abdulhusan salehaltaiاطلعنا في الحلقة الأولى على الآثار الإبداعية للدكتور حسن البياتي في كتابه (مقدمات وإشارات تعريفية بآثار إبداعية ومعرفية)، الذي صدر حديثاً في بيروت من دار الفارابي. والحلقة الثانية مخصصة للآثار المعرفية، بدأها شاعرنا ببحث مطول لموضوع في غاية الأهمية، بعنوان: (مواقف مناوئة للحرب في الشعر الجاهلي)، نُشر في مجلة الجامعة الصادرة في جامعة البصرة 1969. جوهره يكمن في رصد الصور المغايرة لما هو متعارف عليه في العصر الجاهلي بأن العرب أمة حرب، فالبحث فيه اطلالة لبعض مآثر الشعر الجاهلي الرافض لمآسي الحروب ونتائجها البشعة، والدعوة إلى حقن الدماء، وإشاعة السلم الاجتماعي. وتناول البحث الدوافع الرئيسية للتناحر بين القبائل والمشاحنات التي تتوج بالغزو والاعتداء على الغير. واشار البياتي إلى الكثير من المواقف الداعية إلى التريث وتجاوز الخلافات بوسائل أخرى غير الحرب.

وأعقب هذا البحث القيم بدراسة معمقة لمخطوطة عربية نادرة، ذات قيمة تاريخية، معتمدة على مصادر متنوعة موثوقة وبهوامش توضيحية. هذه المخطوطة محفوظة في خزانة المخطوطات بمكتبة لينيغراد العامة، وهي تضم أربع قصائد ومقدمة على شكل رسالة، تحكي قصة الحصار الذي فرضه الجيش الايراني الغازي على مدينة البصرة، وما قام به من ممارسات لا انسانية، قابلها سكان المدينة بالشجاعة والصمود. هذه الرسالة موجهة إلى أحد الفرنسيين (المسيو اوتير)، الذي عاش في البصرة لفترة من الزمان، وتمكن من فهم اللغة العربية وتذوق شعرها، وبعدها رجع إلى فرنسا، والرسالة مذيلة  بتوقيع مرسلها (الملا سرحان كاتب)، أحد عامة الشعب الذي ربما كانت تربطه بالمسيو اوتيرعلاقة صداقة. والقصائد الأربع بخط الملا سرحان، القصيدة الأولى فقط باللهجة الشعبية (العامية)، وهي تمثل قيمة استثنائية، للمهتمين بالتراث الشعبي واسلوب الكتابة باللهجة العامية.

تبحر البياتي في دراسة أجواء القصيدة الثانية التي تناولت بعض أحداث مجتمعنا العراقي إبان السيطرة العثمانية، في مرحلة تفسخ النظام الإقطاعي، على أثر الأزمة الحادة التي واجهتها السلطنة منذ أواخر القرن السابع عشر، وتصاعدت في القرن الثامن عشر في كافة المجالات، نتج عنها انسلاخ معظم الأقاليم العربية عن السلطان التركي، مكونة أسراً إقطاعية حاكمة. وكذلك اشار شاعرنا إلى طبيعة النتاج الأدبي والفني وأثره على وجهات نظر طبقات مختلفة لتلك المرحلة، ولاسيما الذي يمجد السلطة، باعتباره يمثل جزءاً من البناء الفوقي للنظام. وعلق على رؤية شاعر القصيدة النابعة من مصالحه المرتبطة بالطبقة الاقطاعية للسلطة العثمانية، ومدى تعارضها مع ثقافة الطبقات والفئات المستعبدة.

وضمن اهتمامات شاعرنا، البحث عن كنوز المعرفة التي قام بها البعض من المستشرقين، عثر على بحث فولكلوي بعنوان: (قصتان مجهولتان من التراث الشعبي العربي في القرون الوسطى)، للمستشرق السوفيتي (فيكتور ليبيديف)، المعروف باهتمامه بتراثنا الشعبي العريق، حيث تمكن من نشر عشرين بحثاً باللغة الروسية، أغلبها في مجال التراث الشعبي العربي. كتب شاعرنا مقدمة مختصرة وتعليقات ضرورية على بعض ما جاء في صلب البحث وهوامشه من مصادر متعددة، أعطت للبحث نكهة جديدة جاذبة، ونُشِر في مجلة كلية التربية – جامعة البصرة 1979. كان القسم الأول من البحث مخصصاً للقصة التراثية (طلحة وتحفة)، وغطى القسم الثاني أثراً آخر من تراثنا الشعبي المجهول قصة (الوليد وسلمى)، وهي من قصص الحب في أدبنا العربي، بطلاها الخليفة الأموي الوليد بن يزيد وزوجته الثانية سلمى.

وبنفس الإطار وللمؤلف نفسه، ترجم البياتي بحثاً فلوكلورياً آخر: (قصتان مجهولتان من التراث الشعبي العربي في القرون الوسطى). نشره في مجلة التراث الشعبي في بغداد سنة 1988. يتألف البحث من قسمين، الأول يتكون من مقدمة في فن القصص الغرامي في أدبنا العربي وغيره من آداب الشعوب الأخرى – أنواعه وخصائص كل منها. أما الثاني فيتناول دراسة وتحليل قصتين من قصص الحب في تراثنا الأدبي المخطوط. أثبت شاعرنا بأن القصتين ليستا مجهولتين تماماً، وأكد بأن البحث يظل محتفظاً بأهميته الكبيرة، لما فيه من معطيات طريفة تتعلق بجوانب مهمة من تراثنا الشعبي.

واهتم البياتي بترجمة دراسة فولكلورية أخرى تحمل ذات الاهتمام بالموروث الشعبي العربي، لذات المستشرق بعنوان: (أثر الموروث الشعبي للجنوب العربي في ألف ليلة وليلة)، نشرتها دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد 1989.

وترجم البياتي فصلاً خاصاً بالحرب العالمية الثانية، استقاه من كتاب عنوانه (نثر الشباب)، تأليف الدكتور (فلاديمير بوبوريكين)، تناول فيه جوانب إبداعية نثرية من النتاج القصصي لمجموعة من الأدباء الشباب، يحمل موضوعات متنوعة مثل: الحرب، المدينة، القرية وغيرها من الأمور الحياتية. تمكن شاعرنا من نشره في مجلة الطليعة الأدبية في بغداد 1987.

وخطى البياتي خطوات جادة في التعريف بالأجناس الأدبية والمعرفية المتنوعة، حيث قام بدراسة نادرة لتطور الأدب الفليبيني منذ نشوئه. هذه الدراسة من تأليف: (أ. سانتوس)، ترجمها من الروسية، ونشرها في كتاب الثقافة الأجنبية 1987. كان الأدب الفليبيني القديم يحمل معالم التأثر بالثقافة الهندو – جاوية، ومن بعد بالثقافة الإسلامية، هاتان الثقافتان قد تسربتا من خلال المناطق الأندونيسية في الفترة الواقعة ما بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر للميلاد. واستمرت السيطرة الإسبانية مدة تزيد على ثلاثة قرون، تركت أثرها العميق، ليس في الأدب فقط بل بكل مناحي الحياة الثقافية لسكان جزر الفليبين. وعندما حل المستعمرون الأميركيون، تأثر الأدب الفليبيني تأثراً بالغاً بالأدب الأميركي، ورغم استقلال الفليبين عام 1946، إلا أن الكثير من الآثار الفليبينة كُتب باللغة الإنكليزية، بالإضافة إلى اللغات الأساسية الأخرى في جزر الفليبين.

وفي دراسة أدبية أخرى ترجمة لكتاب (الأدب الآسامي)، من تأليف الأديب الهندي (بيرنجي كومار باروا)، نشرها البياتي في بغداد عام 1988. كان شاعرنا أميناً في نقل محتويات الكتاب رغم تصرفه بالجانب الشكلي. وقد بذل جهوداً كبيرة في تقديم جملة من التعليقات والايضاحات معتمداً على مصادر ومراجع مختلفة.

وفي نهاية القسم الثاني قدم البياتي ملخصاً لاصداراته الأخيرة (رسائل ثقافية متبادلة بيني وبين ...)، و(كتبوا عني .. وكتبن)، وكتاب (الصرح الترجمي للدكتور علي جواد الطاهر)، المعد للنشر، ضمن السلسلة الخماسية التي تحمل مادة تاريخية تسجيلية تغطي مراحل حياة ونشاط شاعرنا على الساحة الإبداعية والثقافية منذ المراحل الأولى التي خاض غمارها، منذ مستهل النصف الثاني من القرن الماضي، حيث تضاربت أو تقاربت بها الآراء في مختلف مناحي الحياة الأدبية والسياسية والاجتماعية والنضالية بين المؤلف ومريديه من جهة ومناوئيه من جهة أخرى.

 

د. عبدالحسين صالح الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

       

1034 anisإن التلخيص عملية ليست بالأمر الهين، كما يبدو للكثير وإنما على العكس من ذلك تماما؛ فهي عملية قي غاية التعقيد، تتطلب كثيرا من المهارة مما يكسبها أهميتها وفعاليتها، ذلك أن التلخيص يسمح للباحث عموما أن يستجمع تلك التفاصيل التي قيلت، والتي تعرض في ذلك النص الهدف، فيعمل على تلخيصها تلخيصا يكون مفيدا، وكأنه يقلل من كم النص دون أن يفقده جودته ودون أن يشوه معانيه.

فكيف يا ترى سيكون تلخيص هذا الكتاب الذي بين أيدينا؟

إن تلخيص كتاب بأكمله يستدعي مجموعة من الآليات والميكانيزمات، التي تسعف في الإلمام بأهم ما جاء فيه من أفكار وقضايا.

إن كتاب الدكتور "أنيس فريحه" "اللهجات وأسلوب دراستها" قد قسمه إلى ثلاثة أقسام كبيرة تتضمن فصولا عديدة، استهلها بمقدمتين اثنتين:

كانت الأولى للكاتب "ساطع الحصري" الذي شرع من خلالها، في إبراز أهم المشاكل التي تثيرها "قضية الفصحى والعامية " لدى اللغويين وأهل الفكر بالبلدان العربية.

كما تطرق أيضا، إلى فكرة فحواها أن العالم العربي في حاجة ماسة إلى لغة موحدة "موحدة" تجمع بين الفصحى والعامية وتكوين ما يصطلح عليه بفصحى متوسطة، وذلك لتذليل الصعوبات التي تحول دون ملامسة الهدف المنشود، والمتمثل في خلق "لغة التخاطب" ترضي جميع الأطراف.

ولهذا، نرى الباحث يدعو إلى ضرورة العمل بجد، وعدم التقاعس وإهمال الأبحاث اللغوية بدعوة الاكتفاء باللغة الفصحى.

وبالموازاة مع ذلك، ثمن الدكتور أنيس فريحه "في مقدمة الكتاب" الثانية" ما جاء به زميله "ساطع الحضري" إذ حث ـ هو الآخر ـ على تجاوز تلك النظرة التقليدية المكسوة بالعاطفة للغة، ودعا إلى الالتزام بنظرة مؤسساتية للغة تخضع للموضوعية العلمية.

القسم الأول: في اللغة

لقد هدف الكاتب من خلال هذا القسم الذي استهل به دراسته إلى إعطائنا لمحة تاريخية عن اللغة العربية ومسارات تشكلها بشكل مقتضب وموجز، بالرغم من ندرة المصادر والوثائق السابقة لعصر التدوين.

فاللغة العربية كما يرى "أنيس فريحه" تتصف بمجموعة من الصفات أهلتها أن تكون لغة رقي وتحضر، أجملها فيما يلي:

- غنى المفردات.

- قدرة على التصعيد.

- إمكانات في الاشتقاق عديد.

- مبدأ القياس والترعيب.

وهذه العوامل في رأي الباحث دفعت باللغة إلى تبوء مكانة مرموقة في العصور المتوسطة.

وجملة القول إن اللغة رغم حيازتها لكل هذه العوامل البناءة إلى أنها لم تبرح مكانها ـ للأسف ـ وظلت غير قادرة على مسايرة الزمن الحالي، وهذا ما ستفاض في تفصيله ورصده الكاتب حين قال:" بأن مشكلتنا اللغوية هي مشكلة كل شعب مزدوج اللغة.. !!

وهذا ما سيسمح لنا باستثمار ما قيل لحصر بعض مشاكل اللغة العربية التي جاءت على لسان "أنيس فريحه" والتي لخصها في التالي:

- وجود لغتين مختلفتين عامية وفصحى.

- تقيد الفصحى بأحكام شديدة.

- الخط العربي الخالي من الحروف المصوتة "الحركات".

- عجز العربية عن اللحاق بالعلم والفنون.

- تدوين اللغة العربية بطرق تقليدية قديمة على شاكلة مدارس الكوفة والبصرة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الازدواجية في اللغة ـ في رأي الكاتب ـ قد أعاقت وكبلت الفكر، وجعلته لأسباب يقف عند نقطة معينة دون حراك.

ويتضح طرحه هذا من خلال قوله:"..لن نحاول أن نقنع من لا يريد أن يقتنع بأن العربية عاجزة في وضعها الحالي عن التعبير..."

ومما لا شك فيه ـ حسب اعتقاد الكاتب ـ أن الفكر لن يساير الحضارة أبدا ما لم يتحرر أولا من قيود اللغة.

وعلاوة على ذلك، باشر ـ أنس فريحه ـ في معرض حديثة إلى إعطائنا تعريف للغة، بالرغم من اعترافه- أيضا- بصعوبة الأمر، نظرا لما يعتريها من تعقيد وغموض، هذا إضافة إلى إثارته لمسألة نشأة اللغة وأصلها.

ليصل بعد هذا إلى إثارة قضية ـ اللغة والعرق والعقلية ـ التي أكد بأنها شغلت جموع علماء اللغة خلال القرن التاسع عشر.

والواضح مما تقدم من حديثه في هذه القضية أن ليس هناك من لغة لها عبقرية تفوق اللغات الأخرى، وتبعا لهذه الصيغة المطروحة فليس هناك من عرق صاف خلق لغة خاصة تعكس عقليته.

ولعل هذا المستوى في رأي الباحث يحتاج إلى ما أسماه بـ"علم اللغة" الذي يروم من خلاله إلى تطبيق الأسلوب العلمي على اللغة، ذلك من خلال توخي مبدأ الموضوعية وكذا استثماره لهذا العلم للتأثير على الفرد ونظرته إلى اللغة.

ثم يتناول فيما بعد:

القسم الثاني: وعنونه بـ "نشأة اللهجة الأدبية المحكية"

إذ يتحدث فيه"أنيس فريحة"عن الأسباب الحقيقية التي جعلت من لهجة ما تسمو على لغة ما وتتبؤ الرسمية، موضحا ذلك بسرد مجموعة من الأدلة والبراهين التي تؤكد حقيقة لا مراء فيها، في أن لا فارق جوهري بين لهجة ولغة، وإنما الفارق راجع بالأساس، لسبب خارجي، ولظرف خاص أعطى الحق للغة، وسلبه من الأخرى.

ولعل ما يزكي طرحه هذا هو تطرقه لفصل عنونه "بالسلطة العليا" إذ انطلق من خلاله ليبني لنا حقائق تاريخية قد تكون السبب الخفي وراء رفع لهجة ما إلى مرتبة لغة قومية رسمية.

ولم يفته بالطبع أن يشير إلى هذه العوامل، وهي كالآتي:

- عامل عسكري سياسي

- عامل ديني

- عامل اجتماعي

وما يسترعي الانتباه حقا! في هذه النقطة هو تأكيد الباحث على أن كل هذه العوامل السلطوية تبقى غير فاعلة، وغير متعرف بها في سياق أسماه بعلم اللغة.

على اعتبار أن هذا العلم –حسب قوله- لا يعترف بسلطة عليا في اللغة غير سلطة الشعب.

ثم يتناول بالدرس بعد ذلك "نشأة اللغة" إذ يطلعنا من خلاله على أن العرب القدامى، لم يشيروا إلى اللهجات العربية، إلا إشارات عابرة، ولكنهم –في رأيه- لم يجيبوا عن السؤال الإشكال:كيف نشأت هذه اللهجات؟ كما أنهم لم يعيروا كبير اهتمام لدراستها و مدارستها.

لينتقل بعد ذلك، إلى الخطى المراد إتباعها لدراسة هذه اللهجات، وفي نفس الوقت يرد بالنفي القاطع على أن الرأي القائل:"أن نشوء اللهجات مرده إلى خروج العربية عن موطنها الأصلي، واحتكاكها بلغات أخرى، رأي مغلوط بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وبناء عليه يدعو "أنيس فريحة" إلى التروي في إصدار مثل هذه الأحكام المتسرعة، ويوصى بالتفتيش بشكل دقيق عن الأسباب الكامنة وراء نشوء اللهجة.

ووفقا لهذا التصور، يرجع الباحث مسألة نشوء اللهجة إلى ثلاثة عوامل هي كالأتي:

- المغايرة الفردية.

- إتباع الرقعة الجغرافية.

- احتكاك لغة بأخرى.

ويتابع "الباحث" حديثه في الفصل الموالي عن العامية كلغة قائمة بذاتها إذ يذهب من خلال هذا الفصل، إلى توضيح أن مسألة تقديم تعريف للعامية باعتبارها لغة قائمة الذات، أمر غير مستحب، نظرا لاعتقاد الناس الراسخ إلى أن العامية هي تجسيد للركاكة والرطانة والانحطاط، وهذا ما تأكد فعلا في مؤتمر الأدباء العرب، الذي انعقد ببيت مري أيلول 1954 إذا انبرى الجميع – كما جاء على لسان الكاتب- إلى الدفاع عن الفصحى ومهاجمة العامية.

وأيا كان الهدف المتوخى، من وراء مهاجمة العامية، فالكاتب لم يتراجع من الدفاع عن قضية أن العامية لغة قائمة بذاتها، إذ استعان في تثمين طرحه إلى استغلال الدليل السيكولوجي الذي يوضح بجلاء أن العامية جزء من الحياة، وتعبير عن اليومي بسلاسة ورخاء، وما يعلل ذلك قوله" .... يشعر عامة العرب أن لغتهم هي اللغة المحلية، وان الفصحى لغة رسمية، فهم لا يشعرون أنها جزء من حياتهم بل إنهم إذ تكلموا أو غنوا أو غضبوا... فإن اللغة التي يعبرون بها عن هذا كله إنما هي العامية".

أما فيما يتعلق بالتصور الثاني القابل بأن "العامية لغة حية ومتطورة"، فالكاتب بادر إلى ذكر بعض الظواهر اللغوية التي يحسبها تقدما وتطورا منها:

فقدان الإعراب: إذ ركز فيه على الطرح القائل:" بأن الإعراب لا يتلاءم والحضارة وبأنه:" زخرفة لا قيمة له في الفهم والإفهام " مؤكدا ذلك بسرد مجموعة من الاستشهادات للغويين على رأسهم، ابن خلدون في كتاب المقدمة ( ص 808- 811)، وابن قزمان الأندلس. ولعل السبب الآخر في تلافي استعمال الإعراب هو معارضة "أنيس فريحه" لفرض لغة تاريخية لا تساير في رأيه تطلعات هذا الجيل، وكذا اعتراضه على المبدأ القائل بأن:" قوانين اللغة من صرف ونحو وأساليب لا تتغير ولا تتبدل، فالباحث إذن يؤكد ميله إلى سقوط الإعراب عن اللغة.

• التطور الصرفي والنحوي: ويتضح هذا التطور من خلال اقتصار العربية المحكية على عدد قليل من الضمائر، وتصريف الفعل.....مما يمثل تطورا ملفتا وتقدما منشودا يتماشى مع الحياة، وقد مثل لذلك "بفكرة الزمن في الفعل".

• خضوع العامية لنواميس لغوية طبيعية:إن من بين أهم هذه النواميس التي توضح حيوية العامية وتطورها مع الحياة امتيازها بمبدأ الاقتصاد في اللغة.

• الاهتمام والاقتباس والتحديد في المعنى:إن حرص العامية على تحديد المعنى، وإهمال ما يجب إهماله، واقتباس ما يجب اقتباسه، واقتصارها على معنى واحد لا دليل على تحررها من القيود وانعتاقها من وطأة التقليد"في نظر الباحث".

• العنصر الإنساني في العامية يضفي عليها مسحة من الحياة: ونرصد هذا من خلال قول الكاتب:"....فإنك لا تستطيع أن تقول بالفصحى، ما تقوله بالعامية، وإذا نقلته إلى الفصحى أتى جافا قاسيا....." .

وخلاصة القول: إن العامية و من خلال ما وضحه" أنيس فريحه" تبقى لغة قائمة بذاتها، ولغة حية متطورة ونامية، تتميز بمجموعة من الصفات التي بوأتها مكانة وغنى.

القسم الثالث: "اللهجة وأسلوب دراستها"

ينتقل الكاتب في هذا القسم الأخير إلى الحديث عن فوائد دراسة اللهجات الإقليمية من باب أن في العامية مظاهر لغوية، صرفية ومعجمية، في حاجة إلى المدارسة، على اعتبار أن في دراستها إغناء اللغة الفصحة.

ثم يضيف بعد ذلك بشكل موجز بعض الشروط التي يجب توافرها لدى الباحث في دراسة اللهجة، وهي كالآتي:

- التقيد بالأسلوب إذ لا معطيات مقررة ولا نتائج مسلم بها مسبقا.

- على دارس اللهجة أن يدون اللغة ويضبط أحكامها الصوتية والتركيبية، وعليه أن يكون ملما بعلم الفونتيك .

- وضع خرائط جغرافية لتسهيل عملية تبيان الفروقات اللغوية التي تتميز بها كل بقعة عن أخرى .

ليختم الدكتور"أنيس فريحه كتابه الهام "اللهجات وأسلوب دراستها" بفصل أخير في اثر الأرامية في اللهجة اللبنانية من ناحية الأفعال والمفردات والتركيب، وبذكر نماذج من اللهجة اللبنانية شعرا ونثرا.

ونشير في الآخر، إلى أننا لم نكن نهدف إلى تحميل هذا الكتاب ما لم يستطع له عبئا. أو نقول صاحبه "أنيس فريحه" ما لم يقله، وإنما قصدنا إلى تدليل تفاصيله واستنتاج ما دلت عليه دون بخسها حقها.

 

أكثيري بوجمعة

 

wadea shamekh2تحت اشراف مباشر من قبل الإعلامية القديرة شميم رسام صدر كتابي "سجناء الفكر في العراق الحديث..أوراق نوئيل رسام من خلف قضبان الحكم الملكي .. تحقيق وتقديم وديع شامخ "، عن دار الأديب في عمان مؤخرا ... فرحتي عارمة بطباعة الكتاب الذي بذلت فيه جهدا نوعيا لانه اول تجربة لي في حقل التحقيق .. اتمنى لكم قراءة ممتعة .

وقد جاء في مقدمتي للكتاب "هذه الرسائل تمثل تقصيا مهما لحقبة سياسية تأسيسية في حياة الدولة العراقية، العهد الملكي وما رافقه من نشوء المملكة العراقية بوضعها الطائفي والديمقراطي معا، وقراءة هذه الرسائل تساعدني في الكشف عن وجهي الحياة العراقية بسلبيها وايجابيها، تتقصى الرسائل مواضيع حساسة فردية وعامة .. تمثل قراءة واعية وفاحصة لحقبة زمنية عراقية بما رافقها من ارهاصات سياسية وتاريخية محلية واقليمية وعالمية، برؤية قومية عربية وعراقية خالصة، ولعل من المفيد التوقف عنده، ان نوئيل رسام هو مسيحي ولكنه كان يفضل هويته العراقية والعربية على ايّة هوية جزئية أخرى كما جاء في دعوته الى تمثيله العراقيين جميعا في مجلس النواب يوم كان نائبا، ولا يفضل قبوله بالكوتا كمُمثل للمسيحيين / وهذا حس وطني رائع ودرس سياسي مفيد وصالح في كل عصر توجد فيها احتقانات سياسية وطائفية كما يمر العراق اليوم " 2014" بهذه العاصفة ..

أود ان أشكر السيدة الإعلامية القديرة شميم رسام والسيد غسان نوئيل رسام على جرأتهما ورغبتهما في نشر هذه الرسائل دون حذف او تغيير أو إضافة لكيما تقدم الرسائل نفسها وكاتبها وظروفها بكل مصداقية وموضوعية وأمانة تاريخية ..

1033 wadeeولعل نشر هذه الرسائل في كتاب مستقل وهي محاولة تأسيسية في هذا الباب - حسب علمي -، سوف يفتح الباب واسعا لنشر انماط من رسائل مختلفة في حقول الادب والسياسية وغيرها، وفي حقب تاريخية مختلفة ومن زوايا نظر متباينة، لتكون معينا للباحثين عن التقصي لدراسة الظواهر السياسية والتاريخية والجغرافية والادبية .. الخ، لان الرسائل تمثل بوحاً مهما ومصدرا ثراً للمعلومة ببعدها الشخصي والعام .

إن إضاءتنا في المقدمة لانواع الرسائل ومنابعها ومصادرها وسماتها الشكلية والمضمونية، إنما تشكل خطوة لبحث الترابط في البوح الانساني من زوايا مختلفة وفي حقول متباينة، ولكن المشترك الوحيد فيها هو الانسان باثا او متلقيا أكان فردا أو مؤسسة .

ولقد أفدنا من مصادر كثيرة ومتنوعة في هذا المجال كانت سبيلنا الى كشف مغاليقها وتقديمها للقاريء الكريم،ومن هذه المصادر ما استخدمناه حرفيا بنقل المعلومة، او ما حفّزنا الى الغور في حقول ورسائل أخرى .ومهما كانت درجة الإفادة أوالاقتباس أوالإيحاء، فأنني لابد أن أكون أمينا على إدراج المصادر التي إغترفنا منها سواء أكانت مصادر ورقية أم الكترونية، وأعتذر أن لم أذكر مصدر ما قد استفدت منه ربما لتشابه المعلومة في أكثر من مقام، فأكون قد إخترت أقربها مني تناولا واقعيا، أعني توفر المادة في مصدر إقتنيته عمليا دون غيره من المصادر الموجودة والتي لم أحصل عليها .

تركت الرسائل - موضوع كتابنا – تتحدث عن نفسها بتلقائية كاتبها ولحظة كتابتها، بكل هفواتها النحوية والإسلوبية والإملائية، لكي نعطي صورة حقيقية عن الكاتب ونرصد دفقه العاطفي والفكري والتاريخي بحسب لحظة تلك الرسائل ..ولاشك أن الكاتب رجل مثقف وصحافي مقتدر ولكن قيمة ومتعة قراءة دفقه الأول تكمن بهذه الهفوات، لانها قيمة تاريخية وليس بنقص هو قادر على تجاوزه لو كانت الرسائل قد كتبت بغير تلك الأوضاع التي يمرّ بها آنذاك ."

 .

 

1031 ayshجميل أن يأتي باحث كندي فيكتشف أن عبد الحميد ابن باديس هو زعيم القومية الجزائرية ومفكر الإصلاح، وفي هذه القراءة المختصرة معلومات قيمة جدا عن الإمام عبد الحميد ابن باديس أوردها الباحث الكندي "أندري ديرليك" في كتابه بعنوان: "عبد الحميد ابن باديس مفكر الإصلاح وزعيم القومية الجزائرية"، قدمه وترجمه مازن بن صلاح مطبقاني، وهو كتاب يكشف فيه صاحبه تأثر بن باديس بالفكر الأصولي في مصر، وكيف نشأت "المعارضة" داخل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، مبرزا كذلك أهمية علم الاجتماع الإسلامي في نبذ الانقسام الطائفي في الجزائر، وتحديد مفهوم الإيديولوجية الاجتماعية الإسلامية  لبناء مجتمع فوق قواعد أقرها الدين

فكتاب أندري ديرليك هو رسالة دكتوراه قدمها الباحث من معهد الدراسات الإسلامية جامعة ماك غيل McGill مونتريال كندا في مارس 1971  وترجمها وقدمها مازن بن صلاح مطبقاني ونشرت الترجمة عن عالم ألأفكار في طبعتها الأولى لسنة 2013  يأتي قبل صدور كتاب الدكتور عبد الله حمادي الذي تحت عنوان ابن باديس سيرة ومسيرة صدرت طبعته الأولى في 2017، لاسيما والباحثان تكلما عن العائلة الباديسية، وكانت لكل واحد منهما رؤية خاصة، ولعل البعض اطلع على ما جاء به الدكتور عبد الله حمادي، ولذا لا يسمح المجال لإعادة ما كتبه هو، من اجل التركيز على ما كشفه الباحث الكندي أندري ديرليك من حقائق حول عائلة عبد الحميد ابن باديس، فمن مدينة قسنطينة العريقة انطلقت شرارة حركة ابن باديس، ولو لم يكن لعائلة ابن باديس تلك المكانة الخاصة لما تمكن ابن باديس من الإنطلاقة في حركته العلمية، ولما تمكن من الإنتقال إلى الزيتونة لتلقي العلم هناك، ولما أمكنه من نشر مشروعه الإصلاحي وإحداث التغيير في المجتمع المسلم، بعدما استبدل الإستعمار الفرنسي المؤسسات التي اعتمدت على مبادئ الدين بتلك التي استعيرت من" الفرنجة"، في ظل الصراع الذي كان قائما وما يزال بين التقليديين والتحديثيين وموقف الإصلاحيين من هذين الإتجاهين، لإعادة بناء ظهور فكرة الإصلاح كرد فعل  في وجه التحديث، وإعادة الإعتبار للإسلام في الجزائر.

وكما جاء في الصفحة 140 من كتاب أندري ديرليك، فقد وافق "القبّان" بن باديس (محمد كحّول)  الجد الأعلى لعبد الحميد بن باديس على الخدمة تحت ظل الحكم الفرنسي في جماعة المدينة عام 1838 وعام 1848 عندما استبدل حاكم قسنطينة الأهلي بأول رئيس بلدية فرنسي،  واستمر محمد كحول مستشارا بلديا، وتم تثبيت ابنه المكّي بن باديس، جد عبد الحميد بن باديس في منصب قاضي مقاطعة قسنطينة، واختير القاضي فيما بعد ليتحدث عن شرق الجزائر أمام لجنة لُوهُونْ للتحقيق Le Hon،  وتمتع المكي بن باديس مثل أبيه بثقة مكتب شؤون الأهالي، وبعد وفاة محمد كحول استمرا حميدة بن باديس عمّ عبد الحميد ومصطفى بن باديس والد عبد الحميد في خدمة فرنسا، وقد كوّن حميدة تكوين العلماء وعين قاضيا لمدينة قسنطينة، أما والد بن باديس فقد اختار التجارة فزادت ثروته على ثروة أسرته، ليتم تعيينه مندوبا ماليا عن قسنطينة في عام 1902،   ثم منحه وسام الشرف في عام 1919، إلى أن نال لقب الآغا في عام 1929 مقابل خدماته لفرنسا، وفي عام 1933 أصبح مصطفى بن باديس باش آغا المدينة، ومات وهو خادم لفرنسا، أما عن عبد الحميد بن باديس فقد ترعرع  في بيت بن جلول وتولت أمه تعليمه، بعدها سلم للشيخ محمد بن مالوس (المدّاسي) العالم الكبير الذي كان مسيده (مدرسته) خلف مسجد سيدي لخضر المخصص لبناء الأثرياء، ولما أصبح الوجود الأوروبي في قسنطينة جليا  عند بداية القرن العشرين، بدأ المستوطنون يؤثرون تدريجيا في حياة السكّان الجزائريين، وحدث تغير في المدينة.

