حسيب الياس حديداسس كتاب "اعمدة الحكمة السبعة"

من الاهمية بمكان ان نأخذ بالحسبان تأثر لورنس بالكتّاب العظام الذين كانوا مصدر الهام لتأليف كتابه الشهير. عرف عن لورنس ذوقه الادبي الرفيع الذي جاء نتيجة لقراءاته لمؤلفين مشهورين في الادب العالمي وليس فقط في الادب الانكليزي. ففي رسالة مؤرخة في 28/8/1922 موجهة الى ديفيد غارنيت اعرب لورنس فيها عن اعجابه العميق بكتّاب عمالقة في الادب العالمي منهم الكتّاب الفرنسيون من امثال فيكتور هيجو وفلوبير وغوتييه ولامارتين. وقد تأثر كثيراً برواية سلامبو لفلوبير التي تتناول موضوعاً نال اهتمام لورنس. وعبّر عن اعجابه ايضاً بالكتّاب الروس مثل ديستويوفسكي وتولستوي فضلاً عن اعجابه بالكتّاب البريطانيين. وذكر في رسالة بتاريخ 26/8/1922 الى ادوارد غارنيت ان لديه رفوفاُ من كتًاب عملاقة على حد تعبيره. وبناء على ذلك ذكر لورنس في رسالته انه يحلم بتأليف كتاب من هذا النوع. وبحث في الشعر وفي غيره من الالوان الادبية الا انه لم يفلح لانه كان يبحث عن موضوع خيالي يكون مادة لكتابه. فقد حاول كتابة قصائد شعرية الا انه اكتشف عجزه في هذا المجال ثم حاول في النقد فكتب عدة مقالات نقدية لكنها لم تكن الاّ اخفاقاً مضافاً لاخفاقاته السابقة. وحاول كتابة الرسائل وكتب فعلاً في حدود الف رسالة الى اصدقائه والى معارفه ولكنه لم يفلح ايضاً. علما ان لورنس من الناحية الادبية معروف باسلوبه الرفيع الذي جاء نتيجة لقراءاته الواسعة. ولكنه كان يؤكد في رسائله ان حلم حياته يتمثّل في تأليف كتاب بقيمة ادبية عالية. وبناء على ذلك اعترف اخيراً ان مشاركته في الثورة العربية كانت الفرصة السانحة له لتأليف ذلك الكتاب الذي كان يحلم بتأليفه واعترف في "اعمدة الحكمة السبعة" ان القدر شاء ودفعه الى المشاركة في الثورة العربية حيث وجد فيها الفكرة التي كان يبحث عنها لتكون مادة كتابه وكذلك فيها ملحمة بكل معانيها. واخيراً على حد تعبيره وجد فكرة جاهزة لكتابه وهي الفرصة التاريخية بالنسبة له (1) الا ان هذا الكتاب الذي كان يحلم في تأليفه يحتاج الى اسس ادبية رئيسة يعتمد عليها في انجازه. وفي الحقيقة اعتمد لورنس في تأليفه لاعمدة الحكمة السبعة على اربعة اسس رئيسة هي كتاب "رحلات في الجزيرة العربية" Travels in Arabia Deserta وكتاب "الحرب والسلام" ""War and Peace لتولستوي وهكذا تكلم زرادشت" "Thus Spake Zarathoustra لنيتشة و" موبي ديك"" Moby Dick" لهيرمان ميلفيل. ووجد في كل واحد من هذه الكتب اساساً ادبياً لتأليف كتابه.يذكر ان لورنس كان كثير القراءة في حياته وكان مولعاً بقراءة الادب والتاريخ والفلسفة مما جعله توّاقاً  الى تأليف كتاب له قيمة ادبية عليا  ويروّج ورواجاً كبيراً. ومن خلال قراءته تأثر بعدد من المؤلفين دون غيرهم. ويمثل كتاب جارلس دوتي بالنسبة له الكتاب الذي لا مثيل له والذي رافقه طوال حياته. ويعتبر هذا الكتاب "رحلات في الجزيرة العربية" دليل عمل بالنسبة له. وفي المقدمة التي كتبها لطبعة جديدة لهذا الكتاب اكّد لورنس انه درس هذا الكتاب لمدة عشر سنوات ولذلك اعتبره كتاباً ليس كغيره من الكتب حتى ذكر انه بالنسبة له يمثل انجيلا (2) ولكن عند قراءته المتكررة لكتاب دوتي وجد ان هنالك جوانب معينة لم يتم ذكرها في كتابه مما دفعه الى ان يذكرها في "اعمدة الحكمة السبعة". واذا ما قمنا باجراء مقارنة بين الكتابين فسوف نكتشف وجود العديد من التشابه في بعض الافكار وياتي الاسلوب الوصفي في مقدمة اوجه التشابه بين الكتابين. اذ اكد الاثنان على تأثرهما بالصحراء والطبيعة وهذه السمة المميزة للصحراء سحرت كل الرحالة والاجانب الذين قدموا الى المنطقة العربية. من امثال كارل رزوان وجيرترود بيل ولويل توماس وجارلس دوتي والكثير من الرحالة الذين تركوا مؤلفات حول الجزيرة العربية.

ومن ناحية اخرى نلاحظ ان كلا من لورنس ودوتي تحدثا باسهاب حول العقلية العربية وسماتها المميزة والعلاقة بين البيئة التي يعيشها البدو في الصحراء وانعكاسها على عقليته وتفكيره. واكد كلاهما على نقاء العقلية العربية وثرائها بالخيال الواسع والعميق. وتتسم سعة المدارك الفكرية والخيال بسعة الافق الواسعة في الصحراء. واكد لورانس الشيء ذاته في "اعمدة الحكمة السبعة" حيث قال "اذا كان هناك تفاوت اجتماعي بين الحضري والبدوي في اسيا العربية فان هناك تشابهاً عظيماً في طرق التفكير والنشاط الروحي. ومن الوهلة الاولى نجد عندهم صفاءً غريباً وصلابة فريدة في المعتقدً(3) ويستطرد قائلا : "انهم يرون العالم في اللونين الرئيسين : الابيض والاسود وفكرهم الجازم يحتقر الشك ولا يقبل التردد الذي تسلحنا به نحن الاوربيين لقراءة شؤون ماوراء الطبيعة ولا يرضون بالقلق النفسي وهم يعرفون بكل بساطة ما هو حق وما هو باطل وماهو ايمان وماهو الحاد"(4). وبكل اختصار عالج كل من لورنس ودوتي ظواهر اجتماعية وحضارية معينة في المجتمع العربي. ولعل ما اكّده كل منهما هي الضيافة العربية والطريقة المغدقة للكرم العربي. وبالطبع هنالك تفاصيل اخرى تجمع بين هذين الكاتبين. ولكن المهم من هذا كله هو ان لورنس تأثر بكتاب دوتي واعدّه اساساً رئيساً لاعمدة الحكمة السبعة. اذ اكتشف شخصية فريدة ورحالة نموذجياً قادراً على ان يعكس تجاربه المعاشة في الجزيرة العربية بصورة ادبية. ولعل ذلك يمثل بالنسبة له الاساس الذي يسمح من خلاله التعبير عن افكاره حول العرب والجزيرة العربية. الا ان لورنس يختلف عن دوتي في بعض المحاور التي تطرق اليها في كتابه. ومن اهم هذه الاختلافات غياب المرأة. اذ لم يذكر المرأة الا تلميحاً مرة او مرتين. اما النقطة الثانية فهي الدين اذ لم يذكر لورنس الدين في "اعمدة الحكمة السبعة" الا في اشارات عابرة.

مما تقدم اصبح من الواضح ان لورنس وجد فكرة رئيسة لكتاب "اعمدة الحكمة السبعة" ووجد امامه دليلاًَ سبقه بالكتابة عن الجزيرة العربية والمجتمع العربي. فقد قدّم كتاب دوتي صورة واضحة من وجهة نظر غربية عن المجتمع العربي وعاداته وتقاليده مما ساعده كثيراً في تذّكر ما قرأه عند دوتي عندما كان في الجزيرة العربية. كما ساعده كتاب دوتي على اختيار افكار محدّدة لتكون مادة لكتابه مع اعطاء استنتاجات حول العرب وعاداتهم وتقاليدهم دون الخوض في تفاصيلها.

اما الاساس الثاني الذي استند اليه لورنس في تأليف "اعمدة الحكمة السبعة" فهو كتاب "الحرب والسلام" للكاتب الروسي تولستوي. اذ يروي الكتاب احداث حرب دارت رحاها خلال السنوات 1805 – .1818 فقد وجد في هذا الكتاب اساساً ملحميا لكتابه  واعتبر ان الثورة العربية ملحمة متكاملة تتضمن العناصر الاساسية للنمط الملحمي. وكما هو معروف ان الخاصية الاولى للملحمة هي ان البطل لا يمكن ان يكون فرداً واحداً وانما الامة كلها وهدفها ليس شخصياً وانما يخدم المجموع وان المجموعة كلها تمثّل كليّة غنيّة بذاتها ومليئة بالمعاني السامية. و لابد من الاشارة الى ان البطل الملحمي لا يعبّر عن مشاعره الشخصية الذاتية وانما يعبّر عن مشاعر المجموع. فهو في الغالب شاعر يصدح بصوته المدوّى يروي لنا الاعمال البطولية الجليلة. وطالما انه فرد يمثّل المجموع فانه يظهر لنا بكامل ايمانه بقدراته ويتّسم بوعي تام لكي يضع قواه الطبيعية في مصاف القوى التاريخية. كما يتسم بالصراحة باعتبارها احد العناصر الاساسية للبطل الملحمي فضلا عن العدل والاستقامة التي هي محور اهدافه السامية. وغالبا ما يستعبد البطل الملحمي الاستبطان ويتحلى دائما بثقة عالية بنفسه. لذلك فان الملحمة تعبّر وبكل جلاء عن مآثر البطل منذ ولادته حتى وفاته. وقد وجد لورنس هذا كله في الثورة العربية ورجالها مثل الامير فيصل وعودة ابو الطي.

ومن السمات المهمة للملحمة والتي وجدها لورنس في الثورة العربية هي السمة البطولية للاحداث. اذ تعالج الملحمة بصورة عامة موضوعاً بطولياً يرتكز على فكرة ومفاهيم وطنية وقومية فضلاً عن ان الملحمة تعالج في الغالب فكرة الحرب والدفاع المشروع عن الوطن. وهذه السمة واضحة جداً في الثورة العربية وقام لورنس بدوره بتجسيدها في كتابه.

ومن العناصر الجوهرية الاخرى للملحمة هي الاسطورة الوطنية والقومية والماضي المجيد. ففي هذا اللون الادبي العريق تشكّل الاسطورة والماضي المجيد امرين مقدّسين ضمن المقاييس الملحمية العامة. ومن الجدير بالذكر ان الماضي الملحمي منفصل تماما عن الحقب اللاحقة وذلك بحدود يتعذر اجتيازها. ويتخذ هذا الماضي العريق صورة الاساطير الوطنية والقومية وهذا عنصر تنفرد به الملحمة. فاذا كان الماضي موضوع الملحمة فان الاسطورة مصدرها والاكثر من ذلك تضع الملحمة هذا الاساس بعيداً عن التجربة الفردية وبعيدا عن اكتساب المعرفة وكذلك عن اية مبادرة شخصية لفهمها وتحليلها. وبناء على ذلك يعد العالم الملحمي منجزاً ومتكاملاً طالما يعبّر عن حدث حقيقي يرجع الى ماض عريق مكتمل بمعانيه وقيمته (5) وفضلا عن ذلك فان عالم الماضي القومي والبطولي هو في الواقع عالم الاباء والاسلاف وتختص به الملحمة دون غيرها. وينبغي ان لا يغيب عن بالنا ان الماضي بحد ذاته لا يتمتع بتلك الاهمية بل ان مضامينه تكتنف ذلك الماضي في المادة الحيوية للشعب وبطولاته.

ومن جهة اخرى تتسم الملحمة ايضاً بصفة جوهرية اخرى وهي خلوها من الجريمة والانحراف وتقيم حدودا واضحة بين الجريمة والبطولة. وبهذا السياق لا تتعدى الملحمة كونها العالم الطفولي البريء وان اي انتهاك للقيم المتعارف عليها سيؤدي لا محالة الى الانتقام الذي بدوره يؤدي الى انتقام وثأر اخر وتستمر الحالة على هذه الشاكلة (6).

لقد وجد لورنس هذه الصفات الملحمية كلها وغيرها وادخلها في "اعمدة الحكمة السبعة". وحاول لورنس ان يقدّم ملحمة على غرار "الحرب والسلام" لتولستوي لتوفر كل العناصر الاساسية المكونة للملحمة اذ وجد السمة البطولية المتمثلة بالمقاتلين العرب الاشداء ووجد ايضاً الاسطورة الوطنية والقومية والماضي والمجيد وكيف ان العرب كانوا متحمّسين للقتال بدافع وطنيتهم وقوميتهم وماضيهم المجيد.

بعد ان رسخ لورنس الاساس الموضوعاتي والاساس الملحمي لكتابه بدأ يبحث عن اساس اخر يشيد عليه "اعمدة الحكمة السبعة" فاكتشف نيتشه وفلسفته المتمثلة بارادة القوة اساسا صلدا لمؤلفه. من المعروف ان لورنس كان من المعجبين بنيتشه وفلسفته وافكاره فيما يخص المعاناة وتفوق الارادة باعتبارها قوة لا تقهر. ويتضح تأثر لورنس بفلسفة نيتشه في القصيدة الاستهلالية في اول شطر فيها اذ يقول : "لقد احببتك ولذلك جذبت بيدي هذه الشموع في الناس مسطرا ارادتي بالنجوم عبر السماء".

من هذا يبدو جليا كيف ان لورنس عزّز فكرة الارادة وقوتها منذ بداية كتابه وكيف انها صنيعة المعاناة. فقد وجد لورنس ان المعاناة في الفعل ولكن هذا الفعل دافعه الاساسي وقوته الدافعة هي الارادة. وهذا واضح عند نيتشه الذي يعد المعاناة نوعا من الاستلذاذ. فعلى الرغم من الصعوبات التي لا حصر لها التي واجهها في الجزيرة العربية ابّان اقامته فيها الا ان مقاومته للصعوبات وارادته كانت تمنحه القوة والشجاعة لمواصلة عمله. واراد لورنس في الجزيرة العربية ان يختبر قوة ارادته وارادة قوته وقدرته على المعاناة الجسدية والنفسية على الرغم من ان هذه الارادة رسخت عنده الصراع بين الجسد والروح.

وحسب اعتقاده ان نيتشه يؤكد على معاناة  الانسان  عندما يفكر بطريقة افضل ويتصرف بشكل جيد ليقوى على نقاط ضعفه الجسدية. ويعترف لورنس ان هذه الارادة اتعبته حتى انه بدأ في "اعمدة الحكمة السبعة" يعبّر عن تعبه وضعفه وسوء صحته ولكن على الرغم من ذلك كان يفكر بصورة جيدة. والاهم من ذلك  ان نظرية نيتشه امدته بالكثير بغية تحقيق طموحاته ويتطلب ذلك ان يضع ارادته نصب عينه وان يسير وراءها بغض النظر مهما يعترض طريقة. وفعلا تبني فلسفة  نيتشة ولكن بدون حدود مما جعلته يعاني اكثر لانه افرط في هذه الفلسفة. والسؤال الذي يطرح نفسه هل  نجح لورنس  فعلاً في تبني فلسفة نيتشه ونقلها الى واقع معيش؟ في الحقيقة, بذل لورنس كل مافي وسعه من ان يضع فلسفة نيتشه موضع التنفيذ وحاول ان يتقبل المعاناة التي واجهها وتحملها ايضاً الا انه تجاهل حقيقة هي ان لطاقات الإنسان وارادته حدوداً لابد من ان يبلغها ولا يستطيع تجاوزها لانها سوف تكلفه الكثير وهذا ما حدث للورنس بصورة فعلية. اذ انه بالغ في اتباع فلسفة نيتشه مما سببت له صراعاً نفسياً عنيفاً بدأ يعبّر عن ذلك بكل وضوح في كتابه حتى انه ارتكب اكثر من جريمة قتل نتيجة اتباع هذه الفلسفة اذ قتل (حامد) وهي حادثة تركت اثارها السلبية على نفسية لورنس. ويمكننا ان نقرأ ما سطره لورنس حول هذه الحادثة في اعمدة الحكمة السبعة. "كان حامد امامي في واد ضيق  وكان الوادي يضيق كلما توغلنا داخله ورأيت الطحالب والحشائش تكسو جداريه وعندما اصبحت المسافة بين الواديين ضيقة اكثر اوقفت حامد واعطيته مهلة لا تتجاوز الدقائق القليلة التي امضاها يتدحرج على الارض باكياً ثم امرته ان يقف على قدميه واطلقت النار على صدره فسقط على الارض فوراً. واخذ يتدحرج حتى اصبح على مقربة مني وبيد مرتجفة اطلقت عليه الرصاص مرة ثانية فحطمت رصاصتي رسغه فاخذ يصبح مستغيثاً ولكن بصوت اقل ارتفاعاً. وكان مستلقياً على ظهره فانحنيت واطلقت عليه للمرة الاخيرة طلقة سددتها من تحت فكه الى رقبته فارتعش جسده ثم همد (7) تركت هذه الحادثة اثاراً سلبية مدمرة لدى لورنس وبدات معاناته تتفاقم واصبح يعاني من صداع نفسي عنيف اذ دفعته ارادته الى القتل ولكن هل  يعدّ ذلك انتصاراًعلى الانسانية؟ وتمرض من بعدها حتى انه اصيب بالكآبة والانهيار العصبي.

ومن الاهمية بمكان ان حادثة درعا التي تركت اثارها المدمرة والمستديمة على لورنس كان لها الاثر العميق في تدمير ارادته. في الحقيقة لم تصب ارادته باي خدش قبل حادثة درعا ولكن بعدها شعر بان ارادته انثلمت واخذ درسا منها مفاده وجود هوة كبيرة بين النظرية والتطبيق. اذ كان يعتقد ان ارادته لا تلين ولا تقهر وانها قادره على المضي حتى اخر لحظة في عمله متناسيا ان للقوى الجسمية حدوداً لا يمكن تجاوزها الا بثمن غال. حتى ان بدأ يعبّر عن عجزه وربما انتهاء دوره (8) حتى ان هذه السلسلة من الاحداث والمعاناة الجسدية والنفسية رمته اخيرا في احضان العدمية التي ضاعفت من معاناته.

وهكذا لاحظنا كيف ان لورنس تأثر بفلسفة نيتشه تأثراً كبيراً ولكنه لم يفلح في تطبيقها كلياً. وبهذا يكون قد حقق من الناحية الادبية اساسا ثالثا لاعمدة الحكمة السبعة. بقي له الاساس الرابع لكتابه والمتمثل برواية "الحوت الابيض" او "موبي ديك" للكاتب الامريكي هرمان ميلفيل كما تذكر لنا المصادر ان لورنس كان مولعا بهذه الرواية ووصفها بانها رواية عملاقة وجبارة Titanic

وكان يطمح ان يؤلف كتابا يضاهي رواية موبي ديك. في الحقيقة ساعده كتاب ميلفيل ليقدم كتاباً يحمل صبغة ادبية. اذ لابد  لرواية ان يكون لها بطل وراوي وشخصيات مع وجود العناصر الاساسية المكونة للرواية. في هذه الرواية اكتشف لورنس دور ميلفيل في "موبي ديك" ودور لورنس راوياً في القصة وشخصية ايضاً وربما بطلاً. ولا تخلو رواية ميلفيل من العناصر الملحمية اذ انها تتضمن بعضاً من عناصرها على الرغم من انها تعد ملحمة استبطانية. وتتضمن رواية "موبي ديك" عنصر الصراع بين الشخصية الرئيسة ايهاب ضد الحوت الابيض. وبهذا يكون ايهاب قد اكتسب صفات البطل الملحمي الذي يصارع قوى خارقة واسطورية ورأى لورنس في هذا الصراع ولو على المستوى الرمزي انه صراع مشابه للصراع الموجود في الجزيرة العربية. وهذه نقطة تشابه مهمة بين الروايتين. اما النقطة الثانية فانها تتمثّل في الجانب الوثائقي الذي قدمه كل من ميلفيل ولورنس. اذ قدم ميفيل في "موبي ديك" تفاصيل كثيرة عن الحيتان ومواسم هجرتها وحركتها والتفاصيل الجغرافية لاماكن تواجدها. ومن جهته قدم لورنس في "اعمدة الحكمة السبعة" تفاصيل كثيرة عن العرب  وتاريخهم واصلهم والجزيرة العربية.

والنقطة الثالثة التي تجمع بين الكتابين هي انهما غير منجزين أي ان كلاً من " موبي ديك" و"اعمدة الحكمة السبعة" روايتان غير منجزتين لانهما انتهيا الى  نقطة يتوقع القارئ وجود المزيد من التفاصيل لما حدث بعد النقطة التي انتهت اليها الرواية. ويبقى القارئ يتساءل عما حدث بعد ذلك. وهذا يعني ان القارئ كان يتوقع ان يتم اعلامه بما حدث بعد مغادرة لورنس المنطقة العربية ويتوقع ايضا ما حدث بعد ان تغلب الحوت الابيض على ايهاب. وتعد رواية  "موبي ديك" غير منجزة بالمعنى الذي يكون فيه الحوت قوة لا تقهر وتبقى لغزا يتجاوز ادراكه حدود الفهم البشري. وهنالك نقطة تشابه اخرى بين الروايتين تتمثل بوجود صراع فيهما. ففي "موبي ديك"  صراع مع قوى لا تقهر وهي القوى المتمثلة بالحوت الابيض ولم يستطيع ايهاب ان يقهر هذه القوة الرمزية الخيالية. واما  لورنس فلم يفلح في حربه اذ لم يستطيع العرب ان يحصلوا على استقلالهم كما ذكر ذلك. والنقطة الاخرى التي تجمع بين الروايتين هي استعمال الارادة فقد استعملها ايهاب في مطاردة للحوت ثلاثة ايام ولم تحقق ارادته النجاح. وهذا ينطبق على لورنس الذي قادته ارادته الى الفشل ومن ثم الى العدم ولم يتحقق ما كان يصبو اليه. ولعل النقطة الاخرى التي تجمع  بين الروايتين هي المكان او الفضاء الروائي المفتوح والواسع. في "موبي ديك" نجد الميحط بينما في "اعمدة الحكمة السبعة" نجد الصحراء وكل من  المكانين يعتبر مصدر خيال واسع جدا والتشابه بينهما قائم فسعة الصحراء تساوي سبة المحيط وزرقة السماء واحدة في الروايتين. ثم خلو الروايتين من النساء اذ لا وجود للنساء في رواية "موبي ديك" مثلما هي الحال في "اعمدة الحكمة السبعة" فالمجتمع الذي تطرق اليه في الرواية لم يكن للنساء ذكر فيه والشيء ذاته بالنسبة لطاقم السفينة لا وجود لامراة واحدة على متنها. وربما الوحشة التي يشعر بها الانسان في البحر هي ذاتها في الصحراء. واخيرا ينبغي ذكر نقطة مهمة اخرى تتمثل بالعلاقة بين الانسان والطبيعة اذ ان حجم الانسان صغير جداً  اذا ما قورن بحجم الصحراء وكذا الحال بالنسبة لايهاب في المحيط. ولكن على الرغم من صغر حجم الانسان الا ان قدرته العقلية واسعة وكذلك ارادته فهو ضعيف بجسمه ولكنه قوي بعقله وارادته.

مما تقدم يتبين لنا اوجه التشابه بين "موبي ديك" من جهة و"اعمدة الحكمة السبعة" من جهة اخرى ولعل لورنس حقق نجاحا عندما اعتمد هذه الرواية بمضامينها ورمزيتها اساسا اخر لكتابه. اذ هناك العناصر الرمزية التي تتمثل بالقوى الخفية وغير المرئية وصراع الانسان معها وهنالك الغاز في الطبيعة يصعب على الانسان اختراقها ومعرفة كنهها. ويعكس لنا ذلك ايضا ان الانسان يصارع القوى القوية هذه على الرغم من نتائجها وعلى الرغم من معرفته او عدم معرفته بالتغلب عليها. وربما يعرف الانسان ان لم يكن متاكداً تماماً انه غير قادر على التغلب على هذه القوى ولكنه يواصل كفاحه بتأثير الارادة والتصميم. وعلى كل حال استطاع لورنس ان يكتشف الاساس الرابع والاخير لبناء صرحه الادبي "اعمدة الحكمة السبعة". 

وباختصار يمكننا القول ان لورنس استطاع ان يجد في كل من الكتب الاربعة الوارد ذكرها اساساً ادبياً يقيم عليه ركناً من اركان كتابه. وكما ذكرنا وجد عند جارلس  دوتي المجتمع العربي أي انه وجد صورة حية لهذا المجتمع واعده موضوعا لكتابه  مضيفاً اليه ملاحظاته الخاصة به. ومكّنه كتاب دوتي من ان يكون الشخصية الرئيسة في كتاب "اعمدة الحكمة السبعة". اما في كتاب "الحرب والسلام" فوجد ملحمة يمكن ان تنطبق على الجزيرة العربية. فالحربان متشابهتان ويمكن ان تكون ملحمة جاهزة في كتابه. وبعد ذلك اقام هذين الاساسين على اساس فلسفي متمثل بفلسفة نيتشه في ارادة القوة وقام بتطبيق هذه الفلسفة دون معرفته بمقدار نجاحها. واخيرا وجد في "موبي ديك" ارادة عمياء لا تقود الا الى  الموت والفشل.

 

الدكتور حسيب  الياس حديد

........................

 (1) T.E. Lawrence : Sever Pillars of Wisdom, Jonathan Cape, London, 1943, P. 565

(2) T.E. Lawrence : Introduction au livre de Doughty P. 21

(3)   T.E. Lawrence : op. cit. p. 36

(4 ) Ibid

(5)  Mikhail Bakhtine : Epopée et roman, Recherche internationale à la lumière marxisisme, No. 76 -3e trimestre, 1973. P 14

(6)  George Lukacs : La theorie du roman, Traduit de I'allemand par Jean Clairevoye, Edition, Gouthier, Neuwied am Rhein, Berlin – Spandu, 1973 P. 54

(7) T.E. Lawrence : op. oit. P. 187

(8)    T.E.Lawrence: Ibid. P. 580

 

1175 علي القاسميدراسات في النظرية والتطبيق للدكتور علي القاسمي

أصدرت (مكتبة لبنان ناشرون) في بيروت، هذا الشهر، طبعة ثانية منقحة مزيدة من كتاب "الترجمة وأدواتها: دراسات في النظرية والتطبيق" للدكتور علي القاسمي. ويُستخدَم هذاالكتاب مرجعاً أساسياً في معاهد الترجمة وأقسامها وبرامجها في الجامعات العربية. وتقع هذه الطبعة في 248 صفحة من الحجم الكبير، وتزدان بطباعة أنيقة وتجليد جيد. وتبلغ الزيادة فيها 45 صفحة ناتجة من إضافة ثلاثة فصول جديدة لهذه الطبعة، وبذلك أصبح الكتاب يتألف من 12 فصلاً هي:

1) دور الترجمة في التفاعل الثقافي والحوار الحضاري،

2) الترجمة في الوطن العربي (بلدان المغرب العربي نموذجاً)،

3) المعاجم العربية المتخصّصة ومساهمتها في توطين التكنولوجيا.

محلق: قائمة معاجم المصطلحات الموحّدة بمكتب تنسيق التعريب بالرباط ( جديد).

4) هل ثمة إبداع في الترجمة؟ ( جديد).

5) نظرية الترجمة وعلم المصطلح،

6) أنواع المعاجم العشرة التي يحتاجها المترجم (جديد).

7) المترجم والمعجم الثنائي اللغة،

8) مشاكل المترجم في المنظمات الدولية،

9) خفايا الترجمة وفخاخها: متي يعتمر همنغواي الكوفية والعقال؟

10) في إعادة ترجمة الأعمال الأدبية المترجمة: ترجمة الأساليب والنفسيات،

11) ترجمة الشعر: حبٌّ وموتٌ ونفيٌ،

12) تبسيط العِلم بالأدب وترجمة الكتب العلمية.

وكان المؤلّف قد قدَّم بعض هذه الدراسات النظرية والتطبيقية في مؤتمرات دولية حول الترجمة في عواصم مختلفة مثل بيروت وسيئول وطنجة، ونشر بعضها الآخر في دوريات متخصّصة في المغرب ومصر، وشكَّل بعضها مقدّمات كتب ترجمها وناقش فيها قضايا الترجمة.

