1046 rifaei"الدين هو الداء، والدين هو الدواء". (الرفاعي).

 إن نظرة عاجلة للراهن الديني، يشي بوجود قلق على الدين وفي الوقت ذاته قلق منه. وهو قلق ناتج عن التناقض بين ما نعتقد في حقيقة الدين وما نريده منه، وبين ما هو ظاهر ونتعامل معه كدين في الحياة، عبر تمظهرات الدين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

هذا التناقض يبدو أنه ناتج من التشابك بين ما هو انطولوجي وما هو ايديولوجي في الدين. فما يحاوله الرفاعي في كتاباته عامة، وكتابه "الدين والظمأ الانطولوجي" خاصة، هو فكّ هذا الاشتباك، عبر تفكيك المسارات المختلفة، وخاصة التشابك الحاصل بين المسار الايديولوجي والمسار الانطولوجي للدين.

فقد أوقعت الحداثةُ والايديولوجيا والعقلنة الدينَ والعقلَ في مأزق عميق، فلم ينتج لنا التدين عقلا نقديا، ولم تنتج لنا العقلنة ايمانا حرا.

 والسؤال الذي يشغل فكر الرفاعي هو؛ كيف يمكن لنا أن نرسخ الايمان الحرّ بموازاة العقل النقديّ لدى الانسان؟

استعادة الذات

يخال لقارئ الرفاعي وخاصة كتابيه الأخيرين: "انقاذ النزعة الانسانية في الدين"، و"الدين والظمأ الانطولوجي"، انه يبحث ويؤكد على ضرورة استعادة الذات المسلوبة. وهو يصرح بذلك في كتابه الدين والظمأ الانطولوجي عندما يعنون الفصل الأول بـ"نسيان الذات"، فيقول: “يتوهم الشخص البشري حين يعتقد أنه يجد ذاته خارج ذاته، وهو لا يدري أنه لن يجد ذاته إلا في ذاته”(1 ) (الظمأ: ص30). فاستعادة الذات رد استراتيجي على التفكير الجمعي التنميطي الذي يسلب الفرد انيته وفردانيته ووجوده الشخصي وهويته الثقافية الفردية المتميزة. إنه استعادة انطولوجية في مقابل الاستلاب الايديولوجي. استعادة حرية الذات الفردية في مقابل هيمنة الجماعة، لأن الجماعة الايديولوجية “تهتم بكل شيء خارج الذات.. فيما يعد الانهمام بالذات أنانية وتفاهة ومروقا على الجماعة، وانحرافا عن الوظيفة العظمى في انقاذ الجماهير وخلاصها .”(الظمأ: ص26). وهو يكرّس مفهوم استعادة الذات من خلال وضع مفهوم للذات، للتفريق بين الذات الفردية والذات الجمعية. فهو يعني بالذات “الأنا الخاصة، والذات الفردية والهوية الشخصية التي هي قوام الحياة الباطنية للكائن البشري.” (الظمأ: ص23). وهو يؤكد أنه لا يعني بها الذات المشتركة والجمعية، وانما هي هذه الذات التي من خلالها يتشكل الفرد كفرد متميز عن غيره، يختلف عن غيره. فبهذه الذات المتفردة والمتميزة تبدأ الحياة الإنسانية الحقيقية، عندما توجد وتتحقق الذات الشخصية الفردية الجوانية الباطنية.

وهي ليست دعوة صوفية كما يحلو للبعض أن يطلق على هذا الاستبطان الذاتي، ولا هي دعوة مثالية خالصة، بل هي دعوة لاستعادة الوجود الانساني الحقيقي الذي يبتغيه الدين. هذه الاستعادة الواقعية تنتظم من خلال دعوته واجتراحه لمفهوم “الظمأ الانطولوجي”.

 ولكن لماذا يكون الظمأ انطولوجيا، فالظمأ هو حاجة وجودية تريد وتسعى للارتواء, وهو اجتراح عصري لمفهوم له أصل قرآني هو الفقر (يا أيها الناس انتم الفقراء الى الله والله هو الغني الحميد(. فاطر-15، وهو يؤكد ذلك في قوله “الظمأ الانطولوجي إنما هو الفقر الوجودي، وارتواء هذا الظمأ هو الغنى الوجودي، انه الحنين الى الوجود، إنه ظمأ الكينونة البشرية”. (الظمأ: ص-13). والانطولوجيا هي فلسفة الوجود. والعلاقة بين الظمأ والانطولوجي هو فعل الارتواء، الامتلاء (حيث لا تتحقق الذات من دون فعل، فالوجود الإنساني لا يصل الى الامتلاء إلا بالفعل وحده). (الظمأ: ص24). ولكن هذا الفعل مشروط بالحرية، فالذات البشرية وجودها وصيرورتها الحرية، وحيث لا حرية تنطفئ الذات. الظمأ: ص24.

الرفاعي يريد استعادة الذات من خلال الفعل، وهذا الفعل أمر خارجي موضوعي لا داخلي باطني، فعل يحدث في الواقع لا فعل ذاتي، كالتفكير الحر مثلا، رغم اهمية التفكير الحر في ايجاد الفعل الحر الخارجي. وهو فعل لا يتم إلا من خلال الحرية، ولكنها حرية موضوعية لا حرية باطنية جوانية. بالرغم من أن هذه الحرية الخارجية لا تتم الا من خلال الحرية الداخلية. لكنه يسعى الى استعادة الذات لأجل استعادة الواقع. يريد تعزيز كينونة الانسان في مقابل نزعة التملك، لأن التملك والتشيؤ، يفقران معنى الوجود الانساني، يريد للإنسان أن يتسق مع وجوده، يثري وجوده، ويريد للإنسان أن يتمتع بالسكينة والسعادة والشعور بالجمال والتمتع بالحياة. إنها دعوة للحياة مقابل دعوة الموت التي تنتهجها الايديولوجيات.

الرفاعي يمارس تشريحا للنزعة التدميرية للجمعنة “التعبئة الشريرة التدميرية تهدر كرامة الانسان وتنتهك حرياته.” (الظمأ: ص-9). فهو يوجه نقدا لاذعا لآليات التملك والتشيؤ والتنميط وفقدان الذات وفقدان الكينونة وفقر الوجود. يوجه نقده العميق لآليات التنميط الجمعي، وهذه الآليات تتمحور حول:

- صهر الذات في المجموع، سلوكا وتنظيما من خلال شعار الفرد في خدمة الاهداف السامية للجماعة.

- محو الخصوصية الفردية عبر العمومية الكلية.

- محو الهوية الفردية في الانصهار بالأيديولوجيا الجمعية.

- التماثل وصولا للتشابه والتطابق(الظمأ: ص-25).

فالجماعات تتجاهل فرادة الكائن البشري(الظمأ: ص-24)، والأفراد يمسون مخلوقات لا لون لها (الظمأ: ص-25), بوصفها تنتمي للنموذج نفسه (الظمأ:

ص-26). كل ذلك يؤدي الى:

- غفلة الكائن عن كينونته.

- تشيؤ الذات البشرية.

- سبات العقل.

- هشاشة الإرادة.

- العجز عن اتخاذ أي قرار او موقف شخصي (الظمأ: ص- 26).

تختفي تدريجيا الهوية الشخصية ويسود النموذج الجمعي، تختفي الفردانية ويسود النموذج النيابي ومنطق الجموع وأحكامها الجاهزة (الظمأ: ص27)، وتتفشى التعصبات (الظمأ: ص-28)، ويتحول الاختلاف الى صراع. يحلل الرفاعي تسلط الذات الجمعية على الفرد، وكيف يتم استلاب الذات الفردية، وصولا الى نقد الواقع المشوّه بكل تمظهراته. ولأننا ضحايا سجون وإطارات وأغلال فرضتها علينا تقالدينا، عاداتنا، ثقافاتنا. فهو يوجه نقدا للرثاثة التي يتسم بها واقعنا، مجتمعاتنا، دولنا، هذه الرثاثة القائمة على التفاهة والهشاشة.

- الهشاشة نتيجة الاستحواذ، على: المجتمع، التدين، التعقل، التفكر، العقيدة، الوطن، الاستحواذ على الانسان واستلابه التام.

- والتفاهة عندما نتهكم على الإيمان، والدين، ونسخر من المتدين ونغفل عن اليات فعل التدين المحكوم بالنمط الثقافي والإطار الاجتماعي.  

فمن خلال الهشاشة والتفاهة نخدع الوعي، وننوم العقل، ونزور الواقع، ونشوه العاطفة، فتحدث الرثاثة بكل تمظهراتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية.

ما يريده الرفاعي من خلال استعادة الذات استعادة الواقع الذي هشمنا ولا يزال، ويسحقنا ولا يزال، استعادة الواقع الذي لا يعبأ بوجودنا، ولكنه في الوقت ذاته واقع لا يتعذر مقاربته (2) عبر الدين الذي يحاول أن يكشف عن خارطة طريق للوصول الى الله، بوصفه إله الحب والرحمة والخير والفرح والجمال. هذا الكشف يقوم على الاستبطان الذاتي للمتدين عبر استعادة الذات، ليغادر الاله الجمعي، إله الكراهية والشر والموت والقبح والاسترقاق والخنوع وهدر كرامة البشرية، إله الحرب (الظمأ: ص- 5). ينطلق في ترسيخ الاله الذي ينمي الذات وصولا الى الدين الذي ينمي الواقع، أي استعادة الواقع عبر استعادة الذات.  

استعادة الواقع

يسعى الرفاعي لاستعادة الواقع عبر عملية طرح الأنموذج، ولكنه المعاكس للنمذجة التنميطية لآليات الجمعنة. حيث لا قيمة لأفكار تتصل بالدين لا صلة لها بمثال بشري مجسد(الظمأ: ص-26), وهو هنا يستعيد محمد باقر الصدر في طرحه للمثال الحسي، الذي يجسد الدين في أروع صوره، الدين الذي ينشد إضفاء التماسك على العالم، وينقذ الانسان من الاغتراب، الذي يجسد الدين كمحبة، وجمال، الدين الذي يكتشف به روح المعنى. الدين الذي يستعيد الروح الانسانية من خلال الظمأ الانطولوجي للدين. فهو يدعو الى التدين العقلاني، والفهم الموضوعي للواقع من خلال فهم المعيشي اليومي، والمعرفة الذاتية. لقد طوّر الرفاعي فهما للدين يرتكز على:

- معنى المعنى.

- التفكير والتبصر.

- الفهم المتعدد المستويات.     

ولا يقف عنده بل يتعدى ذلك ليطهر السلوك الانساني في إعلاء شأن الانسان ويدعو للمشاركة الوجدانية، والدعوة الى تعدّد السبل للوصول الى الله. فهو يسعى لاستعادة الواقع عبر الدين والايمان والصمت، الايمان الفردي العميق والمعزز بالصمت لا بضجيج التبشير والتحشيد، لأن الانهيار الديني ناجم عن كثرة الكلام في الدين (الظمأ: ص-31). ويرفض تلقين الإيمان، لأن الايمان خلافا للفهم والمعرفة لا يتحقق بالنيابة، الايمان حالة روحية متسامية ليست حسية، فلا تخضع للقياسات الكمية المادية (الظمأ: ص32). فلا قسر على الايمان، بل علينا أن نحمل مصباحا يضيء للناس ما يمكن أن نراه صراطا مستقيما (الظمأ: ص33). وهنا تشديد على “ما نراه الطريق لا هو بالذات الطريق الصحيح، فهو يفرق في معنى العالم؛ بين العالم كما يبدو لنا ابستمولوجيا، والعالم على حقيقته انطولوجيا.

أي يفرق بين ما هو ابستمولوجي فنطلق عليه حكم الصدقية، الذي “يعتمد على ميول ووجهات نظر بعينها لدى من يصدرون الاحكام ومن يستمعون اليها”(3). وبين ماهو انطولوجي “وهو الاخبار عن أشياء وانواع من الموجودات تنتسب اليها أنماط الوجود”(4). لذا يرفض أن نكون حكاما وقضاة، نصدر أحكاما جاهزة فنصف ونصنف الناس، فننصب محاكم لتفتيش ضمائرهم والتحري عن معتقداتهم، وعلينا أن نلتفت الى أنّ ما نراه اليوم حقا لعل غيرنا يراه ضلالا، او قد نتخلى عنه مستقبلا. (الظمأ :ص33).

الظمأ الانطولوجي.. الجذور

السؤال الذي يمكن لنا أن نطرحه من أين استمد الرفاعي هذه الرغبة في استعادة الواقع، وأي واقع يريد، لكي يخرج الدين من المأزق التاريخي الذي وضعته الايديولوجيا فيه، بسبب ترحيل الدين من مجاله الانطولوجي الى المجال الايديولوجي (الظمأ: ص17). فعبر البعد الانطولوجي للدين يمكن لنا أن نعبر الى جوهر الدين، يمكننا أن نشعر بأنه كلما طغى الشر لن ينهزم الخير، كلما طغى القبح لن ينهزم الجمال، البعد الانطولوجي يكشف عن الحضور الحقيقي للدين في كيان الكائن البشري (الظمأ: ص18). فاستعادة الدين تعني البحث عن الدين الذي يرسم وينمي لنا ما ينبغي أن نتطلع اليه في هذا العالم، ويهتم برسم صورة رحبة للحياة وجميلة، دين الحياة لا دين الموت، دين يضفي على هذا العالم دلالات التماسك والجمال، فيشعر الكائن البشري بالرغبة في عيش حياة ينتمي اليها، ذلك ما يسعى اليه الرفاعي عبر مفهوم الكشف عن البعد الانطولوجي للدين.  

ولأنه لا يوجد انسان متحرر بشكل تام من رواسب البيئة في اعماق ذاته، ولا يمكن له التخلص من تحيزاته وأحكامه المسبقة الجاهزة وأنساقه المضمرة وآفاق انتظاره (الظمأ: ص37)، فهو يقرأ الحاضر من خلال النموذج الذي يحن اليه، بل هذا الحنين قد يصل الى مستوى الخضوع الى النموذج الذي غرس فيه كل مآلاته؛ فالرفض للظلم ناتج عن رفضه لمرارة التعسف والاستغلال الذي تعرض له أبوه، فغرست في قلبه الصغير وروحه الغضة تلك الصورة المقيتة، والشعور برفض كل انواع الظلم والطغيان. شعوره بالغربة في قريته جعله دائم التفتيش عن الإطار الذي يؤمن له الحماية، ومن ثم غرس التدين الطفولي الايمان في قلبه و ظل تدين امه منبعا لا ينضب يستقي منه تدينه (الظمأ: ص44). فلكي يستعيد الواقع الديني كما ينبغي فهو يعيش في الحاضر لا في الماضي (الظمأ: ص48)، انه يستشرف أفق الحاضر، أفق اللحظة الراهنة، ولكنه لا ينسى أفق الذاكرة، لينسج أفقا للمستقبل متجاوزا كل اختزالات الدين بالايديولوجيا، فيتحرر من سطوة الماضي، واكراهات الذاكرة المشحونة بالقسوة، وغياب الانسان والجمال في الحياة الدينية التي عايشها، والتي تسود طبيعة التدين المعيشي، ليضعنا على أعتاب المستقبل وعلى دروب الخلاص (الظمأ: ص48)، الديني المُضَيع في افق الذاكرة الجمعية والجماعة الايديولوجية. هي دعوة لاستعادة الضمير الديني.

الضمير الديني

 الضمير الديني ركيزة اساسية في مفهوم الظمأ الانطولولجي، عندما يتحول الى تجربة حية في علاقة الانسان بالمطلق. الضمير الديني لدى الرفاعي يتمثل في ثلاثية: (الإيمان، الأخلاق، الإنسانية)، وهي مترابطة ككل، تمثل منظومة متكاملة لا يمكن لأي منها أن يتخلف عن صناعة هذا الضمير الديني، و انطفاء أيا منها يعني انطفاءها جميعا (الظمأ: ص67). بوجود ثلاثية الضمير الديني يمكن للسلام الروحي من خلال ثلاثية: الغفران والصفح؛ العفو، العبور، التغافل، أن تشتغل فيصبح الصفح دعوة للتعايش الاجتماعي في فضاء اجتماعي قام على التسامح، لأن الصفح ضرورة العيش المشترك (الظمأ: ص71). والصفح لدى الرفاعي غير النسيان، الصفح إرادي، والنسيان لا إرادي، وهو في توضيح آلية الصفح المتمثلة في التركيز على ما هو مضيء في الآخر، وتجاوز الجانب المظلم منه، واكتناز القدرة على تجاوز آثار الاساءة النفسية، يضعنا الرفاعي من خلال تجربته الجوانية والسلوكية أمام مشروع أخلاقي في بناء المجتمع، هذا البناء القائم على شروط خارجية وداخلية.

اما الشروط الخارجية فتتمثل في نمط التعامل مع الآخرين، المتمثل بالتغافل عن اساءة الآخرين، والدفع باتجاه تعظيم راس مال المجتمع عبر التسامح. والشروط الداخلية لا يمكن ان يتحقق الا عبر السلام الروحي وشروطه الداخلية الأربع المتمثلة في:

- البوح بالضعف البشري.

- الجهر بأخطائنا.

- الاعتراف بالعجز.

- الاعلان عن تناقضاتنا ومفارقات سلوكنا. (الظمأ: ص71).

فهذه الشروط هي علاج الغرور الجواني الانساني في علاقته مع الآخر وقبوله، وإرساء ثقافة التواضع، وترسيخ التعايش المجتمعي عبر قبول الآخر، بدل التكبر والتجبر والبغضاء والشحناء. ومن جهة اخرى تؤدي الى تغيير علاقة الانسان بالخالق عز وجل من خلال:

1. تحرير صورة الله من الكدر والظلام.

2. تطهير الحياة من سموم الكراهية. (الظمأ: ص72)

3. الدعوة الى المحبة والالفة. (الظمأ: ص75)

هي خارطة طريق لعودة الدين في بناء المجال العام، من خلال قدرة الدين على إغناء الحياة الانسانية. والابتعاد بالدين عن النزعة التدميرية للمأسسة الأيديولوجية. ولكي يتحول الدين الى ايمان وحب، بدل إعلاء نرجسية الفرد عبر الجماعة وآليات التنميط وزرع الكره والخوف من الجماعات الأخرى وأفرادها، فنرجسية الفرد عبر الجماعة هو الذي يسبب الكره للآخر(5).  دعوة للرجوع الى الدين المغيب بسبب مأسسة الحياة الدينية للمتدين، دعوة الى الانتقال من المأسسة الدينية للمتدين الى الإنسانية الدينية للمتدين، عبر تفكيك عملية التدين ببعديها: النمط الثقافي للمتدين، والاطار الاجتماعي للمأسسة الدينية .

 

د. سليم جوهر

باحث وطبيب، من مؤسسي الملتقى الفلسفي في كربلاء.

..............

1-  ملاحظة: ستكون كل ارقام الصفحات هي العائدة للكتاب موضوع الدراسة: الدين والظمأ الانطولوجي. عبد الجبار الرفاعي، مركز دراسات فلسفة الدين - بغداد، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، ط2.

2 . جون ر سيرل. بناء الواقع الاجتماعي- ترجمة: حسنة عبد السميع، المركز القومي للترجمة ، القاهرة، ط1 سنة 2012، مقدمة المترجم، ص7.

3 . جون سيرل. بناء الواقع الاجتماعي ص39.

4 . جون سيرل. نفس المصدر ص40.

5 . اريك فروم. تشريح التدميرية البشرية ج1، ترجمة: محمود منقذ الهاشمي، منشورات وزارة الثقافة –سوريا- دمشق، 2006‘ ص68.

1046 rifaei‏أعتقدُ بأنَّ جدلَ السؤال والجواب باعثٌ حقيقي ٌّ لأي فعل ٍ فلسفيٍّ، فقد تتصور بأنَ للسؤال الوجودَ الأولَ ثم يأتي الجوابُ، لكنَّ المتأمل لحقيقية الجواب نفسه يجدَ أنّه ــ هو الآخر ــ محفزاً صالحاً لتوليد الأسئلة، وهكذا يستمر الجدل، وتتولد الافكار.

وهنا لابد َ أنْ نفرق بين سؤال مُنتجٍ، وآخر عقيم لا فائدة من ورائه. السؤال المنتج سؤالٌ حقيقيٌ يولّدُ اسئلة ً وأجوبة هرميَّة. بمعنى آخر أنهَ يبدأ عاماً حتى ينتهي بالتفاصيل، أي حتى يندك بالتفاصيل، أقصد بالحياة والانسان والمجتمع.

وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى مثل تلك الأسئلةِ المُنتجة والمولِّدة، وما أمس الحاجةُ إلى فلسفة مثمرة تعانق الانسان، الإنسان العربي المنهك من ورم التنظيرات، وتضخم المصطلحات.

يحاول عبد الجبار الرفاعي مثابراً أن يحتكم إلى الانسان في مشروعه، لذلك نجده في أكثر من كتابٍ له يصرُّ بعناد على ضرورة تغيير سلم البناء الفلسفي، بغية إدارة الدفة نحو قضايا الإنسان، إلّا أنَّه قد اختار منطقة الدين.

واختياره هذا ربَما لا فرادةَ فيه، فأغلب المثقفين المتنورين قد استشعروا ضرورة إعادة قراءة الدين والتراث أمثال: حسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون، وجورج طرابيشي، وحسام الدين الآلوسي، وأبو يعرب المرزوقي، وأنورعبد الملك، وزكي نجيب محمود، وصادق جلال العظم، وبرهان غليون، ورضوان السيد، وطيب تيزيني، وطه عبد الرحمن، وعبد الله العروي، وعبد الرحمن بدوي، وهشام شرابي، ومطاع صفدي، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد باقر الصدر، وعلي حرب، ومالك بن نبي، وفهمي جدعان، ومحمد عزيز الحبابي.. وغيرهم.

لكنَ الرفاعي أختطَّ لنفسه طريقاً في المعالجة، فحين نادى البعضُ بضرورة التخلي عن التراث، ونادى آخرون بالتمسك الحرفي بالتراث، ونادى طرفُ ثالث بالمزاوجة بين الطرفين، يحاول الرفاعي أنْ يجعل من التراث ــ والدين حصراً ــ منطلقاً لمشروعٍ نهضويٍّ، يضعُ الانسانَ في قمةِ اهتمامه، دون أنْ يغفل المسلًمات القارة التي لا يمكن هزهزتها، وفي الوقت ذاته استشعر بأنَّه منشغلٌ في الإنسان، وهو في زمن الميديا - والكلُ يعلم ما تعنيه الميديا -: تقارب المسافات وانفتاح العوالم على بعضها، وانعدام الحدود، ووفرة المعلومة.