وكان هذا التغير قد أقلق الإمام عبد الحميد ابن باديس، فكان كلما مر من أمام القلعة الحفصية التي كانت تحمي المدينة إلا وتذكر معركة " لابريش" la breche التي شهدت الكولونيل كومْبَسْ combes يضرب مدينة قسنطينة عام 1838 وكانت عيناه ما تنفكان تلمحان مسجد الباي الذي أصبح كاتدرائية المدينة، لكن والده أراد إبعاده فدبر  له فكرة السفر الى تونس لمواصلة تعليمه، وهناك ارتبط ابن باديس بالسلفية، حيث كانت تتواجد مدارس كثيرة هناك، وتعتبر المدرسة الصادقية من ابرز المدارس في تونس إلى جانب المدرسة الخلدونية التي عرفت بميولها للسلفية، وقد وفرت في مكتبتها مؤلفات حول الأصولية، وفي هذه المدرسة بالذات اكتشف ابن باديس الأصولية، التي أكد أعضاؤها ولاءهم لأفكار العروة الوثقى، في الوقت الذي شهدت الساحة التونسية صراعا كاد أن يكون دمويا بين  السلفية التونسية وعلماء الزيتونة التي كما قال المؤرخ غرقوا في العقيدة الخاطئة والجهل بتركهم القرآن واتباعهم مواعظ وتعاليم التيجانية، في الوقت نفسه كان ابن باديس أكثر تأثرا بالإباضيين.

وقد شهدت تنقلات ابن باديس من بلد لآخر واحتكاكه بالمجتمع الإباضي تغيرا،  ووقفت عائلته على هذا التغير في سلوكاته الغريبة، حيث صار يعيش حياة الزهد، ولولا حادثة مسجد سيدي لخضر لما عرفه الجمهور، لقد كان عبد الحميد ابن باديس خطيب هذا المسجد يلقي فيه المواعظ ويقدم محاضراته، غير أنه واجه صراعا داخل هذا المسجد عندما أمر مفتي المدينة الشيخ المولود بن الموهوب  بطرده من المسجد، لسبب واحد وهو الخلافات التي كانت بينه وبين مصطفى بن باديس والد ابن باديس، وقد عدها مصطفى بن باديس إهانة لعائلته، فكان عليه أن يحول ابنه إلى مسجد سيدي قموش، وهو مسجد العائلة، وكان هذه المرة الأولى التي يدرس فيها الإسلام خارج المدارس الرسمية التي تسيطر عليها الدولة، تجدر الإشارة أن أول مدرسة أسسها عبد الحميد بن باديس هي المدرس الباديسية الكائن مقرها بشارع ألكسيس لامبرت  Alexis Lambert، وكان منهجه إصلاحيا في الباديسية، ومن هنا نشبت الحرب الكلامية بين ابن باديس ومفتي المدينة المولود بن الموهوب، فكانت سببا في بداية تشتت الجزائريين وتفرقتهم، وانحراف الشباب عن المنهج الرباني، خاصة وأن ابن باديس كان أكثر تواصلا بالعلماء الإباضيين والزوايا والصوفيين الذين كانون من مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومنهم أحمد بن عليوة  رئيس الطريقة العلاوية،  والشيخ قاسم شيخ الطريقة الرحمانية ومفتي الحنفية والمالكية في الجزائر وشيوخ الإباضية، وتوفيق المدني، الطيب العقبي، امبارك الميلي، والعربي التبسي والأمين العمودي، الذين عرفوا فيما بعد بالعلماء غير الرسميين.

ولعل ظهور المعارضة داخل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين برزت أنيابها مع بداية 1932 حينما تعرضعضو في اللجنة تاسيس جمعية  عمر اسماعيل رئيس اللجنة الدائمة والصديق الحميم للشيخ أحمد بن عليوة للطرد من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لمعارضته الصريحة لرئيس الجمعية عبد الحميد بن باديس، واقترح محمد الحافظي عضو آخر في اللجنة تأسيس  جمعية جديدة للجزائريين "السُنّة"، وانسحب 500 عضو  من جمعية العلماء المسلمين والتحقوا بالمعارضة، ومن هنا انفجر الجدال حول الإسلام الصّحيح وفشل مشروع التعايش بين الإصلاحيون والتقليديون،و تعمقت الهوة عندما اقترح البشير الإبراهيمي  تشكيل حزب "الإصلاحيين" لتطهير الإسلام في الجزائر من بدعه، وهو ما يوحي أنه وقعت خلافات بين بن باديس والإبراهيمي، ثم اتهام ايطب العقبي الشيخ بن عليوة بالشرك،مما أجبر بن باديس على إعادة مراجعة مواقفه، خاصة وأن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كانت في نظر والي الجزائر العاصمة ( ميشال) تشكل تهديدا للقانون والنظام في الجزائر، حيث اصدر مرسمين يمنع بهما أعضاء الجمعية من استخدام المساجد الممولة من الدولة لأهداف التعليم والوعظ، فخرج الإصلاحيون إلى الشوارع والمقاهي في مظاهرات واعتقل كثير منهم، وكما جاء في الكتاب فمواقف عبد الحميد بن باديس دفعته الثمن، لدرجة انفصاله عن أبيه الباش آغا مصطفى بن باديس الذي كان ممثلا ماليا ومستشارا بلديا لقسنطينة، وغادر منزل الأسرة، كما كشف المؤلف الخلافات بين بن باديس وبن جلول الذي اتهم الطيب العقبي باغتيال المفتي، لكمن في الحقيقة وكما هو مدون فإن محاولة اغتيال عالم قسنطينة كانت مدبرة من الشرطة الفرنسية لتحطيم صورة بن باديس وأتباعه باي ثمن.ذ، كون الرجل أعلن عداءه لفرنسا وحكومتها، وعبر عن آرائه عن حول مسالة الحضارة للجزائريين وكذلك لبقية البشر.

 

قراءة علجية عيش

 

mohamadsaed samadiأدب التراجم: تشكل كتابةُ سِيَر الرجال والأعلام مساحةً عريضة جدا في نصوص التراث العربي الإسلامي، تأليفا وتذييلا وتكميلا واستدراكا؛ وبهذا اللون من ألوان الكتابة احتفظت ذاكرة العرب والمسلمين بتاريخهم وأيامهم وأعلامهم وحكامهم وإسهاماتهم والكثير من التفاصيل والجزئيات التي غطَّتها ودوَّنتها مواد التراجم. وبذلك تكون كتبُ التراجم وثائق مهمة لكل مؤرخ أراد أن يبحث مرحلة من مراحل التاريخ أو بلدا من البلدان.فأنت مثلا حينما تقرأ كتاب" أعلام مالقة"  لصاحبيْهِ ابن عسكر(ت636هـ) وابن أخته ابنِ خميس(مج تاريخ الوفاة)، تجد نفسك أمام توثيق مُشوِّق ودقيق لجوانب مهمة من تفاصيل الحياة الأندلسية بمالقة وغيرها من الحواضر التي ينتسب إليها بعض من استوطن مالقة أو مرَّ بها. جاء في طالعته:" وجمع في هذا الكتاب من سكن مالقة ودخلها أو اجتاز عليها، وجملا من أخبارهم وأدبهم ومحاسنهم ومراسلاتهم وبلاغتهم، وذكر من أخذوا عنه من فقهاء الأندلس وغيرهم" . كما أنها ــ كتب التراجم ــ حفظت الكثير من الفرائد والنوادر التي اقتنصها المترجمون من المترجم لهم أو من تلامذتهم ممن أدركوهم أو ما تحصلوا عليه من أوراقهم ومخطوطاتهم؛ وهذا مثلا الأمير الأديب أبو الوليد إسماعيل ابن الأحمر الغرناطي الفاسي (ت807هـ) الذي ألف كتابا نفيسا في أدب التراجم على عهد الدولة المرينية سماه" نثير الجمان في شعر من نظمني وإياه الزمان" وجدناه يقول بين يدي ترجمته لمن وصفه وحلاه بصاحبنا الأستاذِ النحويِّ المقرئِ عبدِ الرحمن بن علي بن صالح المكودي:"... وكنتُ قد سألته شيئا من نظْمِه، لأنشرَ رداء معرفته وفهمه. فأبطأ علي بالجواب دهرا، حتى جمع من الشعر نزرا. وكتب ذلك في أوراق، وذيَّل بكلامه الذي راق. وذكر في أول كلامه اسمي، وطرزه برسمي، لما توالى مني السؤال عليه ودؤب  الطلب مما من النظم لديه. وبعث بذلك إلي، وألقى زمامه في يديَّ، واخترت منه ما يُعْلِمُ باتساع باعه، وانطباع طباعه " .

واضح أن المعتنين بفن التراجم بذلوا جهودا مضنية لجمع مواد الترجمة بما عانوه وكابدوه في هذا المجال، حرصا منهم ألا يفلتَ توثيقُ حركةِ الأدب والعلوم والثقافة والجهاد ومختلف الفنون من الضياع والتلف؛ فصنفوا في طبقات الرجال والبلدان والتخصصات والفهارس الخاصة  ؛ مما فوَّت علينا الكثيرَ من عِلل الإهمالِ والنسيانِ والنكرانِ والمساحات الفارغة في جوانب مهمة من تفاصيل حركة التاريخ والإبداع...

تراجم النساء عند المحدثين: اعتنى القدماء من المترجمين في مصنفات تراجمهم بجمهرة من أعلام النساء ومنهم من خصَّهن بمصنفات خاصة ليس هنا مجال سردها،  وذلك لأنهم لم يغفلوا أدوار النساء في مشاركاتهن في الحياة العامة وأدوارهن الطلائعية في مجتمعاتهن. وكانت النسوة من جيل الصحابيات وأمهات المؤمنين وآل البيت من أوائل ما سُطر وحُرِّر في هذا الباب توثيقا لأدوارهِن في مسارِ الدعوةِ الجديدةِ وما تلاها من محن وابتلاءات وفتن متعددة. ولعل من أجود مَنْ تتبعَ تفاصيل نساءِ المجتمع النبوي من المتأخرين المرحوم عبد الحليم أبو شقة(ت1995) في سِفْرِه النفيس" تحرير المرأة في عصر الرسالة "  وأحصى في أجزائه الستة جملةً من تراجم الصحابيات وتتبعَ دقائقَ حركتِهن وإسهاماتِهن في الدعوة ومشاركتهن في الحياة العامة.

وأورد محمد بن جعفر الكتاني في "سلوة الأنفاس" ترجمة قرابة خمسين امرأة، وكذا فعل العلامة محمد داود التطواني حينما ذكر في تاريخه بعض الفاضلات من نساء تطوان وأخبارهن ووصاياهن كالفقيهة رقية بنت العلامة محمد الورزيزي  وغيرها. وهذا عبد الله كنون وهو يؤرخ للنبوغ المغربي نجده حريصا على الإنصاف في التأريخ والترجمة والإشارة والتوثيق ل"مُساهمة المرأة المغربية في بناء صرح النهضة العلمية...ولنعطِ على ذلك مثالا ــ يقول ــ في حقل العلوم الدينية السيدة أم هانئ بنت محمد العبدوسي الفقيهة الصالحة أخت الإمام الحافظ عبد الله العبدوسي، قال الشيخ زروق في كناشته: كانت فقيهة، ذات علم وصلاح... وفي الميدان الأدبي نذكر الأديبة أم الحسن بنت لأحمد الطنجالي نزيلة لوشة...أما في الميدان العلمي فسنترجم للطبيبة عائشة بنت الجيَّار  مكتفين بها، ونحن على يقين أن هناك كثيرات من السيدات الفاضلات اللائي يشاركن في غير ما ذُكِرَ من ضروب المعارف، ولكنَّ أخبارهن لم تُحفظ بسبب الإهمال الذي مُنيَ به تاريخنا الأدبي بالنسبة للنساء والرجال."                                                                                                                      وفي هذا المجال أيضا نجد مِن أبرز من خَصَّ المرأة بالترجمة من الرجال من المعاصرين نجد العلامةَ سليمان الندوي صاحبَ "سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين"  ؛ والأديبَ الوزيرَ محمد عبده يماني(ت2010م) الذي وضع تأليفَه الشهير" خديجة بنت خويلد سيدة في قلب المصطفى"  ؛ووَضع سِفرا نفيسا وَسَمَه ب" إنها فاطمة الزهراء" ...

وقد تتبع الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري في بحث له "صورأ من الإسهام العلمي للمرأة في التاريخ الإسلامي" يمكن العودة إليه على الشبكة الرقمية؛ وقدم الأستاذ الدكتور محمد أكرم الندوي الباحث بمركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية درسا حسنيا السنة الماضية 2016/ 1437هـ تحت عنوان" جهود المرأة في الحديث النبوي الشريف"  . وهي جهود علمية مميزة استوعبت عصورا تاريخية مختلفة ومجالاتٍ معرفيةً متعددةً في حدود ما سمحت به ظروف العالم الإسلامي وحدود حركية المرأة المسلمة داخل محيط مجتمعها ...

المرأة تترجم للمرأة: من الكتابات التي استأثرت بتراجم النساء أيضا وأضْفَتْ عليها خصوصية معينة وجوانب مضيئة، ما حبَّرته المرأة في حق أختِها المرأة، وتميزَ هذا اللون من الكتابة بتكثيف وخصوصية أنثوية ذات ملامح جمالية وتدقيق فني متميز؛ جعل منها نصوصا تميل إلى الإبداعية والعاطفية الرقيقة  أكثر من التركيز على تقديم المعلومات والأخبار . ومن نماذج ذلك ما كتبته العالمة الأديبة أمينة عبد الكريم اللوه(ت 2015) تحت عنوان" الملكة خناثة قرينة المولى إسماعيل"  وهو نص سردي في قالب روائي تؤرخ فيه لهذه السيدة التي عُدت بمثابة مستشارة  للسلطان المغربي زوجِها المولى إسماعيل. وحررت السيدة نفسُها أمينة اللوه مقالا نشرته سنة 1969 تحت عنوان" نساء مدحن الرسول صلى الله عليه وسلم" .

ومن أجود ما كُتِب أيضا في هذا الباب السِّفرُ البديع" تراجمُ سيدات بيت النبوة" لصاحبته العالمة الدكتورة عائشة عبد الرحمن(بنت الشاطئ)، وهو الكتاب الذي ما فتئت تراجعه وتنقحه وتهذبه الباحثة المنقِّرةُ المدققة طبعةً بعد طبعة، وذلك " لأستدرك فواتا وأضيف إلى مادته جديدا مما وقفتُ عليه فيما أتابع من دراسات إسلامية. فكان أن عكفتُ على إعداد هذه الطبعة الجديدة، بما استدركتُ على سابقاتِها من أخطاء وأوهام وفواتٍ، وما وثَّقتُ من مرويات وأخبار جاءت مرسَلة أرسلت من مرويات وما أضفتُ إلى مصادري من أصول لم تكن مُيَسَّرة لي من قبل."  وهو كتاب حاز حظا وافرا  من الإبداع والنَّفـَسِ الأدبي والتصوير الجمالي والصياغة الأسلوبية الرقيقة لمواد السيرة  لِمَنْ ترجمت لهن، بل توفَّقت أيضا إلى حد كبير في وضع عناوين أساسية وفرعية لكل مبحث ومطلب تمتح من معجم الإيحاء والدلالة واللغة الرامزة؛ فيكون العنوانُ بمثابة إشارة ملخصة مشوقة تشدُّك شدا للقراءة ومتابعة أطوار الحكي واستكشاف جانب آخر من جوانب السيدة المترجم لها؛" الوداع، السر المذاع، الوديعة الغالية، طيف لا يغيب، سفر إلى يثرب، نذر العاصفة، دليل الركب، محاولة وإصرار، بطلة كربلاء، الصدى الباقي، زواج مثمر، شروط عجيبة، الأديبة الناقدة، الهلال الغارب،..."

لاشك أن المرأة حينما تترجم لأختها أو تكتب عنها فإن سبر أغوار الشخصية يكون عميقا ودقيقا ويلامس جوانبَ قد يغفلها المترجِمون من الرجال، أو على الأقل ليس من المُتيسرِ والسهلِ الوصولُ ــ حسب القواعد والأعراف ــ واللقاءُ المباشرُ الذي يسمح بالمعرفةِ عن قرب والسماحِ بالاطلاعِ على تفاصيل مفيدة في ترميم وتجميع مكونات مادة التراجم ، مما يمنحُها قيمة تجعلها وثيقة معتمدة لدى الدارسين لمعرفة مكانة المترجم لها وبَـيتها ومحيطها وبَلدها وحركة العلم والأدب بزمنها. ولا يغرُب عن البال ما يصاحب عملَ المترجِم من معاناة ومغالبة وجهد مضْنٍ كما سنجد عند الدكتورة زبيدة الورياغلي وهي تستجمعُ مواد تراجمِها بجَلَد وصبر وحب قلَّ نظيره. 

ويجب ألا نغفل في هذا الصدد الإشارةَ إلى نصوص كثيرة مهمة يمكن أن يحظى بها ويستثمرَها المعتنون بتراجم النساء خاصة المعاصرات، تُترجم فيها المرأة لنفسها، من خلال سِيَـر ذاتية أو مذكرات، أو مقابلات وحوارات منشورة، إذا استُجْمِعت واعتُني بها ستشكل موارد مصدرية مهمة في بناء ترجمة متماسكة متكاملة. يمكن أن نستشهد هنا بالحوار الطويل والمفيد الذي عرَّفَـتْ فيه سيدة بنفسها؛ ويتعلق الأمر بفريدة بليزيد المرأة الطنجية التي تُقدِّمُ نفسها كأول مغربية درست السينما ، وشقت طريقها في الفن السينمائي منذ وقت مبكر.           

1028 samadiقراءة في كتاب: نساء طنجة الرائدات:

أ ــ مؤلفة الكتاب: الدكتورة زبيدة الورياغلي  أستاذة باحثة ومربية سابقة، ولدت ونشأت في طنجة أمد الله في عمرها، شُغفت منذ يفاعتها بالنشاط والعمل الجمعوي ومازالت كذلك إلى الآن على كِبر سنها دون ملل أو امتعاض رغم المثبطات وكثرة المعيقات. عرفتُها في مجالا البحث العلمي، وجمعَتْنا وحدةُ المسلك في دبلوم الدرسات العليا والدكتوراه لاحقا، وكانت تُمثل لنا نموذج المرأة المغربية الأصيلة التي تبحثُ وتَجِدُّ وتجتهدُ في مجالات بحثية عميقة مثل التفسير الإشاري والتحقيق، وهما مجالان غاية في الصعوبة والتدقيق والمهارة البحثية عكس ما قد يظنه باحث مبتدئ، ومع ذلك شَقَّتْ طريقها بثبات وعزيمة تُـذَكِّـرنا بالمقولة المأثورة " مع المَحْبَرة إلى المقبرة ، ومن المهد إلى اللحد "، وهكذا تكون المؤلفة زبيدة الورياغلي قد وفقها الله لإنجاز الأعمال الآتية:

1. البحر المديد في تفسير القرآن المجيد: للشيخ أحمد بن عجيبة (ت1224)، الربع الثاني بدءاً من سورة الأعراف تقديم وتحقيق، نالت به دبلوم الدراسات العليا سنة 97ـ 1998. نسخة مرقونة منه توجد بمكتبة عبد الله كنون تحت رقم ب534.

2. "كتاب البحر المديد في تفسير القرآن المجيد" للشيخ أحمد بن عجيبة، النصف الأول؛ قدمته لنيل الدكتوراه الوطنية سنة  2001. نسخة مرقونة بمكتبة عبد الله كنون.

3. تفسير سورة الفاتحة من كتاب البحر المديد: دراسة وتحقيق طبع سنة 2013 ، وهو في 120 صفحة. وفيه تؤكد أن كل مشتغل بعمل التحقيق يعاني أثناء بحثه أن يكون عملُه قد اشتغل به أحدٌ ونشره في قطر من الأقطار، وخاصة قبل ظهور الشبكة الرقمية، تقول الأستاذة زبيدة الورياغلي:" وفي المدة الأخيرة علمتُ وأنا قد قطعتُ شوطاً كبيرا في تحقيق الكتاب بصدور طبعة منه بالقاهرة في ستة مجلدا، فترددتُ طويلا بين أن أتوقف أو أستمر في عملي، وحرصتُ على أن أطلع على الطبعة... فكانت مفاجأتي عظيمة، ذلك أنه تأكد لي بعد التفحص والإمعان ضرورة الاستمرار في العمل، بل إن حرصي على إتمامه زاد، ومرد ذلك إلى أن الطبعة المذكورة ــ كما تأكد لي ــ متسرعة تفتقد إلى كثير من الشروط الواجب توفرها في أي تحقيق علمي"   

4. نساء طنجة الرائدات الجزء الأول: وهو الكتاب الذي بين أيدينا في انتظار صدور جزئه الثاني قريبا بحول الله.

في شهادة لأستاذنا المشتركِ البحاثةِ المحققِ المرحومِ عبد الله المرابط الترغي في حق المؤلفة نجده يقول في المقدمة التي صدَّرت بها كتابها الفريد يقول:" والدكتورة زبيدة الورياغلي عالمة وباحثة ممتازة، صرفت حياتها كلها في التعليم، وفي كل مراحله من الابتدائي إلى الجامعي، وقد حصلت على أعلى الشواهد الجامعية...وبموازاة ذلك عملت في أكثر من جمعية نسائية. فهي صاحبة تجربة ثقافية ناضجة ذات عطاء في كل مستويات هذه الثقافة، في الكتابة والتأليف، وفي المشاركة في الندوات والتجمعات العلمية وفي كتابة الأعمال الصحفية."  ويعترف لها الدكتور المؤرخ الشاب رشيد العفاقي بباعِها في مجالات اهتماماتها وتخصصها فيقول: "والدكتورة زبيدة الورياغلي سيدة معترف لها بالكفاءة العلمية في مجال تخصصها، بأبحاثها الرصينة، وبمعلوماتها التي تستقيها من مصادرها الأصيلة" . إنها شهاداتٌ محبَّرة أشهدُ ومَنْ عايشَها وجاورَها ومازالَ يعايِشُها أنَّ همَّتها وجديَّتَها وطموحَها أكثرُ مما قيل، وأجدرُ أن يكون نموذجا نسائيا مُحتذى في زمنٍ انشغلت فيه المرأة المغربية المتعلمة بالملهاة وسفساف الأمور. تقول وهي تختم بحثها لنيل الدبلوم:" الحمد لله الذي وفقني إلى إتمام هذا العمل الذي احتسبته لله تعالى، راجية أن أنالَ به عفوه ورضاه وأجره سبحانه، وأن يغفر لي سيئاتي ويتجاوز عن أخطائي"  لقد كانت ومازالت تشتغل بالبحث والتنقير والكتابة والمشاركة لا تبغي بذلك ترقية ولا درجة، ولم تستفد من الأعمال التي أنجزتها في مسارها المهني ولم يكن ذلك عندها هدفا ولا أمنية، وهو ما أضفى على عملِها نَفَساً علميا خاصا، عَكْس بعض المتسرعة الذين يُبيضون ويُسَوِّدون لنيل الأوطار. 

ب ــ الكتاب: تعرف حركةُ التأليف المعاصرِ في تاريخ المدن وباديتها حركة علمية نشيطة اهتم بها من أدرك دورَ توثيق أخبار الأعلام والأحداث والمآثر في حفظ وصيانة التراث المادي والمعنوي للحاضرة والبادية المغربيتين، ويندرج هذا التأليف بصفة خاصة ضمن هذه السلسلة في نطاق  توثيق تاريخ طنجة وأعلامها. ولا أشك أن كتاب" نساء طنجة الرائدات" أولُ كتابٍ في الباب يُترجم لنسوة طنجة ممن كان لهن دورٌ وإسهامٌ وحركةٌ في البيئة الطنجية على عهد ما بعد الاستقلال. وقد نحتت من صخر، وأوجدَتْ من لاشيء شيئًا، ويا ما أصعب أن يستند بحثُك على فراغٍ توثيقي ومصدر مرجعي، ويزداد الأمر صعوبة وتحديا أن تُـرابط مُرابَطة في ثغور المواعيد والاعتذارات والتأجيلات والتسويفات والإلحاحات لتظفرَ بمقابلة أو حوار يمنحك الفتات من المعلومات والأخبار بلْهَ الوثائق والمخطوطات أو الصور. في هذا الخضم اشتغلت الباحثة زبيدة الورياغلي، واستطاعت أن تنجز هذا العمل الذي حوى اثنين وعشرين اسما ممن توفر فيه شرط الترجمة ممن ولدت بطنجة أو أقامت بها مدة معينة. يقول الدكتور عبد الله الترغي:"... تبقى أعمال كتاب(نساء طنجة الرائدات) عملا جيداً، يغطي ما أهملته أقلام الرجال من أنشطة المرأة في العمل الثقافي والجمعوي بطنجة والمغرب؛ لذلك كان هذا العمل المتمثل في تراجم نساء رائدات من طنجة عملا مهما جدا، له موقعه في التأريخ لطنجة وفي الكتابة عنها، وفي التعريف بأنشطة الساحة الثقافية والفنية والفكرية والجمعوية بها." والكتاب يغطي مرحلة مهمة من تاريخ المرأة بحاضرة طنجة التي خرجت من صبغتها الدولية وانعتقت من ربقة الاستعمار الذي سطا على المدينة لزمن كاد أن يطمس هويتها وخصوصيتها؛ مما جعل المرأة الطنجاوية التي أدت أدوارا وإسهامات مهمةً ساعدت رجال المقاومة والتحرير، تُقبلُ بشكل كبير على المشاركة في الحياة والانخراط في المدارس والتعلم والتعليم مع مواجهة التحديات وصعوبات المرحلة على مستوى الأسرة ومغالبة المحافظة والجمود، وفي هذا الإطار أرخت ووثقت الباحثة لأشهر النسوة اللواتي أدركت بعضهن وهي صغيرة، ومنهن من عاشرتهن أو صاحبتهن أو تيسَّر لها لقاءُ بناتهن لتجميع مواد الترجمة والتعريف بأدوارهن، فكانت تنحت من صخر كما يقال...

منهج الكتاب ومميزاته: حرصت الأستاذة الباحثة أن تبني تراجمها على مكونات أساسية في بنية نصوص الترجمة؛ بدءا من تحليةٍ للاسم بالصفة المؤذِنَةِ بنوعِ الشخصية وطبيعة اهتماماتها كالفقيهة والمُدرسة والإعلامية واالكاتبة والأديبة والناقدة والسيدة والإذاعية والحافظة والروائية والشاعرة والتشكيلية والمقاوِمة...ثم تحرص على ذكر تاريخ الميلاد والوفاة لمن توفيت منهن. وهي تترجم للوفيات وحتى لبعض المعاصرات ممن هن على قيد الحياة.وقد ترجمتْ لأجنبية وحيدة استقرت بالمدينة وكان لها حضور بها، وهي الإيطالية" إليسا كيمنتطي" التي درَّست الأميرة فاطمة الزهراء وحلَّـتها بالكاتبة والأديبة(1883ــ 1969). وتتوالى مواد الترجمة بذكرِ البيت الذي تنتمي إليه المترجَمَة سواء من جهة الأصول/ الوالد، أو جهة الزوج؛ بحيث يكاد يكون الكتاب الذي بين أيدينا تجميعاً لبيوتات طنجة العلمية أو المشهورة، فتكاد تكون كل مُترجَمَة تنتمي لبيت معروف مشهور" السميحي، أمقشد، كنون، سكيرج، السنوسي، ابن عبو، ابن غربيط، الخمال، أقلعي، العشيري، الزجلي،..."

وبذلتْ جهدا ملحوظا في استقاء المعلومات التي دعمت بها مضامين الترجمة، وكانت المعلومات المتفرقة وبعض الوثائق التي توصلت إليها تقودها إلى التحليل والاستنتاج واستخراج معلومة جديدة لم يكن للناس علم بها، فمثلا نجدها تقول عن السيدة الفقيهة خدوج الزجلي وهي تتحدث عن تعلمها والمدارس التي تدرجت فيها،  وتحرص أيضا أن تحدد بدقة مكان المدرسة المذكورة وإن تغير اسمها أو اسم الحي التي كانت به، ويجرها ذلك لإعطاء معلومة عن المدرسة وتاريخ إنشائها؛ تقول:" وعلى هذا الأساس يمكن القول ــ في حدود علمي ــ أن الفقيهة للا خدوج الزجلي أول سيدة انخرطت في سلك التعليم العمومي بطنجة، حيث التحقت في بداية مسارها التعليمي بمدرستين عموميتين، الأولى بحي بني يدر، والثانية بالسقاية قبل التحاقها في فاتح أبريل سنة 1931م، بمدرسة القصبة للبنات،(فاطمة الفهرية حاليا) بطنجة الواقعة بزنقة ابن عبو  بحي القصبة، والمجاورة لمسجد القصبة العتيق الذي شُيِّدَ سنة 1282هـ 1863م ، والتي كانت تحمل آنذاك اسم (مدرسة دار الضمانة للبنات المسلمات)وقد فتحت أبوابها بتاريخ 22/12/1930م لاستقبال أول فوج من البنات من مختلف الأعمار والطبقات الاجتماعية بمدينة طنجة، وكانت المشرفة على إدارة المؤسسة أستاذة فرنسية تدعى Rosin Goudiani إلى حدود سنة 1960م." 

ويظهر جليا أن الكتاب يُؤرخ لجوانب مهْمَلَة من تاريخ طنجة، فهو بهذا الاعتبار وثيقة تاريخية مفيدة للمهتمين بتاريخ المدينة ومعالها ومآثرها، وقد وجدتُ المؤرخ الطنجي الدكتور رشيد العفاقي يذكر الباحثة زبيدة الورياغلي سبع مرات في هوامش بحثه القيم والمفيد "إسهام المرأة الطنجاوية في نهضة التعليم وفن الرسم1930ــ1960، يقول  بعد أن أشار إلى غياب تراجم لنسوة طنجة:" عدا مقالات الأستاذة زبيدة الورياغلي المنشورة في جريدة طنجة ومقال للسيدة أم هشام  في نفس الجريدة، لا نعثر على كتابات حول المرأة الطنجاوية."  ويقول المؤرخ رشيد العفاقي معقبا على ترجمته للسيدة شمس الضحى أبو زيد والتي أشار فيها  إلى الغبن والنسيان والنكران الذي طال هذه الأديبة رحمها الله:" ترجمت الأستاذة الدكتورة زبيدة الورياغلي للأديبة شمس الضحى بوزيد، وختمت كلامها بما يخالف ما قررناه أعلاه... والدكتورة زبيدة الورياغلي سيدة معترف لها بالكفاءة العلمية في مجال تخصصها، بأبحاثها الرصينة، وبمعلوماتها التي تستقيها من مصادرها الأصيلة، فلعلها تلقَّت ذلك أخذا أو سماعا، أو وقفت على تقييد يؤيد كلامها المذكور..."   

