1092 ahmadصدرت عن دار المدى ببغداد السيرة الذاتية للباحث والروائي علي الشوك تحت عنوان "الكتابة والحياة"، وهي سيرة جريئة بكل ما تنطوي عليه الكلمة من معنى رغم استئذانه من بعض الشخصيات النسائية، واستعاضته بالأحرف الأولى لشخصيات أخر آثرت البقاء خلف الستائر المُعتِمة لأنها لم تتعلم مواجهة الذات طوال حياتها فكيف تستطيع مواجهة الآخرين؟

قبل أن نلج في تفاصيل هذه السيرة الذاتية الشائكة لابد من الإشارة إلى أن علي الشوك قارئ نهم أحبّ قراءة الأدب والفن واللغة، ولعله انقطع زمنًا طويلاً لقراءة الرواية، وتعلق بأبرز أساطينها أمثال تورغينيف، دستويفسكي، ستندال وغيرهم من الذين تمنى مجاراتهم، والكتابة على غرار ما كتبوه من أعمال إبداعية خالدة مثل "الحب الأول"، و "المقامر" و "الأحمر والأسود".

وُلد علي الشوك في كرادة مريم ببغداد عام 1929، وحين أكمل المرحلة الثانوية أبتُعِث إلى الجامعة الأميركية ببيروت عام 1947 لدراسة الهندسة المعمارية التي لم يخترها بنفسه، وسوف يبدّل اختصاصه في بيركلي ليدرس الرياضيات. أفاد الشوك من بيروت، التي يعتبرها مدرسته الأولى، في التعامل مع اللغة والتاريخ والأسطورة بفضل البروفيسور أنيس فريحة. أما بيركلي التي درس فيها الرياضيات فقد فتحت شهيته على الموسيقى وأتاحت له مشاهدة معظم أوبرات فيردي، وفاغنر، وموتسارت وسواهم من كبار المبدعين الذين سيسهمون في تأسيس ذائقته الموسيقية.

كان الشوك ذا نزعة يسارية منذ أيام بيروت وبيركلي وحينما عاد تلقفه "الرفاق" فانتمى إلى الحزب الشيوعي وتقبّل ظروف العمل السري "عن غير قناعة فطرية"(ص22) لكنه تعرّض للتنكيل في أواخر عام 1956 لأنه لم يقدّم للوزارة أسماء الطلاب الذين تظاهروا مؤيدين تأميم قناة السويس.

لم ينجُ علي الشوك من الازدواجية، فهو ماركسي لكنه ينتمي إلى أسرة إرستقراطية، اشتراكي لكنه لا يمقت العالَم الرأسمالي، طوباوي لكنه يعيش على أرض الواقع ويلهث خلف الحسناوات بحجة الإلهام الروائي. لابد من الوقوف عند علاقته الوطيدة مع الدكتور نوري السعدي، هذا الكائن المتحرر جدًا الذي تماهى مع الشوك وبات يشعر بالعزلة من دونه. دعونا نؤجل الحديث عن المرأة والصداقة ونتوقف قليلاً عند السياسة التي أفضت به بعد انقلاب 1963 إلى السجن في "قصر النهاية" والتعذيب الذي لم يتحمله أكثر من ثلث ساعة فقدّم "اعترافه" ونجا بجلده ليقرر عام 1979 الفرار من "بلد يحكمه رجل مشبوه، ويتصرّف بمصائرنا كما يشاء"(ص160). وسوف تستمر رحلة المنفى وعذاباته إلى تشيكوسلوفاكيا ومنها إلى هنغاريا قبل أن يستقر به المقام بلندن التي تمنحه حق اللجوء السياسي وتتكفل بسكنه ومعيشته إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولا.

نساء علي الشوك كثيرات بما فيهن بطلاته الروائيات اللواتي ألهمنهُ جلّ نصوصه الروائية ولكن تظل السيدة هناء أدور أهمهن على الإطلاق ذلك لأن جميع النساء اللواتي تعرّف عليهن "جئن عن طريقها"(ص95). ثم يمضي إلى القول:"إنّ هناء كانت أهم امرأة في حياتي وأقربهن إلى نفسي. وأنا هنا لا أعني بذلك أن هناك حُبًا أو عشقًا بيني وبينها"(ص96). وإنما يعتبرها حضنًا عائليًا ويضعها في مستوى علاقته بنوري السعدي الذي كان يبوح له بكل خلجات مشاعره الأمر الذي أفضى إلى الانسجام الهائل بينهما.

كان علي الشوك باحثًا ومفكرًا ولغويًا قبل أن يكون روائيًا فلاغرابة أن يعترض البعض في حينه على ترشيحه للهيأة الإدارية لاتحاد الأدباء لأنه "مثقف، وليس أديبًا"(ص72). وكان الشوك يُدرك سلفًا أن ثقافته الموسوعية سوف تنأى به عن عالم الرواية والأدب الذي بدأهُ بعد خمسين عامًا من القراءة والكتابة والتجارب العاطفية والاجتماعية والسياسية. وكان لابد له أن ينجز عددًا من الكتب التنظيرية المتخصصة فأصدر "الدادائية بين الأمس واليوم"، "الأطروحة الفنطازية"، "الموسيقى الإليكترونية"، "من روائع الشعر السومري"، "جولة في أقاليم اللغة والأسطورة"، وسواها من الكتب الثقافية الرصينة لكن همّه كان منصبًا على الأدب. ولسوء الحظ أصدر مسرحية "الغزاة" التي فشلت وتعرضت للنقد لأنه لم يكن يتوفر على خبرة بفن المسرح، وظل رهانهُ قائمًا على الرواية التي يربطها دائمًا ببطلة خارقة الجمال مثل "زينايدا" في "الحُب الأول" و "ماتيلد" في "الأحمر والأسود" وغيرهن من الفاتنات خصوصًا إذا كنّ يُجدن الرقص. وبما أن هناء أدور قد عرّفته على بعض النساء الألمانيات أمثال إينه Inge وكارولا، كما تعرّف إلى (غ) التي اعتبَرها ملِكة وأجمل امرأة في الوجود وقد دخلن نصوصه الروائية تباعًا لكنه لم يحقق الرواية العصيّة على الكتابة مع أنه ظل يزعم طوال حياته بأنه يروم كتابة اللامكتوب أو الرواية الحلم التي لا ترخي الطبع ولا تسلس القياد إلاّ لأصحاب المواهب الكبيرة الذين غيّروا ذائقة القرّاء في مختلف أرجاء العالم.

من حسنات علي الشوك أنه يستأنس بآراء بعض الكُتاب من أصدقائه المقرّبين أمثال فؤاد التكرلي، كامل شياع، غانم حمدون وآخرين ولا يدفع مخطوطته للنشر إذا كانت آراؤهم متحفظة أو سلبية، ومن مثالب هذا الرجل هو غروره أو ثقته العالية بالنفس وإلاّ كيف نبرِّر مقولته المثيرة للاستغراب: "أنا أعلم أنني مثقف من الطراز الأول في كل شيء تقريبًا، لكنني أحب الرواية والموسيقى أكثر من أي شيء"(ص72).

على الرغم من رصانة أبحاثه، وعمق دراساته اللغوية إلاّ أنه يتواضع أحيانًا حينما ينتبه إلى تفوّق الأوروبيين في بعض المجالات البحثية. فحينما أنجز كتاب عن الجذور المشتركة بين اللغات السامية-الحامية واللغات الهندية- الأوروبية نصحه أحد المستشرقين بقراءة كتاب "محاولة في المقارنة بين اللغات" لإيليتش سفيتش الذي يتناول العلاقة بين ست مجموعات لغوية وحينما قرأه شعر بالفارق المعلوماتي الكبير فقال بتواضع شديد:"شعرتُ كم نحن متخلفون بالمقارنة مع الآخرين، لا سيما الروس أو السوفييت"(ص94).

لابد من الإقرار بأن معظم روايات علي الشوك جريئة، ومثيرة للجدل في ثيماتها الرئيسة مثل "أحاديث يوم الأحد"، "مثلث متساوي الساقين"، "فتاة من طراز خاص"، "تمارا"،  "فرس البراري" وبقية الروايات الخمس التي تتمحور حول موضوعات سياسية وثقافية وفنية. وكالعادة فقد استقبلها النقّاد بطرق مختلفة وخاصة رواية "الأوبرا والكلب"، التي قرأها البعض بتعالٍ مثل الناقدة فاطمة المحسن، وبعضهم الآخر استقبلها بمحبة وإعجاب مثل الروائي محمود سعيد. أما رواية "موعد مع الموت" التي استوحاها من حادثة اغتيال الكاتب "كامل شياع" فقد نالت إعجاب الشاعر فوزي كريم وقرأها في ليلة واحدة لأنه وجد فيها أكثر من عامل مشوّق.

يحتاج العالم الروائي الذي خلقه الشوك إلى دراسات معقمة تتناول الثيمات، والشخصيات، واللغة، والبناء المعماري وغيرها من المعطيات الفنية والفكرية والإبداعية التي تتطلب قراءات تفكيكية بِعُددٍ نقدية متطورة جدًا تستطيع أن تبرهن فعلاً بأن "الجمال هو أعظم قوة على وجه الأرض" كما يذهب الروائي الفرنسي أناتول فرانس.

يختم علي الشوك سيرته الذاتية بالقول إنه كَتَبها "بكل تلقائية وصدق"(266) ولا غروَ في أن يعترف في عامه الثامن والثمانين بالتعب، والإجهاد، وانطفاء الجذوة، وضمور الذاكرة وهذه من اشتراطات الشيخوخة التي لن يفلت منها أحد، ومع ذلك فهو يصرخ في المضمار الأخير: "أيتها الأفكار لا تخذليني، ويا صفاء الذهن هلّم إليّ ولو بجزءٍ من طاقاتك"(ص268).

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

1093 hatamالذكاء، اللغة، التعاون، التكنلوجيا هي ليست استجابات متكيفة للظروف الخارجية، بل ان الانسان هو كائن مستقل في ما يقوم به. لم تكن النشاطات المتعلمة المنقولة اجتماعيا من اسلافنا هي نتيجة للمناخ والكائنات المفترسة والأمراض كعوامل خلقت الظروف التي في ظلها تطور الذكاء، بل ان الذهن الانساني لم يتأسس فقط لأجل الثقافة وانما بُني بواسطتها.

الكاتب لالاند وهو عالم اعصاب تطوري وصف الثقافة في كتابه الجديد (سمفونية دارون التي لم تنته: كيف صنعت الثقافة ذهن الانسان) (1)، كانت مهمته السعي لفهم الكيفية التي طور بها الانسان قدرات ذهنية تتجاوز قدررات الكائنات الاخرى.

محتويات الكتاب:

الجزء الاول: اصول الثقافة

1- سمفونية دارون التي لم تنته

2- الاستنساخ الغامض

3- لماذا نستنسخ؟

4- قصة سمكتين

5- اصل الابداع

الجزء الثاني: تطور الذهن

6- تطور الذكاء

7- الولاء العالي

8- لماذا نحن فقط نمتلك لغة

9- التطور الجيني-الثقافي المشترك

10 فجر الحضارة

11- اسس التعاون

12- الفنون

 يرى تيلر كوين بان الفهم الصحيح للعلاقة بين الثقافة والسلوك الاقتصادي هو "المشكلة التي لم تُحل وهو القضية الاكثر اهمية في الاقتصاد وفي العلوم الاجتماعية". لازلنا نكافح لأجل تعريف الثقافة، ونتذكر تعريف جويل موكير لها:

هي مجموعة من العقائد والقيم والافضليات القادرة على التاثير في السلوك الذي ينتقل اجتماعيا وليس وراثيا والذي تتقاسمه بعض الفئات الفرعية للمجتمع.

اما جوزيف هينرش الذي يتداخل عمله مع لالاند فقد كتب:

الثقافة هي ذلك الهيكل الكبير من الممارسات والتكنلوجيا وطرق حل المشاكل والادوات والمحفزات والقيم والعقائد التي نكتسبها جميعنا اثناء النمو، اغلبها عبر التعلم من الناس الآخرين.

يذكر لالاند:

اعني بـ "الثقافة"التراكم المكثف للمعرفة المكتسبة المتقاسمة، والتحسن المتكرر في التكنلوجيا بمرور الزمن. نجاح الانسانية يُعزى احيانا الى ذكائنا لكن الثقافة في الواقع هي التي تجعلنا اذكياء. الذكاء ليس بعيد الصلة وانما منْ يقرر نوعنا هو المقدرة على استثمار فهمنا ومعرفتنا والبناء على كل واحد من الحلول الاخرى. وهناك من يعرّف الثقافة كفكر منقول اجتماعيا ونماذج ونزعات سلوكية. هذا يترك جانبا التجليات المادية للثقافة كالادوات والتكنلوجيا التي تضمنتها تعريفات لالاند وهيرنش. ان الادوات والتكنلوجيا يعتبرهما البعض كظاهرة متميزة عن الثقافة رغم انهما يساعدان في رسم صورة الثقافة ومنتجاتها.

تعريف لالاند يؤكد على الطبيعة التراكمية للثقافة وهو يجادل ان هذا هو ما يجعل الانسان مختلفا. وفيما يتعلق بالمخلوقات الاخرى التي تتقاسم المعرفة، مثلما يحصل عندما يدرّب ابوا الحيوان ذريتهما على الصيد، فان هذه المعرفة محددة وثابتة. في حيوانات اخرى يختفي الابتكار لأن الحيوانات غير قادرة على تسجيل نتائج الابتكار ونقلها للآخرين.

لماذا هناك فقط نوع واحدعلى الارض يطور ثقافة تراكمية؟لماذا لا توجد هناك انواع وسيطة لديها ثقافة اقل مما لدينا ؟(بالطبع احد الاحتمالات هو ان جميع الانواع الوسيطة اصبحت منقرضة حالما سيطر عليها الانسان).

يكتب المؤلف

في هذا يكمن التحدي الكبير... هو معرفة كيف تطورت مقدرة الانسان الاستثنائية والمتفردة في الثقافة من اصول قديمة  ... نحن يجب اولا ان نفهم لماذا تقلد الحيوانات غيرها دائما ... الظروف التي تقود الى تطور القدرات على الابتكار والتعلم والتعاون والامتثال يجب ان تتأسس دائما. ايضا من المهم جدا معرفة كيف ولماذا اخترع الانسان اللغة ... اخيرا، وهو الأهم، نحتاج لإستيعاب كيف تفاعلت جميع هذه العمليات والقدرات مع بعضها لتشكيل اجسامنا واذهاننا(لالاند ص 10-11)

يرى لالاند ان الاختلاف الوراثي بين الانسان والانواع الاخرى هو كبير. من بين عينات الجينات التي تختلف بين الانسان والشمبانزي تتمثل بالاختلاف الكبير في الدماغ والاعصاب. الجينات المعبر عنها في الدماغ كانت عرضة لاختيار ايجابي قوي في سلالة الانسان القديم، حيث ان اكثر من 90% من هذا الجين يزداد نشاطه في تلك السلالة قياسا الى الشمبانزي... دماغ الانسان اكبر حجما من دماغ الشمبانزي بثلاث مرات... في الانسان القديم، تضاعف حجم الدماغ اربع مرات في الثلاثة ملايين سنة الماضية. يعتقد لالاند ان هذا يعود للتغذية الايجابية بين الثقافة والتطور.

التقليد مقابل التعلّم

ان التقليد له نتائج مثمرة لأن الافراد الاخرين يقومون بتنقية السلوك فيوفرون معلومات متكيفة جاهزة للاستنساخ ... الحيوان لايحتاج ليكون ذكيا ليستفيد من الاستنساخ لأن الكثير من القرارات الذكية جرى اتخاذها سلفا لأجله من جانب الافراد المستنسخين الذين قاموا سلفا بتنقية سلوكهم ... ذلك يوضح سبب الانتشار الواسع للاستنساخ في الطبيعة (ص70-71) .

الاستنساخ الواسع يساعد في ابطاء السرعة التي يدخل بها السلوك الجديد . انه ايضا يسمح بالسلوك للمرور للاجيال اللاحقة وهو ما يحفظ السلوك من الضياع. يرى لالاند ان هذا التأثير الايجابي يميل للتفوق على الاثر السلبي للابتكار البطيء. لكي نتجنب الضياع في معرفة السلوك لابد ان يكون الاستنساخ دقيقا بما يكفي .

ان زيادة صغيرة في الولاء للتعليم الاجتماعي سوف تنقل العادات الثقافية من كونها قصيرة الاجل الى شيء خالد (ص151).النماذج الرياضية ترى ان التراكم في الثقافة يعتمد جذريا على تقليل الخسارة في الخصائص والذي يعني زيادة الولاء في الاستنساخ.

العديد من الحيوانات تقلد سلوك الحيوانات الاخرى، لكن الانسان القديم ادّى ذلك بشكل افضل من الحيوانات الاخرى. هذا سمح لتلك السلوكيات ان تبقى لدى السكان لفترة اطول والذي بدوره سمح للناس لتحسين تلك السلوكيات ببطء. هذا يفسر كيف ان الابتكار حدث عموما ليس على شكل انفجار كبير في ابتكار الفرد وانما على شكل خطوات صغيرة قام بها مختلف الناس بمرور الزمن. لذا حالما تطورت ثقافتنا المعقدة فانها اصبحت قوة اختيارية قادت التطور في اجسامنا وادمغتنا واذهاننا. لاننا حالما طورنا ثقافة معقدة، فاننا احتجنا لتطوير آليات للحفاظ عليها.

التعليم سمح وعزز تطور الثقافة عبر دمج مجموعة من خاصيتين متفردتين للانسان: التعاون واللغة. الشمبانزي يستطيع تعليم شمبانزي آخر كيفية اخراج النمل من الفجوات باستعمال العصي ولكنه لم يستطع تطوير ذلك الى تكنلوجيا بسيطة. تكنلوجيته توقفت عند هذه المرحلة البسيطة.

اللغة هي سبب اساسي لذلك. انها تسمح لنا ان ننقل للآخرين اشياء غير مرئية واشياء مجردة تحدث في مختلف الاماكن والاوقات – حتى الاشياء التي تحدث في اذهاننا فقط. معظم الاتصالات بين الحيوانات هي من نوع "إحترس من ذلك النمر"، او تخلّ عن الموز، انها تتعامل مع الحاجات المادية الملحة. الحيوانات لاتناقش ميكانيكا الكوانتم او فنون الرسم او نظرية الذهن، انها لاتناقش اي شيء غير موجود في الوقت الحاضر. اللغة ترسم الطريقة التي نفكر بها، انها تساعدنا في التفكير المعقد . الحيوانات ليست بحاجة لذلك طالما ثقافاتها لم تصبح معقدة بما يكفي لتتطلب رموزا لغوية للنقل.

 يعرض المؤلف ادلة على نظرية التأثير الثقافي مستعملا نماذج رياضية وبرامج كومبيوترية. مساهماته كانت ادراك ان الشرارة التي انطلقت منها الاشياء كان الابتكار في تقنيات إعداد الغذاء التي سمحت لنا بالحصول على مزيد من الطاقة من الطعام. الغذاء الأكثر كفاءة سمح بنمو الدماغ واتساع سنوات الحياة ونمو السكان. هذه بدورها مكّنت المزيد من الابتكارات التكنلوجية، لأن كل من الناس والتكنلوجيا يبقون في حالة استقرار كافية لصنع الابتكار. وبهذا فان اللغة تطورت كأحسن طريقة لتعليم الابتكارات، وهو ما ادّى الى تطوّر دماغ كبير لتعلّم اللغة.

ان كتاب لالاند أثار عددا من القضايا الاخرى الهامة:

1- المؤلف استخدم النماذج الرياضية وتمارين المحاكاة والتجارب والملاحظات بطريقة اكثر اقناعا مما هو متّبع في العلوم الاجتماعية. من المفيد جدا للاقتصاديين قراءة هذا الكتاب لكي يتحفزوا للتفكير في كيفية تحسين طرق البحث.

2- اهمية الولاء والاستمرارية في الاستنساخ يشير الى ان تقدم الانسان يجب ان يرتبط بطرق الاستنساخ المتوفرة. فمثلا، اختراع الكتابة يساعد في الحفاظ على المعرفة من الضياع، وهذا ربما شكّل عاملا في ظهور الزراعة. الطباعة أنتجت قفزة اخرى في المقدرة على الاستنساخ وهذا كان سببا في الثورة الصناعية. اخيرا، تطوير الكومبيوتر والاتصالات التكنلوجية خلق قفزة اخرى في التقدم الانساني.

3- اذا كانت فوائد الاستنساخ للفرد واضحة، فان المنافع والتكاليف الاجتماعية قد تختلف من وقت الى آخر. هناك اوقات يبدو فيها سلوك الانسان في الاستنساخ يعمل جيدا في المدى القصير لكنه مؤذي في المدى البعيد. هناك فترات يحتاج فيها كل فرد لتحمّل المخاطرة والكلفة العالية للانخراط في التعلم الاجتماعي، لكن المجتمع ككل يحتاج الكثير من الابتكارات لكي يحل المشاكل الصعبة مثل الركود العميق.

 

حاتم حميد محسن

....................

 (1) كتاب سمفونية دارون التي لم تنته: كيف صنعت الثقافة ذهن الانسان، صدر عن مطبوعات جامعة برنستون عام 2017.

 

sanaa alshalanفي العاصمة المصرية القاهرة صدرت الرواية السيرية "سنوات التيه الأربعون والسبع نون" للأديب المصري د.زين العابدين الشيخ، وهو تقع في 152 صفحة من القطع المتوسط، ليقدم فيها سيرته الذاتية في رداء روائي يتسع لتسجيل أحداث الوطن والمنطقة كلّها في مفاصل تاريخيّة مهمة وحرجة، ويقدّم أحلامه ورؤيته في تحقيق الأفضل لوطنه مصر ولأمته العربيّة، وذلك في قالب سيريّ سرديّ يفيض بجماليّات التّجربة الشخصيّة بما فيها من نضوج وبعد نظر وعمق رؤية، وذلك عبر متوالية فصلية حملت على التوالي العناوين التالية:مصر، حكاية رضا، ملامح الجيل، مسجد وصيف، الجد الأكبر، الشرابية، النون الثالثة، سيناء، رفح، المرأة الفلسطينية، العباسية، قلب الأسد، أعوام الثمانينات، أبو جهاد، الكابوس، النون الخامسة، اليابان، الحضانة اليابانية، بلد الزلازل، كريم، الكابوكى والنو، المرج، الفاكس، الأصدقاء، الخير والشّر، الكفرة أو الأبالسة والعشوائيون، الطابور، المسؤول، رحلة الرئيس، صفحة الوفيات، النون السادسة، المؤامرة الدنيئة حيكت بكل براعة، النون السابعة، الملائكة، اعتذار.

وقد قالت الأديبة النّاقدة د.سناء الشّعلان عن هذه الرواية : "الدّكتور الشّاعر زين العابدين يقدّم في هذه الرّواية السيريّة أو السّيرة الرّوائيّة نصّاً سرديّاً منفحتاً على تلاقح فريد من تجاور النّصوص وتداخل الأجناس واستدعاء المتون السّرديّة والأعراف القصصيّة والشّعريّة بأشكالها الموروثة والحداثيّة، بما يجوز أن نسميّه سيرة ذاتيّة مفتوحة على جوانيات السّارد وتفاصيل خارج ذاته بما يتّسع لمعطيات حاشدة من التّاريخ والتّفاصيل والأحداث والذّكريات والأفكار والمعاني والصّور والإيحالات.فهذا المتن السّرديّ الجريء الجميل الدّافئ المتداري خلف السّارد بلسان الغائب هو وثيقة جماليّة صادقة توثّق للذّات في إشارة مفترضة لنموذج الإنسان العربيّ في عدّة عقود حارّة ومفصليّة في التّاريخ العربيّ المعاصر، فضلاً عن نثر تفاصيل حياته وتجربته المشبّعة بالتفاصيل التّاريخيّة والرؤى والتّجارب في جدل فكريّ راقي يجاوز متون شعريّة تفيض بالانحياز إلى الإنسان المصريّ لاسيما المهمّش الذي يكابد إكراهاته اليوميّة بصبر وأمل وتحدٍ وقلب لا تفارقه قرعات الحياة والحبّ والتّفاؤل".

"الدّكتور الشّاعر زين العابدين في هذا المتن السّرديّ المطعّم بالشّعر العامي المصريّ يقدّم ذاته بتخومها وأسرارها وجمالياتها وحشود عوالمها التي تنحاز كليّة إلى الإنسان وقضاياها وذاته وحقوقه.لقد ولد الرّوائي د. زين العابدين نفسه مرّة تلو الأخرى في هذه الرّواية في بنى سرديّة تفيض بالتّفاصيل والتّجربة والمكابدة والحكمة والانتماء للذات والوطن والهويّة والانتصار لقوى واحدة، وهي قوة الجمال والخير والمحبّة والنّماء والبناء لأجل الإنسان".

في حين كتب د.سعيد عطية علي مطاوع عميد كلية اللغات والترجمة في جامعة الأزهر في تقديمه للكتاب: "هذا الكتاب في أدب السيرة الذاتية هو بحقّ أروع ما قرأت في هذا النوع الأدبي، حيث يسجّل كاتبه معاناته ومعاناة جيله من خلال معاناة وطنه، حيث يعدّ نفسه جزءاً لا يتجزّأ من هذا الوطن، فيصف الكفاح والجهد الذي بذلهما هذا الجيل وتحملها سنوات الصّبر والشّباب التي تمثّل أربعين عاماً من البحث عن الأفضل لإيمانه العميق بهذا الوطن وقدراته من أجل الرقي به إلى مصاف البلدان الكبرى..."

وقد ابتدأ د. زين العابدين الشّيخ كتابه بقوله :" إن الصور المتعددة والنظرة المختلفة للإنسان من شخص لآخر والأحكام المتباينة على ذلك الإنسان تشبه إلى حد بعيد تمثالاً للفنان العالمي بيكاسو منصوب أمام جامعة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية . هذا التمثال مقسم إلى عدة أجزاء ولا يمكن رؤيته بصورته الكاملة أو التعرف على شكله النهائي المكتمل إلا إذا أحطناه عدوا . ورأيي كذلك  أنه لا يمكن الحكم على إنسان بتصرف أو فعل معين أو من زاوية واحدة ولكن بمعرفة مجمل تفاصيل حياته، وربما كانت تلك فكرة الحساب وعدالة الميزان في الحياة الآخرة . الله سبحانه وتعالى هو وحده القادر على الإحاطة بمجمل تفاصيل حياة الإنسان وأعماله وأفعاله وتصرفاته وميزان حسناته وسيئاته ومن ثم إثابته إما بنعيم دائم أو عذاب مقيم ".

والجدير بالذكر أنّ الدكتور الأديب زين العابدين الشيخ حاصل على درجة الدكتوراه في الأدب العربيّ، إذ كانت أطروحته التي نشرت في كتاب متخصص فيما بعد بعنوان " الصراع العربيّ الإسرائيلي في الشعر العبري المعاصر"، كما صدر له من المؤلفات الديوان الشعري "مصر تتحدث"، وله عشرات العضويات رفيعة المستوى مثل: نائب رئيس جمعية الصداقة المصرية – الكوبية، وعضو جمعية المراسلين الأجانب بالقاهرة، وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية، وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية، وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية، وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، وعضو لجنة المواطنة وحقوق الإنسان / المجلس القومي لحقوق الإنسان، وعضو لجنة المواطنة وحقوق الإنسان / المجلس القومي لحقوق الإنسان، وعضو لجنة المواطنة وحقوق الإنسان / المجلس القومي لحقوق الإنسان، ومستشار شئون الإعلام والسياحة وعضو جمعية حراس النيل وحماة البيئة وحقوق الإنسان، وعضو حركة الدفاع عن الجمهورية، وعضو الأمانة الفنية لمجموعة الــ 50 للتنمية المستدامة.

كما أنّ الدكتور زين العابدين الشيخ صاحب سيرة مهنية عملاقة؛ فهو قد عمل  ضابط اتصال برتبة ملازم أول في جهاز الاتصال بالمنظمات الدولية  التابع لجهاز المخابرات العسكرية، وشارك في الإشراف على عمليات ترسيم الحدود بين مصر وفلسطين في المرحلتين الثالثة والرابعة طبقاً لاتفاقيات السلام، والإشراف على تنفيذ بنود الاتفاقية على الحدود مع الجانب الأخر، والعمل مع القوات المتعددة الجنسيات في سيناء للإشراف على عمليات حفظ السلام، والعمل كضابط الاتصال المصري المسئول عن مدينة رفح المصرية والتنسيق مع الجانب  الآخر بشأن أوضاع الفلسطينيين في قطاع غزة، وأخصائي سياحي بهيئة تنشيط السياحة – إدارة تحليل الصحافة الأجنبية، والمشاركة في إعداد التقارير والنشرات الدورية التي تتناول تحليل ما تناولته الصحافة الأجنبية عن مصر، وإعداد دراسات متخصصة عن العلاقات السياحية بين مصر وبعض الدول المنافسة مثل إسرائيل وتونس، ومدير موقع معسكر الجورة برفح مع القوات المتعددة الجنسيات، والإشراف على عمل القوات المتعددة بالتنسيق مع المؤسسات المصرية المعنية، والإشراف على تنظيم البرامج والرحلات السياحية لأعضاء القوات إلى المواقع السياحية المصرية المختلفة، وكاتب بجريدة الأهرام (مقالات متخصصة في الصراع العربي الاسرائيلي)،  وملحق سياحي بالمكتب السياحي المصري بطوكيو، والإشراف على السوق السياحي في اليابان والشرق الأقصى وأستراليا، ومدير المكتب الفني لقطاع السياحة الدولية بهيئة تنشيط السياحة، وانتداب للعمل كمدير بالمكتب الفني لوزير السياحة، ومستشار سياحي ومدير للمكتب السياحي المصري بطوكيو، ومدير عام المكتب الفني لقطاع السياحة الدولية المشرف على عمل المكاتب السياحية المصرية بالخارج والتنشيط السياحي لمصر في الأسواق الدولية، ورئيس مجلس إدارة مجموعة شركات جلوبال أورينت للسياحة  والمعارض والمؤتمرات والخدمات العامة والقتنصلية وإلحاق العمالة المصرية بالخارج، ورئيس الجمعية الوطنية للتطوير الثقافي والعلمي.

 

1090 falihينتاب قارئ الدكتور فالح مهدي حالة من الافتتان يشبه العبادة والصلوات ناجمة عن أسلوب الباحث وطبيعة المواضيع التي يتطرق لها منذ كتابه الأول "البحث عن منقذ" إلى كتابه الأخير "البحث عن جذور الإله الواحد" مروراً بكتبه وأبحاثه الأخرى وإبداعاته الأدبية الروائية والمسرحية التي تتحلى بالجرأة وسعة الأفق العلمية  والفكرية التي يتحلى بها الكاتب.

في كتابه الأخير " البحث عن جذور الإله الواحد" هذا، يتناول الباحث موضوعاً حساساً ومسألة عويصة من الناحية الدينية والفلسفية والعلمية لأنها قابلة لمختلف الاجتهادات والتأويلات خاصة عندما يتعامل  الباحث ومعه القارئ مع كتب ونصوص مقدسة لا يسمح عادة بمناقشتها أو الطعن في مصداقيتها.

فمنذ مقدمة البحث يطرح الكاتب إشكالية عدم العثور على أية براهين عن حقيقة حدوث الوقائع والقصص والحكايات التي وردت في العهد القديم واستنسخها القرآن فيما بعد بطريقته الخاصة وبأسلوبه الفريد. مستنداً في استنتاجاته على ما قدمه علماء الآثار في فلسطين القديمة وعلى وثائق رافدينية وفرعونية قديمة أيضاً. إلى جانب أبحاث  لمفكرين وباحثين معاصرين ومتخصصين من أمثال جون دوليمو في كتابه " تاريخ الجنة" و جون بوتيرو في كتابه " ولادة الله" ويكشف هذا الأخير العلاقة بين اليهودية  والثقافة البابلية التي أثرت بالفكر اليهودي والكتابات اليهودية ومنها بالطبع التوراة، لأن هذه العلاقة هي العمود الفقري  لكل فكرة التوحيد كما يقول المؤلف وبات معروفاً أن حضارة وادي الرافدين ، أي السومريين والأكديين والآشوريين، احتوت على الكثير من النصوص التي تحدثت عن فكرة التوحيد والإله الواحد قبل التوراة  والإنجيل والقرآن، كما ثبت أن أصل قصة الطوفان والنبي نوح في الكتب السماوية هي أسطورة  رافدينية كتبت قبل 1500 عام من ظهور العهد القديم  وهي ملحمة جلجامش  والتي أخذها اليهود المقيمين في بابل بعد السبي اليهودي  على يد نبوخذنصر حيث تم تقديم الدليل القاطع على سرقة اليهود للإرث البابلي وادعوا أنه منزل من الله على نبيهم . ولقد سعى المؤلف  لعرض الفرق بين الإله الذي صنعته الآيديولوجية الدينية  وبين الإله الكوني. أي  ذلك الذي يعرفه آينشتين  واستمد ماهيته وتعريفه من سبينوزا  وهو الذي يجسد أعلى تناغم في الوجود وليس الإله الذي يشغل نفسه بمصائر الكائنات البشرية وبكل صغيرة وكبيرة عندهم، ويجزي أو يعاقب مخلوقاته، فإله الأديان محدود ومختزل بينما إله الأكوان كامل ولا محدود ولامتناهي، ولقد تناولت هذه المسألة باستفاضة في كتاب " إله الأديان وإله الأكوان" الذي سيصدر قريباً عن دار مزيوبوتاميا. وفي المقابل هناك من علماء الكونيات والفيزياء النظرية ممن لايعتقدون حتى بوجود إله مثل العالم البريطاني ستيفن هوكينغ، وليس هوبكنس كما كتب الدكتور فالح، وقد عرض نظريته ورأيه في كتاب شهير صدر قبل بضعة أعوام باللغة الانجليزية تحت عنوان " التصميم العظيم" وترجمته بالفرنسية كانت" هل هناك مهندس عظيم لهذا الكون؟" ووضعنا أمام مشكلة فلسفية عويصة، فإذا كان الكون قد خلق بفعل الصدفة فمن خلق الصدفة؟ لكن الدكتور فالح يهرب من هذه المعضلة الفلسفية بمهارة ويجر القاريء إلى نظريته هو بشأن موضوع الرب الدائري والعلاقة بين الحضارات القديمة، المصرية والرفدينية والفينقية والكنعانية حسب أطروحة الباحث. كما يهرب من مسألة نزوع الإنسان لمعرفة  سبب وجوده  وما إذا كان بمحض الصدفة أم أن هناك خالق له وللأرض التي يعيش فوقها والتي خلقت من أجله  ومن أجل سعادته كما تقول الكتب السماوية. يقف المؤلف مبهوراً أمام قدرة الدين، أي دين، في تحريك الملايين من الناس حتى في الدول العلمانية المتقدمة والمتطورة فما بالك بالدول النامية أو المحكومة بالفكر الديني والعقل الخرافي؟ ولا ينسى المؤلف من أن يعرج على دور الثورتين الفرنسية 1789  والبلشفية 1917 في وقف المد الديني وسيطرة الكهنوت على الحياة الاجتماعية، ومقولة ماركس الشهيرة " الدين أفيون الشعوب، ويتساءل " إذا كان الدين أفيون الشعوب فمن أين يا ترى يستمد طاقته وحيويته لكي يكون حاضراً وفاعلاً ومؤثراً في كل ما يخص الشأن الإنساني؟".