ويقول الناشر: " يلخِّص هذا الكتاب خبرة المؤلّف في دراسة الترجمة وتدريسها، وممارسته لترجمة عدد من الأعمال الأدبية العالمية، واضطلاعه بمراجعة ترجمة بعض وثائق منظمة الأمم المتحدة ومطبوعاتها."

يتناول الفصل الأول في الكتاب تاريخ الترجمة التي نشأت بوصفها وسيلة تفاعل ثقافي أو اقتصادي او اجتماعي بين الجماعات البشرية ذات اللغات المختلفة. ويضرب المؤلّف مثلاً على ذلك بالسومريين الذين تمكنوا من اختراع الكتابة، والعجلة، والمحراث، وتقسيم الزمن إلى وحدات، وسنّ القوانين والتشريعات، وأنشاء التعليم وتأسيس المدارس، وغير ذلك. وعندما سيطر البابليون بقيادة ملكهم حمورابي حوالي عام 1750 ق.م. على بلاد سومر، أخذ البابليون يعلّمون أولادهم العلوم السومرية. فاضطر المعلِّمون إلى استخدام الترجمة في نقل تلك العلوم من اللغة السومرية إلى اللغة البابلية، وإعداد قوائم ثنائية اللغة بالألفاظ السومرية ومقابلاتها البابلية. وهكذا قادت الترجمة إلى ابتكار أولى أدواتها، المعجم.

ويرى المؤلِّف أن الترجمة تساعدنا على معرفة الآخر وإدراك الذات في آن واحد. فالترجمة تقوم بتسليط الضوء على الآخر لنتعرّف عليه، وتعرُّفنا عليه يساعدنا على معرفة أنفسنا، لأننا لا يمكننا إدراك الذات مالم نعرف الآخر؛ فبالآخر يتحدّد الأنا.

وتؤدّي الترجمة إلى تلاقح الثقافات، فهي تؤثِّر في الثقافة المنقول إليها وفي لغتها،  حين تزوّدها بمفاهيم وعلوم وتقنيّات الثقافة المنقول منها، وتُغني لغتَها بألفاظ وتراكيب وأساليب جديدة.  ومن ناحية أخرى، فهي تؤدّي خدمة للثقافة المنقول منها بتوفير حياة جديدة للنص الأصلي. ومن الأمثلة على ذلك أن بعض كتب الفلسفة اليونانية مفقودة ولم يَستعِد الغربُ مضامينها إلا من خلال الترجمة العربية لهذه الكتب التي تمّت في العصر العباسي.

أما الفصل الثاني فيعرض عرضا مفصلاً لوضعية الترجمة في الوطن العربي من خلال صورة دقيقة لأوضاع الترجمة في بلدان المغرب العربي. فالمستعمر الفرنسي استخدم الترجمة وسيطةً بين الإدارة الاستعمارية والأهالي، وطريقة تعليمية لنشر لغته بينهم. أما بعد الاستقلال فقد استخدمت الدول المغاربية الترجمة أداة للاقتباس من النهضة الأوربية، وكذلك لتعريب الإدارة والتعليم في المغرب العربي. وهكذا أنشأت هذه البلدان معاهد الترجمة، ومؤسَّسات وضع المصطلحات، التي تعدّ من أدوات الترجمة . كما تطرَّق هذا الفصل إلى التشريعات المتعلقة بتشجيع الترجمة، وفي مقدمتها تعميم اللغة الوطنية وتنميتها، وتلك المتعلقة بالمترجمين  ومكافآتهم  ونشر إنتاجهم، وتأسيس مراكز الترجمة الوطنية والقومية، ونقل الكتب العلمية والتقنية إلى اللغة العربية بكمية كافية ونوعية جيدة.

ويتناول الفصل الثالث دور الترجمة  في تنمية التقنيات الوطنية وأهمها: بنوك المصطلحات، والترجمة الآلية. ويضم ملحق هذا الفصل قائمة معاجم المصطلحات الموحّدة التي أصدرها مكتب تنسيق التعريب بالرباط. التي يقارب عددها ستين معجما باللغات الإنجليزية والفرنسية والعربية. وأغلب هذه المعاجم في العلوم والتقنيات، وهي مخزونة في بنك المصطلحات في المكتب. ويمكن الاستفادة منه عن طريق الشابكة (الإنترنت)، وعنوان موقع المكتب:

 http:/www.arabiztion.org.ma

 في الفصل الرابع، يعرّف المؤلِّفُ (الإبداعَ) بأنه "إنشاء شيءٍ جديد من عناصرَ موجودة سابقاً". وهكذا فإن الخاصيّتيْن الجوهريتيْن في مفهوم (الإبداع) هما " تجاوز الواقع" و " تخيّل الجديد".  أما (الترجمة) فيعرّفها  بأنها "نقل معاني نصٍّ من لغة إلى أخرى". وهي تقتضي إعادة الكتابة في اللغة المنقول إليها. وهذه الكتابة الجديدة تتطلّب أسلوباً يختلف من شخص لآخر، طبقاً لدرجة الإبداع لديه، وذكائه، ومعرفته، ومزاجه، وقدرته على السخرية. ولهذا فالمترجم يبدع نصاً جديداً من عناصر لغوية موجودة سابقاً. ففي الترجمة إبداع كذلك.

 يوضّح الفصل الخامس العلاقة بين علم المصطلح ونظرية الترجمة. فعلم المصطلح هو "العلم الذي يبحث بين المفاهيم  العلمية والألفاظ التي تعبّر عنها". وقد يضطر المترجم أحياناً أن يقوم بدور المصطلحي عندما لا يعثر على مقابل لمصطلح علمي باللغة المنقول إليها. ولهذا لا بدّ للمترجم أن يُلمَّ بأصول علم المصطلح. ويستعرض هذا الفصل أهمَّ نظريات الترجمة التي تستند إما إلى علم اللغة أو علم الاتصال.  ينظر علم اللغة إلى الترجمة بأنها تقوم على عمليتيْن الأولى عملية تلقي معنى النص التي تمرُّ بثلاثة مستويات: الإدراك السمعي او البصري، وتفكيك النص لتحويله إلى مفاهيم ومعان، وإعادة بنائه لفهم مضمونه. والعملية الثانية هي عملية التعبير عن المعنى بمفردات وتراكيب يتلقاها القارئ. أما علم الاتصال فينظر إلى الترجمة بوصفها تواصل بين مرسلٍ ومتلقٍ وبينهما رسالة تمَّت صياغتها وفق قواعد معينة بسياق معين، وانتقلت من المرسل إلى المتلقي بوسط قد يتعرض لضوضاء خارجية أو مؤثرات داخلية قد تؤثر في وصول امعنى  الرسالة المراد إلى المتلقي.

 يحسب بعضهم أن المترجم العربي لا يحتاج إلا إلى أداة واحدة تتمثل في معجم ثنائي اللغة جيد. بيد أن الفصل السادس يبرهن على أن المترجم يحتاج لأداء مهنته إلى عشرة أنواع من المعاجم الجيدة هي: المعجم الثنائي اللغة، المعجم الأحادي اللغة لفهم لغة الأصل، المعجم الأحادي اللغة للتعبير  بلغة النقل، معجم للرموز والمختصرات والمختزلات، معاجم مختصة في العلوم المختلفة، معجم مفهرس لألفاظ القرآن الكريم، معجم مفهرس للحديث النبوي الشريف، معجم الاستشهادات، معجم الأعلام، معجم المتواردات. ويبيّن الفصل دورَ كل نوع من هذه المعاجم في تيسير عملية الترجمة.

يخصص المؤلّف الفصل السابع لخصائص المعجم الثنائي اللغة الجيّد الذي يشكّل الأداة الرئيسة بيد المترجم، مع دراسة تطبييقية على معجم " المنهل: فرنسي ـ عربي". ويرى المؤلّف وجود نوعين من المعجم الثنائي اللغة: معجم مخصَّص لفهم اللغة الأجنبية مقابل معجم مخصَّص للتعبير باللغة الأجبية. ثم يحدّد الخصائص الضرورية في المعجم الجيّد وهي:

ـ الاتساع الأفقي: كفاية عدد المداخل الرئيسة،

ـ الاتساع العمودي: كفاية عدد المداخل الفرعية.

ـ العناية بالتعابير الاصطلاحية والسياقية،

ـ دقة الملعومات الدلالية والمعلومات الأخرى: الصوتية والنحوية والتأثيلية.

ـ استخدام التمييز الدلالي، لمساعدة الممستعمل على فهم المعني المقصود للمقابل المتعدد المعاني.

ـ  العناية بأسماء الأعلام،

ـ الإشارة إلى مجال الاستعمال للألفاظ.

ويضرب المؤلِّف أمثلةً على عدم دقة المقابلات من معجم "المنهل" فمثلاً:

ـ But                          هدف، غرض، غاية

ـ objectif                هدف، غرض، قصد

ـ fin                       ...، غاية، مصير ...

وهذه المقابلات غير دقيقة، ولو أنها تنتمي إلى حقل دلالي واحد. وهي لا تساعد المترجم العربي. كان من اللازم أن يعطي المعجم مقابلات الكلمات الفرنسية الثلاث على الوجه التالي:

ـ But                      غرض

ـ Objectif                هدف

ـ Fin                        غاية

 

ويسوق المؤلّف أمثلة عديدة من هذا المعجم ليبرهن على وجهة نظره. مثلاً في حقل دلالي آخر يورد معجم "المنهل":

ـ Fosse                  لحد، ضريح.

ـ Mausolée            ضريح، قبر ضخم

ـ Tombe                ضريح،

ـ Tombeau            رمس، لحد، ضريح، قبر

يقول المؤلّف: " جعل المنهل كلمة ضريح مقابلاً للمفردات الفرنسية الأربع. وواقع  الحال خلاف ذلك. فهذه الكلمات لها معان مختلفة في حقلٍ دلالي واحد. والعربية هي الأخرى تعبّر عن هذه المعاني الأربعة بكلمات مختلفة. فالحفرة التي تُعدّ لدفن الميت تُسمى ( جدثاً ) Fosse، وعندما يُلحَد فيها الميت ويحثى عليها التراب، تُسمى (رمساً) Tombe، وعندما يُنصب على الرمس شاهدٌ يصبح (قبراً) Tombeau، وإذا بُني عليه بناء كبير عاد (ضريحاً). أما ( اللحد) فهو شق  في جانب الحفرة يُلحَد فيه الميت. ويُسمى التراب أو الرمل الذي يُحثى على الجدث (رمساً) كذلك. وكلمة (قبر) بالعربية لفظ عام يمكن أن يُطلق على جميع هذه الأشياء. وهكذا فالمقابلات الدقيقة هي على الوجه التالي:

ـ Fosse                جدث

ـ Tombe              رمس

ـ Tombeau           قبر

ـ Mausolée          ضريح

والمعجمي الذي يورد سلسلة شبه مترادفات مقابل كلمة واحدة مثله مثل الطبيب الذي يكتب في وصفته للمريض عدداً كبيراً من الأدوية لعلّه يصيب في واحد منها.

ويورد المؤلّف استشهادات من الشعر العربي للدلالة على صحة آرائه. كما يبين كيفيات التعامل مع الكلمات التي تغيّر معناها في السياقات المختلفة.

 يتناول الفصل الثامن مشكلات المترجم العربي في المنظمات الدولية، التي يمكن تلخيصها فيما يلي:

ـ عدم توافر معاجم ثنائية اللغة تتسم بالكفاية والدقة. وقد ناقش المؤلف ذلك في الفصل السابق

ـ ضآلة قدرة المترجم العربي الإنتاجية، الناتجة من تدني نوعية إعداده وقلة خبرته بسبب تبني التعليم العالي العلمي والتقني في البلدان العربية لغة أجنبية ( الإنجليزية أو الفرنسية) لغة تلقين. في حين أن الدول التي حققت تنمية بشرية عالية كاليابان وماليزيا والصين وتركيا وإيران وفنلندة وغيرها تستخدم لغتها الوطنية في جميع مراحل التعليم. (وطبعاً يتعلم طلابها لغات أجنبية، ولكن ليس بوصفها لغة التعليم، بل لغات أجنبية أو ثانية).

ـ مشكلة ضغط الوقت قد تؤدي إلى وقوع المترجم في الخطأ. فالمترجم في المنظمات الدولية محدد بوقت عليه أن ينتج فيه النص المكتوب، أو إذا كان مترجماً فورياً فعليه أن يأتي بالترجمة الشفوية في الحال. فليس لديه الوقت المتاح لاستشارة الشابكة أو الاستنجاد بمعجم من المعاجم. وتختلف متطلَّبات الدول والمؤسّسات الدولية من حيث إنتاجية المترجم اللازمة. فالحكومة الأمريكية مثلاً تطلب من المترجم الواحد إنجاز ما بين 5 و7 صفحات في اليوم، ومنظمة الأمم المتحدة تطالبه بـ 8 صفحات، والشركات الألمانية بـ 9 صفحات ( معدل محتويات الصفحة الواحدة 220 كلمة). ويشرح الكتاب العوامل التي تؤثِّر في قدرة المترجم الإنتاجية، مثل: صعوبة النص، والهدف من الترجمة، ووسائل المترجم وأدواته، واللغة التي يترجم إليها، والضوضاء الخارجية التي تؤثر في عمله، إلخ.

ـ خطورة نتائج الخطأ الذي يقع فيه المترجم الدولي: فإذا كان خطأ المترجم الأدبي قد يؤدّي إلى إفساد متعة القارئ وفهمه للنص، فإن خطأ المترجم في المنظمات الدولية قد يؤدي إلى إفساد العلاقات بين دولتيْن. يروي مترجمٌ أمريكي أنه كان يترجم في اجتماع بين الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، والرئيس السوفيتي غورباتشوف حول الحد من الأسلحة النووية، وأخطأَ في ترجمة أحد المصطلحات التقنية . فذهب بعد الاجتماع إلى الرئيسيْن ليعتذر، فقال له الرئيس الأمريكي مازحاً: احمد الله أن خطأكَ لم يؤدِ إلى اندلاع حرب عالمية نووية.

والفصل التاسع هو مقدّمة المؤلِّف لترجمته لكتاب " وليمة متنقلة" لإرنست همنغواي، الذي بلغت طبعاتها إحدى عشرة طبعة في مختلف العواصم العربية. ويقول المؤلِّف إن كتاب همنغواي أُهدِي إليه عندما كان طالباً في الجامعة الأمريكية في بيروت أواسط الستينيات وأُعجب به وأراد ترجمته إلى اللغة العربية، ولكنّه تردّد ولم يُقدِم على ترجمته إلا بعد أكثر من ثلاثين عاماً. ويعود تردُّده إلى أن الكتاب يضمُّ ذكريات همنغواي عن باريس عندما أقام فيها عدة سنوات في بداية العشرينيات من القرن الماضي. ولم يكن المترجم يعرف باريس، فخشي أن تجانبه (الأمانة) في النقل. إضافة إلى ذلك أن همنغواي كان يتحدث عن الهوايات التي كان يزاولها في باريس مثل الرهان في سباقات الخيل، وألعاب الدراجات البخارية، وتناول أنواع الخمور والمشروبات الكحولية، والمترجم لا خبرة له فيها، فخاف أن يجانبه (الصدق).

وبعد أن درس المؤلّف في الولايات المتحدة وفرنسا تغيّر مفهوم (الصدق) و(الأمانة) لديه. واقتنع بانه لا يشترط في المترجم ممارسته فعلاً خبرات المؤلِّف الأصلي وتجاربه لتكون ترجمته صادقة. فالصدق صدقان: صدق واقعي وصدق فني. وحتى المؤلِّف الأصلي قد يتحدّث عن أمور من المتخيَّل وليس من الواقعي، فيصوِّر أحداثاً لم تقع، وتجارب لم يخبرها، ومع ذلك يحقق نجاحاً إذا توفرت له مخيلة مبدعة وتحلّى بالصدق الفني.

ولم تعُد الأمانة تعني المطابقة التامة بين النص الأصلي والنص المترجَم، لأنه لا توجد مطلقاً مطابقة تامة بين لغتيْن مهما كانت درجة القرابة بينهما، ومهما بلغ التشابة بين بنيتيهما وأساليبهما. ولهذا فالترجمة الكاملة غير موجودة بتاتا؛ فكل ترجمة يشوبها القصور، ونجاح أي ترجمة نجاح نسبي.

والفصل العاشر هو دراسة للمؤلِّف نشرتها مجلة " لوجوس" التي تصدرها جامعة القاهرة في عددها الخاص عن الترجمة. وتحاول هذه الدراسة الإجابة على السؤال: لماذا نعيد ترجمة الأعال الأدبية المترجمة سابقاً؟ فيقدّم المؤلِّف عدة إجابات محتملة:

ـ لأن طبعة الترجمة السابقة قد نفدت ولم تعُد متوافرة في الأسواق،

ـ لأن اللغة في تغيّر وتحوّل وتطوّر باستمرار،

ـ لأن الترجمة تزيد متعة القراءة لدى المترجم،

ـ لأن الترجمة تعلّم المترجِم الكتابة الأدبية الإبداعية،

ـ لأن المترجم كالممثل، ويختلف الممثلون في أداء الدور الواحد.

ولكي  يكتب المؤلِّف دراسته لمجلة " لوجوس"، قرر أن يترجم كتاباً له عدة ترجمات سابقة، فوقع اختياره على قصة " الشيخ والبحر" التي نال على إثرها إرنست همنغواي جائزة نوبل وتتجاوز ترجماتها العربية ثلاثين. ثم قارن ترجمته بترجمتيْن سابقتيْن أحدهما لشيخ المترجمين العرب، المرحوم منير بعلبكي، والأخرى للدكتور زياد زكريا. وأثبت من خلال أمثلة كثيرة أن الترجمتين السابقتين لم تراعيا أسلوب همنغواي الذي يتميز بالسهولة، والاقتصاد في اللغة، وعدم المبالغة، واللغة الإشارية، واللامباشرية،  وإشراك القارئ في العملبة الإبداعية. ويزعم المؤلف أن وظيفة الترجمة ينبغي أن لا تقتصر على نقل المعاني، بل كذلك الأساليب، والنفسيات في الثقافة الأصلية. ويتطرق إلى إلى قضايا عديدة، مثل ترتيب الصفات والنعوت في الجملة العربية، وشروط الإضافات المسموح بها للمترجم، ومدى قدرته على تغيير الصيغ اللغوية، مثل تغيير صيغ الماضي إلى المضارع، أو تغيير الكلام غير المباشر إلى الكلام المباشر، أو تغيير الصيغة الاستفهامية إلى الصيغة الخبرية، وهكذا.

ويتناول الفصل الحادي عشر مسائل شائكة في ترجمة الشعر، من خلال ترجمة الدكتور بسام خليل فرنجية لخمسين قصيدة من آخر ثماني مجموعات شعرية للشاعر الرائد عبد الوهاب البياتي إلى الإنجليزية. وقد نشرت جامعة جورج تاون في واشنطن تلك الترجمات في كتاب عنوانه " حب وموت ونفي" ضمن احتفالاتها عام 1989 بمناسبة الذكري المئوية الثانية لعيد الاستقلال الأمريكي.

أما الفصل الثاني عشر فينصبُّ على مشاكل ترجمة الكتب العلمية، متخذاً من ترجمة المؤلّف لكتاب رواية " أحلام أنشتاين" للدكتور ألن لايتمن، منطلقاً لهذه المشاكل.  والدكتور لايتمن يضطلع بتدريس الفيزياء الكونية في أشهر جامعة تقنية أمريكية هي معهد ماسشوست للتكنولوحيا (M.I.T.)، وفي الوقت نفسه يقوم بتدريس الكتابة الإبداعية فهو شاعر روائي قصاص، وهذا ما لم يحصل في تاريخ هذه الجامعة. وفي هذه الرواية يسعى لايتمن إلى تبسيط بعض محاور النظرية النسبة للقارئ عن طريق سبكها في قصص قصيرة متسلسلة لتكون رواية رائعة.

ويعرض المؤلِّف أهم الصعوبات التي واجهته في ترجمة هذه الرواية. وأبسط هذه الصعوبات أن كلمة (Time) باللغة الإنجليزية لفظ مشترك تقابل معانيه المختلفة باللغة العربية ثلاثة ألفاظ مختلفة هي زمان وزمن ووقت، ما يتطلب جهداً وتركيزا وانتباها من المترجم لئلا يفسد معاني الكتاب المقصودة. ف (الزمان) هو حركة الكون، وهذا اللفظ العام يتألف من (زمن) ماضٍ، و(زمن) مضارع، و (زمن) مستقبل. فالـ (الزمن) فترة من فترات (الزمان)، كما في قولنا "زمن الصبا ولّى"، أو كما يقول نزار قباني في قصيدته  " إلى نهدين مغرورين":

عندي المزيدُ من الغرور

فلا تبيعيني غرورا ...

من حُسن حظكِ

أن غدوتِ حبيبتي زمناً قصيرا.

فالزمان أطول من الزمن طبقاً لمقولة علما اللغة العرب الأقدمين : " زيادة المبنى تفيدُ زيادة المعنى".

و (الوقت) جزء صغير من (الزمن)، كما في قولنا "وقت الصبح" أو " دخل وقت صلاة العصر"، أو كا قال الشاعر ديك الجن الحمصي الذي قتل حبيبته بسبب وشاية كاذبة، ثم قتله الندم والأسى:

 قولي لطيفكِ ينثـــني... عن مضجعي وقتَ الرقاد

 كي أستريح وتنطفي... نــارٌ تأجــجُ فــي الفـــؤاد

وقد يقع الخلط في الاستعمال مجازاً، أو بسبب استعمال العام للخاص وبالعكس.

وفي آخر الكتاب يضع المؤلِّف سيرة علمية موجزة له تشتمل على أكثر من خمسين كتاباً من مؤلفاته مع تاريخ النشر واسم دار النشر لكل طبعة من طبعات كل كتاب. وكذلك أزيد من خمسين كتاباً ورسالة جامعة كُتِبت أو نُشِرت عن كتبه.

    

 

صفاء الصالحيمع سقوط مدينة غرناطة آخر معاقل الوجود الإسلامي والعربي في الأندلس سنة (1492م) دخلت شبه الجزيرة الإيبيرية مرحلة جديدة في تاريخها سياساً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وحظى التغير في المنظومة الثقافية بالإهتمام الابرز من اجل تبديد التراث الفكري والأدبي العربي الإسلامي، واصدرت العديد عشرات القرارات التي تجهز على أي نشاط فكري أو ثقافي يمت بصلة لما قبل هذا التاريخ، وبمقتضى مرسوم سنة (1667م) تم حظر استعمال اللغة العربية ومصادرة الكتب المدونة بها، لكن لغة سلطة حاكمة دامت حوالي ثمانية قرون في مجتمع وباتت جزءاً من تكوينها الثقافي لن يغيب أدبها دون ترك أثر في الأذواق والأفكار والأساليب اللغوية . وفي ظل هكذا تحولات ثقافية عظيمة تغدو محاولات دراسة مواطن التلاقي وإثبات صلاة تأثير وتأثر الأدب العربي بالأدب الاسباني ميدان إستقصاء بالغ الأهمية تتداخل به الترجمة مع الدراسات المقارنة، وتاتي ترجمة الموسوعي جلال زنكَابادي لمرثية الشاعر الاسباني خورخيه مانريكي الى العربية ترجمة مقرونة بدراسة مستفيضة لجذب أنظار الباحثين المختصين في الأدب المقارن " بين الأدبين العربي والاسلامي ".

الكتاب صادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون سنة 2012م، ويستهل المؤلف منجزه بالإهداء (الى الأستاذ فخري كريم الراعي الجليل للثقافة الأنسانية ومبدعيها الحقيقيين ؛ عرفاناً منا بجميله الفياض دوماً ...)، يقع الكتاب في 119 صفحة من القطع المتوسط، وقبل الإشارة الى الى طريقة الزنكَابادي في ترجمته للمرثية لابد من الإشارة الى تعريفه لسيرة الأمير الشاعر خورخيه مانريكي (1440-1479): شاعر اسباني من العصر العصر الوسيط، من اسرة عريقة الحسب والنسب، استفاد منذ صباه من الاطلاع على مكتبة عمه "دييكَو كَوميث مانريكي " الشاعر والكاتب المسرحي ورئيس بلدية توليدو، ودرس خوخيه مانريكي القانون والعلوم العسكرية وتبلورت لديه ثقافة شبه موسوعية تشتمل على(القانون، والعلوم العسكرية، والتاريخ، والأدب، والدين)، وكان ذا إطلاع باللغات اللاتينية والايطالية والفرنسية، ولكن انخراطه في الأحداث الدامية في عصره حالت دون التفرغ الى موهبته الشعرية، ولم يخلف إلا ديواناً صغير الحجم، ضم فيه مرثيته لوالده، ومع ذلك تعد المرثية من عيون الشعر الاسباني على مر العصور، وحظيت بالترجمة الى العديد من اللغات العالمية، ومن مظاهر الاحتفاءات الرسمية به: استحدثت جائزة أدبية بأسمه، وإصدار طابع بريدي مزين ببورتريه له، ونصب أكثر من تمثال له، وتدريس شعره ضمن مناهج المعاهد والكليات الأدبية ليس في اسبانيا فحسب بل في بلدان امريكا اللاتينية، لقد حقق مانريكي مجده المشهود كشاعر أرستقراطي جامع بين السيف والقلم .يثري المؤلف بخبرته الكتابية والشعرية بالغتين العربية والكردية والترجمة إليهما عن بضع لغات منذ عقود منجزه الثر، فيطلق عنان الاجتهاد في طريقة الترجمية التي يسميها بالمنثومة (نظم +نثر مسجوع)، ولا يلتزم باستخدام كل بحر على حدة بل يمزج بين ثلاث بحور في النظم مع اللجوء الى النثر المسجوع، ويولي اهتمامه بترجيح أولوية نقل المعنى على الانصياع لجمال المبنى دون التفريط بالجرس والإيقاع الضروريين للشعر، مع تلافي الإنزلاق في النثرية المنفلتة الفضفاضة . ويذهب الزنكَابادي في الإستقصاء متعكزاً حدسه الشعري الى ان هناك وجه مشابهة وارض مشتركة بين مرثية مانريكي لأبيه ومرثية الأندلس للاديب والشاعر الأندلسي أبي الطيب الرندي (1204-1285م)، من خلال التطابق العددي الاثنين والاربعين للمرثيتين، ومدى التشابه الوارد بين تساؤلات الشاعرين، وان كلتا المرثيتين تجسد منعطفاً تاريخياً لبني جلدة الرندي ومانريكي، فالأولى تؤشر انهيار الاندلس وانحسار الأسلام، والثانية تؤشر نهوض اسبانيا المسيحية، وان كلا الشاعرين لم يكن بمعزل عن الاطلاع على آداب الشرق، ولا يستبعد الباحث تأثر الرندي المؤثر في مانريكي أصلاً بالشعراء المشارقة (البحتري، وسعدي شيرازي). لقد بذل الزنكَابادي جهداً ذا اثر محمود في تسليط الضوء على مدى التلاقح الثقافي والمساحة المشتركة بين الأدبين العربي والاسباني والتي من شأنها تطوير مبدأ التواصل الحضاري ما بين الحضارتين، وما قدمه من إشارات تبين أثر هذا التاثير تصلح ركيزة مهمة للدراسات المقارنة على صعيد المدرستين الفرنسية والأمريكية، لعل المختصين المتعمقين بهذا الحقل من حقول المعرفة الأ دبية يتتبعون تلك الإشارات لإستقراء الجواب الشافي: هل تأثر مانريكي بالرندي أم لا؟

 

صفاء الصالحي

 

صالح الطائيمن الحقائق المسلم بصحتها أن السياسيين العرب كانوا على درجة عالية من الدهاء السياسي الذي مكنهم من مصادرة الإسلام المحمدي وإعادة بنائه وفق توجهاتهم الفكرية، ومن ثم تسويقه إلى الناس على أنه دين الله المنزل.

ومن الحقائق التي لا يقبلها عقل ولا دين قولهم: إن "شريعة نبينا محمد (ص) ناسخة لجميع الشرائع بالإجماع، وهذا خلاف العقل والمنطق.

ومن الحقائق التي لا يمكن انكارها أن المجتمع يوم ذاك كان يتألف من ثلاث مجاميع فرقية:

1ـ النخبة المؤمنة التي حاولت أن تسيطر على الأوضاع فلم تفلح، فانزوت في ركن قصي تعمل بصمت، وتنتظر الفرصة، وكانت تمثل الأقلية.

2ـ طبقة السياسيين وأتباع الفصيل السياسي الذين كانوا في منتهى النشاط والنباهة والحدة والقوة والاندفاع، والذين لم يأبهوا بما قد يصيب الإسلام من تحركاتهم المشبوهة، وأصروا على المضي والجهاد من أجل تحقيق الفوز بكل الوسائل الممكنة، وهؤلاء يمثلون النخبة التي تملك السطوة والقوة والمال والشراسة.