أمام كلِّ هذا لابدَّ لمثقف مثل الرفاعي أنْ ينتبه إلى أهمية (السؤال المساوق)، وأقصد بهذا المصطلح المجترح ذلك السؤال الذي يضع في الحسبان كلَّ ما تقدم.

أكاد أجزم بأنَّ السؤال المحوري في كلِّ ما كتب الرفاعي، وخاصة في كتابه الظمأ الأنطلوجي، هو : كيف نجعلُ الدين انسانيا؟ كيف نخلِّصه من شوائب الخرافة، وتطفل الساسة والمنافقين؟ كيف نجعل من الدين دينا عقلانيا ديمقراطيا يؤمن بالحرية والمساواة والعدالة بالممارسة، فقد شوِّهت هذه المفاهيم، أو بالأحرى شوِّه الدين حينما أُريد له أنْ يكون أقنعة مزيفة.

إنَّ الانشغال بالدين أمرٌ أهمَّ الكثيرين وشغلهم، لكنْ ما الداعي لكلِّ ذلك لم لا يتركُ الإنسان وشأنه يمارس دينه كيف شاء؟

هذا التساؤل لا يحمل أدنى قيمةٍ، إذا عرفنا بأنَّ الأمرَ ليس بهذه السهولة، فلم تعدْ الممارسة الدينيَّة بريئة تماما، بعد أنْ لوّثتها الآيديولوجية.

يفترض الرفاعي انَّ عالمنا اليوم أصبح فقيرا ظمئا ً؛ يعاني فقره الوجودي، سيّما حين غاب عنه دين الإنسانية، أو غابت السمة الروحية للدين، فالحلُّ إذا ممكن أنْ يستنتج من فرضية الكتاب، إذ أنَّ هناك فقراً انطولوجيا، يتمثلُ في غياب الإنتشاء بالوجود نقيا. علاج ذلك الفقر بالدين، فضلاً عن المعرفة وشراهة العلم والثقافة والفن، لكنَّ الدين يظلُّ هو العلاج الأساس.

لكن أيّ دين الذي يتبنى دور العلاج: إنّهُ الدين الذي يرتقي بالإنسان إلى سلم الكمال والتوق لاكتشاف معنى الوجود للوصول إلى (الأنا الخاصة) التي تسشعر الحرية وحقيقية الوجود.

ولابدَّ أن نسأل انفسنا حين نفرغ من قراءة كتاب الظمأ الأنطولوجي: هل أنَّ الكتاب يمثل دعوة إلى تصوف جديد معتدل، أم أنَّهُ دعوةٌ واقعيةٌ جديدةٌ، وإلّا ماذا أراد الرفاعي بمصطلحي: معنى المعنى، والأنا الخاصة؟

 

د. علي حسين يوسف - أكاديمي متخصص في فلسفة النقد الأدبي.

 من مؤسسي الملتقى الفلسفي بكربلاء.

...................

 ورقة مقدمة في الأمسية التي أقامها الملتقى الفلسفي ونقابة المعلمين للدكتور عبد الجبار الرفاعي بكربلاء.   

 

eljya ayshتكاد القصيدة تقف على عتبة خشبة مسرح، تتحرك دائرته بنص حواري حركي متصاعد نحو الذروة،  في كتابات شعرية صاغها الأديب العراقي عبد الرحمن جعفر الكناني،  تبرز وقائع المشهد الراهن، بكل تفاصيله، مستندا إلى التاريخ بما ينطوي عليه من رمزية، ترتقي إلى مستوى الدلائل في الكشف عن دوافع ما يجري في الزمن الحاضر، هكذا يقرن الكاتب العراقي عبد الرحمن جعفر الكناني الأسطورة والواقع ليحرك بها  مشاعر القارئ العربي ويستفز العقول للتدبر لعمل شيئ ما في هذا الزمن اللعين الذي نعيشه 

"تراجيديا بابلية" هي قصيدة شعرية لبست ثوبا مسرحيا ، كتبها الإعلامي والكاتب عبد الرحمن جعفر الكناني، وعاد بها  إلى زمن عصور قديمة...، زمن تأسّس فيه المشهد القائم على حركة صراع عنيف، بهدف انتخاب الأحق بالبقاء، في قمة هرم، يتسلقه الطامحون لبلوغ عرش التفرد بوجود مرموق..، حيث يرسم الكاتب عبد الرحمن جعفر الكناني لوحة لزمن يقف على أسوار بابل مثقلا بالأحزان والجراح، يراه كما لا يراه أحد، وعلى بعد أمتار ..

أراه كما لا يراه أحد

ينتظر الرحيل خلسة من حصار عيني صبية

فرضت طوقا حول المكان

غادرت مخدعها المرتعش في اهتزازات ليلة قلقة

تنر النفس روحا تطارد آثار الفجيعة

كتبت قصيدة " تراجيديا بابلية " في زمن معاصر، لا يرى انقطاعا فاصلا بين زمني الماضي والحاضر، فانتقالات الزمن في نظر "الكناني" هي امتداد لوجود أزلي منذ بدء الخليقة، فقد تتشابه مضامين الحدث التاريخي، مع الحدث الراهن، لكنها تختلف في الشكل والزمان والأدوات، أما الشخوص فهم متوارثون، وارثون لتركة الأزمنة المتقادمة، ويلتقون في قاسم مشترك، هو الصراع من أجل البقاء، نقرأ له هذه الكلمات ، وترحل بنا إلى الزمن الماضي، إذ يقول:

صرخة عذراء افتض جلجامش بكارتها

تهز جدران بابل الصماء

فتتساقط حجرا فوق حجر

و يرى صاحب التراجيديا أن النص المسرحي لا يتشبث بالتاريخ متغنيا، فالتاريخ له مساوئه، مثلما له مزاياه، كما الأبطال حين ينسجون حضورهم المتوارث، أو الأشرار الذين يذكرنا وجودهم الفعلي بقيمة استرجاع الخير في حياة بشرية، تنشد السلام، هكذا يضيف الكناني الذي ينتقل مع الحدث التاريخي في تقنيات النص إلى حدث محسوس، يكشف فيه عن دواعي اندلاع حرائق تلتهم الحاضر، بما تبقى فيه من قيم إنسانية، أضحت فيه أنباء الموت حدثا عابرا، لا يثير مشاعر أحد، في ظل مغريات وأوهام، عصر جديد، يعبر عنه بإيقاع شعري :

"أودعني الطاغوت في تابوت

 وتكفل حفار القبور مطالبا بكفني

 أحالني إلى مومياء منفي في عمق الأزل

أوهمني بمعجزة الارتقاء في دنيا السماوات السبع

فجعل أحلامي بلا ذاكرة"

و التاريخ عنده يبدو حاضرا الآن، باستحضار روح من شكلوا الحدث فيه.

وهذي هي عشتار آلهة الحب والخير والجمال، تصرخ على أبواب المدينة المعاصرة من هول الفاجعة:

في مساحات القلب وطن

ترقص فيه عشتار على إيقاع حزين

تشق الثوب

تعري الصدر

تندب الخدين

وأشلاء الأحفاد في قاع الجنائن المعلقة

وإزاء هول الكارثة ، الممتدة في كون واسع، يبدو أن الحاضر بلا إله يخشاه البشر في سريرتهم، ففي زمن سقوط القيم، لم يعد الكائن الحي يشعر بوجود قوى غيبية، تترصد أفعاله ليكافأ عليها أو يعاقب :

لقد شاء الشيطان أن يعتلي العرش البابلي

ويمسك بيده الصولجان ,,

ويغتصب عشتار في ألف ليلة وليلة

أمام أنظار الإنس والجان.

فرؤيا الأديب عبد الرحمن جعفر الكناني تغير قوانين المطلق في زمن مقلوب، مستندا إلى رمز إلهي أسطوري، هو "أنليل" إله الماء في الأساطير البابلية القديمة :

يقرر الإله " أنليل " الإرتقاء إلى مصاف البشر

يذرف دمعا ... يرتعد خوفا

فيعد البابليون العدة .. لإختيار إله جديد

شيطان في هيئة بشر

وتتوالى تحولات الأزمنة في نص "تراجيديا بابلية" التي تتخطى الأشكال التقليدية، وتتحرك هذه الأزمنة فوق خشبة مسرح، فكما تتغير الدهور، تتطور قواعد جماليات الفن، بتجليات رؤاه، إزاء الواقع المعاصر .

نبي منفي:  نبي الطوفان يضطجع على ظهره عند ضفاف نهر الموت منفيا.

إله غاضب: غضب الإله فشد الرحال إلى سفوح عزلة، يبعث كتابا مندثرا.

وملكة تفتح قصرها المهجور ملجأ لبابلي يرمم قلبا منكسرا.  

لكن العائد من أزمنة بعيدة، يضع أوراق منفاه في رفوف ذاكرة عتيقة:

ها أنا أقف شاخصا خارج جدران العزلة

مختتما رحلة العودة إلى أول المدن

الناطقة بلسان قافية اختصرت "تراجيديا الكون"

في لحن ناي حزين

راغبا في عناق العودة إلى الذات

مرددا قصائد عشتار آيات لمدينة حب أبدية

 هي طبعا تشبه القصائد التي كتبها  جعفر الكناني،  والتي دمعها في ديون شعر بعنوان : بغداد تلعن زرادشت" أهداها إلى الجزائر: الأرض والإنسان والثورة، فكانت رؤية تراجيدية لوقائع تتحرك في المشهد العراقي الراهن، تستمد تفاصيلها الرمزية من الملاحم البابلية المزدحمة بأحداثها وشخوصها الذين أسسوا أولى المفردات في لغة حضارية دونت بها البشرية حضورها القائم على صراع يشتد عنفا كلما بلغت البدايات نهاياتها.

يقول النقاد أن أسلوب عبد الرحمن جعفر الكناني يختلف كثيرا عن أساليب بعض الكتاب الذين حين يشتد الكرب وتُستباح الديار ويقتل الأبرياء لا يجدون من حل سوى الاستنجاد بالماضي، هو الاستنجاد بالأمجاد الفائتة، وكأن أبطال التاريخ سيهبون هبة رجل واحد من قبورهم لنجدة أبنائهم في حضارة البؤس، ولعل ارتباط الكاتب عبد الرحمن جعفر الكناني بالكتابة التراجيدية تعود إلى الظروف القاسية التي عاشها، حين تعرض إلى التهديد بالاغتيال الذي طال أخاه، بسبب كتاباته المناهضة لسياسة الاحتلال الأميركي والخطط المعتمدة لفرض مجموعات غريبة عن المجتمع العراقي في السلطة، اضطر إلى اللجوء إلى الجزائر، وهو حاليا يقيم في الجزائر، لكن المضايقات ما تزال تلاحقه، من قبل السفارة العراقية بالجزائر .

 

قراءة علجية عيش

 

yousri abdulganiبداية عندما قرأت هذه الرواية لم أصدق أن هناك أدب روائي مازال يهتم بالرومانسية أو العاطفية، أي تلك التي تربط بين صدق العاطفة والخلق القويم، وبمعنى آخر الفضائل عندما تواجه الرذائل، ومكافأة الخير ومعاقبة الشر ..

أعني بذلك رواية (أمنية)، لمؤلفها الدكتور  سليمان عوض، والصادرة عن مؤسسة سندباد للنشر والإعلام بالقاهرة 2017، بغلاف جيد متقن قام به الفنان أحمد طه، وبإخراج داخلي وخارجي يلتزم الوعي بمضمون الكتاب ويجعل منهما عتبات مدركة للنص الأدبي ...

وأحب أن أشير هنا إلى أمر أراه على درجة كبيرة من الأهمية وأعني به ما ذكره الناشر في تعريفه بداره حيث أكد على أنها مؤسسة ثقافية تطرح مشروعًا ثقافيًا جادًا على اعتبار أن الثقافة رسالة، من خلال تبني الإبداعات التجريبية الطموحة وتقديمها دون قيد أو شرط مع احترام حرية التعبير، ورعاية وتقديم المواهب المتميزة للحركة الأدبية، وأتمنى أن يلتزم بهذا كل العاملين في مجال النشر، من أجل إثراء حقيقي لواقعنا الثقافي العربي، وأمر رائع أن يكون الأستاذ المبدع والناقد / خليل الجيزاوي هو مستشار النشر لهذه المؤسسة، فرائع أن يتولى أهل الخبرة والفكر قيادة وتوجيه مؤسساتنا الثقافية .

الرواية التي معنا تجيء لنا في 140 صفحة عبر 7 فصول، راصدة إشكالية البوح ورعشة اللمس الأولى للحب الأول، انطلاقًا من سؤال يطرح نفسه : هل استطاعت أمنية فتاة التمريض الحلوة الجميلة الدقيقة الملامح، النحيلة بيضاء البشرة المثقفة، أن تغوي سامي طبيب الامتياز وتدخله جنة العشق والحب ؟ .

الرواية التي هي مذكرات طبيب امتياز في إحدى مستشفيات محافظة الدقهلية، تعطي بانوراما مصغرة للمجتمع المصري أو لواقعنا المعاش عبر المستشفى بكل ما فيها من متناقضات على المستوى البشري .

أمنية تلك الرواية التي يهديها صاحبها إلى كل امرأة عربية، أمنية لحياة أكثر سعادة، أمنية رمز البراءة والطهارة والإنسانية والثقافة الراقية، التي أحبها الدكتور سامي منذ أول يوم جاء إلى المستشفى لتسلم عمله، ليجعل منها المؤلف النموذج أو المثل الذي نتمناه جميعًا في واقع أضحت سلبياته أكثر من إيجابياته ..

الرواية التي كتبها الدكتور سليمان عوض، والذي هو في الأساس شاعر، وكاتب للقصة القصيرة، وقد اتضح ذلك جليًا في لغة القصة المقدرة على السرد بأنواعه، وفهمه لمعنى الحكي بكل تقنياته، في تعامله مع الشخصيات والأحداث والصراع والبداية والوسط والنهاية ...

يمكن القول أن هذه الرواية كتبت من طبيب شاعر، يتخفى وراء مشرط الجراحة، وقد تميزت بالمشاهد البصرية ومساحات شديدة الثراء للبوح، حاول فيها أن يصحبنا داخل أعماق شخصيات الرواية، من خلال سرد جذاب شاعري، ولغة معبرة واضحة مفهومة تمزج بين الفصحى والعامية، بعيدًا عن التعقيد أو الابتذال، ليكشف لنا أحد أمراض هذا الزمن، ونعني به التعصب الأعمى الغبي الذي يقوده في المستشفى عامر طبيب الامتياز الذي يتاجر بالتدين في فظاظة عجيبة، عامر صاحب اللحية الكثيفة الذي يصلي إمامًا بالجميع، ثم يتحرش بالممرضات حتى لو كن في عمر أمه، ويطالب بطرد الدكتور شكري، ويرفض أن يأكل وينام معه في مبيت الأطباء لأنه مسيحي، وهو طوال الرواية يكفر الجميع ويمارس عدوانيته معهم ..

الطبيب عامر لم يكن يكره الأخوة المسيحيين فقط، بل كان يكره الجميع، ويستحل لنفسه ما ينكره على الآخرين، إنه بحق شخصية وصولية مريضة، ولهذا استغل عامر كسر رجل زميله في حادثة الاعتداء عليه، وجمع تبرعات لزميله سامي، ثم تزوج بهذه الأموال فتاة صغيرة لا تزال طالبة في الصف الثاني الإعدادي ..

وهنا يأتي اعتراض، الدكتور سامي الذي أحب أمنية حبًا رائعًا، بكل ما يحمله الحب من طهر وبراءة، كيف ينتهك عذريتها التي تحمل الكثير من   الرمزية ؟، بالطبع هذا حدث بموافقة تامة من أمنية أي أنه لم يغتصبها أو يجبرها على ذلك، ولكن ما أراه أنها محاولة من المؤلف أن يأخذنا من عالم المثالية والبراءة إلى عالم الواقع بكل منغصاته، فبعد هذا الموقف انفتحت طاقة جهنم بالنسبة للدكتور سامي، من كل ناحية، حيث تكشفت له العديد من المواقف التي تبرهن على ما في المجتمع من سلبيات عديدة ...

لقد نجح مؤلفنا أن يكتب لنا رواية رومانسية، وإن كان ذلك لا ينفي كونها اجتماعية، حيث تصور المجتمع في مكان محدد وزمان محدد، هو وطن الكاتب، وهو الزمان الحاضر، وقد نجح الكاتب بجلاء أن يركز على إبراز العلاقات الاجتماعية سواء على مستوى الأطباء وهيئة التمريض والإداريين داخل المستشفى، أو الشخوص الأخرى خارج مسرح الأحداث ...

لقد استوفت الرواية التي معنا عناصرها بالكلية، حيث نجد التسلسل الزمني أو التسلسل الخاضع لقانون العلة والمعلول، وإن كنا لم نعرف زمن الرواية الذي كان سنة 1981، إلا في الفصول الأخيرة، حيث شهدت مصر ما يسمى بالفتنة الطائفية، والأضرار التي لحقت بالبلاد والعباد بسببها ...

شخصيات المؤلف نجح كاتبها في بنائها بناء جيدًا سواء كانت محورية أو ثانوية، بدءًا من الدكتور سامي أو حتى السائق الذي أوصله إلى المستشفى، والصديق مجدي الذي يقرضه دون أن نراه في الرواية، وعم محمود الفراش، وعبد السلام الباش كاتب الفاسد المتحالف مع المتاجرين بالدين، والانتهازيين والمتمثلين في شخصية الدكتور عامر، والدكتور عبد الخالق، وأبله أحلام الممرضة، وماما عايدة مسئولة الشاي والطعام، والممرضة سامية التي ستكون زوجة لعبد الخالق، والدكتور سلام وتابعه الدمرداش، حيث الصوفية المخلوطة بالدجل والشعوذة وعدم الفهم الحقيقي للدين، والدكتور شكري، وماجدة ممرضة العمليات، ووالد أمنية أمين المكتبة الشاعر والكاتب والمحب للفنون، وأم أمنية، والدكتور عبد العال، والدكتورة سلوى المثقفة التي تؤمن بالأعمال، وحسنية صديقة أمنية التي كانت تسهل لها اللقاءات في شقتها، والممرضة صباح صاحبة الإرادة الحديدية والقادرة على اتخاذ قراراتها ...

الرواية نجحت في أن تبني شخصياتها أو أبطالها، فلم نشعر بشخصية تتفوق على الأخرى، رغم اتجاهاتهم المتنوعة، وأعمارهم المتفاوتة، وبيئاتهم المختلفة، ولكنهم في النهاية بشر يتراوحون بين الصواب والخطأ ...

الرواية تدين بجلاء الطائفية بمختلف أنواعها متمثلة في الدكتور عامر الذي يقوم بتصرفات لا تليق بطبيب له رسالة سامية، أو كمتدين يفترض أنه يعرف معنى الدين، ولأنه من تجار الدين والأدعياء يتحالف مع الفساد المتمثل في شخصية عبد السلام، ليصل الأمر أن يتزوج عامر من ابنة عبد السلام التي لم تبلغ الثالثة عشر من عمرها وكادت أن تلقى مصرعها بعد أن تم محاولة إجهاضها، نفس الأمر عندما تدين الرواية الخزعبلات والخرافات التي يقوم بها الدكتور الدمرداش، والدكتور سلام، ويصدقها العوام والسذج، وصورة أخرى تتمثل في خرافة الأعمال والتي تؤمن بها الدكتورة سلوى التي كانت تحب الدكتور سامي وسعت إلى الزواج منه عبر التودد إلى أسرته ...

الرواية نجحت في استيفاء جميع عناصرها، وإن مالت في الفصول الأخيرة إلى البوليسية ولكن ذلك حتمته الأحداث، إلا أن الكاتب نجح في أن يشدنا في النهاية لمعرفة الفاعل الحقيقي في الاعتداء على الدكتور سامي، لنعرف أنه الدكتور عبد العال دفاعًا عن عيادته الخاصة و انتقامًا منه حيث كان يرغب في أمنية .

وختامًا نقول: أن هذا العمل يعلن بجلاء تعرية المجتمع، وبالذات أهل الثقافة والعلم، الذين هم من المفترض أن يكونوا المثل الأعلى والقدوة الحسنة لسائر أفراد المجتمع .. رواية جيدة تستحق القراءة، تحية لمؤلفها وفي انتظار المزيد من الأعمال .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

adnanhusan ahmadصدرَ عن دار شُبّر للطباعة والنشر بلندن كتاب "لمَسات ورّاق فرنسي الهوى" للشاعر والمُصوِّر الفوتوغرافي العراقي فاضل عبّاس هادي وهو من الكتب الإشكالية المُثيرة للجدل من حيث الشكل، والمضمون، والمقاربات الفكرية الحادّة التي تنتقد الثقافة الإنكَليزية بشدّة وتعتبرها "وحشية ودموية" على النقيض من الثقافة الفرنسية الرومانسية المُرهفة التي لا تختلف كثيرًا عن الثقافتين الأسبانية والإيطالية.

لا تقتصر ثيمة هذا الكتاب على المقارنة بين الثقافتين الإنكليزية  والفرنسية حسب وإنما تمتدّ إلى طبيعة المجتمع الإنكليزي، وأنظمة الحكم الملكية التي تعاقبت على إدارة هذه "الجزر البريطانية" المُحتفية بعزلتها بعيدًا عن جسد القارّة العجوز.

وبما أن الكتاب يترجّح بين الذاتي والموضوعي فحريّ بنا الإشارة إلى التقنيات المتعددة التي استعملها الكاتب فاضل عبّاس هادي، فالكتاب يخلو من الفهرس، وينعدم فيه التبويب، ويستطيع القارئ أن يشرع بالقراءة من أي صفحة يشاء! أما الضمائر التي غلبت على الأنساق السردية للكتاب فهي ضمير المتكلم وضمير الغائب ولا يجد غضاضة في استعمال ضمير المُخاطب من باب التنويع، أو كسْرِ الملل الذي قد ينتاب المتلقي من هيمنة نَسقٍ سردي يتكئ على ضمير واحد.

مَنْ يعرف فاضل مِن كثب يُدرك جيدًا روح الدُعابة في أسلوبه، والسُخرية السوداء التي يتسلّح بها في كتاباته، وحينما يخونه التعبير لا يجد ضيرًا في استعمال اللهجة المحكيّة، والاستشهاد بالأمثال الشعبية العراقية الجريئة على وجه التحديد، فهو لا يخشى الأشياء المحجوبة أو المسكوت عنها أو اللامُفكَّر فيها، بل هو يبحث عنها بشكل محموم، ويستدعيها في مقالاته وكُتُبه التي ترسم الابتسامة على وجه القارئ رغم جديّة الموضوع الذي يعالجه، ومأساوية الحالة التي يتعاطى معها.