وكأي بحث علمي جاد يبدأ الباحث  دراسته  لتعريف الدين لغوياً ومفهومياً وسيكولوجياً، في مختلف اللغات، العربية والعبرية  والانجليزية والفرنسية، واللاتينية، ويخلص إلى أن الدين في جوهر هو الطاعة والخضوع  لحاكم أو قوة عليا، وبالتالي فإن الدين ما هو إلا علاقة مع الكائن العلوي، ورغم ذلك بقي الدين عصياً على التعريف  بسبب تنوع الثقافات . هناك شعوب  لديها تجارب عميقة ومتنوعة وثرية مع الأديان كالصين حيث تعايشت البوذية مع التاوية  مع حضور الكونفوشيوسية  والإسلام والمسيحية بكافة طوائفهما ومدارسهما الفقهية، ونفس الشيء في الهند وانتشار الثقافة الهندوسية وتعاملها مع تعدد الآلهة حيث يوجد في الهند 33 مليون إله،  مع وجود الديانات والثقافات المسيحية والإسلامية والبوذية واليهودية، فالسائد هناك هو وحدة الوجود الصوفية، فكل شيء هو الله وجزءاً منه،  فالله المطلق ليس منفصلاً عن العالم والوجود بل هو مكون من كل شيء موجود في هذا الوجود. والبوذية لا تعترف بوجود إله لكنها تستند إلى مفاهيم ومبادئ المستنير  بوذا، فالبوذية لا تدعو لعبادة الإله الواحدة ولا تعارض تعدد الآلهة . أما الإيمان في الثقافات القديمة فقد نشأ داخل زمان وفضاء معينين وإن تجربة المقدس  الفرعونية والرافدينية، السومرية والأكدية، تلقي ضوءاً على ثقافة المكان في هذه البقعة من العالم وتتميز التجربة المصرية  الفرعونية عن غيرها في اعتبار الملك الفرعون إله ذو مظهر مهيب. أما في العصر الحديث  فقد عد الدين  بمثابة حالة اغتراب الإنسان عن ذاته كما يقول فيورباخ أو هو إنجاز متخيل للكائن البشري كما يقول ماركس فيما اعتبر فرويد الدين  مجرد تعبير عصابي، مرضي، لذلك اعتبر الدين في اللغة اللاتينية مفهوم يعني التجميع والاستقبال والتوحيد . وهو بالتالي مؤسسة هدفها توجيه التشريف إلى الرب والاحتفاء به، إلى جانب كونه مجموعة من الطقوس والشعائر تهدف إلى تقديم الثناء والتبريك والقرابين إلى سلطة عليا مقدسة، لذا فهو  عبارة عن الشعور الداخلي بذلك المقدس مع الإيمان بتلك القداسة، كما يخلص الباحث. وهناك تعريف  أوضح لماركس للدين غير عبارة الدين أفيون الشعوب، والأصح  هو الدين أفيون الشعب بالمفرد، والتي يعني بها أن الإيمان الأعمى الذي ينتفي فيه التفكير والقدر على التمحيص والنقد تؤدي بالمؤمن أن يغفو ويرقد رقدة الموتى عما يحيط به من أهوال ومصائب، ليس هذا فحسب، بل تقوم الأيديولوجية الدينية بترويضه وجعله طيناً وعجيناً يتم التلاعب بوعيه وتوجيهه كيفما ارتأت تلك اليديولوجية، أما تعريفه الأكمل والأوضح فيقول فيه :" الدين هو النظرية العامة لهذا العالم، قيمته الموسوعية، منطقه بشكله الشعبي، نقطة شرفه الروحانية، ولعه وحماسه البالغ، عقوبته الأخلاقية، طمأنينته وتبريراته الكونية، والتي تمثل الإنجاز المتخيل للكائن الإنساني والسبب في ذلك يكمن في أن الإنسان لا يمتلك الواقع الحقيقي" .. وفي  المحصلة يصل المؤلف إلى التعريف التالي:" الدين نظام يستند في قيامه على المخيلة والتمثيل، إذ يقوم منذ لحظة ولادته بتقديم تفسير للعالم  بل الكون كله ودور الإنسان فيه، باعتبار أن الله أو الآلهة، خلق هو، أو خلقت هي،  كل شيء من أجله أو أجلها، أي خلقا " المخيلة"، ويرسما عبر مجموعة المعادلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطقسية، الطريق الذي يجب عليه أن يسلكه" التمثيل التصوري للإله"، مستندين في ذلك إلى مؤسسات أيديولوجية يقوم بخلقها وتطويرها". لذلك لا نجد هناك عقيدة بدون طقوس ولا يمكنها أن تستقيم وتستمر بدون تلك الشعائر والطقوس. من هنا يعود الباحث إلى نظريته الأثيرة عن المكان ودوره، ويربطها بمفهوم الدين ويقول أن الدين هو تفسير، بل ترجمة متخيلة للنظام الكوني أوجده الحيز الدائري، حيث ساعد هذا الحيز الدائري على وجود نظام العقائد بكل أشكالها، وعبر ثقافة المكان نشأ وترعرع الدين وأصبحت له اليد الطولى في كل ما يمت إلى الإنسان بصلة. ودليله على ذلك أن " الحيز الأفقي" الذي تعيشه الإنسانية في الزمن الحاضر، أفقد الدين الكثير من بريقه، حيث استطاع الإنسان المعاصر، بفضل التركيبات الاجتماعية  والسياسية والاقتصادية القائمة، والتطور العلمي  وسيادة الثقافة الحر، أن يجيب على الأسئلة الوجودية والجوهرية التي تقلقه وتتعلق بوجوده ومصيره ونظام حياته دون الحاجة إلى اللجوء للمعبد والمسجد والكنيسة أو الرجوع للمؤسسات الدينية. أما تولستوي فيقول أن الدين الحقيقي هو ذلك الذي يقيم علاقة ما بين العقل والمعرفة الإنسانية، ما يعني إلغاء دور المؤسسات الدينية، مثلما كان يعلم الفيلسوف والمفكر الفرنسي الشهير فولتير. فلكل دين  عقيدة جامعة ووظائف تعمل على رسم وتوجيه حياة المؤمن وتحدد له ماهو ممنوع وماهو مسموح، أو الحلال والحرام بالمفهوم الإسلامي. وبعد كل هذا الشرح والتفصيل يعود المؤلف ليطرح السؤال ماهو الدين إذاً؟ ليعود مرة أخرى ليخبرنا أن الدين هو بمثابة مجموعة من المباديء والإرشادات الأخلاقية والسلوكية التي تتحكم بالإنسان من خلال الطقوس والشعائر التي يتم تدوينها وتوجيهها مؤطرة بنقطتين جوهريتين هما الإيمان بمفهوم الخالق العلوي الأعلى الموجد لكل شيء، والذي يأخذ عدة صور وأسماء كيهوه بالنسبة لليهود والله بالنسبة للمسلمين وبراهما بالنسبة للهندوس  الخ ... وهو مفهوم جوهري موجود في أغلب الديانات حتى في الديانات القديمة فإنليل هو الخالق عند السومريين والذي يتحول إلى مردوخ عند البابليين، بل وحتى عند الأقوام البدائية كما يقول عالم الأديان ميرسياإلياد. وفي كل الأديان هناك أولاً وقبل كل شيء يتوجب قبول مبدأ " الطاعة"  والتسليم بالأوامر والتوجيهات المباشرة وغير المباشرة التي تصدرها المؤسسات الدينية بإسم الخالق وهي بطبيعتها ذات طابع أيديولوجي قسري وقمعي يأخذ طابع القدسية، ولقد أشار سبينوزا إلى ذلك في كتابه " رسالة في اللاهوت والسياسة " حيث أكد على مفهوم الطاعة باعتباره ركيزة جوهرية في قيام الإيمان.

وبعد الطاعة يأتي مفهوم أو مبدأ " الإيمان" الذي ينطوي على الثقة بالأشياء التي نأمل بها واليقين بأشياء لم نرها كما هو واضح في العقيدة المسيحية . والإيمان هو الثقة العميقة بمعتقد من المعتقدات لا سيما الأمر الروحاني الذي لا يمكن التأكد منه مادياً وينبغي تقبله وأن يكون المرء المؤمن على يقين من وجوده وصدقيته حتى لو لم يره أو يثبت لديه وجوده. هناك أسباب عديدة للتوحيد وانتقال الإنسان من تعدد الآلهة إلى إله واحد متعال لا تدركه الأبصار، فاطر السماوات والأرض، العالم القدير الخالق الخ.. حسبما أوردته صيغ القداسة الإسلامية كما في غيرها من الأديان السماوية؟ لماذا ظهرت الأديان التوحيدية في منطقة محددة واحدة هي الشرق الأوسط؟ يقول المؤلف في كتابه  الرائد هذا أن أول محاول جادة للإجابة على هذه التساؤلات تمثلت بكتاب عالم النفس الشهير سيغموند فرويد الذي يحمل عنوان " موسى والتوحيد" وعرض فيه أطروحة غريبة تقول أن موسى هو أمير مصري خرج من مصر مع أتباعه بعد فشل تجربة الفرعون المجدد والجريء أخناتون الذي فرض عبادة إله الشمس آتون فقط ونبذ باقي الإلهة وهي أول محاولة للتوحيد في العصر الفرعوني. ويتساءل المؤلف، هل يوجد توحيد قبل العهد القديم؟ ففي الألفية الثالثة قبل الميلاد كان النظام الديني والعقائدي قائماً على مفهوم تعدد الآلهة وتعدد اختصاصاتها لا سيما في الحضارة الرافدينية لكن محرري العهد القديم، أي من صاغوا التوراة والأسفار الخمسة لموسى  في حقبة السبي البابلي تأثروا بها إلا أنهم ألغوا فكرة التعدد وتبنوا فكرة التوحيد  وعبادة إله واحد خفي لا يرى هو أكبر وأقوى وأكثر عظمة من جميع الآلهة المعروفة آنذاك، وذلك للتغلب على إحباطاتهم النفسية. ولقد نجح كتاب  العهد القديم في تأويل  وتوظيف النصوص والأساطير والملاحم الرافدينية وعلى ٍرأسها ملحمة جلجامش بما يخدم هدفهم في عبادة الإله الواحد واختلقوا شخصية النبي نوح وعبادته للإله الأعلى  الواحد القهار الذي غضب على البشر وقرر إبادتهم من خلال الطوفان وإنقاذه هو وعدد من أفراد عائلته وزوجين من كل الموجودات الحيوانية والنباتية لإعادة إعمار الأرض بالحياة الجديدة المبنية على عبادة الله الواحد وعدم الشرك به. فالرقم الطينية المكتشفة تقول بحدوث طوفان فعلاً وتروي قصته بعيداً عن القداسة الدينية التوراتية إلا أن اليهود عملوا على توظيفها دينياً  ورمزياً وأسطورياً من أجل هدف محدد يقول أن مصير المشركين الهلاك ومصير المؤمنين الموحدين النجاة . ففي النص السومري  أن الآلهة الشريرة قررت إغراق الأرض للتخلص من الإنسان وشروره وتحدياته للآلهة ومحو أثره من على وجه الأرض، إلا أن الآلهة الخيرة قررت إنقاذ أتونابشتم وزوجته من تلك الكارثة ومنحهما الخلود. وجهت الآلهة الخيرة تابعها المخلص الأمين أوتونابشتم ببناء سفينة أو فلك ضخم ووضع عائلته ومقتنياته وأقاربه وحيواناته الأليفة والبرية  داخل الفلك والإبحار نحو يابسة جديدة بعد غرق الأرض التي يعيش فيها. حور كتاب التوراة النص واختزلوا الآلهة بإله واحد واستبدلوا أوتونابتشم بنوح  وألغوا فكرة الخلود فالله الواحد هو الوحيد الخالد الذي لا يموت، وبذلك ولدت فكرة التوحيد وعبادة الإله الواحد التي كررته واتبعته الديانات التوحيدية الأخرى، المسيحية والإسلام فهم يعبدون نفس الإله ولكن بصفات وتعريفات وتسميات وسمات متباينة ومتغايرة.

يأخذنا الكاتب الدكتور فالح مهدي في رحلة شيقة في الفصل الثاني من كتابه القيم في قراءة خاصة ومعمقة وتحليلية للتوراة لاسيما الأسفار الخمسة وعلى رأسها سفر التكوين. ويسرد لنا قصة الخلق كما وردت بالنص في التوراة في سفر التكوين في الإصحاح الأول، ومن ثم يقارن النص بالنصوص الرافدينية حول نفس الموضوع، أي ما عرف بقصة الخلق البابلية  والتي كتبت بقرون طويلة قبل الأسطورة التوراتية .

بنت الأساطير الرافدينية تصورها لعملية خلق الكون استناداً على العناصر المعروفة  مثل العدم والظلام الدامس. وعندما قررت الآلهة خلق الكون أوكلت الأمر إلى مردوخ الذي غدا نتيجة لذلك سيد الآلهة ويقوم بشق تيامات، إلهة المياه الجوفية، إلى نصفين من القسم السفلي يصنع الأرض ومن القسم العلوي يصنع السماء ثم يواصل عملية خلق العناصر الأخرى كالنور والرياح وبناءاً على ذلك جاء خلق الإنسان حسب الأساطير الرافدينية القديمة بمزج الطين بدم أحد الآلهة الذي اقتصر دوره على ذلك فقط إلى آخر الأسطورة... ولم تكن عملية الخلق البابلية سهلة على شاكلة كن فيكون، بل كانت عملية شاقة وخطيرة خاض فيها الإله مردوخ معركة  عنيفة سالت فيها دماء كثيرة  انتهت بمقتل تيامات التي تمثل الظلام والفوضى  وبمقتلها خرج النور إلى الوجود وأقيم النظام بديلاً للفوضى . كلتا  العمليتين، الرافدينية والتوراتية لا تتفقان بالطبع مع قصة ظهور الكون المرئي في العلوم الحديثة إذ أن الأمر استغرق مليارات السنين حسب نظرية الانفجار العظيم البغ بانغ. وهناك قصة للطوفان في نص سومري يتحدث عن الآلهة نينتور وأنليا وخلقهما لذوي الرؤوس السوداء، أي السومريين، باعتبارهم الشعب الذي اختارته الآلهة يقابلهما في التوراة شخصان هما آدم ونوح.   

 ثم يقوم الباحث  الدكتور فالح مهدي بقراءة أنثروبولوجية  لــ "أدبا أو أدفا" السومري و"آدم" العبري أو التوراتي، فالأول خلقه الإله أيا  ليحكم البشر  وكان ملكاً على مدينة أريدو  والثاني خلقه الله  العبري أو التوراتي ليكون أب البشر كما وردت القصة في العهد القديم وتبنتها المسيحية والإسلام. يركز المؤلف على أوجه التشابه بين المصدرين أو النصين والشخصين  لغوياً والتركيز على  أهمية المكان وتعرضهما للاختبار وما لديهما من مشتركات سلوكية وصفات مشتركة والنتيجة التي توصل إليها الباحث هي أن قصة آدم عبارة عن مادة مركبة من مجموعة أساطير سابقة لنصها الوارد في العهد القديم . وبعد  تقديم هذا العرض الوافي  يلج الباحث  مرة أخرى ليغوص تحليلياً في علاقة نوح التوراتي والطوفان الرافديني، حيث يأخذنا  الدكتور فالح في رحلة ممتعة أخرى في أعماق الماضي الغارق في القدم وهو يحلل قصة الطوفان الرافدينية  وطريقة العيش ونظام بناء المساكن والمشاحيف والقوارب التي ماتزال بعض ملامحها موجودة اليوم في أهوار الجنوب العراقي وطرق بناء السفن وهيكيليتها أو شكلها الهندسي وأحجامها والمواد المستخدمة في بنائها، ثم يقوم بالشيء ذاته وهو يشرح كيف رويت أسطورة الطوفان في العهد القديم وتفاصيلها ونوع الفلك الذي صنعه نوح، بغية المقارنة وإثبات الأصل والفرع  بينهما حيث ثبت له أن التوراة أو العهد القديم هو الذي سرق نص الأسطورة وفكرتها من النصوص الرافدينية  السابقة له. وفي سياق بحثه  يركز  الدكتور فالح على مسألة مهمة وهي أن قصة النبي موسى كما رويت في العهد القديم تشبه بحذافيرها قصة سرجون الأكدي التي تسبقها بقرون وكيف أن والدته وضعته في قفة من القصب مقيرة ورمته في الماء حيث حمله النهر إلى سقاء الماء الذي رباه كأنه إبنه حيث أحبته الآلهة عشتار  وساعدته على  تولي العرش، مثلما هو الحال في قصة موسى . ويفرد حيزاً لا بأس به ليقدم لنا  قصة الطوفان السومري وهي الأقدم  بين 3000-2800 قبل الميلاد، وتروي قصة طوفان حصل قبل ذلك التاريخ  بزمن طويل في فترة ممعنة في القدم وتم تداولها شفهياً ثم ثبتت على الألواح بعد نشأة الكتابة وهي الأسطورة التي أقحمت في ملحمة جلجامش كما يقول الباحث مما وفر الدليل على وجود علاقة بين العهد القديم والثقافة البابلية، حسب استنتاجات العالم  فنكيل، حيث صار ينظر للطوفان كموجة غضب سماوية سوداء مدمرة اكتسحت كل شيء في طريقها وسمحت للآلهة  بإعادة صنع الحياة فوق الأرض على نحو أفضل. ومن ثم يشرع الباحث في إقامة مقارنة بين أسطورة نوح والأساطير الرافدينية، حيث يقول النص العبري أن الله قرر أن ينهي الحياة فوق الأرض، هكذا وبدون مقدمات، بسبب فساد الإنسان، ولكن ما هو الفساد الذي ارتكبه الإنسان حتى يستحق مثل هذا العقاب القاسي وهو الإبادة التامة من على سطح الأرض؟ لم يرد نص ديني مقدس، لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن، عن أسباب قرار الله في إحداث الطوفان وإغراق الأرض وما فيها عدا جماعة نوح وحيواناته. وعلمنا أن لنوح ثلاثة أبناء هم سام، الأصل في سلالة الساميين الذين منهم العرب والعبرانيين، وحام أبو الكنعانيين وبافث، ومن أبناء نوح انبثقت منهم شعوب الأرض الجديدة ما بعد الطوفان . وفجأة يصنع نوح من العنب  نبيذاً لا ندري كيف تعلم ذلك، وهو ليس بالأمر السهل، ثم يسكر  وينام عارياً، ثم يراه إبنه حام وهو عاري فيعاقب الله حام لأنه نظر إلى عورة أبيه، والحال أن الذي يجب أن يعاقب هو نوح وليس إبنه وردد القرآن نفس القصة بكافة حيثياتها التوراتية دون أن يغير فيها كثيراً رغم الارتباك البادي على النص العبري. أما في النصوص الرافدينية التي دونت قبل ألف عام من طوفان التوراة، فإن الطوفان حدث بناءاً على أوامر الإله انكي، ولم يكن السبب فساد الإنسان بل تعب وانزعاج الآلهة من ضجيج البشر، نوح ينفذ أمر الله بدون نقاش أو تردد بينما يعترض أتونابشتم  للوهلة الأولى  ويناقش إلهه أيا ويطالبه بإعلامه بأسباب قراره وماذا سيقول للناس في المدينة وكيف سيرد على تساؤلات الناس وشيوخهم ووجهائهم فيرد عليه إلهه " قل هكذا  إني علمت إن انليل يبغضني  فلا استطيع العيش في مدينتكم بعد الآن ولن أوجه وجهي إلى أرض انليل وأسكن فيها بل سأرد إلى ابسو وأعيش مع أيا ربي وعليكم سينزل وابلاً من المطر غزيراً. وفي ترجمة أخرى للنص الرافديني قام به العالم الفرنسي المتخصص بحضارات العراق القديمة  بوتيرو يقول أوتونابشتم:" عندما فهمت ما طلب من توجهت إلى ربي أيا سائلاً: الأمر الذي كلفتني القيام به يا مولاي سأطبقه وسأنفذه، ولكن كيف سأواجه مدينتي، شعبي، والشيوخ؟ عندها فتح أيا فاه وتكلم موجهاً كلامه لي، أنا عبده:" ستقول لهم ياشيخي الفطن التالي: يلازمني الخوف من أن إنليل لا يودني كثيراً، لذا لن يطول بي المقام في مدينتكم ولن يبقى اثر لقدمي فوق إقليم إنليل بل سأهبط إلى الابشو وسأقيم برعاية مولاي  أيا عندها سينزل عليكم إنليل مطراً غزيراً.

يكرس الباحث الفصل الثالث  لسفر الخروج بعد أن تناول موضوع الخلق والتكوين وخلق الله للأرض والسماء في ستة أيام واستوائه على العرش كما جاء في العهد القديم والقرآن وتعامل مع الشخصيتين الأساسيتين وهما آدم ونوح. يركز الباحث الدكتور فالح مهدي في هذا الفصل على شخصيتي إبراهيم  الذي عاش في حدود 1700 سنة قبل الميلاد، وموسى وسفر الخروج . مما لا ريب فيه أن ظاهرة النبوة كانت معروفة في الحضارات القديمة التي سبقت حقبة العبرانيين ولكن في نفس المنطقة تقريباً وهي فلسطين وسوريا والأناضول وبالطبع مصر والعراق. نقطة الإنطلاق في الإيمان التوحيدي والخروج من الشرك والتعددية يبدأ في النص العبراني من إبراهيم الذي تمرد على النمرود وحاول هذا الأخير حرقه وهو حي كما تقول النصوص الدينية التوحيدية ثم تأتي شخصية موسى لتكون هي الشخصية المركزية  لجميع الأيديولوجيات التوحيدية فهو الذي طالب شعبه بعبادة إله واحد لكنه خاص ببني إسرائيل لذلك عرف العبرانيين بشعب الله المختار، ونفس المكانة يحتلها موسى في الديانات التوحيدية الثلاثة وهي اليهودية والمسيحية والإسلامية، ولقد تم التركيز عليه كثيراً في القرآن. خرج موسى من مصر إلى فلسطين لإنقاذ نفسه وأتباعه، وخرج عيسى من فلسطين إلى مصر لإنقاذ نفسه، وخرج محمد من مكة إلى المدينة لإنقاذ نفسه وأتباعه.

يعتبر سيغموند فرويد مصر هي مهد ديانة التوحيد في كتابه الشهير موسى والتوحيد. ويستند في ذلك إلى قصة الفرعون آخناتون 1353-1337، الذي فرض عباد إله الشمس آتون وإلغاء عبادة آمون إله القمر، والحال أن التوحيد اليهودي حدث بعد ثمانية قرون من وقع الحدث الأخناتوني كما يذكر الكاتب ، ومع ذلك فإن التوحيد العبري يعيد نفس طقوس ومراسيم وشعائر الملكية الفرعونية بل وحتى أيديولوجيتها باستناده للتوراة التي تعني الشريعة التي يجب اتباعها بعد أن انزل عليه الله محتويات الألواح العشرة، ولكن لا يوجد اثر لأخناتون في التوراة التي تعتبر العمود الفقري للعهد القديم رغم إنه شخصية تاريخية مشار إليها بوضوح في النصوص الفرعونية بينما لايوجد نص تاريخي مثبت عن وجود شخصية موسى تاريخياً فلا يوجد لي اثر لشخص اسمه موسى في النصوص الفرعونية والسجلات المصرية  التي عرف بأنها تدون كل شيء . شكك الكاتب في مصداقية وصلاحية الأطروحة الفرويدية عن موسى  لأنه لا يستند إلى أية قاعدة تاريخية صلدة و لا يمكن الأخذ بها في دراسات الدين المقارن، بل إن أسطورته مأخوذة من نصوص  أسطورية بابلية تناولت ولادة سرجون الأكدي كما ذكرنا أعلاه، استلهمها اليهود السبايا في بابل  وأقحموها في نصوص العهد القديم . يسرد المؤلف أسباب  ميوله للأطروحة البابلية بدلاً من الأطروحة الفرويدية قائلاً :" ولد موسى ووضع في قفة وهو الأمر البعيد عن الأعراف المصرية بينما هو أمر معروف في الثقافة الرافدينية بشأن ولادة سرجون الأكدي، وإن نوع القفة أو الطوافة التي وضع فيها موسى لم يكن معروفاً في مصر وبعيد عن هندسة السفن في مصر خاصة وإنها قفة أو طوافة طليت بالزفت أو القير غير المتوفر و الذي لم يألفه المصريون ولم يلجأوا إليه في بناء سفنهم فكان القير أو الزفت يستورد من سوريا وفلسطين إذا دعت الحاجة إليه.  أشار الكاتب إلى أن موسى ملتحي كما جاء في النص العبري وهو نمط من أنماط وأدب اللياقة والهندام والوقار  لكنه بعيد كلياً عن الإتكيت المصري  في حين كان معروفاً ومنتشراً في وادي الرافدين، حمل موسى ألواحاً دونت فوقها وصياه العشرة والحال إن المصريين لم يلجأوا البتة إلى ألواح الطين بل إلى ورق البردي. يقول النص العبري أن إبنة الفرعون كانت تستحم في نهر النيل في لحظة مرور القفة أو الطوافة التي يوجد فيها الطفل موسى والحال أن ذلك بعيد عن آداب  المجتمع المصري وتقاليده، فإبنة الملك لا تستحم في ماء النهر بل في حمامات وأحواض خاصة فاخرة تعجز العين عن وصفها فهي أميرة وإبنة الفرعون الذي هو إله فوق الأرض فلا يمكنها أن تغتسل كباقي الناس في ماء النهر وأخيراً نسي كاتب النص العبري أن النيل في ذلك الوقت كان مليئاً بالتماسيح الخطرة .

من هنا يقول المؤلف أنه على المستوى التاريخي، لم يبدأ التوحيد عند اليهود مع موسى، فالاكتشافات المتعلقة بالنقوش  وبالدراسات المعمقة للعهد القديم أكدت على نحو قاطع أن الدين اليهودي، في الألفية الأولى، لم يختلف عن أديان جيرانه. وإن لرب إسرائيل إسم متميز هو يهوه، أي ذلك الإسم  الذي رفضت التلفظ به اليهودية المتأخرة، لأنه يشير إلى أنه جاء من ضمن عالم متعدد الآلهة. فالإسم للرب أو للإنسان، يراد له أن يفيد في التعريف بمن يحمل ذلك الإسم وتمييزه عن أقرانه. لذا فإسم " يهوه" وجد أصلاً لتمييز ذلك الرب عن بقية الآلهة. ففي أثناء تواجد  مملكة إسرائيل ويهوذا، من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد، لم يكن يهوه إله اليهود الوحيد، بمعنى آخر أن التوحيد لم يرس دعائمه بعد عند العبرانيين. لقد اعتبر يهوه إله إسرائيل كما كان حال مردوخ إله البابليين، وكيموش إله المؤابين القريبين من يهود تلك الفترة. فاليهود والعبرانيين وغيرهم كثير، عبارة عن قبائل رحل سكنت شرق البحر الميت والصحراء السورية، ولكل قبيلة أو قوم إلهه الخاص به. لم يحتفى بيهوه كإله أعزب، إذ كانت له أنيسة، عبارة عن إلهة تشاركه حياته. ولقد أشارت العديد من الكتابات والشواهد الآثارية، إلى وجود اشيراح Asherah كإحدى الإلهات ضمن المجموعة التي يطلق عليها السامية الغربية هي التي كانت إلى جانب يهوه، وهناك دلائل لوجودها عند الأوغاريتيين، قدماء الفلسطينيين وعند سكان وادي الرافدين وبعض تلك الوثائق  والنقوش تعود إلى القرن السابع والثامن قبل الميلاد والتي وردت فيها عبارة مثل :" أبارككم باسم يهوه الشاهد على ما أقول ورفيقته اشيراح "  أو " أبارككم باسم يهوه  رب السامرة وبإسم رفيقته اشيراح" .. وبالتالي كانت فكرة تمجيد وعبادة يهوه وحده قد حصلت بعد تطور طويل وصراع سياسي وأيديولوجي بين يهود الشمال الذين يعبدون بعل، ويهود الجنوب ممثلين بهذا الملك ولا يعبدون إلا يهوه، وكذلك كرد فعل ضد العنف الآشوري الذي يشترط الخضوع التام للملك الآشوري،كما جاء في كتاب " تحقيق حول الإله الواحد " الذي قدم له توماس رومر في سلسلة عالم الكتاب المقدس منشورات بايارد 2010 في باريس. ففي سفر التثنية هناك  تأكيد على أن الرب الوحيد الجدير بالعبادة هو يهوه وليس الملك الآشوري وربه. والتشبث بعبادة إله واحد تم بعد السبي البابلي لليهود أي بعد حوالي ستة قرون قبل الميلاد. فهدم أورشليم لم يكن نتيجة لضعف يهوه  بل بالعكس فلقد مكن يهوه البابليين  في ذلك لمعاقبة " شعبه" الذي لم يطعه ولم يتعبد له  وحده، ما يعني  أن قوة يهوه وعظمته تشمل حتى أعداء شعبه  الذين أعانهم وساعدهم على تحقيق السبي، ولقد استفاد علماء وفقهاء ومعلمي  ورجال الدين اليهود على الأساطير العراقية القديمة التي اطلعوا واستفادوا منها في تحرير نصوص العهد القديم. لقد لعبت بابل دوراً جوهرياً في إخراج ذلك الكتاب  المقدس من شكله البسيط  ومنحته التعقيد الذي شهدته تلك الحضارة المتقدمة، فتضمن منهجية ونمط تفكير جديدين، ولقد انتبه كبار المختصين في دراسات العهد القديم  إلى ذلك التأثير  العظيم الذي وصل إلى حد النقل الحرفي الفج لنصوص رافدينية كما  لاحظنا ذلك في قصة الخلق وملحمة الطوفان التي شكلت العمود الفقري  للكتب أو الأسفار الخمسة الأولى للتوراة المنسوبة لموسى، كما جاء في بحث الدكتور فالح مهدي  المهم السابق في كتابه " الخضوع السني والإحباط الشيعي، نقد العقل الدائري. فحتى نجمة داود السداسية اليهودية هي في الأصل نجمة بابلية. وفي الأجزاء الأولى من سفر التكوين، تم التعبير عن يهوه بأنه رب الكون وخالق كل شيء وسمي " الإلوهيم" وهي تعني الرب ولكن بصيغة الجمع أي الأرباب  ولقد أكد محررو ذلك الجزء من أن كل آلهة الشعوب الأخرى ما هي إلا تعبير وتجسيم للإله الأوحد  يهوه. واستمدوا من الزرادشتية  فكرة الجنة والنار، والوعد بحياة أفضل بعد الموت، كما شاع لدى يهود السبي البابلي الذين حررهم فيما بعد الملك قورش الفارسي، في حين أن يهود مستعمرة الإلفانتين éléphantine المصرية  كانوا يعبدون إلى جانب يهوه، إلهين آخرين هما آنات وأشيم ــ بيتال، بما ينسجم مع المعتقدات المصرية المتمثلة بالثالوث،كما جاء في  كتاب " تحقيق حول الإله الواحد  المشار إليه أعلاه.

ثم ينهي الكاتب بحثه عن جذور الإله الواحد  في عرض الصلوات والقرابين والشعائر التي قدمها البشر للإلهة على مر العصور وأهميتها النفسية والفلسفية بغية العثور على  علاقة مباشرة مع الكائن الأعلى التي قد تؤثر في سلوك الله، ووضع الدين في خدمة الآيديولجيات، وإن المخيلة البشرية هي حجر الزاوية لحياكة القصص والأساطير وهي بديهية أنثروبولوجية قابلة للتعميم على كل أديان العالم فالأساطير والخرافات مادة تتكرر في كافة الأديان، خاصة تلك التي تتحدث عن المقدس والمسخ والوحوش الخرافية والشياطين والجن والعفاريت والأبطال الأسطوريين، وهي بالتالي نتاج للأوهام الفردية والجماعية  حيث يتمتع الوهم الديني بديناميكية تتوافق وتنسجم مع نظامه المنطقي الداخلي الخاص به الذي يفرز له مدوناته ونصوصه الأسطورية والخرافية ويضفي عليها طابع القدسية، فالأديان برمتها ما هي إلا أنظمة إدارية للمقدس كما يقول الدكتور فالح مهدي  . لا يتفق المؤلف الدكتور فالح مهدي مع أطروحة الباحث  الفرنسي باسكال بويير  في كتابه المهم " وخلق الإنسان الآلهة " الصادر عام 2003 والذي قرأته بإمعان ووجدته علمياً جاداً أتفق مع أغلب ما جاء فيه وبالذات لأنه أدخل معادلات علمية في الشأـن الديني  توصل من خلالها إلى أن الآلهة من ابتكار الإنسان بغية  إعانته ومساندته في ما يواجهه من تحديات، فكل ذلك الابتكار الذهني البشري ناجم عن النشاط العقلي للإنسان  الذي يعبر عن حاجته ومواجهته لألغاز وجوده، فالدين  نشاط ذهني محض يدفع المرء لكي يفكر ويتأمل ويبحث عن إجابات للغز الكون المحيط به ولغز الموت المتربص به ولغز الأسئلة الوجودية التي تؤرق حياته . يتسرع الكاتب في القول  أنه مع كل التقدم العلمي  المذهل حقاً، فقد بقي أصل الكون لغزاً حقيقياً، ذلك إن الإنفجار الكبير، مما يطلق عليه البغ بانغ، لا يؤخذ به علمياً باعتباره ذاك الذي أنجب الكون. فالسؤال المتعلق بولادة الكون بعيد كل البعد عن إيجاد إجابات مقنعة لحل ذلك اللغز الذي يشكل إحدى أم التحديات أما علماء الطبيعة والفيزياء، وأقول له أرجو ألا تتسرع في الحكم على أشياء ومواضيع تجهلها ولم تتعمق فيها كفاية فلا يكفي قراءة كتاب أو دراسة  لكي نصل إلى هذا الاستنتاج التعسفي فهذا المجال واسع وغني رغم تعقيده وقدم الكثير من الإجابات في العقود الثلاثة المنصرمة ومنها أن نظرية الانفجار العظيم ثبتت علمياً ومختبرياً واتفق بشأنها كل الوسط العلمي تقريباً وتدرس اليوم في الجامعات والمدارس والمعاهد المتخصصة، فهذا مجال  علمي دقيق لا ينبغي الخوض فيه بهذا النوع من الخفة  .

 

 د. جواد بشارة

 

1089 ahmadصدر عن دائرة السينما والمسرح ببغداد كتاب جديد للناقد والمؤرخ السينمائي مهدي عبّاس يحمل عنوان "محمد شكري جميل .. عرّاب السينما العراقية". وقد ضمّ الكتاب خمسة أبواب إضافة إلى مقدمتين، الأولى لجابر الجابري، والثانية لقحطان عبد الجليل.

