحسن الاوضاع لصالحه،  ويختلف بين كل منتمي عربي-مهما كان- واخر.؟

أما مدى نفوذ هذه المنظمات السرية او ما يسمى {حكومة العالم الخفية}على الحكومات الفعلية،  فهذا يختلف بين حكومة واخرى، فقد يصادف ان يكون رئيس دولة ما.؟ عضوا في بعض المنظمات، بينما يمكن ان يكون رئيس دولة اخر عدوا لدودا لهم .؟ فتنتقم منه بكل السبل .؟

كذلك فان قوة المنظمات الفعلية أمر فيه نظر ..والذي نعتقده أن مايكتب ويذاع وينشر فيه انواع من المبالغة وتهويل كثير، وذلك ما يرضي قادة تلك المنظمات ويجعلهم يضحكون في سرهم مما يكتب ويذاع وينشر، وهم اعرف بأنفسهم .؟ بل ربما هم من ساعدوا على هذا التهويل والمبالغة والتشويش ضمن مخطط مدروس لحرب نفسية.؟!

لكننا لا نقلل من أهمية دور المنظمات السرية او الايدي الخفية وما قدمته وتقدمه للصهيونية العالمية،  فأقامة أسرائيل وفق وعد بلفور وطرد الفلسطينيين من اوطانهم، ليست وليدة الصدفة، بل نتاج تاريخ طويل من التخطيط المضني والعمل الدؤوب المركّز،  وهو اقوى مخطط رهيب تم تنفيذه على مراحل وها هو مستمر الى الان  في تقطيع وتمزيق اوصال الدول العربية بالحروب والفتن بما يسمونه {الربيع العربي} واحتلال الدول وادخال القاعدة والنصرة وداعش الارهابية  التي من خلالها تم تدمير الجيوش والبنية التحتية وايقاف الازدهار والتعليم والتقدم باساليب ذكيه مدمرة  منها الاقتتال الداخلي بين افراد الشعب الواحد والعداء بين الدول ... كل هذه وغيرها من النتائج المؤلمة لجهود تدخل المنظمات السرية او الايادي الخفية بمساعدة بعض الحكام والعملاء  لهم.؟

 

صادق الصافي - كاتب - ناشط مدني

عراقي مقيم في النرويج

 

979-miftahصدر للشاعر المغربي عبد اللطيف الوراري ديوان جديد تحت " مُثنّى بصيغة الجمع"، عن منشورات مقاربات- فاس، يناير 2017.

  والديوان هو في الأصل قصيدة طويلة تتشكل من مقاطع وشذرات متنوعة تستغرق أزمنة وفضاءات ورموز عابرة للتاريخ الروحي والجمالي للإنسان (جلال الدين الرومي، ذو النون، الحسن والحسين، المعتمد بن عباد، ابن زيدون، زينب النفزاوية، السياب، جامع الفنا، بردى،..). ومن  خلال هذه الفسيفساء للعينين (المثنّى) يتم تأويلهما بصيغة جمع متعدد يسافر بالقارئ في أقاصي التاريخ والحضارة.

  فقد جعل الشاعر من (العينين) بما هما أول الوجه وعمقه وسر غوامضه، لازمة تتكرر طوال شذرات القصيدة، واستعارة كنائية تعبر عن جوهر الإنسان وكينونته المتحولة في احتفائها بالجمال والخير والمحبة وصراعها الخفي مع قوى الشرّ والظلام.

  979-miftahفي إحدى هذه الشذرات، يقول الشاعر:

"عَيْناكِ

أستمعُ إليهما،

يقولان:

منذ خرجنا مع الإنسان،

ونحن نُزكِّي عليه

من ماء الكَوْثر،

ونُخفِّف عنه."

 وتجدر أن الديوان- القصيدة حاز على جائزة القصيدة العربية بالمغرب في دورتها الرابعة التي حملت اسم الشاعرة أمينة المريني.

 

 

977-azizعن دار "نور نشر" بألمانيا 2016 صدر مؤخراً للناقد والكاتب المغربي عزيز العرباوي كتاب جديد تحت عنوان "الشعر العربي وغموض الحداثة: دراسات نقدية"، تعرض فيه، إضافة إلى مدخل نظري، إلى دراسة العديد من الدواوين الشعرية العربية تتوزع مناطق جغرافية متعددة من المغرب إلى الخليج، مثل الشعراء: حسن نجمي، لطيفة الأزرق، نور الدين الزويتني، صلاح دبشة، محمد حلمي الريشة، علي الستراوي، سيف الرحبي، فاطمة ناعوت، محمد علي شمس الدين، وليد علاء الدين... وغيرهم.

977-azizيقول الناقد في مقدمة الكتاب: "إن الشعر ينطلق من الواقع فيستقل عنه في المرحلة الثانية ويختلف عنه، ويؤسس لذاته عالماً خاصاً به جمالياً ودلالياً وفنياً. وبالتالي، فهو يثير هذا العالم من حيث الوعي به ومعرفته وتحديده تحديداً فجائياً ومدهشاً. إنه يتماهى مع العالم ومع الواقع لكنه يرسم لوحة لها طبيعتها الخاصة. سواء كان شعراً موزوناً مقفى، أم شعراً حراً، أم شعراً نثرياً (قصيدة النثر). فالشعر إبداع وخلق، والمهم فيه ليس الشكل والمضمون بل الإبداع المتميز والمدهش لأنه عنوان للشعرية والتميز الفني والأدبي، بعيداً عن الرداءة والفقر والفشل".