3ـ الدهماء وعامة الناس من الفقراء والموالي والعبيد والأميين والجهلة وضعاف الإيمان والبسطاء والباحثين عن السلامة، من عامة المجتمع؛ والذين لا يميزون بين الصح والخطأ، ولا يملكون قدرة التفريق بين مناهج الدين ومناهج السياسة، ما دامت مصطلحاتها متشابهة، حيث يلتبس الأمر عليهم لبساطتهم وقلة أباليتهم واهتمامهم.

1166 الناسخ والمنسوخ

والحقيقة الكبرى أن السياسيين استغلوا هذا التباين الفكري، والخلل في ميزان القوى بينهم وبين المعارضة، فبنوا قواعد متينة مكنتهم من السيطرة على مجريات الأمور في مجتمع كان قريبا من زمن البعثة، ولا زالت مصطلحات الدين تتردد في أركانه بقوة، ولكنهم بسبب حنكتهم السياسة، ومقدرتهم الفكرية، أدركوا أن وجودهم سيبقى غير مرغوب فيه ما دامت مؤشرات البعد عن روح العقيدة في منهجهم ودنيويتها واضحة المعالم، وهذا ما ألجأهم للبحث عن أفكار جديدة بسيطة في صياغتها، عميقة في معناها وأثرها، أصلها سياسي بحت، وظاهرها ديني لا غبار عليه، تتحكم منظومة التقديس بدرجة قبولها واستساغتها.

في هذا السياق الخطير كان التلاعب بالسنة النبوية أحد أهم ميادين التغيير، حيث وظَّف السياسيون مجاميع من النفعيين البراغماتيين والمندسين والزنادقة وأعداء الدين المتسترين بالإسلام ليصنعوا ويضعوا لهم مجاميع من الأحاديث المنسوبة إلى النبي (ص) لا لتخنع الناس فحسب، بل وتأمرهم بقبول الأمر الواقع دون اعتراض، وقد كان اختراق السنة النبوية سهلا يسيرا لم يحتج إلى كثير عناء، وكل الدلائل أثبتت أن السنة النوبية تعرضت إلى هجمات مختلفة القوة نجح بعضها في المرور حتى على رجال الجرح والتعديل، ولا زالت الأمة تتعامل به على أنه محمدي الأصل ولا غبار عليه!.

مشكلة السياسيين الكبرى كان القرآن المجيد حيث كان الناس يحفظونه كاملا أو مجزأً، على خلاف السنة التي لم تتاح للجميع فرصة سماعها من فم النبي، والتي وصلهم أغلبها على لسان الرواة بالمعنى لا بالنص الحرفي، مما تسبب في تغيير معاني الكثير منها تبعا لفهم الناقل ودرجة استيعابه وإيمانه وحتى قصديته، فضلا عن ذلك كان هناك تعهد رباني بحفظ القرآن الكريم من التحريف، قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، وهذا يعني أن القرآن سيعجزهم، ويفشل مشاريعهم، ويضعهم في مرمى المخاطر، فتفتقت عقولهم عن مؤامرة في غاية الخطورة، لموضوعها أصل في العقيدة، هي موضوعة الناسخ والمنسوخ، التي تعددت غايات وجودها وأسباب حدوثها، والتي لم يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، لأن كثرتها في القرآن تخلق شكا في النفوس، يترك أثرا عميقا.

استغل السياسيون هذه الفسحة، ولاسيما وأن الجميع باستثناء قوى المعارضة، كانوا يخشون شرخ قدسية القرآن أو المساس بها، ربما حتى مع علمهم بزيف ما ألقي إليهم، ولذا عليهم تقبل ما يلقى إليهم بهدوء ودون اعتراض، فهو القرآن الذي لا يعلمه إلا صاحب عظ عظيم، وهم لا يملكون سوى النزر اليسير من الحظ، وبالتالي يبدو سكوتهم وعدم اعتراضهم أسلم لهم دينيا ودنيويا، دينيا نتيجة خوفهم من مخالفة الشريعة، ودنيويا نتيجة خوفهم من غضب السياسيين.

السياسيون من جانبهم استغلوا كل ذلك، وهيأوا الأجواء من خلال التثقيف عن طريق الإعلام الرسمي؛ الذي بدأ يردد مصطلح الناسخ والمنسوخ أمام الناس لكي ينتبهوا له، وحينما تأكدوا من انتباه الناس لهذا المصطلح وشيوعه بلينهم، بدأ الموظفون والأُجراء وعمال الخدمة الفكرية لديهم بتفسير الآيات على خلاف ما سمعه الصحابة (رض) من رسول الله (ص) مدعين أن الآية الفلانية نسخت واحدة أو أكثر من الآيات الأخرى، إلى درجة انهم ادعوا زورا وبهتانا أن الآية رقم خمسة من سورة براءة: (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) نسخت لوحدها 1440 آية، ومن ثم عادت إلى نفسها فنسخت أولها، ومن ثم نسخت آخرها، وأبقت على وسطها فقط، وبالتالي نسخت هذه الآية وصويحباتها من الآيات الأخرى كما كبيرا من كتاب الله، ومن السنة النبوية، وكل عهد ووعد وموادعة عقدها رسول الله (ص) مع أحد من الآخرين كتابيا أم مشركا.

وحينما عجزوا عن إيجاد الآية الناسخة، مع وجود مخاطر جمة يمثلها بقاء الآية المراد نسخها، اخترعوا قواعد ما أنزل الله بها من سلطان، حيث قسموا النسخ على ثلاثة أقسام:

(1) ما نُسخ حرفه (تلاوته)، وبقي حكمه، مثل: آية رجم الزاني والزانية، وآية رضاعة الكبير، وعدد آيات هذا القسم قليل جدا. وقد استغل السياسيون هذه القاعدة للادعاء بأن الله سبحانه نسخ بعض آيات القرآن، ولكنه لم ينسخ حكمها، ومن يستغرب من وجود ذلك الحكم عليه أن يقنع أن آيته نسخت، دون ان يبينوا العلة من وراء ذلك!.

(2) ما نُسخ حكمه، وبقي حرفه (تلاوته). وقد اختلفوا في مقداره، فمن توسع منهم أدخل فيه آيات كثيرة جدا، ومنهم الزركشي في قوله: "وهو في ثلاث وستين سورة"، وطبعا هناك في بعض السور من ثلاث إلى تسع آيات منسوخة، ومن اقتصر حكم بقلته، ومنهم السيوطي بقوله: "وهذا الضرب هو الذي فيه الكتب المؤلفة، وهو على الحقيقة قليل جدا، وإن أكثَرَ الناسُ من تعداد الآيات فيه، فإن المحققين كالقاضي أبي بكر بن العربي بين ذلك وأتقنه". وقد استغل السياسيون هذا النوع لإيقاف العمل ببعض الآيات مدعين أن هذا حكمما منسوخ، ولكن الله لم يحذف آيته، وهنا أيضا لم ينجحوا في تبيان العلة من وراء ذلك!.

(3) ما نُسخ حكمه ونسخ حرفه. وهو ثالث الأنواع. وهذا ما لا تأثير واضح من وجوده إلا إذا ما ادعى بعضهم أن لديه سورة أو مجموعة آيات أو آية منسوخة ولكنه لا زال يحتفظ بها!.

فضلا عما تقدم، وضعوا قاعدة فقهية خطيرة أخرى، ادعوا من خلالها أن السنة النبوية تنسخ القرآن، ولكنهم اختلفوا في هذا الأمر بين مجيز ومانع، وقد ذهب مالك وأتباع أبي حنيفة وأكثر المتكلمين إلى جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وعدم وجود مانع شرعي من ذلك باعتبار أن القرآن وصف النبي(ص) بأنه: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)، وقوله (ص): "ألا إني أوتيتُ القرآنَ ومثلَه معه".

وذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه وأكثر الظاهرية إلى عدم جواز نسخ السنة للقرآن.

ووضعوا قاعدة فقهية أخرى، ادعوا فيها جواز نسخ القرآن للسنة، وقد اختلفوا في هذه القاعدة أيضا، فقال أغلبهم بجوازه، أما الشافعي فله رواية لا تجيز هذا النوع من النسخ قال فيها: "ووجه الدلالة أنه - سبحانه - قد جعل السنَّة بيانًا للقرآن، والناسخ بيان للمنسوخ، ولو كان القرآن ناسخًا للسنة لكان القرآن بيانًا للسنة، وهذا لا يجوز". وبالتالي وضعوا قاعدة فقهية عامة شاملة قالوا فيها: "نسخ السنة بالقرآن لا يمتنع عقلاً؛ فكلاهما وحي من الله تعالى، كما أن هذا النَّسخ وقع، والوقوع من أقوى الأدلة على الجواز، بل هو أدل دليل على الجواز.

ورابع قواعد النسخ التي وضعوها هو موضوع نسخ السنة بالسنة، ومنه:

- نسخ المتواتر بالمتواتر، كما في قول الجويني: "ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر"، وقد اختلف معه الفوزان بقوله: "وأمثال نسخ متواتر السنة بمتواترها فلا يكاد يوجد".

- نسخ الآحاد بالآحاد، وهذا لم يختلفوا فيه لأنهما في درجة واحدة.

- نسخ المتواتر للآحاد: ولم يختلفوا في هذا النوع؛ لأن المتواتر أقوى من الآحاد، فلا مانع من نسخ الآحاد بالمتواتر.

- نسخ الآحاد للمتواتر: وقد اختلفوا في جوازه شرعًا، واتفقوا على جوازه عقلاً؛ فذهب الجمهور إلى المنع، وذهب الظاهرية إلى الإثبات.

- نسخ الآحاد بالآحاد: وهذا النوع كذلك لا خلاف فيه بين القائلين بالنَّسخ؛ لأن الناسخ والمنسوخ في درجة واحدة، فلا مانع من أن ينسخ أحدهما الآخر.

وقد اختلفوا كثيرا في جواز وعدم جواز أنواع النسخ التي تحدثنا عنها، ليس في وقتها ولكن بعد أكثر من قرن ونصف على إيجادها، أي بعد أن أدت الغرض الذي صنعت من أجله وأنطفأ تأثيرها وقلت أهميتها. لكن بالمحصلة أحدثت فوضى الناسخ والمنسوخ شرخا كبيرا في الإسلام، صادر طيبته وسماحته وقبوله للآخر وحبه للتعايش بين الأمم والسلام العالمي وكراهة الحرب إلا إذا فرضت.

كل ذلك تناولته بتوسع مقرونا بالأدلة العلمية والنقلية في كتابي الموسوم "الناسخ والمنسوخ محاولة سياسية لإعادة تراتبية الإسلام"، الذي صدر عن قسم النشاطات الدينية في العتبة الحسينية المشرفة، إكمالا لمنهجي في نقد الفكر الديني المتوارث واعتماد الأسس العلمية والعقلية السليمة في قبول أو عدم قبول الكثير من القواعد والأحكام.

 

صالح الطائي

 

سعد الساعديانخيدوإنا كاهنة المعبد السومريّ، أميرة أكد، ومبدعة عصرها*

ليس غريباً في بلدٍ ظهرت فيه أولى الحضارات والكتابة، وجود تنوعٍ يختلف عن كل ما موجود في المعمورة، ومنه الأدب والشعر وفنونٍ أخرى أرّخَ لها علماء الآثار الغربيين قبل غيرهم وهم يكتشفون أسرار الحضارة السومرية ومنجزاتها قبل آلاف السنين .

واحدة من مآثر التاريخ السومري، وحضارته الراقية شاعرة قيل أنها أول امرأة في التاريخ كتبت الشعر وغيره من كتابات، وبعضهم صنّفها كأول ناشطة نسوية مدنية تحاكي قصائدها واقعنا اليومي وهي تصف بوجدانها انسانية الوجود، ومآسي الحروب، وما يتعرّض له انساننا اليوم، وربما كل يوم قادم ؛ إنها ابنة الملك العراقي سرجون الأكدي، كبيرة كاهنات معبد أور، ومساعدة ملك المملكة، سرجون، من أمٍّ سومرية الأصل إحدى حافظات المعبد المقدس حينذاك ؛ كاهنة وزوجة الملك ؛ لذا يمكن معرفة حجم تأثير الأسرة على ما وصلت اليه انخيدوإنا، وما تأثرت به من عشقها لآلهتها انانا .

من هنا يحق لنا الوقوف والتأمل عند قصيدة النثر مع ما كتبه الشاعر والكاتب عدنان جمعة وهو يتجول بين ثنايا الأدب والشعر السومري، ومن الانصاف القول أن الشعر عراقيٌّ، وقصيدة النثر لم تكن لقيطة رميت قرب جوانب الشعر، لتمحو آثاره المجيدة وروائعه الخالدة كما يقول البعض، وبعيداً عن ذكر الأسماء ممن تطاولوا بشكل ماحق على قصيدة النثر، وبعيداً أيضاً عن معايير الخليل أبن أحمد الفراهيدي وبحوره الستة عشر التي أراد بها وضع منهج صحيح لكتابة القصيدة العمودية، فإن قصيدة النثر ولدت قبل أكثر من أربعة آلاف سنة، وليست مع بدايات القرن العشرين كما يصنفها البعض ممن لم يقروا التاريخ جيداً، وقد تكون الهجمة عشوائية من قبل من أسموا انفسهم نقاداً وهم لا يعرفون غير تسليط السيوف على كل أبداع؛ سواء الجديد منه أو الماضي .

لا يمكن لمدعي نكران جمالية ما كتب المتنبي، وأبو فراس الحمداني والفرزدق وأبو العلاء؛ لكن في ذات الوقت لا يمكن الجمود عند قوانين لم تعرف رؤيا مستقبلية، وما تأتي بها الحضارة اللاحقة مما نشاهده اليوم في عصر العولمة وكتابات ما بعد الحداثة التجديدية التي انطلقت معها من جديد القصيدة النثرية، وليس ابتكاراً وجدانياً ولد معها بعد نسف القواعد الخليلة وظهور قصيدة التفعيلة وما أسسته الشاعرة نازك الملائكة وكتبه السياب وغيرهما .

1165 عدنان جمعة

لم يعلم الفراهيدي أن الحياة تتغير وتتجدد كل يوم وساعة، وربما كل دقيقة؛ فلو علم ساعتها أن الانترنت والفضائيات ستغزو العالم لقال: أضع قوانين الشعر، ودستوره اليوم، على أمل تصحيح المسيرة إن احتاجت ذلك، ولن اعترض على كل قادم يخدم الانسانية ويسعدها، ويمتعها بالجمال .

إن كانت القصيدة العمودية تزينت بموسيقاها الرنانة، وبيانها وبديعها وبلاغتها ؛ فلن يمنع ذلك القصيدة النثرية من حمل نغمات موسيقية مضمرة بلا قافية ووزن خليلي، ولكلٍ صورة لون خاص بها، ولكل شيء أداة وزنه كالمثقال عند صائغ الذهب، والكيلوغرام مع بائع الحبوب . لقد تشكلت القصيدة النثرية العربية من رحم اللغة الام، واكتسبت رونقها وجمالها من اشتقاقات اللغة وانزياحاتها، وما رافق ذلك بالكناية والتشبيه الذي تشترك به مع القصيدة الموزونة فراهيدياً، الصادحة غنائياً مع أن قلة من قصائد النثر مغنّاة لولا ما سنجده في هذا الكتاب من اناشيد تراتيلية كتبتها انخيدوإنا لتُرتّل في المعابد الأكدية بعموم المملكة بما تحمله من أحساس صادق نابع من وجدان امرأة لم يفارقها الوجع، مع ما انها أبنة سيد المملكة . وكما يقول عنها عدنان جمعة في كتابه هذا: " قدمت قصائدها الحقائق الروحية المتضمنة أوجه الحياة كلها" مضيفاً عن معاناتها: "كذلك الفزع نفسه الذي وشح نصوصها وإحساسها بالوحشة والغربة والوجع الذي سببته الأحقاد وإغراءات السلطة " .

قال بعض من أرّخ للأدب المعاصر أن قصيدة النثر ولدت مع الشاعر العراقي د. مراد ميخائيل كما يذكر الكاتب عبد الامير الربيعي في مقاله (مراد ميخائيل .. الشاعر الذي أول من كتب قصائد النثر) المنشور في موقع الحوار المتمدن نقلاً عن الروائي العراقي سمير نقاش مؤكداً بأن الشاعر معروف الرصافي أطلق على شعره (الشعر المنثور) وتعد من أغرب قصائده قصيدة (نحن الشعراء) التي شارك فيها بمهرجان مبايعة أحمد شوقي أميراً للشعراء عام 1927 ولم يعترض عليها معترض وقتها حسب ما ذكر الكاتب بمقاله. ما يعني أن القصيدة النثرية ليست وليدة ما بعد الحداثة أو الحداثة التجديدية اللاحقة، بل هي أقدم من ذلك، وكل القِدَم يعود لشاعرتنا انخيدوإنا التي سبقت الجميع كتوثيق تاريخي، وربما سبقها من هو اقدم لكن لم يُعرف اسمه، كما يؤكد ذلك عدنان جمعة وفق الأدلة التاريخية .

والقصدية التاريخية التي سار عليها المؤلف هنا كشفت، أو ساعدت بصورة غير مباشرة على حلّ الاشكالية العالقة، أو جزء منها بين قصيدة النثر وحتى القصيدة التجديدية التي يسميها البعض قصيدة السرد التعبيري، مع أن مفهوم السرد والتعبير خارجان بعيداً عن المفهوم الشعري والقصيدة الشعرية الموزونة المتمسك بها البعض بأنها هي الشعر وغيره لا يمتّ الى الشعر بصلة .

التاريخ هو من كشف جذور القصيدة النثرية، وعمقها وسلاسة كلماتها منذ أكثر من الفين وثلاثمائة عام قبل الميلاد؛ اي قبل ثبات الشعر العمودي في كل العصور الجاهلية اذا سلمنا جدلاً أن أول من قال الشعر هو سيدنا آدم عليه السلام حسبما ورد عن الشجيري في أماليه عن ابن عباس حيث ينسب اليه قوله بعد أن قتل قابيل أخاه هابيل:

تغيرت البلاد ومن عليها .. فوجه الارض مغبر قبيح

تغير كل ذي لون وطعم ..وقل بشاشة الوجه الصبيح

وفي رواية أخرى أنه رثى هابيل قائلاً :

وجاورنا عدواً ليس يفنى .. لعين ألا يموت فنستريح

أهابل إن قتلت فإن قلبي .. عليك اليوم مكتئب جريح

علماً أن البحوث التاريخية تؤكد صراحة بأن الانبياء لا يقولون الشعر، ولم ينطقوه أبداً، فيما يرى البعض أن من قاله أولاً هو الشاعر العنبر بن تميم ؛ لكن تحديداً ليس هناك زمن تاريخي بعيد للقصيدة الموزونة شعرياً وفق قوانين الفراهيدي سبقت قصيدة النثر التي لابد من الاشارة بأنها ترتكز على مقومات ثلاث تمتاز بها أيضاً وهي : الجمال، واللغة الوصفية والمعنى.

لكن الحقيقة أنها عادت وتجددت ربما من خلال مراد ميخائيل أو غيره، ومن كتب بعده لاحقاً، فلقد سبقتهم شاعرتنا الأكدية السومرية انخيدوإنا بأكثر من عشرات القرون وهي تسطر تراتيلها اللاهوتية بعشرات القصائد من أجمل ما كتب الى الآن في قصائد النثر التي نعُّدها حداثوية مائزة بالتجديد .

وقد أورد الكاتب عدنان جمعة في الكتاب الذي بين أيدينا اليوم (إنخيدو إنا شاعرة تراتيل المعبد السومري) الكثير من المقطوعات الشعرية التي نتركها للقارئ يمتع نفسه بها كمتلقٍ مشارك في النص، يحلل ما يراه، ويفهم ما أمامه كونه عنصراً مهما في التفاعل مع الرسالة الاعلامية حسب نظريات الاتصال، وعاملاً فاعلاً في تلقي النص والتكيّف معه وفق نظرية (الجمال والتلقي) بعيداً عن حيثيات النقد والانتقاد غير المبرر لقصيدة النثر التي انطلقت بها انخيدوإنا، وسجّل ملاحظاته عنها من يكتب بعضاً من سيرتها اليوم بتكرار نجده ضرورياً للتعريف بقيمة حضارتنا، وجذور القصيدة النثرية التي يكتب بها مؤلف الكتاب أيضاً . كما ينبغي لنا أيضاً معرفة الجهد الذي بُذل بجمع الكثير من المعلومات من مصادرها العلمية، ومواقع الانترنت بكل ما تحمل كتابات بحاجة الى دقة وتحليل، وقف عندها عدنان جمعة وأخرج ما سنقرأه معاً: (إنخيدو إنا شاعرة تراتيل المعبد السومري) ولكلٍ رايه فيما يرى، ووجهة نظره في كيفية اطلاق الاحكام، وهل أن قصيدة النثر لقيطة أم أصيلة الوجود رغم الطعنات الكثيرة الموجهة لها وكما يقول الكاتب حكمت الحاج في مقاله: (قصيدة النثر مآلاتها وطرائقها رؤية تأويلية) مشيراً برؤية أولية مبتدئاً مقاله بالقول:

"اسمها قصيدة النثر، هذا المختلط الأمشاج، المشتبه فيه، والمتناقض، اللقيط، ولكن اليتيم أيضاً، يثير تساؤلات تتطلب مزيداً من التدقيق في كل شكل شعري راسخ في اللغة العربية". في حين يرى اجمالاً الناقد والأديب اللبناني الدكتور شربل داغر كخلاصة لكتابه (الشعر العربي الحديث ـ قصيدة النثر) والحائز من خلاله على جائزة الشيخ زايد للإبداع عام 2019 أن قصيدة النثر حملت الى الشعر العربي المتأخر شعرية جديدة، مغايرة، ما يحسب لها، لا ضدّها . ويضيف على ذلك بقوله: أنها استجابت لتحديين متباينين ومتلازمين ؛ التفاعل مع تجارب شعرية متعددة في العالم، من جهة، وإبراز جوانب من عالم المتكلّم بالعربية، وأحواله من جهة ثانية . أي أن تكون متجذرة ومفتحة في آن، وأن تكون تعبيراً وارسالاً منغمسين في التاريخية الاجتماعية ..

وهذا ما سيجده القارئ في هذا الكتاب بعد التعرف على سيرة انخيدوإنا وكتاباتها التي سبقت الغرب بكتاباتها انطلاقاً من بؤرة حضارية واسعة المدى صنعت المجد لأهلها الذين اضاعوه لاحقاً، وتكدس كركام تمرّ عليه الرياح بلا تحية أو سلام، وشكراً لعلماء آثار الغرب الذين كشفوا لنا جزءاً من تاريخينا المغمور، ومنه شاعرتنا انخيدوإنا، ولعدنان جمعة الذي سلط الضوء عليها وعلى اشعارها وتاريخها بشكل متماسك في حزمة واحدة بعد أن كان مشتتاً.

 

  بقلم سعد الساعدي

شاعر وناقد وصحفي

......................

* مقدمة كتاب انخيدوإنا شاعرة تراتيل المعبد السومري، للكاتب والشاعر العراقي عدنان جمعة الصادر حديثاً /سبتمبر/عن دار المتن في بغداد

 

 

1164 الترجمة القانونيةالحمد لله الذي تنزهت ذاته عن الاشباه والنظائر ..بفضل من الله سبحانه وتعالى  صدر يوم 30/4/2019 عن دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان    الكتاب الموسوم "الترجمة القانونية".

تقديم الكتاب

للترجمة القانونية خصائصها وخصوصياتها اذ انها تختلف كثيرا عن انواع الترجمة الاخرى لاسباب عديدة لما يمتاز به الخطاب القانوني من سمات معينة منها الاسلوب  والمصطلحات والصياغة والنظام القانوني وغيرها. وتفرض الترجمة القانونية علاقة معينة بين القانون وعلم اللغة وهل ان المترجم القانوني يتحتم عليه ان يكون متخصصاً في القانون او انه على اقل تقدير له اطلاع واسع بالقانون يؤهله للاضطلاع بهذه المهمة الصعبة؟ وهنا لابد من الاشارة الى الصعوبات والعقبات التي تعترض سبيل المترجم القانوني. فضلا عن النقطة الاساسية في الترجمة القانونية وهي ان المترجم القانوني لا يعمل فقط على نقل نص قانوني من لغة الى اخرى وانما يعمل جاهداً  على نقل نص قانوني يعود الى نظام قانوني معين الى نص قانوني يعود الى نظام قانوني آخر. وهذه تتطلب منه  ان يكون على بينة من قانون الترجمة والترجمة القانونية ليتسنى له اكمال مهمته بنجاح. وحاولت في البحث الاول ان انقل تجربة حية ومعاشة في مجال الترجمة القانونية لمدة تربو عن 35  سنة  وهي عبارة عن ملاحظات ومؤشرات عملية وتطبيقية  نأمل  ان تكون دليل عمل لمن يمارس الترجمة القانونية.

ومن الاهمية بمكان ان نؤكد على ان العولمة ونمو السوق العالمية كانتا سبباً  لتزايد الطلب على الترجمة القانونية اذ بحوزة العديد من الشركات وثائق مهمة تحتاج الى ترجمة من لغة الى اخرى . الا ان الترجمة القانونية بحد ذاتها مهمة صعبة .  وان أي خطا بسيط يرتكب في مجال الترجمة القانونية يمكن ان يسبب ملاحقات قضائية وفتح  محاضر وهذا يعني ضياعاً للوقت وهدراً للمال وتبديداً للجهد. وتشمل الترجمة القانونية ترجمة العديد من الوثائق اهمها ترجمة العقود وبراءات الاختراع والعلامات التجارية والتشريعات الخاصة بالشركات وطلبات تسجيل حقوق المؤلف والخصومات والتصريحات الخاصة بالعوائد والمدخولات والتعهدات الخطية بقسم او ما يعرف ب " القسّام الشرعي" ((affidavit ونصوص القانون والوصايا والشهادات والاحكام والوثائق الخاصة بالهجرة وغيرها. وتعني الترجمة القانونية ضمنياً معالجة نصوص معقّدة نوعياً وكذلك مصطلحات خاصة ومتخصصة . وبصورة عامة تعد مواضيع الوثائق القانونية دقيقة  وحساسة وبناء على ذلك ينبغي ان تعهد الترجمة القانونية الى مترجم كفوء ومؤهّل ومتخصص في ترجمة هذا النوع من الوثائق . ولابد من ان يكون المترجم القانوني على بينة من النظام القانوني والسياق الحضاري لدولة اللغة التي كتبت بها الوثيقة الاصلية. وكقاعدة عامة  تختلف الانظمة القانونية بدرجة كبيرة من دولة الى اخرى بسبب الاختلافات الحضارية والثقافية واللغوية والتشريعية والعقائدية . وفي  بعض الاحيان من الصعب على المترجم  ان يجد المصطلح الدقيق في لغة المصدر لينقله  الى لغة الهدف . لهذا السبب يتوجب على المترجم ان تكون لديه معرفة معمّقة في اللغتين وفي النظامين القانونيين في الترجمة. يضاف الى ذلك معرفة المترجم القانوني القانون العام والقانون الخاص النافذ في العالم . وتمتد هذه المعلومات الى القانون الدولي والعقود والقانون البحري والقانون الجنائي والقانون التجاري وقانون الشركات (بكل اختصار القانون العام والقانون الخاص)، ولايمكن للمترجمين المهنيين ان يكونوا مترجمين قانونيين الاّ في حالة توافر الشروط الضرورية اللازمة . ولابد من ان يتلقى المترجم القانوني تدريباً عملياً وتطبيقياً ليكتسب الخبرة التي تؤهله للاضطلاع بهذه المسؤوليةٍ.

ومن الاهمية بمكان ان نتطرق الى الدعائم الرئيسة التي تستند اليها الترجمة القانونية وهي ادراك المعنى الدقيق للمصطلح القانوني والنص القانوني على حد سواء ثم ايجاد الكلمة المناسبة وفهم الكلام ووضوحه وترابطه المنطقي وتكييفه بما يتناسب مع لغة وثقافة لغة الاصل ولغة الهدف. وهذا مرهون بثقافة  المترجم  الفوري وسعة مداركه اللغوية والفكرية واضطلاعه باللغة القانونية.  بناء على ما تقدم  ارتئينا ان نتحف القارئ الكريم بمجموعة من البحوث القيّمة  التي تقدّم بها كبراء علماء الترجمة وخاصة في مجال الترجمة القانونية. انه  موضوع يستميل القارئ الكريم  ويستهويه  لاهميته البالغة في حياتنا العصرية والمعاصرة. وقمنا باختيار  ثمانية عشر بحثاً قيمّا حول هذا الموضوع.