يلتفت عبّاس في "التمهيد" إلى مقولة ذكيّة مفادها "أن أفضل المخرجين هم القادمون من وراء الموفيولا"(ص4) أمثال بركات وصلاح أبو سيف وكمال الشيخ في إشارة واضحة إلى أن "جميلاً" قد أطلّ علينا من غرفة المونتاج ليصبح واحدًا من أشهر المخرجين العراقيين. ينتمي جميل إلى المدرسة السينمائية الإنكَليزية التي تعلّمَ منها الدقة والمواظبة والانتظام فلاغرابة أن يكون حادًا وصارمًا مع الممثلين والكادر التقني برمته.

يقدِّم عبّاس ثَبْتًا بمنجزات جميل خلال ستين عامًا وهي 13 فيلمًا روائيًا، وفيلمين قصيرين، و 45 فيلمًا وثائقيًا، وأربع مسلسلات تلفازية. كما مَنْتَجَ فيلمين طويلين لغيره، وأصدر كتابًا سينمائيًا واحدًا.

يمتدّ الباب الثاني منذ ولادة محمد شكري جميل عام 1938 حتى 2013، العام الذي أنجز فيه فيلم "المسرّات والأوجاع" وأرسله إلى طهران ولم يعد لأن الجانب العراقي لم يسدد للشركة الإيرانية كلفة الطبع والتحميض.

يفاجئنا الأستا عباس بأن محمد شكري جميل قد ولد في راوندوز عام 1938 وليس في بغداد كما يشير غالبية مؤرخي السينما العراقية وعلى رأسهم أحمد فياض المفرجي. وهذه المعلومة الجديدة تحتاج إلى وثيقة مُصورة كي نتأكد من مكان وتاريخ الولادة.

الملحوظة الثانية التي تلفت الانتباه أن "جميلاً" قد تأثر بمخرجَين إثنين فقط وهما الياباني أكيرا كوروساوا الذي حبّبهُ بالفن السابع والبريطاني ديفيد لِين الذي قابلهُ في مهرجان لندن السينمائي عام 1984 أثناء عرض فيلم "المسألة الكبرى" وقال له:"أهنئك مرتين، الأولى لأنكَ أخرجت فيلمًا جيدًا، والثانية لأنك أخرجته في العراق"(ص9). تُرى، ماذا عن بقية المخرجين العالميين العِظام؟ ألم يتأثر بهم، ويُعجب ببعض أفلامهم؟

يتفق النقاد والمؤرخون بأن الانطلاقة الحقيقية لعمل جميل في السينما قد بدأت عام 1953 حينما انضمّ إلى وحدة الإنتاج السينمائي في شركة نفط العراق التي كان يرأسها المُنتج البريطاني جون شيرمان، وبعد سنة من التدريب اختار قسم المونتاج ثم أرسلته الشركة إلى إنكَلترا لإخراج فيلم وثائقي عن الطلبة العراقيين بلندن، وعمل هناك مساعد مونتير، ومصورًا، ومساعد مخرج في عدد من الأفلام البريطانية. وحينما عاد مَنْتَجَ فيلمي "نبوخذ نُصّر" لكامل العزاوي و "عروس الفرات" لعبد الهادي مبارك، لكنه سافر مرة أخرى إلى لندن عام 1959 وعمل لمدة ثلاث سنوات في المونتاج، كما عمل مساعد مخرج في فيلمي "القط والفأر" لبول روثا و "الرولز رويز الصفراء" لأنتوني أسكويث.

أنجز جميل بين عامي 1962 و 2013 ثلاثة عشر  فيلمًا روائيًا طويلاً لم تنجح كلها على الصعيدين الفني والجماهيري، وإذا استثنينا ثلاثة أفلام منها وهي "السلاح الأسود" الذي لم يكتمل، و"العدّ التصاعدي العدّ التنازلي" الذي لم يعجب صدام حسين، و "المسرّات والأوجاع" المُرتهَن بطهران، فإن الأفلام المتبقية هي عشرة أفلام روائية طويلة نجح نصفها بينما عانى النصف الآخر من فشل كبير لأسباب منطقية حددها المؤلف مهدي عباس بحسّ الناقد المُرهَف هذه المرة وليس بمجسّ المؤرخ الشغوف بالسينما. ففيلم "أبوهيلة" 1962 المُقتَبس عن مسرحية "تُؤمر بيك" ليوسف العاني قد فشل لأن السينارست والمخرج جميل لم يستطع أن يحوّل المسرحية إلى فيلم سينمائي، أو لوجود مخرج آخر إلى جانب جميل وهو يوسف جرجيس حمد. ورغم النجاح الجماهيري الذي حققه فيلم "شايف خير" 1969 إلاّ أنه كان ضعيفًا من الناحية الفنية، ولا ينطوي على قصة محبوكة وإنما هو مجموعة من الأغاني والرقصات المأخوذة من حفلات لعدد من الفنانين العرب. أما فيلم "الظامئون" 1972 فهو من وجهة نظر المؤلف هو "واحد من أهمّ أفلام محمد شكري جميل، ومن أهم أفلام السينما العراقية بشكل عام"(ص18) وقد نال جائزة اتحاد السينمائيين السوفييت في مهرجان موسكو السينمائي الثامن. ثمة تصحيح لابد منه، فهذا الفيلم ليس مُقتبسًا من رواية "العطش" لمالك المطلبي، وإنما من رواية "الظامئون" لعبد الرزاق المطلبي، فالأول شاعر وناقد والثاني قاص وروائي لكنهما ينتميان لعائلة واحدة!

لا شك في أنّ التوثيق مهم جدًا للمؤرخين وتصريح المخرج الإيطالي روبرتو روسيلّيني عن العراق لافت للانتباه حينما قال بالحرف الواحد:"أعجبني في العراق شيئين، آثار بابل وفيلم الظامئون"(ص18) ولكن أين سُجِّل أو صُوِّر أو نُشِر هذا التصريح كي نأخذة مأخذ الوثيقة الرسمية؟  ومن ضمن الأفلام الناجحة التي يتوقف عندها المؤلف هو فيلم "الأسوار" 1979 المُقتبَس بتصرف عن رواية "القمر والأسوار" لعبد الرحمن مجيد الربيعي وقد اعتبر عباس هذا الفيلم خطوة متقدمة على "الظامئون" إذ تجاوز فيه مفهوم البطولة الفردية إلى البطولة الجماعية، ونجح فنيًا وجماهيرًا فلاغرابة أن ينال جائزة السيف الذهبي في مهرجان دمشق السينمائي عام 1979 مناصفة مع فيلم "شمس الضباع" للمخرج التونسي رضا الباهي، وقد قال عنه الروائي جنكيز إيتماتوف"فيلم الأسوار جعلني أعرف التاريخ السياسي للعراق، وعرّفني بالمرأة العراقية"(ص24) وقد جاء هذا التصريح أيضًا بلا مرجع أو وثيقة.

ما يميّز فيلم "المهمة مستمرة" 1982 رغم كونه تعبويًا أنه يجمع بين الوثائقي والروائي لكن هذا الأسلوب لم يشفع له ضعفه الفني، ويضعه في خانة الأفلام المرحلية المهدّدة بالزوال. ورغم التلاعب في بعض أحداث ثورة العشرين إلاّ أن فيلم "المسألة الكبرى"1983 قد نجح نجاحًا مدويًا حتى أنه فاز بجائزة أفضل مخرج في مهرجان لندن السينمائي عام 1984، وقد عزى البعض هذا النجاح إلى الميزانية المفتوحة التي بلغت 30 مليون دولار أميركي ولاشتراك ممثلين عالميين أمثال أوليفر ريد، جيمس بولام، هيلين ريان، إضافة إلى فكرة مقارعة المحتل البريطاني التي يتعاطف معها المُشاهِد العراقي، ويستلهم منها الكثير من الدروس والعِبر.

لم ينجُ فيلم "الفارس والجبل"1987 من النَفَس التعبوي فكان مصيره الفشل الذريع الذي يعزوه عباس إلى ترهل السيناريو، ويصفه بكبوة فارس أنجز علامات فارقة في السينما العراقية. أما "عرس عراقي" 1988 المستوحى من قصة حقيقية عُرفت بـ "عروس مندلي" التي بُترت يداها في ليلة الزفاف فقد حقق نجاحًا معقولاً رغم سياقه التعبوي لأنه يتوفر على لمسات فنية في السيناريو والتصوير والمونتاج، كما يشيد عباس بالأداء المبهر لهديل كامل ومقداد عبد الرضا.

رغم أن رواية "اللعبة" للراحل يوسف الصائغ قد حازت على جائزة أفضل نص روائي إلاّ أن الإشادة النقدية قد انصبّت على عدسة نهاد علي وحصل الفيلم على جائزة التصوير في مهرجان السينما العراقية. أما فيلم "الملك غازي" 1993 فقد نجح مخرجهُ في بناء بعض الشخصيات مثل نوري السعيد، وخادم الملك، والراقصة، بينما أهمل شخصيات سياسية وعسكرية كثيرة. كما تألق المصوران حاتم حسين ورفعت عبد الحميد في التقاط العديد من المشاهد الجميلة التي لا تغادر ذاكرة المتلقي بسهولة.

بقي أن نشير إلى الفيلمين الروائيين القصيرين اللذين أخرجهما جميل وهما "ورطة" 1970 و"الشتاء المرّ" 1973، أما الأفلام الوثائقية فتستحق أن نفرد لها مقالاً خاصًا.

 

عدنان حسين أحمد

 

 

mohamad qasimalsalihi

أن أبلغ دلالة حملها كتاب (بعث العراق من البداية المريبة حتى النهاية الغريبة) للسيد المؤلف طالب الحسن، الطبعة الثانية 2012 ، بيروت دار أور للطباعة والنشر، هي أن بعث العراق كان قد إعتمد تزييف الحقائق والإستهلاك الفكري للآخر، منها ما تعلق بحقيقة النشأة والتأسيس، وأخرى تتعلق بما آل اليه من سقوط مدوِّ عام 2003. وجرى ما بين هذا وذاك، على أيدي شخصيات هجينة كانت تتماهى في ذلك الزيف وإستغفال الشعوب مع المؤامرات الإستعمارية التي كانت تُحاك ضد العراق وسوريا بشكل خاص والمنطقة العربية عموما. فأن التشدق بالشعارات القومية والوحدة ليست سوى عقيدة جوفاء ألهى بها البعث الشعبَ العربي ردحا من الزمن، لم يكن يؤمن بها حتى من إدعى صناعة تلك العقيدة أو بالأحرى من تولى فبركتها، حيث كان ترويجا لبضاعة لم يتعاطوها، الى أن حان موسم سقوطهم معها الى الحضيض، حينما فقدوا مصداقيتهم لدى الجماهير العراقية والعربية نتيجة ممارسات العنف والإرهاب الفكري وغزو الجوار، والتصفيات الجسدية، التي أوجدت مسافة شاسعة بين الشعار والواقع، وخلقت هوة عميقة بين النظرية (المختطفة من الأرسوزي) و(التطبيق العفلقي المغرض والهزيل) الذي إتسم به أداءه والقادة المراهقين من حوله آنذاك، ليكون حزب البعث بمثابة ساحة مفتوحة لصراع الأهواء والطموحات الشخصية والتكتلات والإنقسامات التي سرعان ما إصطدمت بـ (القيم) المفترضة والأهداف والشعارات المرفوعة في ميدان العمل الحزبي، فقد استفحل الصراع ليتجرد من سلميته ويتحول الى ظاهرة دموية خطيرة بمرور الزمن، ومما زاد في حدة الصراع على البقاء في الواجهة للوصول الى السلطة تلك المبالغة الفجة والمغالاة الصرفة التي تمثلت في الإلتصاق الأعمى بالآيوديولوجية العربية من قبل الدخلاء عليها من القوميات الأخرى.

ثالثة الأثافي، فؤاد الركابي إنموذجاً

من الأمور التي إعتمد عليها المطبخ السياسي لبعث العراق في إشغال الجماهير العربية وتطويعها لأهدافه المشبوهة، هي سياسة (ثالثة الأثافي) والأثافي هي الأحجار الثلاثة التي توضع عليها القدر فوق الموقد، ويعني السيد الكاتب بهؤلاء الشخصيات المستعربة الوافدة من أعراق أخرى غير العربية التي أسهمت في تكوين البعث وسعت جاهدة لأدلجة القومية العربية وطرحها كمعتقد يدين به أبناؤها، وكما هو معلوم بأن ثالثة الأثافي هي (الأعظم مصيبة والأكثر شرا)، وفي ذلك يقول الكاتب السيد طالب الحسن: (" إنه من خلال متابعة دقيقة لحركة الأفراد والأحداث والأفكار في الراهن المعاصر، برز واضحا إن أكثر القوميين تشددا وإندفاعا للقومية العربية هم الملتحقون بها من قوميات أخرى، كردية وفارسية وتركية وشركسية وغيرها، وهذه المغالاة عند هؤلاء تسمى في علم النفس بـ (التعويض) أو (عقدة النقص).

وذلك ما ينطبق على فؤاد أحمد الركابي تولد العراق الناصرية 1931، الذي تحدثنا فيما سبق، عن كونه (خامس) وليس (أول) من إستلم مسؤولية التنظيم في العراق، ففي إحدى الروايات المدعومة بالحجج والشواهد التاريخية، التي يعتمدها الكاتب طالب الحسن تشير الى أن فؤاد الركابي هو بالأصل ليس عربيا بل (كرديا سنيا) ولا يمت بصلة الى قبيلة بني ركاب سوى باللقب فقط، فضلا عن كونه من ذوي الأهواء الشخصية الخاوية قيميا، والتي لم يتناولها الباحثون بموضوعية نتيجة ما تحمل من أذى وإمتهان، ونهاية مأساوية قدّر له مواجهتها على يد رفاق الأمس.

حيث، وفي صيف عام 1949 زار السيد فائز اسماعيل مدينة الناصرية بصحبة فؤلد الركابي، وإبن خاله عبد الله الركابي، كانت المرة الأولى التي يزور فيها اسماعيل المنطقة بدعوة من فؤاد الركابي، المدينة التي نقل الركابي الحزب اليها في عام 1950، حيث ألف خلية بعثية ضمت كل من : (معاذ عبد الرحيم، عبد الله الركابي، كريم الركابي، عدنان الدهش، حامد سيد علي، ونعيم حميد حداد). وكما يسجّل عليه رفاقه، كما يذكر السيد المؤلف طالب الحسن، ("أن الركابي أقام نوعا من التكتل الحزبي، ولم يتورع عن اتباع الإتصالات الجانبية لخدمة مصالحه الخاصة")، حيث كان يعيش طموحا جامحا و توقاً شديدا للوصول الى الموقع الأول، وكان له ذلك عندما تمكن من إزاحة مسؤول التنظيم يومذاك فخري ياسين قدوري : (المسؤول الرابع لبعث العراق).

وقد إستمر فؤاد في موقعه أمين سر القيادة القطرية بعد اعادة تشكيل القيادة عام 1953، وفي عام 1954 أنتخب فؤاد الركابي عضوا في أول قيادة قومية لحزب البعث (في الثالثة والعشرين من عمره) ليعود الى العراق معبأً بأفكار ميشيل عفلق، ومتمسكا بمواقفه أكثر من أي وقت مضى. وبعد قيام ثورة 14 تموز 1958 دخل فؤاد الركابي وزيرا للإعمار في أولى وزاراتها بدعم مباشر من عفلق وحزبه، (وكان أصغر وزير في الوزارة التي ترأسها عبد الكريم قاسم)، وفي الجانب الإداري إتسم أداؤه (كوزير) بالقصور والإهمال الوظيفي الذي كلّف ميزانية الدولة العراقية تعويضات جسيمة للشركات الأجنبية نتيجة إصداره أمر ايقافها من العمل في المشاريع الضخمة العائدة لوزارته الى إشعار آخر، أما الجانب السياسي والإعلامي، فقد زج فؤاد الركابي كفاءات حزب البعث في جريدة الجمهورية التي وضع عبد السلام عارف يده عليها بعد ثورة 1958، حيث أسهم فؤاد من خلال عناصر التحرير البعثية في تأجيج الصراع بين رجُلي الثورة، وتوسيع هوة الخلاف بين (عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف)، حينها إستبدله عبد الكريم قاسم بوزير آخر للإعمار وعينه وزير دولة (وزير بلا وزارة) ومن هذه الوزارة استقال مع الوزراء القوميين وبدأ بالتآمر والكيد الذي تمثل في تبنيه وإعداده لعملية محاولة إغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم، وقد كشفت تلك العملية عن معدنه ومعدن حزبه وجاهزيتهما للأعمال الإرهابية والإغتيال السياسي.

كما أسفرت حالة التكتلات التي تشكلت على يد فؤاد الركابي عن سقوط بعث العراق عام 1963 بعد أول تجربة له في الحكم، نتيجة ظاهرة صراع خطيرة بين كتلتي (حازم جواد وطالب شبيب) من جهة، وكتلة (علي صالح السعدي) من جهة أخرى، تطورت هذه الحالة التي مارسها فؤاد الركابي الى صراع دموي عنيف عندما تسلط (البكر وصدام) في تموز عام 1968، ومثلما كان فؤاد الركابي منهمكا في إختيار طريقة ما لتكريم صدام حسين نتيجة إشتراكه في عملية الاغتيال الفاشلة للزعيم قاسم، ليمنحه (شرف العضوية) لصدام على أثر جاهزيته للأعمال الإرهابية، كذلك إختزن صدام في ذاكرته تكريم الركابي له، ليسرف فيما بعد في تكريم عتاة المجرمين بالهبات والعطايا المادية التي يسيل لها لعاب النفوس الضعيفة والضمائر الميتة.

على أي حال، بعد فشل عملية الإغتيال، حاول عفلق التنصل من مسؤولية العملية، محمّلا فؤاد الركابي تبعاتها بإدعائه كذبا، عدم علم القيادة القومية، على الرغم من تعليق عفلق على خطة الإغتيال عندما عُرضت عليه قبل التنفيذ بالقول (" هذه الخطة ثورة وليس إغتيالا")، مع ذلك أنكر عفلق وإستنكر محاولة الإغتيال حينما لم يُكتب لها النجاح، ليصدر على إثر ذلك الفشل قرارا من عفلق بـ (تجميد فؤاد الركابي وبقية أعضاء القيادة القطرية)، حينها دب الخلاف بين أعضاء القيادة القومية، ليؤول الى القطيعة النهائية بين فؤاد الركابي وحزب البعث عندما حصل (الإنفصال بين سوريا ومصر عام 1961)، حيث أدان الركابي وعبدالله الريماوي وآخرون، موقف البعث المؤيد للإنفصال ليبادروا بتأسيس ما أطلق عليه (البعث الثوري). وإنقسم البعثيون في القاهرة التي كان يتواجد فيها الركابي ما بين مؤيد ومعارض للإنفصال.

وبعد نجاح حزب البعث في انقلاب 8 شباط على حُكم الزعيم عبد الكريم قاسم، لم يستسغ خصوم الركابي وعلى رأسهم (علي صالح السعدي) الذي تسلم زمام الأمور في العراق، قدوم الركابي من القاهرة الى بغداد، ليأمروه بالعودة من حيث أتى على متن ذات الطائرة التي جاء بها من القاهرة الى العراق. وفي 18 تشرين الثاني 1963 تشتت خصوم الركابي وعاد مرة أخرى مُرحّبا به نتيجة (الإتصاات الجانبية) التي إتسمت بها شخصية الركابي، حيث استحوذ الركابي على رضا (عبد السلام عارف و طاهر يحيى وآخرين) ودخل معهم في (تنظيم الإتحاد الإشتراكي العربي)، وفي أول تعديل وزاري بعد انقلاب (تشرين الثاني 1963) أختير فؤاد الركابي وزيرا للشؤون البلدية والقروية، ولم يلبث طويلا حتى استقال، كأحد الوزراء الستة الذين استقالوا تضامنا مع عبد الكريم فرحان عندما اختلف مع عبد السلام عارف. إتجه الركابي، فيما بعد للعمل مع آخرين مدنيين وعسكريين من أجل تشكيل وتزعم (الحركة الإشتراكية العربية) التي قامت بالتعاون مع القيادة المركزية للحزب الشيوعي (جناح عزيز الحاج) وسرعان ما دب الخلاف بين أقطابها ليعود الركابي بعلاقاته القديمة مع علي صالح السعدي.

يصف الكاتب السيد طالب الحسن هذا التخبط والقفز والدوران السياسي الذي رافق مسيرة فؤاد الركابي السياسية ، بالقول (" إن الفردية وحب الذات ونزعة التسلط التي ظهرت على مفردات سلوك الركابي، وتطورت من خلال تربيته التي تلقاها في أوكار حزب البعث، الذي نمىّ فيه، إضافة الى ما تقدم سياسة التمحور والتآمر والتفكير الدائم في الإستحواذ على الموقع الأول في الحزب، وصد الآخرين ومنعهم من التسلل إليه").

وفي عام 1968 بدأ إثنان من بطانة الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف بالتحرك للإنقلاب على سيدهم، وهما ابراهيم عبد الرحمن الداود (آمر لواء الحرس الجمهوري)، وعبد الرزاق النايف (معاون مدير الاستخبارات العسكرية)، وقد بادر النايف الى الإتصال بفؤاد الركابي للتعاون معهم بإعتباره أحد ركائز (الإتحاد الإشتراكي العربي) في العراق، ورغم موافقة فؤاد الشخصية الا ان رفاقه في التنظيم رفضوا التعاون مع النايف المعروف بميوله الأمريكية، وفشلت محاولات الركابي في إقناع رفاقه بالتعاون مع النايف والدواود كوسيلة مرحلية للتغيير، وبعد أن يئسا (النايف والداود) من تعاون الحركات السياسية ذات الرصيد والحضور الجماهيري في الساحة العراقية، تحركا على حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة (البكر- صدام) ليعلنوا في صبيحة 17 تموز 1968 ثورتهم البيضاء التي سرعان ما إصطبغت باللون الأحمر. حيث لم يسلم منها حتى (حردان عبد الغفار التكريتي) الذي قتل على يد صدام حسين في الكويت عام 1971، رغم أنه الشخص الذي أطل على العراقيين ليقرأ بصوته الأجش البيان الأول للثورة.

لقد قامت (الثورة البيضاء) وإنطلت الخديعة على فؤاد الركابي ودخل في حوار متصل مع أحمد حسن البكر من أجل اعادة العلاقة وخلق تنظيم بعثي تدخل فيه العناصر القديمة، لكن، وبعد سيطرة انقلابيي 17 تموز 1968 على مقاليد الأمور في العراق، وصل حوار الركابي معهم الى طريق مسدود، وفشلت جهوده في الوصول معهم الى مشروع عمل. حينها لجأ فؤاد الركابي الى التعاون مع الحزب الشيوعي الذي كان هو الآخر قد دخل مع (سلطة الانقلاب) في حوارات ولقاءات من أجل اقامة (جبهة وطنية). مع ذلك إستمر الركابي في تعاونه مع الشيوعي الذي تكلل باذاعة البيانات المشتركة التي تتضمن الإشارة الى بعض المآخذ على سلطة الانقلاب (ثورة 17 تموز 1968) وحزبها القائد (بعث البكر وصدام). ولم يدم مثل هذا الأمر طويلا حتى  لفقت لفؤاد الركابي تهمة من قبل السلطة، وهي استيلائه على شيك بمبلغ عشرة آلاف دينار عام 1969، ليقبع على إثرها خلف القضبان، ويلاقي أبشع صنوف التعذيب (كما يشير لذلك المعتقلين السياسيين معه) ، لدرجة إرغامه على دفع عربة لجمع القاذورات من غرف السجناء لإهانته وكسر معنوياته، ومن ثم ليذبح على يد قاتل محترف ، سجين جديد نقل من سجن البصرة، أعده له ناظم كزار (مدير الأمن العام)، ليطعنه في رقبته في سجن بعقوبة 1971، نحو الساعة العاشرة مساءً، نقل على أثرها (فؤاد الركابي) الى مستشفى بعقوبة حيث لم يسمح للأطباء بمعالجته، فبقي ينزف دما حتى فاضت روحه فجر اليوم التالي مذبوحا من الوريد الى الوريد في الأربعين من عمره (كما ينقل صديقه السيد معاذ عبد الرحيم)، الذي يكمل قائلا (" لم تكتف هذه العصابة المجرمة بقتل زعيم من زعماء الحركة القومية بطعنه على يد مجرم عادي، بل راحت تطعن بشرفه بنشر تحقيق كاذب ومختلق")... وفي هذا الصدد يذكر السيد زيدان خلف النعيمي رفيق الركابي والذي كان مسجونا معه أن الركابي كان عاكفا على كتابة برنامج للحزب الاشتراكي الناصري الموحد.

وقد كانت المكافأة التي حصل عليها المجرم (ع. د) جراء قتله للركابي، أن أطلق سراحه وعيّن موظفا في وزارة الخارجية ليعمل في السفارة العراقية في باكستان، وهو ما ذكره أحد كبار البعثيين في أوائل التسعينات الى زميل الركابي السيد معاذ عبد الرحيم.

في ذلك يقول السيد مؤلف الكتاب الأستاذ طالب الحسن (" إذا مات فؤاد الركابي بطريقة الغدر التي ألفها حزب البعث العراقي منذ أيامه الأولى، فإنه لم يكن أول مغدور في الساحة السياسية العراقية، وقد نصب حزب البعث حبائل غدره للعديد من السياسيين، ووقع الكثير منهم في المصيدة، والتفت حبائلها عليهم بشدة").

وفي فصل آخر من الكتاب (العاشر تحديدا) يعيد الكاتب التأكيد على أن الإسكندرونيون (نسبة الى لواء الإسكندرونة شمال غرب سوريا)، هم من نقلوا البعث العربي الى بغداد، ويركز السيد طالب الحسن في هذا الصدد بالقول (" الحديث عن حزب البعث العراقي متعلق بالحديث عن لواء الإسكندرونة، لأن الذين بذروا البذرة الأولى كانوا جميعهم من هذا اللواء، وقد انتموا عام 1940 عندما أسسه أستاذهم زكي الأرسوزي الذي ينحدر من اللواء ذاته، لذلك كان مؤرخو البعث يتحاشون ذكر ذلك لأنه يقودهم الى إغفال دور عفلق بالتأسيس، ولم يذكر أي من كتاب سلطة (البكر – صدام) ومؤرخوها بأن (فائز اسماعيل وسليمان العيسى) ثم بعد ذلك (وصفي الغانم ومسعود الغانم) كانوا بعثيين قبل أن يصلوا العراق قبل المؤتمر التأسيسي لحزب البعث في 7 نيسان 1947").

وحول انتشار الحزب في المدن العراقية انطلاقا من العاصمة بغداد، ففي العامين 1949 و1950، كانت مدينة الرمادي أول مدينة وصلتها فكرة البعث العربي قادمة لها من بغداد عن طريق زكي الخشالي القادم من بغداد، الذي استطاع في إحدى زياراته للمدينة من كسب (يونس المصلح)، طالب في دار المعلمين الإبتدائية، فبالإضافة الى قرب الرمادي الجغرافي من بغداد، أسهم وجود الشاعر عبد الوهاب البياتي فيها بتوسيع دائرة الكسب الحزبي، البياتي الذي لم يمكث طويلا في تنظيم بعث العراق، بل أقصى مدة قضاها فيه لا تتعدى السنتين (كما يذكر السيد الكاتب)، ومن ثم تحتل الناصرية المرتبة الثانية في إحتضانها للبعث، حيث أقحم فؤاد الركابي مدينته بفكر البعث (وكما تطرقنا لذلك سلفا)، وتنافس الناصرية على هذا الموقع مدينة كربلاء المقدسة التي جاءت في المركز الثالث حيث استطاع سعدون حمادي أن يبذر نواة البعث فيها، ومن ثم البصرة رابعا، حيث لعب الطالب (طه علي الرشيد\ السعودي الأصل) دورا في نشر البعث وتشكيل أول خلية بعثية في البصرة أناط قيادتها لشخص يعمل في الإخراج الكمركي يدعى (أنور داود إيليا) عام 1950، وقد تلت البصرة محافظة ديالى، حيث إستثمر السيد معاذ عبد الرحيم (من أبناء مدينة الناصرية) وجوده في دار المعلمين الإبتدائية في بعقوبة (1951-1952) ، ليشكل الخلية الأولى من طلاب الدار، ولم يكن أي من عناصر هذه الخلية من أهالي ديالى وإنما كسبوا للحزب الجديد على ترابها لأنهم كانوا طلابا يدرسون في دار المعلمين. ومن ثم اتجه حزب البعث ليغزو مدينة الحلة فكان له ذلك في عام 1953 بواسطة (تحسين معلة). ومن ثم سامراء عى يد طلبة درسوا في بغداد في طليعتهم (عبد الله سلوم السامرائي)، فالموصل في دار عبد الغفار الصائغ وتحت مسؤولية (أدور قصيرة). وتحتل النجف المرتبة التاسعة في المدن التي استطاع البعث اقتحام أسوارها بواسطة (جعفر قاسم حمودي) موظف في المصرف العقاري.

لم تكن السلطة آنذاك تعير إهتماما كبيرا لحركة البعث في المدن التي مررنا بها ، فقد كانت منصرفة لمقاومة وشل حركة أحزاب أخرى لها وزنها في الساحة العراقية، وقد كانت تشعر تجاه البعث بأنه حركة عديمة الوزن أو الثقل، ووفقا لهذا التصور إستطاع بعث العراق بسرعة في مدن عديدة لم تكن مدينة العمارة آخرها عندما بدأ مؤيد السامرائي الذي كان معلما فيها، بتأسيس النواة الأولى من خلال كسب معلم زميل له جبار صنكور في عام 1954، لتنطلق حركة البعث فيما بعد للتسلل الى أهوار العراق.

بالإضافة الى ماتم ذكره في سلسلة هذه القراءة، فقد تضمن الكتاب ملاحق من الوثائق التاريخية والصور ما يمكن لها أن تدعم جميع ما جاء في فصول الكتاب من أحداث رواها أو أفكار تبناها السيد المؤلف طالب الحسن.

لقد إستطاع السيد المؤلف طالب الحسن إستنطاق مضامين العنوان، حيث "البداية المريبة" على الصعيد القومي، التي شهدت سطوا سياسيا وثقافيا من قبل ميشيل عفلق وصلاح البيطار على حصيلة زكي الأرسوزي الفكرية التي إستطاع تأطيرها في آيديولوجيا قومية كان الباعث على ولادتها في ذهن مبتكرها (الأرسوزي) هو السعي لتحرير مدينته (لواء الإسكندرون) من الإحتلال الفرنسي ومجابهة دعاة التتريك، ليتم توظيفها من قبل عفلق والبيطار كأداة لإجهاض الشعور القومي الحقيقي المناوئ للإحتلال الفرنسي والتتريك الذي طال اللواء الأم، وكذلك إستخدامها وسيلة للهيمنة على السلطة بالتعاون مع مخابرات الإستعمار الفرنسي. أما على الصعيد القطري فقد استطاع الكاتب توضيح الأمور وتصحيح التصورات الخاطئة وإزالة اللغط الذي يثار من قبل مؤرخي نشأة البعث حول هوية المسؤول الأول لبعث العراق، حيث أثبت الكاتب بالأدلة والبراهين من أن فائز اسماعيل (الإسكندروني الأصل وأحد طلبة الأرسوزي) كان هو المسؤول الأول وليس كما هو شائعا في الأذهان بأن فؤاد الركابي كان له قصب السبق في ذلك المضمار.

وقد تناول السيد المؤلف ملامح وسمات المحيط الذي نشأ فيه بعث عفلق والبيطار وأجواء الكراهية السائدة والأنا المتضخمة العمياء التي 

إمتدت لتلقي بظلالها على بعث العراق من فؤاد الركابي الى صدام حسين، وما رافق ذلك من صراعات ومؤامرات تدرجت لتنتهي الى مجازر دموية طالت الشعب العراقي بعد تصفية رفاق العقيدة لبعضهم البعض. حيث عقيدة البعث التي أنشئت لتحرير لواء الأسكندرونة إنطلاقا من العراق، تحولت الى تكريس التتريك للواء السليب، وإنتهت بالعراق محتلا في "نهاية غريبة"، لبعث العراق لم تكن في الحسبان.

  محمد قاسم الصالحي

 

 

alhasan aabaتازناخت الكبرى، هو كتاب لصاحبه الاستاذ المقتدر، محمد بولهريس، الكتاب دو الحجم الكبير تجاوز 300 ورقة ويحتوي غلافه على صورة القصبة وهدا مايدل على كون الاستاذ يولي اهتماما كبيرا لثرات المنطقة.اضافة الى دلك فالمؤلف اعتمد على مصادر علمية تاريخية في هدا المجال كما اعتمد على روايات شفوية ميدانية حيث ارتكز الكاتب على رواة لهم داكرة جيدة الشيء الدي اعطى للكتاب رونقة وجمالا.ان الكتاب على العموم تجاوز الكتب الاخرى السابقة التي الفها الاخرون حول المنطقة.لقد استهل الكاتب كتابه بالحديث عن، ايت وازكيت، والمجال الجغرافي لهده المنطقة الشاسعة الواسعة الاطراف واعطى لها تعريفا علميا دقيقا ومحددا.لقد جمع الكتاب كل ماهو تاريخي وثراتي للمنطقة كما تطرق الى الجنس البشري الدي يسكن في هدا المجال. وبدلك يكون هدا الكتاب قد تجاوز انماط المراجع والمصادر الدي سبقته.بل استطاع الكاتب ان يجيب على اهم الاشكاليات والتساؤلات المطروحة سابقا المتعلقة بايت واوزكيت وبتازناخت بصفة خاصة، .تازناخت الكبرى، ماهو الا صرخة للجيل المتصاعد وهو امانة على رقبة الشباب الحالي ليتم الطريق الدي بداه استاذنا محمد بولهريس، فتحية والف تحية لهدا الاستاذ المناضل المجاهد الدي اعطى ومازال يعطي للمنطقة الشيء الكثير وسيبقى كتابه هدا وفكره مكتوبا بمداد من الاعجاب والتقدير.

 

الباحث الحسن اعبا

 

1085 qusaللدكتور قصي الشيخ عسكر صدرت عن دار ليندا  في السويداء بسوريا رواية جديدة بعنوان (الرباط). وهي رواية قصيرة مهجرية تتكلم عن غربة وسقوط صديقين عراقيين يدرسان ويعملان في المغرب.

تتخلل العمل صورة شديدة الكآبة عن واقع الحياة في المهجر، وطريقة تعامل السلطات مع الطلبة، وخيبات الواقع. وتنتهي بهجرة واحد من بطلي الرواية إلى الدانمارك.

تعتبر هذه الرواية إضافة إلى أدب المغتربات والمنافي، وتتابع مجموعة من العواطف المتناقضة كالحب والرغبة والأنانية والكذب السياسي والمراءاة.  وتعمل على هجاء الواقع الفاسد. 

قصي الشيخ عسكر من مواليد التنومة في البصرة. يحمل درجة الدكتوراة في الأدب العربي من لندن. ودرجة الماجستير بنفس الاختصاص بامتياز من جامعة دمشق. ويتبع الجنسية الدانماركية. ويقيم حاليا في نوتنغهام بإنكلترا. متقاعد ومتفرغ للكتابة.