كما يؤكد الناقد أيضاً على أن "الشعر ذو طبيعة مختلفة عن طبيعة العلوم والمعارف المختلفة التي تستعمل اللغة وسيلة للتعبير عنها، بحكم أنه ليس قانوناً اجتماعياً أو فلسفياً أو ثقافياً. فهو طريقة تعبير خاصة لا يمثل الموضوع فيها إلا عنصراً من عناصر القصيدة المختلفة... إنه عالم خاص مستقل عن العالمين الداخلي والخارجي، يحتكم إلى الأسطورة والرمزية والخيال في تبني مرجعيته الخاصة. والشعر يتميز عن الدين والفلسفة والعلم بكل أنواعه من حيث وظيفته الجمالية، لأنه لا يرمي إلى تقديم غاية مباشرة، بل بالعكس فغايته هي الإيقاع والدهشة، ولا يرمي إلى تقديم معرفة معلبة جاهزة ينافس بها العلم بل له معرفته الخاصة به التي تظهر من خلال جماليته التعبيرية واللغوية".

 

sanaa alshalanمن له باع طويل ويد عليا في قراءة المذاهب الفكريّة الحديثة لا سيما الوجوديّة منها، وله إطلالته المشرفة بحقّ على الأدب العربيّ الحديث لا سيما الشّعريّ منه، يستطيع أن يحسن تثمين كتاب "الاتّجاهات الوجوديّة في الشّعر العربيّ الحديثّ" للعلامة الهنديّ محمد ثناء الله النّدوي، وهو كتاب يعدّ علامة من علامات نقد الشّعر العربيّ الحديث من منظور الفكر الوجوديّ.ومن السّهل علينا عند الإطلاع عليه أن نخمّن مقدار الجهد الفكريّ والبحثيّ والاستقصائي الذي بُذل فيها حتى استوى على الشّكل الذي قبله له مؤلّفه النّدويّ، وهو جهد لعلّه استمرّ لسنوات، ليتشبّع –بوضوح- بثقافة مؤلفه وبفكره وبآرائه ونظرته للتّأثّر والتّأثير، وفلسفته البحثيّة الرّصينة في رصد تجلّى المؤثّر في الأثر، أعني –هنا- تجلّي الاتّجاه الوجوديّ في الشّعر العربيّ الحديث.

هذا الكتاب صدر عن قسم اللّغة العربيّة في جامعة عليكره الإسلاميّة الهنديّة، وهو يقع في 357 صفحة من القطع المتوسّط، ويتكوّن من اثني عشرة فصلاً مرهونة بمقدمة تسبقها، وخاتمة تنهيها، وتجمعها في تبئير تلخيصيّ ختاميّ.

ولعلّ الكتاب يبدأ فعلاً من صفحة الإهداء، لا من صفحة المقدّمة، إذ يعبّر العلامة النّدويّ في هذه الصفحة عن الرّوح التي تملّكته وهو يقوم بهذا البحث العميق المطوّل المتأنّي، إذ يقول في الإهداء:" إهداء آخرين هم الفردوس، من وقفوا في وجه حيرتي وضياعي :أبي (أكرم مثواه) وأمي (طال بقائها) وأساتذتي، فجزاهم الله خيراً" (1)، وكأنّ العلامة النّدويّ يبدأ رحلة الحيرة من نفسه عبر رحلته الأولى مع العلم والسّؤال والمعرفة، ثم ينتقل بهذه الرّحلة بما فيها من أسئلة وجود وحيرة وشكّ ويقين إلى تجارب غيره من الحائرين في محورين:الأوّل: التّشكيل الفكريّ الممثّل في التّنظير للمدرسة الوجوديّة، والثّاني التّشكيل الإبداعيّ المتأثّر بالتّشكيل الفكريّ ممثلاً في الشّعر العربيّ الحديث المتأثّر بالوجوديّة.

وتمهيداً لذلك كلّه يرصد النّدوي مقدّمة كتابه لتكون إطلالة سريعة على الفكر الوجوديّ عبر مشكلاته ومحرّضات وجوده وتمثّلات أفكاره في ضوء المعطيات التّاريخيّة والثّقافيّة التي هيأت لولادته، أو سوّغت وجوده، وهو يجعلها توطئة ذكية ومقنعة للمقبل من كتابه حيث يقول في ختامها :" ويجب أن أشير – في نهاية هذه البداية- إلى أنّني قمتُ في هذا الكتاب بإحاطة التّنظير الفلسفيّ والأدبيّ والشّعريّ للوجوديّة الأوربيّة العربيّة الحديثة، وتقميش المعلومات حوله ودراسة الشّعر الوجوديّ في غرب آسيا بما يجعل القارئ يشاهد صرح الوجوديّة يسمع صرختها، والمؤلّف هو المسؤول عن التحرّي الموضوعيّ والاستدلال العلميّ وإيراد النّصوص والاستنتاج:قوة وضعفاً، رداً وقبولاً، على كلّ فالمجال متسع في موضوع مثل فلسفة الوجوديّة وانعكاساتها في الشّعر العربيّ الحديث" (2)