يصرّح فاضل في لقاءاته الصحفية الشحيحة قائلاً:"لستُ موضوعيًا، ولستُ عقلانيًا"(ص95) لكنه مع اللهفة الشعرية والعاطفية التي تُلهب الوجدان. ينبغي على القارئ ألاّ يأخذ كل شيء على محمل الجد فبعض الحكايات مُختلَقة اجترحتها مخيلة الكاتب المجنحة ويمكننا الاستدلال على هذا "التلفيق" الإبداعي الجميل من هذا البيت الشعري الذي يقول فيه:" . . . وأنا السارد البارع لحكايات لم أعشها"(ص18) وهي ذات الطريقة التي كان يتبعها الشاعر الراحل عبد الوهاب البياتي طيّب الله ثراه في اختلاق الحكايات التي تزرع الابتسامة على شفاه القرّاء. لا تثقوا بتواضع فاضل حينما يصف نفسه بـ "الشاعر المجهول" أو بـ "خادمكم الصغير" لأنه سينعت أغاثا كريستي بالكاتبة "الإجرامية الشمطاء"(ص65)، ويصف شكسبير بـ "الوحشي العنيف والدموي"(ص154)، ولا يجد حرجًا في تسمية ت. س . إليوت، فيليب لاركن، تيد هيوز وشيموس هيني بـ "زعران الشعر الإنكَليزي الحديث"(224) مع أن شهرتهم قد طبقت الآفاق، وأن اثنين منهما "إليوت وهيني" قد نالا جائزة نوبل للأدب.

مع أن ثيمة الكتاب تنحصر في المقارنة بين الثقافتين الإنكَليزية "الوحشية والدموية" بحسب توصيف الكاتب وبين الثقافة الفرنسية التي يعتقد المؤلف أنها "رومانسية متحضرة ورقيقة جدًا" إلاَ أنّ الثيمات الفرعية تنحدر صوب السيرة الذاتية والثقافية للشاعر والمصوِّر الفوتوغرافي فاضل عباس هادي الذي تعلّق بالأدب والفن منذ يفاعته، وأحبّ تعلّم اللغتين الإنكَليزية والفرنسية وكان ينتظر على أحرّ من الجمر الكتب الأجنبية التي يجلبها "طاهر" من بغداد بالأكياس ليقتني منها ما يشاء مستعينًا بالمعاجم الإنكَليزية والفرنسية لقراءتها وفهم ما يستعصي من الكلمات والمصطلحات الغريبة عليه في مطلع حياته الأدبية في مدينته الحميمة "الناصرية" التي يمحضها حُبًا من نوع خاص. وحينما ينتقل إلى بغداد تتبدل الصورة، وتتسع مداركه الأدبية والفنية، ويبدأ الكتابة باللغة الإنكَليزية في صحيفة Baghdad Observer كما تتعمّق لغته الفرنسية شيئًا فشيئًا ليكتشف بحسّ الشاعر المُرهف والمصوِّر الفوتوغرافي الذي "يلاحظ كل شيء"(ص5) أنّ الفرق الكبير بين اللغتين هو أنّ الإنكَليزية "متوحشة قاسية" والفرنسية "مُتحضرة ناعمة" كما يحلو له أن يُقرنها باللغة العربية التي يعتقد بقوة أنها "أخت الفرنسية بالرضاعة" ويا لها من التفاتة شاعرية ذكية لا تصدر إلاّ عن مبدع مُرهف الحسّ.

كيف بدأ الكاتب تحامله على اللغة الإنكَليزية؟ ولماذا غيّر وجهة نظره بها وبالمجتمع الإنكَليزي وبثقافته "الدموية"؟ بالتأكيد لم يكن هذا التغيير وليد لحظته وإنما جاء نتيجة لقراءات واسعة ومعقمّة أوصلته إلى هذه القناعة الثابتة التي تقول بأن مسرحيات شكسبير دموية وأنها تدور غالبًا حول الصراع على السلطة. وأن أدب الجريمة هو الذي يتسيّد على كل الفنون القولية ليكشف حقيقة هذا المجتمع الذي يتقبل هذا النوع من الأدب المتدني الذي تفوح منه رائحة الدم فلاغرابة أن تصبح أغاثا كريستي كاتبتهم المفضلة، وهذا الأمر ينسحب على توماس دي كوينسي، وكولن ولسون، و ج. ك. رولنغ، وماري شيلي وعشرات، وربما مئات الأسماء الأدبية الإنكَليزية التي تكتب رواية الجريمة وهي للمناسبة الأكثر مبيعًا المملكة المتحدة. تتراكم ألحوظات الكاتب السلبية ليس على الأدب الإنكَليزي حسب وإنما على الثقافة الإنكَليزية بشكل عام، وعلى المجتمع الإنكَليزي الذي يختلف بطبيعة الحال عن المجتمع الويلزي والأسكتلندي والآيرلندي الشمالي فهؤلاء جميعًا وخاصة الآيرلنديين منهم  "يستخدمون الإنجليزية بعد أن يحرِّروها من شوائبها البريطانية"(ص95).

يرصد الكاتب بعض الصناعات والمهن المحلية فيكتشف أن مهنة "البغاء" تأتي بالدرجة الثانية بعد صناعة السيارات، ويقارن بين وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة في إنكَلترا وفي فرنسا ويتوصل إلى أن الصحف الإنكَليزية لا تهتم إلا بالفضائح وزيادة عدد المبيعات، أما الصحف الفرنسية فهي ثقافية، فنية، جادة وإنسانية ولو دققنا جيدًا لوجدنا أن ملاحق "الغارديان" و "التايمز" لا تقل أهمية أو عمقًا عن ملحق "اللوموند" الفرنسية، وهذا الأمر ينسحب على قنوات البي بي سي والإذاعات الإنكَليزية التي تقدم موادَ ثقافية وفنية وموسيقية مشابهة لما تقدّمه الإذاعات والقنوات التلفازية الفرنسية وربما تقدّم أفضل منها في بعض الأحيان بحسب خبرتي المتواضعة في متابعة الأفلام الوثائقية والبرامج الثقافية والفنية التي تقدّمها البي بي سي على مدار السنة كغذاء روحي وبصري وثقافي متواصل.

يقول فاضل عن نفسه مُستجيرًا بصيغة الشخص الثالث وكيف أصبح كاتب هذه السطور متفرنسًا تمامًا يكره الثقافة "الأنغلو- ساكسونية" كراهيته للدودة الشريطية التي كانت تكمن في أمعائه أيام الطفولة"(114) ثم يذهب أبعدَ من ذلك فيقول إنه يشعر كمن يُرجم بالحجارة حينما يقرأ نصًا شعريًا أو روائيًا لكاتب إنكَليزي من دون أن ننسى محبته الخاصة لدوروثي ريتشاردسون التي يعتبرها فاضل أعظم روائية إنجليزية، وألفاريز الذي كتب عن مثالب الشخصية الإنكَليزية وعيوبها، كما يحب جيمس جويس وصموئيل بيكيت لأنهما سافرا إلى فرنسا ونهلا من معين الثقافة الفرنسية وبعض اللغات الرومانسية الأخرى بينما لم يحب ييتس لأنه لم يغادر آيرلندا الشمالية ليتلاقح مع لغات وثقافات رومانسية أخر.

وعلى الرغم من تطرّف الكاتب في بعض آرائه إلاّ أن عينه الثاقبة لم يفلت منها شيئًا في الحياة الاجتماعية والسياسية والنفسية والأخلاقية إضافة إلى الجانب الثقافي الذي أخذ حصة الأسد في هذا الكتاب. من بين ملحوظاته المهمة أن أغصان الأشجار وأوراقها في باريس وبرلين تعانق نوافذ البيوت وتكاد تقبّل ساكنيها بينما تعاني الأشجار البريطانية من عزلة تتناغم مع عزلة البريطانيين أنفسهم. الممنوعات في بريطانيا تزداد وتتفاقم يومًا بعد يوم، فالتصوير بالحامل الثلاثي ممنوع لأنه يزعج المارة ويعيق حركتهم، ومقاهي الأرصفة معدومة بلندن لأن الشوارع ضيقة أصلاً، وأن اللندنيين لا يخرجون إلى الشرفات ليستنشقوا هواءً نقيًا بسبب الضغوط النفسية التي يعاني منها غالبية المواطنين الإنكَليز. يمكننا القول باطمئنان كبير أن معظم الآراء التي قالها بحق الساسة والسياسيين البريطانيين صحيحة لكن الشتائم والكلمات النابية التي وجهها لهم غير مقبولة ولا يمكن أن نضعها في إطار النقد السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي. وفي الختام لابد من الإشارة إلى أنّ هذا الكتاب يفتح آفاقًا جديدة للقارئ العربي الذي لم يتعرف على هذه التفاصيل المثيرة التي لا يمكن الإحاطة بها جميعًا في مقال واحد.

 

لندن / عدنان حسين أحمد

 

 

tawfiq shakhusanقال غيلبرتهايت: "الكتب ليست أكوام من الورق الميت، انها عقول تعيش على الأرفف".

القراءة هي الوسيلة الأكبر في أكتساب الثقافة وهي التي تمكن ّ الانسان من أكتساب خبرة الآخرين وكما قال عباس محمود العقاد :

"القراءة تضيف الى عمر الانسان أعمارا ً أخرى".

فالكتاب هو الصديق الوحيد الذي لا يمكنه أن يخونك على الأطلاق أو يكذب عليك ولذا لا يوجد أفضل من هذا الصديق لكي تبني خبرتك على أساس نصحه .

عن منشورات أتحاد الأدباء والكتاب في البصرة صدر للكاتب جاسم العايف كتابه المعنون "سحر القراءة" طبع لبنان / 2017 .

يفتتح الشاعر "مجيد الموسوي" مجموعته الشعرية الثالثة "دموع الأرض" بيوميات الربيع الدامي مستعيرا ً فيها ما ذكره هنري مللير:

" الحرب هي شكل من أشكال الجنون سواء كانت أهدافها نبيلة أم منحطة، والقتال ليس سوى فعل يدل على اليأس لا القوة ". لذا فالموسوي يلعن ُ شعريا ً الحرب التي تخر ّب الأوطان والمدن والانسان وذاكرته وروحه .

من خلال شعره نتلمس القصيدة بصفتها حالة غامضة من الغياب والحضور، من الحلم واليقظة، من التذكر والنسيان، حالة من أحتدام الروح يغدو فيها الأمساك بالبدء أو المنتهى أقرب للمستحيل .

الشعر لدى الموسوي ليس مجرد أنتظار سلبي لأنبثاق الرمز من أعماق اللاوعي بل من قطبين هما، الانسان ـ العالم، لينبثق بعد ذلك ضوء القصيدة المشع من ملايين الأشياء التي يتأملها الشاعر وربما لا يراها الآخرون، ولا يفتر الموسوي عن ترديد "بـَصّرته" كأنما خلق لها وغمس في تيارها وأستنشقها:

"البصرة  ُ

لمع ٌ في ذاكرة البرق ِ

وسيدة لا تنسى حين تغادر:

تترك بعض أنوثتها

النفنوف َ المبتل ّ الخفين

ودغدغة َ الآه !

البصرة

آخر ما نملك في الأرض

وأول

ما يرفعه الله " .

"عربة النهار" مجموعة شعرية لـ "هاشم تايه"، نرى في قصائده لغة واضحة المعنى لا تفتعل الغموض بذاته من خلال ادراكه لقيمة المفردة الشعرية ووضوح معناها ومقاربتها لواقعية الحدث .

لا يمكن لمتتبع "عربة النهار" الا أن يقف عند الصياغات الشعرية الدقيقة المنتقاة برهافة ودراية وتميز والولوج الى خفايا الأشياء واستبطانها .

بعض قصائده قصيرة جدا ً لكنها دالة على الزمان الغريب والمكان المحاط برعب الأنتظار والقسوة واليأس والالآم والأحباط والقهر الراهن .

" يمشي المذبوح

في طرقـّاتنا

ليل نهار

حاملا ً

مصباحه المقطوع " .

أختار الشاعر "عبد الكريم كاصد" مختارات شعرية للشاعر مهدي محمد علي وهي الأشعار الأولى التي تصدر له في العراق منذ أن غادرها بصحبته عبر بادية السماوة في رحلة جحيمية نحو الكويت ومنها الى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية .

يستثمر مهدي محمد علي في بعض قصائده ثنائية : الحضور ـ الغياب، حضور الذاكرة ـ الماضي وغيابها الآني، أستدلال الأمكنة والأحداث والأشخاص بوضوح، محاورتهم، طغيان ملامحهم، الأحتفاظ بأدق الخصائص الواقعية للمشهد ـ الماضي القابع في الذاكرة ـ غياب الوطن في المنفى وأختراق المنفي ذاته في حضور الوطن .

وتتحول الصور اليومية الى فعل مملوء بالغضب والمرارة، ويبقى الأمل الذي يفعـّل هذه الكائنات البشرية المقتنعة بحياتها الهامشية التي تحولها اللغة البسيطة الماهرة والصور الغنية المتقدة بالحياة الى نسيج يضج بالحركة والوجود المتوتر والانساني .

"أما زالت غرفتي وحيدة

تتمرغ في سكون الوطن

الوطن الذي تلوى على رماد الحرب

الحرب التي تلتهم الذكريات؟!" .

في البصرة أصدر الشاعر "علي عيدان عبدالله "مجموعته" هنالك .. وأبعد "عام 2008، تكشف عن أفق جديد في تجربته التي لم يفرط فيها بقصيدة النثر مطلقا .

جوهر الشعر يتولد من التجربة الشخصية ومن حرارة الروح وحدسها ويأسها وحتى من حزنها الذي يؤجج المشاعر ولعله قد يدفع للفرح، بالترافق مع ثقافة منفتحة متجددة وغنية انسانيا ً .

هنا يفتح أفقا ً آخر لتجربته وهو الأنفتاح على الخارج والثيمات الأسطورية وأستخدام الأستعارات والشخصيات والرموز التأريخية والمعاصرة لاستنطاقها وكبح جماح الذات .

في الذكرى الثانية لرحيل "محمود عبدالوهاب" أصدر الشاعر كاظم اللايذ كتابه المعنون " دفتر على سرير المرض .. محمود عبدالوهاب شاعرا ً " وتتميز بأسلوب الوضوح والأختزال والأختصار، والقصائد ذات طابع سردي ويكثر من " مثل " التشبيه والتي تذكرنا بـ " كاف " التشبيه التي تتكرر في شعر السياب ونرى فيها ما هو أهم في الشعر هو ايقاد شعلة التوتر الروحي الى أقصاها والأعتناء بالثراء الداخلي الحميم الذي تفيض به الروح .. " محمود عبد الوهاب" أديب بصري متعدد المواهب، كتب في القصة القصيرة والرواية والشعر والمقالة النقدية والمسرحية وله باع في الترجمة ..

دراسة عن الشاعر "شاكر العاشور" وبعض حصاده الشعري ..

"تلاوة في ما قالته ريما للشمس ـ ج 1 " هي الجزء الأول من الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر وتضمنت مجموعاته التي سبق ونشرها وهي " قصائد أولى " 1965، ومساهمته في مجموعة مشتركة لشعراء البصرة بعنوان " تسعة أصوات " 1971، و " الانذار الأخير الى أزهار الحدائق " 1972، و " في حضرة المعشوق والعاشق " 1975،

يتميز شعر الشاعر شاكر العاشور على حس شعري ونزعة " شبابية ـ فردانية " تعزز بقاء الشعر وديمومته وتواصله في مواجهة التوجهات الثقافية الراهنة ..

شاكر العاشور شاعر من البصرة لم يغب ذكره عن الأنظار والشهرة ولم تغفله أقلام الدارسين ..

دراسة عن البريكان، و"البذرة والفأس"، تسامى الشاعر محمود البريكان نحو آفاق الأبداع والتحضر بنتاجه وشخصه اذ مثــّلا روح التطلع الحداثوي المتمدن في النسيج الثقافي العراقي من خلال تنقيبه في صبوات الروح وتراثها الانساني متمسكا بارادته الحرة التي لم يسمح لأحد أن ينازعه عليها متجاوزا ً الاطناب والبهرجة والتزويق متحصنا ً بعزلته الخلاقة ضد تزوير الحقيقة .

الشاعر محمود البريكان شاعر عراقي ولد في الزبير ـ البصرة وكان رائدا ً وأستاذا ً لجيل من الشعراء والأدباء، يؤكد الناقد "رياض عبد الواحد"

ان شعر البريكان أشبه بالبذرة الموضوعة في أحدى قصائده التي فيها أستقى عنوان كتابه، وهذه البذرة وهي تعيش في الداخل فأنها تأخذ منه كل شيء وتندفع بقوة ارادتها مخترقة تربتها لتكبر وتثمر وتكون ذات لحظة ما خاضعة لفأس الحطاب التي هي صلة التواصل والتقاطع في العيش بعجائبه المتعددة مرثية أو مخفية ومنها صلة الشعر بالشاعر وبالآخر لكونها محصلة الحياة النهائية .

قصص " ودود حميد " في " ممر الضوء " تعتمد الحبكة المنضبطة والسرد المتزن الذي ينأى عن الارباك والأرتباك والخسائر اللغوية الفائضة . مجموعة " ممر الضوء " قسمت على ثلاثة أقسام الأول بعنوان " البدايات " وتضمنت ثلاث قصص " بابا والعطار، والصبي الشجاع، والرجل والصحراء". والثاني بعنوان " ما بعد الرحيل " وأحتوى على قصص " مكمن السر، ورحيل النغم، وهستيريا الشك، وشيزوفرينيا "

أما الثالث بعنوان " تواصل " وأحتوى على أربع قصص " ممر الضوء، وتراكمات الرؤى المنطفئة، والنبتة والأغتصاب " .

عمد القاص الى تنقية شخصيات قصصه من أدران أجتماعية سائدة في الحياة العراقية ويبدو أنه على تماس وثيق مع شخصياته القصصية حتى أنه يعقد معها صداقة ومعرفة .

صدر للقاص رمزي حسن مجموعته القصصية "ذاكرة الزمن " قسمت المجموعة على قسمين :

الأول "قصص" والثاني "نصوص" . القاص رمزي حسن عمل على الأستفادة من طرفين هما، الذاكرة والزمن .. الذاكرة هي ذاكرته الشخصية وكذلك الزمن فهو زمنه وحده، ذلك الزمن الذي عاشه وشهد أحداثه وحاول هنا أن ينفض عنه غبار السنين لانقاذه من الضياع، كما يتجلى في " ذاكرة الزمن " عالم الذات بكل ما فيه من نكوص واستلاب كامن في الروح الانسانية وتتسم بالأقتصاد في السرد وعدم رتابة اللغة كونها سريعة الايقاع وانعدام التمدد في الزمن الفني .

لا تنحصر تجربة القاص " محمد سهيل احمد " الثقافية في توجهاته وممارساته السردية فحسب بل بدأ بالشعر، ونشر قصائده في الصحف (البصرية ـ العراقية) ثم توجه للقصة .. صدرت مجموعته القصصية الأولى " العين والشباك " مطبعة الرسالة ـ الكويت / 1985، والتي حضيت باهتمام بعض النقاد والكتاب العراقيين والعرب، ومجموعته القصصية الثانية المعنونة (الآن أو بعد سنين) التي صدرت بعد 20 عاما على صدور مجموعته، نلاحظ أن " محمد ةسهيل أحمد " كاتب قصة يتقن الصنعة وقصصه مشحونة بالتوتر، والسرد القصصي لديه يخضع لمعارفه وقدراته وخبراته المتراكمة في التكنيك الفني عند كتابته للقصة القصيرة .

صدرت مجموعته الثالثة "اتبع النهر" ـ 2012 عن أتحاد أدباء وكتاب البصرة .. " محمد سهيل أحمد" في القصة القصيرة ينحو اللا ثلاث مراحل، نرى أنه لا بد لكل قاص أن يمر بها وهي : برق الالتماعة الأولى أو الأنبثاق،  والخزن الذي قد يطول أو يقصر زمنيا ً، ومن ثم الأشتغال والمعالجة .

رواية القاص علي عباس خفيف " عندما خرجت من الحلم " تجاوزت فخ السقوط في الأيديولوجية وتجريدياتها وتوجهاتها " الدوكوماتية " وهو ما أعطاها بعدا ً فنيا ً وبذا كانت بعيدة بمنهجية، روائية، عن سلطة الأيديولوجية الملفقة وتحكم سلطة الوعي المنحاز، واسقاطاته، ويمكن قراءاتها اجتماعيا ً .وقد أعتمد المؤلف تكنيكا ً مغايرا ً لما هو سائد في البناء الروائي الذي يعتمد التأريخ مرجعية له من خلال تداخل السرد وعبر هيمنة الماضي كذكرى، وسطوة الحاضر كفعل الى الحد الذي لا يمكن الفصل بينهما دون تعسف أو افتعال ..

(ثقافة الجسد .. قراءة في السّرد النـّسوي العربي ) للناقد عبدالغفار العطوي، قراءات مختارة تتعلق بالمرأة وهمومها الخاصة التي تقف حائلا ً دون عيشها بسلام بلا تمييز جنسي وثقافي وبايلوجي يؤشر وضع المرأة العربية المعاصرة كما هي في الواقع العربي الذي تعيشه .

درس " العطوي "رواية " ثريا نافع " المعنونة " فضاء الجسد ـ بيروت "، وقصص القاصة " هيفاء بيطار " في مجموعتها " ضجيج الجسد ـ دمشق "، وقصص القاصة " وفاء عزيز أوغلي " في مجموعتها " غريبة فوق أهداب دمشق "، ورواية " حلم الليلة الأولى " لليلى العثمان، ورواية " مسك الغزال " لحنان الشيخ، ورواية " ذاكرة الجسد " لأحلام مستغانمي، ورواية " نساء المتعة " لمنيرة سوار .

فكتابات الكاتبات قد أنصرفت في كليتها الى عالم السّرد الذي قدمت عبره الكاتبات قضاياهن ولعلها أفضل طريقة يمكن أن تؤدي بالمرأة للدفاع عن وجودها وفعاليتها الانسانية ـ الثقافية .

جميع النساء في القصص مهمشات ومقهورات ومنبوذات ومقموعات ومحملات بمكابدات المرأة جسديا ً من خلال علاقتها بالرجل .