 

khadom shamhodالفن خلق مع الانسان: يذكر صاحب كتاب ـالفن والمجتمع ـ ارنولد هاوزر ان الفنان هو الذي اوجد الفن، واشار ان الانسان القديم اخذ مجموعة من الاصباغ التي صنعها بيده ونقش على جدران الكهوف بعض مشاعره وتعبيراته عن البيئة الوحشية وحيواناتها المفترسة، وكان الدافع الاول على الاغلب هو اعتقاده بالسحر حيث يعتقد ان رسمه للحيوانات وهي مصابة بحرابه يسهل له صيدها واقتناصها فما عليه الا ان يخرج من كهفه ويقبض عليها . ومن ذلك الحين اصبح الفن ظرورة حياتية للانسان كالماء والطعام وقد ولد مع ولادته ونشأته . كما انه ليس هناك ماضي او حاضر للفن بل هو الانسان نفسه (وخلقنا الانسان في احسن تقويم) يعني اجمل واحسن هيئة واحسن ابداع فني . فالفن هو الجمال والجمال هو الفن . والجمال خلق رباني موجودا في الطبيعة وفي الانسان وفي كل شئ، فهو موجودا في الملبس والكلام والكتابة والعمارة وفي التصوير والادب والشعر والموسيقى والرقص وفي الطعام والشراب وغير ذلك .. كما ان الفن هو لون من الوان الثقافة الانسانية وهو نتاج ابداعي يخضع الى تقاليد وعادات الشعوب وبيئاتها الجغرافية ومناخها وارثها الحضاري .

معنى الفن في اللغة:

عندما نتصفح القاموس العربي نجد معاني لمفردات الفن والفنان . فالفن اشرنا الى معناه سابقا بشكل عام ومختصر . وفن: (فعل) ـ فننت، يفن (ضم على الفا) او يفن (كسرة تحت الياء) . فن الفنان: تفنن في فنه وما اتى به من ابداع . اما الرسم من رسم (فعل) من يرسم صوره او نحوها . كما يأتي الرسم بمعنى الاثر: رسم الدار يعني ما كان من آثارها لاصقا بالارض . النقش: نقش (فعل) ينقش نقاشا فهو نقاش على الحجر ونحوه، رسم او خط عليه بعمق .. نقش اسمه على شجرة او ضريح .. وجاء في احد الاحاديث المأخوذه عن كتاب صحيح البخاري (لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب او صورة الا نقشا في ثوب) وهنا جاء النقش بمعنى الرسم .. رغم شكنا في صحة الحديث الا اننا نأخذ معنى مفردة النقش .

كما تطلق كلمة فنان على الحمار الوحشي: حيث يتفنن في العدو (الركض)

مفهوم الفنان من ناحية المصطلح العام:

الفنان في المفهوم المعاصر هو شخص مبتكر ومبدع ومخترع وصاحب افكار سابقة على عصرة وعادة ما تكون غريبة وبعيدة نوعا ما عن التقليد . وهو واسع في مخيلته ومشاعره واحاسيسه وهو مقدام وجرئ ..، ويعتبر ركيزة حضارية تقود الى التطور والتقدم . واتذكر قصة لفنان انكليزي يدعى وليم هوغارث ظهر في القرن الثامن عشر 1697ـ1764 اشتهر في رسومه الواقعية والساخرة في انكلترا واوربا واخذ الرسامون يستنسخون اعماله، فصدر قانون من البرلمان الانكليزي اسمه ـ قانون هوغارث ـ يعاقب كل من يستنسخ اعماله . ولهذا كان هذا الفنان رمزا حضاريا وثقافيا احدث تطورا هائلا في الفن الاوربي في ذلك الوقت . وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهر فنانون رواد اسسوا مدارس حديثة احدثت انقلابا وثورة وتمردا على التقاليد الفنية الكلاسيكية القديمة، واصبح لهذه المدارس منظرين ونظريات فكرية ومفاهيم فلسفية تبرر ظهورها ووجودها وفكرها ومنها ما ارتبط بالفكر الفلسفي الاغريقي والروحي الديني .و قد عم تأثير هذه المدارس العالم اجمع . وبالتالي هذه هي صفة الفنان الحقيقي ومميزاته وليس من الانصاف اطلاقها على كل من هب ودب بمجر مسك ريشة وقلم وخط ..

مراجعة كتب الفن المعاصر:

هناك احيانا فهم خاطئ لمفهوم الفنان من قبل غالبية الكتاب والنقاد الذين تصدروا للكتابة عن الفن وانتاج الفنان في عالمنا العربي، فاصبح كل شخص يرسم منظرا او طبيعة صامته او موضوعا اجتماعيا او فنا حديثا مهما كان ذلك الشخص، فانهم يطلقون عليه فنانا مبتكرا وفريدا بالمعنى الاصطلاحي العام الذي اشرنا اليه سابقا ويدون في كتب الفن وينشر . ؟؟؟ ناهيك على ان الفن الحديث ليس له قواعد للنقد كما كان في العصر الكلاسيكي حيث ان كل رسام اصبح يرسم ما يشاء وما يتذوق من شتى صنوف وانواع الاساليب والافكار . بمعنى ان اكتشاف الفن الحديث وما بعد الحداثة حطم كثير من الاطر والحدود والقيود القديمة ودعى الى بناء رؤية تعبيرية جديدة في كل قطاعات الفن بشكل حر .

ولهذا لو اردنا ان نفهم الفنان بالمعنى الاصطلاحي العام وليس اللغوي الذي اشرنا اليه سابقا وما حدث من تغيرات وتحولات فنية وفكرية في القرن العشرين لوجدنا انه يحتم علينا مراجعة غالبية الكتب الفنية العربية التي كتبت عن الفن والفنانين العرب .و ربما نخرج غالبيتها من المكتبة العربية . هذه الكتب كتبت بطابع عاطفي وليس عقلي موضوعي، كما يطغي عليها طابع الاطراء والسفسطة والثرثرة الادبية التي نراها في كتب الادب خاصة رويات بعض الكتاب المصريين .. يضاف الى ذلك ان هؤلاء الكتاب كأنهم لم يقرأوا عن تاريخ الفن ومدارس الفن الحديث ورواده او ان الاموال والتعصب القومي او الفكري قد حجب الحقيقة عن عقولهم .. ولهذا انا شخصيا اشك في ما كتب عن الفن العراقي المعاصر منذ نشأته الى اليوم واقترح اعادة النظر في الكتابة عن الفن بشكل موضوعي وعقلي وليس عاطفي .

اساتذة ام فنانين:

من المعروف ان الطلبة العرب في بداية القرن العشرين قد درسوا الفن الاوربي الحديث في باريس وروما ولندن وبرلين وموسكو وغيراها، وان بعض البلدان الاوربية اسست اكاديميات في الدول العربية لدراسة الفن الاوربي بعد استعمارها كما حدث في مصر عام 1898 والمغرب والجزائر 1906 . ثم عاد هؤلاء الطلبة بعد ذلك الى اوطانهم واسسوا معاهد واكاديميات فنية تدرس المناهج الاوربية الحديثة، كما حدث للاستاذ فائق حسن الذي اسس معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1939 . وبالتالي فقد ظهر في بلداننا اساتذة اعتنقوا المذاهب الفنية الاوربية واساليبها الحديثة واخذوا يدرسونها الى الطلبة العرب . وهكذا عمت وانتشرت المدارس الاوربية في عالمنا العربي . ولهذا نحن عندنا اليوم اساتذة ورسامين وليس فنانين حسب المفهوم السابق سواء كان في العراق او مصر او سوريا او المغرب او غيرها .. وهذا ما دعى المفكر والمؤرخ العربي الدكتور عفيف البهنسي بالقول ان المدرسة الوحشية التي تزعمها ماتيس هي نتاج تأثيرات الفن الاسلامي . وان بول كلي سبق الرسامين العرب في استخدام الحرف العربي . كما ذكر الاستاذ المؤرخ المصري زكي محمد حسن انه يتعذر القول بوجود فن عربي وانما هناك فن اسلامي ... وبالتالي اصبح الرسام العربي اليوم مقلدا ومستنسخا للمدارس الاوربية الحديثة واصبح عاجزا عن ابتكار وتأسيس مدرسة لها مميزاتها وهويتها الخاصة وفلسفتها ونظرياتها الفكرية التي تدعم وجودها كما هو حاصل في المذاهب والتيارات الاوربية الحديثة . . تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

nabil alrobaeiتعد دراسة الأماكن والتراث في العراق شيئاً مهماً لدى المؤرخين والباحثين، لتوثيقها في مؤلفاتهم للأجيال القادمة، ففي تاريخ أي شعب كان لهُ تراثه المهم الذي تراكم عبرَّ الأجيال، ومن عادة النخبة المثقفة أن تؤدي دوراً مائزاً في تطوير المجتمع في شتى الميادين، لذا فإن فعل هذا التوثيق أو الدراسة بدأ يأخذ ما يستحق من الاهتمام من لدن الباحثين، لأنها تؤلف الأركان الأساسية للتطورات التاريخية والأدبية والسياسية وما شابه ذلك، إلا أن العديد من هذه الدراسات أدت دوراً فاعلاً في التطورات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وما تزال بحاجة إلى المزيد من الدراسة الجادة لتسليط الأضواء عليها وصولاً إلى الحقيقة التاريخية.

حظي الدكتور عبد الرضا عوض بدراسة تاريخ وتراث مدينة الحلة، وقد تناول أخيراً دراسة محلة الجامعين من جميع مجالاتها التاريخية والسياسية والأدبية والثقافية، كونهُ ابن هذه المحلة ومسقط رأسه فيها، بكتاب مستقل ضمن سلسلة تراث الحلة (42).

الكتاب يقع في (170) صفحة من الحجم الوزيري الصادر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في مدينة الحلة، تضمن الكتاب توطئة عن تاريخ محلة الجامعين قديماً، وما قاله الشعراء في هذه المحلة والتي تعُد أحدى محلات المدينة القديمة منها : (الطاق وجبران والمهدية)، وما قاله الشعراء في المحلة، وما أدركه المؤلف في هذه المحلة منذ الصبا والشباب ولغاية اليوم، ثم أخذنا بسياحة في أزقتها وشوارعها القديمة، والدكاكين والأسر والبيوتات، والمهن التي امتهنها الأهالي وعاداتهم وتقاليدهم المتوارثة، ومساجدها القديمة وتاريخ المواكب الحسينية، وسبب تسمية الجامعين هو لوجود جامعين هما جامع الإمام الصادق (ع) وجامع عبد العزيز السراي من أصحاب الإمام علي بن أبي طالب (ع). ويؤكد ذلك الباحث عدنان سماكة : إن الجامعين مثنى لكلمة جامع.

لكن هناك سؤال اطرحهُ على المؤرخ عبد الرضا عوض كوني باحث ومتابع، من هو مؤسس محلة الجامعين؟ فضلاً عن أن الكثير يجهل بداية تأسيس نواتها، قد يعود تأريخ تأسيس المحلة يعود إلى النصف الأول من القرن الأول الهجري كما ذكرنا بسبب تواجد الجامعين، وقد يكون اصل الجامعين يعود إلى زمن سقوط بابل على يد الأخمينيين بقيادة كورش عام 539 ق.م، وعندما احتل الاسكندر الكبير بابل هرب أهلها إلى جميع بقاع المنطقة، وقد اتخذ من الجامعين أماكن إلى تجمعهم من الهرب، والدليل على ذلك توطن أبناء الديانة اليهودية في الحلة وخاصة محلة الجامعين، وتعد هذه المحلة من المحلات القديمة التي كانت البدايات الأولى لتأسيس مدينة الحلة، ويعد الأمير صدقة بن مزيد أول أمير سكن محلة الجامعين. فضلاً عن أن هذه المحلة التي بنيّ اغلب منازلها من حجر بابل.

في الكتاب يوثق المؤرخ عوض دور الوعي السياسي لأبناء المحلة وتاريخ ظهوره، والانتفاضات الشعبية وقياداتها، وقد الحق المؤلف الكتاب ببعض الصور التاريخية والتراثية وصور الشخصيات المهمة التي لعبت دوراً فيها، ففي ص5 يذكر المؤرخ عوض قائلاً: (هذه المدينة ليست اليوم ظاهرة تاريخية مرئية في مظهر الأرض بل أن الكثير من مظاهرها التي عاشت تأسيسها ونموها لم يكن له وجود فعلي نتيجة الإهمال والظروف التي عاشتها الحلة عبر الزمن، ونتيجة ذلك يصعب علينا الحصول على جميع المظاهر الحضارية التي عاشتها هذه المدينة.. أجمل ما يميز محلة الجامعين ومثلها المحلات الشعبية القديمة في مدينة الحلة، إنها محلات تراثية ما زالت محافظة على أزقتها الضيقة التي قد لا يتجاوز عرض بعضها المتر الواحد، والتي تلتف حول بعضها كالأفعى، فتشعرك عندما تجوبها على أقدامك مضطرا، وكأنك تدور في دهاليز أو حلقات لا نهاية لها، وتدخل في متاهة شبيهة بمتاهات ألعاب التسلية، وهي متاهات جميلة وموغلة في القدم).

في كتابه هذا يعرج بنا المؤرج على تاريخ تمصير مدينة الحلة من قبل الأمير صدقة بن منصور المزيدي الأسدي سنة 495هـ، حيث بدأ العمل ببناء مدينة الحلة في منطقة الجامعين وهي حلة بني مزيد التي بأرض بابل على شط الفرات، ويحط رحاله في أرض الجامعين التي كانت تحت ولاية ابن عمه شبيب بن حماد الأسدي ليسجل التاريخ حدثاً مهماً ويؤرخه لتمصير الحلة الفيحاء، إذ يقول في صفحة 8 : (وهي ظاهرة أكدت استقلال الإمارة المزيدية عن الدولة العباسية وقد شجعت الصراعات العائلية الداخلية بين سلاطين السلاجقة، وساعدته في تثبيت أركان حكمه عندما جسد رغبته بأن تكون له إمارة مستقلة بقبيلته ويكون بعيداً عن سطوة حكم السلاجقة)، وهذا مما يدل على دور الأمير صدقة في تأسيس المدينة متخذاً من محلة الجامعين النواة الأولى لبناء إمارتهُ، فضلاً عن خلافاته مع الدولة العباسية والرغبة بالاستقلال عنها لعدة أسباب ذكرها المؤرخ عوض في مقدمة كتابه، منها لرفضه التسديد لخزانة السلطان والتي تقدر بأكثر من ألف ألف دينار.

أصبحت مدينة الحلة بعد تمصيرها :"مناراً للعلم حينما احتضنت الحوزة العلمية سنة 562هـ بانتقال علي بن محمد بن حمزة بن شهريار الخازن العلوي (ت572هـ) واستخلفه الشيخ ابن إدريس، صاحب كتاب السرائر (ت598هـ)، واستمرت إلى سنة 951هـ بوفاة الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي، ولا غرابة في أن تحتضن الحلة الوافدين من شتى بقاع العالم وتحافظ على عروبتها ، فأصبحت منارةً للفقه الإسلامي والأدب العربي، إذا ما علمنا أن كثيراً من العلماء والأدباء قدموا إلى الحلة واستقروا بها، وأصبحوا من جملة أهلها وتتلمذوا فيها"().

هناك بعض العوامل التي منحت مدينة الحلة أهمية لدى الباحثين في تاريخ المدينة منها : قربها من مدينة بابل ذات العمق التاريخي والموقع الجغرافي المتميز بين بغداد والبصرة ومناطق الفرات الأعلى فضلاً عن المكانة العلمية ووجود الكثير من القبائل العربية المحيطة بها من كل الجهات مما مكنها أن تتبوأ مركزاً تجارياً لتلك القبائل، ولا بد أن يؤخذ بالحسبان الموقع العسكري لهذه المدينة حيث مكنها هذا الموقع من مواجهة التحديات الخارجية، إن اختيار صدقة بن مزيد مقره في منطقة الجامعين التي تقع في الجانب الغربي من نهر الفرات يشير إلى إن الآجام كانت من الأماكن المفضلة للثوار، وقد أعطت هذه المزايا مدينة الحلة مكانةً مرموقةً في نظر من زارها. ففي صفحة 12 /13 يؤكد المؤرخ عوض قائلاً : "ومدينة الحلة قامت على أرض الجامعين التي كان لها سبق ووجود قبل تأسيس مدينة الحلة وبمرور الزمن توحد الاسمان أي الجامعين والحلة وأطلق على الاثنين أسم محلة الجامعين أو حلة بني مزيد أو الحلة السيفية، والثابت لدى المؤرخين أن الحلة وتسميتها ظهرت بعد عام 495 هـ ... ومن المفيد التطرق إليها باختصار ومن أهم هذه الخصائص أن الأزقة والشوارع في هذه المحلة تكون متعرجة وضيقة وذلك لانعدام التخطيط النظامي ووجود الرابط القومي لسكنة المحلة وأن تكون دورهم ليست بعيدة عن الأقارب ومن الأسباب التي دعت إلى ضيق الأزقة وتعرجها لعرقلة الغزاة والمهاجمين وتسهيل عملية الدفاع من أجل حماية المحلات فضلاً أن هناك عاملاً مهماً دفع السكان للالتزام بهذا النمط من الأزقة للتعرف على الغرباء مباشرة عند دخولهم هذه المحلات ويضاف إلى ذلك أن ضيق الزقاق يوفر للسكان مساحة جيدة من الظل ويخفف من درجات الحرارة والعواصف الترابية والرملية ويقلل من تبخر المياه للمحافظة على درجات حرارة معتدلة في هذه الممرات الضيقة وهناك ظاهرة أخرى في بناء البيوت القديمة أن شبابيكها تكون عالية عن مرأى العين للحفاظ على سترة المنزل".

أصبحت مدينة الحلة في وقت لاحق مكاناً لعلماء الإمامية وخاصة بعد سلامتها من احتلال المغول على اثر احتلال بغداد سنة 656هـ / 1258م. وأضحت هذه المدينة من مراكز الحركة العقلية في البلدان الإسلامية وقد جاء ذكر محلة الجامعين على لسان الرحالة ابن بطوطة فقد ذكر عن الحلة أن : (أهل هذه المدينة كلها إمامية اثنا عشرية، وهم طائفتان : أحداهما تعرف بالأكراد والأخرى تعرف بأهل الجامعين). حتى حظيت المدينة بخمس مدارس علمية هي :

1- مدرسة يحيى بن سعيد الهذلي (ت689هـ/1290م).

2- المدرسة الزينية في محلة الجامعين.

3- مسجد ومدرسة الشيخ عبد السميع بن فياض الأسدي (ت933هـ).

4- المدرسة النبوية.

ثم يعقب المؤرخ عوض في صفحة 24، حول ذكر الأدباء والشعراء الذي أنجبتهم المحلة حين قال :"من الجدير بالذكر إن محلة الجامعين أنجبت الكثير من الأدباء والشعراء الذين نظموا في فنون الشعر المختلفة، ويبدو إن نتاجهم الأدبي قد تخطى محلة الجامعين إلى أماكن بعيدة فقد أتيحت لهم فرص الاتصال بالثقافات الأدبية ذات الطابع العربي الإسلامي فقد رفدوا الساحة الأدبية مثل : الأمير بدران بن صدقة، والأمير مزيد الحلي، والشاعر صفي الدين الحلي والشاعر راجح الحلي، والشاعر شمس الدولة بدران بن صدقة بن منصور المزيدي الأسدي (ت 530هـ) والشاعر الأمير مزيد بن صفوان ابو الحسن، وكانوا يتشوقون إلى محلتهم الجامعين التي عاشوا فيها ثم رحلوا عنها لأسباب مختلفة"، ثم يعرج المؤرخ على ذكر الشعراء الذين ذكروا محلة الجامعين في قصائدهم، وآخرها قصيدة الشاعر جبار الكواز بحق الحلة وعلمائها ألقيت يوم 13/5/2015 في جامعة بابل تحت عنوان (أرضٌ بها الوعي والأحلامُ قد ركبا).

وفي ص36 وما بعدها يعرّج بنا المؤرخ عوض سائحاً حول أهم شوارع المحلة الحديثة والرئيسة، وأهم المؤسسات الحكومية والمدارس ورياض الأطفال والمراقد والبيوت السكنية والمساجد والمعامل والمحال التجارية ودور الترفيه والمقاهي التي تحيط بهذه الشوارع منها : شارع الإمام علي (الجادة)، وشارع صفي الدين، وشارع العلوة أو المعدان، وهناك هو توصيف وتوثيق دقيق لهذه الشوارع.

وفي صفحة 56 / 57 يذكر المؤرخ عوض أهمية سور الحلة، الذي كان قائماً حتى سنة 1918م، وكان السور يحتضن المحلات السبع القديمة: (الجامعين، الطاق ،جبران، المهدية، الجباويين، التعيس، الأكراد)، حين قال :"أول ذكر لسور الحلة ورد في المدونات التاريخية، وهو : أن الأمير صدقة بن منصور ممصر الحلة سنة 495هـ أمر بحفر خندق حول مدينته الجديدة ومن تراب الخندق عمل سور المدينة لحمايتها من الغزوات، وكان ترابياً، فقد ذكر السيد رضي الدين علي بن المطهر الحلي، أن الحلة حفر حولها خندق سنة 498هـ، ومن تراب الخندق عمل سور الحلة وأكمل في 21 رمضان سنة 500هـ ... بني بطابوق بابل المدينة الآثارية نقل إلى الجامعين بواسطة القفف النهرية شيد لأخر مرة في عهد المماليك نهاية القرن السابع عشر الميلادي، وكان على ارتفاع أربعة أمتار تقريباً ويمتد من واجهة نهر الحلة ماراً بالشارع الذي يفصل الجامعين عن محلة (الجديدة) الحالية، حيث (باب المشهد)". فضلاً عن بساتين الجامعين التي كانت مقاطعات زراعية كبيرة والتي كانت تتعدى (14) بستاناً، حتى مطلع القرن الماضي، إلا أن هذه البساتين والأراضي الزراعية زحف عليها العمران وحل محلها أحياء سكنية جديدة سميت بـ(محلة الجديدة) و(الحي الجمهوري)، و(نزلة العيد) ويحسب الجميع أنها امتدا لمحلة الجامعين، وأنشأ عليها منشآت حكومية، وشبه حكومية ذات النفع العام"، ثم يعقب عوض قائلاً :" كان أغلب سكان محلة الجامعين يعتمدون في موارد معيشتهم على مهنة الحياكة النسيجية، وبستنة الأرض، فالمنطقة المحصورة بين سور الحلة الجنوبي وحتى مقام النبي أيوب (ع) في المنطقة المسماة بـ (العيفار) كلها بساتين زراعية غناء تسقى بواسطة الكرود (النواعير)".

كما وثق المؤرخ عوض في كتابه المجالس الاجتماعية في الجامعين، ففي صفحة 64 وما بعدها ذكر عدة مجالس ونبذة عن تاريخها والقائمين عليها منها (مجلس آل عوض، مجلس آل علوش، مجلس آل الشلاه، مجلس صالح عنجورة)، والنشاطات الثقافية والفكرية والأدبية التي قامت بها هذه المجالس. وقد وثق المؤرخ تاريخ البيوتات في المحلة وطرق بناؤها ففي صفحة 68 ذكر قائلاُ :" إن كافة البيوت مبنية بالطابوق ، وهو على ثلاثة أنواع :

-  طابوق مدينة بابل الآثارية وعليه كتابات مسمارية ، غنمه الأهالي بعد نقض سور الحلة سنة 1918م، إذ تذكر المصادر ان السور بني بطابوق جُلب من بابل بوساطة القفف النهرية.

-  طابوق من نتاج محلي ويسمى (طابوق كورة) كونه يفخر بطريقة بدائية وهذه (الكور) كانت منتشرة حول مدينة الحلة.

-  طابوق من نتاج معامل الطابوق الميكانيكية، وتكون هذه الطابوقة أصغر من الطابوقة البابلية وأكبر من طابوقة (الكورة).

أما مادة البناء فيستعمل الرماد والنورة في بناء الأسس لعدم توفر الاسمنت، أما القسم العلوي فتكون مادة البناء بالطين، وتغطى الجدران أما بالطين أو مادة الجص التي تصنع محلياً. وتكون السقوف من جدوع النخيل أو الاشجار (القوغ) وفوقها طبقة من الحصران التي تصنع من خوص النخيل وفوقها مادة الطين، ولم يدخل حديد الشيلمان الى البناء إلاّ بعد العقد الثالث من القرن العشرين".

وفي صفحة 70 يوثق المؤرخ تاريخ الأسر والبيوتات الحلية القديمة وأعلامها ورجالها التي سكنت محلتي الجامعين والطاق وحسب ما أدركه المؤرخ قبل خمسة عقود حين يقول :" وهذه البيوتات تنتمي أصلاً إلى عشائر مختلفة، منها : خفاجة وهي أقدم العشائر في الحلة وما حولها، وبني أسد وهم ممصروا الحلة السيفية سنة 495هـ، والأكرع، وبني حسن، وطفيل، وآل فتلة والجبور، والجنابيون، والربيعي، والعزاوي، والجشعمي، والقريشي (الكريشي)، والشجيري، والشمري، وغيرها من العشائر"، ثم يعقب في صفحة 77 على أهمية مختاروا المحلة واسمائهم وأهم القضايا التي حدثت وتداولها الناس في تلك الحقبة عندما كان لمديرية شرطة اللواء ليس فيها سجن خاص بالنساء، فكانت المديرية تعهد إلى المختار ليحتفظ بالنساء السجينات في داره.

وفي صفحة 79 يوثق المؤرخ عوض أهم المهن التي امتهنها سكنة الجامعين، منها : الوظائف الحكومية، الزراعة، النسيج القطني واليشماغ ، معمل الكوكا كولا، البناء، الحدادة، الصياغة، التجارة، ثم يسوح بنا المؤرخ على العادات والتقاليد المتوارثة التي أدركها وهي كثيرة ومهمة لأبناء المحلة وبيوتاتهم، والقصص التي سمعها حول قتل عاكف أهالي الحلة وشنق رجالاتها وهدم بيوتها وتشريد عوائلها، وقصة مقتل حاكم التحقيق تحسين الشيخلي، ثم يعرج بنا على أهمية الأعياد في حياة أبناء المحلة وتقاليد يوم الجمعة والفارسي ففي صفحة 93 حين قال :"اعتادت نساء الجامعين عصر كل يوم جمعة زيارة مرقد العلامة الفارسي، وهنًّ يتوجهن إليه مشياً على الأقدام لقربه من المحلة، ولا أحد يعرف سبب هذا التقليد، وزيارة السيد علي بن طاووس (أبو النور)، و عادات شموع السيد إبراهيم، وشموع النصف من شعبان، أما في صفحة 95 فيذكر المؤرخ ما طال أبناء المحلة ومدينة الحلة من تهجير وتسفير على يد أزلام نظام البعث نحو إيران 1968-2003م.

الكتاب هو وثيقة تاريخية لتاريخ محلة الجامعين حيث وثق فيها المؤرخ عوض تاريخ هذه المحلة وجمع فيه الشاردة والواردة حتى تاريخ ظهور الواقع السياسي في المحلة، وبدأ حملة التنوير في عموم مدينة الحلة على يد الشيخ عبد الكريم رضا الماشطة، الشيخ حميد سعيد الغاوي ومن ذلك بدأ التفكير بنمو الوعي السياسي، هذا ما ذكره في صفحة 103 من الكتاب، والذي تجاوز عدد الأحزاب في تلك الفترة إلى ستة أحزاب، فضلاً عن دور أهالي الجامعين في الحركات التحررية، وتصديهم وتأهبهم لرد الاعتداء الوهابي الذي كاد أن يحصل على الحلة سنة 1832م، وتصديهم لهجمات عشائر خفاجة وعقيل وجشعم لمحاولتهم غزو المدينة، وقعة (دگة) عاكف 1915م ومجزرة 1916م، أسهاماتهم في أحداث ثورة العشرين الخالدة، وأسهاماتهم في تأييد ثورة 14 تموز 1958م، ودورهم البطولي في الانتفاضة الشعبانية 1991م. ودور أشقياء المحلة الذين لم يكونوا قساة بل أغلب بطولاتهم وهمية لا تتعدى نسج الأساطير.

في صفحة 122 يذكر المؤرخ دور ظرفاء المحلة حين يقول :" كل منطقة أو محلة يظهر فيها ظرفاء مسالمون يجمعون بين سبك القصص الوهمية ولطافة الحديث، وأغلبها من صنع الخيال ولاشيء فيها من الصحة، فيتفكه الناس مرفهين عن أنفسهم بهذه المقالب لعدم وجود أجهزة تسلية كما هو الحال عليه الآن". ويختم الكتاب بتوثيق مراقد الأئمة والمقامات، والمدارس والبعثات الدراسية، والأعلام المعاصرون من محلة الجامعين.

المؤرخ عبد الرضا عوض من خلال مؤلفه هذا قد ملأ الفراغ الذي كانت بحاجة إليه مدينته الحلة، والمكتبة العراقية لمثل هذه الدراسة، فهو المؤرخ المنتج والمتتبع للمعرفة والمبتكر لكل جديد، فقد عشق عوض الكتابة والتوثيق منذ نعومة أظفاره، وكان صائباً في اختياره لمواضيع وعناوين مؤلفه هذا وما سبقهُ، وكان موقداً ومتوقداً في مؤلفاته، يضيء للجيل الجديد دربه، صالّ صولة الأبطال في كل حلبة، لكهُ فكر قد أخلص لقلمك.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

......................

د. عبد الرضا عوض . الجامعين كما أدركتها. ص10/11.

 

 

nadheer khazrajiللكلمة وقعها في النفس إذا ما تناهت الى الأسماع وتتأثر بها الروح حسب ملقيها ومؤداها، فالانشراح يبدو على قسمات الوجه إذا ما نزلت الكلمة على الصدر منزل الماء البارد في يوم حرور، ويبدو الإنقباض واضحا إذا ما مست الكلمة الصدر مساس اليد لقبس من نار، وفي الحالتين فإن التأثير المتبادل بين الكلمة والأحاسيس البشرية تتوقف على مدى استيعاب المتلقي للكلمة، ولا يختلف الأمر بين لغة وأخرى ومجتمع وآخر، لان الأحاسيس فطرية يتشارك بها كل بني البشر، ولكن المشاعر تختلف عندما يتلقى المستمع كلمة لا يفهمها كأن تكون أعجمية على لغته ولا يجيد اللغة الأخرى أو غير مستوعب لها لفصاحتها أو قِدَمِها، وإذا ما كان عارفا باللغة الأخرى التي تلقى منها الكلمة، فإنه سيتأثر بها هو الآخر لإدراكه المعنى الحقيقي لها، لأن إدراك المعنى هو المعيار في طبيعة التأثر بها في السلب والإيجاب، في الإنشراح والإنقباض، في القبول والرضا.

ولا يخفى أن الترجمة في بعض الأحيان تُفقد قوة المعنى وأصالتها، بخاصة عند ترجمة النصوص المقدسة او النصوص الأدبية، التي يصعب على  المترجم إيصال المعنى الحقيقي للمفردات التي نطق بها الأدب، ولاسيما في الشعر المنطوي على الكثير من المعاني التي تفقد جانبا من بريقها عند الترجمة، وحتى الضليع باللغة يجد أحيانًا، عند شرح مفردات البيت أو القصيدة، صعوبة في بلوغ مراد الشاعر، فيرمي ذلك على حبل المنشيء وما أضمره حتى اشتهرت بين النقاد عبارة: "المعنى في قلب الشاعر".

وكلما كان الإنسان متمكنا من اللغة الأم التي يتحدث بها واللغة الثانية التي تعلمها، وقف على أدبهما وقوف الأديب المتبحر، تذوق المعاني تذوق الشهد، وإذا جمع بين الأدب والشعر وتناثرت بين يديه نصوص شعرية كان أكثر قربا من مراد الشاعر عند الترجمة، وأما إذا كان متبحرًا في علوم كثيرة وخبيرا في باب العلم الذي يتحرك في بحره مركبه، فإن المفردة المترجمة ستقترب كثيرًا من المعنى الأصل، وفي بعض الأحيان تتغلب الترجمة على الأصل من حيث قوة الأدب والبلاغة واستخدام المحسنات اللفظية.

وإذا كان النص الأدبي نثرًا او شعرًا يتناول قضية عالمية لها في صدور الناس موقعها وموضعها، فإنه ولا شك سيأخذ بعدًا إنسانيا يتجاوز اللغة والجنس والمعتقد والبلد، وهذا ما تتميز به واقعة كربلاء واستشهاد سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين (ع)، وهي واقعة ألهمت الأدباء والشعراء من كل النحل والملل، وقد رفد المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي حديثا الساحة الأدبية بأيقونة شعرية جمعت بين الفارسي الأصل والترجمة العربية المقفاة، وهو الجزء الثاني من "ديوان الشعر الفارسي  .. القرن العاشر- الحادي عشر الهجري" الصادر سنة 2017م عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 454 صفحة من القطع الوزيري.

تفاوت مشهود

أفرد المحقق الكرباسي بحسه الأدبي فيما مضى جزأين كمدخل الى الشعر الفارسي أعقبهما بالجزء الأول من "ديوان الشعر الفارسي" الذي تناول طلائع الشعر الفارسي في الإمام الحسين(ع) ونهضته المباركة في القرن الرابع حتى نهاية القرن التاسع الهجري، حيث لم يصلنا الشعر الحسيني ما هو أقدم من هذا التاريخ رغم أن واقعة كربلاء حصلت في العام 61 للهجرة، فضلا عن كثرة الشعراء الناطقين باللغة الفارسية في إيران وأفغانستان وبعض بلدان آسيا الوسطى مثل طاجيكستان وأوزبكستان.

ولكن قيام الدولة الصفوية مطلع القرن العاشر الهجري ووجود حكومات محلية تنتمي مذهبيا الى الفقه الجعفري ساهم بشكل ملفت للنظر في ظهور الشعر الحسيني في البلدان الناطقة بالفارسية وفي خلق توجه كبير نحو مظلومية اهل البيت(ع) وشهادة الإمام الحسين(ع) على وجه الخصوص إذ انطلق لسان الشعراء في بيان واقعة كربلاء، وبتعبير الأديب الكرباسي في التمهيد: (وجدنا أن الجزء الأول قد احتوى على ما نظمه الشعراء في ستة قرون، الرابع وحتى التاسع الهجري لكي يتمكن أن يستقل بديوان، بينما هنا في الجزء الثاني اقتصر على قرنين فقط، وهما القرن العاشر والحادي عشر الهجريان، وهذا يدل على أن مجال النظم في الإتجاه الحسيني تقدم وتطور وذلك باتساع رقعة التشيع من جهة، وتخفيف القيود على حرية المعتقد والتعبير من جهة أخرى).

وقد بصر الكرباسي قيام حكومات شيعية في هذه الفترة لها دور ملحوظ في التطور الذي طرأ على الشعر الحسيني باللغة الفارسية، مثل الدولة الشروانية الثالثة في مدينة شروان بجمهورية آذربايجان في الفترة (903- 1067هـ)، والدولة الشيبانية الأولى في مدينة بخارى بجمهورية أوزبكستان في الفترة (905- 1007هـ)، والدولة القطبشاهية في مدينة حيدر آباد الدكن بالهند في الفترة (918- 1099هـ).