وبعد هذه المساحة الشّاسعة من الجدل والمناظرة التي يطرحها النّدويّ أمامنا ينتقل إلى مدخل كتابه الذي يعقده تحت عنوان " فلسفة الوجوديّة:تنظيرها الأنطولوجيّ وتقميصها الاجتماعيّ والرّوحيّ"، حيث يتصدّى في هذا الفصل للمحدّدات الزّمنيّة والمكانيّة والظّرفيّة التي خلقت أرضاً محفّزة لمخاض الفكر الوجوديّ، ثم دراسة للقاعدة الفكريّة للوجوديّة ابتداء من ولادتها بوصفها حركة فلسفيّة، مروراً بأشهر أعلام الوجوديين الأوربيين باستعراض مشبع لنظرياتهم الوجوديّة انطلاقاً من مناهجهم على اختلاف تشكيلاتها ومعطياتها ومكوّناتها على مستويي التّنظير والسّلوك، انتهاء بالتّوقف المتأمّل والطّويل عند مساحات التّلاقي والتشابه والتّداخل والتّنافر بين الفكر الوجوديّ والفلسفات الأخرى لاسيما  الفلسفة الإسلاميّة والغنوصيّة الإسلاميّة في ظلّ تنظير موجز حول التّصوّف الوجوديّ والأدب الوجودي الأوروبيّ، وقوفاً على عجالة عند تعريف الشّعر الوجوديّ، وهو تعريف يستثمره النّدويّ في اختياره للنّماذج الشّعريّة العربيّة التي يختارها مادة تطبيقيّة لكتابه هذا.

وقد نظّم النّدويّ هذه الأحفورات المعرفيّة في عناوين داخليّة، وهي:مدخل، أسلاف الوجوديين، ظهور الحركة الوجوديّة كحركة، القضايا المنهجيّة في الوجوديّة، التّنظير الأنطولوجي ومقولاته، الوجود، العدم، الحرية، الاختيار، الالتزام والمسؤولية، وجود الآخرين، وجود الله، مقولات العاطفة والإرادة، الأحوال العاطفيّة، معطيات الوجوديّة في الأخلاق والسّلوكيّات، أوجه التّلاقي بين الوجوديّة والفلسفة الإسلاميّة، الإنسان الكامل والرجل الأوحد، القلق، الملامتية والقلندريّة من وجهة نظر وجوديّة، التّصوف الوجوديّ.

أمّا الفصل الثّاني المعقود تحت عنوان "التّنظير الوجوديّ للأدب"، فهو يرصده لعرض يمثّل الفكر الوجوديّ في الأدب متمثّلاً ذلك في رصد دقيق ومستوف لأهم أدباء الوجوديّة وإبداعاتهم ضمن تسلسل زمنيّ دقيق ومثبت، وقوفاً عند ملامح هذا الأدب الوليد وأهم قضاياه وتجلياته وتشكّلاته وتلقّي الجماهير له في ضوء الظّروف الفكريّة والسّياسيّة الاجتماعيّة التي عايشت تلك الولادات الإبداعيّة في حضن الفكر الوجوديّ.

في حين أنّ الفصل الثّالث من كتابه كان توقّفاً ببلوغرافيّاً عند أهم الأعمال الوجوديّة التي تُرجمت إلى العربيّة، وذلك في فصل معقود تحت عنوان "ترجمة الأعمال الوجوديّة إلى العربيّة"، مع التوّقف عند بعض مواقف مفكري الوجوديّة وأدبائها التي جعلت لهم موطأ وجود واحترام وتقدير في المشهد الأدبيّ الفكريّ إبّان فيض التّرجمات من أدبهم إلى العربيّة، وهي مواقف جعلت الكثيرين يرغبون بالإطلاع على إبداعاتهم، وقد رأى النّدويّ في هذا الفصلّ أنّ الوجوديّة قد حظيت بتربة خصبة في البيئة العربيّة بعد الحرب الثانيّة للأسباب التّالية:" البعثات العلميّة التي أمّت أوروبا في الرّبع الثالث من هذا القرن، والمثقفون الذين كانوا يتقنون اللغات الأجنبيّة ويقرأون التّراث العلميّ والفلسفيّ في اللّغات الفرنسيّة والألمانيّة والانجليزيّة وسواها، ويحتكون بأساتذة الجامعات الغربية والمثقفين من الغرب، والتّرجمات التي نقلت من خلالها إلى العربيّة أعمال الوجوديين وشروحها والتّعليقات عليها"(3)، مشيراً إلى أنّ العرب قد ركزوا في التّرجمات الوجوديّة إلى العربيّة على الوجوديّة الفرنسيّة، لا سيما أعمال سارتر وكامو وسيمون دي بوفوار.