تتطرق أيضا مواد الترجمة إلى دور المرأة الطنجية في الجهاد والمقاومة والطرق والحِيَل التي سلكتها لتيسير سُبل التواصل بين المناطق النائية وتبليغ الأوامر والتعليمات، ومن ذلك استغلال اللغة الأمازيغية (الريفية بالخصوص)  في تمرير الخطط، وتوفير التغذية ونقل السلاح واستغلال البيوت للتأطير والتخطيط وتوزيع المناشير، يرد في ترجمة المقاومة فاطمة المرابط (ت2009) " كانت شقيقته فاطمة المرابط أثناء زيارتها له في سجن غبيلة بالدار البيضاء تتبادل معه الحدي باللهجة الريفية التي كان حراس السجن لا يفهمونها، فتتولى هي نقل التعليمات الصادرة عن أخيها إلى أعضاء الخلية... كان بيتها بعد انضمامها إلى حركة المقاومة المسلحة مقرا للاجتماعات السرية للمقاومين... ــ وفي رواية شفوية من ابنها تحكي زبيدة الورياغلي ــ وفي إحدى المرات، ألقي القبض على فاطمة المرابط وابنتها من طرف الشرطة الدولية بمدينة طنجة وكانتا متوجهتين إلى مدينة تطوان في مهمة سرية وتحملان جواز سفر صادر عن سلطات المنطقة السلطانية آنذاك. فتم توقيفهما وحجزهما في مركز الشرطة بالسوق البراني، ولم يفرج عنهما إلا بعد تدخل أحد أبناء المدينة المرموقين، وقد وقع هذا الحدث يوم 30مارس1952 أثناء المظاهرة الصاخبة التي عرفتها مدينة طنجة"

ومن مميزات الكتاب أنه يوثق أيضا لمنظومة القيم الأصيلة والمحافظة وأيضا لمنظومة قيم التحرر والتحديث وصعوبة فصل التقاليد والعادات عن الشعائر والعبادات؛ بحسب طبيعة اللحظة وإيقاع الوعي ورواسب الاحتلال وصراع الهويات، فالمرحوم عبد القادر السميحي يعتبر الحجاب الذي كانت تضعه المرأة الطنجية وقتئذ مشكلة تعيق النهوض بالمسرح ومظاهر الترفيه، وكانت الهواجس والطموحات مشرئبة لكل انفتاح وتحرر كما يحصل عند كل لحظة انعتاق بما يصاحبها من تسرع وانبهار ، تنقل الأستاذة زبيدة الورياغلي عن عبد القادر السميحي قوله:" لم تكن التقاليد الاجتماعية تأذن يومئذ باختلاط الجنسين، والسماح للمرأة المغربية بالتمثيل، فضلا عن مشكلة الحجاب وتفشي الجهل في وسط المرأة المغربية" ، فوقع له سَبْقُ قلم حين اعتبر خصوصية لباس المرأة المغربية مشكلة معيقة.

فائدة: عند حديثها وترجمتها للفقيهة خدوج الزجلي المرشانية أول مُدرسة بالقطاع العام ، تطرقت لحادثة نزاع حضانة وقعت بين أسرتين، وروت لها الحفيدة الحكاية، تقول المترجِمة:" وقد أخبرتني حفيدتها الأستاذة فائزة الشاوي بقصة نزاع حصل بين عائلتين معروفتين بالمدينة حول حضانة طفلة، فتدخل المندوب السلطاني السيد التازي في القضية، وأمر بإرسال الطفلة إلى للاخدوج لتتولى تربيتها ورعايتها والتكفل بها فرضيت العائلتان بذلك.  وقد وقفتُ على حكم صادر ضمن أحكام القاضي الفقيه العلامة محمد المرابط الترغي رحمه الله  ظننته يتعلق بنفس النازلة، ويزيل بعض لبسٍ عنها، وقد أصدر فيه حكما استئنافيا نهائيا معاكسا للحكم الابتدائي الذي ظفر به المدعي تحت عنوان" حكم عدد 50308 متعلق بطلب المدعي بسقوط حضانة المدعى عليها عن بنتها.... وتسليمها له." ومما جاء في صك الحكم النهائي الاستئنافي ما نصه:"...وحيث إن البنت المحضونة تبلغ في سنها نحو 15 سنة قضتها مع أمها، وأمها لم تتزوج مع أنها صغيرة ومرغوب فيها، إلا أنها حبست نفسها عاى هذه البنت رعاية وحفظا لها، وهي من ذوات البيوت الكريمة يأبى عليها شرفها أن تنساق لما تشهد به شهود اللفيفة المضادة. وحيث إن حكم القاضي ورد غير صحيح لعدم مناقشة اللفيفة التي اعتمدها، ولهذه الأسباب  إن محكمة الاستئناف وهي تقضي علنيا، حضوريا، انتهائيا بقبول الاستئناف وبإلغاء الحكم المستأنف... " 

على سبيل الختم: ظفرت المكتبة المغربية بنص متميز لكاتبة شغوفة بالعلم والبحث، ولعل صدور الجزء الثاني إن شاء الله سيمكن القارئ من الاطلاع على أخريات من نسوة طنجة اللواتي كان لهن حضور ونشاط في ميدان من الميادين المختلفة، ولعله يكون بادرة لكتاب جديد عن نساء تطوان العالمات والرائدات، فلو تصدت فاضلة من فاضلات تطوان لتدوين تراجم المرأة التطوانية الحديثة والمعاصرة لوقفنا على درر نادرة وفوائد ثمينة قلَّ أن نجدها في كتب الرجال. وهي دعوة لتعزيز الكتابة النسائية في مجال مغمور قـلَّما يُلفتُ إليه...  

 

د ــ محمد سعيد صمدي

المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين/ طنجة

 

 

eljya ayshكشف الدكتور عبد الله حمادي خلال عرض كتابه الجديد أن تأسيس مؤسسة الشيخ عبد الحميد ابن باديس جاءت بطلب من رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، وهو من زكى هذا المشروع ليكون مكملا لمؤسسة الأمير عبد القادر بمنطقة الغرب، وكشف الدكتور عبد الله حمادي أنه هو المؤسس الحقيقي للمؤسسة وبحوزته رسالة التزكية التي بعث بها رئيس الجمهورية

غاب كل من المؤرخ الدكتور عبد العزيز فيلالي الرئيس الحالي لمؤسسة الشيخ عبد الحميد ابن باديس الكائن مقرها بشارع العربي بن مهيدي ولاية قسنطينة شرق الجزائر والرئيس السابق للمؤسسة الدكتور عبد الله بوخلخال (عميد جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية سابقا) لمناقشة الكتاب الجديد  الذي أصدره الدكتور عبد الله حمادي، وعرضه  بالمسرح الجهوي قسنطينة، وهما اللذان شاركا في الاجتماع الذي أشار إليه صاحب الكتاب عندما تحدث عن ظروف تأسيس مؤسسة الشيخ عبد الحميد ابن باديس، موضحا أنه حضر الاجتماع 12  شخصا من مثقفين وباحثين وناقشوا مسألة من يترأس المؤسسة، ودون أن يدخل في تفاصيل الاجتماع وما حدث فيه، كشف الدكتور عبد الله حمادي أنه هو صاحب مبادرة إنشاء مؤسسة عبد الحميد ابن باديس وهو مؤسسها الأول، وذلك بتزكية من رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، وما زال يحتفظ برسالة الرئيس الذي زكى هذا المشروع.

الكتاب الذي حمل عنوان "ابن باديس سيرة ومسيرة" صدرت طبعته الأولى في السداسي الأول من السنة الجارية 2017 عن منشورات الوطن اليوم، يقع في 300 صفحة، وهو يدخل ضمن سلسلة كتاب الجيب، وقال أن أصل عائلة ابن باديس الحقيقي ينتمي والى مناد ابن زيري الصنهاجي موقعهم في ضواحي المدية في الجزائر العاصمة وليس قسنطينة ،  موضحا أنها من مخلفات المذهب الشيعي في الجزائر ولهذا كانت المرأة القسنطينية ترتدي الملاءة السوداء،  ثم استغنت عن المذهب الشيعي وعادت إلى المذهب السني قبل أن تستقر في قسنطينة طلبا للحماية وقد استقبلوا من طرف سيدي عبد المومن أحد الموالين للدولة الحفصية، وأوضح الدكتور حمادي أن "الكتاب الذهبي" الذي كتبته فرنسا  احتفالا بمئوية احتلالها الجزائر، أشار إلى عائلة ابن باديس  بكثير من التفصيل في زمن جدهم المكي بن باديس، وكان هذا الأخير قد منحته فرنسا رئاسة مكتب العرب، الذي تحول إلى مكتب الأهالي.

و تطرق الدكتور حمادي إلى ملامح الوضع في الجزائر أيام ابن باديس، وظروف تأسيس جمعية العلماء المسلمين، التي قال عنها أنه لولا الخدمات التي قدمتها عائلة ابن باديس لفرنسا لما تمكن الشيخ عبد الحميد ابن باديس أن يترأس هذه الجمعية، ونتيجة هذه الخدمات انتقل نابليون الثالث من فرنسا إلى قسنطينة ليكرم جده المكي ابن باديس، والدليل على ذلك أن والد ابن باديس محمد مصطفى  طيبة 60 سنة من حياته لم تزجه فرنسا في السجن ولا يوم واحد، غير أن ابن باديس وظف هذه الخدمات لصالح الجزائر، هكذا أضاف المؤلف الذي عرج إلى الحديث عن  مشاريع ابن باديس الثقافية وتأسيسه للنوادي الأدبية والثقافية ومدرسة التربية والتعليم، وأحداث المؤتمر الإسلامي، وآليات المناظرة والحوار عند ابن باديس.

و ما بين هاته وتلك كشف عن بعض الحقائق المكتوم عنها والتي تدخل في خانة الطابوهات، مثل الحديث عن دور الزوايا وشيوخ الطريقة الذين قدموا خدمات لفرنسا عام 1914 ووقفوا ضد مستقبل الجزائر، وهي الأسباب التي دفعت بابن باديس الى محاربة الطرقيين، ومجابهتهم بالحجة والدليل، مثلما قال في الصفحة 39 من الكتاب، رغم أنه كان صديق شيخ الزاوية الرحمانية، وقال الدكتور عبد الله حمادي، أن ما يميز العلامة ابن باديس من الدعاة المعاصرين هو أنه داعية عملي، بحيث لا يدخل في متاهات التكفير والتحليل والتحريم، وكان في حالة مجابهة مع الاندماجيين وفرحات عباس، لأنه كان لا يساوم ولا يسامح كلما تعلق الأمر بالجزائر، ولم يهمل العلامة عبد الحميد ابن باديس رسالته في عملية الإصلاح إلى أن تمكن منه المرض بسبب قلة النوم والأكل، وأقعده بغرفته التي كانت متواجدة بمدرسة التربية والتعليم وتوفي فيها، وقبل أن يتوفى ترك وصية بأنه إذا مات لا يحمل جثمانه سوى طلابه.

 

علجية عيش

abdulhusan salehaltaiامتاز الشاعر العراقي الدكتور حسن البياتي بجودة وغزارة إنتاجه الشعري والأدبي (الابداعي والثقافي)، منذ خمسينات وستينات القرن الماضي، فهو من المتأثرين بعمالقة الشعر والأدب، قديماً وحديثاً، يمتلك تجربة غنية رصينة في أكثر المجالات الأدبية، أغلب إنتاجه الإبداعي تلاقفته الصحف والمجلات ونُشر على نطاق واسعٍ. وبعد أن فقد نعمة البصر في نهاية القرن الماضي في اليمن، واستقر به الأمر في لندن، ملكوت ظلامه الجديد الذي انحسر النور فيه عن عينه، ورافق ذلك تدهور صحته المقرونة بأوجاع الشيخوخة. ورغم تلك المعضلات والمعوقات، عقد العزم على مواصلة مسيرة الإبداع الشعري والأدبي، على غرار أبي العلاء المعري وطه حسين وغيرهما من المبدعين.

صدر له ديوان شعري (في ملكوت الظلام) عن دار الفارابي في 2008، و كتاب (وجوه بصرية) في 2010، وبعض الأعمال المنشورة هنا وهناك. وبعد مضي عقود على نشر الكثير من أعماله الإبداعية، أدرك شاعرنا ضرورة إحياء تلك الآثار بإصدار سلسلة خماسية الحلقات، بدأها بكتاب (رسائل ثقافية متبادلة بيني وبين ...)، صدر عن دار الفارابي في آذار 2015، الذي حمل مادة تاريخية تسجيلية فيها ضرب من الإمتاع والمؤانسة. ورفدنا بكتاب (كتبوا عني ... وكتبن)، صدر عن دار الحكمة في لندن 2016، الذي احتوى على مواد متنوعة حياتية وثقافية وإبداعية لأجيال مختلفة. والكتاب الثالث، موضوع هذه المقالة  التي ستُنشر على حلقتين، صدر عن دار الفارابي في كانون الثاني 2017، (مقدمات وإشارات تعريفية بآثار إبداعية ومعرفية)، وفي انتظار صدور الكتاب الرابع هذا العام بعنوان (الصرح الترجمي للدكتور علي جواد الطاهر).

ضم كتابه الثالث مجموعة من المقدمات والإشارات التي كتبها شاعرنا البياتي خلال الحقب الزمنية السابقة في المجالات الإبداعية كالشعر والقصة القصيرة والرواية والمسرحية والأسطورة وغيرها، وقد تخطت هذه المقدمات والإشارات إلى آفاق أرحب بتناولها موضوعات حياتية متنوعة جاذبة نابعة من ثقافات الشعوب وتراثها الأدبي، كالأدب الفليبيني والأدب الآسامي – الهندي والأدب الأوزبكي والأدب الجورجي والأدب الأرمني والأدب البلغاري والأدب المكسيكي. ونستطيع القول إن هذه المقدمات والإشارات التي صاغها البياتي بأطر أدبية وتاريخية وسياسية وعلمية وخيالية وأسطورية، تهدف إلى تزويد القارئ بفيض هائل من كنوز المعرفة التي شملت طيفاً راقياً متنوعاً من الأعمال الإبداعية، وبالتالي تحفيزه للبحث عنها والاطلاع عليها بشكلها الأصلي الكامل.

1026 hasanقسم البياتي الكتاب بعد المقدمة إلى قسمين، ضم الأول ستة عشر أثراً من الأعمال الإبداعية التي قام بترجمتها من اللغة الروسية وكتابة مقدماتها، بدأها بمقدمة رواية من الأدب المكسيكي الحديث (أولئك الذين تحت)،  للكاتب المكسيكي الواقعي ماريانو اثويلا، الذي وظف كل موهبته الإبداعية في هذه الرواية التي جوهر أحداثها الثورة الشعبية المكسيكية التي اندلعت سنة 1910 ضد النظام الدكتاتوري، فهي بمثابة وثيقة تاريخية كُتِبت بقلم شاهد عيان للأحداث، التي بطلها مجموعة من الفلاحين الذين ثاروا ضد النظام الاجتماعي القائم، وبمساندة نخبة من النساء المكسيكيات البسيطات المتضامنات مع أزواجهن وأبنائهن وأخوانهن في هذه الحرب المقدسة. فمن خلال هذه الترجمة الراقية، التي صدرت في كتاب في بغداد 1986، جعلنا البياتي نطلع على تجربة مشرقة من كفاح الشعب المكسيكي ضد الاستغلال الاقطاعي للفلاحين.

وينقلنا البياتي إلى أجواء رواية واقعية قصيرة من الأدب الروسي الحديث (طيور الشمس)، التي صدرت ترجمتها في كتاب في بغداد 1989، للمؤلف نيكولاي بالايف، الذي قادنا في رحلة علمية، صاغ أحداثها بلغة جميلة، وباسلوب إبداعي جذاب، على شكل حوار فني رفيع، كشف فيه حقيقة حياة واسرار موطن طيور الشمس، وبعد جهود متواصلة ومثابرة عالية تمكن من الوصول إلى هدفه، بأن الطيور تغادر مكانها بأنها لا تثبت في منطقتها القطبية الشمالية، بل تطير مهاجرة إلى الجنوب.

وضمن إطار الأدب الواقعي الروسي، يطل علينا البياتي بترجمة رصينة لعمل روائي سوفيتي له أصداء واسعة (زَبَدُ الحديد)، صدرت عن دار المأمون للترجمة والنشر في بغداد 1989. جرت أحداث هذه الرواية في إحدى القرى السوفيتية، اثناء الحرب العالمية الثانية، وكان أبطال هذه الرواية من أبناء وسكان تلك القرية، من النساء والشيوخ والأطفال، ومن عاد من جبهات القتال جريحاً أو معوقاً. جسد أحداث هذا السفر الروائي الكاتب الروسي (ايفان اوخانوف)، الذي حقق نجاحاً كبيراً باعتماده التحليل النفسي والفلسفي في الكشف عن طبيعة الأشياء، برؤية جديدة للصراع المحتدم وفق منطلقات أخلاقية، حُسم فيها الصراع لكفة الخير، وللحياة الحرة الكريمة.

واتحف شاعرنا البياتي القراء بترجمة ثلاث روايات قصيرة من كنوز الأدب البلغاري، أصدرها في كتاب عن دار المأمون في بغداد 1991. هذه الروايات لأعظم كاتب بلغاري معاصر متعدد المواهب، ومن المهتمين بالإنفعالات الداخلية للإنسان، وبالقضايا المتعلقة بحياة المجتمع. تكمن تجربته الإبداعية في مجالي الحرب والثورة. ورغم أن هذه الروايات (الحاجز، الحرذون الأبيض، الأبعاد)، لها أبطالها ومواضيعها الخاصة، إلا أنها تلتقي بمشتركات كثيرة تكمن في امتزاج الواقع بالخيال، والمعقول باللامعقول، والحقائق العلمية بالتصورات الميتافيزيقية، وتوحدها الحماسة العامة والتفكير الشامل.

وتألق البياتي في ترجمة ثلاث روايات من أدب الخيال العلمي: (العبقري المتواضع، وفتاة عند جرفٍ هاوٍ أو مذكرات كوفريغين، واللغز المغلق)، صدرت بكتاب عن دار المأمون في بغداد 1992. هذه الروايات الإبداعية المميزة اشتهر بها الأديب السوفيتي المبدع (فاديم شيفنر)، الذي امتاز بخيال شاعري خصب، وبثقافة متعددة الأبعاد.

وأبدع البياتي في ترجمة مجموعة قصص للأحداث بعنوان: (أحفاد كولومبس في أربطة عنق طلائعية)، للكاتب الأوزبكي (فلاديمير باراباش)، صدرت بكتاب عن دار ثقافة الأطفال في بغداد 1992. أبطال هذه القصص من التلاميذ، وهي ذات طابع تعليمي تربوي توجيهي، مفعمة بعناصر التشويق والمغامرة والاستكشاف، وحب الوطن والناس والمعرفة والعمل. ورغم اختلاف مضامينها وتوجهاتها ولكنها تلتقي بجوهر واحد هو دنيا الطفولة وعالم الأحداث، وما يشغلهم سواء في أجواء المدرسة أو في ظل تعقيدات المجتمع الكبير.

ويأخذنا البياتي إلى أجواء المسرح، حيث ترجم مسرحية (لا تقلقي، يا أُمي)، للكاتب الجورجي (نودار دومبادزه). وأصدرها بكتاب عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد 1995، جرت أحداث المسرحية في ستينات القرن الماضي في مدينة تفليس عاصمة جمهورية جورجيا السوفيتية. المسرحية من فصلين، بطلها طفل يتيم فاقد الأبوين، كان يعيش تحت رعاية جده في إحدى القرى، وبعدها انتقل إلى بيت عمته في العاصمة، وهناك تعرف على فتاة جامعية مرتبطة بحلقة شبابية، من الشعراء والكتاب والفنانين والرياضيين، ونتيجة حالة الإغتراب التي عاشها، والفوارق الكثيرة التي عكسها الواقع الاجتماعي، انتهى به الأمر إلى مشادة مع فئة من المشاغبين داخل هذه المجموعة، فيقع طريح الأرض. لقد عكس الفصل الأول من المسرحية حياة فئة معينة من الشباب المتطلع إلى التجديد بوسائل الرفض واللامعقول. أما الفصل الثاني فقد دارت أحداثه في إحدى نقاط التفتيش الحدودية، وبرز فيها دور مجموعة من مقاتلي حرس الحدود في مواجهة البعض من الشباب الذين يحاولون اجتياز الحدود للفرار إلى الخارج. امتزجت في هذه المسرحية أجواء الكوميديا بالعناصر الغنائية والعاطفية المفعمة بالحماسة والحركة والإثارة، التي لا تخلو من أجواء الفكاهة والمتعة الفنية الجمالية.

وضم الكتاب أيضاً مقدمة كتبها البياتي لمجموعة شعرية أصدرها الشاعر اليماني الدكتور سالم عوض رموضه، في آب 2000، عندما كان يعمل استاذاً للأدب العربي في كلية التربية في مدينة سيئون في اليمن. وكذلك ضم القسم الأول مقدمة كتاب (وجوه بصرية) الذي أصدره الشاعر عن دار الفارابي في 2010. تناول الكتاب الذي يتألف من ستة أبواب وخمسة فصول، مئتين وخمسة وثمانين وجهاً بصرياً من الجنسين، ومن مختلف شرائح المجتمع البصري. وقد خص البياتي كل وجه من الوجوه برباعية شعرية وتعليقات تعريفية وتوضيحية تتناسب وجو الرباعية الشعرية وخصائص كل وجه بما يستحق من ثناء أو تعليق.

وترجم شاعرنا كذلك كتاباً يضم خمس مسرحيات كوميدية ذات فصل واحد، نُشِرت متفرقةً في المجلات العراقية، وعُرقت إحدى المسرحيات (الاستلاب) إلى اللهجة العامية العراقية، وعُرضت تحت عنوان (الحرامي). هذه المجموعة من المسرحيات ذات طابع كوميدي ممزوج بأجواء التراجيديا، قدم لها البياتي بإشارات تعريفية، أوضح فيها الأسلوب النقدي للمؤلفين (كريكوري كورن، واركادي اركانوف)، اللذين تمكنا من رصد الكثير من الظواهر الاجتماعية في العهد السوفيتي، ونقدها بطريقة فكاهية ساخرة. وينوي البياتي إصدار هذه المسرحيات في كتاب مستقل خدمة لحركة المسرح العربي.

ومن الترجمات التي إعتز بها البياتي كتاب (أساطير القرم)، الذي ضم أربعاً وثلاثين حكاية أسطورية من شبه جزيرة القرم، تمثل الموروث الشعبي الذي تتناقله الأجيال، أغلب الأماكن التي تدور فيها أحداث هذه الأساطير قد زارها وعايشها البياتي لأكثر من مرة. تمكن شاعرنا من نشر البعض منها في المجلات العراقية، واحتفظ بمسودة الكتاب جاهزة للنشر، ولكن للأسف لم ترَ النور لحد الآن. كل هذه الحكايات مجهولة المؤلف عدا واحدة للأديب الكبير مكسيم كوركي. جوهر هذه الحكايات الصراع الذي يدور حول قيم الخير والشر، معظم أبطالها سحرة وساحرات وقوى خارقة، غير أن البطل الأساس هو الشعب، بالإضافة إلى اعتمادها على المظاهر الطبيعة المختلفة كالجبال والتلال والغابات وغيرها، ومنها ما هو غير طبيعي من صنع الإنسان كالقلاع والأبراج وغيرها. كل أسطورة لها متعة جمالية راقية لما تحمله من أفكار وقيم وحكم ومواعظ أخلاقية.

واحتل الشعر حيزاً كبيراً في مجال ترجمة الأعمال الإبداعية، فلم يكن إختيار الشاعرة الأرمنية المشهورة (سيلفا كابوتيكيان)، إلا لجودة قصائدها المكرسة للتعبير عن واقع الحياة وقضاياها العامة، وتنوع مواضيعها في مجالات الوطن والحب والحرب. فشعرها مفعم بعواطف الحب الإنساني اللامحدود لأرض الوطن والناس. وقصائدها الذاتية ملتهبة بكل الأحاسيس والانفعالات الإنسانية من سعادة وشقاء ووئام وخصام ولقاء وفراق، وغيرها من آثار تصب في عمق مفاهيم الحياة المغلفة بالأفراحِ والأحزان. انتقى البياتي أربع قصائد من مجموعتها الشعرية المختارة، نشرها في مجلة (صوت الجامعة) الصادرة من جامعة البصرة سنة 1979.

وفي إطار التنوع ترجم شاعرنا خمس قصائد رائعة للشاعرة البلغارية (ليليانا ستيفانوفا)، نشرها في مجلة الثقافة الأجنبية في بغداد 1996. وقع إختياره على هذه الشاعرة لأنها قدمت نفسها بأنها شاعرة غنائية ذات نبرة أنثوية وحس وجداني عاطفي جذاب بنزعة فلسفية اكتسبتها من تجاربها الحياتية، وهي تكتب بالطريقتين التقليدية والحرة، اكتسبت شهرتها لكونها كاتبة وصحافية وشخصية اجتماعية معاصرة تخطت شهرتها حدود وطنها إلى آفاق أوسع، فتألقت في تطوير مواهبها الشعرية والأدبية، متأثرة بعمالقة الشعر البلغاري والروسي. امتازت بتناول موضوع وطنها الأم بلغاريا إضافة إلى مواضيع أخرى كالزمن بكل أبعاده.

والشاعر الروسي الاجتماعي السياسي (سميون كيرسانوف) كان له نصيب وافر في ترجمة قصيدته القصصية الطويلة، بعنوان (آثار على الرمال)، التي قدمها في مهرجان الشعر في موسكو 1960، هذا المهرجان الذي حضر البياتي جوانب من فعالياته. نُشِرت القصيدة في مجلة الثقافة الأجنبية في بغداد سنة 1991. لقد احتلت القصائد القصصية الطويلة للشاعر كيرسانوف، بمضامينها الاجتماعية، التاريخية، الفلسفية، مكانة كبيرة في أعماله الإبداعية، لأن شعره امتاز بتنوع الإيقاعات وبالدقة والذكاء في اختيار الألفاظ المناسبة لأجواء قصائده التي طغت عليها الفلسفة – الوجدانية النابعة من عمق التأمل في طبيعة علاقة الإنسان بمجتمعه وبالتاريخ وبدائرة الكون الذي يحيط به.

وتضمن القسم الأول ترجمة قصتين الأولى، (الإثم) للكاتب الروسي ميخائيل جيخوف، كتب البياتي مقدمتها ونُشِرت في مجلة آفاق عربية في بغداد في آذار 1988. يذكر البياتي أن ميخائيل مترجم أدبي متمكن أتقن الإنكليزية والفرنسية ثم الإيطالية، وقد نشر نتاجه الأدبي في معظم الصحف والدوريات وبعدها ظهرت آثاره الإبداعية بطبعات مستقلة. وموضوعات ميخائيل واقعية مرتبطة بالوجود الإنساني، مُشبعة بالأحاسيس النبيلة التي يحملها أصحاب القلوب البيضاء. وهو من المعروفين بمحاربة الخرافات وضيق الأفق والابتذال. فمن خلال الاطلاع على قصة الإثم ندرك جيداً عمق ثقافة ميخائيل وقدرته في الغوص في الأحداث الاجتماعية الواقعية وإشكالاتها في أثر الدوافع الاقتصادية ومدى حاجة شرائح اجتماعية تعاني العوز، فتندفع من منطلقات ذاتية إلى الإيغال في التجني على القيم الإنسانية.

والقصة الثانية (إبريق الشاي)، في نهاية القسم الأول، للكاتب الروسي المعاصر يوري كوفال، الذي تألق في مجال أدب الأطفال، بالإضافة إلى إهتمامه بأدب الكبار. ترجم شاعرنا القصة ونشرها في جريدة الجامعة في بغداد 1989. إمتازت أعماله القصصية القصيرة بإيجاز العبارة، والميل إلى الأمثولة والحكايات التي فيها مغزى، وذات اسلوب ساخر. فمن خلال الحوار والتجاذب مع إبريق الشاي، والشخصيات التي تفاعلت مع تقنيات العصر، ندرك بأن القصة تحمل سمات الحداثة.

 

د. عبدالحسين صالح الطائي، عراقي مقيم في لندن

 

nabil alrobaeiيؤكد القاضي والباحث طارق حرب في تعليقه على دور العلامة عبد الكريم الماشطة من خلال الحفل الاستذكاري التي أقامته مؤسسة المدى في شارع المتنبي قال: من يقرأ مقالة الشيخ عبد الكريم الماشطة عن الإمام أبو حامد الغزالي يجد أن متصوفة بغداد كانت لهم مكانة خاصة في قلبه، إلا أن الشيخ الماشطة دخل التصوف يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، والسبب في ذلك هو أن الشيخ الماشطة كان لا يزال متأثراً بتاريخه الحضاري.

صدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في مدينة الحلة الكتاب الموسوم (مبادئ الصوفية وحكمة الإشراق) وهو جمع وتحقيق الدكتور سعد الحداد، الكتاب يمثل مقالات للشيخ عبد الكريم الماشطة نشرها في مجلة (الحكمة) الحلية سنة 1936م لصاحبها ورئيس تحريرها رؤوف الجبوري، ولعدم تيسر المجلة في الوقت الحاضر، آثر الدكتور الحداد على إخراج المقالات بكتابٍ واحد مبقياً على عنوانها الذي نشرت به يومذاك، ليضاف إلى المكتبة الحلية إرثاً بهياً من إرث علمائها التنويريين.

أولى الشيخ عبد الكريم الماشطة بعلم التصوف ومبادئه، ووضعه تحت مجهر الفحص والتحليل من خلال مقالاته التي نشرها في مجلة الحكمة الحلية سنة 1936م الأعداد (الأول/ ت1 1936، الثالث/ ك1/1936،الرابع/ ك2 1937، الخامس/ شباط/1937، السادس/ آذار/1937)، ليبعده عن آثار الشعوذة والأوهام، وكان للدكتور سعد الحداد الدور الكبير في جمع مقالات الشيخ الماشطة ليضعه بين يدي القارئ، والكتاب مجموعة من المقالات التي نشرها الشيخ الماشطة في حياته تحت عنوان (مبادئ الصوفية وحكمة الإشراق)، وقد عمل الباحث د. الحداد على شرح العبارات والمصطلحات التي تستحق الوقوف عليها، وترجم جميع الأعلام الوارد ذكرهم في المقالات، كما ترجم للمؤلف الشيخ الماشطة سيرة حياته ومنجزاته العلمية ومواقفه الوطنية.