وتبقى الدولة الصفوية وعاصمتها تبريز وإصفهان التي قامت في الفترة (907- 1200هـ) من أهم الحكومات التي ترعرع فيها الشعر الحسيني، ولأن سلاطين الدولة الصفوية يتصلون نسبا الى الرسول الأعظم، وكانوا من الشيعة الإمامية الإثني عشرية، فكان من الطبيعي أن يزداد الإهتمام بالشعائر الحسينية، والشعر في أعلى سنامها، ومن المفارقات في هذا الحقل أنَّ الولاء لأهل البيت(ع) أصبح في نظر البعض سُبّة وتُهمة، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (ومن كثرة اهتمامهم بالشعائر الحسينية اتهم التشيع بشكل عام إلى يومنا هذا بالشيعة الصفوية ظلما).

وما يميز الجزء الاول عن الثاني، من حيث النظم والإنشاء وتفاوت الأرقام:

أولا: كان شعر القرون الأولى يتألف في معظمه من بيت أو بيتين، في حين شهد الجزء الثاني كثرة المقطوعات ما دون عشرة أبيات والقصائد المتكونة من عشرة أبيات فما فوق، ويظهر ذلك من بيان الأرقام، فالجزء الأول ضم 27 مقطوعة في حين ضم الجزء الثاني 52 مقطوعة.

ثانيا: بدأ الشعراء في المرحلة المتأخرة ينظمون القصائد المستقلة في الإمام الحسين(ع) في حين أن شعراء القرون الستة، كما يشير الكرباسي، كان: (معظم الشعر الحسيني مهمّشا ولم يذكر في الأعم الأغلب إلا ضمن قصيدة تمدح سلطانًا أو رثاء أمير وفيها يتطرق إلى ذكر الإمام الحسين(ع) كلما حانت للشاعر فرصة يستغلها).

وهذا الحقيقة تظهر جلية من كثرة الأبيات في الجزء الأول التي استقطعت بشكل عام من قصيدة قيلت في مناسبات مختلفة دون ان تستقل في الإمام الحسين(ع) حصرًا، فالجزء الأول ضمّ 120 عنوان شعر مستقطع، في حين ضم الجزء الثاني 20 مستقطعًا، وهذا التفاوت مال الى كثرة القصائد في الجزء الثاني الذي ضم 40 قصيدة في حين ضم الجزء الأول 9 قصائد.

ثالثا: ومن الطبيعي أن التفاوت بين في القصائد ساهم بشكل كبير في زيادة عدد الأبيات في القرنين العاشر والحادي عشر، والمتكونة من (1254) بيتًا مقارنة بـ (622) بيتًا على مدى ستة قرون من الرابع الى نهاية التاسع.

رابعا: من الثابت أن استقرار الحكومة وتمددها زمنيا يساعدان بشكل كبير على نمو الأدب في شطريه النثري والشعري، على عكس الحكومات المتغيرة والقصيرة الأمد، وهذا ما حظي به الأدب الحسيني في العهد الصفوي، فضلا عن الإهتمام الحاصل في مجال التدوين والنسخ مما ساهم في حفظ التراث الأدبي الحسيني، وظهور الطباعة الحجرية فيما بعد أسهم بصورة أكبر في باب التوثيق.

وفرة شعرية

من العلامات الفارقة في عدد الشعراء الواردة أسماؤهم في الجزأين الأول والثاني، أنَّ المحقق الكرباسي استطاع أن يرصد في القرون الستة من الرابع حتى نهاية التاسع الهجري 47 شاعرًا له جاء شعرهم الحسيني في معظمه ضمنيًا، في مقابل 21 شاعرًا في القرنين العاشر والحادي عشر الهجري جاء شعرهم حصريًا، أي بمعدل ثمان شعراء لكل قرن في الجزء الاول وعشر شعراء لكل قرن في الجزء الثاني، أي زيادة في عدد الشعراء بمرور الزمن والحاكي عن استقرار الحكومات وتبنيها للشعائر الحسينية، وهو ما انعكس أيضا على عدد القصائد والمقطوعات الشعرية لكل شاعر.

وتمكن الأديب الكرباسي من اكتشاف وفرة شعرية في الإمام الحسين (ع) ونهضته المباركة لدى الشعراء الناطقين بالفارسية على رأسهم الشاعر الإيراني الشهير محتشم الكاشاني المتوفى سنة 996هـ الذي أفرد من شعره 18 قصيدة ومقطوعة حسينية غير شعر البند الذي اشتهر به، ويليه من حيث العدد الشاعر عبد الرزاق اللاهيجي ومحمد رفيع القزويني ولكل منهما 16 قصيدة ومقطوعة، ومن بعدهما محمد الأهلي الشيرازي وله في الديوان 13 قصيدة ومقطوعة، ويليه من حيث عدد القصائد والمقطوعات: الشاعر حسين الهروي السبزواري (10)، شمس الدين البافقي (8)، محمد حسين النيشابوري (7)، بابا فغاني الشيرازي (5)، محمد الفضولي البغدادي ومحمد علي الصائب التبريزي (4) قصائد ومقطوعة لكل منهما، رضي الدين الآرتيماني ومحمد العرفي الشيرازي ومحمد الآملي (3) قصائد ومقطوعات لكل منهم، وقصيدة وبيت لنور الدين الهلالي الجغتايي، وقصيدة او بيت للشعراء: حسن الفراهاني الحسيني، طرزي أفشار، كليم أبو طالب الكاشاني، محمد العاملي البهائي، محمد الظهوري الترشيزي، محمد أمين القطب شاهي، ومحمد محسن الفيض الكاشاني، وتوزعت قوافي القصائد والمقطوعات والمستقطعات الواردة في الديوان وفق الحروف الهجائية من الألف إلى الياء.

بلاغة عابرة للغات

لا يختلف الشاعر الناطق باللغة الفارسية عن الشاعر الناطق باللغة العربية أو الإنكليزية وغيرها، من حيث السباحة في فضاء الخيالات والتصورات والتشبيهات، فليس للشاعر من سقف، فقافيته ليست عملية حسابية محسومة النتائج، ولا نظرية علمية تحسم بالتجارب، وإنما هي طائر يطير حيث يريد ويحط حيث يرغب.

ومن الملاحظ أن الشاعر كلما حلّق عاليا، ضاقت الحيلة على المترجم في نقل أحاسيسه الى المتلقي من غير لغته، ولكن المعضلة تخف وطأتها عندما يكون المترجم نفسه شاعرًا له من الأجنحة ما لدى الشاعر المترجم عنه، وقد عمد المؤلف في هذا الديوان إلى إعمال قلمه وأحاسيسه ولغته في نقل المعنى بالقدر الذي يحاكي الأصل، فالشاعر بابا فغاني الشيرازي المتوفى سنة 925هـ في القصيدة الواردة في الديوان بعنوان "ذكر الحسين" يصف لنا مقتل رضيع الحسين (ع) وابنه الآخر علي الأكبر:

يا حسينُ في غمِّ بُرعمِكَ العطشان ... محمَرَّ الأكفانِ حرقًا على كبد شقائق النعمان

فالمراد بالبرعم رضيعه الذي ذبحه حرملة الكاهلي بسهم من الوريد الى الوريد وهو في حضن الحسين(ع) حمله إلى القوم يطلب له الماء، والمراد بشقائق النعمان ولده علي الأكبر الذي احتوشه الأعداء من كل جانب وقطعوه إربا إربا!

ومن روائع الشعر استخدام الجناس، وذلك عندما تأتي الكلمات متشابهة الحروف مختلفة المعنى، مثل قولنا جَنَّة وجِنَّه وجُنَّه، فالأول الفردوس والثاني الجن احد الثقلين الى جانب الإنس والثالث الوقاية والحماية، فالشاعر محمد علي الصائب التبريزي المتوفى سنة 1087هـ في قصيدة بعنوان "شاه كربلاء" يقارن بين "مُهْرِ سليمان" أي خاتم النبي سليمان(ع)  وبين "مُهْرِ كربلا" أي القرص من تراب كربلاء الذي يستخدمه المصلي في صلاته للسجود على التربة تيمنًا بسنة النبي الأكرم محمد (ص) في السجود على ما لا يؤكل ولا يُلبس وتربة الأرض أظهرها، وجاءت الترجمة على النحو التالي:

إذا كان خاتمُ سليمانَ مقدَّرًا مُعتَبَرا ... فتُربةُ كربلا إلى القيامة موضعُ سجودِ الخلق عِبَرا

ووجه المقارنة بين مهر (خاتم) سليمان ومهر (قرص) تربة كربلاء، أن الأول آني التأثير ولفترة محددة بحياة حامله الذي مات وهو واقف تأكل دابة الأرض منسأته، بيد أنَّ تربة كربلاء أصبحت وإلى يوم القيامة موضع سجود المؤمن حيث شهدت إراقة دماء سيد شباب أهل الجنّة وهو صابر ثابت القدم، فصار الخلود لتربة كربلاء وبفضل دماء السبط الشهيد.

سباق مع ريح الزمن

ومن الثابت أن لكل أمة رموزها تفتخر بها وتستذكرها، وخاصة عبر الشعر، وفي الأدب الفارسي رموز يستذكرها الشاعر ويستحضرها في أبياته، منهم (رستم) البطل الأسطوري، الذي ما إن لهج الشاعر باسمه حتى تناهت إلى آذان المتلقي البطولة والشجاعة والتفاني، ويحاول البعض أن يقارن بين بطولة رستم وشهامة الإمام الحسين(ع)، فهذا الشاعر عبد الرزاق اللاهيجي المتوفى سنة 1073هـ يتحدث عن غربة الحسين(ع) في عرصات كربلاء يطلب النصرة ولا من مجيب ولكنه صنديدٌ لا تهزه العواصف، فيستحضر الشاعر رستم، في قصيدة له بعنوان (دماء شهداء كربلاء):

يا حسرتَهُ في غُربته لم تجد إلى أنيس موئلا ... كذلك يُنبذُ مُنفردًا رُستُمُ ساحَ كربلا

مع الفارق الكبير بين الأسطورة والحقيقة، بين البطولة المنقوشة في الجدران وفي أبيات الشعراء والبطولة المحفورة في الوجدان وتجري في عروق المتأسين بموقف الحسين(ع) الرافض للظلم والداعي للإصلاح وسعادة الناس في الدارين.

ويعود اللاهيجي في قصيدة أخرى بعنوان (الخد الأحمر) ليحدثنا عن الإسكندر المقدوني الحارس عند الإمام الحسين(ع) وعن إفلاطون وعلومه المكتسبة من علوم الحسين(ع)، لأنَّ فيءَ سيد الشهداء ممتد من الماضي الى المستقبل عبر الحاضر، فينشد ما ترجمته:

إن فيئه يظلّلُ الماضي والحاضر والمستقبلا ... فهو رأسمال للكائن والذي سيكون ومن كان أوّلا

ومن رُعاةِ وحرّاس مهابته الإسكندرُ ... وأفلاطون من رواة علومهِ ومَن سطَروا

كلُّ عقلاء العالم في كفِّةٍ من ميزان عقلهِ ... وعيارُ الوزن لا يُساوي حرفًا من حروف عشقه

وحيثما يحلّ القدِّيس تحل القداسة في تلك الديار، ولذا فلا غرو أن تصبح مدينة كربلاء التي احتضنت جثمان الشهيد مقدسة، ولهذا يعتبرها الشاعر محمد الفضولي البغدادي المتوفى سنة 976 هـ والمدفون بها على مقربة من باب قبلة الإمام الحسين(ع)، روضة من رياض الجنة وأعلى مقاما من السماء، فينشد من قصيدة بعنوان (مظلوم صحراء كربلاء):

هنيئًا لطالب حاجة من كربلا لحينِهْ ... أن يكون تراب أرضها ككحلٍ في عينِهْ

ثم يضيف مقارنا بين الروضة والجنة والأرض والسماء:

فالروحُ ترى شَبَهًا بين روضتهِ والجنانْ ... ويخالفُها القلبُ قائلًا بلْ هُما واحدٌ للعيانْ

مهما ارتفعت سماءٌ في ذرى عُلاها ... فالأرض أعلى منها مقامًا لأنّك في ثراها

صحراء كربلاء شريفة ليست كباقي الأرض من جَلَلِ ... أكرمْ بها هي كربلا مثوى الحسين بن علي

ولأن كربلاء هي مهوى القلوب والأفئدة تتجاوز كل الحدود، فإن الناشط البحريني الأستاذ جلال فيروز البحراني النائب السابق في مجلس النواب بمملكة البحرين يؤكد وهو يقرّظ الجزء الثاني من ديوان الشعر الفارسي انه: (لا ينظر لعاشوراء كمجرد حدث مأساوي في عمق التاريخ، ولا لكربلاء كمجرد موقع جغرافي وفي بقعة من بقاع العالم، بل إن كليهما لفظتان راسختان تهزان وجدان الأحرار وتنيران دروب التضحية والفداء من أجل الحفاظ على القيم الإسلامية والإنسانية السامية).

ولابد لهذه النهضة المباركة أن تُقدم للبشرية بوجهها الإنساني الإصلاحي التنويري، وهذا ما توثقه الموسوعة الحسينية كما يشير الأستاذ جلال فيروز المقيم في لندن عبر الجهود المضنية التي يبذلها: (المركز الحسيني للدراسات في لندن ومؤسسه وراعيه سماحة الفقيه المحقق الشيخ الدكتور محمد صادق الكرباسي منذ زهاء ثلاثة عقود من العمل المضني، ولاسيما العمل القائم في إطار الموسوعة الثرية الموسومة بـ "دائرة المعارف الحسينية"، وتعد هذه الموسوعة الأولى من نوعها من حيث الشمولية والإحاطة، متميزة عما كتب في سواها من حيث التعمق والتحليل، واتباع منهجية جامعة كاملة).

وعندما نظر الأستاذ البحراني الى الديوان وجده: (وقد ضم 112 قصيدة ومقطوعة لشعراء من بلدان مختلفة قاسمهم المشترك اللغة الفارسية، وبذلك يساهم هذا الباب في جمع وتوثيق كافة الأشعار المتوزعة في الدواوين والمخطوطات في  البلدان المختلفة، مما يكون عونًا للأدباء والباحثين والمحققين في تحصيل مرادهم بسهولة ويسر).

ومن نافلة القول أنه وبصدور هذا الجزء الذي يحمل الرقم (108) من أجزاء الموسوعة المطبوعة، تكون دائرة المعارف الحسينية التي أنطلقت سنة 1987م قد أطفأت شمعتها الثلاثين، وفي جعبة المؤلف نحو 900 مخطوطة يسابق بها الزمن حتى تخرج الى النور بما أسعفه كتاب الأجل من بقية باقية.

 

د. نضير الخزرجي - الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

سأتكلم عن الاصدارات الثلاثة للناقد والكاتب والباحث العراقي الاستاذ الصديق عبد الغفار العطوي وهي على التوالي: في النقد النسوي صناعة القارئ في السرد النسوي العربي المعاصر عن دار ضفاف للنشر الشارقة 2016 وفي الكتابة التحدث مع الرواية عن دار امل الجديدة سوريا 2017 وفي البحث البعد الثقافي في الإسلام في المفاهيم التأسيسية عن دار سطور للنشر بغداد، والعطوي هو الذي تصدى للكتابة عنا نحن أدباء مدينته وتجاوزها الى معظم الادباء العراقيين البارزين ووصلت كتابته عن بعض الروائيات والروائيين العرب في الوطن العربي، وإني اود التوقف عند محطات إبداعاته واجتهاداته فيما يتعلق بهذه الاصدارات الاخيرة بالذات لأنها تبين أمرين يجب تسليط الضوء عليهما فيما يخس اهتمامات العطوي يسيران بتواز غير منظور في مسيرته الكتابية

إنه يكتب في الخطاب الديني، ويطرح موضوعات شائكة في الفكر الإسلامي مثل المستقبل من وجهة نظر اسلامية و(نحن والمهدي) وفي الوقت نفسه يثابر على غربلة المنجز الادبي، وهذه ظاهرة تستحق عندها، فقلما جمعت شخصية ثقافية بين هذيت الامرين، طبعا هناك (محمد عبده) في رسائله الى تولستوي و(سيد قطب) الذي ابتدأ ناقدا أدبياً وانتهى مفكرا دينيا، أما العقاد فلم يخض في الفكر الآسلامي وإنما كتب عن شخصيات اسلامية، وكذلك (طه حسين) أما في العراق فلا تحضرني شخصية دينية او ثقافية خاضت في هذين المجالين معا، لعل طبيعة العراقيين التي تميل الى التزمت والتوجس تجعلها اكثر تحفظا في الخوض في هكذا مجالات دفعة واحدة، فتراها تأخذ مجالا واحدا

إن العطوي كان أمينا في نقده للنصوص بإتخاذه (النقد الثقافي) منهجا، وإن النقد الثقافي في ابسط مفاهيمه : ليس بحثا او تنقيبا في الثقافى، إنما بحث في أنساقها المضمرة ومشكلاتها المركبة والمعقدة، أقصد في ذلك (النقد الثقافي) في السرد، ففي موضوع النص بوصفه ايقونة ثقافية والانتقال بالنص الى الخطاب ورصد التغيرات الحاصلة في كسر الفواصل التعددية في النقد، فكان امينا بتسليط الضوء على النصوص بوصفها نسقا ثقافيا يؤدي وظيفة ما

إن منحى العطوي في دراسته للسرديات شكل في الآونة الاخيرة تصاعدا في منهجه الثقافي، حيث أخذ في الكتابة عن نصوص متماثلة تربطها موضوعات مشتركة (ثقافة الجسد) و(القارئ في السرد) أما كتابه (صناعة القارئفي السرد النسوي) فيأخذنا الى عوالم القارئات وسنقرأ في فصوله الاربعة عن المرأة | الكاتبة ــ القارئة المتلقية الا وهي المرأة الكاتبة والراوية والنسوة من الشخصيات الروائية اللواتي يقمن بدور شهرزاد، قارئات يقرأن بمجهوداتهن بهمة انتقلت إليهن من شهرزاد، فالاستاذ عبد الغفار العطوي يدفع اتجاه القارئ كطرف سترايجي في العملية الابداعية وهو يسوغ مفهوم كاديمير(أن لا فرق بين القراءة والكتابة)مادام الاستهلاك واحدا،أي إن الكاتب (ة) لا تكتب الا لتقرأ،و يتعامل مع الكاتبات كونهن يتمتعن بذوات يشعرن بعالمهن ولأن القراءة تجعلنا جميعا من كل الاوجه إنسانيين، ففي الفصل الاول وضع الكاتبات السعوديات (زينب حفني وبتول مصطفى ورجاء الصانع) قارئات متشظيات يختزلن عوالمهن في عوالم الروايات والشخصيات وهن يتشظين على شكل اطار فسيفسائي في سلسلة من الحكايات، وفي الفصل الثاني فالروائيات (سحر خليفة وهيفاء بيطار وناهدة سعد) فهن قارئات هذا العصر يجتشدن كقارئات داخل النصوص ومع ذلك لا ينفصلن عن شهرزادالتي تسرد مع تنامي فعل القراءة، أما (أنعام كججي وحوراء النداوي وعالية ممدوحو احلام مستغانمي وسلوى النعيمي ورحاب ضاهر) فهن قارئات في الغربة وهن يتأرجحن بين الغربة والجسد، وبحثهن عن شهرزاد بحث عن هوية ضائعة ويفاجئنا العطوي في الخاتمة بقراءة عن قارئات من خارج القراءة (هدية حسين وجنى فواز الحسن) بكونهن قارئات لا يقرأن ولا يتقمصندور شهرزاد ولعلها محاولة من الكاتب لكسر تسق كتابته، أو من هاتين الكاتبتين للابتعاد عن سلطة شهرزاد التي تروي كي تعيش، وحسنا ما فعل لتسليط الضوء على كسر افق التوقع وكذلك اضفى على منجزه النقدي ميزة الشمول في الاحاطة بالموضوع الذ يتصدى للكتابة عنه، هذه الدراسة تعد مهمة في النقد الثقافي لما شخصه من لبنات فيه

   ــ2ــ

التحدث مع الرواية عبد الغفار العطوي يستنطق الروايات: إن الرواية بسردها اخذت تنطق وتتحول في وضع اكبر من محض حبر على ورق او كلمات مسطورة، إننا نعيش مع الرواية وفي الرواية مما نفعل مع اي شخص آخر، وتبقى معنا حتى بعد الانتهاء من قراءتها، فلهذا نجدها اكثر تماسا بحياتنا على الرغم من عدم واقعيتها

تدفعنا الرواية لسؤال كوني (من نكون؟) ليس كونها تقول كل شيء، وإنما لكونها تذهب بعيدا وتخترق حدود الممكنات المقيدة والحافات المجهولة للنفس البشرية ولغيرها من النفوس والصور الاخرى لقدرتها على التحدث عن اي شيء وعن كل شيء، فيمكنها ان تمضي اينما تريد ونحن معها، متعددو الوجوه والمسالك في خيالها الجامح او المبطن او العادي يقودنا الى الاندماج بسيولة سيميائية

يجرنا الكتاب الى منطقة او مناطق التفتيش التي يتحرك بها السارد او مجموعة الساردين الذين قسمهم الكاتب حسب ترتيب الروائي العالمي التركي (أورهان باموك) من حيث كونهم روائيين سذجا او حساسين، مما اعطى لنفسه مساحة مريحة يتحرك فيها كناقد وفق آليات النقد الثقافي في موضوعات الكتاب التي جاءت في اهداء وتمهيد وملاحق، إذ نفهم ان الكاتب قد استخدم التمهيد في عرض وجهة نظره النقدية عن العلاقة بين الرواية من جهة ومن جهة ثانية بين من يقرأها، الروائي اولا، وثانياً القارئ الساذج والجساس، وأخيرا القارئ الاول المتمكن (الناقد) الذي يميزبين الروائي الساذجوالحساس، وكذلك القارئ الساذج والحساس، كان العطوي شديد الملاحظة، أكسبته هذه الميزة قدرة إيحائية مستفزة احيانا للذات الجمعية لروائيين وروائيات عرب، فيعري ذائقتهم ويصدمهم في موضوعات الكتاب كالازمات التي تثيرها الرواية وهي تقرأ من قبل (أزمة النخبة في الرواية العراقية) و(أزمة النسويات) و الروائيات اللواتي جئن في ملاحق الكتاب ونالهن نصيب من الالماح كـ(إنعام كججيو هدية حسين وحوراء النداويو دنى غالي) وهو يضع الازمة النسوية قيد التحليل بينما شملت الروائيات الاخريات صفة التحدث مع الرواية (رحاب ضاهر واحلام مستغانمي ومنيرة سوار وزينب حفني وفتحية ناصر وبتول مصطفى وميس خالد العثمان) مما اكسب تحدثن مع ما يكتبن فرصة للعيش اطول مدة زمنية مما يتوقع لها، ولم يقف عند الروائيات، بل قدم قدم سبق في تحدث الروائيين مع رواياتهم وهي سابقة لم يجرأ أحد قبله في تناولها الا في حدود ضيقة حد علمي، فدرس (محمود عبد الوهاب واحمد السعداوي واسعد اللامي وياسين شامل وسعود السنعوسي وعبد الحليم مهودر وعلاء شاكر وباسه القكراني وعلي بدر) ان سبر اغوار الروايات ومحاورتها من جهات جديدة وتسيط الضوء على وعي كتابها هي ميزة اخرى للعطوي، وتكمن في الكتاب فطنة الربط بين تمهيد الكاتب وتطبيقاته قي الملاحق ؛ فقد درس (19) رواية وتحدث مع الروايات، ليكشف ما كان مخفيا في نظر كتابها وقرائها، وكل هذا الجهد المميز في حفريات تطبيقاته قادتنا للقول ان هذا الجهد المتفرد للأستاذ العطوي في كتابه (التحدث مع الرواية) يعطي للرواية قوة تستحق المواظبة والسير في طريقها

الحديث عن كتاب العطوي الاهم وأعني به (البعد الثقافي في اٌسلام في المفاهيم التأسيسية) يجعلنا ننوه الى حالة خطرة تتعلق بجمالية التلقي، لأننا نلحظ عدم صعوبة تمييز المتلقين لاطروحات هذا الكتاب وعدم الالتقات الى جديتها، وتهديدها لمزاعم فكرية اخذت استقرارها التاريخي ودمغت الإسلام بحقيقتها المزيفة إذ لم يقرأ الشارع ولا نخبة المثقفين ولا حتى المتدينون (الذين وكلوا كتاباتهم الاصولية للدفاع ن أية حركة مضادة تحاول زعزعة ذلك الاستقرار) ظل كتاب الاستاذالعطوي ينظر الى من يرد لكي يفهم لم نثق بالماضي ثقة عمياء، ونعتقد ان كل ما جاء به التاريخ الإسلامي صحيح بل مقدس، العطوي مثله مثل باحثين اخرين سبقوه يشكك في الإرث الثقيل الذي القى به الينا التاريخ وادعى بموثوقيته، وأراد ان نقبله بكل ترحاب هو يرفض الاصغاء لبديهياته والاعتماد على يقينياته، لهذا هو يذهب للمفاهيم التأسيسية للإسلام فيهز متبناته باستخدام المناهج الثقافية المعاصرة التي استطاعت تفكيك الاعتقادات الخاطئة التي رسختها تأويلات الصحابة والاخباريين وبعدهم دونها كبار المؤرخين، والكتاب هذا يطرح نسوغات المنهج الهيرمنيوطيقي وما كتبه العلامة الدكتور محمد مجتهد الشبستري ادعوكم لقراءته

 

عبد الحليم مهودر

 

 

mohamad qasimalsalihiلقد تطرقنا في الحلقة الأولى، الى المنطلقات التي بسببها إرتأينا الخوض في فصول كتاب (بعث العراق من البداية المريبة حتى النهاية الغريبة)، سواءاً المتعلقة بشخصية الكاتب أو مضامين الكتاب التي إنطوت على حقائق قد يعرفها البعض، ألا أن الكثير لا يعلمونها وخاصة تلك المتعلقة بنشوء البعث عموما، وبعث العراق على وجه الخصوص، ومنها المؤسس الحقيقي لبعث العراق، والإندكاك الطائفي الخفي للبعث، ولكن قبل هذا وذاك، نتطرق الى موقف الشاعر المبدع بدر شاكر السياب من البعث.

الشاعر الكبير السياب ما بين الإبداع الشعري والكبوات السياسية!.

أشرت في الحلقة السابقة  الى أن أبرز من وقع في مصيدة البعث، معلنا العداء للزعيم عبد الكريم قاسم هو الشاعر الكبير بدر شاكر السياب، ومن منطلق الموضوعية التي تقتضي تناول الآراء الأخرى في بعث العراق عموما وعفلق على وجه الخصوص، يتناول السيد طالب الحسن بالإيضاح والتفنيد، آراء العديد ممن وقعوا في فخ التمجيد بالبعث وتعظيم قادته، حيث يصف السيد المؤلف طالب الحسن، الكاتب الأردني ليث شبيلات في إصراره على (إسلام عفلق) بأنه "ملكيا أكثر من الملك"، في اشارة الى انه تقييم جاء من خارج قيادة البعث التي للكثير من أعضائها آراء سلبية تجاه مسيرة عفلق، ويعرج السيد المؤلف في هذا السياق على تقييم الشاعر المبالغ به لشخصية عفلق، حيث أضفى أوصاف عملاقة تم بها تتويجه بألقاب شتى على يد السياب ومنها يصف عفلق بـ ("الفيلسوف") و ("الأديب") و ("الشاعر الممتاز")، ويسترسل السياب في إطلاق هذه النعوت الكبيرة عليه، رغم أن عفلق نفسه يتردد من تأكيد هذه النعوت لنفسه، إلا أن السياب يصر على أن المقابل كذلك.

وذلك ما يثير الدهشة لدى الكاتب والقارئ معاً، وفي ذلك يقول مؤلف كتاب بعث العراق، السيد طالب الحسن الذي يصف السياب بـ("الشاعر المبدع")...("لا نعرف سببا لهذا الإصرار الذي يستولي على عقل السيّاب، ويخرجه من حدود الموضوعية والحياد، الذي لا يمكن تفسيره بغير التسرع الشديد والإندفاع العاطفي غير المبرر ومغالاة الشعراء").

والغريب أن ذات الشاعر المبدع الذي بدأ حياته ماركسيا ثم إنقلب ليكون قوميا، كان يصف الزعيم عبد الكريم قاسم ومؤيديه بـ ( التتار) وقد أورد الكاتب في هذا الصدد في (الملحق 19)، قصيدة للسياب كتبها بتاريخ 8 شباط 1963 في مستشفى سان ماري بلندن، يعبر فيها عن فرحته بمقتل الزعيم عبد الكريم قاسم، نورد بعض من السطور التي جاء فيها :

يا للعراق أكاد ألمح عبر زاخرة البحار

فيه الوجوه الضاحكات تقول، قد هرب التتار

طلع النهار فلا غروب

يا (حفصة) إبتسمي، فثغرك زهرة بين السهوب

الجيش ثار ومات (قاسم)، أي بشرى للشفاء

وكدت من فرحي أقوم، أسير، أعدو دون داء!

(حفصة): فتاة قتلت في أحداث الموصل

نشأة البعث في العراق، فؤاد الركابي ليس مؤسساً!

تناولنا فيما سبق المنحدر الإخلاقي والسياسي الذي رافق مسيرة البعث العفلقي في بداياته بشكل عام على المستوى القومي، وكيف زيف تاريخ  وشخوص التأسيس بشكل توّج به ميشيل عفلق مؤسسا، رغم أن زكي الأرسوزي هو المؤسس الحقيقي للبعث حيث النواة الأولى في الإسكندرونة في منتصف الثلاثينات، ومن ثم في إعادة التأسيس في دمشق عام 1940. وفي هذا الصدد يشير الكاتب الى أن الشكوك التي كانت تساور بعض البعثيين، في اليد الخفية التي ساهمت في تأسيس حزبهم، تحولت تدريجيا الى حقائق، حيث الحلفاء وهم يخططون لمرحلة ما بعد النازية وجدوا من المناسب لإستمرار مصالحهم خلق تشكيلات سياسية لركوب الموجة القومية، على سبيل المثال أن البعثي السابق حسن العلوي، الذي إنشق فيما بعد عن الحزب ليلتحق في صف المعارضة، يصف ميشيل عفلق، بالقول (" التلميذ الإستشراقي القادم من باريس ليجيّر حركة الإنبعاث القومي له شخصيا وينجح في ذلك نجاحات هائلة"). وهو ما تؤكده المصادر التاريخية من أن ميشيل عفلق كان قد استولى على فكر الارسوزي الذي إستمد منه آيديولوجيا الحزب، وتفاصيل العمل القومي المنظم، وبذلك يؤكد الكاتب السيد طالب الحسن، على أن بدايات البعث في العراق لم تكن تحمل نتوءات هجينة، إلا بعد دخول ميشيل عفلق على خط الحزب في منتصف الأربعينات، ومن ثم إستحواذه عليه بالكامل عام 1947.

كان ذلك على المستوى القومي، وفي سياق نشأة البعث على المستوى القطري في العراق،  نتناول حقيقة أن فؤاد الركابي المنحدر في أصوله الأسرية الى مدينة الناصرية، لم يكن أول مسؤول للبعث في العراق، فإن المكوث الطويل نسبيا، له في موقع المسؤولية الحزبية كان قد أوجد تصورا خاطئا في أذهان الكثيرين، بأنه مؤسس النواة الأولى للبعث في العراق، أو المسؤول الأول لبعث العراق، وفي هذه الصدد تجدر الإشارة الى أن مدينة الأعظمية في بغداد كانت البؤرة الأولى والحاضنة التي نشأ وترعرع فيها بعث العراق ومنها شق طريقه الى أماكن أخرى، بل وفي الأعظمية أيضا عُقد مؤتمر الحزب القطري الأول لبعث العراق أواخر كانون الأول 1955 وتحديدا في دار (فخري ياسين قدوري) الذي كان قد تولى مسؤولية الحزب مسبقا بضعة أشهر (من تموز 1952 الى تشرين الثاني من العام نفسه).

في حقيقة الأمر يذكر السيد المؤلف طالب الحسن بأن طلبة زكي الأرسوزي، المؤسس الحقيقي لحزب البعث  وتحديدا (فائز اسماعيل وسليمان العيسى) القادمان من سوريا الى العراق، كانا مساهمَين فاعلين في بدايات بعث العراق،  وكان (فائز إسماعيل) هو المسؤول الأول لنواة تنظيم حزب البعث العربي في العراق عام في عام 1944، حيث إختار السكن في بغداد، مدينة الأعظمية، التحق فيما بعد إختبار أجرى له لتحديد مستواه الدراسي، وتم قبوله في الخامس الأدبي في ثانوية الأعظمية، ليتخذ اسماعيل من المجلة الحائطية في الثانوية منبرا للتبشير بأفكار (البعث العربي) الحل القادم من دمشق، وفي تلك الأثناء برز إسم (عبد الرحمن الضامن/ مواليد 1929 بغداد)، وتحديدا خلال فترة الحركة التبشيرية (1944- 1950) التي قام بها فائز إسماعيل. استلم الضامن مسؤولية التنظيم خلفاً لفائز اسماعيل بعد مغادرته العراق عائدا الى سوريا. وبذلك يكون (عبد الرحمن الضامن/ انتقل من الكرخ الى الأعظمية / محلة الشيخ/ رقم الدار 71/ 6 ) أول عراقي يتولى مسؤولية التنظيم في العراق. وبذلك وكما يشير السيد مؤلف الكتاب، إستنادا الى أحد الأطاريح الجامعية في قسم التوثيق الحزبي الى أن (تنظيم البعث إتخذ شكلا هرميا حيث كانت هناك منظمة في القمة مسؤولها عبد الرحمن الضامن وتضم أربعة رفاق هم ، فؤاد أحمد الركابي طالب في كلية الهندسة، فخري قدوري وطه علي الرشيد طالبان في كلية التجارة، أبو القاسم محمد كرو طالب تونسي في دار المعلمين العالية) وتعد هذه المنظمة أول قيادة فرقة في العراق تأسست 1950.