السيرة الحياتية والثقافية للكاتب والناقد والمخرج "بنيان صالح" فيها كثير من المواقف التي تعكس حضوره كانسان وكاتب ومثقف، نشر الكثير من الدراسات عن المسرح البصري ـ العراقي، وبعض المسرحيات العربية والعالمية في الدوريات والمجلات العربية وأهمها مجلة " الأداب " اللبنانية، وقد أثارت المقالات التي نشرها على صفحاتها ومنها " يوسف العاني .. العودة الى النبع " ودراسة مطولة عن مسرحية " مارا صاد " للكاتب المسرحي العالمي " بيتر فايس " أهتمام وثناء النقاد العرب الذين ثمنوا قدرته النقدية والتحليلية المسرحية . في بداية السبعينات سعى " بنيان " في البصرة بتشكيل جماعة يكون همها الأساس " المسرح " لمناقشة أفكاره ورؤاه وأساليبه التطبيقية، وساهم معه الناقد والكاتب المسرحي الراحل " حميد مجيد مال الله " و " كاظم عيدان لازم " و " عبدالوهاب النعمة " و " وعبدالصاحب ابراهيم "، بتأسيس جماعة " كتابات مسرحية ".وبذا يشكل " بنيان صالح " مع بعض زملائه صفحة مضيئة في التأريخ المسرحي في البصرة والعراق .

وتناول الدكتور" عباس الجميلي" الأستاذ في قسم المسرح ـ كلية الفنون الجميلة ـ جامعة البصرة ـ في كتابه المعنون " بنيان صالح .. والوثائقية الفكرية " تقديم الدكتور " سلمان كاصد " بالتحليل والدراسة السيرة المسرحية لـ " بنيان صالح " ككاتب ومخرج ومسرحي وكيف خط لنفسه تجربة واعية في مسار الحركة المسرحية العراقية ولكنه لم يأخذ نصيبه من الأنتشار المطلوب لمبدع مثله .

تناول الكاتب " جاسم العايف " أيضا  " بابلو نيرودا .. في البحر والأجراس " و "ما لا يدرك .. والصوت الذي يحدثه العالم " و " أحفاد العروس .. أشياء من السيرة وقصص قصيرة " و"صنعة السرد .. الصرامة والوضوح " و "عاصفة ماركيز .. وعواصف العراق" .

عشنا مع الكاتب " جاسم العايف "  في كتابه " سحر القراءة " الى قراءة لعدد من الكتب في أجناس أدبية متنوعة ، ورصده الحراك الثقافي ّ في مدينته " البصرة " خصوصا، وملاحقة أحداثه وما ينتجه من آثار بالعرض والمتابعة والاضاءة والتقييم ..

 

mohamadsaed samadiدشن الكاتب الشاب يوسف الحضري شبعة باكورة أعماله الأدبية بنص قصير أطلق عليه "صدى الذكريات نشيد الفقد" ويخوض في نصه الثاني"الشْريفة" تجربةَ السرد الروائي الذي يستلهم ماضي مدينته الساحلية الهادئة التي كانت تعيش على إيقاع سمفونيةِ نغميةِ التعايشِ والتسامحِ والتمدن الذي أكسب المدينةَ "طنجة" خصوصيةً الانفتاح والتحضر مع الأصالة والمحافظة.

تشكلُ "المدينة" في النص الروائي عنصرا مهما ورافدا أساساً يُثيرُ كثافة النص ويُوثقُ تفاصيل يوميات الناس وأعيانِهم؛ ويحفظُ اعتمادُ الروائيِّ هذا المكون/ المدينة في نصِّه، مادةً مهمةً من الموروث الشفوي، على مستوى الأسماء والكُنى، والدُّروب والأمثال والتعابير اللهجية المحلية ذاتِ الخصوصية النطقية بالمدينة القديمة وأهلها...

واختار شبعة لغة البوح بدل الصمت الذي جشا على زمن الطفولة البريئة، وكان الفقدُ واليتمُ سبباً لإحياء مكابدات ومعاناة ظلتا معاً تصنعان شابا سيعرف لاحقا لغةَ السرد وإحياء الذاتِ المفتقدةِ في ماضٍ أليم متعدد العوامل والجروح...

في روايته الأخيرة تحضر مفردة بقوة وفي مواضع ومواطن مختلفة، ولعلها تكتب نفسها دون إذن راقِمها، إنها مفردة الجوانية: جوانية نفسي، محروق بجوانيتي، ....هذه الجوانية هي التي فجرت طاقة السرديات في إبداع شبعة. ولما سأله أحدهم ذات مساء كيف يمكن للمرء أن يصبح روائيا، أجابه الكاتب: الأمر يسير أن يكون قد جرَّبَ اليتم.

رحيلُ الوالدِ والصبيُ بعدُ لم يتبين ملامح وجههِ كانت بداية القصِّ والحكيِ عند يوسف شبعة، لم يكن يدور بخلده يوما وهو صبيٌّ وناشئٌ وشابٌ أنه سيحتاج يوما لاستحضار هذا الماضي الدفين بكل جراحاته وآلامه ونواقصه على مستويات متعددة خاصة مستوى العواطف الأبوية واللمسات العائلية، والتي مع الأسف ستنعكسُ مآسٍ وأحوال وصعوبات، كان تغييبُ القدَرِ المحتومِ لِـ"الأب" عِلَّتها المفصلية. وهنا ستطفو على السطح شخصية الرواية وبطلة الأحداث "الشريفة" العجيبية الأم التي لن يجري حدث إلا وستجد إشارةً إلى لمساتها فيه وستتعدد وظائفها وستتعقد أكثر مع تعدد أطراف المتدخلين داخل السقف الواحد" الأطفال الصغار، الجدة يما رحمة، الأعمام بمختلفِ توجهاتهم ومسلكيات حياتهم التي وصلت حد العربدة عند بعضهم"...

هل يكتب لنا يوسف شبعة، نحن بقية البقية من جيل طنجة القديمة، ويُحيي فينا كوامنَ ماضينا القريب الأثيل القشيب، الهادئ الرزين؟ هل اختارهُ القدر بعد سنوات عجاف أن يسمُقَ عاليا وبهمة متيقظة، ليسد ثغرة من ثغرات السرد والحكي في تفاصيل المدينة القديمة؟ بلى إنه هو الشاب الطنجي الذي اختار طواعيةً قَدَرَ الكتابة؛ واختار أصعبها، أي إحياء التصوير الجمالي لتفاصيل المدينة القديمة دروبِها ورياضِها وغرساتها، وعوائدها وأسمائها وألقابِ ناسِها، ونُكتِها وحكاياتها ومروياتها الشفوية الشعبية المندثرة مع فتنة الهواتف الذكية وتطبيقاتها المثيرة...

1262 samad

جماية الوصف ودقته تأسر قارئ"الشريفة" وخاصة إذا كان القارئ قد تقلَّبَ في دروب المدينة القديمة، وعايش جزءاً من قاطنيها مسلمين وغير مسلمين، سيجدُ لا مَحالةَ صدقا وتوثيقا وتأثيثاً لمشاهد تصويرية برع يوسف شبعة في تركيبها وتوَفَّقَ في تدبيج إخراجها السردي. يقول مثلا وهو يتحدث عن تفاصيل هندسة بيت أندلسي من أصول يهودية:" قبالة محل عبد المجيد، بيت إندلسي جميل يعود ليهود الأندلس، سفرداي، بابه خشبية خضراء مهيبة مشقوقة واجهتها، شقتها الرطوبة، مقدسة المنظر، كأنها باب زاوية من الزوايا وليس بيت منزل، منقوشة نقشا يأخذ العين واللب معا، نقوش كالمتاهات، تعلو الباب نجمة داوود السداسية، بها دبابيس دائرية ذهبية على واجهتها، وكأن أمهر الصانعين اجتمعوا لنقشها تحت طلب سلطاني عاجل..."(ص82).

ومن مظاهر التعايش والتسامح بين ساكنة طنجة، نجد مقيمة أجنبية معروفة تسدد نفقة فقيه الحي، يقول السارد:" كانت (الكونديسا) تتولى بنفسها مصاريف المسيد، وهي التي تدفع للفقيه راتبه على رأس كل شهر. يجاور (المسيد/ قاعة تحفيظ القرآن الكريم ) مدرسة اسمها (عرب إسبانيول)" (ص46).

إن الكتابة في هذا اللون من السرد الروائي الموغل في تفاصيل المدينة القديمة وأناسها وعلائقها يجب أن يتمهَّرَ بين قوة اللغة والكلمة العربية الفصيحة المنتقاة بدقة ــ وقد عبَّر بنفسه في مناسبة سابقة بذلك ــ وبين اللهجة الطنجية الدارجة الممزوجة بالتداخل اللساني الإسباني، وهنا يكمن جزءٌ بارزٌ من النداوة والنضارة السردية؛ وهذا أضفى على النص خصوصيته وجماليته الأدبية...

تاريخُ طنجة في الآونة الأخيرة يغتني بسرديات متنوعة ــ مهما اختلف النقاد في تقويمها ــ أبدع فيها كتاب شباب شقوا طريقهم من دروب وعوائد ماضيهم الذي يبكونه تحررا مُزيفا وأسًى حزيناً يكاد يمسح ويمسخ ويطوي كل تفاصيل الحياة الهادئة الطيبة الساكنة على موائد كؤوس شاي أخضر ناصع في مساءات الربيع بفضاءات رياضات زاهية بمرشان أو دار البارود أو حتى مع متعة ضجيج رصيف كأس شاي "قهوة دْسنطرال"...

لاشك أن رواية" الشريفة" وما شابهها؛ تنتمي لجيل من الروايات التي تحفظ ذاكرةَ المدينة عند ناشئة اليوم والقارئِ الذي لم يُدرك قبسات من حِقبة هذه الأجواء الهادئة أحيانا والعاصفة أخرى، وكم يكون السارد مُبهرا جذابا حينما يتوفَّق في تشكيل ملامح وظلال مختلفة لمتناقضات الحياة، فلا يكبّ فقط على تسليط الأضواء على بؤر وعلَب ويتناسى مقامات ومواطن كثيرة تُشكل مُجتمِعًة حقيقةَ المدينة، وينتهي بالقارئ إلى تعرُّفِ قيم مختلفة يستطيعُ حسَبَ قوة الحكي ونبرته وسياقه وجوانيته، أن يُموقِعَ بنفسه هذه في قيمة الخير وتلك في قيمة الشر، وهكذا دواليك. ومن هنا يجوز القول إن يوسف الحضري شبعة أبى في مشروعه الحكائي إلا يُقدم مدينَتَه كما رآها وعايشها ورُوِيت له، في وجهها المشرق؛ وملمحِها التسكعي المشين...

 

د.ـ محمد سعيد صمدي/ طنجة

 

moamar habarأنهيت البارحة قراءة كتاب

Albert CAMUS « Misère de la Kabylie », Edition Zirem, Béjaia,  Algérie, 2016, contient 136 pages.

وأعترف أمام القارىء أني لأول أرى هذا الكتاب، ولأول مرة أقرأ لألبير كامي، وقد قرأت عنه من القليل من قبل، ومن سنن صاحب الأسطر التي يتبعها منذ عقود، أنه لا يعلق على كاتب أو كتاب إلا إذا قرأه، ومن هنا كانت هذه الأسطر.

الكتاب عبارة عن زيارة ميدانية قام بها صاحب الكتاب لمنطقة القبائل من 5 إلى 15 جوان 1939، ويضم 11 مقال بالترتيب وخاتمة.

تحدث عن الأوضاع الاجتماعية، والاقتصادية، والتعليمية، والصحية، والزراعية، والسياسية، والطرقات، والأمراض، والأوبئة، وضعف الأجور، والجوع، وطول ساعات العمل، والمسكن غير اللائق، وإنعدام الماء، ونقص الأطباء، وضعف تعلم النساء، وكاهل القروض التي ميّزت منطقة القبائل في تلك الفترة، معتمدا على أرقام قدمها وحلول يراها في - نظره - تناسب الوضع.

والبؤس الذي رسمه كامي كان موجودا يومها عبر كامل التراب الوطني، وربما بحدة أخف في العاصمة، وقسنطينة، و وهران باعتبارها مدنا كبرى، ويوجد بشكل أفضع ورهيب بكثير بالمناطق الداخلية كالونشريس مثلا.

ومن المصطلحات التي ظل يكررها كامي: الشعب القبائلي، قرية الأهالي، شعب الأهالي، حي الأهالي، مدارس الأهالي، تعليم الأهالي، الوطن القبائلي، دولة فرنسية وهو يتحدث عن منطقة القبائل، القضية القبائلية.

ومن الملاحظات التي لفتت الانتباه، أن كامي لم يحارب الاستدمار الفرنسي، ولم يدعو إلى طرد الاحتلال، والحلول التي قدمها هي حلول فنية تعالج الأمراض التي وصفها معالجة فنية وكأن الاستدمار ليس هو مصدر البؤس، والجوع، والجهل، والأوبئة، والأمراض.

ويبدو من خلال الصفحات أنه يدعو إلى تثبيت الاحتلال والإطالة في عمره من خلال بعض "الحلول" التي قدمها ليقترب الجزائري من المحتل أكثر، كـ: توزيع القمح، وفتح المدارس، وإصلاح الطرقات، وشبكة المياه، ومساعدة الفلاح بالقروض، وخلق فرص العمل، وتكوين مجالس بلدية، والرفع من إنتاج الزيتون، وتحسين طرق تجفيف التين، والسكن، دون أن يدعو ولو مرة واحدة إلى وقف الاحتلال، بل زاد في عمره وثبّته بمثل هذه "الإصلاحات" التي تغري يومها، وتعمي عن النظر في حقيقة الاحتلال.

وأثناء كلمته التي ألقاها في ستوكهولم بمناسبة نيله جائزة نوبل للآداب سنة 1957، كما هو منقول عبر صفحات 121-125، لم يذكر الجزائر ولو مرة واحدة. ولم يقدم الجائزة هدية للجزائر التي ولد فيها. فكيف يقال بعدها أن هذا الرجل "دافع" عن الجزائر وهو لم يذكرها ولو مرة واحدة بالإسم في أرفع الأماكن العلمية. وقد يقول قائل لقد أشار إليها تلميحا بقوله "حيث كبرت"، ونقول ليست هذه هي الجزائر إنما يتحدث عن "الجزائر الفرنسية !".

 

jafar jonخسرت حياتي، الكتاب الصادر عن دار سطور للطباعة والنشر، للكاتب  غالب حسن الشابندر، عند قراءة صفاحته الاولى، سيسوقك الكاتب الى ايام الكرادة الشرقية القديمة، ونضالها ضد النظام الصدامي، مبيناً دورها السياسي انذاك، ثم يعقد معك بروتوكولات رغماً عنك، منها عدم ترك القراءة، لانك وببساطة لا تستطيع مفارقة الكتاب لمدة تزيد عن يوم واحد، ليس لسبب ما، بل لان الكاتب اتخذ اسلوب في الكتابة، قد يكون غريب من نوعه، على الرغم من انني لا اتفق معه في العديد من ما كتب، لكن هناك امر مهم، واعتقد انه الهدف الاساسي لما يريد الكاتب توضيحه ونشره للعلن، بغض النظر عن المواقف والشخصنة العلنية التي صدح بها صوته، الا ان الكاتب سيحدثك عن ماهية الاحزاب العراقية، وكيفية تشكيلها والاساليب التي انتهجوها انذاك، معلناً انها شكلت على اساسات هشة جداً، ونحت منحى غير واضح، وسلكت طرق الفشل والانهيار التكتيكي فيما بعد.

 رأيت في الكتاب طريقة التأجيل في سرد الاحداث، على الرغم من انها غير متسلسلة، من الناحية الزمنية، وهذا ما قاله هو بنفسه، فمثلاً سيذكر لك بداية حادثة، ويؤجل الكلام عنها الى اجزاء بعيدة عن موقعها الاول، لكن هناك شيء  مهم جداً، ان مثل هكذا اساليب، قد ينتبه لها البعض، وقد تعطيك صلاحيات في الاجابة عن الاسألة، التي تدور حولك، مستطيعاً قراءة الاحداث  قراءة سريعة قبل الاطلاع عليها.

حسب اعتقادي ان الشابندر اراد تبرأة نفسه، وجعلها في دائرة الحياد، وعلى مسافة واحدة من الجميع، وهذا ما احسست به، عندما التقيته  قبل ايام في الكرادة الشرقية ليلاً، لكن الوقت كان قصير جداً لم يسعفني ان اسأله عن امور قد يشخصها الجميع، ولم يجيب عليها الكتاب حتى، وعلى كل حال فالكتاب مهم جداً، سيكشف لك العديد من الخفايا والشبهات، وفيه العديد من العناوين المبهمة، التي تحتاج الى تمعن في القراءة، كما وانه قد سلط الضوء على السياسات الخارجية في العراق، ومدى تأثيرها في صناعة العديد من الشخصيات السياسية، التي تقود مفاصل مهمة في الساحة العراقية اليوم.

 يقال ان الكتاب يقرأ من عنوانه، وقد يستطيع القارئ الحذق، ان يقرأ الكتاب قراءة ملخصة، ويعرف ما ورائه، كذلك الصورة التي وضعها على تصميم الغلاف، والتي تدل على الخسارة فعلاً، وذلك لما تحمل تقاسيم شكله من معاني الندم والخسران.

 

جعفر جون

 

1040 mamdohعن دار بتانة للنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية (هفوات صغيرة لمغيِّر العالم) للكاتب ممدوح رزق. تقع المجموعة في 94 صفحة، وتضم 31 قصة قصيرة كُتبت على مدار الثلاثة أعوام السابقة.

من سطور الغلاف الخلفي للمجموعة: "لكن البقاء في البيت لن ينقذني من تلك اللحظات النادرة التي أخرج خلالها فأجدني دون انتباه أحاول تبادل دعابة صغيرة مع بائع الجرائد مثلما كنت تفعل مع العامل أمام ماكينة عصير القصب في ظهيرة الثمانينيات.. لن ينقذني من تجهم بائع عصير القصب الذي امتد عبر ثلاثين سنة ليستقر في وجه بائع الجرائد.. لن ينقذني من الحرج النادم الذي كان يخفض رأسك وأنت تسير مبتعدا، كأنك تحاول تثبيت إيمانك بأن طعم القصب هو كنزك الوحيد من الدنيا مثل صفحات القصص القصيرة التي أعود بها إلى منزلي.. البقاء في البيت لن ينقذني من احتضارك وموتك يا أبي".

ممدوح رزق كاتب وناقد مصري. صدرت له العديد من المجموعات القصصية والشعرية والروايات والمسرحيات والكتب النقدية كما كتب سيناريوهات لعدة أفلام قصيرة. حصل على جوائز عديدة في القصة القصيرة والشعر والنقد الأدبي. ترجمت نصوصه إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية. ويستعد لإصدار كتابه النقدي الجديد (هل تؤمن بالأشباح؟) الذي يتضمن قراءات في كلاسيكيات القصة القصيرة.

moamar habarلأول أرى وأشتري وأقرأ كتاب "عائشة الصديقة بنت الصديق"، لعباس محمود العقاد، الطبعة الأولى، دار الصحوة، القاهرة، مصر1437 هـ - 2016، من 98 صفحة. وجاء في الفصل المعنون بـ " المرأة العربية"، صفحات 3- 13، أن قبيلة بني تيم من أفضل القبائل في احترام المرأة، وكانت تقوم على الخصال والمكارم وليس على البأس والإكراه، وهي القبيلة الني نشأ فيها سيّدنا أبي بكر رحمة الله عليه ورضي الله عنه وأرضاه أب سيّدتنا عائشة أم المؤمنين، رحمة الله عليها، ورضي الله عنها وأرضاها. وقد عرف عن سيّدنا أبي بكر احترامه للمرأة وغيرته على بناته، ومنها أمنا عائشة. وتعلمت أمنا عائشة القراءة والكتابة التي لم يكن يتعلمها من نجباء الأبناء في بيوت السادة إلا القلة المعدودة.

وفي الفصل المعنون بـ "المرأة المسلمة"، صفحات 15- 20، جاء فيه أن الإسلام جعل احترام المرأة عام يشمل كل النساء وليس للأحرار والسيدات فقط. والإسلام جعل البر بالمرأة مقياس المفاضلة بين أخلاق الرجال، وعنوان المنافسة في طلب الخير والكمال. وكان بره صلى الله عليه وسلم بمن مات من أزواجه أكرم من بره بمن يعشن معه ويراهن كل يوم، حتى أن أمنا عائشة تغار من أمنا خديجة وهي في قبرها أشد من من غيرتها من زوجاته اللواتي يعشن معها في كنفه، لأنها نشأت في قبيلة تيم الذين اشتهروا بلطف الرجال ودلال النساء، وقد لقيت أمنا عائشة عند سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحظوة التي لم تلقها واحدة من النساء.

وفي الفصل المعنون بـ "المرأة الخالدة"، صفحات 21- 30، يقول: إجتمعت لأمنا عائشة خلاصة الرعاية في آداب أمة من الأمم، وكتبت لها خلاصة الرعاية في دين من الأديان والتي اشتركت في سيرة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقلت أحاديثه، وهي التي تلقى الأعقاب عنها مئات الأحاديث التي عرفوه بها في دينه ودنياه. وغيرة أمنا عائشة عادية جدا كشأن جميع النساء. وكان غضب النبي من غيرتها غضب تأديب وتهذيب لا غضب سخط وتأنيب. وأمنا عائشة هي تلك المرأة المعجبة بأنوثتها، والزوجة المعجبة بزوجها، والتي تغار وتتزين له، وهي حواء التي تحب أن ينظر زوجها إلى زينتها، وهي أم المؤمنين التي تحب أن ينظر الله إليها، فهي تطمح إلى زينة أعلى وأغلى.

 وفي الفصل المعنون بـ "عائشة"، صفحات 31- 43، يقول: كانت موفورة النشاط كأبيها وكانت حادة الطباع كأبيها، لكن لم تلازمها الحدة كما لازمت أباها لحاجة إليها في سياسة الناس. وقد سامحت سيّدنا حسان بن ثابت حين عاتبها في حادثة الإفك، ما يدل على مكانتها وأنها لا تحمل الضغينة لأحد. وكرم أمنا عائشة أقرب إلى النجدة منه إلى السخاء، وفيه آمال من أبيها العظيم. وكانت تشتري وتعتق المرأة المظلومة. واشتهرت بالكرم والإحسان إلى مستحقيه، وقد كانت بنت أبيها في أكثر من خصلة واحدة. وأكثر ما نقلت عن أبيها الصدق، ولم تنقل حديثا مشبوها، وكانوا يروون عنها الأحاديث ويقولون: حدّثتنا الصديقة بنت الصديق. وشابهت أباها في الذكاء المتوقد والبديهة الواعية. والحفظ والفهم ملكتان معروفتان للسيدة عائشة. وروت أكثر من ألف حديث، ومما يروي الثقات أنها كانت تحفظ وتفقه وتفسر. ولا ريب أنها كانت تقتدي بأبيها في حفظ الأخبار والأنساب. و قد عرف المسلمون الكثير من أمر نبيهم وأمر دينهم من أحاديث أمنا عائشة عن زوجها المحبوب صلى الله عليه وسلم. وكانت شغوفة باستطلاع أحوال الأمم كافة. ومن أعظم المصائب التي أصابت المسلمين بعد إلتحاق سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هي مصيبة موت أمنا عائشة.