مقدمة الكتاب بقلم د.أسماء غريب، وحقيقة أن هذه المقدمة تغني القارئ عن الغاية التي توخاها الباحث والمحقق د. سعد الحداد من هذا الكتاب، تقول د. غريب حول الشيخ عبد الكريم الماشطة (عَلم من أعلام الفكر المتنور، الشيخ المفضال صاحب راية السلم والسلام عبد الكريم رضا الحلي، الملقب بالماشطة لأنه كان يمشط العقول بحرفه المتنور ويحررها من ربقات الجهل وقيود الظلم والظلام والتخلف... لأرى طفولته وهو في الكُتّاب، وشبابه وهو في الحوزات العلمية تارة في النجف الأشرف وتارة في بغداد، وتارة بكربلاء، ولأرى أيضاً مقالاته منشورة في مجلتي (الفيحاء) و(الحكمة)، ولأراه وهو يكابد الأمرين من أجل إصدار مجلته (العدل) التي كان لها الحاقدون بالمرصاد، ولم يهدأ لهم بال حتى أجهضوها ولما يصدر بعد منها سوى عددٍ واحدٍ... مطبوعاته بما فيها كُتيبه الذي أصدره سنة 1959م في مدينة الناصرية بعنوان (الشيوعية لا تتعارض مع الإسلام والقومية).. وأنا مثله كتبت كثيراً عن السلام وأهله، وأنا مثله رافقت (الشيوعيين) وكتبت عنهم وترجمت لهم بحرف المحبة الكونية العالمية، حتى كاد قرائي وأهل الأدب يظنون أنني شيوعية الهوى والفكر وما كنت كذلك قط، ولكنني مثل الماشطة أقول إنّ الشيوعية لم تتعارض ولو ليوم واحد مع الإيمان أو الدين أو التدين، وأنها ولم تزل لليوم في حاجة إلى من يقرؤها بعين الفحص والتدقيق، وعين العدل والحوار والتقارب بين مثقفي العالم وعلمائه وفلاسفته الجهابذة.

حياته:

يعد الشيخ الماشطة أحد رواد التنوير في العراق، وهو ابن الحاج عبد الرضا بن الحاج حسين بن الحاج محسن الماشطة، ولد عام 1881م، في أحد بيوتات محلة جبران، زقاق (الجياييل) في مدينة الحلة الفيحاء، وكان والده من الشخصيات الوطنية التي طالبت بالدستور في بداية القرن العشرين، وامتدت طموحاته الكبيرة إلى إزالة الوضع الاستبدادي القائم، وتحسين أحوال العراقيين الاجتماعية والمعيشية، مما دعا إلى الاشتراك مع مجموعة من مفكري المجتمع الحلي بتشكيل جمعية سرية تكون فرعاً لجمعية الاتحاد والترقي.

بدأ الشيخ عبد الكريم الماشطة تعليمه بكتاتيب الحلة، وبرغبة من والده شد رحاله إلى النجف الأشرف، فأكمل المقرر من دروسه في النحو والبلاغة والمنطق والفقه وأصوله، فحاز على ناصية وزمام أمره كما أكد ذلك الباحث أحمد الناجي في كتابه (الشيخ عبد الكريم الماشطة أحد رواد التنوير في العراق)، وحين هبت رياح التجديد ارتبط الماشطة بالفكر التنويري، ممثلاً بأفكار رفاعة الطهطاوي، وعبد الرحمن الكواكبي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وكان الشيخ الماشطة أحد طلاب الحوزة الدينية المدافعون عن الدستور، متأثراً بفكر وسيرة والده.

لم يكن الشيخ الماشطة بعيداً عن ما مر على العراق من أحداث، وكل خفايا الاحتلال البريطاني 1914/1918م، وأحداث معارك الشعيبة عام 1915م، والأحداث المروعة التي مرت بها الحلة أواخر العهد العثماني في واقعة (دكة عاكف) 1916م، وأحدث ثورة العشرين، وتبلورت صور المشهد السياسي في ذهن الشيخ الماشطة المتابع لتفاصيل الأحداث، مما أنغرس في أغوار الذاكرة من بذرات أستاذه الآخوند ملا كاظم الخراساني زعيم الحركة المشروطة، تلك الحركة التنويرية الإصلاحية التي دعت سنة 1905م إلى التجديد والعدالة والدستور، وبدعم من الشيخ محمد حسين النائيني.

أصدر الشيخ الماشطة مجلته (العدل) عدداً واحداً في آذار عام 1938م، طبع في المطبعة العصرية في الحلة الفيحاء، وقد صادرته السلطة قبل توزيعه، وألغيت امتياز المجلة. ويذكر د. الحداد في ص16، لقد : ساهم الشيخ الماشطة في تأسيس حزب الشعب في مدينة الحلة سنة 1946م، وبعد عام واحد من النشاط الحزبي ألغيت إجازة الحزب في 19/9/1947م.

لم يكن الشيخ الماشطة ببعيد عن الأحداث العالمية وللحاجة الإنسانية للسلام وتجنب كوارث الحروب بعد الحرب العالمية الثانية، فقد لبى الدعوى الصادرة من مؤتمر السلام العالمي في 19 آذار 1950م لتحريم القنبلة الذرية، ولبى الدعوى أيضاً شخصيات سياسية عراقية أخرى منهم شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، والشاعر عبد الله كوران، ويعد الشيخ الماشطة رجل الدين الأول الذي لبى نداء السلم ووقع على بنوده الخمسة الصادرة عن اجتماع استوكهولم. وقد حصل الشيخ الماشطة على الوسام الذهبي تقديراً وتكريماً لهوده.

كما خاض الشيخ الماشطة الانتخابات النيابية عام 1954م متحالفاً مع تكوينات الجبهة الوطنية التي تضمنت تحت لواءها الحزب الوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال، والحزب الشيوعي العراقي، وحركة أنصار السلام، ومنظمات الطلاب والشباب والنقابات المهنية والعمالية وممثلي الفلاحين.

تعرض الشيخ الماشطة للاعتقال أكثر من مرة، إلا أنه لم يلبث أن يعود إلى جهاده المساند للجماهير الداعية لنصرة قضايا السلام في العالم، المكافحة للاستعمار وأذنابه في العراق. كما بارك الشيخ الماشطة لثورة 14 تموز 1958م وأيدها، لكنه أدرك أن الثورة قصيرة العمر لما يختلجها من صرعات وخلافات بين قادتها.

كان الشيخ من الكتاب والصحفيين الوطنيين الذين لم تسخر أقلامهم إلا لمصلحة شعبهم وتطلعاته، بعد التغيير الوطني عام 1958م، نشر الشيخ الماشطة مقالات في الصحف العراقية آنذاك منها (اتحاد الشعب، وصوت الأحرار).

للشيخ الماشطة مؤلفات كثيرة مطبوعة ومخطوطة، ومقالات لا تحصى نشرت بالصحف العراقية، وأهم ما يذكر في هذا الباب كتابه الذي ذكره الأستاذ كوركيس عواد في (معجم المؤلفين العراقيين)، ويؤكده الأستاذ حميد المطبعي في (موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين)، وعنوان كتاب الشيخ الماشطة (الشيوعية لا تتصادم مع الدين ولا مع القومية العربية)، ومؤلفه الثاني الأحكام الجعفرية في الأصول الشخصية، وقد طبع أكثر من مرة منها الطبعة الأولى عام 1923م في بغداد والثانية في القاهرة سنة 1947م. وكتب الشيخ الماشطة الكثير من المقالات ، حيث يذكر د. الحداد في كتابه ص18 منها : جريدتا (صوت الفرات) 1952م، و(القافلة) 1959م، التي أصدرهما مع الشيخ حميد سعيد الغاوي، كذلك جريدة (الفيحاء) 1927م، وجريدة (حمورابي) 1935م، ومجلة (الحكمة) 1936م، وجريدة (الحلة) 1937، وجريدة (التوحيد) 1946، وجريدتي اتحاد الشعب وصوت الأحرار الصادرتين في بغداد.

أصيب الشيخ الماشطة بمرض عجز القلب بداية عام 1959م، وغادر إلى الاتحاد السوفيتي آنذاك لتلقي العلاج، ولم يمكث طويلاً في موسكو وعاد إلى مستشفيات بغداد وتوفى فيها في 3 أيلول عام 1959م. ونقل جثمانه إلى الحلة الفيحاء ومنها شيّع لمثواه الأخير النجف الأشرف، وأقيمت له أكثر من مجلس فاتحة أو أربعينية في مختلف المحافظات العراقية، وخارج العراق، ونعاه المكتب الدائم للمجلس الوطني لأنصار السلم في الجمهورية العراقية.

مبادئ الصوفية وحكمة الإشراق:

من خلال متابعتي لحلقات الكتاب الخمس التي جمعها د. سعد الحداد، حول مبادئ الصوفية وحكمة الإشراق، وجدت أن الشيخ الماشطة قد عالج مسألة الاغتراب عند الصوفية، وقد وضح الشيخ الماشطة حال كل صنف من أصناف التصوف، بما لهُ من الخواص والمميزات التي تميزه عن باقي الأصناف الكثيرة، لكن الشيخ الماشطة سلط الضوء على أربعة من أصنافهم منها : من كان منهم على طريقة الحكماء الإشراقيين من المتوغلين في الحكمة النظرية والحكمة العملية، وكذلك أتباع الفقهاء من المتوغلين في المواعظ والرقائق، فضلاً عن أهل الجهل من العُباد المتقشفين، والصنف الرابع هم أرباب الدجل والشعوذة.

أما إطلاق اسم الصوفية عليهم يقول الشيخ الماشطة في ص24 من الكتاب قال : فهو من مستحدثات القرن الثاني الهجري، وفي بعض الآثار أن الحسن البصري قد استعمل هذه الكلمة بمعناها المعروف بين المتأخرين. وعلى كلٍّ فلم تستعمل هذه الكلمة في عهد الرسول (ص) ولا في عهد الصحابة الكرام بمعناها الذي اشتهرت به في القرن الثاني والثالث الهجريين وما بعدهما.

لكن العلّة لإطلاق كلمة الإشراقيين على هذه الطائفة من المتصوفة هي نفس العلة لوصف الفلاسفه بأنهم أرباب المكاشفات والمشاهدات والأحوال والمقامات، وهي ما يدعيه كل  الفريقين من حصول العلوم والمعارف لهم بطريقة غير الطريقة المعروفة بين أهل العلم من المشائين.

كما ذكر الشيخ الماشطة في ص33 من الكتاب وما يخص الغزالي بفلسفته وما فعلوه علماء المغرب بكتبه من حيث اشتمالها على الفلسفة، قال : فخاف أن يسري هذا الوباء إلى المشرق فصنف كتابه (المنقذ من الضلال) تخلصاً من  شر أمثال هؤلاء الذين وصفهم بقوله (شركاء الطغام ، وأمثال الأنعام، وأتباع العوام، وسفهاء الأحلام، وعار أهل الإسلام).

ويعلق الشيخ الماشطة في ص35 من الكتاب حول المتصوفة يقول : إن هذه الطائفة من الصوفية اعني الذين هم على طريقة حكماء الإشراق قد تستر بعضهم بالتقشف والعبادة، وامتنعوا عن تدريس الحكمة بصورة صريحة، كما تستر بعضهم بالفقه، ذلك من اجل ابتلاء الحكماء بأهل الظاهر الذين جمدوا على ظاهر الكتاب والسنة.

هؤلاء من أنكروا عليهم آرائهم الفلسفية ورموهم بالزندقة والمروق من الدين فاضطروا إلى إخفاء أمرهم، وقد قتل الكثير منهم بفتوى من عاصرهم من الفقهاء ومنهم أبي الفتح السهروردي ومحي الدين ابن عربي وغيرهم، كما توعد المجلسي الشيعي المذهب صاحب بحار الأنوار لما صار شيخاً واستمد قوته من سلاطين الدولة الصفوية بمطاردة الحكماء من الصوفية.

في ص38 عرَّف الشيخ الماشطة الصوفية  قال : إن الصوفية كغيرهم من الحكماء المتألهين، بأن للنفس الإنسانية لذة وألماً روحانيين، وسعادة وشقاوة معنويين، وراء اللذات والآلام الحسية. وقد اتفق الحكماء الإلهيون من الصوفية وغيرهم، على أن الرذائل الممقوتة والأخلاق السافلة هي مناط الآلام والهموم في دار الدنيا.

إن الطريقة الإشراقية لتلقي المعارف بعد الحصول على شرائطها من التجرد والتخلي عن الشواغل لا يمكن أن يحصل بمها إلا بعض مسائل العلم الإلهي وليست عامة ومطلقة في سائر العلوم، ويرى الشيخ الماشطة في ص41 أنه لا طريقة لاكتساب المعارف سوى الطريقة المشهورة وهي الطريقة الفكرية البحثية وما يرى من حصول التصديق ببعض القضايا التي لا تعرف المقدمات المنتجة لها عند التبحر وصفاء الذهن.

لكن يرى الشيخ الماشطة في المتوصفة أن ليس لهم عناية بالحوادث المستقبلية، ففي ص43 قال : وما ينقل عنهم من تلك الحوادث، فهو إما من وضع الجهال، أو من افتراء الدجالين، أو ناتج عن الحدس والفراسة. وهذا قول واقعي لما صرح به الشيخ الماشطة حول اهتمام البعض في هذا الغلط تقليداً قد يكون للفلسفة البابلية حول تكهنات المستقبل وكذلك أحكام النجوم لابن عربي وأخوان الصفا.

يؤكد الشيخ الماشطة في الحلقة الثانية ص47 حول الفلسفة الصوفية والحكمة الإشراقية أنها (مغايرة لفلسفة المشائين أتباع المعلم الأول أرسطو، ومن تابعهم من فلاسفة الإسلام كالفارابي والشيخ الرئيس ابن سينا.

والإشراقيون تنتهي بهم السلسلة إلى أفلاطون وسقراط وغيرهما من حكماء الإشراق، والمشاؤون ينتهي سندهم إلى أرسطو. وان أرسطو أخذ نظرية السعادة عن شيخه أفلاطون وعن سقراط وفيثاغورس وغيرهم من المتألهين على الطريقة الإشراقية.

من خلال إطلاعي على الكتاب يرى الشيخ الماشطة أن الصوفي كغيره من الحكماء يعتقد بأن النفس البشرية تشعر باللذة والألم والسعادة والشقاوة، ويعترض على إنزال عقوبة القتل بالصوفية منطلقاً من حرية المعتقد والرأي، ودعا الشيخ الماشطة انه لا طريق لاكتساب المعارف سوى الطريقة الفكرية البحثية وما يرى من حصول التصديق ببعض القضايا التي لا تعرف المقدمات المنتجة لها عند التجرد وصفاء الذهن، ودعا الشيخ لأول مرة إلى موضوع  وهو المراد به الاستحسان.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

1021 samirصدر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمان كتاب بعنوان  "شياطين في حضرة الملكوت" ويقع الكتاب في 198 صفحة من القطع المتوسط.

يبدأ الكاتب مشواره بنسج فسيفساءه التي تنتمي إلى حقول معرفية عديدة، بعضها ينتمي إلى زمن الفلسفة التأويلية، وبعضها ينتمي إلى ميكانيكا الكم، بلغة سلسة وشائقة حد الانسياب.

"شياطين في حضرة الملكوت" محاولةٌ للاقتراب من المطلق، بل لعله يشبه الاهتداء بعلامات النجوم في فضاء لا حدود له. ولأن هذه المحاولة تنتمي إلى زمنها الذي وُلدت فيه كانت علاماتها من جنس هذا الزمان وبلغته. إن الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق، غير أن الأنفاس اليوم نضجت وتعقدت.لم تعد دروب العرفان منحصرة بما يؤدي إليه التجريد الفلسفي، أو يبوح به العرفان الصوفي المضنون به على غير أهله. صار للأنفاس فكر رقمي ومنجزات تقنية وامتدادات في آفاق المجرات وولوج إلى غياهب العالم دون الذري.

فإن أردتم أن نختصر هذا الكتاب فلنا أن نقول أنه قطع من الفسيفساء التي تنتمي إلى حقول معرفية عديدة؛ لكنها بالمجمل أحد عشر مقالا تنتمي إلى زمن الفلسفة التأويلية من جهة، وفتوحات ميكانيكا الكم من جهة ثانية. مقالات تناقش مفاهيم معقدة بلغة مبسطة. وتحضر فيها مفاهيم الزمن والخلود والأكون المتوازية جنبا إلى جنب مع إبداعات البشر في الشعر القصة. إنها مناجاة مع الله تارة عبر رصانة العلوم، وتارة عبر قيثارة التصوف، وتارة عبر استشرافات الفلسفة، وتارة عبر روائع الأدب، وفي أغلب الأحيان عبر اختلاطها جميعا لأن موضوع هذا الكتاب واحد. إن المناجاة عشق في جانب منها ومحاولة للفهم في جانب آخر. وحين يكون موضوعك من الجلال والجمال بما يفوق الوصف يصبح الفهم دربا من دروب التعشق. هكذا هي المعرفة؛ شغف في أعماق الإنسان يجذبه نحو آفاق جديدة. فإن قصرت هذه المحاولة في جانب العشق فإنما ذاك لذهولها أمام معشوقها. وإن قصرت في جانب الفهم عن إبداع شيء جديد فيكفيها من التجربة أنها قد دونت شهادتها فيه، وناجته بأقصى ما استطاعته من عشق ومن حكمة.

يمكن قراءة المقالات بالترتيب، وهو الأفضل. ويمكن قراءتها بشكل عشوائي بحسب اهتمام القارئ؛ فهذا الكتاب متصل منفصل. وفي النهاية ثبت بأهم المراجع التي يمكن العودة إليها لمزيد من الإحاطة بالمواضيع المطروحة في ثنايا المقالات.

السيرة الذاتية للكاتب

سامر حيدر المجالي

من مواليد عمان، عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، في العام ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين

حاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية من الجامعة الأردنية. وشهادة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة نورثامبتون

يعمل في المملكة العربية السعودية منذ العام ألفين

"شياطين في حضرة الملكوت" هو الإصدار الأول

1018 nabilكان لأبناء الديانة اليهودية ومنذ القدم لحياتهم المتغربنة والمنعتقة والمندمجة اندماجاً سريعاً في المجتمع العراقي الحديث وثقافته منذٌ أكثر من 2500 سنة، أي من السبي الآشوري الأول عام 859 ق.م ولغاية عام 1973م. وقد بدأ الانقلاب على هذه المفاهيم في ثلاثينات القرن العشرين، حيث بلغت ذروتها أحداث الفرهود في يومي الأول والثاني من حزيران عام 1941م، وقد أماطت اللثام أحداث الفرهود عن الجانب المظلم والمنطوي على خطورة الحركة القومية العراقية، بنزعاتها الفاشية والمعادية للسامية، وكان القوميون العراقيون ينظرون إلى اليهود بوصفهم أقلية عرقية ووطنية ترتبط بالاستعمار البريطاني وبالصهيونية، ولذا فقد نظروا إليهم على أنهم دخلاء غادرين لا ينتمون إلى العراق.

لقد غيّر الفرهود التاريخ اليهودي العراقي، فقد قوّض الأسس الإيديولوجية والاجتماعية للاندماج الذي كان يميز الطبقة العليا والمثقفين ومسؤولي الطائفة، فضلاً عن أنه أحدث صحوة في الطائفة اليهودية للقيام ببحث فاعل عن سبل لتغيير الوضع، سواء أكان ذلك عبر الهجرة أو من خلال الحركات الثورية، وكانت هذه الآليات واضحة على نحوٍ بين الشباب الذين كانوا قد ترعرعوا على مبادئ المساواة والوطنية العراقية.

عن دار ميزوبوتاميا في بغداد صدر للكاتبة د. إيستر مائير غليتشنتاين الكتاب الموسوم (رحيل يهود العراق .. 1948 – 1951م) ترجمة مصطفى نعمان أحمد، الكتاب يحتوي على (175) صفحة من الحجم المتوسط، خالي من الأخطاء المطبعية واللغوية، ذات طباعة وترجمة جيدة، إذ سلطت الكاتبة الضوء على نقاط التماس بين الحركة الصهيونية في العراق ودورها الكبير في ترحيل يهود العراق، وفق حقائق وأدلة ووثائق مهمة وجديدة تخص حركتي هحالتوس والهاغاناه، تذكر الكاتبة غليتشنتاين في ص 75 قالت : ثمة مؤسسة طوارئ ضمت مستشارين ومبعوثين جرى تأسيسها لجمع المعلومات وتوصيل التعليمات إلى الأعضاء، وتشكّلت أيضاً لجنة طوارئ تتألف من ثلاثة أشخاص (نعيم بيخور وديفيد شوخر وسالم خليفة) لإقناع الناس المؤثرين بالعمل لخدمة القضية الصهيونية. (يوسف مائير. ما وراء الصحراء: الحركة الرائدة في العراق .تل أبيب وزارة الدفاع173) ص 180.

وثمة معلومات مهمة حصلت عليها الشرطة العراقية مكّنتها (أي مكنت الحركة) من إخراج أعضاء مطلوبين للشرطة من منازلهم وإخفائهم، وسرعان ما كان ثمة (100) شخص قي الاختفاء، وكان ثمة مبعوثان يعملان في بغداد في ذلك الوقت، وهما رافائيل زوراني وديفيد بن مائير، وكان زوراني وهو عضو عتيد في حركتي هحالوتس والهاغاناة، أحد مؤسسي مستوطنة بئيري الإسرائيلية فضلاً عن كونه مختاراً للمستوطنة.

الكتاب يسلط الضوء على النشاط الصهيوني في العراق بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، تذكر غليتشنتاين في ص23 إن : في عشرينات القرن العشرين كانت ثمة العديد من المنظمات الصهيونية في العراق، وضمت هذه المنظمات نوادياً اجتماعية كان أعضاؤها يدرسون فيها العبرية الحديثة، ويقرؤون كتباً وصحفاً عبرية، ويعقدون محاورات ومناقشات، ويشاركون في ألعاب رياضية. لكن غليتشنتاين قد تغافلت عن أن للحكومة الملكية الهاشمية عام 1924م، كان لهُا الدور في منح هذه المنظمات الإجازة بالعمل داخل العراق، فضلاً عن ثلاثة (3) من يهود بغداد الشباب قد قاموا بتأسيس مجموعة صهيونيّة في العراق خلال عام 1914م تهدف إلى الارتباط بالحركة الصهيونيّة العالميّة، وهم (روفائيل حوريتس، موريس فتّال، ومنشّي حكيم). وقد قام هؤلاء الشباب اليهود البغداديّون الصهاينة الثلاثة بالاتّصال بالمسئولين في المنظّمة الصهيونيّة في العاصمة الألمانيّة برلين، طالبين إليهم إرسال جرائد ودوريّات وكتب عن الحركة الصهيونيّة، لكي يتمّ توزيعها بين يهود بغداد. وقد كان لهم ما أرادوا، حيث أرسلت لهم كلّ طلباتهم من برلين، ولكنّ المنظّمة الصهيونيّة في برلين نصحتهم، في الوقت ذاته، بالتريّث حتّى ينجلي مصير الحركة الصهيونيّة الّتي تمّ تأسيسها في إسطنبول.

وكان للمعلم أهارون ساسون معلم الدور الكبير في نشر الفكر الصهيوني في العراق من خلال دوره التربوي في مدارس الاليانس، ولكنّ الصهيوني البغدادي أهارون ساسون عام 1919م قام بزيارة سريعة إلى فلسطين، ورغم أنّه زعم ، هو وجماعته الصغيرة من يهود العراق المتصهينين، كانوا قد تشبّعوا بالحركة وأفكارها في أعماق قلوبهم، إلاّ أنّه لا يبدو أنّهم كانوا يعلمون ماذا كانت بالضبط الأمور الّتي كانت تريدها منهم المنظّمة الصهيونيّة العالميّة. وقد قام أهارون ساسون، في خريف عام 1919م هذا، بجمع تبرّعات للصندوق القومي اليهودي (الجمعيّة العالميّة لتمويل المشروع الصهيوني)، ولكنّه وجد نفسه جاهلاً بكيفيّة إرسالها وإلى من، وذلك حتّى شهر شباط (فبراير) من العام التالي 1920م، حيث توصّل إلى كيفيّة إيصال مبالغ التبرّعات هذه إلى الصندوق القومي اليهودي، كما أصبح الموزّع الرئيسي في العراق لجريدة العالم اليهوديّة الصادرة في لندن باللّغة العبريّة، والّتي أرتفع عدد المشتركين فيها بين يهود العراق من عشرين (20)  مشتركاً إلى خمسين (50) مشتركاً خلال أربعة (4) أشهر. خلال عام 1924م، انتحلت "الجمعيّة الأدبيّة اليهوديّة" العراقيّة الّتي يرأسها أهارون ساسون، اسماً سرّيّاً، هو "الإتّحاد الصهيوني لبلاد ما بين النهرين"، حيث قام أهارون ساسون بالكتابة  للمنظّمة الصهيونيّة في لندن قائلاً بأنّ جمعيّته لها فروع في البصرة وخانقين والعمارة واربيل وأنّ عدد أعضائها بلغ ألف (1،000) شخصاً.

علماً أن اهارون معلم قد فتح مدرسة خاصة بإدارته تدعى (مدرسة فردوس الأولاد) لنشر الفكر الصهيوني، حتى تم تحذيره من قبل الشرطة العراقية وطرده من العراق عام 1934م. لكن بدأت أسوأ أزمة في تاريخ الحركة الصهيونية العراقية في تشرين الأول من عام 1949م، إذ تذكر الكاتبة غليتشنتاين في ص75 : (بوشاية من مخبر، وتروي المصادر الصهيونية إن شيوعياً كان ينتمي في السابق إلى الحركة الصهيونية، أفضى إلى المحققين بأسماء الكثيرين من مستشاري حركة هحالوتس، وسرعان ما جرى اعتقال العشرات من أعضاء حركة هحالوتس، بضمنهم شخص كان ينتمي إلى الهاغاناه، وقد جرى حل مؤسسات حركتي هحالوتس والهاغاناه، وإيقاف النشاط المعتاد فضلاً عن إخفاء أو إتلاف المواد المكتوبة)، وتعقب الكاتبة في ص117 على دور الحركة الصهيونية في العراق تقول : (وثمة حساب للأعضاء أظهر أن حوالي (700) عضو قد غادروا العراق، وكان ثمة (250) عضواً آخر قد ارتحلوا إلى إسرائيل، وكان زهاء (50) عضواً في السجن و(50) عضواً كان قد أخلي سبيلهم. ومن أصل الـ(64) مستشاراً فضلاً عن الناشطين الآخرين، لم يتبقَ منهم سوى أربعة عشر عضواً، معظمهم شبان وعديمي الخبرة). من هذا يتبين لنا من خلال الضغط الجماهير وخسارة الحرب مع إسرائيل عام 1948م بدأت الحكومة العراقية بمتابعة قادة التنظيمات الصهيونية التي أهملت متابعتها منذ مطلع القرن العشرين، وقد استقالت حكومة نوري السعيد بعد هذا الفشل الذريع وتولى توفيق السويدي رئاسة الوزراء فكان أول خطوة قام بها إصدار قانون إسقاط الجنسية العراقية عن الراغبين بالهجرة إلى إسرائيل ومعاقبة المغادرين غير الشرعيين للأراضي العراقية عبرَ إيران وهو انتهاك لقانون جواز السفر، وعقوبتها تتمثل بالحبس ستة أشهر على الأكثر وغرامة (100) دينار، وقد فرَّ اليهود أفواجاً عبرَ إيران، ولم تقدم إيران عوناً للسلطات العراقية، فقد رفضت تسليم اللاجئين وبذا شجعت المزيد من الهجرة وجعلت من عملية السيطرة على الحدود أمراً مستحيلاً، كما اعترفت إيران بإسرائيل كدولة، مما اتخذت من مقبرة اليهود في إيران كمعسكر للجوء لحين ترحيلهم إلى إسرائيل.

كانت لسياسة الحكومة العراقية المعادية لليهود الدور الكبير في ترحيل يهود العراق فضلاً عن ضغط المنظمات الصهيونية في بغداد والبصرة والعمارة وخانقين والموصل والحلة، ففي ص 47 تذكر الكاتبة غليتشنتاين تقول: (وتُعزا أسوأ حالات الاضطهاد التي تعرض لها اليهود في عام 1948 إلى صادق البصام، وزير الدفاع في حكومة مزاحم الباججي، وكان البصام يحوز على سمعة بكونه معادياً للسامية، وطبقاً لشائعة انتشرت بين اليهود، فأنه اقترح فكرة احتجاز اليهود في معسكرات اعتقال قرب بعقوبة). من هذا نستدل إن للحركة القومية والحركة الصهيونية الدور الكبير في إفراغ العراق من محتوى أبناء الديانة اليهودية من خلال الضغط الشعبي بعد اشتراك الجيش العراقي مع الجيوش العربية في حرب مع اسرائيل عام 1948م وانكسار الجيوش العربية وانسحابها، فما علاقة يهود العراق بحرب عربية إسرائيلية، لذلك نجد أبناء الديانة اليهودية قد تم اضطهادهم باستخدام طريقة العرقنة للقطاع العام من خلال طردهم من مؤسسات الدولة واعطاء الأفضلية للشباب المسلمين المتعلمين، وبناءً على ذرائع أمنية، جرى إبعاد مسؤولين يهود من وظائفهم في قطاع النقل والمواصلات: في ميناء البصرة، وفي الخدمات البريدية والبرقية، وفي إدارة السكك الحديدية، وفي مواقع ستراتيجية ما زال اليهود يتبوؤن مراكزاً فيها، على الرغم من سنوات عديدة من السياسة التمييزية، بسبب مهاراتهم والوثوق فيهم فضلاً عن ولائهم للعراق.

كان من ضمن الاضطهاد السياسي الذي مارستهُ الحكومة العراقية كما تذكر الكاتبة غليتشنتاين في ص 49 : (هو الحظر على بيع العقارات التي يمتلكها اليهود وإلغاء حق المصارف اليهودية بالقيام بمعاملات التبادل النقدي الأجنبي يهدف إلى منع تهريب رأس المال اليهودي إلى خارج البلاد)، لكن أقول هل كانت إجراءات الحكومة العراقية هذه مع أبناء الوطن هي إجراءات منطقية؟ وهل قسوة العقاب والإساءة تنسجم دوماً مع طائفة ثبتت أقدامها في أرض هذا الوطن منذُ أكثر من 2500 عام؟ لذلك دمر الحس الناجم عن ذلك بالظلم والضغينة ما تبقى من ثقة اليهود العراقيين بالنظام القانوني لبلدهم. وتمثل العامل الآخر في الفساد في الإدارة، وكان الكثير من أوجه النشاط المعادي لليهود يتسم بالتعسف والعنف والحقد ومصادرة الأموال وتحريف العدالة والعقاب الجماعي وإساءة التعامل مع أفراد أسر اشتبه بانتمائهم للحركة الصهيونية دون إثبات التهمة عليهم، مما دعى الحكومة العراقية إلى اللجوء إلى قانون الطوارئ لإدانة المدعى عليهم.

وفي ص51 تذكر الكاتبة غليتشنتاين في كتابها تقول: (وأجازاً، من الصعوبة بمكان الإشارة إلى وجود تغيير جوهري في السياسة العراقية حيال اليهود، وقطعاً لم تكن سياسة ترحيل. وبدا أن أعمال الاضطهاد ما هي إلا نتاج لموقف أجبرت الحكومة العراقية عل اتخاذه جراء ضعف النظام حين كان البلد على شفا انقلاب). أي من خلال هذا الكلام تبين لنا أن الحكومة العراقية بفشلها في حربها مع إسرائيل والتدهور الاقتصادي التي تمر به قد بررت التخلص من هذه المواقف إلى الحد دون حدوث فوضى مما شرعنت إجراءاتها للميول القومية التي ساهمت بإبعاد اليهود من الأمة العراقية، وهو الحل الأكثر شؤماً لهذه السياسة الرعناء وجعلت أبناء العراق من الطائفة اليهودية وهم مواطنون مخلصون وجزأً لا يتجزأ من المجتمع العراقي والدولة العراقية رهائناً في الصراع العربي الإسرائيلي. والأسوأ من ذلك الصراع، أنه في ذلك الوقت كان كل من كان معنياً بشؤون الشرق الأوسط كان يربط مصير اليهود العراقيين بمصير اللاجئين العرب الفلسطينيين. وكان مقترح إجراء تبادل سكاني  لتسوية مسألة اللاجئين العرب الفلسطينيين مع يهود العراق والعرب، وكان الياهو اليشار من قائمة السفارديم صاحب هذا المقترح.