يشير الكاتب السيد الحسن، الى أن الدراسات التي تناولت تاريخ البعث في مرحلة التأسيس الى أن عبد الرحمن الضامن كان قد تخلى عن مسؤولية الحزب في أواخر عام 1950 لأسباب غير معروفة، ليتولى بعده مسؤولية الحزب بالكامل، الطالب التونسي (أبو القاسم محمد كرو)، وقد كان كروّ لاعبا ماهرا في لعبة (الدمينو والشطرنج) سخر موهبته هذه للرهان والإرتزاق على حساب الآخرين كلما زقزقت عصافير معدته، ويطعن الكثير من قيادات الحزب بما فيهم فائز اسماعيل في سلوكيات كروّ، الذي إنتهى مختلسا للإشتراكات المالية الحزبية لائذا بالفرار الى تونس، ويستنكر الكثيرون تولي كروّ لقيادة الحزب، ويعتبر تسلّله الى الموقع الأول مماثلا لوصول صدام الى ما وصل اليه، فصدام أيضاً كان يلقب بـ (السرسري) وهو وصف أطلقه عليه رشيد محسن مدير الأمن عام 1964عندما كان صدام مخبرا للسلطة وأحد العيون السرية لمكتب المدير العام للأمن للإخبار عما يجري في منطقة الكرخ. و(السرسري) مفردة شعبية تركية الأصل تعني (الفاسد وسيئ الخلق) فإن تسلط مثل هذه النماذج (كرو- صدام)، وغيرها من العوامل هي التي وكما يعتقد السيد المؤلف طالب الحسن، كانت قد أسهمت في رسوخ ظاهرة الهيمنة وتسلط الأشقياء والمنحرفين على المواقع المهمة والمسؤوليات في فروع بعث العراق، ولم يكن ذلك لولا الخلل الذي رافق الحزب منذ البدايات الأولى، وجذور النشأة التي تركت بصماتها على السلوك من البداية حتى السقوط، لذلك لم يكن مفاجئا أن تفوق أوهام العظمة فيما بعد لدى صدام مستوىً الأوهام التي غزت عقل هتلر، فإذا كان هتلر قد وصف نفسه بالقول: " أنا مبعوث القدر وحامل رسالته الى الأمة الألمانية"، فإن صدام يقول : " إحنا القدر فرض علينا أن نكون مسؤولين ليس عن العراق، وليس عن الأمة فقط، وأنما عن الإنسانية". ولم يأتي القول مصادفة، حيث يعترف (سامي الجندي) أحد مؤسسي حزب البعث بأن الفكر النازي كان منهلا يستقي منه الكثير من أفكاره، وفي ذلك يقول (الجندي) في وصفه لنشأة البعث " كنا عرقيين معجبين بالنازية نقرأ كتبها ومنابع فكرها، وكنا أول من فكر بترجمة كتاب (كفاحي/ لهتلر).

وبالعودة الى التسلسل القيادي للبعث في العراق، فبعد فرار كروّ الى تونس 1952، عهدت قيادة الحزب في سوريا مسؤولية البعث في قطر العراق، الى (فخري قدوري) الذي لم يستمر في موقعه سوى بضعة أشهر (تموز 1952 الى تشرين الثاني نفس العام) حتى خسر قدوري موقعه لصالح (فؤاد الركابي)، عندما أعيد تشكيل القيادة القطرية من جديد في بداية عام 1953 نتيجة الصراع بين قدوري والركابي الذي أصبح أمين سر القيادة القطرية للبعث في العراق بعد إزاحة فخري قدوري عنها. وقبل الخوض في في سيرة فؤاد الركابي، تجدر الأشارة الى أن شخصية فخري قدوري الهزيلة كانت قد تمثلت في مواقفه فيما بعد، ففي بدايات الشهر التاسع من عام 1964 وعندما كان البعث يتعرض الى حملة ضارية قادها الرئيس عبدالسلام عارف، إختار قدوري الوقوف على التل محتفظا بخيوط علاقة ضعيفة مع الحزب خشية خسارة وظيفته (رئيس ملاحظين)، وهو ما يعد تنصلا شفويا وتخليا عن رفاقه الذين تعرضوا للسجون على يد عارف، وهو موقف ليس جديدا على قيادات الحزب فقد أشرنا في الحلقة الأولى الى تخاذل ميشيل عفلق مسبقا المتمثل في التخلي عن الحزب في رسالة عفلق التي كتبها من السجن الى حسني الزعيم. فلا غرابة لأن يترك ما حدث من سلوك منحرف على الصعيد القومي صداه القوي على الصعيد القطري للبعث العفلقي يتأكد في التخاذل الذي أتسم به موقف رابع مسؤولي بعث العراق فخري ياسين قدوري.

ومما سبق، يتضح بأن فؤاد الركابي لم يكن المؤسس الأول للبعث في العراق، بل هو خامس من إستلم مسؤولية التنظيم البعثي في العراق، بعد فائز إسماعيل، عبد الرحمن الضامن، أبو القاسم كرو، فخري قدوري، إلا أن ما شكـّل الإنطباع الخاطئ في أذهان الكثيرين عن كونه المسؤول الأول، هو أنه تمتع بأطول فترة في المسؤولية مقارنة بمن سبقوه مجتمعين، عندما أصبح قائدا على مستوى القطر وهو في سن العشرين، وقائدا قوميا على مساحة الوطن العربي وهو في سن الثالثة والعشرين.

 الكراهية والإندكاك الطائفي الخفي للبعث

يذكر السيد طالب الحسن الى أن الكراهية في نفوس البعثيين تمتد الى البدايات الأولى التي تلت عملية التأسيس فقد بلغ الكره بين القادة الثلاث (ميشيل عفلق، صلاح الدين البيطار، وأكرم الحوراني) حدّا لا يطاق، وأشرنا الى كيفية انتقال الكراهية من الصعيد القومي الى الصعيد القطري، حيث الصراع بين فخري قدوري و فؤاد الركابي الذي انتهى لصالح الأخير، أما مجزرة القصر الجمهوري 1979 (محمد عايش- عدنان حسين) التي أشرنا لها في الحلقة الأولى وما إرتكبه صدام بحق رفاقه، فهو دليل واضح وجلي. بل يستشهد مؤلف الكتاب بقول للكاتب البعثي السابق حسن العلوي : (" ومازلت أكرر أن البعثي لايحب البعثي، وأن أحدا لا يثق بأحد في الجهاز الحزبي"). دون أدنى شك بأن حركة سياسية تستمد آيدولوجيتها من الفكر النازي كما يذكر القيادي البعثي سامي الجندي فيما سلف، لابد لها أن تكون مستنقع للنزعة الفردية والكراهية. وهذا ماكان عليه البعث وإنتهى إليه.

أما الإندكاك الطائفي الخفي للبعث في العراق، فهو ما يستهجنه ويمقته مؤلف الكتاب السيد طالب الحسن، بل ويحذر من الطائفية كما ورد عنه بالقول (" أنني أنبذ التعصب الطائفي  الى حد المقت وبالأخص في دائرة الإسلام، ومن أي فريق يصدر هذا التعصب المنبوذ، لأنه يشكل معول الهدم في صرح الأخوة، لذلك لا يجد مني دعاة القومية أي إحترام في تبنيهم للمشروع الطائفي سرا وعلانية").

ويأتي قول الكاتب تعقيبا على سلوك محمود الدرة القومي المعروف بتعصبه المذهبي، والذي كان يناصب فؤاد الركابي العداء لأنه ينحدر من أهل الناصرية، المدينة التي يطغى عليها الولاء لأهل البيت، ولكن سرعان ما جرى تحول سريع على سلوك الدرة المناوئ لفؤاد، بل وخفّت لهجته القاسية ضده، وذلك بعدما علم  ("أن فؤاد الركابي ليس شيعيا في جذوره المذهبية").. وأن والد عبد الله الركابي ( رفيق له في الحزب وإبن خاله)، كان مؤذنا في جامع فالح باشا السعدون وهو أكبر جوامع أهل السنة في الناصرية، إن لم يكن الوحيد آنذاك!.

وبخصوص الطائفية الخفية لبعث العراق، يشير حنا بطاطو، في كتابه الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية في الصفحة 459 و284 الى أن نسبة الشيعة في انقلاب 8 شباط عام 1963 كانت تشكل 62% من مجموع أعضاء قيادة قطر العراق، ولكنها تراجعت الى 6% فقط في إنقلاب البعث عام 1968.

لذلك يؤكد السيد المؤلف طالب الحسن، على الاسباب الطائفية الكامنة خلف كبح مسيرة راجلة انطلقت عام 1977 من النجف الى كربلاء، في ذكرى أربعينة الإمام الحسين عليه السلام، فتعاملت معها أجهزة البعث الأمنية بالحديد والنار، وألقت القبض على مئات المشاركين، وتشكلت محكمة خاصة بأمر الرئيس البكر الذي وقّع قرار التشكيل وعزل فيما بعد رئيس المحكمة وآخرين لعدم تبنيهم أحكام مسبقة تقضي بإعدام الجميع.

وما يؤكد على طائفية البعث، ما جاء في كتاب الزلزال/ الفريق الركن نجيب الصالحي، في أشارته الى أن ، "بعد عام 1968 بدأ القبول في الكليات العسكرية حسب ترشيح حزب البعث من كل أنحاء العراق،  ألا أن بعد فشل حركة ناظم كزار (المحسوب على الشيعة) عام 1973، ألغيت على إثرها تلك الضوابط وحلت محلها ضوابط سرية تعتمد التمييز الطائفي والمناطقي أساساً في القبول، أما كلية الأمن القومي التي شكلت بإشراف جهاز المخابرات منتصف السبعينات، فكان القبول فيها يتم إنتقاءً من أقضية ونواحي وقرى محددة".

وقد طفحت الأنفاس الطائفية في بعث العراق الى العلن بعد 2003 ، ففي صحيفة (الأخبار) البيروتية/ مؤسسها جوزيف سماحة، نشرت الصحيفة في العدد ١٦١١ الثلاثاء ١٧ كانون الثاني ٢٠١٢، وبعنوان («ويكيليكس» البعث العراقي: سُنّة الدوري وشيعة الكرافي)، وتشير فيه  الصحيفة الى استهجان الكرافي لبيان صدر عن اجتماعا تنظيميا مصغرا لعدد محدود من أعضاء "قيادة قطر العراق" / جناح عزة الدوري يدعو فيه الى . ("تشكيل قيادة أصلية من الرفاق "السُنة" فقط، وقيادة احتياط من الرفاق "الشيعة" فقط").

أخيرا وليس آخرا، أن في تاريخ فؤاد الركابي محطات مهمة تطرق لها الأستاذ طالب الحسن مؤلف الكتاب، إحدى الروايات تشير الى أن أمين سر قطر العراق فؤاد الركابي آنذاك هو من رشّح صدام ليكون عضوا في البعث تكريما له لمشاركته في جريمة محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم ولم يخطر ببال الركابي بأن هذا الشاب الدموي (صدام) سيحكم بعد أقل من عقد من الزمن العراق، وأن (فؤاد الركابي) نفسه سيكون من أبرز ضحايا صدام، هذا وأسئلة أخرى، منها كيف إنتشر البعث في المدن العراقية ومنها الناصرية والرمادي والنجف وكربلاء، بل كيف تسلل الى الأهوار في جنوب العراق، هذه الأسئلة وغيرها، سنحاول الإجابة عليها في (الحلقة الثالثة) بإذن الله.

 

محمد قاسم الصالحي

 

 

nabil alrobaeiمن خلال متابعتي لإصدارات المفكر عالم سبيط النيلي، أصبح لي سابق اهتمام بعامّة تراثه، وبكتاباته التي ألّفها في اللغة والدراسات القرآنية في نهاية التسعينات من القرن الماضي، تلك الكتابات التي أثارت إعجابي بما فيها من قدرة على الربط بين المسائل اللغوية والنصوص القرآنية، علاوةً على غرابة الآراء التي تحفِزُ القارئ على إعادة النظر في موضوعات اللغة من جديد وهي اللغة الموحدة القائمة على مبدأ القصدية في الإشارة اللغوية بين الدال والمدلول، ويكشف عن وجود قيمة معنوية للأصوات قبل التركيب في الألفاظ، وفي لقاء مع الأستاذ الشاعر جبار الكواز، علمت أن له دراسة نقدية لنصوص شعرية كتبها الراحل النيلي في مسودات، فكان شوقي للأطلاع عليها، وهي تعتبر أول دراسة نقدية لنصوص المفكر النيلي، والشاعر الكواز له الدور الكبير بجمعها وتقديم دراسة لهذه النصوص، وعدد النصوص يقارب (13) واعتقد اغلبها نصوص عرفانية، لأن المفكر النيلي قد تأثر في نهاية التسعينات بالعالم عبد الأعلى السبزواري، وهو شيخ العرفان في النجف الأشرف.

صدر الكتاب تحت عنوان (عالم سبيط النيلي.. نصوص)، من الحجم الصغير وبـعدد الصفحات(96)، عن دار العربي للطباعة في بابل عام 2013، زينت غلاف الكتاب لوحة للفنان التشكيلي سمير يوسف. الكتاب احتوى على مقدمة ودراسة الشاعر الكواز للنصوص الشعرية ومن ثم إدراج النصوص كاملة مع صور لمسودات النصوص.

نبذة عن حياته :

عالم سُيبّطَ النيلي هو أحد علماء النهضة العراقية الحديثة، عُرفَ نهاية حقبة التسعينات من عصرنا الحديث في الأوساط الثقافية والعلمية واللغوية والمحافل الأدبية والفكرية، فهو مفكراً وباحثاً أحاطَ بنتاجاته بجميع جوانب علم الفقه واللغة والتراث والتاريخ، وُلدَ في أسرة ريفية حلية ذات مكانة اجتماعية عام 1956م، فوالدهُ سٌبَيَّط شاعراً شعبياً مرموقاً، وشقيقهُ رمزاً ثقافياً في ناحية النيل التابعة لمحافظة بابل، ولقب بالنيلي نسبةٌ إلى ناحية النيل الواقعة شمال الحلة، أكمل دراسته الثانوية في مدينة الحلة، والماجستير حصل عليها في بعثة عسكرية إلى روسيا (الإتحاد السوفيتي سابقاً) في الهندسة الألكترونية عام 1979م من جامعة اوديسا / أوكرانيا، وحصل على شهادة دبلوم عالٍ في الترجمة من روسيا. رحل عن الحياة وهو بعمر الشباب (44 عاماً) نتيجة مرض ألمّ به يوم 18/8/2000م، تاركاً نتاجاً معرفياً زاخراً تجاوز (14) مؤلف وبحث في الأدب واللغة والثقافة.

وقد أقام لهُ اتحاد أدباء بابل ندوة في شرح نظريته الجديدة، واستمرت هذه الندوة لثلاث أمسيات متتالية، في سابقة هي الأولى من نوعها في عمل الاتحاد، كما كتب الكثير عن حياته ونتاجاته ومنهم (الصحفي ناظم السعود، د. حسين سرمك حسن، وحاوره الصحفي علي خصباك،موسى جعفر، وجيه عباس، فرقان الوائلي، رافد عجيل فليح).

عالم سبيط ظاهرة ثقافية متنوعة، حركت الذهن الثقافي التي تشيد بعبقريته الفذة، وكان نتاجه المعرفي كل ما هو جديد في ميدان الفكر والإبداع، وقد وصفه الراحل شيخ المفهرسين د. صباح نوري المرزوك قال: (أعتبر عالم سُبَيِّط في البحث والتأليف واحداً من تلك الظواهر الكونية المتعددة والمتنوعة).

بين الرؤية والرؤيا.. قراءة في نصوص أدبية لعالم سبيط النيلي :

يسلط الأستاذ الشاعر جبار الكواز الضوء في كتابه هذا على دور المثقف وهو الفاعل الاجتماعي وقرين المبدع للأفكار المتمردة على التقاليد، يقول في ص10 من الكتاب : "أياً كان نوعه (المثقف) أو مصدره أو شكله، بما يؤهله ليكون المخالف للآراء الثائرة على الانعزال والجمود والمنشئ للرؤية العصية على الاجترار، وهذا الكشف وذلك الإبداع وتلك الأفكار لا تتأتى من فوضى العدم ولا تنبعث من فضاء الفراغ، كما أنها لا تتحصل بالفطرة الذاتية الثائرة على الواقع المكفهر والمتعالية على همومه الصاخبة والمفارقة لانشغالاته الحيوية، بل أن الفاعل الاجتماعي كان وما زال مثابة الوعي المجدول بالمعاناة والتطلع المسبوك بالألم في خضم البحث عن الحقيقية وألم التنقيب عن اليقين". من هنا نجد أن للمثقف الدور الكبير والفاعل في المجتمع من خلال تقديم النقد والتحليل والتفكيك المتموضع في نقطة لا تجانس تقع في بنية النص أو في هامش من هوامشه وتوجيه الضربات إليه من داخله وأحياناً من خارجه أيضاً، ولا يعامله المعنيون بنقد الخطاب ونقد النص إلا بوصفه منهجاً.

في ص11 يطرح الشاعر الكواز فكرة :(تغليب الايديولوجيا على عدة المثقف المعرفية وملكته الثقافية في إطار مقصود لتعشيق الوعي المبدع بالواقع المتاح، لجعل عناصر الثاني المثقف / الأفكار، التجارب، التكوين التأريخي، الوعي الشخصي/ تستوعب معطيات الواقع/ والمثقف/ متنكباً منهجية تفكيك البُنى وتأويل الدلالات وتحليل الأنساق وزحزحة المعتقدات وكشف الخطابات المسكوت عنها قسراً). وهذا ما لمسناه في سياسة الحكومات الشمولية والقومية السابقة.

تعتبر نصوص المفكر عالم سبيط النيلي قليلة وقد كتبها في أخريات القرن الماضي، بسبب سياسة النظام السابق التي لم تعطِ فسحة من الممارسة الطبيعية للمفكر والمثقف العراقي، وكشف واقع الحصار الذي يعيشه الشعب العراقي بسبب سياسات النظام الرعناء، فكان المفكر النيلي يعيش حياة صعبة بسبب الظروف المحيطة به وعنف الدولة، لكن عند متابعة النصوص الشعرية للمفكر النيلي نجدهُ يؤكد اهمية الشعر في حياته لإيصال أفكاره إلى من يهتم بقراءة الشعر، ويؤكد الشاعر الكواز في ص13 من الكتاب قائلاً :"تشكل نصوص (النيلي) وكلّها من قصائد النثر أنموذجاً لإشكالية الرؤية والرؤيا وعلاقتهما التبادلية في إنتاج النصوص لأنها (النصوص) قائمة على أفكار مهادية قبليّة آمن بها منتجها النيلي بوصفها الخلاص الحقيقي لأزمات العالم وحجر الحكمة الذي ينير هندس ليل الطغاة"، لكن النيلي في نصوصه يمثل كيانين ، الأول : الكيان المقدس المتعالي وعشاق الانبياء والاوصياء والشهداء والمريدين والقديسين، والثاني كيان المدنس من الشياطين والمردة والجن والكفرة وأدلاء الزور والجناة والمرابين واللصوص والمنافقين.

كما يعقب الشاعر الكواز في ص 14 قائلاً :"فالمتابع لهذه النصوص سيعيش محنة النيلي وهو يخوض غمار الحياة محاولاً تعزيز صورة اليقين بالمطلق.. نرى أن نصّ (الشبح العاري) أنموذجاَ لهذا الصراع فهو قد ألبس الثلج صفة البشرية (العري) وجودّة من غموض الشكل وهلامية الدعوة ومجهولية المنبت وظلامية الوسائل، فكأنه استعار صورة الإمبراطور في ثيابه الجديدة ليكون هو الشبح العاري الذي يقابله وهما المتناقضان في حوار شجيّ يشئ بالألم الذي يعتمل من قبل النيلي :

(لم يعد في نصحك لي نفع / ولن أكتب شعراً رمزياً/ لا ... لن أفعل / لم تعد الصاعقة توقظ الحالمين/ ولا زمجرة الرعد / تنبيه الأسود المخدّرة / ولا الأذان يوقظ السكارى / كيما يشتموا المؤذن). لكن النيلي يؤمن إن الحل والتغيير آتٍ بالإيمان بالتغيير، وهي نبوءة النيلي كما يؤكد ذلك الشاعر الكواز فالمستقبل للعراق التي تتكالب عليه أعراب البادية دفاعاً عن الشبح العاري ليكون العراق يباباً إلا من جثث الموتى ودمار البنى التحتية.

في النص الشعري (ناحر) يؤكد الشاعر الكواز في ص16 أن النيلي يتكئ على المقدس المتعالي في نحر الناس، لهذا يقول الكواز :" إنهما معاً يتكئان على جذر واحد ويختلفان في الرؤية والرؤيا والتفسير ولهذا يؤمن بقدر الموت وألوانه وعذاباته، فالموت (مكار ذو غدرات/ كبش مخلوق للنحر/ صحيح/ ونشيط/ ومعافي/ محتال)". لكن النيل في نص (وحي) في مدن ظالمة تسلبه حقه في التفكير والبحث وقول الحق، والبحث عن غربته الروحية الذي يريد الاقتراب من كشف الحقيقة التي وصلها متأخراً، ص18 :"(وأحس أن فمي في فم الحقيقة/ يسيطر المطلق على حركاتي ويشغل الفراغ). لذا فوصول النيلي إلى الحقيقية جاء عبر المطلق المقدس الذي محا الفراغ بعد أن شغله بعسل الحقيقية التي سكنت روحه لها وأعطته دفقاً من قوة للبحث والتأمل من جديد ولذا يقول الشاعر الكواز في ص18 نراه في نص (فاعل... الحالم الآخر) يدعو إلى القوة في مواجهة الشيطان المستور والمعلن متخذاً من إيمانه وفكره وأسلافه وسائل دفع جديدة فيبتدأ النص بـ(كن) : ("كن حديداً في الحديد للتراق" "أول العشق فراق"). إنها حالة الوجد الصوفي أو العرفاني الذي ظل لصيقاً بنا نحن – الترابيين – الذين ما زالوا يكشفون الآفاق ويكشفون ذواتهم من خلالهم وصولاً إلى بئر اليقين أو عين اليقين التي تحيل الوجد وجداً سرمداً.

كما في نص (غافر) يتلبس النيلي الوجد الصوفي والرعب العرفاني الذي ينفلت من كونه بشراً إلى كونه كونية تخترق الحجب وتحاول الاقتراب من الكينونة المتعالية في ذاتها العلية. مما لا شك فيه تقودنا نصوص المفكر عالم سبيط النيلي إلى فهمه من خلال رؤاه الفكرية والتحليلية. فالشاعر الكواز قد فكك النصوص الشعرية وحللها وفق آليات ذات طابع منهجي وفق النص المتجانس.

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

 

ahmad alshekhawiقراءة في كتاب د. احمد المعداوي: أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث

في البداية، تجدر الإشارة إلى أن ثمة كتب من الأهمية والقيمة العلمية بمكان، ليُنفض عنها غبار النسيان، ينبغي تحكيمها في تعديل وتقويم مسار المشهد الإبداعي العربي، الشعري منه على وجه التحديد. نظرا لصمودها و استعصائها على عوامل التعرية وتبوءها لرقعة شموخ وأنفة ضمن أرشيف خلود الأسماء ذات الثقل في هذا المجال، ومن ثمّ تنفّسها أبدية الإشراق والحضور وإن في الزوايا الأشد عتمة على رفوف المكتبات في زمن استفحال ظاهرة العزوف عن القراءة وهجرة المطبوع بشكل كارثي لافت.

ولسنا هاهنا نسجل انحيازا إلى صفّ أصحابها تعصّبا أو انبهارا أو تلبية لهوى يغلي بين الحنايا، بقدر ما الحافز في ذلك بدرجة أولى، كامن فيما اتسمت به تلك الاجتهادات المضنية من مصداقية وموضوعية راعت إبرازا كاملا وجليّا لحقائق راوحت ما بين محطات الطّمس والتعمية من جهات معيّنة، لها مصلحة في ذلك، عن حسن أو سوء نية، لا يهم.

لعلّ الباحث المغربي الدكتور احمد المعداوي، إذ ذيّل أطروحته القيمة هذه والتي نحن بصدد تقديم عصارتها للقارئ اليوم، ووشمها بقوله: "منذ البداية، كنت أعرف أنّ أذى كبيرا سينالني، من قبل أولئك الذين اعتادوا أن يتاجروا بالترويج لهذه الحركة والنفخ في رموزها.كنت أعرف مثلا أن أقلّ ما سأرمى به هو السقوط في السلفية، وأن فشلي على صعيد الإبداع الشعري، من حيث نجح غيري نجاحا باهرا، هو السبب في توجهي هذه الوجهة الهدّامة.

ومع ذلك فقد وجدت في مواقف وآراء بعض الشعراء والنقاد الشّرفاء من أمثال محمود درويش، وجبرا إبراهيم جبرا، وإحسان عبد القدوس، ونزار قباني، وصلاح عبد الصبور، وعبد المعطي الحجازي، وأمل دنقل، ومحمد الفيتوري، وشفيق الكمالي، وغيرهم، ما ساعدني على الاستمرار في البحث، من أجل تحويل انطباعاتهم، بخصوص أزمة الحداثة في الشعر العربي المعاصر، إلى حقيقة موضوعية، يقف خلفها منهج تاريخي يتسقّط الأخطاء وينبّه إلى ما خلفها من مصالح وأهواء، ومعرفة كافية بتاريخ هذه الحركة و ما لابسه من صراعات إيديولوجية وفكرية وفنية. و أدوات إجرائية حديثة يسّرت تحليل المتن، والوقوف على مستغلقاته، على نحو ما فصلنا القول فيه في الفصول الثلاثة التي استغرقت جسد الأطروحة.وكل ما نرجوه أن تكون خدمة الحقيقة من وراء ما قصدنا إليه."

 انتهى كلام الدكتور، ولعله كان يتطلع وقتها، إلى ما يمكن أن يثير الزوابع وردود الأفعال الحاقدة والتي قد تقتصر من حيت الفاعلية ومدى الاستفزاز على طرف بحدّ ذاته دون سواه، جراء المساس الجريء بقدسية صروح شعرية ونقدية شيّدها أصحابها وأقاموا حولها من المتاريس والعسس ما يكفي لقمع أي بادرة تتساءل عن مدى صلابة أو هشاشة الأرضية التي شيدت عليها كتلك الصروح، مثلما هو مذكور في غلاف الأطروحة، و بما الإشكالية في جوهرها، بحث قيم رام إلى تفجير واقع أزمة الحداثة فيما يلامس لبّ الشعر العربي، آنذاك، أي لما يختزل ثلاثة أجيال، ما قبل صدور الطبعة الأولى لهذا الكتاب، سنة1993، منشورات دار الآفاق الجديدة، الرباط، المغرب.

الأطروحة تنطلق من أوج حقبة التحامل السياسي على الثقافة العربية عموما، من اليمين إلى اليسار، منذ تأسيس منابر للحركة الشعرية في تياراتها الثلاثة وتباعا، الآداب البيروتية، و شعر، والثقافة الوطنية.

وهي تثبت بالبراهين والأدلة القاطعة، كيف أن الحركة اصطدمت بنفق مسدود في النهاية، برغم الفخفخة الإعلامية التي حضي بها رموز الحركة وقتذاك.

وتتناول بالدرس والتمحيص فصولا ثلاثة هامة للتدليل على أزمة الحداثة الشعرية، عبر تسليط الضوء على تجارب إبداعية عدّة، وتدحض بالحجة والمنطق ادعاءات أصحابها ومن وراءهم من نقاد ومؤيدين، وتنفي زعمهم القائل بتطوير الشعرية العربية، على مستويات ثلاث كما سنتطرّق إليها تباعا في ورقتنا هذه.

وتبطل تلك الاجتهادات المزعومة وتنسب الفضل إلى رواد سابقين ضلعوا فيما تزعمه رموز تلك الحركة من تطوير وابتكار وخلق لمشهدية شعرية بكر تشفع لها تباشير البياض، مثلما جرى على لسان الدارس أحمد المعداوي، من كون تلك البصمات إنما تعود جذورها إلى قرون خلت من الشعر العربي وعلى أيادي الأوائل الذين يعود عهدهم إلى بدايات القرن الحادي عشر للهجرة، وأن ما توهمه رموز الحركة ومن حذا حذوهم، إنما هو من سبيل جهل النقاد وسوء تقديرهم في مقاربات تجارب الرموز، وهي صرامة وقسوة مبنية على تعارض وتناقض مواقف الرموز أنفسهم، وصفعة نقدية تلقّتها أسماء بارزة من قبيل أدونيس والبياتي وجبران خليل جبران ونازك الملائكة وغيرهم. ولم تنتصف إلاّ لثلّة من عيار الشابي و شوقي والعقاد و السياب في تجاربهم المختمرة الواعية.

عالجت الأطروحة ابتداء، البنية الإيقاعية، وجدلية الكم والنبر، إبان أولى ملامح القطيعة مع البيت المقفى، وهجرة العمود إلى رحاب التفعيليّ، وكشفت مغالطات كبيرة وخطيرة جدا، أضرّت من حيث لا تدري بديوان العرب وجرّت إلى مستنقع السطحيات والتلاعب بالذائقة وإقصاء المتلقي وتشويه النظم الجمالية للقصيدة أو النص الشعري.

وانتقلت إلى البنية اللغوية، لتخلص إلى أنها هي الأخرى طالتها تحريفات واحتكاكات تجارية أجهضت فحوى الأدبيات المستوردة والدخيلة، ما أفقدها مصداقيتها و أبان عن عدم أهليتها ومطابقتها لمعطيات ومسلّمات البيئة العربية، وبالتالي شلل في المعنى الممكن أن يحقق القفزة المرجوة بالشعرية، خارج العوالم العروضية كما هي من منظور خليلي بحث، والتي لم يشهد مثيل لجماليتها وعذوبة تعبيريتها، برغم نقر حيز أفسح، ربما لحراك وصولة المخيلة الشعرية، داخل أفلاك الحركة الجديدة.

وقس على ذلك مثالب لا حصر لها، انتهكت خصوصيات الرسالة الشعرية، اللهم إذا استثنينا نصوصا قيمة نادرة جدا وتكاد تعد على رؤوس الأصابع.

وحسب الأطروحة دائما، تعزى أسباب السقوط في مشهدية بلا حداثة شعرية، لتلك الحركة، إلى عنصرين أساسين، الانبهار الأعمى والترجمات التجارية الصرفة، بحيث أنه مثلما تطبّع كل من عبد الله راجع و محمد بنيس بجاك كوهين، تأثر آخرون على امتداد الربوع العربية أيضا، بالتجربة الغيرية في هذا المضمار، حدّ الاجترار والإسفاف والتبعية العمياء.

فتغلغلت في روح تجارب الحركة، هويات أخرى متناقضة ومتضاربة تماما، لا علاقة للعقل العربي بها على الإطلاق، ما أنتج شعرا فجّا سرعان ما لاقى خفوتا وزال بريقه، على موسوعية انتشاره، أولّ الأمر.

بحيث كثر الحديث عن تجارب الغربة وجدلية الحياة والموت ومتلازمة الأضداد وما إلى ذلك من النظريات المستوردة.

كما خلخلت الأطروحة قناعات كثيرة لبسها الزيف لفترات متقطّعة، وأدلت كيف أن شاعرا من طراز بدر شاكر السياب، اعتمد وإلى حد بعيد، على النفس التقليدي في بناء متون شعريته، بحيث اتضح تشربها التكرّر لرواسب المدرسة الرومانسية كما هو معلوم.

والحاصل أيضا، مع كل من أمل دنقل وسعدي يوسف، في اعتقادهما حدّ اليقين، بضرورة تقريب اللغة من حديث اليومي، حدّ إذابة المسافة والفواصل بينهما، بغية تحقيق القفزة النوعية المرتجاة.

فيما قوربت الظاهرة النّزارية، نسبة إلى نزار قباني، وحوصرت بنعوت الظاهرة الهجائية، والتي كان خنجر سمّها الزعاف، في صدر الشعوب العربية المغلوبة على أمرها، أعمق وأبلغ أثرا منه، في صدور الحكام وذوى الزعامة، بعد قضاء ربع قرن، من قبل هذا الشاعر في شتى مناحي تأليه جسد الأنثى، والعسكرة خدور النساء المخملية،  يداعبهن ويتغزلّ بكل نواة فيهن، ويُشْطِط في وصف التضاريس الجسمانية للنوع الناعم،  حدّ الخلاعة والتّهتك والمجون، قبل أن يحدث و تصفع صاحبنا، نكسة حزيران، والتي اتخذها كغطاء، لربما، في الانزياح بشعريته عن اللذة والجنس والمطاردات الإيروتكية، إلى جغرافية الحرف المتمرد والناري داخل حدود أسلوبية، ترخي بثقل المعنى وجبروته، ألوانا وظلالا من الهجاء المنصب على الحكام والجماهير على حد سواء، وكقناع لغضب لم يتمالك معه النفس، فجّره فيه اغتيال بلقيس.وأتباعه فيما بعد ممن استباحوا معجم الجنسانية، إلى حدود اصطدامهم بالنفق المسدود أخيرا ودون سابق تخطيط.

وتفضح الأطروحة مواضع عدة من رداءة الشعرية العربية، على يد الحركة المذكورة، والتي توهّم روادها، وعلى سبيل التضليل، حيازة خصيصة الخلق وابتكار أسلوبية لم يكن لها أصل ولا جذور في تاريخية القصيدة على هيأتها وقوالبها الأولى، بما هو نسف لأمجاد جاهلية ما حادت عن السباحة الطوباوية في مثل تلك الأفلاك الوارفة بنضارة وعمق الابداع.

على رأس قائمة هؤلاء، رموز معيارية من حجم أدونيس، والكوكبة المعاضدة له، من شعراء ونقاد، من حجم خالدة سعيد وبنيس ومن حذا حذوهما.

هي بالفعل مرحلة كبوة عرفتها القصيدة العربية وبشكل قياسي، ومرد ذلك مثلما صرح به الباحث احمد المعداوي، إلى الوهم الذي تباهت باستيراده تلك الفئة الضالة، على عبثيته وعدم مطابقته للثقافة والبيئة العربيتين.

ومن حيث الأزمة، نفاذ إلى روح الشعرية الأولى وتجميد مكوناتها العضوية، بالاتكاء على أقنعة واهية تمثلت بالأساس فيما يصطلح عليه منعطف تحول إيقاعي، وتسجيل لتباريح حقبة الانتقال من البيت العروضي الصافي، إلى أفق تعبيرية وإن زعمت اتساع وشساعة منحة حرية القول الشعري، فقد ضاقت وعلى نحو مخز جدا، بالمعنى والجماليات التي رصّعت على مدى أجيال متعاقبة، تواز مبهر مابين جمالية و عرفانية ديوان العرب.

إنها روح ما أحوجنا إلى العودة إليها، بغرض الاغتراف من نبعها السلسبيل الرقراق، وانثيالها في حقبتها المثالية، التي ازدهرت وأثمرت ما أشفى الغليل، قبل أن يلحق بها عار اغتصاب من توقيع فيروس قاتل، من إلهام المسماة قصيدة تفعيلية، تعتمد عروضا جديدة، هي إذا ما أمعنا النظر في حيثياتها، مجرد لعبة مراوغة ومنتهجة لهوية دخيلة ومصطنعة، مشبعة بخصوصية الغيرية وضلوع ثقافتها وأدبياتها، و داحضة ومفنّدة لنظريات السبق ونفي إنجازات واجتهادات روح الشعرية العربية الأولى.

وهو ما صعق الحداثة في الصميم، وكرّس لوهم تمّ تداوله على نحو مُنحت معه القداسة والشرعية الزائفة لبعض رموز الحركة.