وانتقل العلامة النّدويّ في الفصل الرّابع المعقود تحت عنوان " مراجعات وتعقيبات عربيّة للفكر الوجوديّ" إلى رصد مواقف أشهر المفكرين والأدباء والنّقاد والفلاسفة والأكاديميين العرب الذين كتبوا كتباً أو دراسات أو أبحاث أو مقالات حول الوجوديّة، وهي مواقف ومؤلفات تراوحت بين العرض إلى التّبني والإعجاب إلى النّبذ والرّفض والتّفنيد والإقصاء، وفي ذلك يقول النّدويّ:" لا نجد مؤلفاً شهيراً أو كاتباً قديراً أو مثقفاً يُشار إليه بالبنان من العرب إلاّ وتناول الوجوديّة والوجوديين موقفاً هجوياً، ومنهم من دافع عن الوجوديّة وفلسفتها وأدبها، ومن أشهر من تناول الوجوديّة دفاعاً أو هجوماً على السّاحة العربيّة:عباس محمود العقاد، وطه حسين، وسلامه موسى ويوسف إدريس وحسين مؤنس ولويس عوض وأحمد بهاء الدّين وأنور الجندي ومحمد لبيب البوهي"(4)

أمّا في فصل "توأمة الحداثة والوجوديّة على السّاحة العربيّة" فقد قدّم النّدويّ رؤيته الخاصّة حول حدود التّداخل والاستدعاء والاستعارة والاستنهاض في تخوم الحداثة والوجوديّة في السّاحة الإبداعيّة العربيّة المحدثة؛إذ يرى النّدويّ أنّ الحداثة تتضمّن عناصر عدّة، وتستلزم الأخذ بعناصر عدّة، وواجهت صعوبات عديدة منذ نشأتها في أوساط الأدب العربيّ الحديث لا سيما الشّعريّ منه، وهي جميعها تقودنا إلى الاستدراك على تأثر الأدب العربيّ بالوجوديّة لاسيما أنّ الحداثة واجهت رفضاً كما واجهت الوجوديّة، وفي ذلك يقول النّدويّ مفسّراً:" في رأيي أنّ هذه المعاناة الذّهنيّة أو وليدة العقل، لأنّ العالم الحديث الذي يتحدّث عنه المحدثون يعنون به العالم الأمريكيّ والأوروبيّ، وليس العالم الوطنيّ الحديث الذي وُلد ونشأ فيه الأديب العربيّ، وهذا يجعل الحداثة الشّعريّة لدى الشّعراء والنّقاد المحدثين وكأنّها جسم غريب مستعار"(5) .وفي هذا الصّدد توقّف النّدويّ عند مسألة الوزن والقافية، والنّثر الشّعريّ والشّعر المنثور، والقصيدة الحديثة، واللّغة الشّعريّة الحديثة.

في حين رصد النّدوي الفصل السّادس من كتابه ليكون بعنوان " الوجوديّة في الشّعر العربيّ الحديث"، وفيه يتوقّف على حلول الوجوديّة في المبنى الشّعريّ العربيّ، وفي ذلك يقول:" الوجوديّة نوع من الحداثة الفكريّة في الشّعر العربيّ الحديث، ولا يخفى على الباحث أنّ الشّعر العربيّ الحديث شهد ألواناً من معطيات فكريّة وتجارب شعريّة في العصر الحديث... لقد حمل الفكر الوجوديّ إلى المجتمع العربيّ معطيات إيجابيّة ومعطيات سلبيّة في آن واحد..."(6).وقد توقّف عند أهم الصّفات التي تتميّز بها النّقطة الوجوديّة المليئة بالمعاني، وهي :الجزع، والقلق.إلى جانب الوقوف عند أداوت التّعبير وما اعتراها من تغيير على مستويات الألفاظ والصّور والوزن في ظلّ الوجوديّة، وصولاً إلى الوقوف عند موضوعات التّعبير التي يقول النّدوي في عنها:" موضوعات التّعبير غير محدودة في الشّعر الوجوديّ، وللشّاعر الوجوديّ أن يطرق أيّ موضوع شاء، لكن بشرط أن يكون في هذا الموضوع ما يرتفع به إلى إبداع عالم من الإمكان في نطاق الذّاتيّة، وهو لهذا لا يضيّق حدود إلهامه بشيء ممّا يتصل بطبيعة الموضوع المعالج"(7)

وشكليّاً الفصول السّت الأولى من هذا الكتاب هي حقل تنظيريّ ومنجز عملاق من الببلوغرافيا والرّصد الزّمنيّ والتّجذير التّاريخيّ والفكريّ والجماليّ لما يعرضه النّدويّ من أنساق فكريّة واستدعاءات فكريّة وسلوكيّة وفنيّة، في إزاء الموقف البحثيّ الصّارم الذي يصدر عنه في تجلياته وانتقاءاته وتشكيلاته الفكريّة والجماليّة، وهو موقف يرصد بحياديّة تحليليّة، تسمح للملتقي بتشكيل رؤيته وموقفه دون دفعه إلى تبنّي موقف بحد ذاته خارج عن حقّه في حريّة تلقي الحالة الجماليّة التي هو بصددها وفق معرفته بالأرضيّة التّاريخيّة للفكر الوجوديّ.