كان أقسى الأوقات وأكثرها تهديداً في ما يتعلق بيهود العراق تقول الكاتبة غليتشنتاين في ص 54 : (ينحصر في الفترة من آيار إلى ايلول من عام 1948م، خلال احتدام الحرب في إسرائيل، وقد زرعت حالات الاحتجاز والسجن على خلفية اتهامات بالصهيونية الرعب في نفوس الطائفة اليهودية. وقد أحرق الكثيرون رسائل وصور وكتب كانوا يعتقدون أنها قد تنطوي على خطورة، وقد مزق آخرون نجوم داود المطرزة وأحرقوا كتب الصلاة، وكان إعدام عدس بمثابة أكبر صدمة، فقد كان عدس ثرياً، انفصل عن الطائفة اليهودية واندمج بالمجتمع العراقي، وكانت له علاقة طيبة بالسلطات في البصرة ومع قادة النظام في بغداد)، إذا كان عدس غير محصن من معاداة السامية، فما عسى اليهودي العادي الذي لا يحوز على المال والعلاقات إن يتوقع؟ وقد أصاب الرعب اغلب أبناء الطائفة اليهودية ذلك أن المحاكمة للثري عدس ألقت بالشكوك على ولاء كامل الطائفة اليهودية، وقد فاقم الظلم الواضح لهذه المحاكمة الاستعراضية في أوج حملة قمع معادية لليهود، من أزمة الهوية الوطنية للكثيرين من اليهود وجعلتهم يتشككون فيما لو كانوا ينتمون حقاً إلى الدولة العراقية.

مع كل ما ذكرناه مسبقاً وما ذكرته الكاتبة غليتشنتاين في كتابها، أقول هل ستتمكن الحكومة العراقية وقتذاك من استعادة ثقة اليهود بوطنهم الأم العراق؟ لكن عند متابعة الأحداث أجد هناك مؤامرة خفية كانت تحاك ببطء تتعلق بالطائفة اليهودية العراقية، وكان النظام الملكي أحد الحائكين الرئيسيين للمؤامرة، والدليل على ذلك حيث كان قد شجع لسنوات عدة النشاط الصهيوني في العراق، وعند إعلان تأسيس دولة إسرائيل، وجد النظام الهاشمي نفسه مأخوذاً بمطالب الجماهير الوطنية المتقدم وقام بإرسال قواته للقتال في الحرب على إسرائيل، ولم تقمع الحكومة اليهود إلا لإرضاء معتنقي الفكر القومي المعادي لليهود، علماً إن النظام الهاشمي كان يعلم جيداً لولاء الغالبية الساحقة لهً من اليهود العراقيين، وكانوا يعرفون أن اليهود كانوا وما زالوا حلفاء لهم، في ظل الأحداث التي شهدها عام 1948م.

كما شرعنت تصرفات الحكومة العراقي مزاعم اليمين القومي المتطرف بأن اليهود غير موالين للعراق، وهم صهاينة ويمدون يد العون إلى العدو الصهيوني، غير أنه إذا ظنت الحكومة العراقية أن بإمكانها إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، فإنها مخطئة، وثمة سوابق عدة حدثت خلال أعمال الاضطهاد لا يُمكن تجاهلها، منها التهجير القسري لهم ومسألة الممتلكات اليهودية المتروكة في العراق وتجميد الحكومة العراقية لها إل.

من خلال الصراع العراقي الإسرائيلي والظروف التي صاحبت هجرة اليهود العراقيين وتوقيتها تأثير حاسم في المواجهة مع إسرائيل وفي الاستيعاب الأولي للمهاجرين، فقد وصل أكثر من (120) ألف يهودي عراقي إلى إسرائيل في فترة قصيرة للغاية (14) شهراً تقريباً، في نهاية موجة من الهجرة التي ضاعفت النسبة السكانية الإسرائيلية خلال فترة من أصعب الفترات في تاريخ استيعاب المهاجرين في إسرائيل، فبعد رحلة بالجو لا تستغرق سوى ساعات قلائل، أصبحوا حشداً من الأفراد المحرومين من أية مكانة اجتماعية واقتصادية، والذين لا يتكلمون العبرية أو اللغات الأوروبية التي تتحدث بها المؤسسة الإسرائيلية، لقد خسر العراق مكون مهم كان لهم الدور الكبير في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفني والأدبي، لكن سخرية القدر جعلت هجرتهم خارج العراق لخدمة الدول الأخرى في حين كان العراق بحاجة ماسة لهم.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

1019 fayrozاضاءة على رواية ولدت مضيئة. من عالم يتسم بالعذرية والبساطة يولد العذاب والموت والتضحية القادرة على خلق أمل جديد.

رواية شظايا فيروز هي صورة الحرب الحديثة منقولة على صفحات كتاب، يأخذنا الكاتب المخضرم في فن الرواية الخبرية نوزت شمدين آغا في رحلة جسدها قلمه بحرفية التلاعب بالمشاعر فما بين الدمعة والضحكة كلمات محدودة.

جعلنا الكاتب نشعر حجم الوجع الانساني الذي أصاب الايزيديين وتراكماته النفسية من خلال أخذ مثال والقصد منه هو التعميم.

تمكن الكاتب من سرد روايته على لسان عدة رواة مع تدخل الراوي العليم بين حين وآخر، ليتمكن من وضع النقاط على الحروف، هذه الطريقة في سرد الرواية تجعل القارئ يتعرف على دواخل الشخصيات فيصبح قريبا منهم يعرف مشاعرهم وطريقة تفكيرهم وكأنه هو صاحب الرواية.

استوقفني اسم الرواية، فدرست مدلولاته وابعاده، هذا الاسم يشد القارئ لمعرفة ما وراء تشضية فيروز، اسم اصاب الكاتب به هدفه بحرفية عالية.

جاءت الرواية بلغة بسيطة  قوية زاخرة بالصور والمعاني والاستعارات .. تبادل السرد مع الحوار جاء كرقصة الفالس. بالرغم من سرعة الاحداث وتشعباتها، بالاضافة الى الغوص في المشاعر الانسانية وتبادل حالات الحب والقسوة بوتيرة سريعة أفلح الكاتب في شد القارئ للاستمرار بالقراءة من الغلاف الى الغلاف.

خبرة الكاتب بالاجواء التي كتب عنها جعلته يتجاوز الاسهاب في الصور التي تسبب تشتت القارئ، ومهما إنحرف النص بعيدا عن السرد يعود الكاتب بنا الى المسار الصحيح ونحن ممتنين لهذا الخروج لتناغمه مع الاحساس الذي خلقه مع جو الرواية.

منذ اللحظة الاولى نكتشف أن هذا الكاتب هو ابن الموصل الخبير بتفاصيلها، بحكم فترة عمله الطويلة وكونه كان قريبا من التطورات السياسية في الموصل والعراق  جعلته  واعيا تماما لأهمية المكان والزمان الذي يتحدث عنه فحدثنا عنها بسلاسة وبدون تكلف لغوي، فهو مدرك تمام للمواسم التي تمت فيها الاحداث ومدرك لسمات الاماكن في مختلف الفترات. فعندما يأخذنا الكاتب برحلة السبي الحزينة من سنجار الى الموصل، كان مدركا للتفاصيل كمرشد سياحي، يعلم تاريخ النكبات والتطورات التي رافقتها.

" أخاف أن يدخل علي ذات يوم بدشداشة قصيرة وبوجه ملتح فيحرم ويحلل على هواه كما يفعل البعض من أبناء القرية هذه الأيام ومنهم ابنك وضاح".

بصق الشيخ في الهواء ثم انخرط في نوبة سعال رجته بعنف قبل أن تجلسه مزنة وتسند جسده الهزيل بوسادتين:

"أعوذ بالله منهم وبريء أنا من هذا المخبول وأفعاله الى يوم الدين". ثم تابع بعد أن استعاد شيئا  من هدوئه :

"لم يحترم هذا العاق شيب رأسي وأنا الذي بلغت الثمانين. دولته الإسلامية ستجلب لبيوتنا الخراب". قاطعته مزنة على الفور: "أسكت شيخ. سوف تجلبها أنت إن سمعك أخوك عواد أو أبنه   فلا قبل لك أو لمراد بمعتقلات الجيش والشرطة".

ادخال شخصية الحاج بومة في الرواية كان منعطفا حادا بالرواية، حيث تمكن من خلاله الانتقال بالقارئ بين الايديولوجيات المختلفة التي سيطرت على المنطقة وهكذا تمكن من خلاله أن يكون الكاتب روائيا عليما لنكتشف لا حقا أن الحاج بومة له صلة وثيقة بالكاتب، ابهرني نوزت بكثير من الاسقاطات الرائعة.

من المؤكد أن نوزت شمدين آغا هو واحد من أهم  كتاب هذه المرحلة التاريخية، وصاحب دور صحفي وأدبي من زمن الكبار.

محمد سيف المفتي 

 

asaad alemaraصدر للكاتب الصحفي سعدون هليل كتاب بعنوان الحضارة وفلسفة التأريخ، وهو لقاء مع الدكتور محسن محمد حسين، سبق للكاتب الصحفي سعدون هليل أن أجرى عدة لقاءات فكرية دونها في صحف ومجلات علمية محلية ومواقع اليكترونية منها لقاء مع الدكتور حسام الآلوسي، والدكتور عقيل الناصري، والدكتور فالح عبد الجبار، والدكتور كريم الجاف، والدكتور ناظم جاسور، والدكتوره لاهاي عبد الحسين، والدكتور نبيل رشاد سعيد، والدكتور فيصل غازي، والدكتور شجاع العاني، والدكتور عامر حسن فياض، والدكتور محمد حسين الاعرجي، والقاص محمد خضير، والروائي حنون مجيد، والروائي أحمد خلف، والدكتور ناجح المعموري، والدكتور صبيح الجابر، والدكتور اسعد الاماره، والدكتور فارس عمر نظمي، والدكتور صاحب أبو جناح، والدكتور فاضل التميمي، والدكتور علي حداد، والدكتور سليم الوردي، والدكتور علي عباس مراد، والباحث الناقد فاضل ثامر، والباحث زهير الجزائري، والباحث زهير البياتي، والباحث جاسم العاصي، ورضا الظاهر وياسين طه حافظ، واعتقال الطائي، وناهده الرماحي، وغيرهم الكثير من المتخصصين في المجالات العلمية والبحثية والفنون والآداب، وفي هذا الحوار مع الدكتور محسن محمد حسين أتسم بعدة جوانب منها الفلسفية والتاريخية والسياسية والاجتماعية والنفسية فضلا عن الجوانب التربوية، تناول الكاتب الصحفي الاستاذ سعدون هليل السيرة العلمية والذاتية للدكتور محسن محمد حسين ثم السير التاريخية لبعض الشخصيات في تأريخ المنطقة العربية وأحداثها، وتأثيرهم الفكري في مسيرة الحياة الاجتماعية والثقافية، وفي الحقيقة تركت بصمات البعض منهم منحنيات في حياة شخصيات عربية تبوأت مراكز فكرية وسياسية.

تطرق الكاتب سعدون هليل في حواره مع الدكتور محسن محمد حسين لبعض مؤلفاته في التأريخ وفلسفة التأريخ، وعلاقة بعض المصادر الأساسية بتكوين اتجاهات جديدة لفكر سياسي أو ديني أو اجتماعي، أعتمد في تأسيسة على ما دونه لنا التأريخ بموضوعية، أم بتحيز واضح، ولكنه أصبح نتاج فكر لحركة يؤمن بها العديد من الأشخاص و المجموعات ، حيث تناول في هذا اللقاء عن العلاقة بين التأريخ والمعتقد الديني منذ بداية اهتمام الإنسان به، فهي إذًا محاورة بين كاتب متمرس في الفكر والصحافة والسياسة وفيلسوف في التأريخ، كان نتاجه خلطة فكرية فلسفية اجتماعية، لا نغالي إذا قلنا إنها نزهة فكرية وإبحار في التأريخ والفلسفة وعلوم الاجتماع والنفس والسياسة، والآداب.

حاور الاستاذ سعدون هليل الدكتور محسن محمد حسين لكي يفصح في فهم موسوعي للتأريخ بمختلف جوانبه، والوقوف على ما يجري اليوم من واقع يعيشه المجتمع العراقي والعربي والاسلامي، فضلا عن السياسة الدولية في تحريك الشعوب المغلوبة على أمرها، وهو موقف علمي عملي معًا فضلا عن أنه موقف إنساني يقيم فيه الوضع الحالي.

تناول الدكتور محسن محمد حسين المفكر الألماني أوزوالد شبنجلر، وتصوره للتأريخ ولفلسفته، ونشأة الحضارات وفنائها، ولكي يزيد الأمر وضوحًا طرح الدكتور محسن محمد حسين ما يعنقد "شبنجلر" أن التأريخ يمثل سلسلة متتابعة من الاحداث الفردية المتكاملة التي يسميها" ثقافات" ولكل ثقافة لها طابعها المتميز، اما اطار نظريته، فيستند في جوهره  إلى الفلسفة الطبيعية، بدلًا من المبدأ التاريخي ولهذا أطلق على تفسيره" الخاصية البيولوجية الاحيائية" وطرح فيها أفكارًا بعيدة عن زمانه.

تناول الحوار أفكار "توينبي" وما كتبه الدكتور محسن محمد حسين عن ذلك وتم تسميته بـ ( التحدي والإستجابة) في قيام وسقوط الحضارات، ووصفت نظريته بـ إرادة الإنسان في صنع الحضارة لدى توينبي، ويصف الدكتور محسن محمد حسين توينبي بقوله أنه لم يكن مؤرخًا لجانب محدد من جوانب التأريخ الكثيرة، أو مهتمًا بتاريخ فترة أو حضارة ما، بل عكف على دراسة حضارة العالم بأسره، قديمه وحديثه طوال أكثر من نصف قرن من دراساته في عمق وخصوبة وموضوعية، ومن ثم فان ما يوجه إلى الباحثين وفلاسفة التأريخ من انتقاد كونهم يقيمون ابراجًا ضخمة من مادة محدودة، لا ينطبق عليه، فدراسته ليست دراسة قائمة على الاطلاع فحسب، وإنما حرص على أن يكون أكثر قربًا من موضوع دراسته باسفاره ورحلاته، وبذلك فهو أشبه بمؤرخ ميداني، إن جاز التعبير. أما من حيث قوة مادته التاريخية لا يكاد يناظره مؤرخ آخر، فكتابه " دراسة التأريخ" فهو فيض من المعلومات تضمها "6290" صفحة، يقدر عدد كلماتها بأكثر من ثلاثة ملايين كلمة، ويزخر بقدر هائل من المعلومات التأريخية والعلمية والدراسات الفلسفية والمفاهيم والمصطلحات الأدبية والدينية، تتناول جميع أقطار الارض فضلا عن تأليفه العديد من الكتب الأخرى.

تمت مناقشة عدة موضوعات مع الدكتور محسن محمد حسين منها أفكار توينبي عن التفسير العرقي – العنصري للتأريخ، والتفسير الديني للتأريخ، وفكرة وتأثير عامل الصدفة الذي يرفضه "توينبي" ويؤمن بالحتميات. وعرض  أيضًا  في هذا الحوار الفكري الفلسفي مادة علمية اكاديمية غنية بالمعارف والشواهد التأريخية، أستطاع الكاتب سعدون هليل أن يظهر ما لا ريب في وجود مالا يمكن التعبير عنه، ما بين الحرف المجهد، والكلم المشجون بالصدر وما لا يمكن قوله، وهي خصوصية مدون التأريخ كتابة وفلسفة وتدوينًا وهو في الآن ذاته سبر طور من أطوار التأريخ بالفكر والعمل الواقعي الاكاديمي.

 

د.اسعد الاماره - أستاذ جامعي وباحث نفسي

 

nabil alrobaeiتعتبر الظواهر الدينية والممارسات الطقوسية انعكاس لعقيدة المجتمع، وهي سلوكيات تبحث عن طريقة جلد الذات وفق مفهوم التدين الشعبوي، والفهم الاجتماعي للتدين وفق نمط الطقوس العاشورائية التي تحدث في الأيام العشرة الأولى من محرّم، والتي أثرَّت هذه المشاهد على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لمناطق الفرات الأوسط والجنوب العراقي، والسبب هو الثقافة الشعبوية في تلك الطقوس من خلال تجديدها وتفاعل المجتمع المحلي مع الرموز المظلومة التي سفكت دمائها لقسوة الحكام في العهد الأموي، وقد انتقلت هذه الطقوس لاشعورياً من جيل إلى آخر وفق مفهوم قدسية الدين والتدين الشعبوي المقدس.

عن دار الرافدين في بيروت صدر للكاتب والباحث مهتدي رضا الأبيض كتابه الموسوم (اجتماعية التدين الشعبي.. دراسة تأويلية للطقوس العاشورائية) الذي يحتوي على (222) صفحة من الحجم المتوسط ذات الطباعة الراقية الخالية من الأخطاء الإملائية والطباعية. الكتاب يحتوي على مقدمة ومفاهيم للمصطلحات الهرمينوطيقا والتأويل، وقد قسم الكتاب إلى خمسة فصول، واحتوى الفصل الأول على الرؤية الكونية للممارسات الطقسية، أما الفصل الثاني يمثل نبذة تاريخية عن تاريخ الطقوس والشعائر، والفصل الثالث مثلَّ الثقافة السياسية والاقتصادية للطقوس العاشورائية، والفصل الرابع يمثل التأويل الثقافي للطقوس العاشورائية، أما الفصل الخامس والأخير فهو مخصص حول وصف الطقوس العاشورائية، ومن ثم يليها البوم الصور لمواكب هذه الطقوس.

الكاتب والباحث الأبيض في كتابه هذا يمتلك القلم الجريء في طرح مثل هكذا موضوع في هذا الوقت الصعب الذي قد يتعرض له الكاتب من قبل بعض الغوغاء باعتبار أن الكاتب قد مَسّ احد طقوسهم الثابتة دينياً. وفي هذا الوقت التي تهتم به الطائفة الشيعية بالطقوس العاشورائية وتعتبرها خط أحمر لا يمكن المساس بها أو انتقادها، يطرح الكاتب في ص19 موضوع سوسيولوجيا التدين الشعبي وفق عنوان الكتاب، إذ يقول (وقد تم توجيه العنوان من زاوية أخرى تتعلق بمفهوم السوسيولوجيا بسبب من الخلاف الحاصل فيما ينطوي عليه هذا المفهوم)، ثم يطرح الكاتب مفهوم التأويل وفق المفهوم العربي الإسلامي إذ يقول في ص22 (إن مصطلح التأويل تمت مداولته بين الفرق والمذاهب الإسلامية، فكل فرقة أخذت تجادل وتؤوّل النصوص الدينية حسب رؤيتها للعالم... لذلك نرى أن نصر حامد أبو زيد وعلي حرب وآخرين تبنوا التأويل للنقد الأدبي وفهم الدلالة والمعاني التأويلية عن الفرّق والمذاهب الإسلامية كقراءة جديدة أكاديمية).

1014 nabilلكن أجد أن الممارسات العاشورائية منها ما يكون شعائر ومنها ما يكون طقوساً، فضلاً عن أن الممارسات جوهرها شعيرة ولكن بعض أشكالها تعتبر طقوساً، لكن الإيمان عند الشيعة الإمامية له تجسيد ظاهري ومعنى باطني، فهي ليست نوعاً من أنواع الحدث وإنما هي وسيلة إعلاميّة تعبر عن أنواع الأحداث والتصرفات الاجتماعية، والبعض يعتبرها ممارسات ثقافية منها ديني ومنها اجتماعي، فالممارسات العاشورائية التي تظهر في الشوارع على شكل تظاهرات هي طقوس وليست شعائر، لأن تلك الممارسات دخلت على الشعائر الحسينية من الخارج، فمنها مسيحية أو يهودية أو هندية، فهي طقوس بدائية تمارس من اجل استمالة الأرواح العليا لجلب منافعها ودفع مضارها، أو من اجل الشفاعة وغفران الذنوب والهروب من الواقع والبؤس المؤلم، لذلك يتساءل الكاتب في ص31 ويقول (هنا ما زالت آثار الثقافة البدائية قابعة في لاشعورنا الجمعي؟ أم نحن ما زلنا بدائيين بامتياز؟ ومن المؤسف والمحزن أن نجد رجال الدين كباراً يؤلفون كتباً يحاولون شرعنة طقس التطبير، ويحولونه من طقس وثني وبدائي ودخيل إلى طقس شرعي، ويلصقونه بالشعائر الإسلامية).

لذلك تعتبر الطقوس العاشورائية ناجمة عن الشعور بالذنب لمقتل الإمام الحسين، وإن الظلم الذي انتفض من اجله الحسين ما زال موجوداً إلى يومنا هذا، مما اتخذ من الطقس العاشورائي حفلاً تكرارياً تقليدياً من اجل الثواب والغفران للذنوب.

فضلاً عن مساهمة جملة من العوامل التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية في جعل التديّن الشعبي بعد الحرب العالمية الثانية موضوع رهان اجتماعي/ سياسي، أسهم هذا الوضع في تطوير مسار بناء مفهوم (التديّن الشعبيّ) علمياً وسياسياً، أي عندما يدخل السياسي في الديني فحتماً سيخضع للرؤى الكونية الدينية لأدلجة الدين للنهج السياسي من خلال سيطرة السياسي وكتل الإسلام السياسي على عقلية أبناء المجتمع العراقي، وهذا ما حدث بعد عام 2003م، وترويج نظرية الطاعة العمياء كمبدأً راسخاً في عقول المجتمع بفضل أفكار الفقهاء ورجال الدين.

لذا يؤكد الكاتب مهتدي الأبيض في كتابه هذا في ص93 يقول (فإن التديّن الشعبيّ المتمثل بطقوس عاشوراء في العراق يحمل دلالات سياسية وثورية واضحة جداً، وذلك لاختزال الذكرى الحسينية لفاجعة كربلاء كلَّ المبادئ والقيم الثورية التي كرّسها صاحب الذكرى، لذلك جاء إحياء الطقوس العاشورائية مكتنزاً بدلالات سياسية كثيرة لم ترق لمزاج السلطات على مرّ العصور).

فالعراقيون ينظرون إلى الدولة التي تدين بمذهبهم كأنها المنقذ لهم وليست دولة احتلال وانعكس هذا الأمر على الحكومات اللاحقة، إذ أحكمت حكومة البعث السيطرة على كل أنماط الطقوس الدينية الشيعيّة والسنيّة وصولاً إلى مرحلة المنع للطقوس الشيعية التي كانت عن وحدة الجامعة الشيعية الممتدّة بين بلدين متحاربين قديماً هما الدولتين العثمانية والفارسية. وبعد عام 2003م وهو عام التغيير السياسي الذي حصل في العراق وكان السبب في صعود النخبة السياسية الشيعية أكثر من مرَّة لسدَّة الحكم، هو قيام السلوك الانتخابي على أساس طائفي، وهذا السلوك السياسي بطبيعته خاضع للرؤى الكونية والإيديولوجية الدينية المترسخة في عقلية الفرد المتدين.

يذكر الكاتب الأبيض في ص50 من كتابه العلاقة بين الوعي والطقس يقول (والجدير بالإشارة أن هناك علاقة عكسية بين الوعي والطقس، فكلما ارتفع وعي المجتمع قلَّت ممارسة الطقس، وكلما هبط وعي المجتمع كثرت ممارسة الطقس)، ثمّ يتساءل الكاتب ويقول : لماذا؟، ويجيب (إن المجتمع الواعي هو مجتمع يمتلك أفراده الثقة بالنفس والشعور بالمسؤولية، وهذا يؤدي إلى العمل الصالح وتحقيق الطموح والأهداف، وبالتالي يحقق الرضا والحياة لأفراده، ويحقق الرضا للسماء والأرض والتاريخ، ويسعى إلى تحقيق الجنة الأرضية قبل السماوية، مثل هذا المجتمع لا يحتاج إلى طقوس فهو يتمسك بثوابت الدين فحسب).

وهذا ما يترتب عليه التمسك بالطقوس الانفعالية في المجتمعات البدائية والمضطربة، لأن المجتمع البدائي أو المضطرب يكون انفعاله أعلى من وعيه، والتضامن الاجتماعي أعلى من الفردية، مما يؤدي إلى الفساد والضغوط النفسية والنقص الوجودي ولعنة السماء ولذلك يستوجب ممارسة الطقوس من اجل الشفاعة والغفران.

أما لو عدنا إلى تاريخ شهر عاشوراء في الجاهلية كما يذكر الكاتب في ص71 (كانت تعتبر عاشوراء يوماً دينياً فتصومه، وفي هذا اليوم كانوا يحتفلون، ويعيّدون، ويكسون الكعبة، فتظهر علامات التديّن ويمارسون الطقوس، وعلّلوا ذلك أن قريشاً أذنبت ذنباً في الجاهلية فعظم في صدورهم، وأرادوا التكفير عن ذنبهم فقرّروا صيام يوم عاشوراء، فصاموا شكراً للإله على رفع الذّنب عنهم). وهذا ما ذكره العلامة محمود شكري الآلوسي البغدادي في كتابه (بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب) الجزء الثاني الصفحة 288، وقد عللوا قريشاً سبب صيامهم هذا اليوم، أنه كان قد أصابهم قحط ثم رفع عنهم فصاموا شكراً، فضلاً عن أن المؤرخ جواد علي يشكك في هذا اليوم ويعطي جملة من الأسئلة الاستفهامية منها أن هذا اليوم هو صوم عاشوراء لدى اليهود وهو صيام كفارة واستغفار عندهم، ويظهر أن الرواة أقحموا اسم قريش في صيام عاشوراء لإثبات أنه كان من السُنّن العربية القديمة.

ثم يسرد الكاتب الأبيض حول واقعة عاشوراء واستشهاد الحسين في العصر الأموي ، وتبدأ الطقوس بعد ذلك ليوم عاشوراء في العهد العباسي والدولة البويهية ومن ثم الدولة الصفوية حتى عهد الاحتلال البريطاني والملكية والجمهورية، وهو توثيق وفق مصادر تاريخية لما لهذا اليوم من أهمية لدى أبناء المذهب الشيعي العراقي.

من الواضح أن التديّن الشعبي قد انقلب إلى موضوع رهان سياسي/ ايديولوجي، فالسلطات الرسمية عملت في الحكومات اللاحقة في العراق بعد عام 2003م على توظيفه لمقاومة الطرف الآخر، كما وظفته لتجييش الشعور الديني العام وتعبئته لخدمة أهدافها السياسية. فالسلطة السياسية أو القوى الشيعية التي أسهمت في حكم العراق تدرك أنّ هذا الاستعراض الشعبي يعد أهم مصادر قوتها ومسوغات بقائها، وفي الوقت نفسه فإن المجتمع الشيعي يدرك أيضاً أنّ وصول هذه القوى للسلطة يمنح هذه الممارسات والطقوس بقاءها وديمومتها، والدليل على ذلك في ممارسات طقوس عاشوراء من كل عام تجد هناك منصات تابعة إلى أحزاب سياسية تقوم باستقبال المواكب العاشورائية لتوظيف الظاهرة نحو غايات سياسية، وهي الورقة الرابحة لصعود هذه الأحزاب لسدّة الحكم، مما حول العراق بدل من اتخاذ من ثورة الحسين ومبادئ الإصلاح لمحاربة الفساد والظلم، بل أصبح من الدول الأوائل في الفساد المالي والإداري، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن تلك الشعائر والطقوس قد أفرغت من محتواها تماماً وأخذت توظف توظيفاً سياسياً من اجل مصالح ذاتية وطائفية.

أما في الفصل الأخير من الكتاب يصف الكاتب مرحلة الطقس العاشورائي واستعراضه في شارع المواكب في كل مدينة عراقية، ومن نماذج هذا الطقس منها (طقس التطبير، طقس الزنجيل، طقس التشابيه)، أما المقررات الخاصة بتنظيم المواكب فهي (هيئة الشعائر الحسينية، رابطة خدمة الحسين)، ويوضح الكاتب أهمية هذه الطقوس والمقررات في كتابه هذا.

من هذا نستنتج أن الكاتب وبقلمه الجريء قد سلط الضوء على هذه الظاهرة وتاريخها وما مرَّت به من ظروف المنع قبل عام 2003م وعلاقتها وصلاتها بظواهر أخرى حدثت في القرون الوسطى في المجتمع الأوروبي، وتحليل الظاهرة تحليلاً اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، مما أدت به هذه الظاهرة التي اكتسبت خصوصيتها في الكم والنوع المؤثر تأثيراً اجتماعياً والمتكرر سنوياً بعد عام 2003م، والمتجدد في آن واحد عند الأجيال المتلاحقة، فتظهر في حياة الفرد الشيعي عندما تقوم بتحديد صورة العلاقة بينه وبين المقدس والطقوس اليومية، من خلال مقدس يومي متسامي بتجربته الدينية ليكون ممثلاً أوحداً وحقيقياً لمقدسٍ متعالٍ، وحشد وتعبئة السكان والمجتمع لممارسة هذه الطقوس قبل بدء موسمها لضمان استمراريتها لفترات طويلة جداً خلال السنة، مما أدى إلى سكوت المؤسسة الدينية وإجبارها على أتباع منهج الصمت والسكوت عن الكثير من الارتباطات الدينية لهذه الطقوس وتبريراتها الاجتماعية، مما أحدث هوَّة كبيرة وعميقة بين الوظائف الأساسية للدين الإصلاحي وتنامي ظاهرة التدين الشعبي الطقسي في المجتمع.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

khadom almosawiكُتب الكثير عن التطورات السياسية في فترة ما بعد ثورة تموز/ يوليو 1958 في العراق، ونشر في دراسات واطاريح وكتب ومقالات. كما ان الكثير من المذكرات الشخصية لشخصيات سياسية عراقية تناولت التطورات السياسية في تلك الفترة، لاسيما لمن عاشها او شارك فيها بشكل او بآخر، فضلا عن اهتمامات باحثين وغيرهم من خارج العراق. ويمكن القول ان تلك التطورات نالت فرصة واسعة من البحث والقراءات التاريخية والسياسية، وبالتأكيد تظل بحاجة الى امثالها كلما تقادم الزمن معها ليجلو اسرارها وخفاياها وما تقدم فيها وما أثر لما اتى بعدها من تطورات وتأثيرات سياسية وسمت الفترات اللاحقة لها. ولكن تقارير الامن الخاصة لم تفتح كما هو معروف في العالم إلا بعد مرور زمن عليها قد يقارب ثلاثة عقود او اكثر للمطالعة العامة او النشر العلني، إلا ان ما حصل في العراق وخصوصا بعد الاحتلال الامريكي الاوروبي عام 2003 ونهب الوثائق والأرشيفات والسجلات وغيرها من الدوائر الامنية او دور حفظ الوثائق والأرشيف الرسمي جعل النظر في هذه التقارير ميسرا امام بعض الباحثين ومن يهتمون فعلا في دراسة وقراءة وتحليل التطورات السياسية في العراق، حسب اختصاصاتهم او لتسجيل وثائقي تاريخي، وحسب حصولهم عليها. من بين اهم ما صدر في العراق عن هذا الموضوع كتابان، الاول للدكتور جعفر عباس حميدي، بعنوان: التطورات السياسية في العراق، 1958- 1968، دراسة وثائقية في ضوء التقارير الامنية الخاصة، عن دار الحكمة ببغداد، ط 1 عام 2010. والثاني للدكتور عبد الفتاح علي البوتاني، بعنوان: من ارشيف جمهورية العراق الاولى، الحركة الشيوعية في تقارير مديرية الامن العامة، 1958- 1962 دراسة تاريخية سياسية، من مطبوعات الاكاديمية الكردية، ط1 اربيل 2010.