وفي الفصل المعنون بـ "زوج النبي"، صفحات 45- 66، يقول: خطب سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمنا عائشة وهي ما بين 12 و15 سنة، وقد خطبها من قبل جبير بن مطعم وكان يومها على شركه. وحدثتنا أمنا عائشة عن تفاصيل حياتها، لكنها لم تحدثنا أبدا وحشة الانتقال من بيت إلى بيت ومن معيشة إلى معيشة، ومن ظل أبوين إلى زوج. وكان الصحابة يؤخرون هداياهم إلى سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يكون في بيت أمنا عائشة. وكانت سيّدتنا فاطمة رحمة الله عليها ورضوان الله عليها تحب أمنا عائشة، لأن سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب عائشة، وهي تحب ما يحب الأب. وكانت أمنا عائشة أشد غيرة عرفتها امرأة على زوجها. ومرد روايتها لأحاديثه صلى الله عليه وسلم إلى أنه أكثر تحدثا إليها وارتياحا إلى مجالستها ومسامرتها. وكان سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يهيؤها أن تكون سفيرة لأبناء المسلمين والعالمين. وأصبحت تعي من سنن النبي في المسائل النسائية وغير النسائية حتى احتاج الرجال أن يسألوها. ولم تكن تسكت عن سنة مطلوبة ولو كانت من أخص الأمور التي تسكت عنها النساء، لأن سكوتها حينها ضياع للدين. وتجيب وتفصّل في السنن لأنها فريضة الأمانة وضريبة الوفاء.وكانت من أسعد الزوجات، وغضب رسول الله منها إثر حادثة الإفك كان غضب عادي لأنه كان يغضب من نسائه. وحادثة الإفك لم يكن لسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أمنا عائشة دخل فيه، إنما كان ابتلاء للحب الذي جمعهما وعطفه صلى الله عليه وسلم عليها. وحب سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها عوّضها نقص الولد فلم تعد تطلبه، وحرمانها الولد لم يؤثر على علاقتها الزوجية. وعلاقة أمنا عائشة بسيدتنا فاطمة الزهراء على أكمل ما ترضاه السجية، فالسيدة عائشة والسيدة فاطمة شريكتان في قلب واحد ولكنها شركة بين كريمتين. فالصلة بين أمنا عائشة وقرابة سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت صلة الأدب والتجمل والمجاملة.. وحفظت من سنن النبي وتعليم النبي مالم يحفظه أحد، وحفظ عندها النبي أغلى الودائع من بعده: صحف الكتاب وسنته المشروعة لتابعيه.

وفي الفصل المعنون بـ " بعد النبي"، صفحات 67- 70، يقول: عاشت أمنا عائشة 10 سنوات مع سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم و 46 سنة بعد التحاق سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، وماتت في السبعين من عمرها، ودفن سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها وفي زيارتها، وفي المكان الذي كان ينام فيه. وقد كانت تزوره زيارة الأحياء وكذلك حين توفى سيّدنا أبي بكر وحين دفن سيّدنا عمر، ولبست الحجاب حينها وهي تزوره. وكانت المرجع الأول فيما حفظ من آي القرآن والأحاديث والسنن. وكانت في حدة نفسها ورفعة مكانها لا تقبل الفراغ. وكان الخليفة أبي بكر يدعوها بأم المؤمنين.

وفي الفصل المعنون بـ " في السياسة العامة"، صفحات 71- 88، يقول: رفضت أمنا عائشة بعد التحاق سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى أن تعيش الفراغ، لأنها كانت لها حدة نفس ورفعة مكانة لا تقبل الفراغ. ونشأت عزيزة في أهلها وذويها، عزيزة في بيت أبيها، عزيزة في أعز البيوت العربية بعد زواجها. كانت تنكر الثراء المتزايد على الصحابة الأجلاء. لجأ إليها كبار الصحابة كما كانوا يلجؤون إليها في العلم والحديث والفتوى. وكانت تنتقد علانية الوضع في عهد سيّدنا عثمان. وبنو أمية قتلوا أخ أمنا عائشة محمد بن أبي بكر حين دخلوا مصر ومثّلوا به أبشع تمثيل وجعلوه في جوف حمار ميت وشووه. واضطرت إلى الدخول إلى معترك السياسة. وسيّدنا علي يناديها: أي أمه، وأمنا عائشة تناديه: أي بني. وكانت كلما خاض الناس في حديث الجمل تبكي حتى تبل ثيابها. وكانت تقول عن سيّدنا علي إنه صوام قوام، وإنه أحب الناس إلى سيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بقيت الإشارة أن صاحب الأسطر احتفظ في مسودته بجملة من الملاحظات السلبية والإيجابية حول طريقة عرض العقاد للتاريخ وللشخصيات، كان ينوي في البداية أن يطرحها، لكن في الأخير فضل تأخيرها إلى حين.

 

معمر حبار 

الشلف - الجزائر

 

 

adnanhusan ahmadصدر عن "دار الفارابي" ببيروت كتاب جديد للدكتور حسن البياتي يحمل عنوان "مقدمات وإشارات تعريفية بآثار إبداعية ومعرفية"، وقد وزّع الباحث موادَ كتابه على قسمين أساسيين وهما "الآثار الإبداعية" وعددها 16 أثرًا، و"الآثار  المعرفية" التي بلغ عددها 12 أثرًا. وعلى الرغم من غِنى هذه المقدمات وكثافتها إلاّ أنها لا تعوِّض المتلقي عن قراءة النصوص الأصلية. فأي مقدمة مهما اتسعت لا تمثل إلاّ العُشر الناتئ من جبل الجليد، أمّا التسعة أعشار فتظل غاطسة في الأعماق وتحتاج إلى قارئ عضوي يتجشّم عناء الغوص والمغامرة والاستكشاف. لا تحتاج أي مقدمة مُحْكمة سوى أن تضع القارئ في الفلك الذي يدور حول ثيمة الكتاب، والغاية الأساسية التي دفعت مؤلفه لإنجازه، وكلما كانت المقدمة موجزة، ومستوفية لشروطها كانت الفائدة أعمّ وأشمل لأنها تضمن بقاء القارئ في المدار الصحيح الذي يتمحور حول الفكرة المركزية لأي عمل إبداعي أو معرفي.

يحظى الجانب النثري في القسم الأول من الكتاب بحصة الأسد فهناك روايات، ونوفيلات، وقصص ومسرحيات، وحكايات أسطورية، وبالمقابل هناك جانب شعري يرصد عددًا من الأشكال والمضامين الشعرية المتنوعة، كما لا يخلو هذا القسم من إلتماعات نقدية يمكن تلمّسها في غالبية هذه المقدمات. لو تفحصنا المقدمة الأولى التي كتبها عن رواية "أولئك الذين تحت" للروائي المكسيكي ماريانو أثويلا Azuela لوجدناها طويلة مُسهِبة لم يُمسِك فيها البياتي بالفكرة المهيمنة التي يتردد صداها على مدار الرواية، كما أن ترجمة العنوان ضعيفة لأنها تخلو من الإشراقة المجازية التي تمنح النص هيبة إضافية. بينما يحيط البياتي في "طيور الشمس" بالثيمة الرئيسة للنوفيلا التي كتبها الروائي الروسي نيكولاي بالايف، ويدحض لنا بالدليل القاطع أن طيور الشمس الجاثمة في موطن الأسرار الخفية "لا تشتّي، بل تغادر مكانها، وتطير مُهاجرة إلى الجنوب"(ص29).

يركِّز البياتي في مقدمته التي كتبها عن رواية "زَبَد الحديد" للروائي الروسي إيفان أوخانوف على بطل الرواية الذي عاد من الجبهة فاقدًا لنعمة النطق والسمع إثر انفجار هائل لكنه لم يفقد حيويته، فقد ظل حدّاد القرية وحصّادها وبنّاءها في آنٍ معا. أما نوفيلا "الحاجز" للروائي البلغاري بافل فيجينوف Vezhinov إضافة إلى "الحِرْذَون الأبيض" و "الأبعاد" فتحمل نكهات غير مألوفة، كما يذهب البياتي، ويضيف بأنها تمزج "الواقع بالخيال، والمعقول باللامعقول، والحقائق العلمية بالتصورات الميتافيزيقية"(ص41). يؤكد البياتي بأن فيجينوف يستعمل الفنتازيا كأسلوب فني يُثري العمل الإبداعي.

تتكئ نوفيلات فاديم شيفنر الثلاث وعلى رأسها "اللغز المغلق" على الفنتازيا، وتعتمد على الخيال العلمي الواسع، آخذين بنظر الاعتبار أن هذا الروائي الروسي يميل في كتاباته إلى التحليل العميق لأمزجة الناس وسلوكهم وطباعهم. أما الروائي الأوزبكي فلاديمير باراباش فيكتب نصوصًا تعليمية غير مباشرة لكنها مفعمة بالتشويق وروح المغامرة. تتجلى الثيمة واضحة في مسرحية "لا تقلقي يا أمي" للجورجي نودار دومبادزه حيث يأتي تيموراز مع جده إلى "تبليسي" لتأدية امتحان القبول في كلية الطب لكنه يفشل فيمكث في العاصمة بينما يعود الجد إلى القرية خجلاً من هذا الحفيد الذي خيّب ظنّه. ثمة مسرحيات أخرى انضوت تحت عنوان "سوق الطيور" لكَريكَوري كَورن وأركادي أركانوف تتسم بالفكاهة لكنها لا تخلو من العنصر التراجيدي فضلاً عن نفَسها الانتقادي لظواهر اجتماعية في الحقبة السوفيتية.

تتضح اللمسة النقدية للبياتي في مقدمته التي كتبها لديوان "باب اليمن" للشاعر سالم عوض رموضة حيث توقف عند بعض السمات الشعرية في تجربته مثل بساطة التعبير، ووضوح الفكرة، وسلاسة اللغة . كما تكتمل صورة الناقد في مقدمته لكتابه الموسوم "وجوه بصرية" الذي كتب رباعياته على بحر عَروضي واحد هو "الرَمَل"، أما الشكل الشعري فهو "التفعيلة" وقد التزم الشاعر القافية في الرباعيات جميعًا مع استثناءات محدودوة عاد فيها إلى نظام الشطرين.

تكمن أهمية هذا الكتاب في تنوع أجناسه الأدبية التي أشرنا إليها آنفًا، وها هو الباحث يتوقف من جديد عند كتاب "حكايات أسطورية من جزيرة القرم" الذي يضمّ بين دفتيه 34 حكاية مجهولة ما عدا حكاية واحدة كتبها مكسيم غوركي. وكالعادة فإنها تتسم بالعفوية، والعجائبية، والمبالغة لكنها محبوكة ضمن أنساق جمالية وفنية.

تتسم بعض المقدمات بقِصرها وكثافتها لأنها مخصصة لبعض المجلات والدوريات العراقية مثل "الثقافة الأجنبية"، "وآفاق عربية"و "صوت الجامعة" التي احتفت بنشر نتاجات أدبية مُترجمة مثل "قصائد حُب" للشاعرة الأرمنية سيلفا كابوتيكيان، وخمس قصائد للشاعرة البلغارية ليليان ستيفانوفا، وقصيدة "آثار على الرمال" للشاعر الروسي سيميون كيرسانوف حيث تشترك الأولى والثانية بحب الوطن وتمجيده، فيما يتصف الثالث بحذاقة لغوية خفّت حدّتها بمرور الزمن لكنها ظلت موشحة بموتيفات فلسفية ووجدانيةلافتة للنظر.

مثلما فاجأنا الشاعر حسن البياتي بالجيولوجي نيكولاي بالايف الذي تألق في "طيور الشمس" رغم أنه ليس كاتبًا متفرغًا، ها هو يفاجئنا ثانية بميخائيل تشيكوف، الشقيق الأصغر لأنطون تشيخوف، القاص والمترجم الذي كتب قصة "الإثم" التي لا يمتلك القارئ سوى أن يتعاطف مع مضمونها الإنساني الذي يدعو إلى الخير والمحبة.

أما القصة الأخيرة فهي "إبريق الشاي" للكاتب الروسي يوري كوفال الذي حقق شهرة واسعة في أدب الأطفال لما يتوفر عليه من أسلوب تهكمي يذكِّرنا بالسخرية التشيكوفية اللاذعة.

يقتصر القسم الثاني من الكتاب على 12 مقدمة بعضها لأبحاث وكتب بقلم المؤلف، وبعضها الآخر لباحثين آخرين حيث يدرس البياتي بعض "المواقف المناوئة للحرب في الشعر الجاهلي"، فهناك شعر جاهلي يندد بالمناوشات، ويستهجن الحروب ليصل الباحث في خاتمة المطاف إلى وجود شعر جاهلي يعكس روح المحبة والسلام.

يدرس البياتي ويحقق في رسالة شاهد عيان و"قصيدة بصرية" تتمحور على حصار مدينة البصرة من قِبل عساكر العجم الذين بطشوا بالمواطنين الأبرياء، كما تصور القصيدة دفاع البصريين عن قلعة مدينتهم طوال مدة الحصار الذي دام أربعة أشهر. وبما أن القصيدة مكتوبة باللهجة العامية، وتنتمي إلى الفترة المظلمة فلاغرابة أن تكتنفها الأخطاء اللغوية والعروضية.

ينطوي الكتاب على إشارات تعريفية أيضًا فأحد أبحاث الدكتور الروسي فيكتور ليبيديف مكتوب بقلم الباحث نفسه الذي يتحدث عن "قصة مجهولة في التراث الشعبي العربي في القرون الوسطى" وهي قصة "طلحة وتحفة" وثمة قصة حب أخرى يعتقد الباحث أنها مجهولة وهي قصة "الوليد وسلمى"، بينما يثبت البياتي عكس ذلك، فالقصة الأولى نُشرت عام 1956 في المجلد الأول من كتاب "الحكايات العجيبة والأخبار الغربية"، والثانية كانت في طريقها إلى الملجد الثاني.

ثمة دراسات أدبية ثلاث كتب الباحث مقدمتين لإثنتين منها وترجم المقدمة الثالثة التي كتبها سانتوس نفسه حيث يتناول في الأولى "أدب الشباب" الذين برزوا في النصف الثاني من القرن العشرين. أما الدراسة الثانية فهي مكرّسة لتطور الأدب الفليبيني منذ نشأته حتى الوقت الحاضر. فيما تتمحور الدراسة الثالثة على الأدب الآسامي- الهندي. هناك مقدمة وافية لكتابي "رسائل ثقافية" و "كتبوا عني"، وثمة مقدمة مهمة عنوانها "الصرح الترجمي للدكتور علي جواد الطاهر"، إضافة إلى المقدمة الأخيرة التي كتبها البياتي عن "ريادة المستشرق كراجكوفسكي في دراسة الأدب العربي الحديث". الذي أثبت أن هناك أدبًا عربيًا حديثًا يستحق الاهتمام"(ص251).

 

عدنان حسين أحمد

 

haseeb shahadaرفائيل بولس بولس، كفرياسيف بين أصالة الماضي وروعة الحاضر، طبعة ثانية جديدة مُنقحة ومزيدة. أيار ٢٠١٢، كفرياسيف: طبع في تخنوجراف، وجدي حمزة، 4828369-050، ٤٣١ ص.، وزهاء المائة صورة لشخص، لمكان، لوثيقة، أمّا الطبعة الأولى فكانت قد صدرت في تشرين الأول من العام ١٩٨٥، عكا: مطبعة رحمون، وكان ذلك من إصدار قسم المعارف في مجلس كفرياسيف المحلي، ٢٨٥ص.

إنّ إصدار مثل هذه الكتب عن مدن وبلدات وقرى فلسطينية بعامّة، وداخل الخطّ الأخضر بخاصّة، لأمر في غاية الأهمية قوميًا وتاريخيًا وثقافيًا، من أجل إثراء الذاكرة الجمعية والحفاظ عليها على مرّ  العصور والأجيال. قد يكون هذا الكتاب الضخم  قيد المراجعة، من أوائل هذه المؤلّفات، وحبّذا السيْر في الطريق ذاته، إذ أنّ السِّيَر الذاتية والذكريات أو المذكّرات رغم أهميتها، لا تفي بالهدف الجمعي المنشود. في أسفل الغلاف المقوّى الأيمن، أُثبتت هذه القطعة الشعرية اللطيفة للمؤلِّف بولس، وهي مقتطعة من قصيدة، يرثي فيها رئيس مجلس محلّي كفرياسيف، ينّي قسطندي ينّي (١٨٩٥-١٩٦٢ ورئيس من عام ١٩٣٤وحتى وفاته؛ هنالك كتيّب بهذا الخصوص، لا ذكر له عند بولس وهو: نمر مرقس، يني قسطندي يني ١٨٩٥-١٩٦٢، رئيس مجلس كفرياسيف المحلي ١٩٣٤-١٩٦٢ ورئيس الجبهة العربية الشعبية ١٩٥٨-١٩٦٢، مجلس كفرياسيف المحلي ١٩٨٧، ٥١ ص.)

                  ”لا تدعوا الشمس في بلدي تغيب

                  بل دعوا الهلال يعانقه الصليب

                  واجعلوا الطير حبيبًا للشجر

                  ليصدح الصادي ويشدو العندليب“

تتوزّع صفحات هذا الكتاب شِبه الموسوعي على اثني عشر بابًا رئيسيًّا، بدون ذكر أبواب فرعية وما أكثرها، وبدون إحالة للصفحات (أنظر ص. ٤٣٠) وهي: كفرياسيف عبر التاريخ ص. ١-٦٠؛ الوضع الجغرافي ص.٦١-٨٤؛ السكان ومصادر الرزق، ص. ٨٥-١٨٨؛ طرق المواصلات ووسائل الإعلام والاتصالات، ص. ١٨٩-١٩٤؛ الحكم المحلي، ص. ١٩٥-٢١٧؛ نهضتنا الأدبية العلمية الفنية والرياضية، ص. ٢١٩-٣٠٤؛ الأماكن المقدسة ورجال الدين، ص. ٣٠٥-٣٣٣؛ المرأة في كفرياسيف ومركزها الثقافي، الاجتماعي والسياسي، ص. ٣٣٥-٣٥٠؛ حركات ولجان وجمعيات أهلية وعامة، ص. ٣٥١-٣٦٤؛ شؤوننا الصحية، ص. ٣٦٥-٣٧٠؛ كفرساويات، ص. ٣٧١-٣٩٠؛ أحلى الكلام، ص. ٣٩١-٤١٧. من عناوين الفصول الفرعية للباب الأّول فقط ننوّه بـ: كفرياسيف موطن القمر، ٤-١٤ (كفر سين/ياسين = كفر القمر؛ وفي هذا نظر)، كفرياسيف العاصمة، ١٥-٢٠، كفرياسيف وثورة ١٩٣٦، ٢٠-٢٣، ثورة عكوز، ٢٣-٢٥، أّول حريق متعمّد من السلطة، ٢٦-٢٧، كفرياسيف عشية الاحتلال الإسرائيلي سنة ١٩٤٨، ٢٨-٣٠، سقوط كفرياسيف سنة ١٩٤٨، ٣٠-٣١، نظام الحكم العسكري، ٣٢-٣٤، النشاط الحزبي والنقابي، ٣٤-٣٩، جبهة كفرياسيف الديمقراطية للسلام والمساواة، ٤٠-٤٣، شخصيات هامة زارت القرية، ٤٣-٤٧، حادثة الرابع عشر من نيسان سنة ١٩٨١، ٤٧-٥٠، باب الأوائل، ٥١-٥٦. لا ريب في أنّ إثبات عناوين مثل هذه الأبواب الفرعية أو الثانوية، تسهّل على القارىء الوصول إلى مبتغاه، وخصوصًا في غياب الفهرست. 

اعتمد المؤلّف السيّد رفائيل (رفّول) بولس بولس، حامل الشهادة (أفضل من  لفظة ”اللقب“ إذ هو انعكاس calque للفظة  תואר وهو غير مفهوم في الدول العربية) الجامعية الأولى في اللغة العربية وآدابها، وتاريخ الشرق الأوسط من جامعة حيفا عام ١٩٨٢(عمل مدرسًا ومرشدًا لموضوع الموطن مدّة طويلة، ومديرًا للمركز الثقافي في كفرياسيف بين السنتين ١٩٧٢-٢٠١١)، في إعداد هذا العمل الهامّ، على نوعين من المصادر، المكتوبة والشفوية. في المصادر المكتوبة بالعربية هناك ذكر لـ ٢٥ كتابًا، وتسع كرّاسات و ١١ من صحف ومجلات ومنشورات وتقارير ورسائل؛ في المراجع العبرية هناك ٢٩ مصدرًا؛ وفي المراجع الأجنبية ذكرت عشرة مراجع. في المصدر الشفوي اتّكأ بولس على ما جمعه من معلومات وآراء وذكريات من خلال مقابلاته لسبعة وستّين شخصًا، منهم ثلاث عشرة امرأة (حبّذا إدراج الأسماء وَفق اسماء العائلة، كما هي العادة في الأبحاث، والأمر ذاته ينسحب بصدد قوائم المراجع المكتوبة، كما أنّ لذكر العمر أهمية، ص. ٤١٧-٤١٩). ويجدر هنا التنويه بثلاثة مصادر هي بمثابة مفكّرات وهي: بقلم الخوري أنطونيوس (المعروف بطنّوس) عبد الله خوري، كفرياسيف ١٩٤٥؛ فوزي عبد الله خوري، كفرياسيف ١٩٦٢ ومبدا عيسى فرحات، مذكرات ثورة عام ١٩٣٦، بدون تاريخ. أرى أن هناك فائدة في إصدار مثل هذه المفكّرات بعد تدقيقها لغويًا،  وحبذا لو سعى المجلس المحلي لتحقيق هذه الأمنية وبيع النسخ المطبوعة، لا توزيعها مجانًا، ومن ثمّ تخصيص ميزانية لنشر ما يكتب عن كفرياسيف.