تذهب الأطروحة إلى ما يؤيد هذا في مواضع مكثفة بعلمية البحث وحياديته بناء على شهادات وآراء متضاربة صادرة عن نخبة من المنتمين للحركة بعينهم، وإن لونتها نبرة السياقات المختلفة ذات المضمون الواحد المكرور، والمفضي بالنهاية إلى التشكيك القاسي في حداثة الشعرية، ووضع آل الزعم بها، في قفص اتهام فوّت على القصيدة الشيء الكثير وهبط بها إلى أبشع صور الانحطاط، وانحدر بها إلى مزالق الأنفاق المسدودة، إلاّ في من ندر.

وإبرازا لحساسية الورطة التي صادت خيوط سمّها رواد الحركة، وفق موجبات أفتت بلحظة دقّ ناقوس الخطر والخروج عن الصمت وترجيح كفة المنطق والعقل والجرأة وخدمة الحقيقة، جاء هذا البحث الموسوعي القيم، لا ليفجّر إشكالية بنكهة درامية فحسب، إنّما ليزكي سائر ما يساير التحولات المتناغمة و روح الشعرية الأولى بما هي ترجمة حقيقية وغير تجارية لواقع وحياة وتكوينية هوية وشخصية الإنسان العربي حيثما حلّ وارتحل.

ومن حيث أنها لا أوجه للجدة تذكر في تاريخ هذه الحركة التي طالما تغنّت وأشادت بالبيت الحر في بداية تجلياته وبوادره الأولى، وكيف أنه إذا ما استثنينا النزر القليل من تلك الأعمال الأدبية بالطبع، جاز لنا الإقرار بالفشل الذر يع الذي تجرّعته الحركة في تجريبية انزياحها عن أصول العروض ومحاولة تجاوزه إلى عروض جديد وغيار لم يُصب حظا سوى الخروج علينا بإسراف في التنويع على المعاناة و القافية وتركيبها وإرسالها، و اشتغالهم على آلية التدوير والمزج ما بين البحور الخليلية، وهو فعل أو ممارسة ضاربة بنواتها في عمق الشعرية العربية، كما هو معروف ومعهود في شعراء البند، على سبيل المثال لا الحصر، الحاصل مع صالح الجعفري في مثيل قوله: تجلّى أمسُ للعشّاق فاجتاح قلوبا شفّها الوجدُ/ وزادتها التّباريحُ شجونا/ فما رقَّ ولا لانْ/ولا جازى بإِحسانْ .

وتعميما للفائدة، نختم بالدمغة البحثية التالية:الواقع أننا لم نكن بحاجة إلى هذه التساؤلات كلها، لو لم نجد النقاد والباحثين في الشعر العربي الحديث، بمن فيهم الشعراء أنفسهم، يلحون كل ذلك الإلحاح، على أن البنية الإيقاعية الجديدة إنما قامت على أنقاد البنية الإيقاعية التقليدية، وأن ثورتهم الإيقاعية العظيمة كانت الخطوة الأولى في سبيل دخول صوت الحداثة من بابه الواسع، وما ذاك إلا لإيماننا العميق بأن عظمة الشعر في كل زمان ومكان لا تتحقق بمجرد ثورة الشعراء على القوانين العروضية، قديمة كانت أو حديثة. وإنما تتحقق تلك العظمة بما تزخر به إبداعاتهم من شعرية، لأن الشعرية لا تتوقف على الإيقاع وحده، مهما حاولنا تثوير قوانين هذا الإيقاع لتتجاوز أو تتخطّى أو تفتت ما كان معروفا قبلها من ضوابط وقوانين.ولعل أكبر خطأ وقع فيه النقاد والباحثون وحتى الشعراء المحدثون، هو أنهم برغم الشعارات التي أكدوا من خلالها على عدم الفصل بين الشكل والمضمون حينا، وبين الدال والمدلول حينا آخر، قد تعاملوا مع البنية الإيقاعية الجديدة كما لون أنها جزيرة معزولة في بحر الحداثة، فكأن هاجسهم الخفي وهم يكتبون عن بنيتهم الإيقاعية الجديدة إنما كان نسف عروض قديم وإقامة عروض جديد، بحيث يمكن القول بأن وراء كل واحد منهم يكمن خليل صغير، يدل على ذلك بالوضوح الكافي، العناوين الفرعية لأبحاثهم فمن " نحو بديل جذري لعروض الخليل" إلى " الأسس اللغوية لموسيقى الشعر" إلى " الشعر الحر ظاهرة لغوية" إلى غير ذلك مما يؤكد أن المهمة لم تكن هي القيام بعمل نقدي هدفه الكشف عن شعرية الإيقاع.".

وما ينطبق بهذا الخصوص على بينية الإيقاع ينطبق كذلك على كل من البنية اللغوية والرسالة الشعرية أيضا.

ومما يمكن مؤاخذة الأطروحة عليه برغم قيمتها العلمية وثرائها البحثي، النبوءة التي خانت صاحب الكتاب فيما يتعلق بمستقبل قصيدة النثر، باعتبارها الأوسع شعبية وانتشارا حاليا فيما يشبه تخلّ شبه مطلق لها، من لدن الغريمتين السالفتين،  في ترع المشهد و الاستحواذ على الساحة، بصرف النظر عن هاجس التعاطي الجاد وتقديم النوعي فيما يخصّ شعرية قصيدة النثر حاليا من عدمها.

يقول الدكتور:"لقد انتبه بعض الشعراء والدارسين إلى هذه الأزمة، بالشكل الذي وصفناه أو بأي شكل آخر، وحاولوا تجاوزها، بأحد اختيارين، أولهما الاعتماد على البصري بدل السمعي، أي بإقحام لعبة السواد والبياض، وتسخير النقط والفواصل وعلامات الترقيم لتوزيع الدلالة بصريا على جسد القصيدة. وبالطبع فإن هؤلاء لم يضيفوا شيئا إلى جوهر البنية الإيقاعية سوى أنهم استبدلوا بالتغطية البنيوية تغطية سريالية دادائية، تعطي أهمية كبرى لمتعة البصر على حساب متعة السمع.ومعلوم أن ما هو مطلوب من النص الشعري إنما هو إمتاع الروح بالشعرية لا بالزخرفة، إذ لو صحّ العكس لكان الرسامون والخطاطون من أعظم الشعراء في العالم، ولما كان لكل من أحببنا من شعراء قديما وحديثا مكان في هذه العظمة."

ويضيف: "أما الاختيار الثاني فيتعلق بالعودة إلى قصيدة النثر، وهي عودة يرفضها منطق التاريخ الذي يعيد نفسه، ومنطق الواقع الذي حكم عليها بالموت بعد أن استبدل بها كبار كتابها فنونا أدبية أخرى، كالمسرح على يد محمد الماغوط والرواية على يد جبرا ابراهيم جبرا."

وكأن قصيدة النثر عانت وكابدت ظرفية هجرتها وانقراضها الفعلي، كي تنال قسطها من البعث والإحياء، ولتنقر الحظوة ببشرف عودها الجديد المغاير، وهو ما يشي بمجرّد بث انطباع شخصي نشاز، ولبوس من تخمين غير صائب، وتوقعات في غير محلها وقول مردود على صاحبه، وإن كان هذا بكل تأكيد، لا ينتقص أو يقلّل أو يحطّ من شأن الأطروحة في شتى أبعادها العلمية والفنية الفكرية، كاجتهاد واع ومضن وقائم على البراهين الدامغة في تفجير ملفّ طوّق طويلا بجملة طابوهات أمكنها، ردحا من الزمن، طمر الحقيقة المرة المشدودة إلى عوالم أزمة ملمّة بروح الشعرية العربية تحت أقنعة متنوعة وادعاءات واصطناع حداثة لا تتفق وهوية وذاكرة وخصوصية الوجود العربي أصلا.

 

احمد الشيخاوي/ كاتب مغربي

............

إحالة:

أنظر كتاب: (أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث) للمغربي د. أحمد المعداوي، الطبعة الأولى منشورات دار الآفاق الجديدة الرباط سنة 1993.

    

 

salam kadomfarajقراءة في كتاب الأستاذ علي جبار الفتلاوي: فخر العراق ..

من الكتب النادرة المهمة التي تتناول الظروف الموضوعية لانبثاق الحشد الشعبي في العراق.. وجدت فيه مادة ملهمة لمزيد من القراءات الموضوعية التي تتناول مرحلة جد خطيرة في تأريخ العراق السياسي والاجتماعي ويمكن ان يكون مرجعا ثرا لدراسات جامعية مستقبلا تتناول حقبة ماقبل واثناء وما بعد سقوط مدينة الموصل ومدن عراقية أخرى بيد عصابة مجرمة عرفت بداعش.. ويتناول الكتاب في فصول عدة القوى التي ساهمت في نشوء داعش ابتداء.. والقوى التي ساعدتها وساندتها ومن ثم القوى التي استفادت من هيمنتها على الموصل..

ويرى الكاتب ان تركيا الاردوغانية من اكبر الداعمين للإرهاب. ويرى في اردوغان ذيلا اميركيا وبالتالي خادما للمشروع الصهيوني .. يقول الكاتب في ص 301 (اردوغان يحاول إخفاء هويته ويريد الظهور بمظهر العلماني ..لكنه وبالتدريج ومن خلال تغيير القوانين وتعديل الدستور ينحو بتركيا صوب الفكر السلفي المتطرف.) ينبه الأستاذ الفتلاوي الى ضرورة يقظة العالم تجاه سياسات اردوغان المخادعة..ويرى في نظام اردوغان كابوسا على الشعب التركي وخطرا يهدد شعوب المنطقة والعالم..

في سلسلة مقالات تضمنها الكتاب تحت عنوان على خلفية تسليم الموصل لداعش يكشف الأستاذ علي جبار الفتلاوي وبالوثائق الكثير من الحقائق المذهلة عن تورط دول ومنظمات وشخصيات في دعم ذلك المشروع الداعشي الخبيث ويرى في حقيقته مشروعا صهيونيا مدمرا.. ويرى في مؤتمر مكافحة الإرهاب الذي عقد في السعودية في أيلول 2014 وبرعاية أمريكية اسما على غير مسمى فالكثير من الحاضرين هم في الحقيقة داعمين لل:إرهاب وهنا تكمن مفارقة مضحكة مبكية.. ان تدعم الإرهاب من جهة. وان تقيم مؤتمرا لمكافحة الإرهاب من جهة أخرى !!! ويرى في ماسمي بالمعارضة السورية المعتدلة إعطاء شهادة حسن السلوك من قبل أمريكا وإسرائيل لمنظمات هي لا تختلف عن داعش سوى بالاسم مثل النصرة وجفش وغيرهما.. ويفضح الأستاذ الفتلاوي الدور الذي لعبه ماكين عضو الكونغرس الأمريكي من العمل على تدمير المنطقة خدمة لإسرائيل..

ويطرح المؤلف أسئلة مثيرة للجدل لكنه يجيب عليها بوضوح إذ يرى في الإرهاب الذراع الخفية لاميركا وإسرائيل لترويض الشعوب العربية ووأد المقاومة الحقيقية من خلال زرع الفوضى والخراب. من اجل ذلك ينحاز المؤلف وبثقة عالية الى رجال الحشد الشعبي وقادته ويرى فيهم فخر العراق وجعل عنوان كتابه (فخر العراق) تحية لهم وانحيازا صادقا لتضحياتهم الباهرة التي حركت ضمير العالم فانحاز لهم. رغم كل محاولات التضليل والتشويه من قبل دوائر مشبوهة قريبة من تركيا بقي الحشد الشعبي يملك نصاعة الموقف المنحاز للشعب ومن اجل ذلك أيضا انحاز الشعب له وباركه ودعمه بالأنفس والمال.. وقد كانوا مصداقا للآية الكريمة التي رصع الكاتب بها مقدمة  كتابه  (من المؤمنين رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه  فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ..)

الأسس الموضوعية لنهضة الحشد الشعبي

1 - التهديد الجدي لوحدة العراق وسيادته من قبل عصابات داعش المدعومة من قبل قوى مشبوهة

2 - الدعم اللوجستي لداعش من قبل تركيا اردوغان وبعض الدول الخليجية

3 - ضعف العلاقة آنذاك  بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان  التي وجدت في سقوط الموصل فرصة للتشفي من المالكي دون النظر الى مصالح الشعب العراقي التي من المفترض ان تكون مرتبطة به مصيريا بل ان إدارة السيد مسعود البرزاني وجدتها فرصة لتوسيع رقعة نفوذها منتظرة تفكك العراق تماما لتعلن استقلالها

4 - غض النظر أمريكيا عن تمدد داعش رغم ارتباط العراق مع أمريكا بمعاهدة الدفاع المشترك. وقد كشف السيد ترامب في حملته الانتخابية عن مسؤولية السيد أوباما والسيدة كلنتون عن ظهور وتمدد داعش

5 - بعد سقوط الموصل وتهديد داعش للعاصمة والوصول الى تخوم كربلاء أصدرت المرجعية الدينية ممثلة بسماحة السيد السيستاني فتوى الجهاد الكفائي لكل العراقيين وانخرط آلاف الشباب العراقيين من مختلف المكونات  في الحشد الشعبي تلبية لنداء المرجعية الذي هو نداء الوطن وليس نداء طائفة بعينها.

 6 - تفشي بعض الظواهر المؤسفة في ظل الحكومات السابقة سببها الفساد المالي والإداري وتفشي ظاهرة الفضائيين وعدم معالجتها بحزم وهو الامر الذي تداركته حكومة الدكتور العبادي

7 - تأخر وسوء تسليح الجيش العراقي من قبل الولايات المتحدة رغم ارتباط العراق معها بمعاهدة تنص على دعم القوات المسلحة

هذه بعض الأسباب الموضوعية التي استدعت ضرورة انبثاق الحشد الشعبي الذي اصبح الان قوة ناهضة من قوى الدفاع عن وحدة وسيادة العراق ومعترف به جماهيريا وقانونيا...

يتناول الكاتب في فصل مهم من فصول الكتاب وقفة هادي العامري شيخ المجاهدين اثناء وبعد سقوط الموصل بيد داعش .. إذ يرى في سيرته وموقفه مثالا على صبر وزهد ونزاهة الرجال الحقيقيين.. فقد هجر كل المناصب السيادية المتاحة والتحق ملبيا فتوى الجهاد الكفائي ..

 في الختام لا بد من التذكير اننا قد نختلف في بعض تحليلات الكاتب وتخريجاته حول بعض القوى التي يرى فيها داعمة لداعش .. لكننا لن نختلف معه ابدا في ان تغيير موازين القوى لصالح العراق وشعب العراق بعد ان كادت ان تنهي العراق تماما تعود لبطولة أولئك الرجال المعروفين منهم والمجهولين. جنودا وضباطا وضباط صف من ابطال قوة مكافحة الإرهاب وابطال الجيش والشرطة الاتحادية.. وفخر العراق بحق ابطال الحشد الشعبي الميامين..

 

سلام كاظم فرج

 

 

mohamad qasimalsalihiيسبق التبحر فيما أطلق عليه المؤلف مجازا (بالمشروع الحضاري)، وقبل تناول أهم ما إنطوت عليه فصول كتاب (بعث العراق من البداية المريبة حتى النهاية الغريبة) تجدر الإشارة الى الدوافع الكامنة وراء إستكشاف النتاج الفكري للأستاذ طالب الحسن، بدءً، هل لأن له تاريخ نضالي كان قد إبتدأ منذ 1967، أم لأني كنت شاهدا يوما ما، على صفحة من صفحات هذا التاريخ في 1996 في كردستان العراق، أم لأنه أضاف بصمة عطاء فكري في تاريخ أبناء الناصرية بما جاد على القراء بمؤلفاته الخمس؟  نعم كل ما سلف، ولكن ليس هذا وحسب بل يضاف لذلك، عندما إنتقل السيد طالب الحسن من موقع المعارضة الى موقع المسؤولية في أكثر من موقع كان آخرها (محافظ ذي قار)، إقترن الأداء الإداري له بإحترام كبير لذلك التاريخ المزدان بالتضحيات الجسام والذي تعرض فيه الى التهجير والتشريد ومحاولات الإغتيال والكفاح المرير،وقد تجسد هذا الإحترام، في نزاهته وإنجازاته وبساطته في التعامل مع أبناء مدينته الى الدرجة التي مازال الكثيرون يحتفظون بصورهم التذكارية معه معلقة في غرف استقبال الضيوف الى اليوم.

ذلك فيما يخص الكاتب، أما فيما يخص الكتاب، فقد إستشهد الكاتب بوصف الشاعر العربي سليمان العيسى لولادة بعث العراق بعبارة "وجع الرأس" قالها العيسى الى الكاتب الحسن في لقاء شخصي جرى بينهما في دمشق. وبالفعل تدرج وجع الرأس ليكون (صداعا مزمنا) كادت تنفجر منه جمجمة العراق، لذلك أدرك الكاتب وجود ضرورة قصوى لتحصين الأجيال القادمة من الوقوع في فخ الدكتاتورية والإستبداد مجددا، حيث يصف فترة استلام البعث للسلطة في العراق مرتين هي مفاجأة للأمة في لحظة غياب للوعي وفقدان للبصيرة، وأن تلك اللحظة المشؤومة يجب أن لا تتكرر. لهذا كان هذا الكتاب. ولأن بعث العراق وكما يصفه الكاتب بأنه ظاهرة خطيرة إتسمت بـ (الكراهية المطلقة) فإن (ملتقيات المحبة) هو خير منبر لنبذ هذه الظاهرة المقيتة.

يشير الكاتب الى حقيقة عدم وجود حزب مماثل لحزب البعث كان قد تبرأ منه قادته لينعتوه بأبشع الصفات وأقذع الأوصاف، فالمفكر البعثي منيف الرزاز كان قد وصف عمله بـ (التجربة المرة)، أما منصور سلطان الأطرش (عضو القيادتين القطرية والقومية) هو الآخر يصف الجيل الذي إرتمى في أحضان البعث بـ (الجيل المُدان)، أما هاني الفكيكي فقد أطلق على تجربته في حزب البعث بـ (أوكار الهزيمة)، أما الشاعر شفيق الكمالي مع وجود شعور خفي مضاد (كان يعلن عنه بشكل شخصي) لكن الخوف قد غلب عليه ولم يشفع له مغالطة النفس والمديح العلني لقيادات البعث لينتهي مسجونا ومقتولا، حيث يرجح أنه قد مات مسموما بعد أيام من خروجه من سجون البعث.

من هو المؤسس الحقيقي للبعث وكيف وصل عفلق؟

يشير الكاتب بالأدلة والقرائن التاريخية بأن زكي الأرسوزي هو المؤسس الفعلي للبعث، بدءً في لواء الإسكندرونة السوري عام 1934\ 1935، ومن ثم أعاد تأسيسه عام 1940 في دمشق، وقد إلتحق ميشيل عفلق بالحزب بعد أربعة سنين من إعادة التأسيس، ويروي الشاعر العربي سليمان العيسى ذلك بوصفه أحد تلامذة الأرسوزي، ورغم أن كلا الشخصيتين الآرسوزي وعفلق كانا قد تخرجا من ذات الجامعة (السوربون) الفرنسية، الأول في قسم الفلسفة والثاني (عفلق) في قسم التاريخ، ومع أن كلاهما مدينين لفرنسا في إذكائها الشعور القومي، الا أن فرنسا في نهاية المطاف قررت مساندة عفلق على حساب الأرسوزي، فإن علاقة فرنسا قديمة وراسخة مع عفلق تعود الى أيام دراسته فيها مطلع الثلاثينات حيث تتلمذ على يد المستشرق الكبير (لويس ماسينيون)، المؤلف لكتاب يفرق فيه بين لهجة أهل السنة ولهجة أهل الشيعة في بغداد، ليس هذا وحسب فقد انعكست العلاقة الحميمة بين عفلق وفرنسا على العلاقة بين حكومة البعث والحكومات الفرنسية المتعاقبة. لقد أدرك بعث العراق ذلك مبكرا، بعد توليه السلطة في العراق سعى جاهدا لتكريس صفة (القائد المؤسس) لميشيل عفلق، حيث أرسلت الحكومة العراقية مبعوثا عنها الى عفلق في البرازيل قائلا له ("أنت ميشيل عفلق لست عضوا منتسبا للبعث، أنت المؤسس، قدرك أن تستمر في البعث ولا تنسحب منه إطلاقا")، وكان ذلك تتويجا الى عفلق كمؤسس، سعت فرنسا فيما بعد الى تكريس هذه التتويج بتمتين علاقتها بالبعث العراقي وتسليحه بأحدث الأسلحة بما فيه بناء المفاعل النووي العراقي.

وهكذا تم تزييف التاريخ بتنصيب عفلق مؤسسا للحزب، رغم أن عفلق نفسه لم يكن يستعمل لفظ المؤسس، ولم يكن غيره من البعثيين قد خاطبه بذلك لفترة طويلة تلت المؤتمر التأسيسي الأول للحزب عام 1947، فضلا عما رافق تاريخ عفلق من سقطات فاضحة وأهمها تأييده لإنقلاب حسني الزعيم في سوريا عام 1949، وبعد شهرين تم زج عفلق في السجن على يد الإنقلابيين الذي بدا عليه الضعف والإنهيار السريع، ليرسل من زنزانته رسالة الى حسني الزعيم يقر فيها بالبراءة من الحزب ويعاهده على العزوف عن العمل في البعث، أطلق على إثرها سراحه، فكانت تلك الرسالة التي تصدرت عناوين الصحف في اليوم التالي لها وصمة عار في جبين عفلق والبعث. أما في عام 1959 فقد تردد عفلق من الموافقة على خطة اغتيال الزعيم عبدالكريم قاسم عندما عرضت عليه، خشية (بطش الشيوعيين) بأعضاء البعث، ثم وافق عليها في نهاية الأمر، وبعد فشلها تنصل منها بالقول " أن محاولة الإغتيال قام بها بعض الشباب في تشرين الأول 1959 وبإيعاز من فؤاد الركابي وتشجيع من الجمهورية العربية المتحدة، وبدون أخذ رأي الحزب")، مما دعا الكثير من أعضاء البعث بنعته بـ (الكذاب)، الذي لا يصلح لأمانة الحزب وعلى رأسهم خالد علي الصالح. ورغم اعلان عفلق البراءة وإدانته لجريمة إغتيال قاسم، ألا أن صدام حسين فيما بعد عندما أصبح أمينا عاما للحزب أعد تلك الجريمة عملا بطوليا يستحق القائمون عليه التكريم. لقد كان أحمد حسن البكر يسخر من عفلق ولم يستقبله في المطار في زيارته لبغداد 1963، ويطلق عليه لقب (الشمًامة) أمام محبيه، وكان هاني الفكيكي ينتقده علنا بالقول "أن الأستاذ لم يكن يقرأ، انه لم يقرأ كتابا منذ  1956 " . أما طالب الشبيب الذي انتهى عضوا مهما في القيادة القومية، يصف أستاذه بالعاجز عن الكتابة، وقد كنا نكتب عنه، ويستغرق أكثر بالقول "إعتقدت مؤقتا أن في صمته شيئا من الحكمة"... ومن هذا المنطلق، يعتقد السيد المؤلف طالب الحسن، بأن صدام وإن كان منحرفا، إلا أنه لم يكن صاحب قصب السبق في انحراف البعث، بل (صدام حسين وجد انحرافا قائما وسعى الى تعميقه)، وبالفعل عام 1996 في استقبال صدام الى رزان إبنة ميشال عفلق، قال لها : (" خلال حرب ايران كانوا يهاجمونني كل يوم في الإذاعات الإيرانية ويقولون صدام العفلقي، وكانوا يعتقدون بأنهم يقولون شيئا سيئا عني، ولكني أعتز بذلك وهذا شرف لي")... وذلك ما يؤكد رأي مؤلف كتاب بعث العراق، بأن عفلقا الذي يصف صدام بأنه ("هبة السماء الى الأرض، وهبة الأرض الى الأمة") لايعفى من كونه مشاركا أو موافقا على كل حمامات الدم والمقابر الجماعية والأنفالات وأمطار السموم الكيمياوية، والحرب الكارثية مع ايران، ويسترسل الكاتب الحسن لو وافقنا جدلا أن ضحايا تلك الحروب كانوا من حملة الأفكار المناهضة للفكرة (القومية)، فبماذا يبرر عفلق تصفية مفكر الحزب منيف الرزاز في حجزه الإنفرادي وهو من أبرز دعاة القومية، وفي سياق التساؤل ذاته تبرز حفلة اعدام كبار قادة البعث في 8-8- 1979 بدءً بـ عبدالخالق السامرائي (مثقف الحزب)، مرورا بـ عدنان حسين ومحمد محجوب ومحمد عايش وليس انتهاءً بـ غانم عبد الجليل بذريعة التجسس الى القيادة السورية، في سعي واضح لإحباط مشروع الوحدة الإندماجية.

ما حقيقة إسلام البعث وعفلق؟

البعث ومنذ تأسيسه الأول على يد زكي الأرسوزي (المسلم الديانة)، كان قد انطلق من عبارة تبشيرية تقول (" وجداننا القومي هو مصدر مقدساتنا، عنه ينبثق فكرنا وسلوكنا، وبالنسبة إليه نقدر قيم الأشياء".) وقد كان الأرسوزي يعتقد جازما بأن عودة العرب الى جاهليتهم هي السبيل الوحيد للإلتقاء بأصول الثقافة الحديثة، وتجنب الحزازات بين المذاهب والأديان، فالوجدان القومي هو الدليل وهو السبيل. هذا فيما يخص الأرسوزي أما فيما يخص (المؤسس المزيف) ميشيل عفلق، فإنه وبرغم ديانته المسيحية الا أن فكره قائم على رفض الجانب الغيبي، وإن السيد المؤلف يذكر أن التطرق الى مسألة (إسلام عفلق)، الغاية منها هو كشف أساليب (الدجل البعثي)، مشيرا الى أن الأساس الذي إرتكز عليه الإعلان عن إعتناق عفلق الإسلام هو وجود ورقة مكتوبة بخط يده يقول فيها (" إذا اصطفاني الله لرحمته فأنا أموت على دين الإسلام")، ختمها بتوقيع منه... في حين يذكر الكاتب طالب الحسن أن لقاءا للسيد غسان شربل المحرر في جريدة الحياة مع  رزان إبنة ميشيل عفلق، توجه شربل الى رزان بما يمكن أن يعد إستفهاماُ عما إذا كان هناك ما يجزم بأن والدها (ميشيل عفلق) قد إعتنق الإسلام؟.. فيأتي جواب رزان حاسما بالقول (" هذا ما أعلنه الرئيس صدام حسين والقيادة القومية في بيان بعد وفاته")، أي أن عائلته ليست على علم بإسلامه !!، وأن تسمية أحمد ميشيل عفلق هي جزء من الدجل البعثي.

أما صدام (تلميذ عفلق) فقد تربى في أحضان الخال من الأم خيرالله طلفاح القائل (" ثلاثة كان يجب على الله ألا يخلقهم الفرس واليهود والذباب")..لذا إرتضى صدام لنفسه يوما مديحا قد قيل فيه ( "تبارك وجهك القدسي فينا ...  كوجه الله ينضح بالجلال").. رغم أن الله تبارك وتعالى (ليس كمثله شيئ)، فضلا عن إقدام صدام على خطوة مبتدعة مثيرة للجدل وهي (كتابة القرآن بالدم) وبما هو متفق عليه من نجاسة الدم بين الفقهاء، ولم يكن ذلك غريبا على صدام الذي ابتدع مسبقا عبارات مثيرة للجدل مثل ("أنني مؤمن بأن الإنسان يستطيع أن يفعل كل شيئ هو ليس من واجبات الإله") هنا (واجبات الإله) و شطحات أخرى يأباها الذوق السليم ويخشى الإنسان المؤمن إضافتها الى إسم الله (تبارك وتعالى)، مثل (إصرار الإله) الذي ينطوي عليه قوله صدام (" الإصرار موجود لدى الإله في أن يكون الرشد في الأرض نيابة عن السماء عربيا")... وغيرها من العبارات غير المألوفة والمستهجنة والمدانة إخلاقيا التي إبتكرها البعث وصدام..

 إضافة الى ما كتبه السيد المؤلف طالب الحسن، أود الإشارة الى أن هناك مقطع فيديوي على اليوتوب يتضمن توبيخ علني من قبل عضو القيادة القطرية لحزب البعث علي حسن المجيد لأحد ضباط الأمن كونه ممن يرتاد المساجد بكثرة (كونها حالة شاذة لديهم)، ومن ثم يستدرك المجيد (بعد التوبيخ) بتوجيه قولا ساخرا الى الضابط (إنك ما زلت شابا، إستمتع بشبابك وعندما تكبر يمكنك الإتجاه نحو التدين). وذلك النهج الحقيقي للبعث (الإلحاد الخفي)، الذي لم يقف عند حدود الخفاء ليطفح الى العلن في قول أحد شعراء البعث:

آمنت بالبعث ربا لا شريك له ... وبالعروبة دينا ما له ثان   

ما حقيقة عروبة البعث؟  

كانت القومية العربية بالنسبة للبعث في العراق لا تعدو عن كونها دثارا لإستقطاب الحلم العربي وشعارا للإستهلاك الإعلامي ومغازلة العقل الجمعي بالوحدة الذي بدا تواقا لإنجازها و، فالوحدة العربية أولى أهداف البعث لم يثمر نضاله من أجلها شيئا عنها، حتى على صعيد (القطرين) الذين يحكمهما البعث (العراق وسوريا)، بل على العكس من ذلك، فأن ذات السلطة البعثية في العراق كانت قد قوضت مشروع الوحدة الإندماجية الذي طرحه الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، عام ( 1978-1979)،  بل وحتى الوحدة الثنائية القصيرة بين مصر وسوريا عام ( 1958 - 1961) والتي كان عبد الناصر وعفلق متحمسان لها جاءت للحد من المد الشيوعي الذي تلاقفته الجماهير العربية في حينه حيث يصف عفلق تلك الوحدة في اجتماع خاص بما يلي : (" إن وحدة سوريا مع مصر جاءت لإنقاذ سوريا من خطر الشيوعيين"). وامتدادا لذلك،  فقد دعت قيادة البعث في العراق الى قمة عربية 1978 لطرد مصر من الجامعة العربية في أعقاب زيارة الرئيس المصري أنور السادات الى القدس، وعادت ذات القيادة لترمي وزر الزيارة على دول الخليج لعدم تمويلها مصر بما يكفي بعد استلام حسني مبارك السلطة خلفا للسادات، أما غزو صدام للكويت فهو ما فضح كل إدعاء للبعث بالعروبة والوحدة فقد سقطت ورقة التوت الأخيرة عن عورة البعث في العراق.

يذكر السيد المؤلف طالب الحسن، وصف المفكر القومي ساطع الحصري لإقدام حزب البعث على الدخول في (الوحدة الاتحادية) بين (العراق - مصر - سوريا) عام 1963، بالقول ("أن البعث صار يفكر بعقلية التجزئة، ويعمل بدوافعها، ودخل بذلك في عداد (وحدويو التجزئة) الذي أشار له الأمين العام للحزب")... مع كل ما سلف من انتقادات لاذعة لشخوص وأداء البعث من قبل قادة كبار فيه، إلا أن هناك وللأسف، من سقط في مصيدة البعث من غير البعثيين ليحاولوا إضفاء هالة من القدسية والعظمة من قبلهم على عفلق والبعث، وأبرز من وقع في مصيدة البعث، معلنا العداء للزعيم عبد الكريم قاسم هو الشاعر الكبير بدر شاكر السياب، وذلك ما سنتطرق اليه في الحلقة القادمة بإذن الله.

 

محمد قاسم الصالحي

 

 

salim alhasaniمع اشتداد الأحداث وتزايد حدة المواجهة مع النظام البعثي في نهايات عام ١٩٧٩ وبدايات عام ١٩٨٠، كان واضحاً أن الأمور في طريقها الى المزيد من التصاعد، وقد صمم (موحان) على المضي بطريق الشهادة، فراح يودّع بعض أصدقائه المقربين الوداع الأخير. وفي يوم اتصل هاتفياً بالصديق العزيز (طه الأميري/ أبو هاني) يطلب منه لقاءه في متنزه ١٤ تموز في الكاظمية. وفي الموعد المحدد، وصل (موحان) مع عديله الشهيد (مهدي عيسى) على دراجة نارية، وجلس الأصدقاء الثلاثة على شاطئ دجلة.

كانت مفاجأة (طه الأميري) أنه رأى صديقيه على غير عادتهما المألوفة، ولم يكن (موحان) صاحب الابتسامة والنكتة التي يبثها في أجواء الأصدقاء فتغطي القلوب بالوداعة، لقد طلب اللقاء ليودع صديقه (الأميري) ببراءة الذمة، وهو سلوك عادة ما يقدم عليه الأصدقاء فيما بينهم حين يتوقع أحدهم أنه مقدم على الموت أو على المجهول. وكذلك فعل الشهيد (مهدي عيسى).

وقد ترك الموقف أثره في نفس (الأميري) فقد كان صديقه المقرب، وهو الذي رعاه لسنوات عديدة، ورتّب ارتباطه التنظيمي مع الشيخ الشهيد (عبد الجبار البصري).

...

لكن الحقيقة أن هذا الأمر كان طبيعياً لشخصية استثنائية، مثل (موحان معدي النصّاري)، فقبل ذلك بسنوات عديدة تزيد على عقد من الزمن أي في نهاية الستينات، كان يقضي معظم وقته مع الأصدقاء، ينتقيهم بعناية خاصة، ويشرف على إعدادهم ثقافياً، وقد كان السيد محمد الحيدري يترك له مفتاح جامع الخلاني، فيقضي عدة ساعات من الليل مع مجموعة مختارة من الشباب، ليدخل معهم في أحاديث ثقافية إسلامية، ويشجعهم على القراءة والقاء المحاضرات وخوض الحوارات.

وكان وهو الفقير أيامذاك، يستضيف أصدقاءه ويتعرف على أصدقاء جدد، فيدعوهم الى أحد المقاهي قرب ساحة الطيران، ثم يطلب لهم العشاء على نفقته، حتى أثقلته الديون، من دون أن يشعروا بذلك. فأخلاقه وطيبة نفسه وانسانيته ورساليته، تجعل المال شيئاً تافهاً بالنسبة له، وهو كذلك فعلاً لمن يحمل كبيراً.

كان (موحان) يعيش رسالة التغيير، ويطبّق في حياته بشكل دقيق مفاهيم حزب الدعوة (كيف نجعل الدعوة همنا الدائم) وقد فعل ذلك عملاً لا قولاً.

المال عند (موحان) لخدمة الآخرين، لمساعدة الفقير، لتوفير مستلزمات العمل الإسلامي المعارض ضد نظام الظلم البعثي، وما عدا ذلك فهو مجرد أوراق تافهة لا قيمة لها، إن تراكمت في جيبه، فأنها ستلوث روحه الصافية، ستجعله كاذباً وهو يحدث الناس عن مساعدة الفقراء، سيكون مزدوجاً وهو يتحدث عن الجهاد والكفاح والإيمان ومفاهيم الإسلام، وليس (موحان) الذي يرضى لنفسه أن يكون كذلك، كان (موحان) هو الصادق مع نفسه قبل صدقه مع الآخرين، وكان الملتزم بقلبه قبل أن تلتزم جوارحه بالركوع والسجود.

...