كيف تشرح تقارير الامن العامة التطورات السياسية في العراق؟ وكيف كانت تراقب النشاط السياسي؟، وما هي وسائلها في ذلك؟، وما اهمية دراستها الان؟، وربما اسئلة اخرى تثار من خلال هذين الكتابين الصادرين في العراق. وعبر النظر فيهما او في الوثائق يمكن قراءة مستويات الامن وقياداته وتقدير ادوارهم الشخصية والوظيفية وأثرها وفعلها في الامن والاستقرار في العراق وفي العلاقات السياسية والاجتماعية والوطنية ايضا، وغيرها من المواضيع التي تقدم نماذج عنها.

قبل قراءة ما ورد، لابد من القاء نظرة عاجلة على الجهات التي تقوم بهذه "المهمة" الامنية، مَن تكون ومَن هم الاشخاص الذين مارسوها؟. كما معروف وكما رأى الدكتور حميدي انها وزارة الداخلية، التي استحدثت عند تشكيل اول حكومة عراقية مؤقتة في 25 تشرين الاول/ اكتوبر 1920 برئاسة عبد الرحمن النقيب، وشغل المنصب طالب النقيب. وعُيّن جون فيلبي، البريطاني المعروف، مستشارا للوزارة. كما عُين مشاورون بريطانيون في مختلف فروع الادارة الداخلية (ص3). أي عمليا ادارة الاحتلال البريطاني هي التي عملت على تطوير الاسس الادارية والتنظيمية وتوسيع  صلاحيات الوزارة  بالإشراف على متابعة النشاطات السياسية  للجمعيات والأحزاب، ومتابعة التجمعات والتظاهرات والاعتصامات واتخاذ التحوطات المطلوبة لحماية امن الدولة والمجتمع، ووضعت تحت تصرفها الامكانات المالية اللازمة. وترأسها المحتلون البريطانيون او تمت بإشرافهم المباشر. يعكس ذلك وظيفة الاحتلال والاستعمار في صناعة الدوائر واستخدامها بشكل مباشر او بغيره، وهو ما قام به ونفذه في العراق وغيره، وتطور مع المتغيرات المحلية والدولية ايضا، بل تعمق بها. وكان اول عراقي تولى ادارة التحقيقات الجناية - حسب المعلومات المتوفرة- هو علوان حسين، الذي شغل الادارة في المدة بين 1940- 1945، اعقبه بهجت داود العطية في المدة بين عامي 1946-1957، وقد الغيت مديرية التحقيات الجنائية عام 1957، واستحدثت عوضا عنها مديرية الامن العامة، وأصبح العطية اول مدير امن عام في العراق حتى ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 (ص5). وكانت مهامها المتابعة ورفع تقارير ومقترحات الى الملك ورئيس الوزراء ووزير الداخلية تتضمن معلومات عن  النشاطات السياسية والمظاهرات والإضرابات وحوادث "التمرد والعصيان" والحدود ومراقبة الاوضاع الاقتصادية وبخاصة الاسعار. ولمح الدكتور حميدي فيها اقترابا من الواقع او تسجيلا لها دون انحيازات او مؤثرات شخصية او حزبية: "من خلال الاطلاع على الكثير من التقارير الامنية – مدة العهد الملكي- بانها تقترب الى الحقيقة وتتصف بالمصداقية". (ص6).

بعد ثورة تموز/ يوليو 1958 تعاقب على وزارة الداخلية اربعة عشر وزيرا، كان اولهم العقيد الركن عبد السلام محمد عارف، وبعد اعفائه في 30 ايلول/ سبتمبر 1958 عين الزعيم الركن احمد محمد يحيى في اليوم نفسه وظل في منصبه حتى 8 شباط/ فبراير 1963. فتولى وزارة الداخلية على صالح السعدي من 8 شباط/ فبراير الى 11 أيار/ مايو 1963، وحازم جواد من 21 أيار/ مايو الى 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 1963، وتولاها لمدة يومين 16- 18 تشرين الثاني /نوفمبر احمد حسن البكر، رئيس الوزراء حينها. وبعد الاطاحة بحكومة البعث الاولى تولى الوزارة الزعيم رشيد مصلح، من 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1963 وحتى 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 1964. وجاء بعده المقدم الركن صبحي عبد الحميد من 14 تشرين الثاني/ نوفمبر وحتى توليها من قبل العقيد الركن عبد الطيف الدراجي في 11 تموز/ يوليو 1965 والذي استمر الى 13 نيسان/ ابريل 1966. وأصبح عبد الرحمن البزاز، وزيرا للداخلية وكالة عند تشكيله الحكومة من 18 نيسان/ ابريل – 6 آب/ اغسطس 1966، اعقبه العقيد المهندس رجب عبد المجيد نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للداخلية بين 9 آب/ اغسطس 1966 والى 3 ايار/ مايو 1967. وجاء بعده المقدم الركن عبد الستار عبد اللطيف وزيرا للداخلية من 10 ايار/ مايو 1967 الى تشكيل طاهر يحيى وزارته الرابعة وتسلمه الوزارة وكالة بين 10 تموز/ يوليو الى 20 اب/ اغسطس 1967 ثم تعيين الطبيب شامل السامرائي فيها في اليوم نفسه.

اما مديرية الامن العامة فقد تولاها اربعة مدراء في الفترة المعنية 58-1968، هم العقيد عبد المجيد جليل، من 14 تموز/ يوليو 1958 الى 8 شباط/ فبراير1963. وتسلم بعده الرائد الركن جميل صبري من 8 شباط/ فبراير الى 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 1963، اعقبه انور ثامر مباشرة وحتى تسلم الرئيس عبد الرحمن عارف (نيسان/ ابريل 1966) الذي عين اسماعيل شاهين مديرا للأمن حتى 17 تموز/ يوليو 1968.

الملاحظ فيما تقدم ان اغلب العناصر التي تسلمت ادارة وزارة الداخلية او مديرية الامن العامة هم من العسكريين، الموالين لرؤسائهم حزبيا او عائليا او شخصيا، غير المختصين او المتدربين والدارسين للواجبات الفعلية لإداراتهم. واغلبهم  قاموا بأداء واجباتهم في اطار عنوانهم الوظيفي وما تعودوا عليه في رفع التقارير المتابعة للنشاط السياسي والحزبي والنقابي وصناعة الاندساس فيها ومراقبة الناشطين السياسيين والصحافة وبث الاشاعات وغيرها، كما هو وارد في التقارير التي جهد مؤلفا الكتابين في البحث والتسجيل لها. مستهدفين الحفاظ على التقارير مصدرا للباحثين والتاريخ قبل ان تصلها يد الاتلاف التي وصلت الى كل تلك المؤسسات وغيرها بعد عام 2003. فضلا عما تحتويه من معلومات خاصة غير معروفة بشكل واسع، حسب ما هو معروف عن نشاطات مديريات الامن ومهماتها، كما ان لديها مصادرها الخاصة ايضا التي قد لا تتوفر عند غيرها من الجهات المهتمة بما قامت به تلك التقارير والإدارات المختصة بها. ويتبين منها ايضا امزجة القائمين بمسؤوليتها وانحيازاتهم و"انتهازيتهم" في التزلف او الدس فيها لإبراز دورهم وإقناع رؤسائهم بها.

فهل وفّت هذه الجهات في تقاريرها ما كان مطلوبا منها وكيف قدمته؟، وهل تمكنت من الاستفادة من خبرتها الامنية التي كونتها حسب عنوانها في معرفة التطورات السياسية وكيف عرضتها او وصفتها؟، ولماذا لا تعتمد كليا مصدرا للبحث العلمي والموضوعي بعد نشرها؟..

بالتأكيد التقارير المنشورة في الكتابين ليست كل الوثائق الموجودة، بل انها منتقاة كما يبدو من العرض والنص. وحتى في هذه الحالة فهي - أي الوثائق- تعكس عقل وطبيعة العمل الامني ووظيفته في الحياة السياسية في العراق لتلك الفترة المدروسة. ولخطة الدارسين ركز الدكتور حميدي على المحاور الاساسية فيها واختار منها ما يتعلق بهذه المحاور: الاول: النشاط السياسي في العراق والصراع بين التيارات السياسية المختلفة، وبخاصة الصراع بين الشيوعيين والقوميين عموما، ومواقف الرأي العام منها.. والثاني: الدعوة الى الديمقراطية، وإقامة الحياة البرلمانية السليمة، وإجازة الاحزاب السياسية... والثالث: تناول النشاط النقابي- العمالي والفلاحي والمهني- والإضرابات العمالية والجهات الداعمة لها ومطاليب المضربين.. والرابع: قضية الكويت ومطالبة العراق باستعادتها، وتعيين شيخ الكويت قائمقاما تابعا لمتصرفية البصرة... والخامس: يتناول علاقات العراق العربية بصورة عامة، والعلاقات مع الجمهورية العربية المتحدة (مصر وسورية) واتهامها بالتدخل بالشؤون العراقية، وموقف العراق من انفصال سورية وسعيه الى تنمية العلاقات معها.

وطبيعي تتميز التقارير حسب مسؤوليها وظروف عملهم خلال الفترة المدروسة. كما تكون صفاتها وقيمتها الدراسية. وفي كل الاحوال قدمت صورة عن الاحزاب السرية وشخوصها ومطبوعاتها وبياناتها وخططها، والتقارير والمذكرات السياسية والاقتصادية المرفوعة الى الجهات العليا وما تردد حولها في اوساط الرأي العام، مما جعلها في النهاية تقدم خدمة كبيرة للباحثين والمهتمين بدراسة تاريخ العراق المعاصر، حسب الدكتور حميدي.

تلفت الانتباه التقارير الاولى التي كان يقدمها عبد المجيد جليل، والتي نشرها الدكتور حميدي، اشارات الى فئات لها رأي غالب عنده وكذلك تسميات مثل (اصحاب اليمين)، وكذلك في تقرير رقم 11562 بتاريخ 1/12/ 1960 وتحت عنوان تقرير خاص وسري للغاية كتب: فيما يلي التقرير الذي رفعه الينا معتمدنا البعثي. (ص 167) مما يشير الى اتباع وممارسة سياسات التغلغل والاختراق للأحزاب والمنظمات الاخرى، او يبطن تعاونا ما مع قوى سياسية او ميولا تقربه من بعضها وتكون ضد غيرها، كما وضح الدكتور البوتاني ذلك. اما التقارير الاخرى لمن تبعه فهي تواصل سيره ونهجه وتضيف اليه مهنية امنية في المتابعات لنشاطات الاحزاب السياسية وفعاليتها وشؤونها الداخلية ومتابعة نشرياتها وتلخيصها او استعراضها وتسجيل مواقف منها. وقارئ اليوم يلاحظ ان كثيرا من النشريات التي استعرضتها دوائر الامن منسوبة الى احزاب او تشكيلات سياسية مؤقتة، لم تستمر فيما بعد طويلا، او لم تبق عاملة ومؤثرة، ولم يعرف عنها إلا من تلك النشريات. وكذلك اسماء شخصيات سياسية نشطت او قامت بادوار محددة لها ولفترات محددة، مما يعطي انطباعات عن الموسمية او طبيعة العمل السياسي في العراق في تلك الفترات. ويعكس مثل هذا نوعية النشاطات السياسية وظروف العمل السياسي والبيئات الحزبية والقانونية ودور دوائر الامن في المتابعة والمعاقبة وإجراءات الرصد والمنع والكبت والقمع السياسي.

بينما خص الدكتور البوتاني كتابه في الوثائق التي تتعلق بالحركة الشيوعية العراقية وللفترة 1958- 1962. وفيها مشتركات مع ما نشره د. حميدي ولكنه مقصور بالعنوان والموضوع، الحركة الشيوعية، في فترة قيادة الزعيم عبد الكريم قاسم تحديدا. فذكر في "بدلا من المقدمة"، انه بدأ التفكير في وضع الكتاب قبل سنوات عديدة ولكن الظروف لم تكن تسنح لتنفيذ الرغبة. (ص3). وأضاف بعد ذلك: "لقد حاولت في كتابي هذا عن (العهد القاسمي) ان اكون موضوعيا، ومع هذا ان ما كتبته سوف لن ينال رضا القوميين العرب والإسلاميين من حلفائهم حينذاك، وبعض الشيوعيين والقاسميين الذين يرفضون ويستنكرون ان يسجل لهم و(لقاسم) موقف خاطئ او مخجل، لاسيما الذين وقفوا حتى اللحظة الاخيرة الى جانب (قاسم) ودافعوا عن نظامه قولا وفعلا" (ص3). واستطرق المؤلف الى "معلومات" سياسية خارج اطار الوثائق الامنية، او قراءة شخصية في مسيرة ومسار وظروف وأحكام كانت سائدة وسيدة خلال الفترة المطروحة للبحث. وقدم في "التمهيد" نبذة عن تأسيس الحزب الشيوعي العراقي وكفاحه ونضال اعضائه وكوادره. وأشار بموضوعية الى محطات خطيرة وسمت الفترة الزمنية، وبالرغم من عدم اجازة الحزب الشيوعي رسميا بعد الثورة إلا ان الحزب اثبت عمليا قيادته للشارع والمنظمات المهنية والشعبية البارزة في العراق. وذكر الكاتب: "لم تكن مواقف حكومة عبد الكريم قاسم تعبر عن ايمان حقيقي من قبل السلطات وأجهزتها بشرعية نشاط الحزب الشيوعي، او الاحساس بضرورة وجوده كمظهر ديمقراطي، أي ان نظام حكم (قاسم) ومنذ البداية لم يتعاون مع الحزب الشيوعي ويفتح له ابواب النشاط بدافع من اعتراف بشرعية ذلك النشاط، او القناعة بأنه حزب وطني يجب ان يتمتع بحقوق، بدليل حرمانه من الاشتراك في اول وزارة للثورة، وهو الحزب الذي كان الاكثر شهرة في مقارعة النظام الملكي، وكذلك عدم اجازته وبلا مبرر مقنع للعمل العلني في شباط 1960 ومحاولاته في اهمال حقيقة وجوده مع ان التواقيع التي طالبت بإجازته تجاوزت الـ (184960) توقيعا، وبغض النظر عن الدعوات الضيقة التي اخذت تدعو الى "سحق الشيوعيين والحد من نفوذهم" مع انهم كانوا الطرف المساند وبإخلاص، حتى ان السلطات اخذت تشجع رجال الدين على مهاجمتهم في خطب يوم الجمعة، ولا تراقب التزامهم بموضوع الخطب التي كانت وزارة الاوقاف تحدد مواضيعها، بل انها حرضتهم على اصدار فتاوى بعدم جواز الانتماء الى الحزب الشيوعي" (ص16). وفي ظل هكذا ظروف كان الحزب الشيوعي "يتمتع بشعبية حقيقية بدليل فوزه في قيادة معظم النقابات والاتحادات والجمعيات والمنظمات الشعبية والمهنية، وكان ذلك انعكاسا للتوجه العام في البلاد، فقد بلغت اعداد المنتمين الى واجهاته وتنظيماته المساندة نحو مليون شخص، (كانت نفوس العراق حينذاك اكثر من 7 مليون نسمة): المقاومة الشعبية (100 ألف) في تموز 1958، حركة انصار السلام، لجان صيانة الجمهورية، اتحاد الطلبة العام، رابطة الدفاع عن حقوق المرأة (25 الف) في سنة 1959، اتحادات العمال (50 الف) في سنة 1959، الجمعيات الفلاحية (250 الف)، نقابة المعلمين، نقابة الصحفيين، اتحاد الشبيبة الديمقراطي (84 الف)، هذا فضلا عن آلاف المنتمين اليه تنظيميا (رسميا)، وكانت جريدة الحزب (اتحاد الشعب) تطبع يوميا (35 الف) نسخة مقابل 15 الف نسخة لأغلب الصحف التي كانت شيوعية او مناصرة لها" (ص17). وكان الحزب الشيوعي يتصدى لسياسات الحكم بمقالات افتتاحية في جريدته الرسمية ويدعو الى معالجة اشكاليات الحكم وفهم قيادته للسلطة والحكم الديمقراطي وتوضح لها سبل ادارة الدولة ومساهمة القوى الفاعلة فيها. لكن التوترات بين الاحزاب السياسية والقيادة العسكرية للسلطة تفاقمت وأصبحت عنوانا للمرحلة التي ادت الى نهايتها في شباط/ فبراير 1963.

وضع الباحث فصلا اخر بعنوان: "عبد الكريم قاسم وإعلان (الحرب) على الحزب الشيوعي العراقي"، شرح فيه تحولات او تناقضات السياسة الرسمية مقابل تراجعات الحزب الشيوعي امامها، حسب رأيه.. وكذلك واصل في الفصول التي تلته، ومن عناوينها يمكن فهم تلك التحولات والتناقضات وسوء الادارة او طبيعة التمسك بها على حساب الاهداف والوعود التي سبقتها. مثلا: محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم وتداعياتها، او خطة العمل في الانذار.. او عبد المجيد جليل مدير الامن العام خير خلف لخير سلف. وفيها يرصد خطوات انقلاب قاسم على الحركة الوطنية والحزب الشيوعي خصوصا، واستمرار الحزب في تأييده ودعمه والتضحية في سبيل بقائه واستمراره، حتى نهايته. وما لفت الانتباه عن الغفلة في الاشارة الى ان مدير الامن العام كان متعاونا مع الانقلاب، فأورد نقلا عن جليل حين صفعه علي صالح السعدي على وجهه وبصق فيه، في المعتقل: "لماذا تضربني.. لولاي لما نجح انقلابكم". وانه كان متعاونا في الكثير من الاحداث قبل الانقلاب، مثل حركة عبد الوهاب الشواف، وكذا في تقاريره عن تعاون البعث مع مديرية الامن، من بينها :ان البعثيين يشيدون باجهزة الامن واخلاصهم في واجباتهم، لانها تحارب الشيوعيين الفوضويين والمخربين عملاء الاستعمار(!). وكان عبد المجيد يحاول في تقاريره الخاصة الى قاسم تبييض صفحة البعثيين بانهم "قانعون فعلا وراضون بان الزعيم بطل عربي وانهم والقوميون يؤازرون الزعيم" (ص57 ونقلا من تقرير خاص لمديرية الامن العامة، العدد 11562، في 1 كانون الاول 1960).

اختلف الدكتور البوتاني في تقييمه للتقارير التي كانت مديرية الامن ترفعها لقاسم عن تقييم الدكتور حميدي، ولعله هنا كما ذكر في حدود ما استطاع الاطلاع عليه عند تحضيره لرسالتي الماجستير والدكتوراه، بان التقارير "لم تكن تعرض الصورة الحقيقية لما كان يجري انذاك في العراق، لأنها تفتقد الى المقومات الاساسية التي يترتب ان يعدها جهاز امني متمرس، فقد كانت في طابعها العام وبالعبارات التي تستخدمها تحاول محاباة الحاكم الاول في السلطة انذاك وهو بالذات شخص رئيس الحكومة عبد الكريم قاسم، بل كانت في الحقيقة تضلله ولا توقفه على حقيقة ما كان يجري، وذلك بتفنيدها (الادعاءات) التي كانت ترد في بيانات ومنشورات الجهات الموالية والمعادية له، وكانت تتزلف وتتقرب منه، حتى ان مدير الامن العام العقيد عبد المجيد جليل عندما يرفع تقاريره اليه يبدأها بالمدح لأنه يعلم ان (الزعيم) كان يطرب لذلك" (ص59).

لعبت توجهات التقارير الامنية الخاصة دورها في التأثير على صنع السياسات وعلى الابتعاد عن مهماتها الامنية وعرض صورتها للأوضاع والتململ الشعبي مشوهة وتمريرها حسب رغبة ومزاج الزعيم. فقد ورد في احداها مثلا "ان الغالبية من افراد الشعب بدأت تفهم سياسة الزعيم وتكيف امورها وتتبنى شعار الوطنية لا شيوعية ولا بعثية ولا قومية ولا كوردية، ولا أي تعصب من أي نوع كان إلا الثورة والزعيم، فمن اعتنق هذه الفكرة سلم وسار في الدرب ومن تنكب لها كان عرضة لكل ما يعيده الى واقع الامور" (ص ص 61-62 كتاب مديرية الامن العامة العدد 5251 في 29 مايس 1961).

عاد الدكتور البوتاني بعد ان اسهب في تحليل التقارير ومواقفها السياسية المنحازة والتحريضية، ليقر بما كان الدكتور حميدي قد كتبه عن تلك التقارير ومحتوياتها. فسجل: "لا اريد الاسترسال في كتابة المزيد عن محتويات تقارير مديرية الامن العامة التي كانت توجه مباشرة الى عبد الكريم قاسم، وأحيانا الى الحاكم العسكري العام احمد صالح العبدي، ففيها الكثير من المعلومات الجديدة والمثيرة تنشر لأول مرة إلا انها على العموم تحرض حكومة عبد الكريم قاسم وتؤلبها على الشيوعيين وعلى مؤيدي (قاسم ) نفسه.." (ص68).

قراءة تقارير مديريات الامن العامة في العراق في تلك الفترة المحددة زمنيا تكشف مستوى وعي تلك المديريات وما كانت تتركه تقاريرهم عند الادارات السياسية والقيادات الحاكمة في رسم السياسات والقرارات، وهي بكل ما حوته تظل وثائق وأدلة تاريخية  او معطيات مرحلة تاريخية من دوائر لها موقعها الاساسي في مصائر الاحداث والتحولات والتغيرات..

الجديد في الكتابين والبحثين هو نشر وثائق سرية لأول مرة صادرة من دوائر الامن وتتعلق بالحياة السياسية في العراق، ولم تتوفر فرصة الاطلاع عليها لولا ما وفرته لها ظروف الاحتلال وفوضاه، ولم تكن صادرة من دوائر الامن نفسها، كما فعلت بما سمته حينها "الموسوعات" والتي استهدفت فيها كشف تنظيمات احزاب سياسية ومن مصادرها التي تمكنت من الحصول على المعلومات منها، سواء بالتغلغل او بالتحقيق والاعترافات والشهادات. كما بينت الوثائق عقلية الادارات الامنية وطرق ادارتها للأمن السياسي وتصوراتها عن الحركة السياسية، مثلما اشرت او ارخت لصفحات مجهولة او رصدت لفعاليات او اسماء لسياسيين لعبوا ادوارا في حركة التحرر والعمل الوطني في العراق. ولعل هذين الكتابين والباحثين يكونان مقدمة تشجيعية لإصدار قوانين تجيز الاطلاع على هذه الوثائق وأمثالها بعد تحديد فترة زمنية لها، كما هو حاصل في الكثير من بلدان اخرى. ويستفاد منها في التقويم والبحث التاريخي السياسي وإنصاف التاريخ او الحكم الموضوعي.. ورغم كل ذلك ما زالت تحتاج الى اعادة قراءة ودراسة موضوعية، قدمت ما قدمت من وجهة نظر امنية وسياسية في تطورات العراق السياسية، وأحزابها وكفاح شعب العراق، وقد تنفع في الدرس والعبرة لما حصل بعد فترتها وما يحصل اليوم في العراق.

 

كاظم الموسوي

 

1009 aliالتفجيرات الانتحارية التي استهدفت مركز التجارة العالمية في نيويورك ومبنى البنتاغون (وزارة الدفاع الامريكية) في واشنطن 11 ايلول عام 2001 هزت العالم باكمله وتعد من اهم احداث التاريخ البشري المعاصر النادرة ، شكلت منعطفا بارزا طبع القرن العشرين بمنعطف تاريخي هام لايوازيه في الاثارة والدهشة والاهتمام الا بعض احداث الحرب العالمية الثانية

1939 – 1944 وربما لاسباب دراماتيكية فاقت تفجيرات ايلول المفاجئة بعض تلك الأحداث غير المتوقعة الحدوث في حينها .

وتحديدا في العام 2003 المنصرم اي بعد حادث التفجيرات بعامين تقريبا وقع بيدي عددا من مجلة المستقبل العربي لايحضرني رقم العدد ولا تاريخه تحديدا سبق صدوره احداث ايلول 2001 بنحو اكثر من عام ، ومجلة المستقبل العربي كما هو معلوم تصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت يرأس تحريرها الاستاذ الدكتور خيري الدين حسيب وزير الاقتصاد العراقي الاسبق في حكومة رئيس مجلس الوزراء  المرحوم عبد الرحمن البزاز في العهد العارفي.

ان استعراضا مذيلا اخر صفحات العدد من المجلة استوقفني كثيرا بقلم الاستاذ الدكتور سعد الشلماني استاذ مركز دراسات الشرق الاوسط – جامعة درم – المملكة المتحدة استعرض في العدد الذي اشرت له من المجلة لاربعة كتب من تأليف بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل الاسبق وزير المالية حاليا 2005-2003 في حكومة مجرم الحرب الارهابي شارون تحت عنوان (نتنياهو ونظرية الارهاب الاسلامي) الكتب الاربعة تم تأليفها وطبعها ونشرها في الولايات المتحدة الامريكية قبل تفجيرات ايلول 2001 ، وقبل بروز مفهوم العولمة  Golbalization كباب مفتوح وحيد امام البشرية لدخول القرن الواحد والعشرين وبروز ظاهرة الارهاب Terrorsim كمصطلح سياسي دوخ العالم واقلق سكان المعمورة بأكملها – اول كتابين  صدرا  لنتنياهو عام 1981 ، 1986، والثالث عام 1993 والرابع عام 1995 -  وهو الاكثر الغالب استعمالا وقصدا بأسم (الارهاب الاسلامي !!) قبل تسويقه للعالم ان الارهاب الاسلامي حتمية تاريخية سياسية جرى استيلادها ومن ثم توريط في مرحلة اخيرة الولايات المتحدة الامريكية في مهمة مواجهتها ومحاولة القضاء عليها واجتثاثها ويتطلب ذلك بحسب دعوة نتنياهو تظافر جهود كل دول العالم المحبة للخير والسلام مكافحة الارهاب والجريمة ومن ضمن الدول اسرائيل طبعا على اعتبارها دولة غير ارهابية!!.

ارجو القارىء الكريم التركيز بأمعان على تاريخ صدور هذه الكتب ومحتوياتها ومفاهيمها وربطها بما حصل في 11 ايلول عام 2001 تلاها اسقاط نظامي طالبان في افغانستان وصدام في العراق والتبشير المعاصر للعولمة .

العرض الذي يسرده الاستاذ الشلماني لكتب نتنياهو الاربعة يعطي حقائق مذهلة تضع علامات استفهام عديدة وكبيرة امام الكثير مما عشناه وشاهدناه ونعيشه الان ونتوقعه مستقبلا .

كتب نتنياهو هي:

1- كتاب محاربة الارهاب : كيف تستطيع الديمقراطيات هزيمة الارهابيين المحليين والدوليين!؟

Benjamin Netanyahu

Fighting Terrorism : how democracies can Defeat Domestic and international Terrorists .

"New york: Farrar،  Straus، Giroux,1995).vi  151,[1]p

2- كتاب الارهاب : كيف يمكن للغرب ان ينتصر

Benjamin Netanyahu (ed.)

Terrorism : how the west can win.

(NewYork:Farrar,Straus,Giroux,1986) . xv,254p.

3- كتاب : مكان بين الامم : اسرائيل والعالم

Benjamin Netanyahu :

A Place among the Nations: Israel & The world

New york ، Bantam Books,1993).xxvii,467p.

4- الارهاب الدولي : تحدي واستجابة ، وقائع مؤتمر القدس حول الارهاب الدولي

International Terrorism, Challenge and Response:Proceedings of the Jerusalem Conference on International Terrorism

Edited by Benjamin Netanyahu

(Jerusalem: Jonathan Institute;New Brunswick USA :Transaction Books 1981).383p.

 

علي محمد اليوسف

 

إضاءة عامة: يعد مؤلف "الأدب الرقمي"[1] للدكتور "محمد أسليم"، حلقة هامة من حلقات التأليف في هذا المجال الجديد والحيوي، سواء في الأدب العربي أو المغربي، بعد سلسلة من المؤلفات أهمها؛ "من النص إلى النص المترابط" لـ"سعيد يقطين" (2005). و"مدخل إلى الأدب التفاعلي" لـ"فاطمة البريكي" (2006). و"الأدب الرقمي: أسئلة ثقافية وتأملات مفاهيمية" لزهور كرام" (2009). وأهم ما يميز هذا الكتاب "الترجمات"، كما جاء في مقدمة الدكتورة "زهور كرام"، هو "اعتناؤه بالمفاهيم وتحديدها. فلا يمكن تأصيل ثقافة في تربة ما، أو جعلها مُنتجة في سياق معين خارج الوعي المعرفي بالمفاهيم التي تشكلها"[2]. وبذلك، فهو يحاول تقريبنا من مجموعة من المفاهيم التي تولدت عن هذا الأدب الذي أصبح يبني له جغرافيات جديدة ربما على أنقاض الأدب المكتوب. في أفق بناء وعي جديد، من خلال الجمع بين شتات قد تفرق في وضعية الأدب السابقة، "فلأول مرة يجتمع كل من النص والصورة والحركة والصوت والأشكال المتحركة في حامل واحد. وهذه التركيبة الجديدة والمُختلفة للنص الأدبي تحقق وجودا مختلفا لمنتجه وقارئه"[3].

 ووفق هذا السياق، يمكن القول إن مسألة الوقوف عند أهم المفاهيم المتربطة بالأدب الرقمي، لم تكن خارج سياق التاريخ وسياق الوعي المعرفي، فالتغيير الذي يُمَارس بفعل منطق التاريخ، لابد أن يسايره بناء وعي جديد يفتح له مجال الذيوع والاستئناس به، بل أرضية الألفة والمؤالفة،  رغم ما يُجابه به من رفض، باعتباره نشازا ضمن بنية تقليدية دأب عليها الإنسان، وكأن التغيير ضمن بنية الذهن العربية تشكل حاجزا هلاميا نحو تطور مستقبلي، هذا إذا لم تكن هناك مآرب أخرى، لهذه العصا التي تسلط على فعل التغيير ورواده المدافعين عنه. ونحن هنا لسنا، خارج مفهوم "الحداثة"، التي نجدها ترتبط بعنصرين اثنين هما؛ أولا الإنسان، فهو جوهر الحداثة المرتبطة بالعقل، واعتماد الحرية والمعرفة والعلمية والعقلانية في فهم العلل والنتائج، في سياق التعامل مع التاريخ وتطورات وقائعه، ومن ثمة "اعتماد المعرفة مجهودا إنسانيا يتطور باستمرار، ويتغير نحو الأفضل"[4]. وثانيا؛ ترتبط بالسياق التاريخي، فهي وظيفة بالأحرى لتاريخ الخطاب الذي يبرز وَفق عوامل إنتاج في فترة معينة، هي فترة ذات معنى حداثي بالذات[5].