أمّا الفصول السّتة الأخيرة من هذا الكتاب فهي تشكّل الجزء التّطبيقيّ من هذه الدّراسة حيث تنعقد في سبعة فصول تحمل على التّوالي العناوين التّالية:" شعراء وجوديون" وخليل الحاوي:ترتيل ناي وريح ورماد" و"بين قافية الحياة وقافية الشّعر:انعكاسات بدوي في مرآة نفسه" و"حطام الفراغ وشموخ الحريّة:أدونيس وأغانيه" و"البياتي وإدماء سيزيف" و"بقايا رجاء في بقايا رجل:المأساويّ المتفائل في صلاح عبد الصّبور".وفي هذه الفصول يبتدأ النّدويّ دراسته التّطبيقيّة بتقعيد أهمّ ملامح الوجوديّة في الشّعر العربيّ المعاصر حيث يقول في ذلك:" الشّعر الوجوديّ يكثر من استخدام الصّور في التّعبير قدر المستطاع، بحيث لو قدر أن يجعل تعبيراته كلّها معرضاً مستمرّاً لصور متوالية لكان من الذّروة العليا من الإبداع في الأداء"(8)،  و"الشّعر الوجوديّ يطرق أيّ موضوع شاء بشرط أن يكون في هذا الموضوع ما يرتفع به إلى إبداع عالم من الإمكان في نطاق الذّاتيّة" (9)، و" الشّعر الوجوديّ العربيّ يمثّل المعطيات السّلبيّة والمعطيات الإيجابيّة لفلسفة الوجوديّة في آن معاً، فمن المعطيات السّلبيّة ما امتلأ به الفكر الوجوديّ من معاني التّمزّق واليأس والعبث والاستسلام والقرف والغربة والقلق والتّوتّر والملل والضّياع والغثيان والتّنكّر لقيم الأخلاق والعيش في دوامة الحيرة والتّناقض والانسحاق ومسرحياتها، أمّا الجوانب الوجوديّة الايجابيّة من الفكر الوجوديّ فهي تتمثّل في مبدأ اعتبار الإنسان أصلاً في الوجود، وتوكيد الذّات الفرديّة والحريّة التي لا يقيّدها شيء والتي تتحقّق بالعمل والإبداع وتغيير الحاضر وبناء المستقبل، هذه الحريّة تجعل الإنسان مسؤولاً عن هذا الاختيار، وبالتالي عن هذا العالم كلّه، فالحريّة والالتزام الكلّي أفضل ما منحتنا فلسفة الوجوديّة وأفضل ما تبّناه الشّعر"(10)، " الوجوديّ ينبذ كلّ ما هو وراء المادة وكلّ ما هو خارج الوجود الإنسانيّ، إنّه يبدع إنجيله من تراتيله، ويولد في كلّ غدّ من جديد، وهو في اختياره لهجة البرق والصّاعقة قديس بربريّ وساحر الغبار وفارس الكلمات الغريبة، والأرض له سرير وزوجة والعالم انحناء، ويصعد الإله من أعماقه، إنّه يبحث عن عالم يبدأ في طرف العالم"(11)

وبعد أن يحدّد النّدوي المعاني التي تسكن الوجوديّة وتتجلّى في الشّعر العربيّ الحديث ينطلق إلى رصدها في الأمثلة التطبيقيّة الخمسة التي اختارها؛ويتوقّف عندها جميعاً بالتّعريف بالأديب صاحبّ النّص المستدعى وبعلاقته بالوجوديّة وروافدها الفكريّة وما قيل عنه في هذا الصّدد، ثم يتخيّر العمل الذي يراه أنموذجاً لحلول الوجوديّة في فكر شعره، ثم يشرع يفكّكه، ويُعمِل مبضعه فيه بخفّة متمرّسة، فيخلع عن الصّمت رداءه، ويرينا وجه الوجوديّة في خفاء المسكوت عنه في تلك النّماذج المتخيّرة، ثم يترك لنا أن نقيّم العمل الإبداعيّ الذي شرّحه لنا، بعد أن وضعه في أحضاننا مخلّياً بيننا وبينه، لنتلمّس فيه ملامح الوجوديّة وفق فهمنا لها، وتعاطينا مع ملامحها وأفكارها وطروحاتها.