الفهرس

الموضوع                                               الصفحة

المقدمة                                                     3    

الترجمة القانونية وصعوباتها_الدكتور حسيب الياس حديد         11

الجوانب النظرية والتطبيقية  للترجمة القانونية_ كونزاليز كلاديز         23

علم الترجمة القانونية ومشكلة مرادفات المفاهيم القانونية في الدول العربية_ م.عبد الهادي      81

علم المصطلحات واللغة والخطاب القانوني : المعنى او الدلالة في الخطاب القانوني_ غيمار   89

الترجمة القانونية والعولمة_ جاك بيلاج     98

تأملات حول الترجمة القانونية_ بنيامين هايدن     103

تطور الترجمة القانونية ... دمج مدخل الترجمة وعلم اللغة والقانون_ سيلفي مونجان ديكودان 108

الترجمة الفورية القانونية الدولية والتطبيق المهني الحديث_ كليير سيليسكوفيج  111

ضمن أي إطار يمكن ترجمة المصطلح القانوني ؟_ جان راد يمسكي     119

الترجمة القانونية:هل تتطلب الترجمة القانوينة مترجما ام رجلاً قانونياً لترجمة القانون؟_ جوديت لافوا   126

إمكانية ترجمة الخطاب القانوني_ جاك بإيلاج      132

الترجمة القانونية والصعوبات الناجمة عن الثنائية اللغوية والثنائية القانونية لخصوصية الانظمة القانونية_ ليوناسيرنا 143

من الترجمة (القانونية الي علم اللغة القانوني _ الوظائف سابقة التأثير لعالم الترجمة)_ جان _ كور غيمار 146

هل يمكن إن نقوم بالترجمة القانونية ؟ وكيف يجب إن ندرسها؟_ ميشيل سباريه         152

بين الجانب الاخلاقي والانزياح في الترجمة_ بنيامين هايدن      165

الترجمة القانونية: الجانب الحضاري للنص القانوني- اللغة والثقافة والتكافؤ_ جان كلود غيمار         173

الترجمة القانونية: لا ترجمة بدون تأويل_ ماريا كورون زابورسكا       188

التقنين مقابل الأبداع_ فاسيليس كوتسفيتيس 193

 

الدكتور حسيب الياس حديد

.

1161  هوليودعن دار الورشة للطباعة والنشر في بغداد صدر هذا الأسبوع الجزء الثاني من كتاب "هوليــود بين عوالم المخابرات ودهاليز السياسة المظلمة - وثائق وأسرار .. دسائس ومؤامرات" ترجمة وإعداد الناقد الدكتور حسين سرمك حسن. يقع الجزء الثاني من هذا الكتاب في (379) صفحة ويضم (13) فصلا مع ملحق وجاءت على الشكل التالي:

صور هوليود النمطية المسيئة عن الروس والعرب

 (16). الروسي الخسيس

(17). القوالب النمطية في هوليوود: لماذا الروس هم الأشرار دائماً ؟

(18). هوليوود تكرّم فيلم دعاية مناهض لروسيا

(19). فيديو: دعاية هوليوود الموالية للسوفييت مقابل  "تحقيق روسيا Probe Russia"

(20). الصور النمطية للعرب والمسلمين في الولايات المتحدة

(21). الفيلم الوثائقي : العرب السيئون

(22). لماذا هوليوود مَدِينة لي بالمال ؟

مراجعة وعرض أربعة كتب حديثة عن وكالة المخابرات وهوليود

(23). مراجعتان مهمتان لكتاب: وكالة المخابرات المركزية في هوليود

(أ). موجز كتاب وكالة المخابرات المركزية في هوليود: كيف تُشكّل الوكالة السينما والتلفزيون

(ب). مراجعة كتاب تريشيا جنكينز: وكالة المخابرات المركزية في هوليوود

(24). مراجعتان مهمتان لكتاب مهم : مُفزع: كيف تتلاعب وكالة المخابرات المركزية بوسائل الإعلام وتخادع هوليوود

أ. المراجعة الأولى: المؤلف "نيك شو" يقول إن الأفلام مثل "صفر زيرو دارك" و "أرغو" هي وسائل للدعاية لوكالة المخابرات المركزية

ب. المراجعة الثانية : كتاب جديد يكشف كيف تتلاعب وكالة المخابرات المركزية بهوليوود لتشجيع الحرب على الإرهاب

(25). مراجعتان مهمتان لكتاب سلطة الفيلم: سينما هوليوود والتفوّق الأمريكي

(أ). كتاب: سلطة الفيلم: سينما هوليوود والتفوّق الأمريكي

(ب). مراجعة كتاب سلطة الفيلم: سينما هوليود والتفوق الأمريكي

(26). كتاب عمليّة هوليود Operation Hollywood يكشف خفايا علاقة البنتاغون بهوليود

(27). صور أفلام وحكاياتها عن التعاون بين هوليود والبنتاغون

(28). خاتمة: عمل وكالة المخابرات المركزية مع صانعي أفلام هوليود يضع جميع العاملين في وسائل الإعلام في خطر ...

(29) ملحق :

الاعتداءات الجنسية – خصوصا على الأطفال - في هوليوود

(أ) الاعتداءات الجنسية في هوليوود

(ب) فيلم "سرٌّ مفتوح An Open Secret " الاعتداء على الأطفال في هوليود "لا تريد أن تراه"

(ج) عشر قصص مُقلِقة حول مشكلة الاستغلال الجنسي للأطفال في هوليوود

(د) ميل جيبسون: هوليوود هي "عرين من الطفيليات" الذي "يتغذى على دماء الأطفال"

(هـ) آخر أخبار بطل "سيد الخواتم" حول إساءة معاملة الأطفال في هوليود: "هناك ظلام في العراء"

أهدى المؤلف كتابه إلى : الفنان الراحل عبد الخالق المختار أنموذجاً للفنان الملتزم والمواطن العراقي الغيور.

وقد خّتم الجزآن بقائمة بالمقالات وفصول الكتب المترجمة وسيرة موجزة للناقد حسين سرمك حسن.

 

الحسين اخدوشتمهيد: يتعلّق الأمر في هذا النص بمحاورة فكرية بين الفيلسوفين الفرنسيين لوك فيري وأدري كونت سبونفيل حول حدود وسائل الإعلام الجديدة وتأثيرها على الفكر والثقافة.

- كيف يمكن أن تكون الشاشة ضدّ الكتابة؟  (لوك فيري / Luc Ferry):

« لماذا يثير عالم الصور، وخاصة عالم التلفاز، الفكر إلى الحدّ يعتبر فيه جنسا أدبيا جديدا؟ لا نكاد نجد  موسما يمرّ دون يأتي بحصاد من مقالات غير إعلامية تكرّر كلّ يوم تقريبا نفي التفاهات: الخضوع لاكراهات المشاهدة، الخضوع لمنطق القهري للمشهد والتسلية، سيكون طريق الثقافة والمعلومة الإعلاميين هو الهلاك. لأسباب تقنية وأيديولوجية، هيمنة السرعة على ضرورة وجود الصدق والجد، والمعاش على المتصوّر، والحاضر على الزمان، والعاجل على المسافة، والمرئي على غير المرئي، وتصدم الصورة الفكرة، والإحساس على التفسير.. إلخ. قمت بانجاز اختبار والذي هو كالآتي: قراءة خمسة عشر أو عشرون مرجعا المخصّص حديثا لمساوئ المجتمع الإعلامي، وكانت اللائحة مذهلة، وبدون إضافة من عندي ولا مبالغة نجد: أنّ التلفاز يسلب العقول، فهي تعرض نفس المادة للكل، وتنقل أيديولوجيا من صنعوها، تشوّه خيال الأطفال، تضعف فضول البالغين، تشلّ الذكاء، تمارس مراقبة سياسية ماكرة، تصنع إطار فكرنا دون علمنا، تنقل المعلومة كما تشاء، تفرض نماذج ثقافية سائدة (لا يمكن التجرؤ لقول لفظة بورجوازي)، لا تعرض سوى جزء قليل من الواقع، وتقوم بتناسي حقيقة العالم الحضاري، الفئات المتوسطّة والقطاع الثالث، حياة البوادي، ماسي العمّال، اللغات والثقافات المحلية، تسبب الكسل وعدم الفاعلية، تهدم وتدمّر العلاقات بين الأشخاص داخل الأسر، تقتل الكتاب، وبصفة عامة كلّ ثقافة صعبة المنال، تحرّض على العنف والفظاظة والإباحية، تمنع الأطفال من أن يصبحوا راشدين، تنافس بطريقة غير شرعية العروض الحيّة الهادفة كالسيرك، المسرح، المقاهي الفنية، أو السينما، تولّد فتور الشعور وعدم المبالاة لدى المواطنين بسبب كثرة المعلومة غير النافعة وعديمة الفائدة، تبطل التسلسل الهرمي الثقافي، وتجعل التواصل مكان الثقافة، والبعد الفكري مكان المشاعر الزائفة والسطحية، تعطي الأولوية للسرعة والعجالة بدل كل تأني ضروري يهدف إلى تأملّ عميق، تنافس وتنقص من قيمة المدرسة ... إلخ.

1159 لحسين خدوش

بالتأكيد، لا يمكن أن يكون كلّ شيء خطأ في هذه اللائحة الفظيعة، كما أنّه ليس صحيحا البتة، وهي لم تجعل من الحقيقة أولى اهتماماتها وأولويتها، هم قبل كلّ سيء هو الموقف، كنت سأقول بعد النظر الذي يمنح الموقف النقدي. فهل يمكن أن يتعلّق الأمر بتفاهة كبيرة؟ هنا أطرح السؤال: لماذا إذاً؟

الفرضية الأولى تتعلّق بالمزدرين المهنيين أنفسهم، حيث نجد جذرية النقد أكبر من خيبة الأمل التي يوحي بها المشهد التلفزي اليوم باعتبارها وسيلة تواصل بكثافة، حيث أنّ الشاشة الصغيرة كان بإمكانها خدمة مصالح الجمهورية ونشر ديمقراطية حقيقية للثقافة، لكنّها تكتفي بالتضليل الإعلامي وإفساد العقل. فكما هو معروف، من يحب كثيرا يعاقب كثيرا، وبذلك ينبغي أن تكون الإنذارات والتوبيخات صارمة جدّا.

أما فيما يخصّ الفرضية الثانية والتي أجدها أكثر صوابا، وهي أنّ التلفاز والوسائل الإعلامية الحالية أصبحت منذ الستينيات رمزا للعصرنة والتقدم، ونموذجا مثاليا للعالم الديمقراطي المتكتل؛ ولهذا تميل هذه الوسائل الإعلامية إلى لفت انتباه انتقادات العالم المعاصر التي تم نهجها في ثلاثينيات القرن الماضي والمستحدثة لاحتياجات القضية. وكما كنت أشير دائما إلى انّه بعد الحرب العالمية الأولى بدا العالم الديموقراطي (لليبرالية السياسية) يعرف نوعين من التشهير: الأول يتجلّى في الإلهام الرومانسي، والذي يؤدي إلى حد الفاشيستية، المستوحى من إحياء مثالي لكل النعم الضائعة. أما الثاني، فهو تقدمي، عكس الأول فهو يهدف إلى إقامة شروط مستقبل مشرق. وأنا ازعم إننا نجدهم اليوم، كما هم، وإن كانوا قد تحسنوا في ما يخص التلفاز. »

(…)

- هل يمكننا قراءة أرسطو على الإنترنيت؟ (أندري كونت سبونفيل /  André comte-sponville)

«إنّها المرّة الأول التي أصادف فيها الصعوبة في مباشرة العمل منذ أن شرعنا في تأليف هذا الكتاب، بل أكثر من ذلك، إنّني بدأت اشعر بنوع من الإرهاق بسبب حجم هذه المهمة، ومن فرط الاستغراق في تعقيد هذه المشكلة. وقد يكون العكس، بالأحرى، هو ما ينبغي أن يحصل مادام الموضوع كما يظهر لي فقيرا، أو في كلّ الأحوال لا يستهويني أبدا، بل وأخشى ألاّ أجد سوى القليل لقوله بخصوصه. فأنا اهتمّ لأمر الرسائل الإعلامية أكثر من أدواتها. لكن كيف لهذه الوسائل الإعلامية أن تحلّ محلّ رسائلها رغما ما يزعمه "ماكلوهان"؟ إنّ بثّ تفاهة لملايين المرّات لسوف تبقى دوما تفاهة، بينما كلام صحيح وعميق يتم إعلانه أو توصيله لبعض الناس فقط، لا يفقد عمقه ولا صحته. غير أنّه إذا كانت الطباعة لم تغيّر ما هو جوهري، فلما تفعله التلفاز بزيادة؟

إنّني عندما أقول بأن الطباعة لا تغير ما هو ضروري، كما لا يغيّره التلفاز كذلك، فماذا الذي أقصده بذلك؟ إنّني أذكر على سبيل المثال "مونطين" الذي كان يملك الأعمال المطبوعة لكل من سينيكا و"بلوتارك"، حيث كان يجد فيها زاده وسعادته، وهو نفس الأمر الذي يستطيع معاصروه القيام به، والذين لا يملكون سوى أعمال مخطوطات مكتوبة باليد. وكما يمكن لنا دائما قراءة مؤلفات "أرسطو" أو "لوكريس" – كما الشأن بالنسبة لمعاصريهما، وكذلك بالنسبة لـ"مونطين"- قصد أن نجد فيها ما يبدو لنا مهما: أي رؤية معينة للعالم وللإنسان التي يمكنها أن تنيرنا وتريحنا، فتجعلنا نفكر ونتساءل. لذلك، فإنّ ما هو أساسي وضروري لا يمرّ إطلاقا عبر قناة التلفاز، وبالتالي يطرح السؤال حول كيف يمكن للتلفاز أن يسقط هذا الذي هو ضروري من الاعتبار ويلغيه؟

المؤكد أن شيئا لم يتغير بعد، بل إنّ كل ما تغير بالضرورة ليس يخصّ الوسائل التي نستعملها للوصول إلى هذه الأعمال [يقصد الأعمال الفكرية والأدبية السابقة]، وإنّما طريقتنا لفهمها، والحكم عليها، واستعمالها. لذا، فإن لم نتمكن اليوم من أن نصبح أرسطيين (أي أتباع أرسطو)، فلأنّ السبب في ذلك لا يعود إلى هذه الوسائل الإعلامية ذاتها (فمسكينة هي! لأنّ ما عساها أن تفعله ضد أرسطو؟)، وإنّما السبب في ذلك يكمن في التقدم العلمي والتاريخي الذي أمكن لهذه الوسائل الإعلامية أن تواكبه. لذلك، فهي تارة تسهل، وتارة أخرى تعرقل؛ وهي بذلك لا تلغي هذا التقدم ولا تستبدله. أخيرا، لأنه لا يمكننا أبدا أن نكون أرسطيين، وهذا لا يغير شيئا، لذلك فأنّ المهم هو أن نقرأ أرسطو ونفهمه (رغم أعماله الضائعة، إلاّ أنّنا نعرف عنه من نواحي كثيرة أحسن من معاصريه) ونستفيد منه. هكذا، أتعمّد التطرق لهذا المثال، لأنّني أعتبر أرسطو من دون تردّد: الفيلسوف الذي أعجبني أكثر دون غيره من باقي الفلاسفة الآخرين.»

 

لحسين أخدوش - باحث من المغرب

.....................

*  المناقشة التي يتعلّق بها الأمر هنا هي عبارة عن حوار فكري بين لوك فيري وأندري كونت سبونفيل حول قضايا الإعلام والمجتمع موجودة في الفصل الثامن من الكتاب الجماعي لهذين الفيلسوفين  الموسوم بعنوان: "حكمة المعاصرين"، أنظر النسخة الفرنسية الأصلية:

- André Comte-Sponville, Luc Ferry : La sagesse des Modernes : Dix questions pour notre temps ; éd Robert Laffont, S,A ; Paris, 1998, pp 417-428.

 

ميثم الجنابيصدر حديثا عن دار المركز الاكاديمي للأبحاث (العراق-كندا) في طبعته البيروتية (2019) كتابي تحت عنوان (علم المِلَل والنِّحَل) (فلسفة المقالات والأحكام في الثقافة الإسلامية). وتتميز الطبعة بمستواها الفني الرفيع.  وعدد صفحات الكتاب 329 من القطع الوسط.

 يحتوي الكتاب على مقدمة وستة أبواب بأربعة عشر فصلا تتناول مختلف الجوانب المتعلقة بتقاليد علم المِلَل والنِّحَل الإسلامي، بوصفه علم الموسوعات الدينية والفلسفية. ويبدأ الكتاب بدراسة المقدمات السياسية والفكرية والدينية القائمة وراء ظهور الفرق الإسلامية، ولاحقا ظهور العلم نفسه بوصفه تأريخا وتصنيفا للمدارس الفكرية الدينية. ولاحقا يجري استكماله بالمدارس الفلسفية. ومن ثم تحوله إلى علم خاص قائم بذاته. وحالما اكتمل بهذه الهيئة، أخذت تتوسع وتتعمق تجاربه المنهجية في النظر إلى الفرق الدينية والمدارس الفلسفية من خلال التحليل والدراسة والتدقيق والتحقيق والتصنيف. وفي ذروتها بدأت تتراكم الرؤية النقدية من خلال بروز قواعد ومنظومات التقييم الفكري والسياسي والديني. واستطاع هذا العلم الإسلامي الارتقاء إلى مصاف الرؤية العلمية والثقافية في بعض مناهجه، بحيث يمكننا النظر إليه باعتباره العلم الذي أرسى للمرة الأولى في التاريخ الثقافي العالمي الأسس الدقيقة لمفهوم ووظيفة الموسوعات العلمية.

وينحو الكتاب من حيث الاستعراض والتحليل والمقارنة والأحكام منحا فلسفيا ونظريا في التعامل مع كافة القضايا التي يجري تناولها. من هنا احتلت الفلسفة وعلم الكلام، والصراع التاريخي الفكري والعقائدي بينهما، بوصفه صراعا ثقافيا أيضا، موقعهما الكبير في الكتاب. إضافة إلى تخصيص مساحة واسعة في النظر إلى التصوف وتقييمه في هذا العلم. وكذلك تحليل وإبراز النقد العقلي للدين في الثقافة الإسلامية. وأخيرا البحث في إشكالية ومضمون "وحدة الأديان"، بوصفها إحدى النتائج العقلية والعقلانية والنزعة الإنسانية في الثقافة الإسلامية، التي عمل عليها علم المِلَل والنِحل الإسلامي.

1158 علم الملل والنحل

ان علم المِلَل والنِحَل الإسلامي يعادل معنى علم الموسوعات الدينية والفلسفية. من هنا قيمته الموسوعية بالنسبة لفهم الماضي والحاضر. بمعنى أهميته بالنسبة لتدقيق وتحقيق المعارف السليمة على الأقل في ما يخص التراث العربي الإسلامي وجوهريته بالنسبة لتمتين مقومات ومكونات الوعي الثقافي والعلمي الدقيق.

فالموسوعة تعمل على تحويل المعلومات إلى معرفة، والمعرفة إلى رؤية نظرية، والرؤية النظرية إلى منهج في التحليل والمواقف والتقييم، وهذه بدورها إلى علم ثقافي يحتوي بقدر واحد على تعميم التجارب النظرية والعملية.

والحضارة الإسلامية هي الأولى في تاريخ الحضارات القديمة من رفع فكرة الموسوعة إلى مصاف العلم الخاص. وأعطت لها بعدا شاملا تجاه كافة أنواع المعارف الإنسانية (الدينية والدنيوية بمختلف اختصاصاتهما من أديان ولاهوت وفِرق، وعلوم التاريخ مثل تاريخ وطبقات الفقهاء والشعراء والأدباء والمؤرخين والمفسرين والفلاسفة والصوفية والأطباء وغيرها).

ومن ثم تنوعها بين الجمع والاستعراض، والتحليل والتدقيق، والرؤية العلمية الدقيقة والمقارنة. كما استندت إلى المصادر الأصلية لمن جرى تناوله. إذ نعثر فيها على ما هو مميز للموسوعات المعاصرة. بل يمكننا النظر إلى الموسوعات المعاصرة على أنها صيغة حديثة لما ابدعته الحضارة الإسلامية وثقافتها العلمية والنظرية

فقد كان ظهور الموسوعة، من الناحية التاريخية، مرتبطا أولا وقبل كل شيئ بموسوعية الثقافة وأهل العلم. وقد تميزت الثقافة الإسلامية في مجرى تطورها بهيمنة الروح الموسوعي. بحيث يمكننا القول، بأن الثقافة الإسلامية هي إمبراطورية ثقافة. وظهورها وتطورها كان مرتبطا بتوسع واتساع وعمق ابداعها العلمي والعملي. وهذا بدوره مرتبط بجوهرية المعرفة في الثقافة الإسلامية. إنها ثقافة الكتابة والمكتبية. إذ ارتقت الثقافة الإسلامية في مجرى تطورها إلى مصاف الثقافة الكونية والمنفتحة على علوم "الأوائل" و"الأواخر"، أي على الجميع بغض النظر عن أصول هذه الثقافات وعقائدها. وقد يكون مثال (رسائل إخوان الصفا) أحد النماذج الحية الكبرى بهذا الصدد. إذ نعثر فيها على موسوعية التوليف الثقافي لإبداع الامم والثقافات المتنوعة.

لقد فسح علم الموسوعات الإسلامي المجال لما ندعوه الآن بحوار الحضارات والثقافات. كما انعكس فيه أولا وقبل كل شيئ أسلوب وعي الذات والآخر. فالموسوعية هي نتاج التوسع الكمي والنوعي للمعارف. ونعثر على كافة هذه الجوانب في علوم الموسوعات الإسلامية.

وقد كان علم المِلَل والنِحَل أحد النماذج الرفيعة للموسوعة الدينية والفلسفية. فهو العلم المتخصص بدراسة الفِرق الإسلامية والمدارس الفلسفية. انه كان وما يزال يحتل حيزا كبيرا في المباحث التاريخية والعقائدية والسياسية. أما الفراغ الوحيد بهذا الصدد فيقوم في افتقادها للبحث فيه بمعايير الفكرة الثقافية والفلسفية. ويعمل هذا الكتاب على سد هذا الفرغ. كما يدرس هذا الكتاب، من حيث الجوهر، ويحلل وينتقد المسار المعقد لظهور المناهج في مواقفها وتقييمها للفرق الدينية والمدارس الفلسفية. ومن ثم الكشف عن الحوافز الدفينة للأثر السياسي والعقائدي من جهة، وكشف قيمة كل ذلك بمعايير الفكرة الثقافية التاريخية، من جهة أخرى.

لقد رفع العلم التاريخي عن الفرق (الدينية) والمدارس (الفلسفية) الذي حصل في الثقافة الإسلامية الكلاسيكية على عنوان (علم المِلَل والنِحَل) مهمة البحث المحترف بدراسة الأديان وفِرقِها، والفلسفة ومدارسها إلى مصاف المهمة العلمية والعقائدية والثقافية. بمعنى انه تمّثل، بصورة التدقيق والتحقيق والنقد، الإشكالية الكبرى المميزة للثقافة الإسلامية والتي بلورتها الفلسفة الإسلامية عن علاقة الفلسفة بالدين، والفلسفة بالكلام، والحكمة بالشريعة. غير انه جرى تناولها ضمن هذا العلم بمعايير البحث التاريخي بمناهج مختلفة ومتباينة ومتضادة. بمعنى إننا نعثر فيه على أغلب أصناف الرؤية المنهجية.

إن الثقافة الإسلامية الكلاسيكية هي نتاج بحث ومعاناة وصراع صهرت في كل واحد إشكاليات ومشاكل المعقول والمنقول، والرواية والدراية، والعقلي والوجداني، والروحي والمادي، والديني والدنيوي، أي كل المكونات المتصارعة والمتآلفة في الوعي الثقافي آنذاك. من هنا القيمة العلمية والثقافية لعلم المِلَل والنِحَل التي كانت تكمن في تنظيمه وترتيبه لآراء مختلف التيارات الفكرية عبر تصنيفها وتقييمها وتحديد ماهيتها ووظيفتها وأثرها. كما انه أرتقى في رؤيته إلى مستوى الرؤية الكونية، أي إدخال مدارس الفكر الفلسفي والديني لمختلف الحضارات القديمة، أو ما يسمى "بعلوم الأوائل" ودمجه في "علوم الأواخر"، أي دمج الماضي بالحاضر، والثقافات القديمة بالمعاصرة. مع ما يترتب عليه من إرساء أسس الانفتاح الروحي والعقلي والثقافي.

لقد كان علم المِلَل والنِحَل أحد النماذج الرفيعة والحية للانفتاح الثقافي بما في ذلك في بعض مناهجه السلفية والعقائدية والمتشنجة. إذ نرى فيه نموذج للاضداد. وهي السمة المميزة لحيوية الثقافة وروح البحث فيها. بمعنى انه يحتوي بالضرورة، بما في ذلك من خلال صراع مناهجه، على انفتاح عقلي، يتسم أحيانا بالهجوم والدفاع، وآخر بالانفتاح العلمي كما هو بوصفه الأسلوب الحقيقي لما دعته المتصوفة بعبارة "بذل الروح".

وقد بذلت الثقافة الإسلامية أرواحها في هذا المجال أيضا من أجل استكناه نفسها أولا وقبل كل شيئ. ومن ثم نعثر فيه على ملامح قوية لوعي الذات الثقافي. وقد كانت هذه العملية الحية جزءا مهما وجوهريا في صيرورة الثقافة الإسلامية وعالمها المتميز. فالثقافة الكبرى هي على الدوام نتاج صراع وحروب وفتن بما في ذلك في مجال الفكر. مع ما يترتب عليه في نهاية المطاف من صنع مرجعياتها الثقافية الخاصة ومبادئها الكبرى الضرورية للعلم والعمل.

وإذا كان الوعي الإسلامي وثقافة التوليف الضرورية الملازمة لكل إبداع ثقافي عظيم قد بذل جهوده الكبيرة من أجل ترسيخ مبدأ الرحمة والاعتذار من أجل استغفار ما مضى، وكذلك صياغة براهين الرحمة الميتافيزيقية الساعية لتفنيد أسس ومناهج الاتهام المذهبي والتكفير والتحريم والتجريم، فإنها لم تنف قيمة "العقاب الإلهي". وإذ ظلت الثقافة عاجزة عن طي الخلاف، وهو ما لا يمكن توقعه في ثقافة حية ونشطة، فإنها أسست لأحد المبادئ المتسامية القائلة، بأن الخلاف هو "سنّة الله في الوجود"، أي انه قانون وجودي وطبيعي دائم. ووجد ذلك انعكاسه في ابتداع الحديث القائل، بافتراق الأمة إلى نيف وسبعين فرقة الناجية منها واحدة، و"إختلاف أمتي رحمة" و"لا تجتمع أمتي على ضلالة". وهذه جميعا ليست إلا صيغ متنوعة تحتوي على ما يمكن دعوته بالأيديولوجية المفتعلة، وآخر بالفكرية العقلية والعقلانية في مواقفها ومناهجها من تاريخ وحالة الصراع الفكري والسياسي والعقائدي.

إننا نعثر في كل ذلك على توازي نماذج العقل والنقل، والمواقف السياسية والعقائدية، والمواقف العقلانية واللاعقلانية، أي على مختلف نماذج الصراع والمواجهة الخفية والمستترة مثل صراع الاختلاف والوحدة، والمجرد والملموس، والغاية والوسيلة، والأهداف البعيدة والآنية، إضافة إلى إبراز وتحقيق قضايا العلم والجهل، والحقيقة والضلال، والهلاك والنجاة. باختصار مختلف ظواهر وبواطن الحياة الفكرية. وهي ظاهرة معقدة مرت بمراحل وقرون من الزمن، لازمت تطور وعي الذات الثقافي والإسلامي. بحيث اشترك فيها الجميع من شيعة وسنّة وخوارج ومرجئة ومعتزلة وأشعرية وفلاسفة ومؤرخين وأدباء ومتصوفة. وفي كلها كانت الهموم تدور من حيث الجوهر حول واحدية الحقيقة وتنوع الضلال. وهي فكرة فلسفية ثقافية عميقة. بمعنى أنها افرزت المبدأ القائل، بأن الحقيقة واحدة، وما عداها مختلف أشكال وأصناف ومستويات الضلال، أي الابتعاد أو الزيغ عن الحقيقة كما هي. ومن خلالها كانت تتكشف معالم التأثير والنقد في الوقت نفسه تجاه علاقة العلم بالعمل، والمعرفة بالسياسة، والعقائد بالأخلاق وكثير غيرها.