إن هذا المؤلف الذي اختار له الدكتور" محمد أسليم" هذا المنحى، لم يكن اعتباطا، بل بغية الربط عموديا بين منطق التاريخ وبناء الوعي، وأفقيا رهانات التحول التي  أصبح يعرفها الأدب من بنيته التقليدية نحو أدب رقمي، يؤسس لمفاهيمه الجديدة، ومن ثمة لمصطلحاته وآلياته القرائية والنقدية.

1-  الأدب: نحو برامج تفاعلية

إن أولى المفاهيم الكبرى التي يقف عندها هذا المؤلف هو "الأدب الرقمي"، الذي جسد قطيعة تاريخية مع عصر "المطبعة"، كما جاء في المقال الأول منه، بعنوان "وداعا جتنبرغ"، ومعه "يختم العصر الذي افتتحه اختراع جتنبرغ، وهو المطبعة التي أحدثت ثورة في علاقتنا بالمكتوب وبالنصوص، وجددت وصولنا إلى المعرفة وغيرت نظرتنا إلى العالم"[6].حيث التحول من الكتاب الورقي نحو الكتاب الرقمي، أسفر عن تحولات أهمها "تشتيت النص، وتفكيك الحوامل التقليدية، ثم التداخل مع وسائط أخرى"[7]. وبذلك، تم التدقيق في مجموعة من المصطلحات منها "الأدب الرقمي" الذي يعد "كل شكل سردي أو شعري يستعمل الجهاز المعلوماتي وسيطا ويوظف واحدة أو أكثر من خصائص هذا الوسيط"[8]، علما أن مفهوم "الوسيط" هو أداة التواصل المستخدمة، الذي تشتغل فيه الميديات بشكل متناغم، مما ينتج وسائط متعددة، عبارة عن ميديات يفهمها الإنسان "مثل الصوت والصورة والنص، وعليه فالوسائط المتعددة ذات طبيعة سمعية بصرية"[9]. ويتحكم في هذا النظام، "الخوارزم" الذي هو "مجموعة من القواعد المنطقية التي يتم ترميزها برمجية لأنتاج نتيجة"[10]. و"التشفير الرقمي" القائم على ثنائية (01). و"التفاعلية" التي تجسد العلاقة "التي تقوم بين القارئ والبرنامج. إنها قدرة تُمنح للقارئ وإكراه يُلزِمُ البرنامج: يمنح العملُ القارئَ قدرة التأثير في تركيب العلامات المقترحة للقراءة ويفرضُ العملُ نفسُه على البرنامج أن يتجاوب مع بعض المعلومات التي يقدمها القارئ"[11]. و"الوسيط المركب" الذي يعد مقر "تنفيذ البرنامج أو نقل المعلومات بين أجهزة أو بين برامج"[12]. ويمر هذا عبر "جهاز العمل"  الذي يجمع بين كل مكونات الأدب الرقمي أي العلاقة بين "الأجهزة والبرامج التي تتدخل في التواصل الذي يحدثه هذا العمل بين الكاتب والقارئ والفاعلين المشاركين فيه"، وحيثما كان العمل جاهزا، فيدخل ضمن مفهوم "العابر المرئي" الذي يعد حدثا "متعدد الوسائط الناتج عن تنفيذ البرنامج والمتاح للقراءة"[13].

والتدقيق في مثل هذه المصطلحات، لم يكن  بترف معرفي، بقدر ما جاء بهدف التمييز بين الأدب الرقمي والأدب الإلكتروني  (أو المعلوماتي) الذي ارتبط بالأدب المكتوب الذي يسهل إعادة طبعه في كتاب ورقي. وإن تعددت مفاهيمه، مثل؛ "النص التشعبي" أو "الأدب الرقمي" أو الأدب الشبكي" أو الأدب التفاعلي" (...) أو غيرها، فهو يروم إحداث قطيعة تاريخية مع كل ما هو خارج الشبكية وإن استعمل الوسيط المعلوماتي؛ مثل "الكتب الورقية المرقمنة، وهي مؤلفات لاتدخل ضمن فئة الأعمال الأدبية الرقمية"[14].

وقد مر "الأدب الرقمي" تاريخيا بثلاث مراحل: فالمرحلة الأولى؛ كانت ما بين (1959) و(1980)، وفيها كانت المقاربة شبه تجريبية. والمرحلة الثانية؛ بدأت "مع المولدات الأوتوماتيكية الأولى التي برمجها جان بييير بالب في عام 1980، وانتهت بتأسيس مجموعة L.A.I.R.E سنة 1988"[15]. أما المرحلة الثالثة، فقد تميزت بهيمنة أعمال جماعة ALAMO بفرنسا، خاصة اقتراحات "جان بيير بالب" وأعماله. كما واكب هذا التطور ظهور مجموعة من المجلات مثل مجلة "LAIRE" في يناير 1989. وتابعت أعمالها فيما بعد، مجلة KAOS.

وتبعا لهذا، تحولت أقانيم العلاقات التي كان يقيمها الأدب التقليدي، مقارنة بالأدب الرقمي، سواء على مستوى المؤلف أو القارئ أو النص. و"بهذا المعنى، يصبح الأدب التفاعلي شيئا آخر وتصير الكتابة، باعتبارها فعله المؤسِّسُ، عملا أو حركة متبادلة حيث العلاقات بين المؤلف والنص والقارئ بداخلها آخذة في التغيير"[16]. فموت المؤلف[17] التي نادى بها "رولان بارت"، قد تحققت  بصيغة شبه نهائية، حيث حررت كل من النص والقارئ من سلطته التي كانت متمركزة حوله خلال عهد الكتابة. فمبجرد أن ينبي المؤلِّف خطابه على شكل نص تشعبي، يحضر القارئ، باعتباره المسؤول عن قراءة مثل هذه النصوص، ويستحيل على المؤلِّف "أن يتوقع سائر السياقات التي سيتم فيها قراءة مقاطع نصه"[18]، وذلك من خلال التحول عن الحامل  الورقي  نحو الحامل الإلكتروني، أي تحول من مفهوم "القراءة" التي كانت تتم في ظروف تقليدية أساسا، نحو مفهوم آخر نتيجة التفاعلية التي أتاحها " الكتاب الإلكتروني"، حيث أصبحت "أفعال القراءة والكتابة وإعادة الكتابة التي كانت يُنظر إليها إلى وقت حديث بأنها أنشطة منفصلة تميلُ الآن إلى الانصهار في فعل واحد أو عملية مثالية واحدة هي "الكتاءة" (écrilecture)"[19].

لقد أتاح "الحامل الإلكتروني" نوعا من الثراء والتنوع على مستوى النشاط القرائي، في صورة تكتمل علاقة النص بالقارئ والمؤلف، ويعود هذا بالتحديد إلى تميز النص الرقمي، من خلال إعادة إنتاجه على آلة الحاسوب، بمجموعة من الخصائص؛ فالخصيصة الأولى تتمثل في "صيغة العرض" حيث "تستطيع شاشة الحاسوب أن تحتضن تخطيطات مختلفة للصفحة وخيارات حروف قابلة للتعديل"[20]. والخصيصة الثانية، هي قابلية مثل هذه النصوص للبرمجة الحاسوبية، فلم تعد تعرض فقط، بل تولَّدُ بالآلة، وبهذا "صار المؤلف هو –مهندس النص- حيث لم يعد يكتب كتبا وإنما يصمم خوارزميات، بل ويصمم أحيانا برامج ليفسرها الحاسوب لاحقا"[21]. أما الخصيصة الثالثة فهي التفاعل، الذي يظهر من خلال قدرة القارئ على التدخل في النص، والتأثير على مجرياته عبر مجموعة من الخيارات.

لقد أفضت مجمل هذه الخصيصات إلى ظهور أنواع عدة من النصوص الرقمية التي تشكل ما ينعت الآن بـ"الأدب الرقمي"؛ وإن اختلفت بين النقاد والمهتمين بهذا المجال، فيمكن حصرها في نوعين كبيرين، وفق ما جاء به الدكتور "محمد أسليم" من خلال هذه المترجمات، وهي "النص التشعبي" الذي يمكن أن تتولد عنه مجموعة من النصوص، تبعا للمقاربة النوعية  المعروفة من النص القصصي أو الروائي أو الحكائي أو غيرها، و"الشعر الرقمي" الذي أصبح ينعت ب"الشعر المتحرك"، وتتفرع عنه أيضا أنواع عدة.

1- النص التشعبي:  نحو "رؤية كلية"

إن ثاني المفاهيم الكبرى التي وقف عندها مؤلف "الأدب الرقمي"؛ "النص التشعبي"، الذي افترعه "عالم الرياضيات فانيفار بوش، الأستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ووصف مبدأ هذا النص في مقال نشره في عام 1945، معيدا فكرة أن الدماغ البشري يعمل عن طريق التخاطر"[22]. ومن بعده "تيد نلسون" الذي لم يفلح في محاولته، إلا مع ظهور "نظام "الهايبركارد" الذي صممه"بيل اتكنسون" لأجهزة كمبيوتر شركة أبل، وهي أول الحواسيب التي توفرت على الماوس الشهيرة"[23]. ويعرف "جورج لاندو" النص التشعبي أنه "تكنولوجيا للمعلومات تتكون من كتل من النصوص –أو الكلمات- والوصلات الإلكترونية التي تربط فيما بينها"[24]. بينما يعرفه بشكل أكثر وضوحا" إيلانا سنايدر" بكونه "شبكة من الروابط بين كلمات وأفكار ومصادر ليس لها نواة مركزية ولا نهاية"[25].

ولاغرو أن النمط الذي ارتبط بهذا المفهوم، هو "النص التشعبي التخييلي"، الذي لم يكن جديدا على مجال الأدب في عهد الحامل الورقي، فمفهومه عموما، يلتقي في بعض نواحيه مع تيار الفكر البنيوي، الذي يعتبر النص قائما على فكرة الترابط والتبادل، حيث يرى البنيويون أن الفكر عبارة عن "نسق من التبادلات، بمعنى أنه شبكة، ليس فيها نواة مركزية، ولكن فيها العديد من المجموعات المتفاعلة فيما بينها"[26]، توافقا مع العرض الذي جاء به "رولان بارت" في مؤلفه "s/z". وفي هذا الصدد، فالقراءة عنده تعني تشبيك "النص، مثل قائمة زلزال، يباعد بين كل الدلالات بحيث لا تدرك منها القراءة إلا سطحها الذي يلمحه تدريجيا تدفق الجمل، وخطاب السرد المنساب، ومجرى اللغة الطبيعي الكبير. (...)"[27]. مع العلم أن القليل من الأعمال التي يمكن أن تنفلت من "منطق الحكي"، وفق منطق الزمن الذي يحتكم إلى نظام يستدعي تقدما تسلسليا. فالبعودة إلى "أرسطو" لابد أن تكون للحكاية "بداية ووسط ونهاية"، مما يعني أنها قائمة على نظام، ولا تحتكم إلى العشوائية. في حين نجد أن النص التشعبي، "يزعم قطع الصلة بهذا التقليد الراسخ، ومن وجهة النظر هذه يحسن التمييز بين الحكايات الشجرية متعددة الفروع وتلك التي (...) ترسم مسارات خطية وتسرد قصة واحدة أو أكثر سردا تقليديا"[28].

وبذلك، تم التمييز بين كل من "النص التشعبي" و"القصص الشجرية "والتوليف الخالص"، والرابط بينهم هو عامل النظام على مستوى الوحدات السردية الشذرية، "وبذلك يكون النص التشعبي عبارة عن مجموعة من المقاطع النصية شبه المنظمة، (في أفق تحقق) حلم قديم جدا، هو حلم إشراك القارئ في كتابة العمل الأدبي"[29]،  الذي يسمح له أثناء عملية التفاعل، اعتمادا على ما أسماه "كلود بيرسزتيجن" "Claude Bursztjen"[30] ب "التزلج على الأمواج"  "surfing"، عوض "الإبحار" أو "التصفح". وهذا ما جعل "ستيورت ملثروب" في "شهوة النصر" يقول "ربما نعيش غارقين في الوسائط التشعبية وما بعد الحداثة، في عالم يشبه على نحو مريب حديقة الممرات المتشعبة"[31].

 لقد أسفرت مثل هذه النصوص عن تحولات ليس في آليات النص بأكمله فحسب، بل في العلاقة التقليدية بين أطراف عملية الاتصال الأدبي.رغم ما أتاحته الكتابة من تجاوز لأشكال المعرفة التقليدية، على اعتبار أن "الأبجدية هي أول نظام تواصل عالمي"[32]. كل هذا خلق وعيا جديدا، في فضاء سبرنتيكي؛ أصبح يتميز بنمط العلاقات المفتوحة،  وبالسرعة في التطور والتحول، في أفق بناء ذكاء جماعي، أساسه" الرؤية الكلية"، من خلال "اتخاذ عدد لانهائي من وجهات النظر المتنوعة"[33]. ناهيك عن التأثيرات المتمثلة في "الديموقراطية السيبرانية" واقتصاد السوق "بقيادة أخلاقية للاقتصاد من لدن الاقتصاديات الشعبية على الخط ومن لدن الاستهلاك في الأسواق الافتراضية الشفافة"[34].

2 - الشعر الرقمي: الدينامية والتوليد

  وثالث المفاهيم التي تم الوقوف عندها، تتمثل في "الشعر الرقمي" الذي ظهر باللغة الألمانية والإنجليزية عام 1959، أما باللغة الفرنسية فلم يظهر حتى عام 1964، بفعل مجهودات مجموعة من الباحثين والجمعيات، خاص جمعية "الأدب المدعوم بالحاسوب" أو "ALAMO، ثم بعد ذلك واصلت العديد من المجلات الإلكترونية الجديدة العمل على هذا النمط الشعري الجديد مثل مجلة "alire" و مجلة KAOS".

ولم يتشكل الوعي بهذا النمط الشعري، بشكل سريع، بل عبر ثلاثة مراحل، على وجه التقريب. فالجيل الأول، اهتم فقط ب"تحديد العمليات الرئيسة للإبداع ووصفها بمصطلحات حاسوبية من أجل امتلاك القدرة على إعادة بنائها ومحاكاتها (...) مع ما يسميه فرانسوا هذا بتحليل الإجراءات الأدبية و "الأنيبولية""[35]. والمرحلة الثانية؛ بدأت عام 1961، التي تم الاهتمام فيها بعمليات جديدة للإبداع، وهو ما أطلق عليه ب "التركيب"، أي "آلات معالجة المعلومات" بهدف "اكتشاف إمكانات الأدب الكامنة والاحتمالية"[36]. أما المرحلة الثالثة؛ فقد بدأت عام 1995، مع ظهور شبكة الأنترنيت، وظهور "الشعراء الشبكيين" و "الشعر الشبكي". وقد رافق هذا الاكتشاف العديد من الدراسات التي أنجزت في نطاق علمي أكاديمي، مثل "تكنولوجيا الإعلام الجديدة والإبداع الأدبي" لكل من "أورلاندو كارينيو" و"رودريغيز- ماريبونا" بإسبانيا. و"تحولات الواقع. المعلوماتية والإبداع الأدبي" ل"بيدرو باربوصا" بالبرتغال. و"عن دوكس Doc(k)s: طريقة الاستعمال. تاريخ الأشعار التجريبية المعاصر وأشكالها ومعانيها" ل"فيليب كاستيلان" بفرنسا. وقد مهدت هذه الأبحات لظهور مجموعة من الكتب في هذا الموضوع[37].

ويتميز الشعر الرقمي بمجموعة من الخصيصات، أهمها الدينامية والتوليد، فكونه يتميز بالدينامية "الشعر المتحرك"، لأنه "يسعى إلى إبراز الوجه المحسوس للعلامات اللغوية في الإبداع الشعري"[38] مما جعله يعرض للمشاهدة أكثر من القراءة "أما اليوم فقد تغير الوضع وأصبح الشعر الرقمي يعرف كيف يستغل كل إمكانات العرض والتحريك باستعمال الحاسوب (...)"[39]. أما خصيصة التوليد، "الشعر التوليدي" فتتجلى "في نوع من القصائد التي لا توجد مسبقا ولكن يتم تصنيعها (أو توليدها...) ببرنامج "مولِّد" أو "مركِّب" للنص (...) يصمم خصيصا لهذا الغرض"[40]. وتبعا لهذا، عرف تحولا على مستوى المفهوم، خلاف ما جاء في الأدب المكتوب، فهو شعر يجمع بين الصوت والصورة و الحركة واللغة، بلا حدود فاصلة بينها، بل أصبحت القصيدة الشعرية بلا نهاية، لأنه  "لا يعرف حدودا جغرافية ولا لغوية أو تكنولوجية"[41]، لذلك تولدت عنه أنواع عديدة، وأشكال شعرية غير معهودة "مثل الشعر الشبكي، والفن الشبكي، والشعر الإلكتروني، وشعر الويب، والويب آرت، وفن البريد الإلكتروني، وشعر البريد الإلكتروني، وآلاف التنويعات من الشعر الديجتالي، والرقمي، والتكنولوجي، والإلكتروني، والمتعدد الوسائط، والمشعب الوسائط، والتشعبي، والتفاعلي، والتركيبي، والتوليدي، والمتحرك، وما إلى ذلك"[42].

تنوير خاص:

لقد أسهم ظهور الأدب الرقمي في إحداث تحولات متحاوزة ما دأب عليه " الأدب المكتوب"، ومع مرور الوقت ستضاف تحولات أخرى، وفق منطق حركية التاريخ وتحولات بناء الوعي، خاصة أن الأبحاث  العلمية الآن تسعى إلى الجمع بين ما هو رقمي وما هو بيولوجي :" البيورقمي". لكن السؤال الذي يطرح نفسه ضمن هذا السياق؛ هل سيبقى الأدب كما كان، أم سيتم تجاوزه إلى مسألة التقنية ويصبح الأدب مفهوما شكليا وليس تخييلا بالمفهوم التقليدي في نظرية الأدب، وإذا كان كذلك ، ما مصير الكتابة والكتاب؟. هل الكل ينبغي الانخراك في هذا التحول، وبأية معايير نقدية؟. هل القارئ بدوره قادرا على تطوير النص التشعبي التخييلي بشتى أنواعه أم أن الأمر سيكون حكرا على "مهندسي التكنولوجيا" فحسب. وبالمقابل هل المجتمع المغربي يعي  الفوارق المطروحة على المستوى الثقافي والتعليمي؟ أم أن الأمر لا زال رهين المبادرات الفردية وبعض الجمعيات والمواقع الإلكترونية التي تدفع بالجيل الجديد للانخراط في هذا التحول الرقمي؟. ما موقع المدرسة المغربية من هذا، هل تعي الهوة بين مجتمع ينفتح على عالم رقمي ومدرسة لازالت تركن إلى الوسائل التقليدية في العملية التعليمة- التعليمة؟. وملاك القول؛ فمنذ القرن الواحد والعشرين، نحن مقدمون على تحولات بنيوية على جميع المستويات عموما، وعلى المستوى الثقافي والأدبي على جه خاص، ولا سبيل لنا إلا الانخراط الجاد في هذه الثورة مجتمعيا وإنسانيا.

 

رشيد طلبي

............................

هوامش

[1]-  محمد أسليم؛ الأدب الرقمي. تقديم: الدكتورة "زهور كرام". الدار المغربية العربية للنشر والطباعة والتوزيع. ط1. 2016. وهو عبارة عن ترجمات لعدة مقالات، حول "الأدب الرقمي"، لكل من "فليب بوتز" وكلود بيرسزتيجن" وألان فويلمان" وجان كليمون" و"بيير ليفي" و"صوفي ماركوص".

[2]- نفسه. المقدمة. ص6.

[3]- نفسه. المقدمة. ص8.

[4]- حسن العودات؛ النهضة والحداثة بين الارتباك والإخفاق. دار الساقي. بيروت- لندن. ط1. 2011. ص107.

[5]- Henri Meschonnic;Modernité Modernité. Collection folio/essai. ED Gallimard.1988.p35.

[6]- محمد أسليم؛ سابق. ص9.

[7]- نفسه. ص16.

[8]- نفسه. ص29.

[9]- نفسه. ص30.

[10]- نفسه.  

[11]- نفسه. ص33.

[12]- نفسه.ص36.

[13]- نفسه. ص37.

[14]- نفسه. ص40.

[15]- نفسه. ص45.

[16]- نفسه. ص68.

[17]- رولان بارت؛"موت المؤلف" سنة 1967.

[18]- محمد أسليم؛ سابق. ص90.

[19]- نفسه. ص72.

[20]- نفسه. ص93.

[21]- نفسه.  

[22]- نفسه. ص148.

[23]- نفسه. ص149.

[24]- نفسه. ص177.

[25]- نفسه.  

[26]- نفسه. ص183.

[27]- نفسه. اُنظر الهامش. ص183-184.

[28]- نفسه. ص161.

[29]- نفسه. ص163-164.

[30]- نفسه. أنظر مقال (المترجم): "التفكير التشعبي". ص151.

[31]- نفسه. ص173.

[32]- نفسه. ص121.

[33]- نفسه. ص126.

[34]- نفسه. ص129.

[35]- نفسه. ص207.

[36]- نفسه. ص208.

[37]- نفسه. اُنظر ص209-210.

[38]- نفسه. ص99

[39]- نفسه.

[40]- نفسه. 219.

[41]- نفسه. ص225.

[42]- نفسه. ص254.

 

 

تمّ بحمد الله استلام كتابي الجديد (كريم عبدالله والسايكودراما) هذا اليوم من دار بغداد للتوزيع والنشر، وهو عبارة عن فصلين،:

الفصل الاول يحتوي مذكرات خمسة عشر عاما من العمل مع المرضى العقليين الراقدين في المستشفى وبالخصوص السايكودراما،

اما الفصل الثاني فيحتوي على اربع مسرحيات سايكودراما قام باداء الادوار فيها مجموعة رائعة من المرضى والمريضات الراقدين في المستشفى .

الكتاب من القطع الكبير وهو عبارة عن (200) صفحة .. شكرا للاخ الدكتور رعد احمد الزبيدي صاحب دار بغداد للتوزيع والنشر على هذه الجهود الاستثنائية في اخراج هذا الكتاب بالشكل الجميل والوقت المحدد ..

أولا: حول الوثيقة والمحقق سعيدوني.. كتاب "قانون أسواق مدينة الجزائر 1107-1705"، لمتولي السّوق عبد الله محمّد الشويهد، تحقيق وتقديم وتعليق الأستاذ ناصر الدّين سعيدوني، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى 1427هـ -2006، من 250 صفحة.

الكتاب عبارة عن وثيقة تركية بقلم تركي كتب عن تلك الأحداث في تلك الفترة، ورسم صورة عن الجزائر من خلال الضرائب التي أضرت بالجزائريين و الأسواق.

ويبدو غلاف الكتاب أنه ردىء في النظرة الأولى، لكن جودة أوراقه فاقت في جودتها وجمالها أوراق المجلدات التي تباع بأثمان باهظة جدا والتي تعتبر أقل بكثير من هذا الكتاب الذي بين أيدينا.

بذل الأستاذ ناصر الدّين سعيدوني مجهودا خارقا في تقديم الوثيقة التاريخية التركية على أحسن وجه وأفضل بكثير من الوثيقة بحد ذاتها.  فقد نقل في الأعلى النص حرفيا كما نقله التركي بعامية يصعب فهمها خاصة بعد أن طال عليها الأمد، وفي الوسط أعاد النص إلى لغته العربية الفصحى التي يفهمها الجميع، وفي الأسفل وضع هوامش لبعض الكلمات التركية التي يصعب فهمها الان، فشرحها أحسن شرح، وشرح الأعلام والأماكن والتواريخ، فكان الهامش بحق قاموسا يرجع إليه القارىء والطالب والمهتم. فتحية تقدير للأستاذ على الجهد المبذول والصرامة في العمل، والدقة في المعلومات، وإثراء الكتاب للأجيال الحالية والقادمة وتسهيله للقراءة والنقد والمتابعة. ولفهم ما جاء في الكتاب لابد من قراءة مقدمة الأستاذ سعيدوني فإن فيها شرحا مستفيضا وافيا يعين القارىء وينير له ما صعب عليه. و يعترف المحقق وفي عدة مرات أنه عاجز عن معرفة معنى الإسم الفلاني أو المهنة الفلانية ويصرح كما جاء في صفحة 121: "لم نعثر على تعريف لها والراجح أنها ..."، وهذا من الأمانة والصدق الذي يسجل له.

ثانيا: محتوى الوثيقة التركية.. جاء في صفحة 46 أن مادة الأفيون كانت تستورد ويقبل عليها الحشاشون وأغلبهم من البحارة.

ويتضح من خلال صفحة 61 سر سيطرة الخبازين من ولاية جيجل على مهنة صنع الخبز والحلويات عبر كامل التراب الوطني إلى يومنا هذا، والسبب في ذلك يعود لسنوات 1700 كما واضح في الكتاب أو ربما ما قبلها.

ومن الضرائب التي ذكرت في صفحة 63 و65، تلك المفروضة على بائع الفخار "إذا كان منتعلا فيخضع للضريبة" و "يدفع الساكن في الطابق العلوي ضعف ما يدفعه الساكن في الطابق الأرضي".

وأعجبني كثيرا ما جاء في صفحة 92 ، حيث أنه من أراد أن يشتري الحمام فهو مطالب بعدم طرد العمال كالطيابين حتى لا يتعطل العمل بالحمام ويحافظ على سمعته.

وجاء في هامش صفحة 93، أن فرنسا المحتلة هدّت أجمل مسجد في الجزائر سنة 1830 وأتموا عملية الهدم سنة 1830، وأشعلوا النار في دعائم المنارة الخشبية وإزالة حجارتها بالمعاول لتختفي إحدى المعالم العمرانية للجزائر، وهو جامع السيّدة الذي بني سنة 1561.

ويتضح من خلال صفحة 99 وحسب ما جاء في الهامش، أن الأتراك هم الذين أدخلوا الدخان إلى الجزائر وقلّدهم الجزائريون في شرب الدخان.

ومما يفرح أنه جاء في صفحة 103، أن من "يلتحق بمحل ما لتعلم المهنة عن صاحبها لا يغادر المحل إلا وقد أتقن الحرفة".

وجاء في هامش صفحة 104، أن جامع الرابطة الذي بني سنة 1624 تم هدمه من طرف الاستدمار الفرنسي سنة 1832.

ومن مظاهر التمييز التي شرحها المحقق في هامش صفحة 105، أن الأتراك كان لهم سجن خاص بهم.

وتحدث في صفحة 115 عن سطوة المال لشراء المنصب والنفوذ، وكان معمولا به عبر كافة المستويات والشرائح.

و جاء في هامش صفحة 130، أن المومسات أو النساء العموميات كن يقمن في منازل خاصة بهن ويتردد عليهن الجند الإنكشاري الذي كان يعيش في حالة عزوبة طيلة الخدمة العسكرية، حيث تجاوز عددهن عند الاحتلال الفرنسي سنة 1830 بثلاثة آلاف مومس. ويمكن للقارئ أن يرجع للصفحة ويقف على فضائع أخرى.

وجاء في هامش صفحة 131، أن الاستدمار الفرنسي هدم العديد من أسواق الجزائر بعد سنة الاحتلال 1830 ومنها حريق 1844.

وجاء في صفحتي 144- 145، إستيلاء الفرنسيين على ميناء جيجل سنة 1655 و 1664. وتعرض مدينة الجزائر لقنبلة الأسطول الفرنسي لثلاث مرات وعبر سنوات 1682 و 1683 و 1686.

جاء في صفحة 149 "وصول أعداد من المهاجرين الأندلسين سنوات 1584 و 1609.

ثالثا: تقرير الإستدمار الفرنسي.. جاء في التقارير الفرنسية الممتدة عبر صفحات 161 -182، أن الجزائر كانت مركزا للقرصنة ولم تعرف التجارة أو الصناعة قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر والذي يسميه التقرير بالنظام الفرنسي، وكانت تبدو أزقة الجزائر للمحتل الفرنسي غامضة وغير آمنة.

وجاء في صفحة 162، أن الفرنسيين لم يقيموا أدنى اعتبار لخصوصيات المدينة الشرقية وأخضعوها للقواعد العمرانية التي ألفوها من أوربا.

وكانت المرأة الجزائرية كما جاء في صفحة 165 من التقرير المحتل الفرنسي لم يكن باستطاعتها شراء الحلي الذهبية بسبب المفروض، وكانت تكتفي بشراء الحلي المصنوعة من قرون الثيران ولذلك كانت هذه الصناعة رائجة.

وتحدث في صفحة 166 عن اليهود فقال لم يكن لليهود شارع خاص بهم كما هي العادة في المدن الإسلامية الأخرى وقد كان المسلمون واليهود يعيشون في الجزائر جنبا إلى جنب.

وقال في صفحة 168، أن الانكشاريين اشتهروا بظلم الجزائريين لذلك تعرضوا للانتقام إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر من طرف الجزائريين.

وذكر في صفحة 169-176 أن صناعة مدينة الجزائر لم تكن تلقى رواجا بالخارج عكس صناعة تلمسان التي كانت تلقى رواجا بالخارج. ويرى أن الأتراك لم يمارسوا التجارة إنما تركوها لليهود الذين احتكروا وسيطروا عن طريق إستغلال أسماء أوربية لكي يدفعوا أقل الضرائب ويتحصلوا على أقصى ربح. ويعطي التقرير الفرنسي مثالا عن ذلك فيقول.. في سنة 1826 وأثناء الحكم التركي لم يدخل ميناء الجزائر أكثر من 12 سفينة تجارية من كل الجنسيات، بينما وبعد 11 شهر من الاحتلال الفرنسي للجزائر دخلت 295 سفينة لميناء الجزائر لنقل حاجات الجيش الفرنسي المحتل للجزائر. وقال أيضا: "نلاحظ أن الخمور تعتبر من أهم الواردات في انتظار أن يبدأ استهلاكها من طرف العرب". ودعا التقرير إلى الإسراع في احتلال قسنطينة وأراضي جزائرية أخرى قبل أن تستحوذ عليها بريطانية. ويقول التقرير أن الفلاح الجزائري كان يستعمل 700 زوج بقر لحرث أرضه وبعد الضرائب التي فرضها عليه الأتراك أصبح يستعمل 60 زوجا، ودائما حسب التقرير الفرنسي.