لا  شكّ أن السيّد رفول بولس قد قام بجهد مُضن مشكور، وأمضى وقتًا طويلًا في إعداد هذا الكتاب عن بلدة، تستحقّ مثل هذا الجهد وهذا الوقت وأكثر. كفرياسيف، هذه البلدة الجليلية العريقة، يعود تاريخها إلى حوالي خمسة آلاف عام، إلى الحقبة الكنعانية الفينيقية؛ وقد ذكرت في العهد القديم في سفر يهوشع ١٩: ٢٩ تحت اسم חֹסָה أي حوسه أو حوصه بمعنى الملجأ، وقد وردت في الترجمة اليونانية  السبعينية Septuagint بلفظة ”يسف“، وسمّاها المؤرخ اليهودي يوسيف بن متتياهو المعروف بيوسيفوس فلاڤيوس (٣٧/٣٨-١٠٠م) باسم ”عكّا“.  في الأدب اليهودي الربّاني أُطلقت هذه الأسماء: ياسيف، يسوف، كفار يشيب، كفار يتصيب. وُجد في كفرياسيف نقش باليونانية، يشكر فيه ديئودوتوس بن نيئوفطوموس، باسمه وباسم زوجته وأولاده، إلهين سوريين، هما هدد/حدد/أدد وعترجته ويقيم على شرفهما مذبحًا (على ما يبدو في منتصف القرن الثاني ق.م).

أُسس في كفرياسيف أوّل مجلس محلي في فلسطين، وكان ذلك في الأول من تشرين ثان عام ١٩٢٥، بأمر من المندوب السامي آنذاك،  كولن تشارلز بلومر (١٨٩٥-١٩٧٣, Colin Charles Blumer)، وشمل سبعة أعضاء، ومن ضمنهم الرئيس الذي كان يعيّنه حاكم اللواء (أنظر صورة فوتغرافية لوثيقة التأسيس، ص. ٢١٧) ينتخبون لمدّة سنتين من الذكور البالغين عشرين عامًا فما فوق برفع اليد (سأنشر هذا الأمر/المرسوم قريبا). كما وتمتاز كفرياسيف بمدرستها الثانوية العريقة، مدرسة ينّي ينّي، التي خرّجت، وما زالت تخرّج الأجيال تلو الأجيال، وتتبوّأ كفرياسيف مركزًا مرموقًا، من حيث نسبة الأكاديميين فيها. في الفترة العثمانية تركّز اقتصاد القرية على زراعة الزيتون والقطن. سكن القرية في أواخر القرن التاسع عشر ما بين ٣٥٠-٦٠٠ نسمة، ربعهم من المسلمين والباقي أرثوذكس، في العام ١٩٢٢ وصل العدد إلى ٨٧٠ نسمة، وفي العام ١٩٤٥ إلى ١٤٠٠، ٣٥٠ مسلمًا و ١٠١٠ مسيحيين و٤٠ درزيا.  مساحة البلدة ٢٥٦٠ دونمًا، أراضيها ٦٨٦٠ دونما، مسطّح البناء ١٨٦٠ دونمًا، وعدد سكّانها زهاء العشرة آلاف.                                                     

كلّ ذي تجربة في إجراء أبحاث ميدانية، تعتمد جزئيًا على استبيانات يرسلها الباحث للمعنيين،  يعي جيدًّا مدى صعوبة الأمر في مجتمعنا العربي. التجاوب، في الغالب الأعمّ، يكون، في تقديري المتواضع، ضئيلًا وغير مشجّع، وآمل أن يكون السيّد رفّول قد كان محظوظًا في هذه الجزئية (أنظر نداءه على ص. ٥، ٢٩٤، للأسف لم يصلني ولم ينمُ إلى مسامعي، ولذلك فاحتمال ظهور عدم الدقّة يكون قائمًا في حالات معيّنة). هذا الواقع قد يفسّر الإسهاب في مواضعَ معيّنة والاختصار في حالات أخرى لشُح في المعلومات. قد يختلف بعض الكفارسة وبعض المختصّين حول نقاط معيّنة وردت في الكتاب، مثل سبب تسمية كفرياسيف بهذا الاسم، فالرأي السائد هو على اسم المؤرخ اليهودي يوسيف بن متتياهو المعروف  بيوسيفوس فلافيوس، الذي تسلّم البلدة هدية من القيصر إسپسيانوف؛ في موضوع الأوائل، تاريخ وجود اليهود في البلدة (ص. ٨، أنظر http://www.e-mago.co.il/Editor/history-3180.htm، http://www.news1.co.il/Archive/0024-D-117132-00.html) ؛ ينّي ينّي أطلق على نفسه اسم أبي محمد لحماية نفسه من الثوار، ص. ٢٤؛ وصول عدد اللاجئين في قرية يركا عند الاحتلال إلى ١٦ ألف نسمة، ص. ٣٠، قائمة انتقائية على الصفحة ٢٢٥  إلخ. إلخ. عصام حليم شحادة الكفرساوي هو أوّل من أجرى زرع كلى في لبنان في سبعينات القرن العشرين، وزوجته هي لميا رستم شحادة.  وهذا الاختلاف أمر صحّي وطبيعي فالمصادر مختلفة وطرق التحليل والتفكيك والاستنباط لدى الناس متباينة في الكثير من الأحيان. إمكانية الاختلاف والنقد البنّاء يجب ألا يٌُفسدا للودّ قضية، إذ أنّ الكلمات الفضفاضة والمديح المطلق والضحالة وما أكثرها، هي بمثابة آفة في المجتمع العربي ينبغى استئصالُها. في النقد العلمي لا مكان للمجاملات واللهث وراء التصفيق الرخيص. وقد دهُشت عند قراءتي بأنّ فاضل عبد النبي (يهودي عراقي)، الذي يعرفه أبناء جيلي وآخرون، والذي داوى مرضى البلد مدّة طويلة لم يكن طبيبًا بل مضمّدًا (كانت الناس عايشة عَلْبركه، ص. ٢٨٦). وقد أحببت بشكل خاص قراءة الباب الحادي عشر، وهو بمثابة طرائفَ ونهفات، وقد أضاف المؤلِّف صفحات كثيرة هنا مقارنة بما في الطبعة الأولى.

من خلال قراءتي للكتاب لاحظت بعض الهفوات اللغوية (وأخرى)، التي بالطبع لا تنقص من قدره المضموني، ولكنها لا تضيف في سمعته، وأملي وهدفي أن يتمّ تفاديها في الطبعة الثالثة. أعيد وأكرّر ما ناديت به في مناسبات كثيرة: لا بدّ من وجود مدقّق لغوي لدى كل دار نشر تحترم عملها، وعلى المؤلّفين التوجّه للمدقّق قبل تسليم العمل للمطبعة بالرغم من تأكّدهم من معرفتهم اللغوية الجيّدة. عين الآخر ليست كعين الكاتب.

أوصيكم بأن تتسربلوا ثوب المحبة، ص. ب؛ فلافيوس ثار ضد الرومان عام ٧٠ م وليس ٧٠ ق.م، ص. ٢؛ منع بيع أراضي عربية لليهود، ٢٠؛ أنهم مستعدون أن يعطوهم التساريح للعمل، ٣١، ٣٢، ٣١٦، ٣٢٥؛ راجع الإتحاد الأحد 25 آذار ص. ٤ ملحوظة، أية سنة؟، ٤٥؛ 6860 دونم، ٦٨؛ خريطة كفرياسيف الحاضر، ٨٠؛ ودعيوا في الماضي أيضًا بآل أحمد، ٩٨؛ بنادورة أم بندورة هي اللفظة الشائعة في كفرياسيف، ١١٦، ١٦٠؛ عن ثمن ذبيحة أو مبلغًا من المال، ١٣٠؛ من نذر منهم نذرًا عليه أن يوفيه، ١٤٥؛ ويقوم المآجرون بحضور الجنازة، ١٥١، ١٥٢؛ ص. ١٥٣ س. ٢؛ ويصيب بالعين يدعى الغائن (أراد: العائن) ١٥٣؛ مساحتها 60 دونم مع أرض البستان، ١٥٧؛ 30 دونم، ١٥٩؛ كل من يجدوا معه السجائر، ١٦٠ ملحوظة ١١٦؛ لتصبخ ص. ١٦٥ ملحوظة ١٢٥؛ محل دار عماد نبهان شحادة، ١٦٦؛ يوضع ردف فخار، ١٦٨، ١٧١، ١٧٤؛ يعتبر من متيسّري الحال، ١٧١؛ (الغير صافي)، ١٧٣؛ أن تكون (ماء النار)، ١٧٣؛ ص. ١٧٤ ملحوظة ١٤٠ وثائق؛ مواشي، ١٧٨؛ جريس يوسف شحادة، بدلا من يوسف جريس شحادة، ١٩٢؛ ص. ٢١٩ ملحوظة ٥  لا ذكر للصفحة وهي ٢٩٨؛ وخاصة المسيحيين منهم الكثير، ٢٢١؛ حوالي 700 طالبًا،  600 طالبًا، ٢٢٣؛ 500 طالبًا، ٢٢٤؛ 6000 كتابًا، ٢٢٧؛ قصة بعنوان ”رجل سلام“ التي سيحوّلها، ٢٥٤؛ من نفتات قلمه، ص. ٢٥٥؛ هل د. بطرس دلة تخرّج من كلية التربية في الجامعة العبرية؟ ٢٥٥؛ 4500 أستاذًا، ٢٥٦؛ ما كتب عن النتاج العلمي  لكاتب هذه السطور في. ص. ٢٥٧-٢٥٨ غير دقيق ولا يعوّل عليه علميًّا؛ الملحوظة الهامشية في ص. ٢٦٢ لا إحالة لصفحة ٢٩٩؛ منذ تأسيه، ٢٦٨؛ الخمسمائة عضوًا، ٢٧٠؛ ضرورة الإحالة لمصدر حول نسبة الأكاديميين في كفرياسيف ص. ٢٧٩ (ربّما يجب التطرق لظاهرة رواج سوق ابتياع الشهادات الأكاديمية)؛ هناك من يقول إنّ حبيب الخوري هو أوّل طبيب فلسطيني، ٢٨٠؛ ملحوظة في ص. ٢٨٤ بدون إحالة لموضع رسالة نقولا زيادة وهي ص. ٤٢٤، قل الأمر ذاته بصدد ملحوظة ص. ٢٨٧ ولا ذكر للكتاب في الببليوغرافيا؛ في بعض الأحيان لا يرد الاسم الثلاثي وهذا لا يسهّل التعرف على هوية المقصود، ص. ٢٨٨، ٢٩٢؛ (قاضي مسجل)، ٢٩١؛ ربما أن الحجر أُعِد من مكانه، ٣٠٦؛ وروضة أطفال ونادي، ٣٠٦؛ حتى تقاعد، ٣٠٩؛ حبذا لو ذكرت الجمعية المسيحية الكفرساوية التي بدأت أعمالها منذ العام ١٨٩٣ لغاية ١٨٩٨، ص. ٣١٦، ٣٣٢-٣٣٣ (أنظر مثلا: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=107168، وهناك حاجة ماسّة لبحث ما في المخطوطات الأخرى من معلومات عن كفرياسيف مثلا تلك المحفوظة في مكاتب الكنيسة الأرثوذكسية)؛ أما قبل تأسيسها كان هناك، ٣١٧؛ ملحوظة ٣٤ في ص. ٣١٨ أين؟؛ لقب كنن، ٣٢٤؛ سنة 1870 او 1983، ٣٣٥، ألم تكن السيّدة زادة جرمس شحادة أول فتاة حصلت على شهادة الـ B.A. من الجامعة العبرية في اللغة العبرية والتاريخ؟، ٣٣٥؛ 52.8.1985، ٣٤٤؛ إلى كونه مربٍ ومرشد ومدير، ٣٤٦؛ لا تخافوا فالفكر والوجود الفلسطينيين، ٣٤٧؛ حسب الشروط المقرة، ٣٦٠؛ يهودًا وعربا، ٣٦٨؛ ربّما كان من الأنسب تسمية الباب الحادي عشر باسم: طرائف ونهفات كفرساوية، ٣٧١؛ من الأدق استخدام: عبارة/لفظة بدلا من مصطلح ، ٣٧٢، ٣٨٣؛ متضلعاً باللغة العربية، ٣٧٥، ٣٨٣؛ كان أحد الكفارة مديوناً للبنك، ٣٧٨؛ كيفية سدّ الدّين، ٣٧٨؛ عندما فاز أحد رؤساء (قصد: مرشَّحي) المجلس المحلي، ٣٧٩؛ ويقولون بأن هناك وحش في مغارة المرشقة، ٣٨٠؛ يحكى أن أحد المعلمين أنه أراد، ٣٨٢؛ تزوجت إحدى الكفرساويات إلى رجل، ٣٨٧.

 إنّي  وبالرغم من هذه الشوائب، قد استمتعت جدًّا في قراءة هذا الكتاب الشامل، من الغلاف إلى الغلاف، وعادت بي ذكريات كثيرة وغالية إلى أيام الطفولة والشباب في مسقط رأسي الغالي كفرياسيف، والبعد الجغرافي يقوّي الحنين والانتماء الصادقين للوطن. أدعو الكفارسة إلى قراءة هذا الكتاب، وإبداء وجهات نظرهم البنّاءة، وملاحظاتهم ومعلوماتهم، وكل ذلك من أجل حبّة العين الغالية، التي حضنت وما زالت تحضن الطوائف المختلفة.

ما أحلى العلم والمعرفةَ مع المحبّة والتواضع!

 

ب. حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

1040 adnanصدر عن مركز تراث البصرة / قسم شؤون المعارف الاسلامية والإنسانية كتاب بعنوان " البصرة في مقل القصيد" من تأليف الباحث الأكاديمي الدكتور عامر السعد والكتاب عبارة عن موسوعة تسجل القصائد التي نظمها الشعراء القدامى والمحدثون في البصرة ووصف جمالها وحسنها وأرضها والحنين والحب الذي يكنه هؤلاء الشعراء لهذه المدينة العريقة.

 في مقدمة الكتاب يقول المؤلف" في عيون التاريخ علت قمرا، تحكي الكواكب قصة تألقه .. وعلى شفة البحر همت به دجلة والفرات وهما بها حتى التقيا على راحتيها" وهي مقدمة جميلة تليق بهذا المؤلف الموسوعي الضخم.

 وإذا تجاوزنا عن الشعراء القدامى ومنهم الشاعر محمد بن ابي عينة المهلبي الذي يقول في البصرة:

يا جنة فاقت الجنان فما تبلغها قيمة ولا ثمن

من سفن كالنعام مقبلة. ومن نعام كأنها سفن

اذا تجاوزناه الى الشعراء المعاصرين نجد العراقيين والعرب نذكر بعض الأسماء التالية: رعد حميد سلمان، عبد الباقي فرج، علي مجيد البديري، د عدنان عبد الكريم جمعة، د محمد الأسدي، د رعد طاهر، د صدام فهد الأسدي، محمد مصطفى جمال الدين، عبد السادة البصري، عادل علي عبيد، مجبل المالكي، حامد عبد الصمد البصري، فوزي السعد، سليمان العيسى، مصطفى جمال الدين، السيد عباس الشبر، علي الإمارة، شاكر العاشور، قُصي الشيخ عسكر، نزار قباني، كاظم الحجاج، عبد الكريم كاصد، مظفر النواب، عبد الجبار داوود البصري، بدر شاكر السياب وغيرهم الكثير.

نستشهد ببعض قصائد الكتاب الموسوعة:

يقول نزار قباني:

يستوقفني قمر البصرة

هل أبصرتم قمرا يصهل مثل المهر

كيف أمشط شعر البصرة بالكلمات

ومن قصيدة قُصي الشيخ عسكر نقتطف:

لوجهك القديم

قافلة من الأرق

يحدو بها الندى لآخر المطاف

كم زخة من السنين

مرت على ترابك الموثوق بالغيوم

ومن قصيدة شط العرب للشاعر نفسه:

انفيك عن فرحي وعن الامي. فأراك في صحوي وفي أحلامي

الكون يلغي ذاته في لحظة  متقمصا وهما من الاوهام

ويقول بدر شاكر السياب عن الشط:

يا شط ليتك سامعي

او ليت قلبك لي يميل

يا موج يا ملاح يا

يا بيض الزوارق يا نخيل

يا ريح يا سرب الطيور

البيض يرشده الدليل

شاركن قلبي في المسرة

لا رقيب ولا عذول

 ان هذا الكتاب الموسوعة يدل على سعة اطلاع مؤلفه ويشير الى جهده المتواصل الواسع في جمع المادة الشعرية من مصادرها القديمة والحديثة اذ نستنتج انه لم يعتمد فقط على الإحصاء ونقل المادة التراثية بل انصبت محاولاته ايضا في تتبع الشعراء المعاصرين وإجراء مقابلات معهم واحاديث عن شعرهم الذي جمعه والذي يعنى بالبصرة انه لحقا كتاب يثير فينا حس المتعة وحاسة الجمال ويشدنا الى مدينة رائعة بين المدن وان كانت في عصرنا الحاضر تعاني من تشويه بسبب الحرب والاحتلال والفوضى والاهمال لكن جمالها الأصيل حفظته لنا كتب الأدب وقصائد الشعراء القدامى والمعاصرين.

 

عدنان المشيمش

 

 

1038 thumbnailظهر هذا الكتاب في طبعتِهِ الأولى في العام 1978م، أي قبلَ ما يقربُ من أربعينَ عاماً، وكانت دارُ الشؤونِ الثقافيّةِ العامَّة ببغدادَ قد اختارتهُ ضمنَ مجموعةٍ من الكتبِ ليتمَّ طبعُها في فرنسا دونَ علمي، وتشاءُ المصادفةُ أنْ تجمعني بممثِّل الشركةِ التي كُلِّفت بطباعتهِ في أثناء زيارتي لدارِ الشؤونِ الثقافيّة (التي كانت بنايتُها تقعُ في البابِ المعظَّم مع المكتبةِ العامّةِ) وكانَ هذا الرجلُ على عُجالةٍ من أمرهِ، وهو يحملُ تلك الكتب َ المختارة، فرجوتهُ التريُّثَ قليلاً، ودلفتُ إلى صالةِ أقيمَ فيها معرضٌ تشكيليٌّ، فتبعني إليها، ولم نجد أحداً غير اللوحات المختلفة الأحجام، لأنَّ دوامَ الموظفين قد أوشكَ على الانتهاء، فالتقطتُ من المعرضِ لوحةً معبّرةً صغيرةً لتكونَ غلافاً للكتابِ، ودوَّنتُ في ظهرها اسمَ صاحبةِ المعرضِ (لم أعدْ أتذكّرُه الآن)، واتّفقنا على أن يُشيرَ الطبّاعُ إلى صاحبةِ اللوحةِ في المكان المناسبِ ضمن المعلومات الخاصّة بالطباعة، لكنه للأسفِ لم يفعلْ، وظهر الكتابُ خلواً من اسمها الذي أظنُّهُ كان (نهلة) أو قريباً منه، لهذا أجدُ من الأمانةِ العلميّةِ أن أقدِّم لها هذا الاعتذار المتأخِّر بعد هذه العقودِ الأربعةِ العجاف.

 أمّا طبعتُه الثانية فقد كانت في العام 1984م، حين اتَّفقت معي دارُ نشرٍ على إعادةِ طبعهِ ثانيةً، لكنَّها للأسف لم تقمْ بطباعتهِ، إنّما اكتفتْ بتصويرهِ ليس غير، وظلت تصوِّرهُ وتبيعهُ طوال ثلاثةٍ وثلاثين عاماً ( منذُ 1984 حتى هذه الساعة) فبقيتْ أخطاءُ طبعتِهِ الأولى هي هي، لأنَّ الطبعة الأولى كانت خارج العراق، وأنَّ المطبعةَ هناك تكفَّلتْ بمراجعتهِ، وتصويب أخطائهِ الطباعيّة دون أن يكون لي، أو لدار الشؤون الثقافيّة شأنٌ في ذلك.

 ومرَّتِ الأعوامُ، فأدركتُ أنْ لابدَّ من إعادةِ طبعهِ مجدّداً كي أنقيَهُ من أخطاءِ الطباعةِ، وأضيفَ إليهِ مُلحقاً يسدُّ نقصاً يدخلُ في بابِ النقدِ الثقافيِّ حصراً، بعدَ أنْ كان الكتابُ قائماً على النقدِ الفنّيِّ في توظيفِ الأسطورةِ أصولاً، ومقاصدَ على وفقِ رؤيةِ صنّاعها الذين هيَّؤوها لتكونَ بوتقةً فسّروا فيها نظرتهم إلى الحياةِ، وما فيها من ظواهرَ كونيَّةٍ، وكيفَ نظر إليها السيّاب نظرةً مغايرةً خالفتْ نظرتَهم البدائيّةَ في تفسيرِهِ  للحياةِ في كونٍ مضطربٍ يعجُّ بالمنازعاتِ والحروب.

 إنَّ هذا المضافَ (الذي سيكونُ ملحقاً) مهمُّ جدّاً في معرفةِ السيَّابِ إنساناً، وشاعراً، وقد أطلقنا عليهِ تسميةِ (السيّابُ يتحدَّثُ عن تجربتهِ – توليفٌ ودراسة)، وجعلنا مقدِّمةَ التوليفِ تُعنى بعوالمِ تلك التجربة منذُ أنْ ابتدأ شاعرُها أولى خطواتهِ، حتى نبوغهِ الذي وصلَ إلى كتابةِ القصيدةِ الأنموذجِ .

ونظنُّ كلَّ الظنِّ أنَّ هذا (التوليفَ) سيساعد في سدِّ النقصّ المعرفيَّ الذي تشكو منه بعض الدراساتِ التي كُتِبتْ عن السيَّاب، إنْ لم يكنْ هو وحدَهُ كافياً لفهمِه كما ينبغي مبدعاً، وإنساناً، شاكرينَ من أعاننا على إظهار هذا الكتاب بهذه الطبعة المزيدة المنقّحة.