وخليل الحاوي هو أوّل من يستدعيه أنموذجاً للشّعر العربيّ الوجوديّ، حيث يدرس بعض قصائد ديواني" نهر الرّماد" و"النأي والريح" ليصل بنا إلى أنّ هذين الدّيوانين يشكّلان ذروة الشّعر الوجوديّ الرّصين في الأدب العربيّ، كما يمثّلان تجربة حضاريّة تتصدّى للقلق والتمزّق الذين يثيران الحيرة واللّبس"(12)، ثم يرحل إلى الدكتور عبد الرّحمن بدوي في ديوانه "مرآة نفسي" حيث يستعرض في قصائده ملامح كثيرة ومتعدّدة ومتكرّرة للوجوديّة في أكثر صورها جلاء، ثم بعد ذلك يعرّج على الشّاعر أدونيس في ديوانه "أغاني مهيار الدّمشقيّ" الذي يتكوّن من سبعة فصول جميعها تحتوي  على عناصر وجودية بشكل ظاهر ومسيطر على أجواء القصيدة، ثم يطيل وقوفه في الفصل الحادي عشر عند الشّاعر عبد الوهاب البياتي، حيث يدرس قصائد مختارة من دواوينه الشّعريّة التي تعجّ بالوجوديّة، مثل:"أباريق مهشمة" و"النّار والكلمات"و"سفر الفقر والثّورة" وغيرها، وذلك في إطار خليط بين الماركسيّة والقوميّة العربيّة والوجوديّة "بما تقوم عليه من مفاهيم الحريّة ومعاناة الوجود الإنسانيّ من أزماته ومشكلاته وقضايا الذّات الفرديّة والجماعيّة، والتزام ذلك طوعاً واختياراً من خلال المفهوم الحقيقيّ للحريّة الوجوديّة"(13)، ثم ينتهي عند صلاح عبد الدين عبد الصّبور في ديوانه " النّاس في بلادي" الذي بدأ تجاربه الشّعريّة واقعيّاً اشتراكيّاً ثم انتهى وجودياً بامتياز في ديوانه "النّاس في بلادي" الذي يقول النّدوي عنه:" صلاح الحائر القلق السّاخط الرّاضي يمثّل جيلاً صاعداً في كفره وإيمانه، في نجاحه وإخفاقه، ولكنّه لا يؤمن بالهزيمة، لأنّها تدمير، وهو يحبّ البناء، وهو على استعداد تام لمواجهة الحياة العابثة والهادفة على حدّ سواء"(14)

وينهي النّدوي كتابه بتأكيده أنّ دراسة تجلّي الوجوديّة في الشّعر العربيّ المعاصر هي حالة وعي بحالة جماليّة لها مسوّغاتها الفكريّة والاجتماعيّة والسّياقيّة، وليست مجرّد طفرة أو حيلة استعراضيّة أو استدعاء أعمى هدفه التّقليد لا غير، وبذلك يقول:" ويجب التّأكّد من حقيقة هي أنّ جوهر التّنظير والتّطبيق في كلّ من فلسفة الوجوديّة وغزوها للعالم العربيّ وأوساط الثّقافة والأدب العربيّة، وظلالها وأضواءها ومخلفاتها في المجتمع العربيّ وانعكاساتها في الشّعر العربيّ الحديث يجب أن لا يتراءى تزويقاً أو تسويغاً بأيّ نوع كان، وإنّما هو بلورة واقع كينونيّ بأبعاده البراجماتيّة والوظيفيّة والجماليّة"(15)

 

.........................

الإحالات:

1- محمد ثناء الله النّدوي: الاتجاهات الوجوديّة في الشّعر العربيّ المعاصر، ط1، منشورات قسم اللغة العربيّة وآدابها، جامعة عليكره الإسلاميّة، عليكره، الهند، ص صفر.

2- نفسه:ص VI

3- نفسه:ص100

4- نفسه:ص128.

5- نفسه:ص146.

6- نفسه:ص170.

7- نفسه:ص183.

8- نفسه:ص193

9- نفسه:ص193

10- نفسه:ص194

11-  نفسه: ص194-195.

12- نفسه:ص213

13- نفسه:ص277

14- نفسه:ص324

15- نفسه:ص334.

 

karim abdulahashimيكتسب كتاب (التعليم في العراق – هبوط في الوعي الأجتماعي والثقافي والأداري – لمؤلفه الدكتور عبد جاسم الساعدي) أهمية كبيرة، وذلك لأهمية الموضوع الذي تناوله المؤلف – التربية والتعليم لدينا – وبسبب حاجتنا الماسة لهكذا بحوث ودراسات ومواضيع اذ نسعى للألتحاق بمسيرة الركب العالمي ومجاراة التطور والنقلات العلمية والثقافية والأجتماعية والسلوكية التي خطاها العالم المحيط بنا، ونحن لازلنا نركن بملل وتكاسل في القاع ونندرج ضمن قوائم البلدان المتردية والمتخلفة، ونتحمل من نتيجة ذلك شتى أنواع الأفرازات والأرهاصات والصراعات الأجتماعية والنفسية والسلوكية، ونعاني تخلفا في نظمنا الأدارية وعقم وتردي في جدوى سعينا ونشاطنا الحياتي اليومي .

ان مايصح أن نطلق عليه (أزمة التربية والتعليم) لدينا هي الأساس والقاسم المشترك لكل أزماتنا المتشعبة والمتشابكة على جميع الأصعدة .

وأزمة التربية والتعليم هي (أم) الأزمات والمحن كلها . فبسببها حصلنا على ناتج اجتماعي وثقافي وسياسي واداري رديء وممزق، وبسببها تطفو المحن فوق رؤوسنا وتتناوب علينا الصراعات والتقاطعات والغايات ويتم جرنا الى التشظي والعدم .