ويرى التقرير في صفحات 177 -179 أن عروج كان قرصانا ونقل القرصنة إلى إخوانه الأتراك، مع التنبيه أن هذا هو رأي فرنسا في عروج. و يتأسف الفرنسي لكون العلاقات التي أبرمها مع فرنسا كانت لصالحه ولم تكن لفرنسا. وذكّر بالقصف الهولندي والإنجليزي للجزائر سنوات 1655، و1669، و1670، وكذا القصف الفرنسي للجزائر سنوات 1682، و1683، 1687. وتحدث قبيل الاحتلال الفرنسي للجزائر عن تدهور الصناعة الجزائرية بشكل كبير.

ويرى التقرير عبر صفحتي 181-182، أن أسواق مدينة الجزائر كانت ضعيفة ولا تقارن بأسواق الشام وبغداد، بل لا يمكن مقارنتها بأسواق زمير وقسنطينة. وكان الثراء بالجزائر بمثابة الحكم بالإعدام. وكان الأوربي يأخذ معه الصناعات التقليدية لبلده وهو قادم من زيارة الجزائر، ومنها أشياء من خيوط الصبار.

 

معمر حبار

 

 

 

 

 

 

 

 

"مخطوطة ابن إسحاق، مدينة الموتى"، هي رواية للكاتب المصري حسن الجندي، تصنف ضمن روايات الرعب، تتحدث عن شاب جامعي خامل، يقرر ذات مرة زيارة سور الأزبكية وهو مكان لبيع الكتب القديمة يماثل شارع المتنبي في بغداد، وكانت زيارته الأولى لهذا المكان، فهو يعيش بعيد عن عالم الكتب والمعرفة، مثل اغلب شباب هذا العصر التابع للشبكة العنكبوتية "الانترنيت"، فتقع بين يديه مخطوطة أصلية لساحر عاش في مصر في فترة بعيدة، فينغمس في قراءتها، فيصبح شخص أخر، حيث ركزت الرواية على مخاطر كتب السحر على جيل الشباب غير الواعي.

عالجت الرواية موضوع مخاطر مطالعة كتب السحر، من دون وعي وفهم سابق، فتكون مطب كبير لمن يطالعها، أن السحر في العالم الغربي يعتبر علم وله قوانينه وأساتذته، أما في بلداننا فيعتبر شعوذة ويستخدمه في الغالب حثالة المجتمع، وهو في الحالتين خطير ويؤثر سلبا على الشخص المتعاطي به، وقد كفر ديننا المتعاملين بفنون السحر، لكن قضية تداول كتب السحر وسهولة الحصول عليها من الأمور الخطيرة، وهي منتشرة ألان وبكثافة، هذه الظاهرة يجب أن يكون لها ضوابط، كي ندفع خطرها.

أولا نوضح أمر مهم وهو أننا لسنا ضد حق النشر وحرية التداول، لكن كتب السحر والشعوذة تعتمد فنون غريبة، تنتمي لقوانين ما وراء الطبيعة، وتكون خطرا على فئة الشباب والأشخاص المرضى النفسيين، فيكون موضوع حماية المجتمع مقدم على حرية التداول.

انتكاسات الحياة هي السبب

قصة الشاب مازن مازالت طرية في ذاكرتي، كان مازن إنسان طيب يسعى دوما لخدمة الناس،لكنه تعرض لانتكاسات متتابعة من وفاة والده، الى فشله بالحب، الى خسارة مشروعه، مما جعله يلجا الى الانعزال عن الناس، كان يحس بالحقد على كل من استهزأ بآرائه، أخيرا وجد كتاب بعنوان السحر الأسود، فشرع بقراءته بشره كبير، وبدأ يجمع كتب غريبة ويمارس طقوس عجيبة، الى ساءت أحواله الصحية والنفسية وانتهت بموته المفاجئ.

بعض الشخوص يكون بنائهم الشخصي ضعيف، والبعض الأخر تكون ضغوطات الزمان عليه شديدة، هؤلاء يكون عالم السحر وقوانينه الغامضة خطر شديد عليهم، حيث يتحولون الى أشخاص خاضعين لقوة غريبة، بما يسمى بالتلبس أو طبيا بذات السحايا، خمول توقف عن أداء أي دور حياتي، وكل هذا بسبب الغرق في صفحات كتب، والاعتقاد بالقوى الخفية، وكل هذا لا ينهض بالإنسان بل تحط من قدره.

كتب السحر والفضائيات

أحيانا تكون الدوافع لدخول عالم كتب السحر، هو البحث عن القوة، والسعي للفوز بالغايات، بعد أن جعلت الحياة كل الأمور صعبة المنال، وعندها تحصل عملية الغرق، ويكتشف أن لا قوة حقيقية ولا فوز بأي شيء، فقط مجرد خيبة أمل وندم لكن حين لا ينفع الندم.

لكن الغريب أن تفتح فضائيات للترويج للسحرة والدجالين، وهؤلاء يرشدون الى كتبهم ويبينون للمتلقي طريق الفوز بقوة خفية، كان في السابق يتم اعتقال السحار لكن ألان يسمح له بفتح مكاتب وفضائيات ليدخل كل بيت من دون استئذان، أمثال أبو علي الشيباني والوائلي وغيرهم الكثير، وقد أصبحت لهم شعبية ومريدين وناس تأخذ منهم.

العجيب أيضا أن تركز بالدراما العربية على موضوع السحر، وتقوم بإطلاق مسلسلات تعتمد على قضية السحر، وتبرزها بشكل مخيف مثل مسلسل (الكبريت الأحمر)، والذي عرض بعد شهر رمضان الفائت، ومسلسل (ونوس)، وكلاهما يخلق تشويق عند الإنسان العادي للخوض في كتب السحر، ليفهم ما طرحته الدراما، وهنا يتبين لنا مدى تغلل خط السحر، وهذا لا يتم الا بتواجد شخوص ومنهج وهدف،  ويتضح مقدار عدم الاهتمام بالإنسان العربي، وغياب لجان الرقابة الفعال، بل يبدو أن هنالك جهات خفية تدعم نشوء هكذا خط أعلامي يروج للسحر.

الثمرة

نحتاج اليوم الى تنظيم عملية تداول كتب السحر، مثلا أن يحدد عمر معين  يسمح له بالاطلاع على كتب السحر، وان يفرض عليها ضريبة كبيرة كي ترتفع أثمانها فتصبح صعبة المنال، وان تلتزم دور النشر بتوفير معلومات كاملة عن أي كتاب للسحر يطبع الراعي والهدف والفئة المستهدفة، وإلا يتم محاسبة دار النشر الى عقوبات تصل للغلق والسجن، ومن جانب أخر يجب على الأعلام والمنابر أن ترسخ فكرة أن الإنسان يجب أن يصل لغاياته عبر قدراته وأرادته وعلمه وليس بطريق والسحر والخزعبلات، الوعي وعملية خلقه في المجتمع أمر مهم في حل هذه القضية.

تكاتف الجهود يجعلنا نتقدم بخطوات واثقة في عملية حماية المجتمع من مخاطر قوانين عالم خفي. 

 

اسعد عبدالله عبدعلي

كاتب وأعلامي عراقي

 

 

يلقي كتاب (رهانات السلطة والحكم في العراق.. حوار في آيديولوجيا التوظيف السياسي) الصادر في دمشق عن دار الأمل الجديدة بالتعاون مع مؤسسة المثقف العربي في سيدني (1)، الضوء على الازدواجية التي عانينا منها خلال عقود، منذ نهايات أول حرب عالمية وحتى عام 2003 وهو المنعطف المؤثر والتاريخي الذي وضع نتائج سايكس بيكو تحت الاختبار والتعديلات.

يأخذ الكتاب شكل الفصول المفيدة، أو يطيب لي تسميته أيضا شكل السؤال المتفق عليه للوصول إلى أجوبة تفسر المناطق الرمادية والغامضة من تجربة العرب مع السياسة أو فن الحكم. هل كان العرب موفقين في إدارة شؤونهم أم انه غلبت عليهم أعراض الخلل المنهجي والذي يضع التطبيقات وراء الأفكار؟؟.

بتعبير آخر يقدم الكتاب نفسه بخط عريض وواضح على أنه قراءة تجريبية، تستند للملاحظة والخبرة. فالمشاركان في عملية التأليف وهما الأستاذ طارق الكناني والمفكر المعروف ماجد الغرباوي اتفقا على أن السياسة هي عمل من عدة مستويات، إنها إنتاج لأفكار لها صفة الإطلاق وإنتاج لمجموعة من الممارسات التي لا تتبلور إلا من خلال الوعي بمعنى تاريخية الظواهر. جتى لو أن الأفكار أسره بالمقارنة مع الممارسة ص8.

فالجمود لا يليق بالإنسان الذي شهد عدة أطوار وتحولات نقلته من واقع الاستسلام لظروف الطبيعة إلى واقع التحكم بالطبيعة القهرية ذاتها.

وقد تلازم مع هذه الرؤية الديناميكية روح النقد والتقويم، وعلى ما أرى إن هذه الروح هي ضرورة وواجب، بل هي فرض عين على كل مفكر، حتى لا نقع في المحظور ونتحول إلى جوقة من المداحين العميان، لا نرى ما حولنا ونخاف من رؤية أنفسنا.

لقد اختار الكناني أسئلة موجعة (بتعبيره مباشرة وحادة وتتطلب موقفا صريحا لا لبس فيه ص 7) وطرحها على الغرباوي الذي وضع في إجاباته الواقع العربي على المحك.

وأن نتكلم عن الواقع العربي يعني أن نقارب نقاط التحسس بين التصورات، ولا سيما في المرجعيات سواء هي مادية أو أنها تستمد شرعيتها من الإسلام. وحتى أن الدين يعاني من مواجهات مرعبة ودامية بين أهل الشورى وأتباع الإمامة كما ورد على لسان الغرباوي في آخر الكتاب.

مع أن الرسول لم ينص على أحد باتفاق الشيعة (كما وردت في كتب الشيخ المفيد) والسنة (التي يمثلها الطبري). ص181.

لقد تركت وفاة النبي فراغا بين النخبة السياسية الذين نعرفهم باسم الصحابة. وبتعبير الغرباوي إن ما جرى في مؤتمر السقيفة كان مخزيا، فهو مجرد تقاسم لسلطات النبي الروحية وتنازع عليها.و برأيي الغرباوي محق حين نظر للمؤتمر على أنه التأم لحسم نزاع سياسي ولو هناك نص (يعني قاعدة شرعية) لانتفت الحاجة للخلاف أصلا (ص181).

وكانت الحجة لدى كل فريق تعتمد على النسب العائلي أو درجة القرابة. ص181 .

إن هذه الجراة في تجريد الأفكار ثم شخصنتها يذكرني بمشروع سابق ومبكر ظهر في الستينات للمرحوم جلال صادق العظم أول من فكك التفكير الديني وأول من فك التشفير عن أسباب الهزيمة عام 1967. وذلك في ثنائيته المشهورة (نقد الفكر الديني 1970) و(النقد الذاتي بعد الهزيمة 1968).

لكن مشروع الغرباوي ينقل هذه التجربة الى مستوى التشربعات، بمعنى أنه يعارض السلفية المعاصرة من داخل القانون الإسلامي. فهو بالانطلاق من ترسانة الشواهد الدامغة التي يأخذها من السنة المشرفة والقرآن الكريم (وهذه المفردات أضعها بين قوسين لخصوصيتها التي تتنزه عن التشخيص والتجريد) إنما يدخل في منطقة التابو أو يلغي فصاحة المحظور والممنوع، فهو يفحص مشكلة الفتوحات بعد وفاة النبي ويسأل: هل هي جزء من الرسالة أم أنها استعمار وغزو وبقوة السيف؟ ص40. ويتابع مع مفهوم الجزية، هل هو إسلامي في ظروف الألفية الثالثة أم أنه تفسير جاهلي لظاهرة إيمانية تعود للقرن السادس بعد الميلاد. ص 180.

بهذه الروح يواجه الكتاب خمسة محاور أساسية.

الأول الفكر القومي ص19. ويعتقد أنه يعاني من الضعف والهشاشة في العراق لكنه أقوى في مصر وبلاد الشام ص21. وييذكر عدة أسباب لتفسير ذلك. فالعراق يتكون من جيوب اجتماعية أو إثنيات. بينما مصر جاهزة للتجانس لم تتخللها تاريخيا غير موجات بشرية متماثلة. فبعد الحضارة الفرعونية توسع الأقباط ثم حل في مكانهم المسلمون، ووجد الأقباط فيهم خلاصا من الاستعمار الروماني وطقوسه وإملاءاته. ص24.

وأضيف لما سلف أن الخلل في هذه المنطقة ناجم عن الأفكار الميكانيكية التي تفرضها السلطات من أعلى. فحكوماتنا العربية لا تؤمن بالتربية ولا مبدأ الإقناع. وتستعمل العنف عند أي مشكلة تطرأ على الساحة. وربما كان العنف المبذول ضد المعارضة أكبر من العمليات العسكرية التي واجهنا بها المحتل. ولذلك الغيبوبة السياسية هي التي تتحكم بالخطاب الإعلامي. وليس غريبا أن تسمع في وسائل الإعلام عن نبأ ولكن لا تجد له أي مصداقية على أرض الواقع. والقومية العربية في مصر وبلاد الشام ليست بريئة من هذه الشبهات.

فهي فكر كلاسيكي لديه خروقات إيديولوجية وتطاله العيوب من كل أطرافه. وأعتقد أن هذا هو السبب وراء تبلوره في العراق أكثر من البلدان المجاورة. فهو ذريعة للتماسك. باعتبار أن العراق على خط المواجهة مع الساسانيين أو الفرس وبلغة معاصرة إيران.

وكل دوائر العقل العربي الحديث وجدت لها أرضا خصبة في سنة العراق وحكومة صدام. وهذا لم يكن من السهل تذويبه بعد موت النظام السابق عام 2003. فموته لم يكن سريريا، ولكنه تفكيك للأدوات. بمعنى آخر لقد طرأ تبدل في المساحة التي يحتلها اللاعبون الأساسيون أو الكبار، القوميون أصبحوا في الخلف والإسلاميون احتلوا الواجهة. وليس من الوارد إقصاء أي طرف أو الغاؤه.

وكما يقول أرنست غيلنر: إن الإسلام الإصلاحي لعب دورا يشبه الذي تلعبه القومية. وفي البلاد الإسلامية يصعب التمييز بين الحركتين. ص34، فالإسلام يزود أتباعه بالهوية القومية والمثال الأبرز ما قدمه في سياق الكفاح ضد الاستعمار. ص35.(2). ولم ترتفع في العراق أصوات تدعو لتحييده عن الساحة العربية. لكن الصورة تختلف في سوريا. فقد كان للميليشيات السورية وجود بالعلن أو في السر منذ تأسيس سوريا.

لقد دخلت الأحزاب، التي ترسم للعراق شخصية أكادية، في عداد الثقافات الميتة التي تحتاج للإنعاش والحماية للحفاظ على الإرث الحضاري للعراق. بينما الدعوات الانعزالية تنشط في بلاد الشام. وإذا لم يكن لها مشاركة فعالة في السلطة فإنها في وضع التهيؤ أو الانتظار. وتجد لنفسها أكثر من ساحة لتلعب بها ومنها الدعوات المختلف عليها كمجموعة بلاد حوض المتوسط أو نظرية الشرق ألاوسط الجدبد وهلم جرا.

والصورة في لبنان أوضح لو نظرت لواقع القوات اللبنانية وحراس الأرز. مثلا يرى يوسف السودا (3) أنه لا يوجد فرق بين لبنان وفينيقيا. ص13 حتى أن التوراة كانت تسمي السواحل الفينيقية باسم لبنان. ص23.

ويرى رئيس حزب الكتائب اللبنانية الأسبق كريم بقردوني (4) أن البعثيبن في سوريا أقلية سياسبة والعلويين أقلية دينية و لم يجد حافظ الأسد ضمانة له للاستمرار غير اتباع أساليب غير كلاسيكية في ممارسة وتطبيق الفكر القومي.

فقد انتهج سياسة الجسور الممدودة، وأضاف إليها سياسة التحالفات البديلة، كما يقول بقردوني، وهذه الصيغة هي التي خلصت الأساطير الإيديولوجية من العيوب والنواقص.

لقد كان صدام يؤمن بأسطورة التفوق العرقي ويدعو لتعويم العشيرة والأسرة، وكانت فكرة التضحية عنده تكاد تكون صورة بالمرآة لظاهرة الجهاد المقدس التي يتبناها الإسلاميون.

بينما اعتمدت المدرسة البعثية في سوريا مبدأ اللعبة المفتوحة. وهذا التعبير أيضا لبقردوني. فاستراتيجية الأسد في إدارة الأزمات تستبعد الحل النهائي وتتبنى الحل المؤقت. وأهم ما في هذه السياسة أنها تحول هذه الحلول إلى أوضاع ثابتة مع الزمن. ص87.

وإذا كان الغرباوي يرى أن المشروع العربي نجح وتخلى اللبنانيون والسوريون عن خلافاتهم الدينية واحتكموا للعروبة لمواجهة الاستعمارين التركي ثم الفرنسي ص 32 فأنا لا أجد أي مزاعم تشكك بهذه الخطوة التحريرية، مع ذلك إن المرجعيات تختلف في تفسير أسباب وأشكال يقظة العقل العربي في بلاد الشام.

فقد تداخلت ردود الأفعال إلى حد التناقض.

بالنسبة لمواجهة سياسة التتريك كانت الصحوة ذات هوية عروبية، ووقف خلفها الهاشميون باعتبار أنهم ينظرون للإسلام كدين هاشمي، ولكن بالنسبة للانتفاضة ضد الاستعمار الفرنسي فقد غلبت على الحراك الشعبي الدعوة لطرد جحافل الصليبيين العائدين إلى المشرق وبلاد المسلمين، حتى أن حرب النكبة كانت وراءها شعارات إسلامية تشبه ما فعله النبي وأصحابه بالقبائل اليهودية في شعاب يثرب. بينما كانت الثورات العربية ذات مضمون وطني، اشتراكي قومي أو تقف وراءها فكرة النسر السوري، وهي فكرة حضارية لا تفرق بين الماضي التاريخي لبلاد الشام والمشهد السياسي المعاصر، وتجد في هذه الأفكار بقايا ورواسب من أيام الإمبراطورية الهيلينية، وعناصر من الفكر البيزنطي الذي امتد ليشمل مملكة تدمر.

وبجرد بسيط لأسماء الجمعيات الناشطة في بلاد الشام ضد العثمانيين تلاحظ تغليب مفهوم الانتماء للوطن السوري بالمعنى الروحي لوحدة سوريا الطبيعية داخل إطار جغرافيا هذه البلاد، فقد اقترنت القومية مع العلمنة وأنجبتا بلا تردد ثقافة غربية أنكلو فرنسية تسعى لسلخ القناع العثماني عن وجه سوريا والتماهي مع علمنة التفكير القومي في رؤية وطنية. من هذه الجمعيات والأحزاب أذكر: حزب الاتحاد السوري وجمعية ١٨٧٥ والحزب الديمقراطي والمؤتمر السوري العام وقد تطورت هذه الأندية من منطلق علماني صرف قبالة الحركة التي قادها الأفغاني ومحمد عبده في مصر من منطلق ديني (5). ص78.

وعليه يمكنك أن تنظر لنشاط الأفكار في المشرق على أنه يشتمل على ثلاثة ميول أساسية: التيار الإصلاحي الديني في مصر، والوطني السوري في سوريا ولبنان، والقوماني العربي في العراق، وإذا كنا مصرين على إضفاء الصفة القومانية على السوريين فهي، كما يرى داية، عن وجه حق، كانت عروبة تكتيكية، حتى أن نجيب عازوري مؤلف يقظة الأمة العربية كان يصر على فصل العرق عن العقل، وينادي بضرورة الوحدة، ولو تأملت بخلفيات هذا الشعار ستتبين أنه يشير للاتحاد السوري كنواة لأمة نبني عليها لاحقا. ص79. وهو ما يسميه بالإمبراطورية العربية الجديدة ص80. ولنضع خطا تحت الجديدة، ولو شئت التفصيل فحدود الأمة العربية بنظره تمتد من دجلة إلى برزخ السويس.

وهذا يختلف جذريا عن شعار القومانيين العرب الذين ينادون بعروبة مراكش قبل المناداة بعروبة بغداد.

المحوران الثاني والثالث هما عن إيديولوجيا التوظيف السياسي وتداعيات المواقف السياسية. وتخصصا بالمعارضة وظاهرة اللجوء إلى دول الجوار، وما ترتب على ذلك من خيانات يمكنك أن تقول إنهاعظمى ص59. وطوال النقاش كان السائل والمجيب يؤكدان على مشكلة طلب المعونة من طرف خارجي لحل أزمات الداخل.ص69 .

ولم تبرأ هذه المحاورة من أفلاطونية أو طوباوية سياسية.

فقد كان الغرباوي لا يبرر لحزب الدعوة ظاهرة العمل من خلف الحدود لكنه نوه بحجم الفاجع الذي كانت تعانيه في إيران بالرغم مما دفعته من ثمن باهظ جراء حمل لواء معارضتها للبعث. ص78.

ناهيك أنهم لم يغادروا طواعية وإنما بالقسر، وهو ما يعرف باسم التسفير وإن كان يفضل نعته بصفة التهجير ص103 ، فالذي حصل كان عملية تفريغ للبلاد من المعارضة بتهمة أنهم تبعية إيرانية. والحقيقة أن جذورهم عراقية وهربوا من خدمة الجيش العثماني بحمل هويات مصدرها إيران ص132، حتى أن هذه التهمة مضى عليها ما ينوف على خمسين عاما، أضف لذلك أن دستور البعث الذي يعمل به صدام يصنف كل من آمن بالانتماء للعروبة بين العرب.

لم أقرأ شيئا بهذا الوضوح وهذا الترتيب حول الأزمة الروحية لحزب الدعوة.

وأعتقد أن الغرباوي فسر مشكلة فقدان الاتجاه وانقلاب الموازين بعد الدخول في معادلة السلطة. فالمصلحة الوطنية كانت تقتضي الاعتراف بالأضداد. والإشارة هنا إلى الدولة الإيرانية والجيش الأمريكي.

ويوجد فرق واضح في هذه المساهمة الأجنبية.

إن دخول إيران على الخط له ما يبرره، فالتفكير الإسلامي كما يقول الغرباوي كوني، وهو منذور لنشر رسالة التسامح والمساواة بين كل أفراد الجنس البشري. ولذلك لا يوجد مساس بالروح الوطنية، ولا ترقى المعارضة الإسلامية في إيران لأية شكوك.

ويمكن أن تقول نفس الشيء عن البعثيين الذين احتموا في سوريا، ففكرة الوحدة العربية والمصير المشترك يساوي بين العمل السياسي على طرفي الحدود. وهذه ظاهرة متفشية في كل الكتل السياسية التي تعمل من وراء النظام. حتى الدولة الإسلامية المرفوضة عالميا هدمت نقاط التفتيش بين العراق وسوريا واعتبرت أنها صناعة وليست حقيقة.

إنما المشكلة التي ساعدت على تدمير العراق في بدايات الغزو هي في التنسيق مع أمريكا، فهي دولة غير عربية. ولا يمكن أن تجد سببا قويا للتعامل معها لقلب نظام الحكم لا برعاية من التفكير القومي ولا الإسلامي ولو شئت الحقيقة إن تدخل أمريكا في العراق لا يختلف عن ورطتها في فيتنام.

وكان الغرباوي واضحا في هذا الخصوص، فقد كان غطاء الغزو على مسؤولية أفراد وليس تنظيمات، ثم أخذت سياسة الأمر الواقع مفعولها بالتدريج .ص113 .

المحوران الرابع والخامس هما الفساد الاداري والمالي ودور الإسلام في بناء الدولة، ولقد كال الغرباوي التهم من كل الأنواع للنخب الحاكمة، فإذا كان صدام طاغية ونهب ثروات البلاد فإن حكومات المحاصصة نهبت ما تبقى ص147، ويفند الغرباوي الأسباب، ويدعمها بأرقام وحيثيات من الواقع السياسي المعيش. ولكن في كل كلمة تشم رائحة السبب الأساسي وهو غموض الاستراتيجية المتبعة.ص150 . ولا يمكن أن أستثني بلدا واحدا في منطقتنا العربية من هذا الداء.

حتى مصر لم تكن تتحرى طريقها بشكل مستقر، وكانت تسبح فوق بحر من الفوضى طوال أول خمس سنوات من ثورة يوليو المعروفة الآن باسم الجمهورية الأولى. فقد تداخلت في مجلس قيادة الثورة الميول الاشتراكية مع المال السياسي بصبغة أضفى عليها الإسلام مشروعا إصلاحيا بعيدا كل البعد عن المعنى الراديكالي للثورات، ونجم عن هذه المشكلة انفجار أزمة اللواء نجيب ودراما إخراجه من السلطة لاستبعاد الموالين له وهم الإخوان المسلمون. ويمكن أن تؤكد أن عالم السياسة والأحزاب لدينا يتبع آلية عمل الرمال المتحركة، ومثلما أن الحدود سائلة لأنها بدعة وتعود لاتفاق دولي وليس لظروف موضوعية فإن المفاهيم والإيديولوجيا سائلة، وخطوط العزل والاشتباك تحددها المصالح والأحلاف، أو بلغة معاصرة التوافقات. فالبعث له عدة أجنحة ومدارس تتصارع فيما بينها، وبالأخص نظرية ميشيل عفلق وهي كلاسيكية ومتأثرة بالمعنى الحضاري للأمة، ثم نظرية الأرسوزي التي تعول على علاقة اللغة بالفضاء النفسي للمجتمع وليس العرق. وهذا يضفي عليها بعدا وطنيا ورومنسيا له أفق متحول.

وأعتقد أن هذا الغموض والاختلاف الجدلي الذي يرقى لمرتبة قطيعة معرفية بين أطراف الحزب الواحد هو المتسبب حتما بتبديل معرفة الاتجاه، فالبعث في العراق أثمر عن هوية إسلامة تشبه إلى حد بعيد القدر الذي اختاره الاتحاد الاشتراكي في مصر لنفسه، فقد سقطت معظم كوادره في ظاهرة التأسلم ، بلغة الدكتور رفعت السعيد. في حين أن ميول البعثيين في سوريا تقودهم إلى هوية أرستقراطية تحاول أن تردم الفجوة التي تركها خروج حكومات الاستقلال من المجتمع. وإذا كان تأسلم صدام أنجب مجمعات تجارية ضخمة احتكرت العقل العربي لنفسها، فإن البعث في سوريا يقشر نفسه، وهذه عملية إنضاج وتطوير بطيء وطويل الأجل، وخلالها سيكون الحظ الأوفر لقطاع الخدمات والمانيفاكتورة البورجوازية.

من البديهيات في ألف باء السياسة أن يكون للحزب استراتيجية دائمة وتكتيك آني، ولكن للأسف يشوبنا الغموض في تحديد الاتجاه، حتى أن المبادى تبدو عرضة للمساومة لدرجة غسيل الدماغ، فالانتقال من مرحلة الحزب الشمولي إلى النشاط في البرلمان كما حصل في روسيا مسألة مفهومة لأن الشيوعي لم يطعن في الهدف أو الاستراتيجية ولكن اضطر لإعادة النظر في الأساليب والأدوات.

بينما ماكينة الأفكار لدينا تعوم في بحر من الضباب وينقصها الديمومة وربما تتأثر بعلاقات القرابة ورابطة الدم، فتحالف البعثيين مع عدنان المالكي واعتباره رمزا من رموزهم كان وراءه شقيقه رياض، وهو من صفوف البعثيين. ويمكن أن تجد نفس الظاهرة في حزب إيدبولوجي أممي عريق هو الشيوعي السوري، فقيادته تنتقل بالوراثة من الأب إلى الزوجة إلى الابن بمتوالية غريبة، كأنه لم يعد يوجد بين الشيوعيين مخلص ومؤمن غير آل بكداش. مثل هذه السياسة التي تحركها قوانين ميكانيكية هي التي تسببت باختراق الشيوعي السوري وتشرذمه في عدة تيارات تحمل أسماء مختلفة لخطاب واحد. لقد كان التناحر على السلطة هو السبب الرئيسي في الصراعات الداخلية وليس تعويم الأفكار، وانقلاب البعث على حكومة الأخوين عارف في العراق من المشاكل المحيرة، فقد كان الشقاق بين حلفاء. ويمكن أن تقول نفس الشيء عن الجماعات الإسلامية، فقد كانت تنضوي تحت لواء الإخوان المسلمين في الخمسينات، وكان للشيعة تكتل داخل جماعة الإخوان المسلمين واسمه الفرع الفاطمي كما هو الحال اليوم مع السنة المنضوين في كتلة النجيفي تحت قبة البرلمان (وهذه المعلومة من أرشيف الدكتور قصي الشيخ عسكر)(6). وتجد للغرباوي أكثر من إشارة تؤيد هذا الطرح ومنها قوله في الخاتمة إن الحركات الإسلامية جمعاء سنة وشيعة تربت ثقافيا وحزبيا في أحضان الإخوان المسلمين ولذلك هي لا تؤمن بالديمقراطية وتنحاز إلى اللطف الإلهي وتعتبر حاضنة طبيعة للعنف في حل النزاعات ص170. ويمكن في أي لحظة أن تنكل بالدستور المدني وتعود إلى شرع الله أو القرآن والسنة النبوية.

إن سياسة الكيل بمكيالين من الخصال النوعية المميزة عند العرب، وهذه خصلة تبث الرعب في النفوس، وتدعونا لتوخي الحذر لأنك لا تعرف مع من تتعامل. كل الأحزاب الهجينة في العالم لديها أهداف تعلن عنها وتسعى جهدها لتطبيقها لأنه توجد محاسبة على التقتير في جواب الطلبات، فالبرنامج أو الأجندا مطلب وليس مزاجا. إلا نحن، أحزابنا بلا هوية مستقرة، ويبتبادل الوجه والقناع المواقع بسرعة البرق. وتنشأ التحالفات من العدم، ومهما بذلت من عناية وحذق في الاستقراء لا تصل إلى الظاهرة الموجبة. وكانت أفظع نتبجة هي الرهان على السلطة بعد 2011. لقد حول الإهمال من طرف والتزمت من طرف آخر الشرق الأوسط إلى بحيرة من الدم، واستشرت السياسة الانتقامية على حساب البناء حتى بدأنا ننتبه أننا نراوح في المربع الأسود الذي يقول عنه ماجد الغرباوي: إنه سياسة الاحتلال ويسميه محاوره طارق الكناني باسم الفساد ص141.

 

د. صالح الرزوق

..................................

هوامش ضرورية:

1 – رهانات السلطة في العراق: حوار في إيديولوجيا التوظيف السياسي لطارق السماوي وماجد الغرباوي. منشورات الأمل الجديدة. دمشق. 2017. 191 ص.

2- ما بعد الحداثة والعقل والدين لأرنست غيلنر. كتاب المدى. دمشق. 2001.

3- تاريخ لبنان الحضاري ليوسف السودا. منشورات دار النهار. بيروت. 1979.

4- السلام المفقود لكريم بقردوني. منشورات عبر الشرق. بيروت. 1984.

5- رواد النهضة ودورهم في تأسيس التيار القومي العلماني لجان داية، ندوة الفكر الوطني في مواجهة المشكلة الطائفية، منشورات مجلة فكر، 1981.