 

عبد الرضــا عليّ

 

jasim alayffبعد "مخاطبات العشب"- 2000  بغداد - دار الشؤون الثقافية العامة، و" يقظة متأخرة" 2002 - دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد ،و" دموع الأرض-2013 –دار ضفاف - دبي،  صدر للشاعر مجيد الموسوي": "نجم آخر هناك"*.يتوقف (الموسوي) في "نجم آخر هناك" طويلاً أمام الزائر الأخير، ويتوقع مباغتته دائماً، بـ "الموت – الفناء"، المهيمنة واضحة المعالم، في كل مجموعاته الشعرية السابقة، والفناء ذاته، بالنسبة للموسوي، ليس محاولة لإلغاء الذات، بل الخوف على الذات من الانقراض الأشد قسوة، والتصدي الذي يعمد إليه الموسوي، يتجسد عبر طرائق عدة، منها: استعادة الغائبين، والوجوه والأمكنة المنقرضة، و يعقد معها علاقات متجاورة تنحصر بين المتخيل والواقع الفظ. ثمة ترابط لمهيمنات عدة، أخرى، في كل شعر مجيد الموسوي، فهو قد توقف طويلاً عندها وتحرى فيها ليصل بعدها إلى مخاطباته هو لا مخاطبات غيره. الموسوي بحسب الناقد مقداد مسعود "استروح طويلاً عشب ويتمان"، في إشارة إلى ديوان "أوراق العشب"، ولكن "الموسوي" وهو يستريح قربه ويسقي أعشابه هو، لا أعشاب ويتمان، بل خاطب العشب وأشياء أخرى، مبثوثة هنا وهناك، عبر ، تصوراته وواقعه المعاش، ليكتشف بعدها انه نهض بألقٍ، وحمل ثقيل. "الموسوي" شعرياً يمسك باللحظة المعاشة باعتبارها لحظة الأبد مع انه يدرك ويعي، إن الآن يتحول إلى ماضٍ، وأنه لهذا الشأن يرتقي باللحظة الزائلة نحو الأبدية من خلال الشعر لغرض تجاوز الراهن، كون الشاعر وهو يجلس على نهاية الحواف، فأنه يبصر الهاوية الفاجعة التي تحيطه ومعه الإنسان، المنتهك، خاصةً، ويعمل على تجاوز ذلكَ، بإعادة اكتشاف الأشياء:

"أتجنّبُ

الجلوسَ في المقاهي

والثرثراتِ

والتشدّقَ

بأمجادٍ فارغةٍ".

ما أكثر المراثي التي كتبها الموسوي للأحبة الراحلين ومنهم: محمود عبد الوهاب، ومهدي محمد علي، ومصطفى عبد الله، وكزار حنتوش، وسلام الناصر،وتلك الرسامة، ووالده، وذلك الشاعر المجهول.. الخ، والأشياء الزائلة التي يسعى إلى الإمساك بها شعرياً، في محاولة لإملاء النقص الحاصل في الحياة، تلك المراثي تسعى إلى القبض على اللحظة التي تتبدد ومعها تتسرب الحياة، وبذا فأنه لا يقف شاهداً سلبياً على ما يحدث من انتهاكات فظة تجاه الإنسان في

أي زمان:

"أيهذا الربيع

كيف صارتْ سماؤك معتمة

ونجومك رملاً

وهذا المساء

الوديع

جمرةً قانية"!.

(الموسوي) من خلال شعره نتلمس القصيدة بصفتها حالة غامضة من الغياب والحضور من الحلم واليقظة، من التذكر والنسيان، حالة من احتدام الروح يغدو فيها الإمساك بالبدء أو المنتهى أقرب إلى المستحيل. وحتى اللغة لا تكاد تلتقط من هذه الحالة إلا بعض سطوعها وشراراتها. القصيدة لديه تريد أن تقول شيئاً، أن تبوح بسر ما، برؤيا، بحلم، بشيء مدهش، شيء من السحر يؤجج الأعماق، إنها أشواق متحدة بالأقاصي، ونشوة شاملة تتلبس الروح، ومن هنا يصبح تحديد بدء القصيدة شاقاً وعسيراً لديه!. ثمة محفزات توقظ فيه الحنين إلى عالم الغرابة والمجهول والرؤى، ترنيمة بلبل، وجه عابر، أغنية، فتاة ناحلة محبطة، كلمة في الريح، مشهد ما:

"دائماً

ثمةَ أملٌ

بصيصٌ، رغبةُ، نشوة

في تموجات هذا الكون الشاسع:

ثمة غناءٌ، وصوت لا يرى

لكنه خبيء

في مكانٍ

ما.."

هكذا تتفجّر المصادفة أو المفارقة أو اللوعة الخفية، فيندفع للقول، محاولاً الإيغال في العالم، والإمساك بشيء من لهبه ونشوته، من شذاه وغبطته، و جنونه وفوضاه، وعندئذ تبدأ القصيدة:

" أفقْ..!

يا أيها الذاهلُ

قل شيئاً لهذا الزمن المجنون،

لا ترتقبِ الماضي

ولا تنتظر القادم

لا شيء

حقيقاً سوى الآنَ

- هنا لحظة ما.. تنشدهُا الروح -

فكن أولى بأن تظفر بالدهشةِ

في مملكة الراهنِ".

ولكن هل هذا التوصيف يكفي لولادة قصيدة - الحياة؟. عند هذا الحد نغفل مسألة غاية في الأهمية، يذكرنا بها شاعر صيني عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، كان من سوء حظه أن يخسر موقعة عسكرية، لكنه ربح الشعر.مجيد الموسوي، في "نجم آخر هناك"، من الشعراء الذين ما زالوا يواجهون الواقع الضاري، عبر "أنا" خلّاقة وغير منغلقة على ذاتها:

"إني أرى الآنَ الذي يجري

وفي روحي وخز موحشٌ مشتعل كالجمر

ما بين زمانين:

زمان البدو مقذوفين في عاصفة التيه

وهذا الزمن العاصف بالموج الخرافيّ وبالنار

أراني هائماً بين السماوات

وحيداً حائراً مرتبكاً بين مجرات من الظلمة والنور

ترى هل ينتهي الوهم الذي يغمرني الآن

واستوثق ما تاه من الخطو"؟.

ثمة ميل في توجه " الموسوي" إلى رصد الواقع وضراوته وإصرار على عدم التصالح معه، من خلال تساؤلات متواصلة، وتقلبات شخصية - عامة، إنه يواجه العالم الصلد بالشعر الذي يتميز غالباً بالبحث والتأمل والأسئلة التي لا حد لها:

" يا زمان الصبا والصبابة،

مَنْ أحرق العشب؟

مَنْ لوّث الريح؟

مَنْ أطفأ النجم؟

مَنْ قال للقلب كن حجراً،

يتدحرجُ في هوّة،

أو يصير حصى

في جدار"؟.

في شعر "الموسوي" نتعرف على: "البقية الباقية من سمات الشعراء الرومانسيين، البصريين بالذات، الذين راهنوا على الحلم والتخاطب معه واليقظة المتأخرة عن غفوة الموت في الحياة، "مصطفى عبد الله" في الأجنبي الجميل وعبد الخالق محمود في عازف آخر الليل، اللذين دلفا إلى عالم المتعة الأبدية وابتعدا عن العالم فعلياً بمغادرته، وتحمل الموسوي بعدهما وحده حملهما، وإخفاقات عالمها المشحون بالرومانسية، وناء بأخيلتهما معاً"  الناقد عبد الغفار العطوي جريدة- المشرق- بغداد- الناقد "العطوي"، هنا، وضع مصطفى عبد الله في خانة "الشعراء الرومانسيين"، ولكن لا يمكن التأكد من ذلك، عند مراجعة مؤلفاته الشعرية الكاملة والمعنونة "الأجنبي الجميل" وقد حققها وقدم لها الشاعر عبد الكريم كاصد  ط1- 2004- وزارة الثقافة- بغداد- لكن العطوي أصاب جداً في توصيفه لـ "رومانسية" الشاعر الراحل عبد الخالق محمود. كما اجتهد - العطوي - كثيراً في أن يموضع الموسوي في خانة "العرفانيين"، كون عالم الموسوي الشعري يفتح أفقاً واسعاً للواقع الذي يحدق إليه بتمعن فيرى فيه ما لا يراه غيره عبر عالم شعري ينطوي على مزدوجتي الواقع- الحلم. وهو يفتح الباب واسعاً للغياب عبر المفارقة والإيغال في التيه القادم من الواقع - الغرائبي - الراهن ذاته.

 

جاسم العايف

.................

* اتحاد أدباء وكتاب البصرة - ط 1 - بيروت- 2017

 

 

abdulhusan salehaltaiاطلعنا في الحلقة الأولى على الآثار الإبداعية للدكتور حسن البياتي في كتابه (مقدمات وإشارات تعريفية بآثار إبداعية ومعرفية)، الذي صدر حديثاً في بيروت من دار الفارابي. والحلقة الثانية مخصصة للآثار المعرفية، بدأها شاعرنا ببحث مطول لموضوع في غاية الأهمية، بعنوان: (مواقف مناوئة للحرب في الشعر الجاهلي)، نُشر في مجلة الجامعة الصادرة في جامعة البصرة 1969. جوهره يكمن في رصد الصور المغايرة لما هو متعارف عليه في العصر الجاهلي بأن العرب أمة حرب، فالبحث فيه اطلالة لبعض مآثر الشعر الجاهلي الرافض لمآسي الحروب ونتائجها البشعة، والدعوة إلى حقن الدماء، وإشاعة السلم الاجتماعي. وتناول البحث الدوافع الرئيسية للتناحر بين القبائل والمشاحنات التي تتوج بالغزو والاعتداء على الغير. واشار البياتي إلى الكثير من المواقف الداعية إلى التريث وتجاوز الخلافات بوسائل أخرى غير الحرب.

وأعقب هذا البحث القيم بدراسة معمقة لمخطوطة عربية نادرة، ذات قيمة تاريخية، معتمدة على مصادر متنوعة موثوقة وبهوامش توضيحية. هذه المخطوطة محفوظة في خزانة المخطوطات بمكتبة لينيغراد العامة، وهي تضم أربع قصائد ومقدمة على شكل رسالة، تحكي قصة الحصار الذي فرضه الجيش الايراني الغازي على مدينة البصرة، وما قام به من ممارسات لا انسانية، قابلها سكان المدينة بالشجاعة والصمود. هذه الرسالة موجهة إلى أحد الفرنسيين (المسيو اوتير)، الذي عاش في البصرة لفترة من الزمان، وتمكن من فهم اللغة العربية وتذوق شعرها، وبعدها رجع إلى فرنسا، والرسالة مذيلة  بتوقيع مرسلها (الملا سرحان كاتب)، أحد عامة الشعب الذي ربما كانت تربطه بالمسيو اوتيرعلاقة صداقة. والقصائد الأربع بخط الملا سرحان، القصيدة الأولى فقط باللهجة الشعبية (العامية)، وهي تمثل قيمة استثنائية، للمهتمين بالتراث الشعبي واسلوب الكتابة باللهجة العامية.

تبحر البياتي في دراسة أجواء القصيدة الثانية التي تناولت بعض أحداث مجتمعنا العراقي إبان السيطرة العثمانية، في مرحلة تفسخ النظام الإقطاعي، على أثر الأزمة الحادة التي واجهتها السلطنة منذ أواخر القرن السابع عشر، وتصاعدت في القرن الثامن عشر في كافة المجالات، نتج عنها انسلاخ معظم الأقاليم العربية عن السلطان التركي، مكونة أسراً إقطاعية حاكمة. وكذلك اشار شاعرنا إلى طبيعة النتاج الأدبي والفني وأثره على وجهات نظر طبقات مختلفة لتلك المرحلة، ولاسيما الذي يمجد السلطة، باعتباره يمثل جزءاً من البناء الفوقي للنظام. وعلق على رؤية شاعر القصيدة النابعة من مصالحه المرتبطة بالطبقة الاقطاعية للسلطة العثمانية، ومدى تعارضها مع ثقافة الطبقات والفئات المستعبدة.

وضمن اهتمامات شاعرنا، البحث عن كنوز المعرفة التي قام بها البعض من المستشرقين، عثر على بحث فولكلوي بعنوان: (قصتان مجهولتان من التراث الشعبي العربي في القرون الوسطى)، للمستشرق السوفيتي (فيكتور ليبيديف)، المعروف باهتمامه بتراثنا الشعبي العريق، حيث تمكن من نشر عشرين بحثاً باللغة الروسية، أغلبها في مجال التراث الشعبي العربي. كتب شاعرنا مقدمة مختصرة وتعليقات ضرورية على بعض ما جاء في صلب البحث وهوامشه من مصادر متعددة، أعطت للبحث نكهة جديدة جاذبة، ونُشِر في مجلة كلية التربية – جامعة البصرة 1979. كان القسم الأول من البحث مخصصاً للقصة التراثية (طلحة وتحفة)، وغطى القسم الثاني أثراً آخر من تراثنا الشعبي المجهول قصة (الوليد وسلمى)، وهي من قصص الحب في أدبنا العربي، بطلاها الخليفة الأموي الوليد بن يزيد وزوجته الثانية سلمى.

وبنفس الإطار وللمؤلف نفسه، ترجم البياتي بحثاً فلوكلورياً آخر: (قصتان مجهولتان من التراث الشعبي العربي في القرون الوسطى). نشره في مجلة التراث الشعبي في بغداد سنة 1988. يتألف البحث من قسمين، الأول يتكون من مقدمة في فن القصص الغرامي في أدبنا العربي وغيره من آداب الشعوب الأخرى – أنواعه وخصائص كل منها. أما الثاني فيتناول دراسة وتحليل قصتين من قصص الحب في تراثنا الأدبي المخطوط. أثبت شاعرنا بأن القصتين ليستا مجهولتين تماماً، وأكد بأن البحث يظل محتفظاً بأهميته الكبيرة، لما فيه من معطيات طريفة تتعلق بجوانب مهمة من تراثنا الشعبي.

واهتم البياتي بترجمة دراسة فولكلورية أخرى تحمل ذات الاهتمام بالموروث الشعبي العربي، لذات المستشرق بعنوان: (أثر الموروث الشعبي للجنوب العربي في ألف ليلة وليلة)، نشرتها دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد 1989.

وترجم البياتي فصلاً خاصاً بالحرب العالمية الثانية، استقاه من كتاب عنوانه (نثر الشباب)، تأليف الدكتور (فلاديمير بوبوريكين)، تناول فيه جوانب إبداعية نثرية من النتاج القصصي لمجموعة من الأدباء الشباب، يحمل موضوعات متنوعة مثل: الحرب، المدينة، القرية وغيرها من الأمور الحياتية. تمكن شاعرنا من نشره في مجلة الطليعة الأدبية في بغداد 1987.

وخطى البياتي خطوات جادة في التعريف بالأجناس الأدبية والمعرفية المتنوعة، حيث قام بدراسة نادرة لتطور الأدب الفليبيني منذ نشوئه. هذه الدراسة من تأليف: (أ. سانتوس)، ترجمها من الروسية، ونشرها في كتاب الثقافة الأجنبية 1987. كان الأدب الفليبيني القديم يحمل معالم التأثر بالثقافة الهندو – جاوية، ومن بعد بالثقافة الإسلامية، هاتان الثقافتان قد تسربتا من خلال المناطق الأندونيسية في الفترة الواقعة ما بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر للميلاد. واستمرت السيطرة الإسبانية مدة تزيد على ثلاثة قرون، تركت أثرها العميق، ليس في الأدب فقط بل بكل مناحي الحياة الثقافية لسكان جزر الفليبين. وعندما حل المستعمرون الأميركيون، تأثر الأدب الفليبيني تأثراً بالغاً بالأدب الأميركي، ورغم استقلال الفليبين عام 1946، إلا أن الكثير من الآثار الفليبينة كُتب باللغة الإنكليزية، بالإضافة إلى اللغات الأساسية الأخرى في جزر الفليبين.

وفي دراسة أدبية أخرى ترجمة لكتاب (الأدب الآسامي)، من تأليف الأديب الهندي (بيرنجي كومار باروا)، نشرها البياتي في بغداد عام 1988. كان شاعرنا أميناً في نقل محتويات الكتاب رغم تصرفه بالجانب الشكلي. وقد بذل جهوداً كبيرة في تقديم جملة من التعليقات والايضاحات معتمداً على مصادر ومراجع مختلفة.

وفي نهاية القسم الثاني قدم البياتي ملخصاً لاصداراته الأخيرة (رسائل ثقافية متبادلة بيني وبين ...)، و(كتبوا عني .. وكتبن)، وكتاب (الصرح الترجمي للدكتور علي جواد الطاهر)، المعد للنشر، ضمن السلسلة الخماسية التي تحمل مادة تاريخية تسجيلية تغطي مراحل حياة ونشاط شاعرنا على الساحة الإبداعية والثقافية منذ المراحل الأولى التي خاض غمارها، منذ مستهل النصف الثاني من القرن الماضي، حيث تضاربت أو تقاربت بها الآراء في مختلف مناحي الحياة الأدبية والسياسية والاجتماعية والنضالية بين المؤلف ومريديه من جهة ومناوئيه من جهة أخرى.

 

د. عبدالحسين صالح الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

       

1034 anisإن التلخيص عملية ليست بالأمر الهين، كما يبدو للكثير وإنما على العكس من ذلك تماما؛ فهي عملية قي غاية التعقيد، تتطلب كثيرا من المهارة مما يكسبها أهميتها وفعاليتها، ذلك أن التلخيص يسمح للباحث عموما أن يستجمع تلك التفاصيل التي قيلت، والتي تعرض في ذلك النص الهدف، فيعمل على تلخيصها تلخيصا يكون مفيدا، وكأنه يقلل من كم النص دون أن يفقده جودته ودون أن يشوه معانيه.

فكيف يا ترى سيكون تلخيص هذا الكتاب الذي بين أيدينا؟

إن تلخيص كتاب بأكمله يستدعي مجموعة من الآليات والميكانيزمات، التي تسعف في الإلمام بأهم ما جاء فيه من أفكار وقضايا.

إن كتاب الدكتور "أنيس فريحه" "اللهجات وأسلوب دراستها" قد قسمه إلى ثلاثة أقسام كبيرة تتضمن فصولا عديدة، استهلها بمقدمتين اثنتين:

كانت الأولى للكاتب "ساطع الحصري" الذي شرع من خلالها، في إبراز أهم المشاكل التي تثيرها "قضية الفصحى والعامية " لدى اللغويين وأهل الفكر بالبلدان العربية.

كما تطرق أيضا، إلى فكرة فحواها أن العالم العربي في حاجة ماسة إلى لغة موحدة "موحدة" تجمع بين الفصحى والعامية وتكوين ما يصطلح عليه بفصحى متوسطة، وذلك لتذليل الصعوبات التي تحول دون ملامسة الهدف المنشود، والمتمثل في خلق "لغة التخاطب" ترضي جميع الأطراف.

ولهذا، نرى الباحث يدعو إلى ضرورة العمل بجد، وعدم التقاعس وإهمال الأبحاث اللغوية بدعوة الاكتفاء باللغة الفصحى.

وبالموازاة مع ذلك، ثمن الدكتور أنيس فريحه "في مقدمة الكتاب" الثانية" ما جاء به زميله "ساطع الحضري" إذ حث ـ هو الآخر ـ على تجاوز تلك النظرة التقليدية المكسوة بالعاطفة للغة، ودعا إلى الالتزام بنظرة مؤسساتية للغة تخضع للموضوعية العلمية.

القسم الأول: في اللغة

لقد هدف الكاتب من خلال هذا القسم الذي استهل به دراسته إلى إعطائنا لمحة تاريخية عن اللغة العربية ومسارات تشكلها بشكل مقتضب وموجز، بالرغم من ندرة المصادر والوثائق السابقة لعصر التدوين.

فاللغة العربية كما يرى "أنيس فريحه" تتصف بمجموعة من الصفات أهلتها أن تكون لغة رقي وتحضر، أجملها فيما يلي:

- غنى المفردات.

- قدرة على التصعيد.

- إمكانات في الاشتقاق عديد.

- مبدأ القياس والترعيب.

وهذه العوامل في رأي الباحث دفعت باللغة إلى تبوء مكانة مرموقة في العصور المتوسطة.

وجملة القول إن اللغة رغم حيازتها لكل هذه العوامل البناءة إلى أنها لم تبرح مكانها ـ للأسف ـ وظلت غير قادرة على مسايرة الزمن الحالي، وهذا ما ستفاض في تفصيله ورصده الكاتب حين قال:" بأن مشكلتنا اللغوية هي مشكلة كل شعب مزدوج اللغة.. !!

وهذا ما سيسمح لنا باستثمار ما قيل لحصر بعض مشاكل اللغة العربية التي جاءت على لسان "أنيس فريحه" والتي لخصها في التالي:

- وجود لغتين مختلفتين عامية وفصحى.

- تقيد الفصحى بأحكام شديدة.

- الخط العربي الخالي من الحروف المصوتة "الحركات".

- عجز العربية عن اللحاق بالعلم والفنون.

- تدوين اللغة العربية بطرق تقليدية قديمة على شاكلة مدارس الكوفة والبصرة.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الازدواجية في اللغة ـ في رأي الكاتب ـ قد أعاقت وكبلت الفكر، وجعلته لأسباب يقف عند نقطة معينة دون حراك.

ويتضح طرحه هذا من خلال قوله:"..لن نحاول أن نقنع من لا يريد أن يقتنع بأن العربية عاجزة في وضعها الحالي عن التعبير..."

ومما لا شك فيه ـ حسب اعتقاد الكاتب ـ أن الفكر لن يساير الحضارة أبدا ما لم يتحرر أولا من قيود اللغة.

وعلاوة على ذلك، باشر ـ أنس فريحه ـ في معرض حديثة إلى إعطائنا تعريف للغة، بالرغم من اعترافه- أيضا- بصعوبة الأمر، نظرا لما يعتريها من تعقيد وغموض، هذا إضافة إلى إثارته لمسألة نشأة اللغة وأصلها.

ليصل بعد هذا إلى إثارة قضية ـ اللغة والعرق والعقلية ـ التي أكد بأنها شغلت جموع علماء اللغة خلال القرن التاسع عشر.

والواضح مما تقدم من حديثه في هذه القضية أن ليس هناك من لغة لها عبقرية تفوق اللغات الأخرى، وتبعا لهذه الصيغة المطروحة فليس هناك من عرق صاف خلق لغة خاصة تعكس عقليته.

ولعل هذا المستوى في رأي الباحث يحتاج إلى ما أسماه بـ"علم اللغة" الذي يروم من خلاله إلى تطبيق الأسلوب العلمي على اللغة، ذلك من خلال توخي مبدأ الموضوعية وكذا استثماره لهذا العلم للتأثير على الفرد ونظرته إلى اللغة.

ثم يتناول فيما بعد:

القسم الثاني: وعنونه بـ "نشأة اللهجة الأدبية المحكية"

إذ يتحدث فيه"أنيس فريحة"عن الأسباب الحقيقية التي جعلت من لهجة ما تسمو على لغة ما وتتبؤ الرسمية، موضحا ذلك بسرد مجموعة من الأدلة والبراهين التي تؤكد حقيقة لا مراء فيها، في أن لا فارق جوهري بين لهجة ولغة، وإنما الفارق راجع بالأساس، لسبب خارجي، ولظرف خاص أعطى الحق للغة، وسلبه من الأخرى.