لقد تناول هذا الكتاب في الفصول التي بحثها بواقعية وعلمية تنم عن أفق وعلم ودراية وتجربة لدى المؤلف، فجاءت غنية بالطروحات والمباحث العلمية الناتجة عن خبرة علمية وممارسة ميدانية فعلية استخلص منها الكاتب كتابه .

1022 abdjasimتطرق الدكتور عبد جاسم الساعدي الى (فلسفة التربية والتعليم) بأعتبارها (مجموعة المعارف والمفاهيم والنظريات المنتظمة في اطار فكري شامل تقوم عليه المدرسة التربوية ومناهجها التعليمية ص7) لتنتج مواطنا صالحا يتعايش بأنسجام وفعالية مع محيطه ويتمكن من اداء دوره الوطني وينسجم مع معاني المواطنة الصحيحة . وان التعليم الحديث لايندرج ضمن اطار تلقين ثوابت نظرية سالفة وحشو مفاهيم ثابتة وانما يسعى الى خلق التوعية والمشاركة وتنمية القدرات العقلية والجسمية لدى الفرد وزرع القدرة والكفاءة (النقدية) لديه بما يمكنه من الأستيعاب والمحاورة والنقد البناء وبما يؤهله للأطلاع على تجارب الآخرين ونقدها والأستفادة منها .

وقد ركز الكاتب على ان التعليم يجب أن ينمو ويتطور بنمو وتطور الحياة والمحيط (فالتعليم ليس حالة راكدة انه بناء تام يتصل بالتجربة والتدريب والأضافات ص10) بما يؤهل الأفراد الى ممارسة وعي فكري يكون وسيلة لتكريس بنية مجتمعية حديثة تنسجم مع التطورات والمعارف . وقد أشار الكاتب الى كيفية توجيه العملية التربوية لدى المفكرين والمختصين العالميين ولدى قادة ومفكري الأشتراكية وغيرهم، ودعا الى ضرورة تبني (التربية النقدية) بأعتبارها الوسيلة لتهيئة مجتمع كفوء يتمكن من قيادة وادامة نفسه مستقبلا . والتربية المدنية النقدية التي من ضمن تفاسيرها اثارة النقاش والتساؤل عن كل مايدور حولنا في اطار تربوي يستخلص التجارب والظروف والأسباب والحلول ويهيء لما هو أفضل كبداية لتحقيق مجتمع أكثر نهضة وحال أكثر تحسنا، أما غير ذلك فهو عبارة عن (تسييس) للتربية وابقائها ضمن أطر وتقاليد ومواد دراسية جامدة متفق عليها لاتغني شيئا ولاتصنع تطورا ونهوضا .

تطرق الكاتب الى المدرسة – البيئات الأجتماعية والبيئة المدرسية – الوعي الأجتماعي النقدي . فالمدرسة بأعتبارها (فضاء لايعادله فضاء آخر، بمايحمله من معان ودلالات انسانية ومعرفية وثقافية واجتماعية يمكن من خلالها رسم آفاق الحياة والمجتمع ص28))، وان المدرسة هي المجتمع الصغير الذي يجب أن يكون (مشذبا من الشوائب) الموجودة في المجتمع تستوعب جميع الأفراد والطاقات لأجل بناء انسان متعلم متطور يستوعب تراثه ويساهم في حركة تغيير وتطوير المجتمع، وتشجعهم على التحلي بشخصية المواطنة الضرورية الفعالة في الأنتاج والكفاءة . ولأجل ذلك فان المدرسة ليست مجرد بناية أو مكان، وانما هي نظام تربوي يجب أن يتم تشييده وفق هذه الأسس والأهداف لتصبح المدرسة (عالم ينمو ويتحرك ص32) . وهذا النظام التربوي – هذه المدرسة الفعالة (لا يخلق من قوة النفوذ والسلطة والقبيلة والسلاح ص33) وانما يجب أن تتحرر من هذه الهيمنة كما تحررت مدارس أوربا من هيمنة الكنيسة والطبقات الحاكمة الأرستقراطية لتصبح مهمتها (ايقاظ الوعي في البيئة الأجتماعية والمحيط الأجتماعي ص36) و(لأعادة بناء الأنسان والمجتمع والحياة والعلاقات الأجتماعية وأنماط الحوار وتشكيل الوعي النقدي الأنساني ص39) .