كنت أسير معه ذات يوم ربيعي في الأعظمية، وحين بلغنا منطقة راس الحواش، استوقفني محل لبيع الملابس، ودخلنا المحل، فاشتريت قميصاً، وأشترى هو قميصاً مثله، فقلت له مازحاً:

ـ أنت لا ترتدي هذا النوع، هل تريد ان تغيّر مظهرك؟

فأجاب اشتريته لأهديه لشاب فقير، وذكر أن ما نقرأه عن الأئمة عليهم السلام، يجب أن نطبقه على أنفسنا. وكانت كلماته صادرة من القلب، فهزتني لحظتها، وقلت له خذ قميصي لشخص يحتاجه، فقال:

ـ أعطه أنت لمن تعرفه فقيراً حتى توثق أخوّتك به.

كانت المبادئ والقيم تنطلق منه بدون تفكير، تنساب على لسانه، لأنه يعيشها بوجدانه، فتصل السامع عبر القلب مباشرة.

وقد لاحظت أن الذين تربّوا في مدرسة (موحان) وأشرف على تنظيمهم الحزبي، قد ترك فيهم قدراً من صفاته، فما كان يتحدث فيه بالحلقة الحزبية، كان مشهوداً على سلوكه وتصرفاته ومواقفه.

في عصر يوم كان يقوم بتدريسي كتاب (النحو الواضح) في جامع الشريف الرضي، فدخل رجل يحمل شريط كاسيت من نوع (فيلبس) يعرضه على الحاضرين لبيعه، ولا يجد من يشتري، فسارع (موحان) الى القول له:

ـ إي، الحمد لله، الله جابك، أنا اشتريه.

ولم يكن يحتاجه، لكنه أراد ان يحفظ كرامة الرجل الفقير.

للحديث تتمة عن الشهيد موحان معدي.

 

سليم الحسني

 

1078 hatamفي كتاب نهاية النظرية يتحدى الكاتب ريجارد بوكستيبر وبقوة البحوث الاقتصادية والتحليلات التقليدية. هو حصل على الدكتوراه في الاقتصاد من معهد massachusett للتكنلوجيا(MIT) قبل عدة عقود. الكاتب امضى الشطر الاكبر من عمله المهني كممارس مالي وليس اكاديميا،هو ناقد متشدد للاتجاه التقليدي في الاقتصاد والذي يؤمن به معهد massachusett.

ان ما يتميز به كتاب "نهاية النظرية"(1)عن النقاد الآخرين هو انه يطرح اتجاها بديلا هاما هو النمذجة على اساس الفرد agent-based modelling. هذا الاتجاه الجديد يؤكد على فكرة"النظر الى العالم وليس الى النموذج".

الكاتب Olivier Blanchard،ذكر في مقال له "ان مقالات الاقتصاد الكلي اليوم تتبع قواعد صارمة"انها ليست كلية فقط. جميع حقول الاقتصاد الرئيسية تميل لإتباع اجراءات تقنية على حساب الواقعية. في  القرن الخامس عشر لو كان مصممو الخرائط يتميزون بنفس الصرامة ولا يهتمون بالاشياء الاخرى لكانوا قد استمروا برسم خرائط للعالم تتجاهل اكتشافات كولمبس والمستكشفين اللاحقين ولكانوا اصرّوا على ان "علم الخرائط لايزال جيدا"(2).

القواعد الصارمة للاقتصاد التقليدي تتضمن البحث عن حلول رياضية لمشاكل التفضيل المقيد constrained optimization problems(3)،واختبار السلوك حول نقطة التوازن ،والنظر الى العالم الواقعي من خلال عدسة التحليلات الاحصائية لبيانات يُفترض ان تأتي من توزيع مستقر. المؤلف يسعى للتخفيف من هذه القواعد الصارمة. هذا الاتجاه في الإرخاء – النمذجة على اساس الفرد- يحاول دمج جميع خصائص العالم الواقعي حتى وان زادت من تعقيد النموذج.

في الاتجاه التقليدي،يحاول الاقتصادي ان يشتق رياضيا نتيجة هامة مستخدما ابسط نموذج ممكن. فائدة هذا انه يجعل من الأسهل كتابة عرض واضح والحصول على نتيجة مرغوبة. غير ان عيوب هذا الاتجاه هو انه لكي لا يزيد من تعقيدية النموذج ،فهو يتخلى عمدا عن عوامل اخرى حاضرة في العالم الواقعي.

في الاتجاه التقليدي،يستخدم الاقتصادي رياضيات استنتاجية للوصول الى تقييم معين باستخدام عدد محدود من العمليات closed-form solution. وفق اتجاه النموذج القائم على الفرد يضع المحلل تمرين محاكاة لنموذج لايعتمد اشكال التقييم المغلق.

في الاتجاه التقليدي يسعى الاقتصادي الى ايجاد حل للتوازن ويفحص السلوك في النقاط المجاورة للتوازن. في النمذجة المعتمدة على الفرد،ينظر المحللون في ديناميكيات تبدأ من مجموعة مختلفة من الظروف الاساسية. هم لا يفترضون التوازن باعتباره الحالة الاكثر احتمالا،بل ولا يفترضون حتى وجود توازن.

في الاتجاه التقليدي يتعامل الاقتصاديون مع الافراد لحل مشاكل التفضيل المقيد . عندما  يكتشفون ان صانعي القرارات الواقعية يستخدمون أحكاما عملية heuristics(4) في حل المشكلة،فهم يرفضون تلك الوسائل باعتبارها غير عقلانية ، ويستمرون في تبيان ان الوسائل البديهية تقود الى الابتعاد عن الحالة المثالية. وفق النموذج القائم على الفرد،تُعتبر الوسائل البديهية استجابة رشيدة لعالم لا وضوح فيه. المحاكاة تدمج صنع القرارات الواقعية من جانب الفرد لتعمل في سياق من الانظمة الشديدة التعقيد لأي فرد يريد الفهم. الاقتصاديون التقليديون يلاحظون سلوك العالم الواقعي كما يجسد ذاته ضمنا في البيانات. هم يطبقون تقنيات احصائية تفترض ان ما نلاحظه اليوم يخبرنا بما سنلاحظه غدا. نمذجة الفرد تسمح بحقيقة ان الناس عندما يتفاعلون مع بيئتهم والبيئات الاخرى فان السلوك يتغير بما يجعل بيانات الماضي غير ملائمة . لكي يتجنب المرء الاعتماد على استنتاجات احصائية سريعة الزوال،يجب عليه ان يفحص بشكل مباشر صانعي القرار وعملياتهم الفكرية .  يقول الكاتب ان المطلوب هو نمذجة الفرد  بدلا من الاقتصاد التقليدي وذلك بسبب الظاهرة الطارئة "emergent phenomena"،وعدم اليقين الراديكالي غير المحسوب (ص12). كل من هذه الخصائص للعالم تجعل من الصعب ايجاد نماذج ثابتة بسيطة وقوية. يكتب الكاتب:

عندما تبرز من نشاطات الافراد ديناميكيات تؤثر في كامل النظام وبشكل غير متوقع و بطريقة لاتجسد التراكم لذلك السلوك،فان النتيجة تُعرف بالنشوء emergence(ص17).

بعض الظواهر الناشئة ، مثل اللغة والمعتقدات الثقافية تبرز تدريجيا،بينما ظواهر ناشئة اخرى مثل الاختناق المروري تبرز فجأة. الاقتصاديون لايستطيعون الوثوق بالتحليلات الاحصائية للبيانات بسبب حالة اللاتجانس non-erodicity . في العمليات غير المحسوبة يتم سحب جميع العينات من نفس السكان، ويمكن استخدام عينة كافية لوصف الخصائص الاساسية للعملية، مثل متوسطها الحسابي ،وان سحب عينة في اي فترة زمنية ستقوم بنفس الشيء وتعطي نفس النتائج كأي عينة اخرى.

.... الناس ليسوا خارج الحساب،نحن نتحرك خلال العالم على طول ممر منفرد،ونحصل فقط على ذلك الممر. حينما نكون في ذلك المسار ،فان تجاربنا وتفاعلاتنا والرؤية التي نمتلكها عن العالم في تلك اللحظة كلها تقرر السياق لأفعالنا. ذلك المسار غير قابل للتكرار،نحن لانختار عشوائيا من التوزيع(ص42).

في الاقتصادات التقليدية يفترض الناس انهم  يعرفون الان وفي مستقبل لا محدود ،جميع نطاق الامكانات، وارجحية حدوث كل واحدة. الافتراض البديل،بان المستقبل له مظاهر لا يمكن توقعها اليوم ،يطلق عليه اسم عدم اليقين الراديكالي. لكننا يمكن ان نسميه ظروف الانسان. يكتب المؤلف بان عدم اليقين الراديكالي "يقود العالم للذهاب في اتجاهات لم نكن نتصورها ابدا ... العالم يتغير حتى الان بطرق صادمة"(ص18). الحسابية اللااختزالية يعني بها المؤلف ان الكثير من السلوك الاقتصادي هو شديد التعقيد لدرجة لا يمكن دراسته باستعمال نماذج مبسطة. "العالم لايمكن حله،انما يجب ان يُعاش"(ص18).

هذه السمات تعني،

.... اننا نستطيع التخلي فورا عن فكرة ان العالم الاقتصادي يتأسس على مبادئ عالمية للسلوك الاقتصادي،فيها لايمتلك الافراد تاريخا او تجارب،ويتصرفون  بنفس الاسلوب سواء كانوا دخلوا العالم اليوم او بعد عشرة اجيال من الان،سواء كانوا في الارض او على المريخ. المسارات التي يتخذها الناس لم تتقرر سلفا عبر الصيغ الرياضية للمنفعة والاحتمالية،والناس لا يستجيبون بطريقة ميكانيكية،ولا يمكن ايضا وصفهم بنموذج قابل للتطبيق عالميا فيه جميع العلاقات الاساسية ثابتة (ص20).

يسعى الكاتب الى دمج مبدأ الـ reflexivity لجورج سوروس(5) وهو ما يجعل القرارات الاقتصادية تستلزم تفسير البيئة (فعاليات المعرفة) وتغيير البيئة. الناس دائما يتعلمون و يتغيرون . هذا هو مصدر هام لعدم اليقين الراديكالي والذي لم يتجسد في معظم فروع العلوم الطبيعية.

هذه الاختلافات الميثدولوجية يمكن توضيحها بعدد من الحالات المحددة. اولا،انظر في مشكلة تصميم عقود لتعويض العاملين. مالك الشركة يريد الحصول على اعظم عمل انتاجي من العامل بينما يقدم له اقل تعويض. العمال يريدون الحصول على اكبر تعويض مقابل اقل جهد. اذا كان العقد يقدم مجموعة من الحوافز والعلاوات المصممة جيدا فان الشركة ستعمل بكفاءة عالية والعمال ينالون حقوقهم المناسبة . اما اذا كان العقد مصمم اعتباطيا ،عندئذ سيستغل العمال النظام،و الشركة ستستلم القليل وهذا يعني ان العمال ايضا سوف يستلمون اقل مما لو كان العقد مصمم جيدا.

هناك الكثير من الادب التقليدي حول هذا الموضوع يُعرف بمشكلة الوكيل-الرئيس principal-agent problem (6). معظمه يدور حول مفهوم "عقد الحوافز المنسجم"الذي يعني ان العقد الدائم والمثالي سيحل المشكلة. غير انه من منظور النموذج القائم على الفرد،لايوجد شيء من قبيل عقد حوافز منسجم. بدلا من ذلك،هناك دائرية وعدم يقين راديكالي . لا احد لديه معلومات تامة ليصمم نظام تعويض "كامل". حتى عندما يبدو النظام تاما مرتكزا على الموقف السائد حاليا،فلا احد يعرف كيف سيكتشف العمال طرقا جديدة لاستغلال النظام في المستقبل. لا احد يعرف كيف ستُضعف التغيرات في بيئة الاعمال من فعالية العقد. المالكون والعمال  يتعلمون ويتكيفون باستمرار . الاستراتيجيات المثالية هي وهمية،وبدلا من ذلك،يستخدم الافراد وسائل الاستدلال البديهية التي يأملون ان تكون قوية. المالكون يفوضون المدراء مهمة "تقييم الآداء" ويسمحون للمدراء باستخدام هذه العملية لممارسة بعض المرونة في التعويض. شركات العالم الواقعي تراجع خططها التعويضية بانتظام لأن فاعلية الخطة تميل للتآكل مع الزمن. العمال يحاولون مقارنة تعويضاتهم بما لدى زملائهم داخل وخارج الشركة.

 يؤكد الكاتب على مزايا النموذج القائم على الفرد،او ما نسميه النظر الى العالم،لفهم الازمة الاقتصادية عام 2008. الكاتب ينظر الى الاحداث التي وقعت في سوق السندات باعتبارها مشابهة لافلاس البنوك. هو يرى ان العديد من المؤسسات المالية الحديثة بما فيها اتفاقيات اعادة الشراء وعقود الشراء الآجل،تتطلب وضع مبالغ صغيرة في اصول قليلة المخاطرة كتامين على السند. وعندما برزت مخاوف حول خطورة السندات العقارية ،فان هذا اثر سلبا على قيمتها التقديرية كضمان.

النظر الى العالم بدلا من النموذج يسهل علينا فهم الاضطراب المالي الذي وقع عام 2008. غير انه لا المؤلف ولا صانعي السياسة ولا الاقتصاديين التقليديين استطاعوا توضيح مقنع للركود العميق الذي اعقب الازمة. احد الممارسين الماليين دانيال نيفي يرى ان الركود حصل جزئيا بسبب الافراط في التوسع المبكر الذي انعكس على شكل دورات ائئتمانية. هو يرسم مقارنة بين التوسع في العشرينات من القرن الماضي والتوسع الذي سبق ازمة عام 2008(7).

دانيال يقف نفس الموقف حين يتحدث بقسوة ضد تيار الاقتصاديين التقليديين. الاقتصاديون متحررون من قوى السوق التي يدرسونها. هم محميون،ادائهم يُعترف به بناءاً على ما ينشرون في المجلات البحثية التي يقصدها فقط المشاركون لهم في المهنة... الاقتصاديون يعيشون في عالم منعزل لهم فيه لغتهم الخاصة وقواعدهم وعاداتهم وسلّمهم التنظيمي . في بيئتهم الضيقة،البيروقراطية هي التي تقرر الرابحين والخاسرين وليس الاسواق. المدارس تستمر في تعليم النظريات حتى عندما يثبت خطئها ولاشيء يمنعها من الاستمرار في ذلك(Nevins،ص245).

الاقتصاد لا يتعامل مع الكيفية التي يتصرف بها الناس كافراد،انه يفترض بامكانه تجميعنا في شخص واحد،انه افتراض مبسط، والعلوم مليئة بمثل هذه الافتراضات المبسطة(ص81،82).

تلخيص

يناقش الكاتب لماذا الظروف الانسانية وعدم اليقين في عالمنا تجعل النموذج الاقتصادي والنظرية التي خلفه لافائدة منهما في التعامل مع الازمات المالية. هو يؤكد على اتجاه جديد قائم على الفرد ينطلق من حقيقة اننا بشر وليس اناس آليين مبرمجين كما تفترض النماذج الاقتصادية.هناك اربع ظواهر تسبب الكوارث المالية:السلوك الطارئ،وعدم التجانس،وعدم اليقين الجذري،وعدم الاختزالية في الحساب.السلوك الطارئ يحدث عندما تبرز ديناميكيات النظام بشكل غير متوقع من فعاليات الافراد بطريقة لا تشبه التراكم في ذلك السلوك. اللاتجانس خاصية دائمة للاسواق المالية. اي ان الاسواق تتغير بمرور الزمن ولا تتبع نفس الاحتمالات اليوم كما فعلت في الماضي او ستفعل في المستقبل. اللايقين يكون جذريا عندما لا يمكن التعبير عنه او توقّعه عند تعاملنا مع المجهول. اخيرا،سلوكنا الاقتصادي معقد جدا وتفاعلاتنا عميقة  لدرجة "لا تتوفر معها وسيلة رياضية تقرر الكيفية التي ستتطور بها".كيف سنعيش في بيئة معقدة ودائمة التغيير وحيث لا يمكن للمستقبل ان يكون كالماضي.

 

حاتم حميد محسن

......................

الهوامش

(1) كتاب نهاية النظرية:الازمة المالية،فشل الاقتصاد و القضاء على التفاعل الانساني للكاتب Richard Bookstaber،صدر عن مطبوعات جامعة برنستون عام 2017.

(2) oliver Blanchard"حالة الكلي"،المراجعة السنوية للاقتصاد 1: 209-228،سبتمبر 2009.

(3) وتعني استخدام الطرق الحسابية لحل المشاكل،منها مثلا تقليل التكاليف الكلية المرتكزة على المدخلات التي تكون القيود فيها غير مقنعة. في الشركات والمالية والاقتصاد،تُستخدم هذه الطرق لإيجاد الحد الادنى لدالة الكلفة حينما تتغير التكاليف اعتمادا على التغير بما متوفر وعلى كلفة المدخلات كالمواد الخام والعمل والمصادر الاخرى. وهي تُستعمل ايضا لإيجاد اعلى مردود ممكن اعتمادا على التغير في قيم الموارد المالية المتوفرة والقيود عليها مثل كمية وكلفة رأس المال واقصى او اقل قيمة تسجلها هذه المتغيرات. البرمجة الخطية هي احدى الوسائل المستخدمة في حل هذه المشاكل.

(4) وهي عمليات فكرية فعالة واعية او لا واعية تتجاهل جزء من المعلومات في حل المشكلة وتركز على مظهر واحد من المشكلة المعقدة،وهي بهذا توفر الجهد وتتجنب افتراضات النماذج العقلانية.اكثر من 95% من قرارات الناس تتم باستخدام هذه الطريقة القائمة على الممارسة والحس العام وليس على النظرية.

(5) يشير هذا المبدأ الى العلاقة الدائرية بين السبب والنتيجة،الرؤية المشوهة لدى الناس تؤثر في الموقف المرتبط بتلك الرؤية لأن الافكار الزائفة تقود الى افعال غير ملائمة. فمثلا التعامل مع المدمن على المخدرات كمجرم سيخلق سلوكا اجراميا لديه.المبدأ ينطبق على المواقف التي فيها مشاركون في التفكير،المشاركون في التفكير يؤدون وظيفتين:واحدة لفهم العالم الذي نعيش به وتسمى وظيفة الادراك،والثانية لنغير الموقف لمصلحتنا وتسمى الوظيفة الاستغلالية.كلا الوظيفتين يربطان التفكير بالواقع باتجاهين متعاكسين. في وظيفة الادراك،الواقع يُفترض ان يقرر رؤية المشاركين،واتجاه السببية يكون من العالم الى الذهن،بالمقابل،في وظيفة الاستغلال يكون اتجاه السببية من الذهن الى العالم، اي ان نوايا المشاركين لها تاثير على العالم. عندما كلا الوظيفتين تعملان في وقت واحد فانهما يتداخلان مع بعضهما.

(6) هذه المشكلة تحدث عندما فرد او جهة (agent) تتخذ قرارات لمصلحة شخص او جهة اخرى(principal).الوكيل قد يكون مدير شركة مساهمة او سياسي او سمسار. والرئيس هو المساهمون او الناخبين او الاسواق(البائعين والمشترين). المأزق يحصل عندما يعمل الوكلاء لمصلحتهم الخاصة وليس لمصلحة الرئيس خلافا للاتفاق المبرم بينهما،فيبرز ما يسمى صراع المصالح.

(7) Daniel Nevins, Economics for Independent Thinkers

 

سجال فكري مع الليبرالية الغربية والإرهاب والتطرف والعنصرية!

في كتابه الجديد "الليبرالية والإرهاب" الصادر عن مركز الحضارة العربية للنشر والدراسات بالقاهرة، يتوقع باحث الفلسفة السياسية بجامعة عين شمس الدكتور أحمد فاروق" أن تدخل البشرية حقبة جديدة يطلق عليها اسم "ما بعد الليبرالية"، تري لماذا، يجادل الكاتب قائلا : إنه على المدى القريب، سوف نجد أن قوى العدمية، ذات الصوت الأعلى والأكثر وضوحا من صوت الديموقراطية الليبرالية وعدميتها، قد تهيمن على المستقبل القريب، لتحفر على وجه زماننا حكايات صغيرة عن المآسى المحلية وعمليات إبادة البشر الإقليمية، وتخلق مناخا من عدم الاستقرار يتميز بالحروب الصغيرة المتعددة الضارة بالتكامل الكونى، أما على المدى البعيد، فسوف نجد أن قوى الليبرالية الرأسمالية هى تلك القوى التى تشكل الأساس لقوة دفع الحضارة الغربية التى تتسم بالبطء والثبات، وهو ما يعنى أنه لا قبل لأحد بإيقافها،وبذلك سوف تحتل حروب العدمية الصغيرة عناوين الصحف فى القرن الحالى.

 وهو ما يجعلنا نتكهن مع المؤلف بأن نهاية التاريخ ستكون صامتة فى آخر المطاف، أما المجانسة التى يقوم بها عالم الليبرالية الرأسمالية، فقد تخلق سلاما عاما يؤيد انتصار التجارة وأسواقها، ويوفر لمن يسيطرون على المعلومات والاتصالات والترفيه سيطرة مطلقة على مصير البشر،وإذا لم نقدم بديلا للصراع بين العدمية (الثقافات الأخرى من المنظور الغربى المتمركز على الذات) وعالم الليبرالية الرأسمالية، فإن الحقبة التى نقف على أعتابها ـ وهى حقبة ما بعد الشيوعية،وما بعد التصنيع،وما بعد القومية، وإن كانت كذلك حقبة طائفية مخيفة ومتعصبة ـ قد تصنع فى نهاية الأمر حقبة ما بعد الليبرالية.

 ففي كتابه " الليبرالية والإرهاب "، يؤرخ الباحث أحمد فاروق في نحو ثلاثمائة صفحة للأسباب التي أدت إلي نشأة الليبرالية من رحم الحروب والنزاعات المسلحة بين الأمم والجماعات المختلفة،صحيح أن موضوع النزاعات قديم قدم البشرية ذاتها، لكننا مع الليبرالية دلفنا فصلا جديدا من فصول التطورالإنسانى، فمعها ظهرت إلي الوجود القدرة علي الابتكار في القتل،وكذلك القدرة على الابتكار في التبرير الفكري له.

ومن خلال تطور الفكر السياسي الليبرالي عبر موجاته المتلاحقة، أضيفت للبرنامج الليبرالي فكرة غزو الطبيعة من أجل السيطرة عليها وإخضاعها، وهو غزو من شأنه إذا ما تحقق أن يحسم معركة السيادة والتملك بالضربة القاضية.وسوف يغدو الإنسان بعد قرون طويلة من المعاناة والألم سيدا ومالكا للطبيعة،ولكن بشرط أن يتبع النصائح والتوصيات التى يقدمها له العقل الليبرالي.وبهذه الطريقة تشكلت العقيدة الليبرالية فى القرون الثلاثة السابقة علي الثورة الفرنسية.

ويؤكد الدكتور أحمد فاروق أن تلك الأفكار عبرت عن نفسها في الثورة الفرنسية وخلال حروبها من أجل نشر عقيدتها- وهي عقيدة علمانية وحداثية بطبيعة الحال- في الريع الأخير من القرن الثامن عشر.ومع أن الثورة الفرنسية قد هزمت وحوصرت أفكارها بعد هزيمة نابليون عام 1815م، إلا أن عقيدتها- الليبرالية الحداثية – وأسسها الفلسفية، ظلت حية في مذاهب وأفكار فلاسفة السياسة. وعندما لا تموت الأفكار أو حتي تطمر في الكهوف بعد هزيمة من يحملون لوائها، فإنها تنتقل بسهولة ويسر خارج حدودها حاملة معها حماسة المشاهد المتفرج الذي يجلس أمام الشاشة دون أن يتأثر فعليا بالمناخ المحيط بالأفكار والحروب، وكلفة ذلك كله الباهظة علي الحياة السياسية والاجتماعية، وهي كلفة باهظة لدرجة أنها قد تؤدى إلي اضطراب،وربما توقف الحياة الإنسانية برمتها.

وهكذا خسرت المجتمعات البشرية القديمة معاركها مع الليبرالية وضد عقيدتها عن السيادة والتملك طوال التاريخ الحديث، وعبر سحر الأفكار تغرق الحماسة بها المجتمع الذي تسيطر علي خياله في نزاع بين القديم والحديث بصورة تنتهي بالحسم لصالح الحديث حتي لو كان الثمن لذلك هو البناء الاجتماعي ذاته.

وأوضح أنه عندما أنجزت الليبرالية هذا التحول في المزاج الإنساني العام، أصبحت بمثابة القوة المحركة لحياة – العالم، على نحو مكنها من السيطرة علي الخيال الإنساني، ومكنها كذلك من القدرة علي الاختلاق: اختلاق الأصدقاء والأعداء. وفيما استولت الليبرالية علي قلوب وعقول النخب السياسية والثقافية التي صنعتها لم تجد من تحاربه، وقد اضطرها ذلك إلي اختلاق الأعداء مجددا. كما حكمت القدرة علي الاختلاق المعارك والحروب الليبرالية منذ بدايتها وحتى أخر معاركها الكبري في النصف الثاني من القرن العشرين، وأقصد بذلك معركتها ضد النموذج الشيوعي للتحديث وخاصة في الاتحاد السوفيتي السابق.ففي تلك المعركة بالتحديد قامت الليبرالية باختلاق هذا الوحش الغامض غير القابل للتعريف المسمي باسم الإرهاب.

كما استخدمت الليبرالية كل ما تملكه من قدرات مادية ومعنوية- من نقود ونفط وحتي أفلام هوليود- في خلق أو بالأحري إختلاق هذا الوحش الخرافي الجديد،فرانكشتاين عصرنا، واستطاعت بواسطته دفع المواجهة مع الاتحاد السوفيتي السابق إلي حافة الهاوية، فسقط،وتهاوت مع سقوطه تجربة التحديث الشيوعي بالكامل.

ويذهب الباحث إلي القول بإن هذا الوحش الأسطوري- المسمي بالإرهاب- ظل ينمو بالرغم من زعم الليبرالية بأنها في نزاع وجودي معه، وها هو يغدو بشكل يومي كما لو كان يحدد مصير العالم ومستقبله.ويمتلك هذا الوحش الآن جاذبية آسرة- مثله في ذلك مثل الفاشية والنازية- باعتباره المدافع عن الفقراء ضد قوي الهيمنة والإمبريالية، بعدما اتخذت هذه القوي أشكالها الجديدة في ظل الانفتاح الاقتصادي بحيث انتظمت عولمة الإرهاب مع عولمة الاقتصاد.

 ويؤكد أحمد فاروق أن نظرة فاحصة علي هذا السطح المضطرب لعالمنا ستخبرنا العكس: فالإرهاب الذي تجدد به الليبرلية نفسها هذه الأيام، أصبح رأس الحربة في الموجة الجديدة من موجات الليبرالية للسيطرة علي العالم! وهى سيطرة تتم انطلاقا من العقيدة الليبرالية في السيطرة علي الطبيعة، وبالتالي تنظر للعالم باعتباره جزءا من الطبيعة يجب غزوه والسيطرة عليه لإنجاز مشروع الحداثة الأصلي،كما شكلته الفلسفة السياسية الليبرالية بداية من ميكافيللي وحتي جون ستيورات مل في القرن التاسع عشر.

ويمضي قائلا : بهذه الطريقة يعمل الإرهاب المعولم جنبا إلي جنب مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمجتمع المدني العالمي والأمم المتحدة لفرض قواعد اللعبة الليبرالية علي العالم بدموية كاسحة،وخبث مدمر، يدفع المرء إلي التساؤل: هل تستحق الحماسة لنشر طريقة الحياة الليبرالية الحديثة، كل هذا الثمن الباهظ من أرواح بشرية ومقدراتهم الطبيعية؟ وهل البشرية حقا في حاجة ماسة إلي الديموقراطية الليبرالية كي تزدهر وتغدو قادرة علي الاستمرار والتطور؟ فعندما تنتصر الليبرالية وقيمها في عصر الإرهاب- في معركة القلوب والعقول- علي هذا النحو المذهل يجب علينا التوقف أمام هذه الحماسة التي تضحي بحياة ملايين البشر دون أن تذرف دمعة واحدة، لكي نعرف ما إذا كانت تستحق فعلا كل هذه التضحيات. ولعل سبيلنا للقيام بذلك هو البدء من البداية، بمعني أنه يجب علينا الانطلاق في تحليل نقدي واسع وكامل لليبرالية بداية من ميكافيللي حتي نتمكن من فهم طبيعة الحداثة السياسية،وكيف تشكلت، وما هي رهاناتها الإنسانية والغايات التي تسعي إليها من خلال المشروع الحديث.

من الطبيعي أن تكون قدرتنا علي التساؤل بشكل نقدي خافته، خاصة وأن كل الزخم الإنساني اليوم متمركز حول الليبرالية، لكن شخصا ما يجب عليه أن يبدأ هذا العمل، وأن يشرع في التناول النقدي لليبرالية كفلسفة سياسية عصرية في عصر الإرهاب. وأن يواصل العمل في هذا الطريق حتي نتمكن من الخروج الطوعي من الدائرة الليبرالية، الدائرة الليبرالية في عصر الإرهاب، لأن الخروج الطوعي أو الارادي من هذه الدائرة، ربما يكسبنا القدرة علي التعامل بعقلانية مع مستقبل يبدو فارغا ومجهولا الآن، خصوصا وأن الليبرالية مع الحماسة الملازمة لها مازالا يلقيان بظلالهما المقيتة علي قدرات البشر في استشراف المستقبل: مستقبل الاجتماع الإنساني وسياساته المدنية في عصر الإرهاب. ونحن وقد صرنا نعرف الآن ما يعوقنا عن القيام بعملنا: إنها الحماسة التي تثيرها في نفوسنا الليبرالية وحروبها من أجل السيادة والتملك. فها نحن نتحرر كل يوم من وضعية المشاهد والمتفرج علي هذه الصراعات والحروب ونعيشها بوصفها واقع يومي مرير من وقائع حياتنا وعالمنا في عصر الإرهاب.والذي يضربنا بعنف يكاد يكون مطلقا.

من هنا سيكون لزاما علينا أن نستوعب كل الدروس المعاشة داخل تجربة الحياة الليبرالية في عصر الإرهاب. فالإرهاب كما تدلنا كتب التاريخ الحديث والمعاصر،وخاصة تاريخ الفلسفة السياسية الحديثة، ولد مع الليبرالية ونشأ في حضن محاولاتها من أجل فرض الهيمنة والسيطرة علي البشرية عبر الحروب والنزاعات المسلحة.

ولعل كتاب الدكتور أحمد فاروق يعطينا الفرصة نحو قراءة هذا السفر الكبير لليبرالية دراسة نقدية، قد تمكننا من الخروج من دائرتها السحرية بأساطيرها الجديدة والقديمة. وبطبيعة الحال فإن السيبل الطبيعي للدراسة هو التعليم، فالتعليم هو المخرج من تلك الدائرة التي تعيد إنتاج نفسها عبر تحكمها في الخيال الإنساني.فالتعليم وحده هو القادر علي إعادة تشكيل الخيال الإنساني.،هذا لأنه الاكتشاف الإنساني الذي صنع القدرة علي تحدي الذات من أجل تهذيبها وصقلها لكي تتكيف وتتلائم مع الحياة السياسية، وذلك قبل أن تولد الحياة السياسية وتسود وتصبح جزءا أصيلا من الشروط الإنسانية العامة.

فالتعليم في هذا السياق،وليد الاهتمام بالذات، وشرط الاهتمام بالذات هو الاجتماع الإنساني: الاجتماع الإنساني بما هو اجتماع سياسي. وضرورة بوصفه اجتماعا سياسيا، واحد من المسلمات الكبري للحياة الإنسانية، وهي ضرورة لم تعد بحاجة للبرهنة عليها في عصر يمتلك الإنسان فيه كل مقومات الحياة الفردية التي من المفترض أن تغنيه عن الحياة السياسية والاجتماعية، لكنه لم يفعل وربما لن يفعل إلا إذا تحول ولم يعد انسانيا.

ولذلك تعاود قضية التعليم الصعود إلي مسرح الأحداث في وقت الأزمة، وهذا ببساطة يرجع إلي أن التعليم هو سيبل الإنسان للخروج من أزمته. هذا ما تخبرنا به الخبرة الإنسانية قديما وحديثا: عليك بالتعليم إذا أردت أن تتجاوز المحنة التي تتعرض لها الحياة السياسية والاجتماعية.

ولا يهم هنا مصدر المشكلات ولا طبيعتها ولا حجمها ولا حتي مدي عمقها وتجذرها في البنية السياسية والاجتماعية. فسوف تكون لدينا القدرة علي تشخيص حاضرنا- هكذا تدلنا الخبرة الإنسانية- ولكن بشرط واحد فقط وهو أن نبدأ في الحال التخطيط والتنفيذ الجاد لبرامج هدفها هو التعليم.خصوصا وأن التعليم هو السبيل الذي سلكته البشرية لكي تنتقل من الشفاهية إلى الكتابة: التعليم هو الذي أدخل البشرية حضارة الكتابة. وبذلك التحول أصبحت الكتابة هي المدخل لمناقشة وتسجيل كل أطياف الخيال الإنساني، تلك الخبرات التي نتجت عن انخراط الإنسان في تجربة الاجتماع السياسي.

ومن أبرز ما يسجله هذا الكتاب حول تجارب الاجتماع السياسي الإنساني هو أن الطغيان،إضافة إلي استغلال بعض المشاركين في هذه التجارب للحاجات المشروعة في تسويغ الطغيان والدفاع عنه بتبريرات مضحكة. وهكذا تأحذ الكتابة علي عاتقها منذ نشأتها وحتي اللحظة،مهمة تقويض الطغيان والاستبداد عن طريق فضح أكاذيبه من ناحية،وتقديم بدائل جديدة عن صور الحياة السياسية والاجتماعية التى بمقدورها مساعدة الإنسان في البحث عن الكمال وتحصيل السعادة داخل الاجتماع السياسي من ناحية أخري .فقد كانت الكتابة –ومازالت- منذ نشأتها هي السبيل إلي التنوير، والتنوير هو الطريق للحياة الكريمة.

وربما يكون البحث عن الكمال عن طريق التعليم هو سبيل البشرية نحو الخروج من الدائرة السحرية لليبرالية، الدائرة السحرية التي خرجت منها النزعات الظلامية المتعصبة، فالدائرة كظلها تكره الكتابة والقراءة والتنوير، وتكره كذلك بحث الإنسان عن الكمال .

وفي كل الأحوال يعتقد المفكر المصري أحمد فاروق أن أسباب هذه الكراهية تعود إلي الظن المخادع بأنها – أي الليبرالية الغربية - قد وجدت الكمال وحققته، وأنه علي البشر، كل البشر دون استثناء، إتباع البرنامج الليبرالي لكي يصلوا إليه، إنها تجربة تنتهي لتتحول إلي عقيدة جامدة لا تمتلك القدرة علي فعل أي شئ آخر غير أن تفرض كينونتها بالقوة والإرهاب علي جدول أعمال الاجتماع السياسي الإنساني.

 

بقلم: عبد السلام فاروق

مدير تحرير جريدة الأهرام المسائي