ولعل ما يزكي طرحه هذا هو تطرقه لفصل عنونه "بالسلطة العليا" إذ انطلق من خلاله ليبني لنا حقائق تاريخية قد تكون السبب الخفي وراء رفع لهجة ما إلى مرتبة لغة قومية رسمية.

ولم يفته بالطبع أن يشير إلى هذه العوامل، وهي كالآتي:

- عامل عسكري سياسي

- عامل ديني

- عامل اجتماعي

وما يسترعي الانتباه حقا! في هذه النقطة هو تأكيد الباحث على أن كل هذه العوامل السلطوية تبقى غير فاعلة، وغير متعرف بها في سياق أسماه بعلم اللغة.

على اعتبار أن هذا العلم –حسب قوله- لا يعترف بسلطة عليا في اللغة غير سلطة الشعب.

ثم يتناول بالدرس بعد ذلك "نشأة اللغة" إذ يطلعنا من خلاله على أن العرب القدامى، لم يشيروا إلى اللهجات العربية، إلا إشارات عابرة، ولكنهم –في رأيه- لم يجيبوا عن السؤال الإشكال:كيف نشأت هذه اللهجات؟ كما أنهم لم يعيروا كبير اهتمام لدراستها و مدارستها.

لينتقل بعد ذلك، إلى الخطى المراد إتباعها لدراسة هذه اللهجات، وفي نفس الوقت يرد بالنفي القاطع على أن الرأي القائل:"أن نشوء اللهجات مرده إلى خروج العربية عن موطنها الأصلي، واحتكاكها بلغات أخرى، رأي مغلوط بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وبناء عليه يدعو "أنيس فريحة" إلى التروي في إصدار مثل هذه الأحكام المتسرعة، ويوصى بالتفتيش بشكل دقيق عن الأسباب الكامنة وراء نشوء اللهجة.

ووفقا لهذا التصور، يرجع الباحث مسألة نشوء اللهجة إلى ثلاثة عوامل هي كالأتي:

- المغايرة الفردية.

- إتباع الرقعة الجغرافية.

- احتكاك لغة بأخرى.

ويتابع "الباحث" حديثه في الفصل الموالي عن العامية كلغة قائمة بذاتها إذ يذهب من خلال هذا الفصل، إلى توضيح أن مسألة تقديم تعريف للعامية باعتبارها لغة قائمة الذات، أمر غير مستحب، نظرا لاعتقاد الناس الراسخ إلى أن العامية هي تجسيد للركاكة والرطانة والانحطاط، وهذا ما تأكد فعلا في مؤتمر الأدباء العرب، الذي انعقد ببيت مري أيلول 1954 إذا انبرى الجميع – كما جاء على لسان الكاتب- إلى الدفاع عن الفصحى ومهاجمة العامية.

وأيا كان الهدف المتوخى، من وراء مهاجمة العامية، فالكاتب لم يتراجع من الدفاع عن قضية أن العامية لغة قائمة بذاتها، إذ استعان في تثمين طرحه إلى استغلال الدليل السيكولوجي الذي يوضح بجلاء أن العامية جزء من الحياة، وتعبير عن اليومي بسلاسة ورخاء، وما يعلل ذلك قوله" .... يشعر عامة العرب أن لغتهم هي اللغة المحلية، وان الفصحى لغة رسمية، فهم لا يشعرون أنها جزء من حياتهم بل إنهم إذ تكلموا أو غنوا أو غضبوا... فإن اللغة التي يعبرون بها عن هذا كله إنما هي العامية".

أما فيما يتعلق بالتصور الثاني القابل بأن "العامية لغة حية ومتطورة"، فالكاتب بادر إلى ذكر بعض الظواهر اللغوية التي يحسبها تقدما وتطورا منها:

فقدان الإعراب: إذ ركز فيه على الطرح القائل:" بأن الإعراب لا يتلاءم والحضارة وبأنه:" زخرفة لا قيمة له في الفهم والإفهام " مؤكدا ذلك بسرد مجموعة من الاستشهادات للغويين على رأسهم، ابن خلدون في كتاب المقدمة ( ص 808- 811)، وابن قزمان الأندلس. ولعل السبب الآخر في تلافي استعمال الإعراب هو معارضة "أنيس فريحه" لفرض لغة تاريخية لا تساير في رأيه تطلعات هذا الجيل، وكذا اعتراضه على المبدأ القائل بأن:" قوانين اللغة من صرف ونحو وأساليب لا تتغير ولا تتبدل، فالباحث إذن يؤكد ميله إلى سقوط الإعراب عن اللغة.

• التطور الصرفي والنحوي: ويتضح هذا التطور من خلال اقتصار العربية المحكية على عدد قليل من الضمائر، وتصريف الفعل.....مما يمثل تطورا ملفتا وتقدما منشودا يتماشى مع الحياة، وقد مثل لذلك "بفكرة الزمن في الفعل".

• خضوع العامية لنواميس لغوية طبيعية:إن من بين أهم هذه النواميس التي توضح حيوية العامية وتطورها مع الحياة امتيازها بمبدأ الاقتصاد في اللغة.

• الاهتمام والاقتباس والتحديد في المعنى:إن حرص العامية على تحديد المعنى، وإهمال ما يجب إهماله، واقتباس ما يجب اقتباسه، واقتصارها على معنى واحد لا دليل على تحررها من القيود وانعتاقها من وطأة التقليد"في نظر الباحث".

• العنصر الإنساني في العامية يضفي عليها مسحة من الحياة: ونرصد هذا من خلال قول الكاتب:"....فإنك لا تستطيع أن تقول بالفصحى، ما تقوله بالعامية، وإذا نقلته إلى الفصحى أتى جافا قاسيا....." .

وخلاصة القول: إن العامية و من خلال ما وضحه" أنيس فريحه" تبقى لغة قائمة بذاتها، ولغة حية متطورة ونامية، تتميز بمجموعة من الصفات التي بوأتها مكانة وغنى.

القسم الثالث: "اللهجة وأسلوب دراستها"

ينتقل الكاتب في هذا القسم الأخير إلى الحديث عن فوائد دراسة اللهجات الإقليمية من باب أن في العامية مظاهر لغوية، صرفية ومعجمية، في حاجة إلى المدارسة، على اعتبار أن في دراستها إغناء اللغة الفصحة.

ثم يضيف بعد ذلك بشكل موجز بعض الشروط التي يجب توافرها لدى الباحث في دراسة اللهجة، وهي كالآتي:

- التقيد بالأسلوب إذ لا معطيات مقررة ولا نتائج مسلم بها مسبقا.

- على دارس اللهجة أن يدون اللغة ويضبط أحكامها الصوتية والتركيبية، وعليه أن يكون ملما بعلم الفونتيك .

- وضع خرائط جغرافية لتسهيل عملية تبيان الفروقات اللغوية التي تتميز بها كل بقعة عن أخرى .

ليختم الدكتور"أنيس فريحه كتابه الهام "اللهجات وأسلوب دراستها" بفصل أخير في اثر الأرامية في اللهجة اللبنانية من ناحية الأفعال والمفردات والتركيب، وبذكر نماذج من اللهجة اللبنانية شعرا ونثرا.

ونشير في الآخر، إلى أننا لم نكن نهدف إلى تحميل هذا الكتاب ما لم يستطع له عبئا. أو نقول صاحبه "أنيس فريحه" ما لم يقله، وإنما قصدنا إلى تدليل تفاصيله واستنتاج ما دلت عليه دون بخسها حقها.

 

أكثيري بوجمعة

 

wadea shamekh2تحت اشراف مباشر من قبل الإعلامية القديرة شميم رسام صدر كتابي "سجناء الفكر في العراق الحديث..أوراق نوئيل رسام من خلف قضبان الحكم الملكي .. تحقيق وتقديم وديع شامخ "، عن دار الأديب في عمان مؤخرا ... فرحتي عارمة بطباعة الكتاب الذي بذلت فيه جهدا نوعيا لانه اول تجربة لي في حقل التحقيق .. اتمنى لكم قراءة ممتعة .

وقد جاء في مقدمتي للكتاب "هذه الرسائل تمثل تقصيا مهما لحقبة سياسية تأسيسية في حياة الدولة العراقية، العهد الملكي وما رافقه من نشوء المملكة العراقية بوضعها الطائفي والديمقراطي معا، وقراءة هذه الرسائل تساعدني في الكشف عن وجهي الحياة العراقية بسلبيها وايجابيها، تتقصى الرسائل مواضيع حساسة فردية وعامة .. تمثل قراءة واعية وفاحصة لحقبة زمنية عراقية بما رافقها من ارهاصات سياسية وتاريخية محلية واقليمية وعالمية، برؤية قومية عربية وعراقية خالصة، ولعل من المفيد التوقف عنده، ان نوئيل رسام هو مسيحي ولكنه كان يفضل هويته العراقية والعربية على ايّة هوية جزئية أخرى كما جاء في دعوته الى تمثيله العراقيين جميعا في مجلس النواب يوم كان نائبا، ولا يفضل قبوله بالكوتا كمُمثل للمسيحيين / وهذا حس وطني رائع ودرس سياسي مفيد وصالح في كل عصر توجد فيها احتقانات سياسية وطائفية كما يمر العراق اليوم " 2014" بهذه العاصفة ..

أود ان أشكر السيدة الإعلامية القديرة شميم رسام والسيد غسان نوئيل رسام على جرأتهما ورغبتهما في نشر هذه الرسائل دون حذف او تغيير أو إضافة لكيما تقدم الرسائل نفسها وكاتبها وظروفها بكل مصداقية وموضوعية وأمانة تاريخية ..

1033 wadeeولعل نشر هذه الرسائل في كتاب مستقل وهي محاولة تأسيسية في هذا الباب - حسب علمي -، سوف يفتح الباب واسعا لنشر انماط من رسائل مختلفة في حقول الادب والسياسية وغيرها، وفي حقب تاريخية مختلفة ومن زوايا نظر متباينة، لتكون معينا للباحثين عن التقصي لدراسة الظواهر السياسية والتاريخية والجغرافية والادبية .. الخ، لان الرسائل تمثل بوحاً مهما ومصدرا ثراً للمعلومة ببعدها الشخصي والعام .

إن إضاءتنا في المقدمة لانواع الرسائل ومنابعها ومصادرها وسماتها الشكلية والمضمونية، إنما تشكل خطوة لبحث الترابط في البوح الانساني من زوايا مختلفة وفي حقول متباينة، ولكن المشترك الوحيد فيها هو الانسان باثا او متلقيا أكان فردا أو مؤسسة .

ولقد أفدنا من مصادر كثيرة ومتنوعة في هذا المجال كانت سبيلنا الى كشف مغاليقها وتقديمها للقاريء الكريم،ومن هذه المصادر ما استخدمناه حرفيا بنقل المعلومة، او ما حفّزنا الى الغور في حقول ورسائل أخرى .ومهما كانت درجة الإفادة أوالاقتباس أوالإيحاء، فأنني لابد أن أكون أمينا على إدراج المصادر التي إغترفنا منها سواء أكانت مصادر ورقية أم الكترونية، وأعتذر أن لم أذكر مصدر ما قد استفدت منه ربما لتشابه المعلومة في أكثر من مقام، فأكون قد إخترت أقربها مني تناولا واقعيا، أعني توفر المادة في مصدر إقتنيته عمليا دون غيره من المصادر الموجودة والتي لم أحصل عليها .

تركت الرسائل - موضوع كتابنا – تتحدث عن نفسها بتلقائية كاتبها ولحظة كتابتها، بكل هفواتها النحوية والإسلوبية والإملائية، لكي نعطي صورة حقيقية عن الكاتب ونرصد دفقه العاطفي والفكري والتاريخي بحسب لحظة تلك الرسائل ..ولاشك أن الكاتب رجل مثقف وصحافي مقتدر ولكن قيمة ومتعة قراءة دفقه الأول تكمن بهذه الهفوات، لانها قيمة تاريخية وليس بنقص هو قادر على تجاوزه لو كانت الرسائل قد كتبت بغير تلك الأوضاع التي يمرّ بها آنذاك ."

 .

 

1031 ayshجميل أن يأتي باحث كندي فيكتشف أن عبد الحميد ابن باديس هو زعيم القومية الجزائرية ومفكر الإصلاح، وفي هذه القراءة المختصرة معلومات قيمة جدا عن الإمام عبد الحميد ابن باديس أوردها الباحث الكندي "أندري ديرليك" في كتابه بعنوان: "عبد الحميد ابن باديس مفكر الإصلاح وزعيم القومية الجزائرية"، قدمه وترجمه مازن بن صلاح مطبقاني، وهو كتاب يكشف فيه صاحبه تأثر بن باديس بالفكر الأصولي في مصر، وكيف نشأت "المعارضة" داخل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، مبرزا كذلك أهمية علم الاجتماع الإسلامي في نبذ الانقسام الطائفي في الجزائر، وتحديد مفهوم الإيديولوجية الاجتماعية الإسلامية  لبناء مجتمع فوق قواعد أقرها الدين

فكتاب أندري ديرليك هو رسالة دكتوراه قدمها الباحث من معهد الدراسات الإسلامية جامعة ماك غيل McGill مونتريال كندا في مارس 1971  وترجمها وقدمها مازن بن صلاح مطبقاني ونشرت الترجمة عن عالم ألأفكار في طبعتها الأولى لسنة 2013  يأتي قبل صدور كتاب الدكتور عبد الله حمادي الذي تحت عنوان ابن باديس سيرة ومسيرة صدرت طبعته الأولى في 2017، لاسيما والباحثان تكلما عن العائلة الباديسية، وكانت لكل واحد منهما رؤية خاصة، ولعل البعض اطلع على ما جاء به الدكتور عبد الله حمادي، ولذا لا يسمح المجال لإعادة ما كتبه هو، من اجل التركيز على ما كشفه الباحث الكندي أندري ديرليك من حقائق حول عائلة عبد الحميد ابن باديس، فمن مدينة قسنطينة العريقة انطلقت شرارة حركة ابن باديس، ولو لم يكن لعائلة ابن باديس تلك المكانة الخاصة لما تمكن ابن باديس من الإنطلاقة في حركته العلمية، ولما تمكن من الإنتقال إلى الزيتونة لتلقي العلم هناك، ولما أمكنه من نشر مشروعه الإصلاحي وإحداث التغيير في المجتمع المسلم، بعدما استبدل الإستعمار الفرنسي المؤسسات التي اعتمدت على مبادئ الدين بتلك التي استعيرت من" الفرنجة"، في ظل الصراع الذي كان قائما وما يزال بين التقليديين والتحديثيين وموقف الإصلاحيين من هذين الإتجاهين، لإعادة بناء ظهور فكرة الإصلاح كرد فعل  في وجه التحديث، وإعادة الإعتبار للإسلام في الجزائر.

وكما جاء في الصفحة 140 من كتاب أندري ديرليك، فقد وافق "القبّان" بن باديس (محمد كحّول)  الجد الأعلى لعبد الحميد بن باديس على الخدمة تحت ظل الحكم الفرنسي في جماعة المدينة عام 1838 وعام 1848 عندما استبدل حاكم قسنطينة الأهلي بأول رئيس بلدية فرنسي،  واستمر محمد كحول مستشارا بلديا، وتم تثبيت ابنه المكّي بن باديس، جد عبد الحميد بن باديس في منصب قاضي مقاطعة قسنطينة، واختير القاضي فيما بعد ليتحدث عن شرق الجزائر أمام لجنة لُوهُونْ للتحقيق Le Hon،  وتمتع المكي بن باديس مثل أبيه بثقة مكتب شؤون الأهالي، وبعد وفاة محمد كحول استمرا حميدة بن باديس عمّ عبد الحميد ومصطفى بن باديس والد عبد الحميد في خدمة فرنسا، وقد كوّن حميدة تكوين العلماء وعين قاضيا لمدينة قسنطينة، أما والد بن باديس فقد اختار التجارة فزادت ثروته على ثروة أسرته، ليتم تعيينه مندوبا ماليا عن قسنطينة في عام 1902،   ثم منحه وسام الشرف في عام 1919، إلى أن نال لقب الآغا في عام 1929 مقابل خدماته لفرنسا، وفي عام 1933 أصبح مصطفى بن باديس باش آغا المدينة، ومات وهو خادم لفرنسا، أما عن عبد الحميد بن باديس فقد ترعرع  في بيت بن جلول وتولت أمه تعليمه، بعدها سلم للشيخ محمد بن مالوس (المدّاسي) العالم الكبير الذي كان مسيده (مدرسته) خلف مسجد سيدي لخضر المخصص لبناء الأثرياء، ولما أصبح الوجود الأوروبي في قسنطينة جليا  عند بداية القرن العشرين، بدأ المستوطنون يؤثرون تدريجيا في حياة السكّان الجزائريين، وحدث تغير في المدينة.

وكان هذا التغير قد أقلق الإمام عبد الحميد ابن باديس، فكان كلما مر من أمام القلعة الحفصية التي كانت تحمي المدينة إلا وتذكر معركة " لابريش" la breche التي شهدت الكولونيل كومْبَسْ combes يضرب مدينة قسنطينة عام 1838 وكانت عيناه ما تنفكان تلمحان مسجد الباي الذي أصبح كاتدرائية المدينة، لكن والده أراد إبعاده فدبر  له فكرة السفر الى تونس لمواصلة تعليمه، وهناك ارتبط ابن باديس بالسلفية، حيث كانت تتواجد مدارس كثيرة هناك، وتعتبر المدرسة الصادقية من ابرز المدارس في تونس إلى جانب المدرسة الخلدونية التي عرفت بميولها للسلفية، وقد وفرت في مكتبتها مؤلفات حول الأصولية، وفي هذه المدرسة بالذات اكتشف ابن باديس الأصولية، التي أكد أعضاؤها ولاءهم لأفكار العروة الوثقى، في الوقت الذي شهدت الساحة التونسية صراعا كاد أن يكون دمويا بين  السلفية التونسية وعلماء الزيتونة التي كما قال المؤرخ غرقوا في العقيدة الخاطئة والجهل بتركهم القرآن واتباعهم مواعظ وتعاليم التيجانية، في الوقت نفسه كان ابن باديس أكثر تأثرا بالإباضيين.

وقد شهدت تنقلات ابن باديس من بلد لآخر واحتكاكه بالمجتمع الإباضي تغيرا،  ووقفت عائلته على هذا التغير في سلوكاته الغريبة، حيث صار يعيش حياة الزهد، ولولا حادثة مسجد سيدي لخضر لما عرفه الجمهور، لقد كان عبد الحميد ابن باديس خطيب هذا المسجد يلقي فيه المواعظ ويقدم محاضراته، غير أنه واجه صراعا داخل هذا المسجد عندما أمر مفتي المدينة الشيخ المولود بن الموهوب  بطرده من المسجد، لسبب واحد وهو الخلافات التي كانت بينه وبين مصطفى بن باديس والد ابن باديس، وقد عدها مصطفى بن باديس إهانة لعائلته، فكان عليه أن يحول ابنه إلى مسجد سيدي قموش، وهو مسجد العائلة، وكان هذه المرة الأولى التي يدرس فيها الإسلام خارج المدارس الرسمية التي تسيطر عليها الدولة، تجدر الإشارة أن أول مدرسة أسسها عبد الحميد بن باديس هي المدرس الباديسية الكائن مقرها بشارع ألكسيس لامبرت  Alexis Lambert، وكان منهجه إصلاحيا في الباديسية، ومن هنا نشبت الحرب الكلامية بين ابن باديس ومفتي المدينة المولود بن الموهوب، فكانت سببا في بداية تشتت الجزائريين وتفرقتهم، وانحراف الشباب عن المنهج الرباني، خاصة وأن ابن باديس كان أكثر تواصلا بالعلماء الإباضيين والزوايا والصوفيين الذين كانون من مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومنهم أحمد بن عليوة  رئيس الطريقة العلاوية،  والشيخ قاسم شيخ الطريقة الرحمانية ومفتي الحنفية والمالكية في الجزائر وشيوخ الإباضية، وتوفيق المدني، الطيب العقبي، امبارك الميلي، والعربي التبسي والأمين العمودي، الذين عرفوا فيما بعد بالعلماء غير الرسميين.

ولعل ظهور المعارضة داخل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين برزت أنيابها مع بداية 1932 حينما تعرضعضو في اللجنة تاسيس جمعية  عمر اسماعيل رئيس اللجنة الدائمة والصديق الحميم للشيخ أحمد بن عليوة للطرد من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لمعارضته الصريحة لرئيس الجمعية عبد الحميد بن باديس، واقترح محمد الحافظي عضو آخر في اللجنة تأسيس  جمعية جديدة للجزائريين "السُنّة"، وانسحب 500 عضو  من جمعية العلماء المسلمين والتحقوا بالمعارضة، ومن هنا انفجر الجدال حول الإسلام الصّحيح وفشل مشروع التعايش بين الإصلاحيون والتقليديون،و تعمقت الهوة عندما اقترح البشير الإبراهيمي  تشكيل حزب "الإصلاحيين" لتطهير الإسلام في الجزائر من بدعه، وهو ما يوحي أنه وقعت خلافات بين بن باديس والإبراهيمي، ثم اتهام ايطب العقبي الشيخ بن عليوة بالشرك،مما أجبر بن باديس على إعادة مراجعة مواقفه، خاصة وأن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كانت في نظر والي الجزائر العاصمة ( ميشال) تشكل تهديدا للقانون والنظام في الجزائر، حيث اصدر مرسمين يمنع بهما أعضاء الجمعية من استخدام المساجد الممولة من الدولة لأهداف التعليم والوعظ، فخرج الإصلاحيون إلى الشوارع والمقاهي في مظاهرات واعتقل كثير منهم، وكما جاء في الكتاب فمواقف عبد الحميد بن باديس دفعته الثمن، لدرجة انفصاله عن أبيه الباش آغا مصطفى بن باديس الذي كان ممثلا ماليا ومستشارا بلديا لقسنطينة، وغادر منزل الأسرة، كما كشف المؤلف الخلافات بين بن باديس وبن جلول الذي اتهم الطيب العقبي باغتيال المفتي، لكمن في الحقيقة وكما هو مدون فإن محاولة اغتيال عالم قسنطينة كانت مدبرة من الشرطة الفرنسية لتحطيم صورة بن باديس وأتباعه باي ثمن.ذ، كون الرجل أعلن عداءه لفرنسا وحكومتها، وعبر عن آرائه عن حول مسالة الحضارة للجزائريين وكذلك لبقية البشر.

 

قراءة علجية عيش