وفي بحثه عن التعليم في العراق توسع الكاتب في مواضيعه وتغلغل الى الكثير من التفصيلات التي تتعلق بالعملية التربوية وماتعانيه من تردي وانحطاط و(ان التعليم قد أصابه الأهمال سواء في المدن المستقرة أو المضطربة ولم تضع الدولة ومؤسساتها استراتيجية علمية ناجحة بخاصة وزارة التربية التي وقعت مع الأسف تحت قبضة المحاصصات الطائفية البغيضة في استدعاء – متخلفين – وطارئين على التعليم والبحث والأدارة ص40) . ويتوسع المؤلف بهذا الصدد ليوضح كيف ان الجهل والتجهيل وسيلة للأستحواذ على السلطة والأمساك بمقاليد الأمور، وكيف تسعى هذه الجهات الى تحريك مشاعر الناس وجهلهم لكسب أصواتهم مقابل وعود بغد أفضل، وكيف ان البيئة المدرسية في العراق (طاردة بأجماع الباحثين والدارسين والهيئات التعليمية والطلبة وعوائلهم ص41) وأشار الى الكثير من الأمور السلبية والفضائح التي تنتاب واقعنا التربوي، وكيف ان وزارة التربية لم تتمكن من ايجاد طريقة وبرنامج واضح وفعال للأستفادة من المبالغ التي منحت الى العراق لأغراض التربية والتعليم ولم تتمكن من توفير أبسط مستلزمات ومقتضيات النهوض بالواقع التربوي، حيث الأبنية المدرسية المتهالكة أو التي تفتقد الى الخدمات أو المدارس التي على شكل كرفانات، أو الصفوف المكتظة بالطلاب الى الحد غير المقبول، أو افتقار العملية التربوية والكوادر التدريسية الى تنشيط وتحديث أساليب التعليم والمواكبة والأطلاع على تجارب الآخرين التعليمية ووسائلهم والأستفادة منها وتطبيق ماينسجم منها على نظامنا التعليمي، وانعدام الفعاليات والورشات المختبرية وسبل ووسائل الأيضاح والتطوير (ضعف الوعي البيئي لدى الكادر التدريسي – عدم توفر الساحات النموذجية – غياب التخطيط في توزيع الطلاب على الصفوف ص49) .

وقد تضمن الكتاب عدد من الأحصائيات والجداول التوضيحية لبيان الكثير من الحالات والتفرعات، ومنها مستوى عدم توفر الخدمات والأهمال للمدارس في بعض منلطق بغداد (حال التعليم الأكثر تدهورا وخرابا في الحضور والشعور النفسي والأجتماعي في المناطق الشعبية كالرشاد وحي المعامل والباوية والزعفرانية والمدائن والفضيلية والعبيدي وحي التنك وحي النصر ص48) .

برغم كل هذا التدهور الا ان المسؤولين في مجلس النواب أو الوزارة المختصة (يبحثون عن بدائل مضادة لحقوق المواطنة والتعليم المجاني في التوجه نحو الخصخصة تدريجيا ص53) . أو التدريس الخصوصي الناتج عن ضغط الكوادر التدريسية على الطلبة وعلى اهاليهم وارغامهم على القبول والتسليم بها برغم كل ظروف العوز والحاجة .

ان العملية التربوية اذا لم تجد الدعم الحقيقي والتخطيط العلمي الصائب لن تتمكن من احتواء أجيال الشباب (الذين يتحولون تدريجيا الى جحافل من ضحايا الحروب والعنف والقسوة والتهجير والبطالة ص61) .

وتطرق المؤلف الى الصراعات الثقافية والدينية والطبقية التي يتعرض لها التعليم في العراق، وكيف تتحول هذه الصراعات الى عملية (مسخ لهوية الأنسان وانتماءاته وأنماط تفكيره ص67)، ومثال على ذلك التدريس في العصور الملكية والعثمانية وفي الأزهر قبل مطلع القرن العشرين التي تعلم الطاعة والخضوع لولي الأمر مهما كان، وتلقنهم بعض حواشي ومتون الكتب بعيدا عن العلوم المنقولة من دول الكفر , وكيف كان تعليم البنات يشكل صراعا ومشكلة اجتماعية .

الأحصائيات التي قدمها المؤلف تدلل على ممارسة فعلية وخبرة عملية تولدت من خلال مهام قامت بها كما قال المؤلف (جمعية الثقافة للجميع)، كبراهين وأدلة على تردي الواقع التربوي في العراق حاليا، والى ظاهرة تسرب الطلبة، ونسبة الطلبة الراسبين والتاركين، ومستويات نجاح الطلبة والطالبات .

وتطرق الى ظاهرة الأمية التي استشرت وتضاعفت في السنوات الأخيرة، والحلول الممكنة لها، ومدى الأستعداد والجاهزية لدى الدوائر المختصة بذلك، والقوانين المشرعة بهذا الخصوص وهل هنالك امكانية لتطبيقها وتنفيذها كحلول تم رسمها سابقا .

يكتسب هذا الكتاب أهميته الكبيرة بسبب حاجتنا الى مثل هذه البحوث المختصة بمعالجة شؤوننا والتي تبحث وتسعى لأجل تطويرها، وبسبب غنى المادة والدلالة والأيضاح والحلول التي يقترحها أو يشير اليها أو يمكن استخلاصها من الدروس الواردة فيه والتي تؤكد انها جاءت من صميم الواقع المعاش والتجربة العملية والأمكانية العلمية لدى المؤلف .. لاأملك الا أن أحيي المؤلف الدكتور عبد جاسم الساعدي على جهده العلمي الرصين الذي وضعه بين ايدينا، وجمعية الثقافة للجميع على مساهماتها في هذا المجال .

 

كريم عبدالله هاشم