لقد ساهم علم المِلَل والنِحَل أو علم الموسوعات الدينة والفلسفية في تثوير وتنظيم صراع الأرواح الثقافية والفكرية. ولم تكن هذه الظاهرة معزولة في بعض جوانبها عن مآرب السياسة، لكن تيارها العام كان يسير صوب رؤية معالم النفس الثقافية وتقييمها في ميدان الفكر النظري. إذ تضّمن علم المِلَل والنِحَل على بعدين مترادفين على الدوام ألا وهما التصنيف والتنظيم للفرق والمدارس، والتحليل والنقد والتقييم. وفيهما نعثر على إنتاج كافة التيارات الفكرية في الثقافة الإسلامية الكلاسيكية.

كل ذلك يكشف عن أهمية وقيمة الروح الموسوعي بالنسبة للعالم المعاصر. وما يترتب عليه من مهمات تتعلق ببلورة رؤية خاصة علمية وثقافية عن العلوم، والتي تنعكس فيها مستويات الاحتراف العلمي الدقيق. وهو عمل يشكل معيار ومحك الاحتراف العامل على بلورة وعي الذات العلمي والثقافي بمعايير التجارب الذاتية.

 

ميثم الجنابي

 

 

خيري حمدانولدت الأديبة تسفيتانكا إلينكوفا في العاصمة صوفيا عام 1968، صدر لها أربع مجموعات شعرية وكتاب يضمّ نصوصًا نثرية عن البلقان بعنوان "الوقت والعلاقة – 2007". قصائدها مترجمة لما يزيد على 20 لغة عالمية. نشرت بعض أعمالها في مواقع أدبيّة هامّة في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا مثل “Absent”, “Poetry Review” وغيرها. شاركت في العديد من المهرجانات الأدبية في صربيا وسلوفانيا وألبانيا واليونان. تترجمُ كذلك من اللغة الإنجليزية واليونانية والمقدونية. ترجمت العديد من الشعراء اليونانيين والإنجليز وشعراء الهند القدامى. رشّحت لنيل جوائز أدبية عديدة. النصوص المترجمة من ديوانها الأخير الحركة السابعة II".

Книга с отворен край

كتابٌ ذو نهايةٍ مفتوحة

هل يمكنُ للنهرِ أن ينسابَ؟ هل يمكن للبحرِ أن يصبّ مياهه؟ هل يمكنُ للريحِ أن تهبّ كلّها؟ هل يمكنُ للموتِ أن يموت؟ نعم، هذا ممكنٌ إذا ما تركتَ كلّ هذا خلف ظهرك، كما المشهد المطلّ من نافذةِ القطارِ حينَ تجلسُ في القمرةِ في الاتجاهِ المعاكسِ لسيرِ القطار. يطالُك المشهدُ، تتداخلُ المناظرُ فيما بينها، قممُ قبّعاتِ الحوريات، دمىً روسية – ماتريوشكا. وترى بداياتِها دون غيرِها. إبيقور قالها من قبل: "إذا لم أتواجد بعد موتي فإنّ الفناءَ لا يعنيني". تراكمُ الألوانِ. الكتابةُ كأنّها لم تكتمل.

Смъртта

الموت

حلمتُ بالموتِ، غيرَ مؤلمٍ، كأنّه وخزةٌ تمرّ امتدادًا للحياةِ في النوم، في الخيالِ الذي يسبقُ الهجوع. كما حدقةِ العينِ تتّسعُ وتضيقُ حينَ تلتقي خيوطُ الأشعّةِ الأولى. تدوسُ بدّالةَ البيانو بعد أن تنتهي من عزف الكورد الأخير. تحسنُ القيادةَ والتحكّمِ لكن ليس بجسدكِ بل بوعيِك. الموتُ تخديرٌ لكنّه موضعيّ، لذا فإنّ الجسدَ هو العربةُ المهشّمة في مكانٍ ما في الخلف، الهشيمُ كأنّه أشدُّ وطأةً من الكمد. تطفئ جسمَ الإنارةِ أو تضيئَه حسبَ الحاجة.

Поетите с броеници

الشعراء بالسبّحات

يقيسون المستقبل، وقد تحقّقَ في أشجارِ الصنوبر، التي تبدو متشابهة، على الرغم من أنّها قد مدّت فروعَها بسنتيمتر واحدٍ أطولَ من العامِ الماضي. وأنتِ تبدين هكذا مختلفة في حضرةِ الصنوبر، مع أنّك قد نَمَوتِ بمعدّل سنتيمتر واحدٍ حتّى سنّكِ السادسة عشرة. لمَ تبدو هذه الأشجارُ دومًا قاصرة، مع أنّها لا تتوقّف أبدًا عن النمو؟ لا تتوقّف عن الحركة مع أنّها في واقع الحال ساكنة. حتى تنزّ الصمغَ من قشرتِها، يصنعون منه زيتَ الصمغِ بلونِ الكهرمان، قطرة منه تجلب الحظ. الشعراءُ  بالسبّحات يموتون شبابًا.

 

ترجمة وتقديم: خيري حمدان

 

1156 بدوي الحاجسأمشي اليك كل صباح / حتى أصحو بين ضلوعك، هكذا هو بدوي الحاج في ديوانه الجديد مائل إلى عطش

يمشي مُبكراً حتى يدرك الصحو بين أضلع حبيبته، ليحكي لها حكاية عن الارض والسماء متمسكاً بها يرفض رحيلها، ليصل به الحب والعشق والهيام الى ان يهمس في أذن الريح ليخبرها عن حبيبته وأوصافها وأحاسيسها وشعورها الذي يتراءى في وهج خديها، ويتخمر الماء في يدها، وهذا ما يزيد الشاعر عطشاً ولا يريد لهذا الصخب ان يتوقف ويقول : أستطيع ان أجلس مئة عام/ وأنا أحدق في عينيك (ص18) هذا هو الولد الطائش الذي يداعب الريح، ويغفو على جفن ساقية، ويرى الضوء يتراقص على سطح غيمة، ويبقى يدور في مياهٍ لا قعر فيها ولا موانئ، ومع ذلك ما لم يضل الطريق ويلتقي حبيبته على فنجان قهوة ويقول:

حبيبتي، المنصة خالية إلا منك ومني

فأضحى لفنجان القهوة

طعمٌ ولون

يطبعهما على شفتيك، قبلاً دافئة!

وحتى وإن رحلت يبقى ظلها في باله.

الكتاب الصادر عن دار المؤلف في بيروت يقع في 111 صفحة وثلاثة عشر عنوان تعبر عن مشاعر الشاعر وتعكس صورته في القصائد التي تنبع وتتدفق من قلب الحب والمعاناة والحنين والغربة.

في 50  الصفحة يُصعدنا الكاتب معه الى الطابق الثامن حيث وجد الطمأنينة وأوصد أبوابه ليحتفظ بدفء الذكريات الموت، الحياة، العنكبوت، شجرة الليمون، دالية العنب، مسبحة جدته،الحب، الام،عن الارض، عن السماء حتى عما بقي من وحل ورماد..! (ص55)

هل اصبح الطابق الثامن تعبيراً عن الوطن الثاني! هذا التعبير الذي يتردد على ألسنة المهجرين، المبعدين، اللاجئين، المنتشرين أي المغتربين الذين تغربوا قسراً وقهراً وأخرجوا من أماكنهم الأليفة الدافئة أماكن الطفولة والأهل، الجبال، الوديان، العصافير والانهار…حيث لا يفرق وجع الذكريات هذا بين فقير وغني بين كبير او صغير او بين اي انسان وآخر، وهذا ما عبر عنه الكاتب بحرقة(ص95) لا شيءَ ثابتاً، حتى مكان الولادة والمقعد وغرفة النوم

والسرير..

ويتساءل الكاتب ص 92 قائلاً:ماذا يريد هؤلا القوم؟!

يعودون باستمرار ليتفقدوا شجرة اللوز… يعودون من سفرهم الطويل، ليجالسوا برعم الحائط…يتثاءبون ثم يرحلون..!

ومع ذلك نرى الشاعر ما زال معانداً يغضب ويثور ويقول :وما زلت معانداً كل وتدٍ

يُدقُّ

في أرضا، في عِرضِنا، في أجسادنا..

لم أمت بعد

ما دمت أتنفس، أتكلم، أغضب وأثور..!

لقد ارخت الغربة بثقلها على شاعرنا، وتركت ندوباً لا يشفى منها وهذا ما يؤكده (ص97)حتى أضحت كل الفصول عنده خريفاً! او الضوء في إجازة رسمية(ص100) حتى انه يريد ان يعود ذلك الولد، عقله شجرة  وقلبه أسطوانة!

أخيرا، نرى ان الشاعر بدوي الحاج في استعارة يسقط تجاربه الحسية على شجرة العنب عندما يعود ويراها  ليصف لنا كيف تنهمر دموعه ويعيد رسم صور انحناءة جدته وفرح أمه وحيرة أبيه حين يقول:

تلك الدالية،

فوق منزل والدي

تنزُّ دُموعاً قديمة..

كلما رأتني عائداً

ملوحاً،

أهم بقرع الباب!

تلك الدالية،

اقتبست:انحناءة جدتي، فرح أمي وحيرة أبي!

وكما يقول المثل: "إذا عرف السبب بطل العجب" لذلك وبعد الرحلة بين ثنايا كتاب بدوي الحاج وقصائده،  ندرك لماذا هو "مائل إلى عطش" هذا العطش الذي لا ترويه الغربة وإن كانت دافئة، ولا العودة المؤقته الى الاماكن الأليفة، لان طاحونة الذكريات لا تستكين ولا تهدأ ولا تروي عطشاً!

 

عباس علي مراد

 

ميثم الجنابيصدر حديثا عن دار المركز الاكاديمي للأبحاث (العراق - كندا) في طبعته البيروتية (2019) كتابي تحت عنوان (المختار: أسطورة التاريخ وتاريخ الأسطورة). وتتميز الطبعة بمستواها الفني الرفيع واستجابتها للذوق الجمالي والصحة (نوعية الورق وبنط الحروف ومسافة الاسطر). وعدد صفحات الكتاب 140 صفحة من القطع المتوسط.

تقديم عام

لقد كنت اخطط قبل عقود من الزمن بكتابة سلسلة من عشرة كتيبات تتناول نماذج للشخصيات الإسلامية الكبرى التي لعبت دورا مهما في تأسيس فكرة الحرية والصراع من أجلها. على أن تكون هذه النماذج شاملة للفروع الثقافية الأساسية للحضارة الإسلامية. بمعنى تناولها شخصيات من علوم وفنون الثقافة بحيث تشمل التاريخ والأدب والشعر وعلم الكلام واللغة والفقه والفلسفة والتصوف والموسوعات والسياسة. غير ان الحياة العلمية والشخصية عادة ما تفعل فعلها في تغيير أو تحوير الاهتمام المحدد دون أن تلغيه. ومع إنني لم استطع التفرغ بشكل تام لهذه المهمة كما اضعها هنا في هذا الكتاب، إلا انني تناولتها في عدد من كتبي، وبالأخص كتابي الذي صدر قي هذا العام من الدار نفسها تحت عنوان (الاشباح والأرواح) والذي تناولت فيها إشكالية المثقف والسلطة. وتناولت فيه أيضا شخصية المختار الثقفي ولكن بصورة مكثفة جدا، كما هو الحال بالنسبة لعدد كبير من الشخصيات الأخرى.

لقد احتل المختار موقعه الخاص في ابحاثي عن اشكاليات الحق والإمامة والحرية في الثقافة الإسلامية الأولية أو مرحلتها التأسيسية. وذلك لما له من أثر شبه مجهول في الوعي الثقافي العربي والإسلامي بهذا الصدد. ولم يكن ذلك معزولا عن الصراع المذهبي حول شخصيته من جهة، ولتقاليد السلطة الاستبدادية من جهة أخرى. لاسيما وأن السلطة السياسية في الإسلام هي استبدادية مطلقة بعد خلافة الإمام علي بن ابي طالب، والاستثناء الخاص لخلافة عمر بن عبد العزيز، والذي ينبغي أن يدرج، من وجهة نظري، في سلسلة "خلافة الراشدين" بعد إزالة عثمان بن عفان منها.

1150 المختار تاريخ الأسطورة وأسطورة التاريخ

لقد تضافرت هذه الأسباب، وبالأخص أثر السلطة في محاولات طمس مأثرته التاريخية السياسية والفكرية والثقافية الكبرى في تأسيس معنى وقيم الحرية والإرادة الفاعلة بالنسبة لتناول إشكاليات الوجود الإنساني. وليس مصادفة أن يجري وضع الكثير من الأحاديث "النبوية" الكاذبة عنه(!) بهيئة تنبؤات مستقبلية، هدفها تشويه سمعته وشخصيته. وهي تقاليد ما يسمى "بأهل السنّة والجماعة" المتميزة بغريزتها الكارهة لكل ما يتعلق بفكرة الحرية والنزعة الإنسانية والعقل السياسي الفعال. وينطبق هذا بصورة مبطنة على تقاليد التشيع (الإمامية خصوصا) أيضا، وذلك لأنه الشخصية التي احتلت من الناحية العملية موقع القائد الفعال في الصراع ضد الاستبداد الأموي. وذلك لأنه من خارج ما يسمى "بالعائلة المقدسة" والقبيلة القرشية.

إن المختار الثقفي من حيث شخصيته وكفاحه وموته هو فكرة وشخصية بقدر واحد. وإذا كان الشعار الذي رفعه "يا لثارات الحسين" ما زال يحتفظ بوهجه الداعي للقتال من أجل الحق، على جباه الشيعة أيام عاشوراء، فإن مضمونه لا علاقة له بالتمايز المذهبي والطائفي. لقد كان هذا الشعار يتضمن من حيث بواعثه وأسلوبه وغاياته في فكر المختار وسلوكه السياسي معنى الثأر من قتلة الحق. بحيث جعله شعارا لتأديب الخونة، أي أولئك الذي ساهموا بغدر الحسين واشتركوا في قتله ومأساة كربلاء بشكل عام.

لقد رفع المختار الثقفي هذا الشعار إلى مصاف الدعوة لفكرة الحرية الاجتماعية والسياسية، وتحرير المرء بوصفه التزاما شخصيا عمليا. فقد رفع شعار تحرير العبيد والموالي في حال اشتراكهم في الصراع ضد السلطة الأموية. وبهذا يكون هو الأول في التاريخ السياسي الإسلامي الذي اعتبر الحرية ليست هبة تعطى بل حق ينتزع. وهي حالة لم تكن معزولة عن طبيعة التحولات الاجتماعية البنيوية والأخلاقية في النظام الاجتماعي السياسي للخلافة. فقد انتجت ثقيف عدد من الشخصيات التاريخية المهمة. وأكثرها شهرة الحجاج الثقفي والمختار الثقفي. وأحدهما نقيض تام للآخر. انهما يمثلان طرفي الصراع الدائم بين الخير والشر، والحق وسلبه، والحرية والاستبداد. بمعنى ضمور النفسية القبلية وبروز وهيمنة الفكرة المجردة ونماذجها الواقعية وأساليب تجسيدها العملية. بمعنى وقوفنا أمام تحلل البنية القبلية التي وجدت تجسيدها في مختار للتاريخ ومحتار أمام السلطة المستبدة.

إن مأثرة المختار الثقفي التاريخية تقوم في تمثيله وتحقيقه للفكرة القائلة، بأن الأحداث الكبرى وتأسيها الواقعي في الفكر والمثال هي على الدوام نتاج عمل القوى الاجتماعية الحية. وهذه بدورها هي القوة الفاعلة في التاريخ وليس هيبة "العائلة المقدسة".

لقد كانت فكرة الثأر التي رفعها المختار الثقفي موجهة أولا وقبل كل شيئ تجاه النفس. ومن الناحية التاريخية السياسية والعملية كانت استمرارا وتكملة لحركة "التوابين"، أي تلك الحركة التي دعت للتوبة مما اقترفه أهل العراق من خطيئة في عدم نصرتهم للحسين بن علي وخيانته أيضا. أما المختار الثقفي فحاول الجمع بينهما ولكن بطريقة ومضمون آخر. وبالتالي، فإن تياره هو تكملة للتوبة الذاتية وتذويبها في شعار الثأر أيضا. بمعنى الجمع بينهما من أجل شعار الحق والعدل والحرية. وقد كان ذلك بالفعل احد أعظم وأعمق الشعارات السياسية والفكرية آنذاك بالنسبة للتحرر الاجتماعي وبناء الدولة والثقافة.

 انه التيار الاجتماعي السياسي المنظم الذي نفى واستكمل تمرد الخوارج، من خلال تمثله للمضمون الحقيقي للإسلام المحمدي: إسلام الجماعة المؤمنة بالحق والأمة العاملة بمعاييره. ومن خلالها التأسيس لمفهوم سلطة الأمة بنفسها لنفسها وليس للعائلة "المقدسة" والقبيلة القرشية أموية وعباسية وهاشمية محتملة وما شابه ذلك. وفي هذا تكمن قيمتها بالنسبة للمعاصرة.

إن الجوهري في الإسلام الفاعل الذي قدمه المختار والحركة المختارية هو ليس الشريعة وعقائد المذاهب والفرق، بل فكرة الحق والعدل والحرية بوصفها التزاما فرديا واجتماعيا وسياسيا وأخلاقيا. وفيه ومن خلاله يتلألأ فيصل الحكم الصادق بصدد طبيعة وحجم الالتزام الفعلي تجاه هذه القيم والمفاهيم العملية. كما انه يضع في الظروف العراق طبيعة وحجم الالتزام الفعلي للأحزاب الشيعية الحالية فيه. وهو حكم ومقارنة يشيران إلى أنه لا شيء عند هذه الأحزاب التي تتغنى وتطرب وتبكي وتتحمس وتأكل وتشرب وتنام باسم الحسين. بل نرى فيها تجسيدا لنقيضه. الأمر الذي يطرح مهمة الثأر منها.

إن الأحزاب الشيعية الحالية هي أموية جديدة. وهي استكمال للتيارات السنيّة الغالية والهمجية. ومن حيث المضمون يصعب التفريق بينهما بالمعنى الاجتماعي والأخلاقي. حقيقة إن التشيع السياسي العراقي لم يهبط بعد إلى مستوى الهمجية لكنه يقف على جرف هاويتها! 

ومن دون الخوض في مضمون الكتاب الذي يتناول مختلف جوانب هذه الشخصية الملهمة بالنسبة للعقل الحر والضمير الحي المهموم بفكرة الحرية، اكتفي بمقدمته فقط. ففيها استعرض بصورة مكثفة كل ما أريد قوله في الكتاب. وما وراءه من أبعاد اللغز التاريخي والثقافي الحي للمختار.

***

إن الرجال العظام تولد وتموت. وفي مجراها تعاني من أحوال مختلفة، تحب وتكره، وتتذكر وتنسى، وتصبر وتجزع، وتشتهي وتنفر، وتتحدى وتهرب. لكن هذه الأحوال تبقى في نهاية المطاف جزء من حياتها الخاصة. مما يجعل منها مادة للتأمل التاريخي، ونموذجا للمحاكاة السياسية، وذكرى للأساطير والحكايات، ولغزا للاهوت والأهواء، وعبرة للتعقل، واختبارا للمنطق. لكنها حالة تشير بدورها إلى أن أي من الصيغ المذكورة أعلاه لا يمكنها رؤية حقيقة الشخصية الكبرى بوصفها "مأثرة".

إن رؤية الشخصية الكبرى بوصفها مأثرة يفترض الانغماس في أعماقها الحرة والبحث فيها عن الأثر التاريخي فيما تقوم به وتفعل. لاسيما وأنها الحالة الواقعية لوجودها، والأسلوب الفعلي لإدراك حقيقة تأثيرها في التطور اللاحق للأمم والدول والثقافات.

إن حقيقة الشخصيات الكبرى هي أثر فعلي في وعي الذات القومي والثقافي. وما عداها مجرد ذكرى قابلة للنسيان أو الاستحداث بوصفها "بقايا حجرية" قابلة للتأمل. فكل شخصية غير قادرة على العيش والحياة بوصفها روحا في الأجيال المعاصرة وبمعاييرها، هي من متحجرات الماضي مهما كانت سمعتها وشهرتها. وهو السبب الذي يجعلنا نقرأ ونسمع مرات كثيرة عن خلفاء وسلاطين وقواد، دون أن يثير أي منهم قدرا ضئيلا من معاناة وعي الذات التاريخي أو الثقافي أو القومي أو الوجداني. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين رجال التاريخ وأزلام الزمن، بين مأثرة وأثر بلا مآثر. وذلك لأن رجل التاريخ هو مأثرة حية في وعي الذات القومي والثقافي، ومن ثم قابلة للتجدد والتوّسع والتعّمق والتفاعل مع إشكاليات المعاصرة.

وقد ميزت هذه الصفة شخصية المختار بن أبي عبيدة الثقفي، بحيث جعلت منه مأثرة عميقة أقرب ما تكون إلى منظومة حية في وعي الذات الروحي والأخلاقي والسياسي. مما جعل من آثارها حوادث ومواقف ونتائج يمكن تأملها في مجرى الصراع الاجتماعي والسياسي الحالي في العالم العربي والعراق خصوصا.

إننا نعثر في تاريخ المختار على تاريخ المفاهيم والقيم والمواقف بوصفها أحداثا حية معاصرة. كما يشير هذا العثور إلى أن ما عانى من أجله وقام به، وما أتخذه من مواقف، وما تعرض له من انكسار، ما زال يسري في تيار الزمن الحالي، لكي يتحول مع مروره إلى جزء من تاريخ وعي الذات. بمعنى انه مازال يعيش بكامل كينونته القديمة في مسار الأحداث الحالية. الأمر الذي يجعل من حيويته الفعلية طاقة مثيرة بالنسبة للمشاعر والأذواق والإدراك والمفاهيم والقيم والمواقف التي تتجاذب القوى الاجتماعية والسياسية في صراعها الحالي.

فقد كان المختار شخصية عراقية عربية إسلامية تتماهى في التاريخ مع آثاره ومآثره الكبرى. بحيث جعل ذلك منه قوة سارية في أعمق أعماق الفكرة الحرة، كما جعل منه أحد أجمل المساعي الجليلة من اجل الحق والعدالة، وأحد أصدق نماذج العمل من أجلها في ميدان الصراع الاجتماعي والسياسي. وقد يكون من الصعب بالنسبة للإنسان المعاصر أن يتحسس بصورة مباشرة طبيعة وحجم المعاناة التي كان يواجهها في ثنايا الوحدة والعزلة، وفي أوساط الحشود حالما تنظر إليه مسترقة السمع لكل كلمة ومتأملة معنى الإيماء والحركة في اليدين والعينين، لكنه يجبر العقل والضمير على رؤية ما فيه من نموذج مدهش لما ادعوه بالمثقف المجاهد. وهو مثقف سوف لن يفقد قيمته مع مرور الزمن لأنه جزء من تاريخ حي، هو تاريخ وعي الذات الثقافي.

فقد جسّد المختار في حياته وموته، أفعاله ومآثرها، أقواله وآثارها، ذاكرته وذكراه، حقائق الروح الأبدي ومرجعياته القائلة، بأن البقاء في التاريخ يفترض الذوبان في مجراه الحي. لكنه ذوبان جعل منه على الدوام قطرة منعشة وسيلا عارما، وهواء عليلا وعاصفة هوجاء، ودفئا لذيذا ونار محرقة، وترابا للقصور والقبور، أي مكونا حيا ومعاصرا، شأن كل الشخصيات الفاعلة في تاريخ وعي الذات. ويكفي المرء النظر إلى أحداث العراق الحالية لكي يحس ويدرك ويفهم قيمة المختار بالنسبة للعقل والضمير الحي.

 

ميثم الجنابي

 

 

1153 الامير عبد القادراشتريت الكتاب من بائع الكتب عبر رصيف وسط مدينة الشلف وأنهيت قراءته قبل أن أبرح مكاني، والكتاب هو: الأستاذ رابح خدوسي: "الأمير عبد القادر  في كتابات المؤرخين"، دار الحضارة، بئر توتة، الجزائر العاصمة، الجزائر، 1997، من 32 صفحة فكانت هذه القراءة:

1- جاء في صفحة 13 وتحت عنوان: "عبد القادر أميرا" أنّ الأمير عبد القادر رحمة الله عليه ورث الإمارة من أبيه و"تخلي أبيه عن الإمارة لفائدته"، وعليه أقول: الأمير عبد القادر لم يرث الإمارة بالمفهوم المتعارف عليه إنّما علماء وفقهاء وأعيان وكبار معسكر والمناطق المجاورة لها ألحوا على الأب محي الدّين الحسيني الهاشمي رحمة الله عليه أن يلح على الابن الأمير عبد القادر بقبول الإمارة فقبل الابن تحت إلحاح العلماء والفقهاء وطلب الأب هذا من جهة.

2- من جهة ثانية – في تقديري وحسب قراءاتي – الإمارة تعني في حالة الأمير عبد القادر القيادة وخاصّة قيادة الجيش لأنّه بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر وخيانة العثمانيين للجزائر وبيع أهلها وخيراتها للمحتل الفرنسي كان لزاما على الجزائر أن تختار قائدا عسكريا يواجه النهب والسّطو و الاستدمار الفرنسي. إذن لقب الإمارة يطلق في الحالة الخاصّة بالأمير عبد القادر على قيادة الجيش ومحاربة العدو والمحتل الفرنسي وليس الإمارة بمفهوم التوريث والبذخ هذا من جهة ثانية.

3- حين ضغطت فرنسا المحتلة على الأمير عبد القادر لجأ للمغرب ليحمي ظهره ويأمل في نصرة سلطان المغرب يومها، وحين رأى سكان المغرب الأخلاق العالية للأمير عبد القادر طلبوا منه وبإلحاح أن يكون سلطانا عليهم بدل السلطاني المغربي لكنّ الأمير عبد القادر بأخلاقه السّامية امتنع ورفض احتراما لضيافة السّلطان المغربي والعهد الذي قدّمه له بأن لا يخونه ولا ينافسه في ملكه. وحين هاجر الأمير إلى الشام طلب منه سكان الشام وألحوا عليه أن يكون سلطانا على العرب جميعا هذه المرّة عوض السلاطين العثمانيين  الذين كان المشارقة يومها يكنون لهم العداء بسبب ظلم وبطش سلاطين الدولة العثمانية فرفض الأمير عبد القادر  أن يكون سلطان العرب احتراما للسلطان العثماني وتقديرا له ورفضه منافسة السّلطان العثماني خاصّة وأنّ الأمير عبد القادر يملك من المواصفات الأخلاقية والجذر التاريخي والتعاطف الشعبي والأخلاق السّامية ما لا يملكه سلاطين الدولة العثمانية مجتمعين وهم يدركون هذا الفارق جيّدا حتّى أنّهم كانوا متخوّفين جدّا أن يكون ا أمير عبد القادر سلطان العرب بدل عنهم وهم يرون العرب تلتفّ حوله وتطلب منه أن يكون سلطانا عليهم.

4- جاء في صفحة 23 تحت عنوان: "الاستسلام" يتحدّث عبره عن استسلام الأمير عبد القادر، وعليه أقول: أشكر الأستاذ رابح خدوسي على الجرأة في استعماله عنوان "الاستسلام" لأنّي قرأت هذا العنوان لأوّل مرّة في حياتي – وفي حدود ما قرأت و أتذكر – لكن ألومه للاعتبارات التّلية:

5- الكتاب موجّه للأطفال وما كان ينبغي له أن يستعمل مصطلح "استسلام الأمير" وهو يخاطب الأطفال لأنّ الطفل لا يخاطب باستسلام قادته ورموزه.

6- طلب منّي منذ سنوات طلب أن أكتب عن الأمير عبد القادر للأطفال فكتبت وعرضت عملي على زميل أديب فصيح فنصح وشكر ثمّ عرضت عملي على زميل يكثر القراءة فقال لي حينها: عهدتك أن تنتقد الأشخاص والفكرة لكن رأيتك في هذا العمل تشكر وتثني على الأمير عبد القادر دون أن توجّه نقدا للأمير وقد قرأت لك وأنت تنتقد الأمير في بعض مقالاتك وكتاباتك كما تثني عليه، فأجبت ودون تردد: عملي هذا موجّه للأطفال ولا يحقّ لي أن أنتقد رمزنا وكبيرنا وأنا أقدّمه للصغار والمطلوب من الكبار أن يربوا الطفل على أنّ رمزه كان قائدا وفاتحا ونظيفا وفارسا وشجاعا وبطلا وعادلا وحين يكبر نقدّم له نقدنا للأمير عبد القادر ولغيره كما فعلنا من قبل معه ومع غيره.

7- استعمال الكاتب لمصطلح "الاستسلام" يوحي أنّ الأمير عبد القادر استسلم بمحض إرادته وأنّ من طبعه الاستسلام وهذا خطأ وقع فيه الكاتب وكان عليه أن يكتب مثلا : "الظروف التي دفعت الأمير عبد القادر للاستسلام" و "ظروف الاستسلام" وغيرها من الكلمات المعبّرة عن أنّ ا؟لأمير عبد القادر حارب مدّة 17 سنة وهو في زهرة شبابه وقد عرضت عليه الدنيا وجاءته حبوا وترجاه المستدمر الفرنسي وبعث له بثلاثة رسائل لإبرام الصلح ولم يقبل إلاّ في الرسالة الرابعة وهو الوحيد الذي أبرمت معه معاهدتين ولم يتوقف يوما عن الجهاد ومحاربة المستدمر الفرنسي لكن ضغوطا ضخمة وخيانات متعدّدة وموازين قوة لم تكن لصالح وتفوّق المحتل في العدّد والعدّة وانحصار الأرض التي يثبت عليها وينطلق منها وغياب الغطاء الذي يحميه من الخائن والعدو كلّها وغيرها عوامل ساهمت في استسلام الأمير عبد القادر رحمة الله عليه. إذن الأمير عبد القادر استسلم لكن الظروف التي ذكرناها وغيرها هي التي دفعته للاستسلام.

8- عاتبني زميل وهو أستاذ التاريخ بإحدى الجامعات الجزائرية استعمالي لمصطلح استسلام الأمير تحت ظروف ذكرتها في الأعلى وقال: بل هو طلب أمان. أجبت حينها: لا يطلب الأمان من عدو وطلب الأمان هو الصورة المعبّرة عن الاستسلام لكن بلفظ رقيق لطيف.

9- اعتمد الأستاذ على مرجع واحد مترجم إلى اللغة العربية والمراجع الأخرى كلّها من كتاب عرب وجزائريين، وعليه أقول: من الأخطاء الفادحة الاعتماد على المراجع الجزائرية والعربية دون المراجع الفرنسية والغربية في دراسة الأمير عبد القادر. والصواب – في نظري – الاعتماد على الجزائريين الذين عايشوا الأمير عبد القادر منذ صباه وشبابه وبداية الاحتلال الفرنسي، والاعتماد على الفرنسيين والغربيين الذين تعاملوا مع الأمير عبد القادر في السّلم والحرب والمعاهدة والسّجن، والاعتماد على العرب الذين تعاملوا مع الأمير عبد القادر  في الشام  ومساجد الشام والصلح بين المسيحيين ومجالسه مع علماء الشام وهكذا. وبهذا الجمع يقف المرء على مصادر جزائرية وفرنسية وغربية وسورية وعربية لدراسة شخصية الأمير عبد القادر من كلّ النواحي ومن زوايا مختلفة ودون استثناء.

 

 معمر حبار

 

عن دار الورشة للطباعة والنشر في بغداد صدر هذا الأسبوع الجزء الأول من كتاب "هوليــود بين عوالم المخابرات ودهاليز السياسة المظلمة - وثائق وأسرار.. دسائس ومؤامرات" ارجمة وإعداد الناقد الدكتور حسين سرمك حسن. يقع الجزء الأول من هذا الكتاب في (419) صفحة ويضم (15) فصلا جاءت على الشكل التالي:

1148 هوليود

(1). تمهيد: دعاية الشاشة ، هوليوود ووكالة المخابرات المركزية  - مقالات مختارة

(2). تدخّل وكالة المخابرات المركزية في هوليود : النشاط المبكر

(3). هنا 410 أفلام صُنعت تحت الإشراف والتأثير المباشر للبنتاغون

(4). وثائق تعرض كيف تروج هوليوود للحرب نيابة عن البنتاغون ووكالة المخابرات المركزية ووكالة الأمن القومي - لقد أثرت وكالات الاستخبارات العسكرية الأمريكية في أكثر من 1800

(5). الأضواء ، الكاميرا .. والعمل السرّي: السياسات الخفية في هوليوود

(6). كيف استغلت وكالة المخابرات هوليود لتزيين العمل التجسّسي

(7). هوليود وتمجيد التعذيب: فيلم زيرو دارك ثيرتي وأوسكار "أفضل فيلم دعائي" – فيلم آرغو وتزوير حقائق التاريخ

(8). وثائق حكومية تكشف العلاقة بين وزارة الدفاع (البنتاغون) ومخرجي الأفلام في هوليود

(9). الإمبريالية الثقافية وإدارة الوعي: كيف تخفي هوليود جرائم الحرب الأمريكية

(10). صحيفة إندبندنت البريطانية: دور واشنطن في كواليس هوليود أعمق مما تتصوّر – البنتاغون دعم أكثر من 1100 مسلسل تلفزيوني !!

(11). قصف هيروشيما بالقنابل الذرّية يحصل على التجميل من هوليوود

(12) جائزة الأوسكار تُمنح لمنظمة الخوذ البيض الإرهابية

(أ) الأوسكار يذهب إلى تنظيم القاعدة؟ دعاية الحرب السورية تفوز بجائزة الأوسكار

(ب) إنسوا الأوسكار: إمنحوا فيلم الخوذ البيض جائزة ليني ريفينستال (النازية) لأفضل فيلم دعائي

(13). جيمس بوند (دانييل كريج) يزور مقر وكالة المخابرات المركزية !! لماذا ؟؟

"الانتحارات" الشهيرة في هوليود:

 (14) "انتحار" مارلين مونرو

أولاً- مَنْ قتل أسطورة السينما مارلين مونرو؟ (نظريات المؤمرة)

ثانياً- حصرياً: صور لم تُرَ من قبل لمارلين مونرو الحامل سرّاً ، التي أقنعت صديقتها المقربة أن إيف مونتان ، نجم فيلم "دعونا نعمل الحب" ، كان والد الطفل - وليس الزوج آرثر ميلر.

ثالثاً- معلومات مهمة عن مونرو من الباحث الأمريكي (ستيفن وايد)

رابعاً - رسائل لا تُصدّق بين جون كنيدي ومارلين مونرو اكتُشفت حديثاً

(15) كيف دمّر مكتب المباحث الفيدرالي حياة الممثلة جين سيبيرج وأوصلها إلى الانتحار؟

ومما ذكره سرمك في مقدمة الكتاب:

"في كتابي الأول عن فن السينما الجميل : "السينما .. فن الإبهار المميت" الذي صدر عن دار ضفاف في بغداد عام 2016 تحدّثتُ عن ولعي المبكر بعالم السينما العجيب ، وقدّمتُ تحليلا لستة افلام سينمائية حديثة مهمة. وكنتُ قد وضعتُ مخططا في ذهني يتمثل في إصدار جزء ثانٍ مكمّل للكتاب الأول ولم يكن في بالي وضع هذا الكتاب الذي بين يدي السادة القراء الأفاضل. فمنذ أن شاهدتُ فيلم "خزانة الألم The Hurt Locker" والنقد الذي كتبته عنه بعد مشاهدات كثيرة دقيقة والملابسات التي رافقت فوزه بجائزة اوسكار أفضل فيلم عام 2009 لم أعُد أُفاجأ بتدخلات وألعاب السياسة في تحديد الأفلام الفائزة بجوائز الأوسكار. فهذا الفيلم من إخراج المخرجة "كاثرين بيجلو" التي صارت ومازالت لحد الآن أول امرأة تفوز بجائزة الأوسكار لافضل مخرج عن فيلمها هذا ، دخل المنافسة ضد فيلم "أفاتار Avatar" لمخرج الروائع (تايتانك مثلا) جيمس كاميرون (زوج كاثرين بيجلو السابق – طلقها عام 1991) الذي كتبه وأنتجه أيضا وكان أغلب النقاد السينمائيين ومتابعي السينما يعتقدون وبثقة أنّ فلمه أفاتار سينال جائزة الأوسكار عن أفضل فيلم وأفضل مخرج وأفضل مؤثرات صورية على الأقل ، لكن المفاجأة المثيرة للدهشة والصدمة للجميع جاءت حين مُنح فيلم حزانة الألم الحربي العادي المليء بالأخطاء جائزة الأوسكار لأفضل فيلم وافضل مخرجة بعد أن رُشّح لتسعة جوائز أوسكار.

إذن ما الذي دفعني إلى القفز فوق مخططي الذي أعددته وإصدار هذا الكتاب؟ السبب هو أنني صُدمت بالوثائق السرّية التي نشرتها مواقع ألكترونية مهمة والمعلومات المُسرّبة أخيرا في مقالات ودراسات لباحثين أمريكيين مختصين بفن السينما عن العلاقة الخفية بين هوليود ووكالة المخابرات المركزية CIA ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) وغيرهما من المؤسسات الاستخبارية والعسكرية الأمريكية ، ومقدار التأثير الذي تفرضه الأهداف والمصالح السياسية لصانعي القرار السياسي الأمريكي على مضامين الأفلام المُنتجة في هوليود والمسلسلات التي تعرضها الشبكات التلفزيونية المهمة وبرامجها. لقد بلغ التدخل حدا أن مدير وكالة المخابرات ليون بانيتا يقترح اسم الممثل الأسطوري آل باشينو كي يمثل دوره في الفيلم الخاص بمقتل إبن لادن : ثلاثون دقيقة بعد منتصف الليل Zero Dark Thirty ، وأن يقوم المكتب الخاص بالترفيه في الوكالة بحذف المشاهد في الأفلام وتغيير الحوارات وفرض تغييرات جذرية فيها مثل فيلم هالك Hulk و لقاء الآباء Meet the Parents (فيلم كوميدي معروف مثّله روبرت دي نيرو وبن سيلرز) والحديقة الجوراسية الجزء الثالث وغيرها ، وأن تُنتج أفلاما خاصة هدفها تشويه الحقائق التاريخية ، وأن تقوم نجمة مسلسل "ألياس" الشهير "جنيفر غارنر بتمثيل إعلان دعائي يدعو الشباب للتطوع في وكالة المخابرات!!

سيجد السادة القرّاء الكثير من المعلومات الصادمة المدعومة بالوثائق السرّية التي أُفرج عنها مؤخرا والتي تشوّه صورة هوليود وإبداعاتها التي كنّا نضنّها "بريئة" ومحايدة وهدفها هو إشاعة هذا الفن الرائع وقِيَمه النبيلة. هنا وثيقة تشير إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية أصدرت قائمة بأكثر من 300 فيلما في هوليوود ساعدت الوزارة في إنتاجها. ووثيقة أخرى تشير إلى أنه على التلفزيون فقط ، هناك أكثر من 1100 عنوان لمسلسلات تلفزيونية حصلت على دعم البنتاغون - 900 منها منذ عام 2005. وهناك وثيقة ثالثة نقول أنّ وكالات الاستخبارات العسكرية الأمريكية أثّرت في أكثر من 1800 فيلم!!)

وقد أهدى المؤلف كتابه إلى: الفنان الراحل عبد الخالق المختار أنموذجاً للفنان الملتزم والمواطن العراقي الغيور.

 

 كتب محرّر دار الورشة:

 

 

نبيل عودةقرأت قبل سنوات كتاب يحمل عنوانا مثيرا "تاريخ الله" كتبته صحفية انكليزية وهي بالمناسبة راهبة كاثوليكية سابقة، الكتاب مثير بما يطرحه، باستعراضه تاريخ الايمان برب واحد في اليهودية والمسيحية والاسلام، خلال ال 4000 الاف سنة الماضية من التاريخ البشري.

المؤلفة كارن ارميسترونغ، تقود القارئ الى اهم رحلة تاريخية في حياة البشرية، رحلة البحث عن الله. تتناول في كتابها تطور الفكرة الإلهية في تاريخ الشرية. وتستعرض نقاط الاتفاق والخلاف في الديانات التوحيدية الثلاثة، والتأثير المتبادل لكل دين على الدين الآخر.

الفكرة الجميلة في طرحها هو كيف تطورت الفكرة اللاهوتية بعيون سكان الأرض عن رب الجيوش القبلي، لقبيلة قليلة العدد الجالس بأعالي السماء، الى رب عادل رحيم بكل الديانات التوحيدية الكبيرة. وكيف أصبح من رب مخيف الى كيان مألوف، اصبحت له اعتبارات جديدة، وعلاقة جديدة نمت بينه وبين البشرية. حتى انه يمكن القول ان الله الجديد، المتحول من الله الرهيب، أصبح في خدمة البشرية.

تشير المؤلفة ان الله الجديد، لم تعد له صفات العدل والرحمة فقط، بل تحول ايضا الى خادم لأهداف سياسية واجتماعية واقتصادية في اخلاقيات وتفسيرات جماعات المؤمنين. طبعا تشير ارمسترونغ الى ان الفكرة اللاهوتية تصبح عتيقة مقابل الواقع الجديد المتضارب، بحيث تبرز افكار جديدة، تغير حتى فكرة الله القديمة نفسها.

يمكن القول بشكل عام، دون الاقلال من حق المتدينين باي ايمان يطابق ما نشأوا عليه، ان فكرة الألوهية هي احدى الأفكار الأكثر ضخامة في التاريخ البشري، وبنفس الوقت هي احدى أكثر الأفكار اشكالية ايضا. في مختلف الثقافات التي ظهرت في التاريخ البشري، فكر الانسان كيف يحدد مكانته غير الثابتة في عالمه، لذا خاضت البشرية طريقا طويلة ومثيرة للاهتمام من الروحانية إلى الألوهية. ومن يقرأ مثلا سفر التكوين التوراتي، او أي قصة خلق اخرى، دينية كانت ام وثنية، يلمس المكانة العظيمة والقوة الهائلة لفكرة الله في التاريخ البشري اللاهوتي. فهو خالق الانسان والأرض والبحار والسماء والشمس والكواكب والنبت والزرع الى آخره.  

ذلك الرب العظيم لم يكن له صور، ولم يخدمه رهبان او رجال دين، وشيئا فشيئا بدأ يبتعد أكثر وأكثر عن الانسان، وان الفكرة الإلهية بدأت تتلاشى من العقل البشري، لدرجة ان نسبة كبيرة من البشرية لم تعد تؤمن به، او انه اختفي كليا من حياتها. هذا قاد الكثيرين من الفلاسفة والمفكرين الى اسقاطه من تفكيرهم. وانكار كل القصص الدينية التي تطورت خلال ال 4000 سنة الماضية. ووصل الأمر بفيلسوف بارز هو الألماني نيتشه للقول ان "الجنائني قد مات" ويقصد الله.

طبعا الولوج للموضوع فيه الكثير من الألغام، لأن طرح فكرة ما بمجتمع يفتقد لحرية التفكير والتعددية الثقافية والفكرية، ليس سهلا، ولن يفهم انه طرح بإطار ثقافي ومعرفي وليس حثا على التخلي بما يؤمن به الشخص، انما عقلنة وتعميق للمعرفة.

استعرضت فكرة الكتاب (470 صفحة) باختصار شديد ودون توسع، والكتاب تحول الى أحد الكتب الأكثر مبيعا في العالم.

هذا يقودني الى رؤية أنه من غرائب الدين والايمان الديني، هو ان الله يُطرح بشكل مبسط، ان الصفات التي تلصق بفكرة الله هي صفات العدالة والرحمة وجنان الله للمؤمنين والعذاب والحرق للكفرة.

مثلا تُطرح جهنم بتفاصيل رهيبة، الحرق والعذاب وهناك تفاصيل كاملة عن اهل النار والنهاية البائسة لغير المؤمنين.

وتطرح الجنة، او ملكوت الله، بصورة تحمل الكثير من المغريات الجنسية، وكأن ما يهم الانسان من الجنة هو الجنس، والجنس ولا شيء غير الجنس. المسيحية لا تطرح الجنس بل تتحدث عن ملكوت الله للمؤمنين. تعبير لا يقول شيئا. الجنة هي العالم الآخر الذي سيعود اليه الصديقين، وهو مغاير من جهنم حيث يصل الخاطئين.

وفكرة الجنة بدأت مع خلق آدم وحواء، لكن الله اخرجهم من الجنة بسب خطيئة الأكل من شجرة المعرفة. أي ان الله ارادهم بلا معرفة وبلا تفكير.

يمكن القول ان فكرة الله هي فكرة سريالية تطورت مع تطور الذهن البشري ورغبته في فهم عالمه، والظواهر المختلفة التي تواجهه في حياته، فخلق الآلهة لكل ظاهرة، وغير وبدل وصاغ قصصا وحكايات عن الآلهة وصراعها واوجد رب الآلهة.. الخ.

ومن هنا نجد ان الديانات الوثنية لم تكتف بالخضوع لآلهتها الوثنية، بل جعلتها هي خالقة السماء والأرض والانسان والنجوم والشمس، بل صيغت الكثير من القصص التي ترجمت ونقلت للتوراة وكتب دينية اخرى.. مثل الطوفان وقصة موسى وبشارة المسيح وغيرها من القصص المركزية في الكتب الدينية التي مصدرها الديانات الوثنية.

ويبقى السؤال: هل ستبقى شخصية الله الدينية سائدة في عالم بدأ يكتشف كواكب تبعد عن كرتنا الأرضية الاف السنين الضوئية؟

 

نبيل عودة

 

علجية عيشتجمع الدراسات على أن ازدواجية اللغة كانت السبب في تخلف العرب العلمي والثقافي، الذي حال بينهم وبين التفوق والنبوغ، وكان أنصار اللهجات السوقية ودعاة تطوير العربية الفصحى من غربيين وعرب مستغربين هم من حركوا هذه القضايا، فزعموا أن العرب يقرأون ويكتبون بغير اللغة التي يتكلمون بها، هذا ما جاء في كتاب الدكتور محمد محمّد حسين في كتابه بعنوان "حصوننا مهددة من داخلها" والدكتور محمد حسين كما روي عنه، تعرض عدة مرات للإغتيال بسبب كتابه بحيث كشف حقيقة الغرب وما يخططونه لمحو الإسلام، كما رسم فيه صورة سوداء للعرب وغفلتهم عمّا يدس لهم من سموم غربية من أجل قتل الشخصية العربية ومحو مقوماتها وتدمير تفكيرها وتسميم ينابيع الثقافة فيها

الكتاب الذي صدرت طبعته الأولى عام 1967 عن مؤسسة الرسالة، أعيد طبعه لثامن مرة عام 1983 عن نفس المؤسسة، لأهميته، ولعل إعادة قراءة هذا الكتاب يجعل القارئ يعيد النظر في كثير من المسائل التي ركنت في زاوية النسيان، ويقارن بما جاء في الكتاب والوضع الذي آلت إليه الشعوب العربية وهي تعيش الثورات والحروب الأهلية بسبب إهمالها القيم العربية والإسلامية الأصيلة وقد انتقد الدكتور محمد محمّد حسين في كتابه مواقف كثير من الكتاب، لاسيما المقالة المتعلقة بـ: "مستقبل الثقافة في المجتمع العربي" للدكتور كامل عياد، الذي انتقد الأديب طه حسين حينما تحدث عن "مستقبل الثقافة في مصر"،  وما جاء به كذلك عبد الرزاق السنهوري عن القانون المدني العربي، حيث دعا هذا الأخيرإلى تبديل الشريعة الإسلامية،  وتوحيد القانون المدني في سائر البلاد العربية (مصر، سوريا، لبنان،تونس، الجزائر، المغرب والعراق) كون هذه البلدان تمزج بين الشريعة الإسلامية والقوانين الغربية، ماعدا اليمن والحجاز اللتان تطبقان الشريعة الإسلامة قبل ثورة التغيير طبعا أو ما سمي بالربيع العربي أو ظهور داعش .

فالكتاب يدعو إلى مراجعة النفس، لعل وعسى تسترجع الأمة العربية شيئا مما فقدته من مقوماتها، فقد انتقد الكاتب دور جامعة الدول العربية، خاصة في الجانب المتعلق بترجمة الكتب الأجنبية إلى اللغة العربية، وتحدث عن مسألة الروحانية وعلاقتها بالصوفية التي حاربها بعض الكتاب عن جهل، وقالوا أنها مذهب غير إسلامي، وهي لا تخرج عن مفهوم الزهد الذي عرف عن بعض الصادقين من الصالحين في صدر الإسلام، كما أنها تتعارض مع التفكير العلمي القائم على المشاهدة الحسية والتجربة العلمية، ثم قضية التغريب westernisation والجماعات الداعية إلى بناء المجتمع من جديد أو بناء المجتمع الجديد من خلال هدم القديم، فكثير من الباحثين كما يشير الدكتور محمد محمّد حسين وقعوا في الخطأ عندما انكبوا على البحث في أمور الدين والعقيدة واللغة العربية باسم الدراسات الإسلامية، ما كشفه كتاب "حصوننا مهددة من داخلها" هو أن الدراسات الإسلامية تسمية أوروبية، فهي ترجمة حرفية للأقسام التي أنشاتها الجامعات الأوروبية لتضم دراسات تتعلق بالمسلمين في تاريخهم وآدابهم ومجتمعاتهم، بكل ما تتسع له هذه الكلمة من معاني الدين والعلوم والفنون والعادات والتقاليد والبيئة، الهدف منها خدمة المصالح الإستعمارية في تعاملها مع البلاد الإسلامية والمساعدة على التخطيط لها، ومن وجهة نظر الكاتب، وجب المقارنة أو التفريق بين الدراسات الإسلامية والعلوم الإسلامية، هذه الأخيرة هي علوم التفسير والحديث والفقه، وتقوم على أولويات لابد من تحصيلها منها حفظ القرآن، وبدون هذه الأولويات لا يمكن أن نبني دراسات إسلامية صحيحة، ولذا وجب على المتخصصين في الدراسات الإسلامية حتى لو كانوا غير مسلمين أن تكون لم أسس أولية حول الإسلام والكتاب المقدس للمسلمين ( القرآن).

يقول صاحب الكتاب أنه وجب اليوم أن تحاط العلوم الإسلامية بالعناية حتى لا تتعرض للإنحراف، لأن بعض الدراسات الإسلامية تساير الحضارة الغربية وهو ما حدث مع طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر، والذي أوقع الطلاب في الخطأ بل قادهم إلى الجهل،  وفقدوا الإعتزاز بشخصيتهم العربية، والدليل ما حدث في العشرينيات وأوائل الثلاثينيات فيما سمي بـ: "ثورة العمامة والطربوش"، أرادت جماعة من طلاب الأزهر أن تنسلخ من صفتها الدينية وأن تباعد بينها وبين من يربطها بهذه الصفة، وفضلت الطربوش على العمامة، وكثر الكلام عن لصحاب العمامة، وصعوبة اللغة العربية وفي الإزدواج الذي تعيش فيه الشعوب العربية، التي تفكر بلهجتها العربية وتكتب آدابها وعلومها بلغة أجنبية، وحدث ما حدث من اختلاف وخلافات حول النص القرآني، حينما نشرت إسرائيل مصحفا محرفا بين المسلمين في بعض البلاد الإفريقية في فترة من فترات الإضطراب والفتنة، لأن بعض المسلمين كانوا يعتمدون في قراءة القرآن على المكتوب دون الرواية أو كما سماها بعض العلماء بـ: "الوِجَادَة" .

في الكتاب سلط محمد حسين الضوء على بعض المصطلحات، مثل مصطلح العصور الوسطى  وقال أنه تعبير أوروبي يقترن في أذهان أصحابه بالتخلف والهمجية، والعصور الوسطى يقابلها عصر الرسالة المحمدية وكانت أزهى عصور الإسلام، وهم بذلك يريدون التشهير بأن الإسلام دين عنف واستعباد  وعصر ظلم وظلام، وفي كل مرة يرددون هذا الكلام، لأنهم يدركون أنهم في كل مرة يخاطبون جيلا جديدا غير الذي سمعهم من قبل،  ولكي يستمروا يعملون على ترقية أفراد عصابتهم إلى المناصب العليا ومراكز تسمح لهم ترويج دعاويهم، والسيطرة على الصحافة والإذاعة والتلفزيون والقنوات الفضائية، حيث استدرجوا الناس وبخاصة الشباب بتزوير الكلام وتحريفه، وتقويل ما لا تقوله المعارضة، وعرفوا كيف يخدعون االصيد بإخفاء الشراك.

 

قراءة علجية عيش

 

1119 بلحاجللدكتور أحمد بلحاج آية وارهام

عن مركز الكتاب الأكاديمي بعمان، صدر كتاب (الأبجدية الموازية  بحث في العلاقة  الجدلية بين دلالة الأبجدية على النفَس الرحماني وبين  دلالتها على مراتب الوجود) من  120 صفحة ،في طبعته الأولى 2019 للشاعر الدكتور أحمد بلحاج آية وارهام.

هذا الكتاب الذي يغوص فيه الباحث في الحرف باعتباره  نَفَساً رحمانيا تنبثق منه كل العوالم. ومما جاء في التقديم:" لما أمعنَّا النظرَ في الكون جابَهَنا السؤالُ: كيف نشأ؟ ولأيِّ غاية؟، وقد تضاربت آراءُ الفلاسفةِ والعلماء والمفكرين في الإجابة، واحتدَّ الجدَلُ والاختلاف بينهم، فكلٌّ منهم يعضِّدُ نظريته في نشأة الكون بدلائلَ تمتد عميقاً في البعد المادي، وتنأَى بإصرار عن البعد الروحي. ومن ثمة انقلبت إجاباتهم إلى ضَرْبٍ من التخمينات والظنون التي تُشْعِلُ الشكَّ أكثرَ ممَّا تُشعل اليقينَ، لأن عقولهم المجرَّدةَ انطلقت من مبدإِ عدم اليقين في الوسائل والغايات، فصارت إلى ما صارت إليه من تخبط وتضارب وتَنَافٍ.

أما الصوفية فهم على النقيض من ذلك، فقد انطلقت إجابتهم عن هذه الإشكالية من عقلانية مُؤَيَّدَة؛لها يقين في وسائلها، ويقين في نجاعة مقاصدها. فوقفوا على حقيقة نشأة الكون، وما فيه من العوالمِ وقوفَ الشخص أمامَ المرآةِ. وإذن؛ فالفلسفة لا جدوى منها في مقاربة الكون ما دامت لم تنفتح على تجارب صوفية ذات آفاق إنسانية لانهائيةٍ، ذلك أن ا تلك إذن هي القضايا التي انشغل بها هذا البحث– الذي أدرناه على فصلين، تسبقهما مقدمة، وتعقبهما خاتمة كذلك – بروح صوفية معاصرة، تنشد ربطَ الإنسان الذي تصحَّرَ وجدانه، وتَدَهًّرَ (= أي صار دَهْرَانِيًّا) عقلُه ، بالسماء، ليعود إليه الاخضرار، فيرى الحياةَ وسيلةً إلى حياةٍ أخرى أسعدَ وأبقَى، لانهايةً ما بعدها حياةٌ.)

انشعب الفصل الأول الذي كرَّسه الباحث للحَرْف باعتباره جسداً روحيا فائضاً من النفَس الرحماني؛ له فضاءاته وأسراره إلى أربعة مباحث:

- تناول أولها ماهيته الإبيستيمولوجية ومراتبه، والأمور الإلهية التي خرجت منه.

- وتعرَّض الثاني لفضاءاته ومرائيه من حيث صورتُه الجسدية وأقسامه ورُتَبُه.

- واستقلَّ الثالث بالحديث عن أسراره ورقائقه وطبائعه ومراتب أسراره.

- أما الرابع فقد انصبَّ على موازاته مراتب الوجود، وعلاقته بكل مرتبة في الحضرات الوجودية.

ويأتي الفصل الثاني ليتوجَّه الاهتمام فيه إلى الإنسان بوصفه آخر مخلوق في مراتب الوجود،فقد احتل المرتبة السابعة والعشرين في مراتب الوجود البالغة ثمانية وعشرية مرتبة بعدد حروف الأبجدية، ويُمثله حرف الميم.وقد أصَّلت الصوفية منظومة هذا الكائن،وبينت مراحل صعوده في مدارج العرفان، ليكون ملاذا للإنسانية في كل عصر. وتفرَّعَ الكلام فيه إلى ثلاثة مباحث:

- خصَّص أولها للسمات الطاغية على عصرنا هذا، فهو عصرٌ عاصفٌ، متميزٌ بالفراغ المُوَحِّدِ، والفلسفات المؤسسة لموت المعنى.

- وثانيها لجوهرة الحقائق بوصفها بوصلةً تُرشد إلى الغاية من المعرفة، وإلى مفاتيح الغيوب.

- *وثالثها للإنسان العرفاني المنفتحِ على عوالم الملك والملكوت والجبروت، الناظرِ إلى الوجود بعينٍ إلهية لَدُنِّيَّةٍ.حيث أبرز خصائصَه، وأهمَّ سماته.

وقد لفت انتباهنا أن كتاب "(الأبجدية الموازية  بحث في العلاقة  الجدلية بين دلالة الأبجدية على النفَس الرحماني وبين  دلالتها على مراتب الوجود)، موجود في المتاجر الإلكترونية  مثل موقع (جملون)، و (نيل وفرات.كوم) وغيرها من المواقع. بدون اسم الكاتب، بل كتب الناشر بأنه من تأليف (جماعة من المؤلفين) .

فهل هو نصب على اسم كبير في عالم البحث العلمي تحت ذريعة الربح، والقفز فوق الحقوق الأدبية للمؤلف؟ 

أم هذا هو منهج هذه الدار الكبرى مع مؤلفي الخارج من أجل الاغتناء السريع؟

نجاة الزباير

........................

الكتاب موجود في مدونة الشاعر (معراج الحروف)

https://ouarham.blogspot.com/

 

1146 اسس المساواة الانسانيةهذا الكتاب هو نسخة منقحة لست محاضرات للبروفيسور الايزلندي جيرمي والدن القيت في شباط عام 2015. موضوع الكاتب هو مساواة الانسان، وبالذات، الاسس الفلسفية لـ "المساواة الاساسية" التي تشترك بها كل المخلوقات البشرية والتي تمنحهم قيمة اخلاقية متساوية. هذا الموضوع ذو اهمية كبيرة للمجتمع المدني والسياسة والقانون، لكنه مع ذلك وكما يشير الكاتب (ص10-11) لم ينل الا قدر ضئيل من الاهتمام العلمي. في كتابه الثري هذا، يعلن الكاتب انه ليس من السهل تحديد ما يجعل الناس متساوين. الاختلافات بين الناس – في الشكل، القدرة، الدخل والسلطة، المكانة (ص4-5) هي واسعة الانتشار حتى في المجتمعات الحديثة التي تدّعي محاربة التحيزات والتمييز العنصري.

في إعلان الاستقلال الامريكي كتب توماس جيفرسون ان اقتراح "كل الناس خُلقوا متساوين" هو شيء بديهي. ومع ان الكتب الدينية لليهودية والمسيحية تقول ان كل الناس ينحدرون من آدم وحواء، لكن الادّعاء بالمساواة الانسانية ظل غامضا ولم يكن واضحا قبل القرن السابع عشر حيث جرت ولأول مرة معالجة الموضوع من جانب توماس هوبس، ثم التفكير العميق به من جانب جون لوك من أجل خلق صيغة للّيبرالية الكلاسيكية، ولاحقا اُعيد تفسير الموضوع وتوضيحه بواسطة عدد من المفكرين الذين يأتي على رأسهم عمانوئيل كانط.

الكاتب ومعه العديد من الباحثين يتعاملون مع سؤال المساواة ضمن تقاليد الكلاسيكية الليبرالية. هو لا يبدي اهتماما في توسيع النقاش ليشمل الاتجاهات اللاّغربية لفكرة المساواة، ولا يعالج الانتقادات الى الليبرالية كتلك التي طوّرها كارل ماركس والاشتراكيين الآخرين والنسوية وما بعد البنيوية ودراسات ما بعد الكولنيالية وغيرها. مفكر من طراز والدن في القرن الواحد والعشرين يجب على الاقل ان يعترف بالمحدوديات المتأصلة في مركزيته الاوربية وحماسه في احتضان الرؤية الليبرالية.

الكاتب، وضمن ما اختاره من نصوص، قام فعلا بعمل وصفي وتحليلي مثير للاعجاب. هو يبدأ بتحديد عنصرين متميزين يأتيان مجتمعان ليشكّلا المساواة الاساسية. الاول هو يسميه "المساواة الدائمة" continuous equality، وحيث لا وجود هناك "للفروقات والاختلافات الاخلاقية بين الناس كتلك القائمة بين الناس والحيوانات الاخرى"(30). الثاني "المساواة المتميزة" distinctive equality، وفيها يكون الانسان مساوي للآخر على اساس انه حقا يتميز عن الحيوانات الاخرى"(31). يخصص والدن اغلبية المحاضرة الاولى للدفاع عن المساواة المستمرة بالضد من جدال هاستنك راشدل الذي يدافع عن "العنصرية الفلسفية"(20-29). الكاتب يدرك بان القلائل بين قرائه يتعاطفون مع موقف راشدل. مع ذلك، هو يعرض موقفا منهجيا لا يرفض فقط "اللااستمرارية" في المساواة بين الناس، وانما ايضا يبني مخطط اولي في فهمه للطبيعة الانسانية. الناس كما يرى، هم ذو خصوصية ومتساوون في الخصوصية لأنهم يحوزون على "جهاز للفهم والحساسية"، "لا يختلف كثيرا من فرد الى آخر ومن سياق اجتماعي الى آخر" ويستلزم المقدرة على الاستماع للناس وفهم لمحات الحب والأمل والطموح والتوقعات بالاضافة الى الألم والخسارة والخوف والحرمان والهزيمة والأذلال والدمار وبطريقة تجعل هناك معنى لاولئك الذين يعيشونها"(33-34). ما اذا كان هذا كافيا للدفاع عن المساواة المتميزة يبقى سؤالا ينتظر الاجابة عليه في المحاضرة (6) . محاضرة (2) تضع الدعامات لفهم والدن للمساواة الاساسية. اولاً، هو يعالج التمييز الوصفي/الالزامي . هل المساواة الانسانية هي حقيقة تجريبية حول طبيعة الانسان بحيث يمكن استخدامها كاساس للتفكير الاخلاقي؟ ام انها مبدأ اخلاقي جرى تبنّيه بالعرف؟ يميل والدن نحو الرؤية بان "لا وجود هناك لمضامين حقيقية تفرض الايمان بالمساواة الانسانية"(57) طالما "لا شيء هناك في انسانيتنا المشتركة يفرض اي مبدأ اخلاقي"(59). بدلا من ذلك، "نحن نأتي للنقاش مع ايماننا باننا المساوي للآخر(65).في نفس الوقت، هو يصرعلى ان الفكرة الالزامية للمساواة يجب ان تعتمد على الحقائق حول الكائنات الانسانية بحيث توضح لماذا "مبادئنا بالمساواة الاساسية تنطبق على الناس (او ربما كل المخلوقات العقلانية) ولكن ليس على ابريق الشاي او الضفدع الصغير"(58).ثانيا، هو منشغل بـ "اطروحة متكررة"(95) تؤمن بان الاخلاق قد لا تعني ضرورة التعامل مع كل الناس باهتمام واحترام . بالنهاية يرفض والدن هذا الخيار، مستنتجا بان "المساواة الانسانية هي على الاقل توجيه اخلاقي ضروري"(82).

في المحاضرتين 3 و 4 يعرض الكاتب مخططه الذي ينطوي على تحديد قدرات او سمات انسانية خاصة تشكل اساس المساواة. هذه تتضمن العقلانية، المقدرة الاخلاقية، الرغبة الحرة، المقدرة على الحب. حقيقة ان شخص ما اكثر عقلانية من الآخر هو غير هام قياسا بما اذا كان الاثنان متساويين اخلاقيا، لكن حقيقة ان الاثنين يشتركان بخاصية الكائن العقلاني هي هامة جدا. وبنفس الوقت، يكون المقدار الذي فيه للفرد سمة خاصة او مقدرة ربما هام لأغراض اخلاقية اخرى. الاستخدام الاخلاقي التام للمساواة يتطلب مقدرة يسميها الكاتب بـ scintillation، والتي هي "الطريقة التي يتحرك بها انتباهنا الى الامام والخلف بين نطاق ملائم من الخصائص .. وخصوصيه مظهرها في كل حالة فردية"(157). في تلك الطريقة، الناس يمكن التعامل معهم كمتساوين، وبعمل كهذا "نحن نحترم المقدرات التي يمتلكونها والتي ستقود ممارستها حتما الى اختلافات في احترام الفرد"(168).

المحاضرة الخامسة تبتعد عن النقاش الرئيسي لتركز على العلاقة بين الرؤية الليبرالية الكلاسيكية والرؤية اليهودية المسيحية. ورغم ان والدن يشير الى نفسه كمؤمن بالدين (177)، لكنه لايبدو يميل للايمان بالكشف الديني والانجيلي في دعم رؤيته. بدلا من ذلك، هو يؤكد، مقتفيا اثر كانط، بانه "لا سلطة دينية يمكنها ان تعطي اساسا للافكار الاخلاقية او الحقوق الاخلاقية"(181).

لسوء الحظ، هو لايبدو يدرك كم هو يثق بالرؤية المسيحية اليهودية ليدافع عن مبدأ المساواة المتميزة في المحاضرة (6). هنا يجادل الكاتب بان رؤيته في المساواة يجب ان تتضمن كل الكائنات الانسانية بما فيهم اولئك المعاقين جدا لدرجة يفتقرون فيها لبعض او كل السمات والقدرات التي تقوم عليها المساواة الاساسية، بينما في نفس الوقت يستبعد كل الحيوانات غير الانسانية. هو استخدم هذه الحركة الذكية باللجوء الى المفهوم التيليلوجي للطبيعة (237):الكائنات الانسانية التي تفتقر الى المقدرة على التفكير لأجل عمل خيارات اخلاقية انما تستحق مستوى الاحترام الانساني لأن افراد المخلوقات الذين ينتمون لهم لديهم امكانية تطوير تلك القدرات، بينما حتى أذكى الحيوانات اللاانسانية لا يمكنها ابدا تطوير هذه الامكانية. جماعات حقوق الحيوان تقف بالضد من هذه الفكرة .

ان فكرة، المساواة مع الآخر هي عقيدة موجودة سلفا، لكنها مع ذلك لاتزال ذات قيمة استطلاعية واسعة النطاق. يعرض المؤلف جداله بوضوح استثنائي خال من الرطانة. القرّاء المعتادون على الحجج الفلسفية سيكون الكتاب سهل الفهم. غير ان المؤلف يسعى ليكون مفهوما للجمهور العام وهو بهذا لم ينجح كثيرا. هو عادة يعتذر في التعامل مع المسائل الفلسفية والمنطقية التي هي اكثر ملائمة لفهم المتخصصين بدلا من الناس العاديين"(41) لكنه يندفع في حجج معقدة دون اعتبار لعدم امكانية غير المتخصصين في مسايرة الموضوع. هو يستخدم عبارات غير ضرورية مثل supervenienc باعتبارها "مفهوم تقني يُستعمل في الفلسفة"(61) لكنه لاحقا يستخدم عبارات اخرى وبدون تعليق مثل "epiphenomenal"(63) و "تيليلوجي"(237) والتي هي غير مألوفة لمعظم القرّاء غير المتخصصين.

والمشكلة الاكبر لدى الكاتب انه يستخدم القليل من الامثلة لتوضيح فكرته مقارنة بالكتب التي تضع القارئ العام نصب أعينها.

ورغم اهمية الرسالة التي يطرحها المؤلف، لكن هذا الكتاب لم يحقق اي تقدم في عقيدة المساواة اكثر مما فعل كانط قبل قرون عندما ميز بين الكائن الانساني كـ "جزء من نظام الطبيعة" ذو قيمة عادية والكائن الانساني "كفرد ممجّد فوق اي ثمن"(100). ولكن لاتزال مضامين الرؤية الليبرالية للمساواة كما يوضحها والدن هي هامة جدا وتستحق الانتباه. انها تأمر، على سبيل المثال، ان المرء لايجب ان يمنح اهمية اكبر لأخيه (بالمعنى الاخلاقي) اكثر من عدو قاس كهتلر الذي يُعامل باعتباره حائز على اعتبار وقيمة متساوية او كما ترى القديسة تيريزا بان الكلاب الأكثر وفاءا يُفترض ان تكون اقل قيمة اخلاقية من مغتصب الاطفال. هل هذه الرؤية مقنعة؟ الكاتب يجيب نعم ولكن فقط عندما نرغب ان تكون كذلك.

 

حاتم حميد محسن

...............................

كتاب جيرمي والدرون (المساواة مع الآخر:اساس المساواة الانسانية)، صدر عن مطبوعات Belknap عام 2017 في 280 صفحة.

 

1117 علي الشوكعلي الشوك مثقف رفيع، واسع المعلومات، كثير القراءة والاطلاع بالعربية والإنكليزية، ملم بمعلومات عصره، فهو بدون مبالغة كان من أثقف أبناء جيله. ما كتبه علي الشوك في التراث والحياة تصعب الكتابة عنه، ويصعب تلخيصه، لأنه أشبه بتغريدات بلابل متعددة منتشـــرة في بستان شاسع يمتد أفقا ليشمل عالمنا الشرق أوسطي كله، وعمقاً ليطوي تاريخنا المغرق في القدم. هذا الكـــتاب عــبارة عن منمنمة هائلة، مكونة من أجزاء لا تحصى، لا يظهر شكل أي جزء، إلا بوجوده مع أجزاء أخرى، لكي تظهر اللوحة المرجوة.

دهشة البحث

ليس هناك كلمة زائدة موضوعة في السياق، أو مرادفة لأخرى سبقتها لمجرد تحسين التعبير أو تزيينه، لتحقيق غرض بلاغي، فكل الكلمات جاءت لتبليغ معنى محدد، بدون زيادة أو نقصان، فعلينا فهم الكلمة في سياقها، وإن لم نفعل ذلك تفككت اللوحة وفقدنا متعة التملي في جمالها. وعلى سبيل المثال، لم أكن أعلم مطلقاً، أن كلمة «شعر» موجودة في لفظها نفسه، أو قريب منه، في لغات قديمة، بعيدة عن العربية، لأن كلمة شعر العربية من خواص لغتنا وحدها، لكن ظهر لي بعد قراءة الكتاب أن لها شبيه باللفظ والمعنى لا بلغة اخت للعربية حسب، بل في لغة بعيدة عن العربية جذرا وصوتا وتصريفاً وحروفاً، هي السومرية، فشعر تلفظ في هذه اللغة «شِر، وسِير» ونقشت في أقدم وثيقة عالمية، في الكتابة السومرية، وكلمة «شعر» تصبح : «شور» بالآرامية، و «شيرو» بالبابلية، وشمل معناها الغناء ثم تتحول إلى «شير» بالكنعانية، وبالعبرية، فـ «شير هشريم» هي نشيد الإنشاد، في العهد القديم، وهي «شور» باللغة السنسكريتية البعيدة عنا بعداً ساحقا، ومن يدرس جذور اللغات وأصولها سيجد اشتراكاً هائلاً بين أصول أقوام وأعراق لا يتوقعها، تكشف أخوة تتسامى عن الفرقة التي نعيشها الآن، وتسمو عن العداء الذي تأصل فينا وأراق دماءنا بغير حق ولا معنى. في اللوحات الآشورية صُوّر الشيوخ العرب الأسرى، الذين قاوموا الغزو، في غير لوحة، آنذاك كانت كل أمة تغزو كل أمة في العهود الفارطة، وكان ذلك طبيعياً، لكن من غير الطبيعي أن يطرب الملك الغالب إلى صوت الأسير المغلوب، وهو يغني ويعزف بشكل باهر، يأخذ بمجامع قلب آسريه، فيطلبون منه أن يزيدهم طرباً، ولعل هذه مفارقة مؤلمة جداً، فالأسير المشغول البال بأسره وسجنه ومصير عائلته، وظروفه اليائسة البائسة، عليه أن ينساها كلها، ويبدأ بالتفريج وإطراب آسره، خلي البال المطمئن إلى ظروف حياته.

أغنيات الحب والموت

«يعزو تشارلز دارون نشوء الأغنية إلى تقليد أصوات الحيوانات في موسم السفاد»، هذا الكلام يؤسس إلى أن أغاني الحب، كانت أقدم النماذج الموسيقية التي عرفها الإنسان. وتأثر بهذه النظرية فرويد وتلميذه جون الليغرو المتخصص في اللغات السامية، الذي يحاول تقديم تفسير جنسي للموسيقى والآلات الموسيقية، «فالقيثارة آلة العواهر، وحسب النبي أشعياء تكمن فيها قوة الإثارة الجنسية عند الرجال، فهو يخاطب امرأة في العهد القديم: خذي قيثارة طوفي في المدينة أيتها الزانية المنسية، أحسني العزف، أكثري الغناء لكي تُذكري».

لا يقتصر الكتاب على ذكر أخبار الموسيقى في الماضي والحاضر، لكنه يذكر أهم الملامح الحضارية عند شعوب الشرق كلها بدءً من اليونان وانتهاء بإيران، عارضا معلومات مهمة منتقاة، لا يستطيع غير المختص معرفتها، ويصعب على غيره العثور عليها

بدأ الشوك كتابه بالهلاهل كعلامة للفرح عند الشعوب القديمة وكيف تطورت، ثم أصوات التفجع، حيث كانت أول الأمر أشبه ببوق بشري للإعلان عن الموت، أو حادثة وفاة، وكيف تطورت كلمة «يبا» الآرامية التي تعني النفخ في البوق، وألفاظ أخرى في لغات متعددة إلى صيحة «يبووو» المتفجعة، ولعل أغرب ما نتصوره أن حاصدات القمح في سوريا قبل آلاف السنين كانوا يتفجعون على إله القمح القتيل، الذي يتصورونه يلقى مصرعه تحت وقع المناجل أثناء الحصاد. بدأ التفجع بعشتار وانتهى إلى هللوليا القداس المسيحي، لكن التفجع لا يبقى إلى الأبد، فهناك مناسبات مفرحة، تتطلب التعبير عن الفرح كالهلاهل، التي بقيت في شعوبنا حتى الآن، وهي «ترعيش اللسان ليطلق أصواتاً تتردد فيها مخارج حرف اللام، على نحو احتفالي يعبر عن الفرح والبهجة، ما يأتي مصداقاً لما قاله القديس أوغسطين في تعقيبه على المزمور الثاني والثلاثين في التوراة، «وهل هناك حديث إلى الرب في صمته أبلغ من هذه الـ»تهاليل»، إذ أن اللغة قاصرة عن الكلام عند سبحانه».

الموسيقى والحضارة

لا يقتصر الكتاب على ذكر أخبار الموسيقى في الماضي والحاضر، لكنه يذكر أهم الملامح الحضارية عند شعوب الشرق كلها بدءً من اليونان وانتهاء بإيران، عارضا معلومات مهمة منتقاة، لا يستطيع غير المختص معرفتها، ويصعب على غيره العثور عليها، فهو يذكر على سبيل المثال عشرات الآلات الموسيقية في العراق وأوصافها، ومن كان يستعملها، لكنه لا يسردها مرة واحدة، بحيث يدفع القارئ إلى الملل، بل يمر عليها على شكل دفعات حسب ورود موضوعها وأهميته، وفي صفحات أخرى من الكتاب نعرف أن الأطفال في مصر القديمة كانوا يتعلمون القراءة والكتابة والأغاني، و«صنفاً معيناً من الموسيقى، الأمر الذي أذهل أثينابوس الفيلسوف معترفاً بأن اليونانيين والبرابرة (غير اليونانيين)، كانوا يتعلمون الموسيقى على يد اللاجئين من مصر، وأن بإمكان المصريين اجتراح أصوات نادرة من آلات موسيقية قليلة الأوتار، رغم وجود آلات متطورة صناعة وتقنية وزخرفة عندهم، فهم يمتلكون أكثر من عشر آلات وترية فقط، وقد خلدت أغنية مصرية لأنها تعبر عن كدح الطبقات الفقيرة، وهي «أغنية الثيران» وشاعت خارج مصر وداخلها، لأنها من الأغاني الإنسانية التي تظهر البؤس اليومي المصري

أدرسوا الحنطة لأنفسكم أيها الثيران

أدرسوا لأنفسكم

القض علف لكم

والحنطة لأسيادكم

أجهدوا أنفسكم كثيراً

وفي نقش على قبر أمينحيت في طيبة، يظهر أول قائد فرقة أمام عازفين في التاريخ، وهو يضبط الإيقاع بكعبه الأيمن، ويفرقع بإبهاميه وسبابتيه إلخ.

العرب

وفي الأساطير العربية أن شخصاً عربياً «لمك» كان أول من صنع العود والدف والطبل، وأن اخته «دلال» صنعت القيثارة، وإشارة الأسطورة إلى أخته تثبت دور المرأة في الحياة من خلال الموسيقى عند العرب منذ القدم، فهي على قدم المساواة مع أخيها، وربما كان العرب أول شعوب العالم اكتشافاً للغناء من خلال الحداء، لكسر رتابة السفر الدائم على رمال لا تنتهي، ولا بد أنهم كانوا يقرنون الغناء بالتراتيل الدينية، الأمر الذي سرى إلى الإسلام، فقد منعت قراءة القرآن من دون غناء أو لحن، حتى الشعر كان يغنى، وعبارة «أنشد يقول» كانت ملازمة للكلام عن الشعراء. واشتهر (ابن مسجح) كألمع موسيقي في الجاهلية وصدر الإسلام، وتنقل بين سوريا وشمال الجزيرة واليمن وإيران، وأرسى أسس نظام موسيقى عربي صميم، مع إغناءات فارسية وبيزنطية.

من الرشيد إلى لوركا

أحب أن أذكر قصة شيقة وردت في الكتاب لأغنية عربية انسلت من قصر هارون العظيم، ووصلت الأندلس، فأثارت لا زوبعة وحسب، بل زوابع، وما زالت تدور كسحابة عطر فريد حتى الآن.. جاء الفضل بن الربيع «الوزير» إلى مجلس الرشيد، متأخراً، ثم شرح سبب تأخره لحدوث قصة ظريفة، فقد طلبت ثلاث نساء مقابلته، وكن بارعات، جميلات، ذكيات فتاه في ربوع قصصهن، ونسي وقته، وعندما جلبهن إلى المجلس، وجدهن الرشيد كما قال الفضل، فقال الرشيد فيهن ثلاثة أبيات اشتهرت، وتغنى بها الشعراء والمغنون:

مُلكُ الثلاث الآنســـات عناني

وحللن من قلبي بكل مـكان

ما لي تطاوعني البـرية كلها

وأطيعـهن وهن في عصـياني

ما ذاك إلا أن سلطان الهوى

وبه قوين، أعزّ من سلطــاني

فغنتها عُريب المأمونية، بإيقاع معين، أذهل من سمعها، وانتقلت من فم إلى آخر، في جميع أنحاء بغداد وبقية المدن، لا العراقية حسب، بل العربية كلها، وربما كانت أول أغنية توحّد العالم الإسلامي، قبل وجود الراديو والأجهزة الإلكترونية الأخرى، فقد ذكر أحد المورخين عن رجل حج مع الرشيد، آخر حجته، فسمع الناس يتناشدون الأبيات الثلاثة في كل مكان، ويستبدلونها بأخرى في المعنى نفسه واللحن:

ثلاث قد حللن حمى فؤادي

ويعطين الرغائب فــي ودادي

نظمت قلوبهن بخـيط قــلبـي

فهن قرابتي يـــوم التنادي

فمن يكُ حلّ من قلب محـلاً

فهن من النواظـــر والسواد

وذكرت القصيدة الأصلية في ألف ليلة، منسوبة إلى المتوكل، ثم قلدها شعراء الأندلس، ونظم الخليفة الأموي الأندلسي، المستعين بالله قصيدة على غرارها، فانتشرت القصيدة أيضاً، واستشهد بها الفيلسوف الصوفي محيي الدين بن عربي، في غير موضع، «الفتوحات المكية» في سياق حديثه عن الحب الصوفي والدوافع النفسية، أما ابن قزمان الشهير، فكتب قصيدة زجلية يذكر فيا الجاريات الثلاث مع تغييرالأسماء: عائشة، زهرة، مريم. ثم انتقلت هذه الصيغ إلى أوروبا بنفس صوفي أو رمزي فقد كتب دانتي أغنية من وحي قصيدة الرشيد:

ثلاث نساء راودن قلبي

كباقة من الورد يتربع في قلبها الحب

الذي هو سيد حياتي

بالغات الجمال،

أمرهن مطاع

إنني أقول ما في القلب

ولا يكاد الكلام يسعفني

ــ ربما يلاحظ القارئ عدم سلاسة القصيدة، لأنها مترجمة ــ

ربما كان العرب أول شعوب العالم اكتشافاً للغناء من خلال الحداء، لكسر رتابة السفر الدائم على رمال لا تنتهي، ولا بد أنهم كانوا يقرنون الغناء بالتراتيل الدينية، الأمر الذي سرى إلى الإسلام

وظهرت مجموعة من الأغاني الأندلسية تدعى كانسيونيرو دي بلاسيو ويرجع تاريخها إلى ما بعد طرد العرب من الأندلس «القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وهذه الأغاني على طريقة الزجل العربية، على غرار أزجال ابن قزمان الأندلسي، ولاحظ المستشرق الإسباني خوليان زيبيرا «1834- 1858» إن ما يعادل 85٪ من أغاني المجموعة كتب بهذه الطريقة الزجلية، من بينها الأغنيتان رقم 17- 18، وهما تذكراننا بأغنية هارون الرشيد في موضوعها:

أنا متيم في حب ثلاث عربيات

من حيّان:

عائشة وفاطمة ومريم

ثلاث من حيّأن:

عائشة وفاطمة ومريم

ثلاث من حيّان:

عائشة وفاطمة ومريم

ثلاث عربيات فاتنات

كن في طرقهن لجني الزيتونة

فوجدنها مجتناة

في حيّان:

عائشة وفاطمة ومريم

وجدنها مجتناة

فعدن مغشيات عليهن

ذابلات الألوان

في حيّان:

عائشة وفاطمة ومريم

ثلاث عربيات حسناوات

كن في طريقهن لجني التفاح

فوجدنه مجتنى

في حيّان:

عائشة وفاطمة ومريم

قلت لهن: من أنتن أيتها السيدات

يا من سلبتن حياتي؟

نحن مسيحيات بعد أن كنا عربيات

في حيّان:

عائشة وفاطمة ومريم».

أما آخر صيغة لهذه الأغنية القديمة، في سياق جولتها في شبه جزيرة إيبيريا، فقد عثرت عليها كارولينا ميكايلس في حالة رثة إلى حد ما، كما يقول خوليان ريبيرا، وهي اليوم ربما تكاد تلفظ أنفاسها في بلدة بارادا Parada في البرتغال. لكن الجواري الثلاث، هذه المرة، كلهن مسيحيات، وكلهن تحت اسم ماريا، وهذه هي آخر صيغة لأغنية ولدت في بغداد، قبل ألف عام، وانتشرت في العالم الإسلامي، ثم انتقلت إلى إسبانيا، ولحنها عذب جداً، ذو بعد غنائي جميل: (مي لا صول مي دو ري مي فا مي) تماماً على غرار الزجلية الرباعية. ولا بد أنها على إيقاع اغنية غريب المأمونية. على أن اللحن العربي كان يؤدى من قبل صوت واحد، بينما تغنى القصيدة الإسبانية على لسان جوقة. وقد استلهم جميع الموسيقيين الأوروبيين «في عصرنا الراهن» ممن حاولوا تقليد الألحان الشرقة هذه الصيغة.

حاول علي الشوك أن يبحث عن نهاية الأغنية العباسية، فوجدها لم تلفظ أنفاسها في القرية البرتغالية، ولم تتحدد أنفاسها في سمفونية مندلسون، وأوبرا ميير بير فقط، إذ كتب إلى مستعرب شاب هو خوسيه ميغيل من غرناطة، يستفسر منه عن مصير هذه الأغنية، بعد أن ذكر رحلتها في البلدان والعصور، فأجابه، «مؤكداً أن استقصائك عن هذه المعلومات كان ممتعاً إلى حد أن الموضوع اجتذبني أنا الآخر، فلها علاقة مع واحد من أكبر شعرائنا غارسيا لوركا. فهو يعتبر «الشاعر العربي الذي يكتب باللغة الإسبانية»، والمهم أن لوركا كان قد اهتم، هو الآخر بهذه القصيدة عن الآنسات الثلاث، وألف أو استرد لحنها هارمونياً، كما ترى في النص المدون بالنوتة الموسيقية، المرفق مع هذه الرسالة، وهكذا وصلت رحلة هذه القصيدة – الأغنية، إلى قرننا الحالي، على يد لوركا، وكلماتها رقيقة جداً، وهناك ترجمة إسبانية لأزجال ابن قزمان المشار إليها في كتاب خوليان ريبيرا، وفيها ذكر للأسماء الثلاثة المشار إليها، وهن عائشة، فاطمة، ومريم. وهو زجل مكتوب بلهجة الأندلسيين العربية يرجع تاريخه إلى 1078-1160، وهي السنوات التي تحدد عمر هذا الشاعر القرطبي الشهير، أعني ابن قزمان.

 

محمود سعيد - كاتب عراقي

 

1115 مالك بنبيأوّلا المقدّمة: بحثت عبر الكتب الأربعة:

 Malek BENNABI "mémoires d'un témoin du siècle : l'enfant. L'étudiant. l'écrivain. les carnets " Samar 2ème édition, 2006, Alger, Algérie, Contient 660 pages.

لأقف على موقف مالك بن نبي من فرحات عباس صاحب العبارة المشؤومة "أنا فرنسا" فكانت الخطوات التّالية:

1- بعدما أنهيت قراءة الكتب الأربعة المذكورة اتّجهت بعدها لبعض كتب مالك بن نبي التي تضم فهرس الأعلام لأقف على اسم فرحات عباس وأدعم به المقال فلم أجد أثرا لاسمه.

2- بين مالك بن نبي الذي ولد سنة 1905 وفرحات عباس الذي ولد سنة 1899 فارق 6 سنوات فقط أي من حيث العمر يعتبران أتراب ومن نفس العمر باعتبار الفرق قليل جدّا.

3- قمت بترجمة المقاطع المعنية وهي ترجمة لي باعتبار الكتاب لم يترجم لحدّ الآن.

4- لم أقف لحدّ الآن على موقف فرحات عباس من مالك بن نبي.

5- تحدّث مالك بن نبي أنّ فرحات عباس يريد لقاءه والتحدّث إليه لكن لم يذكر هل تمّ اللّقاء أم لا؟ ولا يبدو  - في حدود قراءتي – أنّه تمّ.

6- بعد كلّ انتهاء من ترجمتي للمقطع المعني أردفت الترجمة بعبارة: "أضيف" حتّى يتمّ التّمييز بوضوح بين النصّ المترجم من طرفنا وبين تدخلي الشخص وفهمي للنص المترجم.

7- رغم اختلاف مالك بن نبي مع فرحات عباس صاحب العبارة المشؤومة "أنا فرنسا" اختلافا جذريا في مواقفه السياسية تجاه الاستدمار الفرنسي ومدحه للمجرم ديغول بتاريخ: 1958.05.23 واعتباره مثالا للجزائر إلاّ أنّ مالك بن نبي ظلّ يناديه بـ: السيد فرحات عباس.

8- يذكر مالك بن نبي رحمة الله عليه نقده تجاه فرحات عباس بوضوح وجلاء وقناعة وثبات وعبر سنوات ودون تردد.

9- يتحدّث مالك بن نبي عن فرحات من زوايا أخرى كأن يقول عنه بصيغة الغائب: هذا زميل فرحات عباس، هذا هو الحزب الذي ينتمي إليه عباس، وغير ذلك من العبارات المشابهة حين لا يجد - في تقديري - الصيغة المباشرة أو لا يقف على الموقف الدال على الخطاب المباشر.

10- بعد مرور 30 سنة يلتقي مالك بن نبي بالعمودي صاحب جريدة "الدفاع" وهو أحد أعضاء الجمعية فيعاتبه بشدّة قائلا: لماذا منعت مقالي من النشر عبر جريدتك والذي أردّ فيه على فرحات عباس حين كتب "أنا فرنسا" مايدل على أنّ مالك بن نبي لم ينسى الواقعة ولا صاحب الواقعة ولا من منع مقاله الذي يرسم الواقعة.

11- دراسة الشخصية من زاوية واحدة إن لم تكن مجحفة فهي مبتورة غير صالحة ومالك بن نبي رحمة الله عليه تعامل مع فرحات من عدّة زوايا وعبر أزمنة مختلفة وفي داخل الجزائر وخارجها وضمن حالات متعدّدة ومن خلال الحاضر والغائب ومن مشاهدته الشخصية المباشرة وشهادات غيره.

12- بنى مالك بن نبي موقفه من فرحات عباس على جملة من المواقف والأحداث الشخصية والسياسية.

13- مالك بن نبي يعرف فرحات عباس حقّ المعرفة ومنذ كان طالبا.

14- حين يتحدّث مالك عن زعماء الجزائر ومنهم فرحات عباس يستعمل كلمة الزعماء والزعيم بين شولتين هكذا: "الزعماء" و "الزعيم" ما يعني أنّ مالك بن نبي لا يعترف بفرحات عباس على أنّه زعيم ونفس الشيء ينطبق على كافّة الزعماء يومها ويصف فرحات عباس بقوله ودائما بين شولتين بـ "المناضل الكبير" و "المناضل الجزائري الكبير" كدلالة على أنّه لا يعترف به على أنّه مناضل.

15- يرى مالك بن نبي أنّ موقف عبد الحميد بن باديس كان ليّنا وغير كافي تجاه فرحات عباس بعد نشر مقاله بعنوان: "أنا فرنسا" لذلك تكفّل شخصيا بالردّ على فرحات عباس.

16- بقي موقف مالك بن نبي من فرحات عباس طيلة حياته لم يتغيّر وعن تجربة ودراية ومعرفة عن قرب وطوال سنوات.

17- يستعمل مالك بن نبي قيادة الثورة الجزائرية بين شولتين هكذا "قيادة الثورة الجزائرية..." وهو بهذا يعاتبهم وينتقدهم ولا يعترف بقيادته ومنهم فرحات عباس.

أوّلا مذكرات الطفل: 1905-1930- صفحات: 43- 149

18- يصف مالك بن نبي فرحات عباس في صفحة 68 بقوله: يعتبر فرحات عباس من الجماعة التي استفادت بسبب ثراء والديها أو الظروف التي وضعتها الإدارة الاستدمارية كما هو الشأن لدى فرحات عباس. ( أقول: فرحات عباس لدى مالك بن نبي صنيعة الاستدمار الفرنسي فلا عجب إذن أن يقول "أنا فرنسا" ).

ثانيا: الطالب : 1930-1939- صفحات: 151- 290

19- تحدّث مالك بن نبي في صفحة 174 عن محاضرة زميله حمودة بن ساعي بعنوان: "لماذا نحن مسلمون؟" فلقي معارضة شديدة من طرف جماعة "العقلانيين" قائلين له: لماذا تعود بنا إلى الماضي المستقبل هو الذي يهمنا ثمّ عقّب مالك بن نبي قائلا: "قالها فرحات عباس بوضوح سنة 1936" (أضيف: تنكّر فرحات عباس لماضيه منذ مدّة طويلة. ومالك بن نبي في هذه الحادثة بقدر مايدافع عن صديقه حمودة بن ساعي فإنّه ينتقد وبقوّة فرحات عباس).

20- تحدّث في صفحة 190عن: "زميله حمودة بن ساعي الذي ألقى محاضرته في الثلاثينات باللّغة العربية واعتبر الحدث منعرجا حاسما مايدل على أنّ الجيل الشاب من الطلبة أصبح يتحدّث باللّغة العربية بينما الجيل الذي سبقهم تنكّر للغة العربية. ثمّ أضاف مالك بن نبي: "وكان على فرحات عباس أن ينتظر الحملة الانتخابية - بعد 1945- ليتحدّث أخيرا للشعب الجزائري بلغته" (أضيف: اللّغة العربية لدى فرحات عباس هي وسيلة يدغدغ بها المشاعر ويضحك عبرها على الجزائريين لأجل الكرسي والحملات الانتخابية ).

21- بعدما تحدّث عن صعود الوطنية في ألمانيا وكيف أنّ هتلر اعتلى سدّة الحكم بتاريخ 30 جانفي 1933 قال معقّبا في صفحة 196: " في الجزائر، يوجد وجه آخر للوطنية بدأ يتشكّل. بن جلول وفرحات عباس يشيّدان في قسنطينة "فدرالية الناخبين" الوطنية الجزائرية تأخذ إذن ماقبل تشكيلها التاريخي بجناح عمالي مستعد أن يتحوّل إلى بورجوازية في باريس ومتعاون مع قسم من اليسار الفرنسي، وجناح بورجوازي مستعد أن يتعاون مع الاستدمار" (أضيف: الوطنية التي يريد فرحات عباس أن يتزعمها هي في الحقيقة الوجه الآخر للاستدمار الفرنسي لأنّ فرحات لايهمه غير الضحك على الجزائريين عبر الانتخابات التي تشرف عليها فرنسا وتكرّس بواسطتها للاستدمار).

22- قال مالك بن نبي في صفحتي 248-249: فرحات عباس ينشر مقاله بعنوان: "أنا فرنسا". "وأعترف أنّي لم أتلقى مثل هذه الصدمة منذ 5 سنوات. ابن باديس يرد على "الزعيم" في "الشهاب". حمودة وأنا اعتبرنا أنّ ردّ ابن باديس غير كاف وتكفّلت بكتابة مقال شديد اللّهجة. لأوّل مرّة في حياتي أقوم بولادة فكرية لأنّ ولادة مقال كان جديدا بالنسبة لي. وعنوت مقالي بـ "مثقفون أو مثيقفون - Intellectuels ou intellectomanes ". رأيت الخيانة السياسية يتم تحضيرها في الوطن بواسطة عصابة "الفدرالية". لم أكن أعلم بعد أنّ الصراع هو صراع فكري، وأنّه في الحقيقة لعبة داخلية حيث الاستدمار يظهر أنّه يحارب "أعداء فرنسا" الذين يقومون بتنويم الشعب الجزائري عشية صراع دولي. مقالي لم يكن ليوقظ النائمين، ولا ليزعج المقبلين على النوم. وولدت مقالي في ليلة واحدة حتّى أنّي حين أعدت قراءة المقال على زوجتي نهار الغد ونحن على مائدة الفطور قالت لي: "هذا المقال ليس لك، هذا إلهام !". أرسلت مقالي للعمودي على أمل أن ينشره وكنت أنتظر نشره بفارغ الصبر في جريدته "الدفاع" لكنّه لم ينشر. لماذا العمودي لم ينشر مقالي؟. (أضيف: يرى مالك بن نبي أنّ من قواعد الصراع الفكري أنّ الاستدمار الفرنسي يتظاهر أنّه يحارب "أعداء فرنسا" وقد كتبها مالك بن نبي بين شولتين أي في الحقيقة هؤلاء هم أحباب فرنسا ويقصد طبعا فرحات عباس وكلّ من وقف ضدّ مالك بن نبي في عدم نشر ردّه على فرحات عباس. واضح جدّا أنّ مقال فرحات عباس والمعنون بـ "أنا فرنسا" ترك صدمة لدى مالك بن نبي وأثّر فيه بشكل كبير إلى درجة كان يتلهف لرؤية مقاله الذي يرد فيه على فرحات عباس والصدمة التي تلقاها مالك بن نبي جرّاء رفض العمودي نشر ردّه لا تقل صدمة عن مقال فرحات عباس بحدّ ذاته. ويتضّح من ردّ ابن باديس اللّطيف على فرحات عباس أنّه خيّب ظنّ مالك بن نبي وزادت في الهوّة بين ابن باديس ومالك بن نبي وبين الجمعية ومالك بن نبي).

23- قال مالك بن نبي عبر صفحتي 251-252: بمجرّد مارأيت "العمودي" صاحب جريدة "الدفاع" يخرج من داخل "الفندق الكبير". ظهوره أخرج من صدري عدّة انطباعات لي قضية لابد من تصفيتها معه. يا سي العمودي، لم تنس مقالي الذي رفضت نشره وقلت ذلك بنبرة كلّها عتاب. أجاب العمودي: نعم رفضت مقالك الذي تنتقد فيه فرحات عباس وترد فيه على مقاله: "أنا فرنسا" لأنّي لم أكن أريد تحطيم الحياة السياسية لفرحات عباس. (أضيف: مازال مالك بن نبي يستنكر بشدّة على العمودي وهو من رجال الجمعية رفضه نشر مقاله وهو ينتقد العبارة المشؤومة لفرحات عباس "أنا فرنسا" بدليل أنّه اغتنم فرصة وجود "العمودي" وبعد مرور 30 سنة على الحادثة ليؤنّبه ويذكّره بسوء فعله حسب وجهة نظر مالك بن نبي. للتذكير فرحات عباس قال عبارته المشؤومة "أنا فرنسا" سنة 1936 وبن نبي الآن في سنة 1966 أي 30 سنة على مرور الحادثة).

ثالثا الكاتب : 1939-1954- صفحات: 291- 384

24- قال مالك بن نبي في صفحة 305: كان الحزب الفرنسي المحتل PPF سنة 1942 يتمنى  من أعضائه من الجزائريين الحلف على القرآن الكريم لكي يكونوا أوفياء لفرنسا والحزب حين زار اثنين من الجزائريين فرنسا وهما: بن جمعة الصديق السّابق لبن جلول وفرحات عباس وكذا الشيخ الزهواني شيخ الزاوية العمارية والآن يلعب دور "رئيس جمعية الزوايا" والحلف كان من اقتراح الشخصيتين  باعتبارهما أصدقاء Doriot  (أضيف: تعمّد مالك بن نبي عند ذكر الشخصيتين الجزائريتين اللّتين اشترطتا الحلف على المصحف لصالح فرنسا الاستدمارية أن يعلّق قائلا أنّ " بن جمعة الصديق السّابق لبن جلول وفرحات عباس" مايعني أنّ فرحات عباس له أصحاب من هذا النوع الذي يقسم على المصحف لأجل خدمة الاستدمار الفرنسي وهذا هو محيط فرحات عباس).

25- بعدما تحدّث مالك بن نبي عن سجنه لمدّة أسابيع في صفحة 320 وأنّه لم ينل حريته إنّما هو الآن في حالة إطلاق سراحه مؤقتا. تحدّث بعدها عن أنّ حزب فرحات عباس سيقيم مؤتمره وقال: " هذا الحزب الصاعد الذي يحتاج إلى دعم كلّ أمواج حزب الشعب PPA، المتحوّل حاليا إلى حزب MTLD، الذي ساد الوطن كلّه". (أضيف: مالك بن نبي حتّى ولو لم يذكر اسم فرحات عباس فإنّه يذكر عبر حزبه ويكرّر كلّما أتيحت الفرصة أنّ حزب فرحات عباس تبع لشعبية الأحزاب التي سبقته واستغلّ اسمها وكأنّه يريد أن يقول: لولا هذه الأحزاب ما كان لفرحات عباس شخصيا أن يكون له اسم ولا يستطيع أن يكوّن اسمه بمفرده لضعفه واتّكاله على غيره).

26- قال مالك بن نبي في صفحة 348 " التقيت بفرحات عباس بالصدفة في قسنطينة، وطلبت منه أن يساعدني كلّ شهر. و"المناضل الجزائري الكبير" يعلم جيّدا الجهد الذي بذلته لأطلب منه المساعدة ويعرف أيضا لمن أشكو حالتي، و وعدني بمساعدتي بمجرّد ما يعود من العاصمة... ثلاثة أشهر فيما بعد، أي بعدما ساعدني سي خطاب، فرحات عباس الذي التقيت به بالصدفة في المجلس الجزائري، يتذكّر بالصدفة حديثنا السّابق ويقول لي: فيما يخصّ الذي طلبته مني في قسنطينة، كان لابد من رؤية بومنجل. هذا هو كلّ الدعم الروحي والمادي الذي تلقيته، بعد ثلاثة أشهر من "المناضل الكبير" الذي لم يهتم بالكاتب والمفكر الوحيد الذي يعرفه "الوطن" الجزائري وهل استطاع أن يأكل من يومها. وهذا يذكرني بالمسرحية المشينة التي لعبها كلّ "المناضلين" لقبر حقيقة المناضل الكبير. (أضيف: يستنكر مالك بن نبي على "المناضلين" إخفاء حقيقة فرحات عباس عن النّاس باعتباره لا يعين الكتاب وأهل الفكر ويتظاهر أمام النّاس بكونه يعين الجزائريين وهو في الحقيقة عكس ذلك. ومالك بن نبي ينطلق من هذه الحالة التي تبدو شخصية ليبني موقفا سياسيا تجاهه وهو يثبت للنّاس هذا فرحات عباس و"زعيمكم" و"المناضل" الذي تعرفون ظاهره وتجهلون باطنه. ومالك بن نبي في هذه الحالة لم يفرّق بين حالة شخصية تتعلّق برفض فرحات عباس إعانة مالك بن نبي ومواقف فرحات عباس التي ظلّ ينتقدها مالك بن نبي طيلة حياته).

27- قال مالك بن نبي في صفحتي 348-349: " العجينة الجزائرية لا تعجن مثل فرحات عباس فقط بل تعجن أيضا مثل El-Hammamy وهو عالم من علماء الجزائر. (أضيف: يسترجع مالك بن نبي ذكرياته مع فرحات عباس بعد 30 سنة على مرورها وبمرارة وكأنّه يعيشها اللّحظة ويريد أن يقول إنّ الجزائر وإن أنجبت رجال سوء كفرحات عباس لا يقدّرون المحتاجين من أهل الفكر والإبداع مثلي مستغلين ظهورهم أمام النّاس زورا على أنّهم "مناضلين كبار" كذلك الجزائر ومن حسن حظّها أنّها أنجبت العلماء الأصفياء الذين يعرفون قدر العلم وأهله دون تلطيخ مسيرتهم الطاهرة بالكذب واستغلال حاجات النّاس ونفوذهم لغير الجزائر والجزائريين). ويقول مالك بن نبي: مهما يكن فإجابة فرحات عباس لم تكن مفاجئة لي ولا محزنة. لقد عشت مؤقتا على معونات سي محمّد خطاب. (أضيف: يريد مالك بن نبي أن يقول أنّ عباس فرحات هذا طبعه، يخلف الوعد، ولا يساعد الكاتب المفكر وهو الذي يتظاهر أمام النّاس بأنّه "زعيم" و "مناضل كبير").

رابعا: الدفاتر : 1958-1973- صفحات: 384- 619

28- جاء في صفحة 406 تحت عنوان: "الثورة وديغول بتاريخ": 1958.05.23: "أعلن السيد فرحات عباس بيانا في جنيف حيث نقلت الصحافة محتواه. وهو يندّد أولا بالطغمة التي استولت على الجزائر قائلا، في إجابة على سؤال صحفية، أنّ "رؤساء جبهة التحرير الوطني لا ينتظرون أيّ شيء". هذا موجّه للشعب الجزائري... ثم إنّ "الزعيم" لابد أن يرضي مسألة أكثر واقعية بالنسبة له: يمارس مدح ديغول. وفي هذا المدح يمرّر، ما بين الأسطر، كلّ العقيدة ( مراجعة ومصحّحة) للوحدة مع فرنسا. "الزعيم" يؤكّد أنّه " يعتبر ديغول مثالا لحركتنا الخاصّة بالمقاومة... يمكنه أن يضع حدّا لتحالف المصالح الخاصّة، بأن يقفز فوق اللّعب البرلماني العقيم، ويدشّن عصرا جديدا من التعاون على قدم المساواة مع الشعوب التي استدمرت". (أضيف: يصف مالك بن نبي فرحات عباس أنّه "الزعيم" الذي يمدح المجرم الجلاّد السّفاح ديغول ويعتبره القدوة والمثال، ومن هنا ينطلق مالك بن نبي في التعامل مع فرحات عباس طوال حياته).

29-  جاء في صفحة 408 تحت عنوان: "الزعماء" بتاريخ: 1958.06.16: "لو، أخبروني منذ 5 سنوات، أنّ السّادة فرحات عباس وأحمد فرنسيس سيذهبان للتحدّث باسم الثورة الجزائرية مع ممثلي الحكومات تونس والمغرب، وأنّ السيّد مصالي سيكون "العميل رقم 1"، كنت أراهن الذي اتّخذني هزء، لكن، بالضّبط، مع الثورة الجزائرية، نحن في أوجّ المهزلة. أرى كيف أنّ الشعب دون ثقافة هو لعبة كلّ الذين يريدون أن يعيشوا على حسابه". (أضيف: من شدّة الاختلاف لم يستطع مالك بن نبي تصوّر فرحات عباس غير الصفة التي رآها ويراها أمام عينيه والمتمثّلة في الضحك على الشعب الجزائري وموالاة فرنسا. هذه الصورة عن فرحات عباس من طرف مالك بن نبي ثابتة راسخة لم تتغيّر في حدود ما قرأنا لحدّ الآن).

30- جاء في صفحة 420 تحت عنوان: "زيارة إبراهيم مزهودي" وبتاريخ 1958.12.01: "هذا المساء، وبشكل غير متوقع كانت زيارة محمودي . كان برفقة T.C والشيخ صديق.. كان عمر مسقاوي معي في البيت وكان يعمل معي لإعداد كتاب " ميلاد مجتمع "... حدثني عن أبي، وزوجتي والأيام التي قضاها عندي في Luat-Clairet. وأثناء مغادرته، ضرب لي موعدا لتناول الفطور عنده يوم الخميس مع فرحات عباس الذي يبدو، أنه يريد أن يتحدث معي" . (أضيف: لم يذكر مالك بن نبي هل تحقّق طلبه أم لا؟ ولا يوجد عبر صفحات الكتب الأربعة المذكورة أعلاه أنّه تمّ اللّقاء لكنّ تعمّد ذكر أنّ فرحات عباس يريد لقاءه وهي ملاحظة صغيرة لكنّها تعبّر عن موقف مالك بن نبي من فرحات عباس الذي يذكره في الصغيرة والكبيرة وكأنّه يريد أن يقول: هو الذي طلب مقابلتي ولست أنا).

31- جاء في صفحة 440 وتحت عنوان: " بورقيبة – عباس" وبتاريخ: 1959.09.15: 440: "جاء بوضياف عيسى هذا المساء لزيارتي. تحدّثنا بخصوص رسالتي المفتوحة لإزنهاور- خروتشوف. وحدّثني عن سفره ورحلته إلى تونس وطرابلس. بورقيبة أغلق الحدود في وجه الإمدادات الجزائرية بزعم أنّه يقوم بحياد حسن بين الجزائر وفرنسا. في الواقع، هي ضغوط تمارس ضدّ خصوم فرحات عباس ضمن الحكومة الجزائرية المؤقتة". (أضيف: لم يذكر مالك بن نبي –لحدّ الآن- من هم خصوم فرحات عباس وتدل الحادثة على أنّ بورقيبة بتشديده ومراقبته على الحدود لمنع تدفق السّلاح للمجاهدين الجزائريين إنّما كان يقصد مساعدة فرحات عباس والضغط على المجاهدين الجزائرين وإلاّ ما معنى قول مالك بن نبي " هي ضغوط تمارس ضدّ خصوم فرحات عباس" ).

32- جاء في صفحة 444 وتحت عنوان: "منعرج جديد للثورة الجزائرية" بتاريخ: 1959.12.22: "بتاريخ 20 أوت 1956 كان مؤتمر الصومام بقيادة عبان رمضان. ونعرف جيّدا ماهو المنعرج الذي اتّخذته الثورة الجزائرية عقب هذا المؤتمر. وانظر الآن إلى مؤتمر جديد انعقد أيضا في طرابلس. ماذا سيقدم؟ لقد قام بتصفية رجال سبق للصومام أن وضعهم على رأس الثورة الجزائرية تحت اسم CCE. نتحدث عن وزير "العسكريين"، أي مكوّنين من قدماء قناصو الجيش الفرنسي. لكن نتيجة إيجابية تحقّقت إذن: فرحات عباس، أحمد فرانسي، الأمين دباغين، توفيق المدني، وبراهيم مزهودي لن يكونوا ضدّ "مجلس الثورة". ماهي المصالح التي تحقّقت إثر وضعهم على رأس الثورة؟ إنّه مشكل قيادة الثورة منذ 5 سنوات ! التّاريخ سيوضّح بلا شكّ هذا. هذه الخديعة الكبرى التي لم تكن غير "قيادة الثورة الجزائرية..." وستقول الحصّة الأكبر أنّ الاستدمار من وراء هذه الخديعة، بالنسبة للذين يظهرون والذين يستغلون الوضع مؤقتا". (أضيف: يفرح مالك بن نبي من طرد بعض الأشخاص من قيادة الثورة ومنهم فرحات عباس ويرى أنّ الثورة لم تستفد منه بل يستنكر ما هي الفائدة من وضع فرحات عباس على رأس قيادة الثورة وقد مرّ على اندلاعها 5 سنوات باعتباره يتحدث عن سنة 1959 مايدل على أنّ مالك بن نبي لم يتغيّر موقفه من فرحات عباس).

33-  جاء في صفحة 460 تحت عنوان: "نهاية فرحات عباس، تطهير جزائري." بتاريخ: 1961.08.27: "بعد قليل، على السّاعة 16و20 دقيقة، هاتفني Titi منذ قليل ليخبرني بالخبر الجديد الذي بثّته إذاعة لندن في السّاعة المحتملة التي كان فيها فرحات عباس يستقبل رسميا في المطار من طرف كمال الدين حسين". (أضيف: أعترف أنّي لا أملك تعليقا في هذه النقطة وأزعم أنّ مالك بن نبي يرى أنّ فرحات عباس ارتكب حماقة حين استقبل من طرف كمال الدين حسين باعتباره لم يكن مع علاقة حسنة مع عبد الناصر يومها وتبقى هذه رؤية مالك بن نبي وحدسه ولا أعرف هل صدقته الأيام أم كذبته بشأن فرحات عباس. وأزعم أنّ مالك بن نبي وهو يختار عنوانه "نهاية فرحات عباس" كان يأمل في أن تكون نهاية لفرحات عباس  مايدل على تدهور العلاقة إلى درجة أنّه – في تقديري- كان يتمنى نهايته).

34- جاء في صفحة 495 تحت عنوان: "الجهل والسياسة" بتاريخ: 1963.11.23: "كلّ حياتنا السّياسية تبنى على قاعدة هذا الجهل الذي يغيّر الطبيعة ويعقّم كلّ مؤسساتنا. قبل الثورة، ولدت وطنيتنا في أرض هذا الجهل ولا يمكنه إلاّ أن يتجسّد في مصالي الحاج. الثورة، ولدت طبعا في عمق هذا الجهل، لا يمكنه أن يقبل كقائد إلاّ فرحات عباس وكمنظّر إلاّ فرانس فانون. وبطولتنا التي ترتكز بدورها على قاعدة هذا الجهل، لا يمكنها أن ترضى بكلّ طموحاتها إلاّ بالاستقلال. بمجرد ما يكون هذا الهدف قد تحقّق، يصبح البطل دون هدف وما عليه إلاّ أن يبتلع مشروعه: أبطالنا يأكلون استقلالهم، أو يرمون من الزجاج إذا لم يحسنوا السباحة. وبعد استرجاع السيادة الوطنية، سياستنا لا يمكن أن تكون لها قاعدة سوى هذا الجهل الذي ننقله من جيل إلى جيل منذ قرون. وأفضل ما في سياسة ما بعد الثورة، هي بعض الشيء ككذب يمتد لبعض الشيء كصحن الزبدة". ( أضيف: يتحدّث مالك بن نبي عن قادة الثورة الذين قرّبوا فرحات عباس وكيف أنّه أصبح بطلا وهو لا يمكن مقومات البطل سواء في عهد الثورة الجزائرية أو بعد استرجاع السيادة الوطنية فهو بهذا يعيب على قادة الثورة الجزائرية سوء الاختيار كاختيارهم لفرحات عباس).

35- جاء في صفحة 512 تحت عنوان: "رثاء جون عمروش" بتاريخ: 1965.08.23: "نسيت أن أدوّن أثناء ذهابي لقسنطينة، أنّي تلقيت تكليف بمهمة من الوزير أحمد طالب لأمثّله في تدشين للنصب التذكاري لـ Jean Amrouche في إيغيل علي. طبيعيا، اندهشت أوّلا، لكن ما العمل؟ لا أريد أن أتسرّع في هذا الظرف. يبدو لي الأمر غريبا من إيغيل علي الذي له نفس يوم التدشين في مكان مقبرة "الشهداء". وكأنّنا ندخّر لكاتب "الظاهرة القرآنية" الشرف أن يرثي ملحد. انسحبت وأنا أعرض المشكلة في سياق التظاهرة المبرمجة من أجل "الشهداء" وإعادة ترتيب المشكلة. جون عمروش في مرحلة من مراحل التّاريخ الجزائري حيث المسمى السيد فرحات عباس (حيث لم أذكره بالإسم لكن الجميع فهم تلميحي وضحكوا) قال بأنّه عبثا بحث في رفاة المقابر الجزائرية دون أن يجد الوطن الجزائري. وبالغدر أجبت بالغدر". (أضيف: مالك بن نبي حتّى وهو بعد استرجاع السيادة الوطنية وفي 1965.05.23 يتذكّر بمرارة ما قاله فرحات عباس سنة 1936، ويستعمل عبارته "المسمى" وهو يتحدّث عن فرحات عباس لكنّه يضيف لها "السيد" ما يدل عن تأثره بالعبارة السيّئة السّمعة التي قالها فرحات عباس "أنا فرحات" وكأنّه يقول أنا الذي انتقدت فرحات عباس منذ سنة 1936 عن عبارته المشؤومة يطلب منّي أحمد طالب الإبراهيمي أن أحضر جنازة ملحد لأنّه لا يعقل أبدا ولو كنت فاعلا لما انتقدت فرحات عباس).

 

معمر حبار