961 المحامين العراقيينعن دار الكفيل للطباعة والنشر والتوزيع في كربلاء المقدسة صدر حديثا الجزء الأول من كتاب (تاريخ نقابة المحامين العراقيين 1933- 2019) لمؤلفه أحمد مجيد الحسن، في حلة زاهية وطبعة أنيقة وصور ملونة ووثائق في غاية الأهمية .

وقد جاء في مقدمته ((تعد نقابة المحامين من الصروح المهنية المهمة التي أثرت كثيراً في الوعي الوطني والسياسي والثقافي والديمقراطي في العراق منذ تأسيسها سنة 1933، وساهم أبناؤها في تأسيس وبناء العراق الحديث، منذ انبثاق الحكم الوطني سنة 1921 إلى اليوم، فلقد تسنموا المناصب العليا، كرئاسة الوزراء والوزارات ورئاسة وعضوية مجلسي النواب والأعيان في العهد الملكي، فضلاً عن سائر الوظائف المهمة الأخرى.وامتد ذلك الأمر إلى العهد الجمهوري في جميع أدواره والى الآن، في تسنم الوظائف العليا التي ذكرت آنفاً وغيرها كالمجلس الوطني ومجلس النواب الحالي؛ لذا كان من الواجب، تسليط الضوء على ذلك الدور المهم الذي اضطلعت به نقابة المحامين في تاريخ العراق الحديث، إذ أن تاريخها هو جزء مشرق من تاريخ العراق، وان الحاجة الآن تبدو أكبر لتعريف الجيل الجديد من الزملاء المحامين أو غيرهم، بتاريخ نقابتهم المشرف ومدى مساهمتها في صنع الأحداث التي مر بها العراق)).

ومن باب الوفاء والأمانة يقف المؤلف مشيدا بجهود من سبقه في الكتابة عن المحامين ونقابتهم، فيقول : ((ولا يخفى فقد نُشرت عدة كتب ودراسات تتعلق بنقابة المحامين العراقيين، ولكنها كانت تتعلق بمرحلة معينة من تاريخها أو نشاط معين فيها.وبهذه المناسبة أود الاعتراف بأن جميع من كتب في ذلك، بما فيها مؤلف هذا الكتاب، هم عيال على كتاب (تاريخ المحاماة في العراق) للمرحوم احمد زكي الخياط الصادر سنة 1973عن مطبعة المعارف في بغداد، فهو يعد المصدر الأهم لغاية سنة إصداره، لأنه كان معاصراً لتأسيس النقابة ومساهماً في إدارتها ونشاطها، ومطلعاً على الكثير من الوثائق ذات العلاقة، ومن مصادر الكتاب المهمة الأخرى، ما نشره مدير الإدارة السابق في نقابة المحامين السيد طارق رؤوف محمود في مجلة (القضاء) والمواقع الالكترونية من مواضيع مهمة عن مجالس نقابة المحامين وعن مجلة القضاء ومواضيع أخرى غطت جوانب كثيرة تتعلق بنقابة المحامين وتاريخها، وكذلك كتابا المرحوم زكي جميل حافظ (شاهد على ثلاثة عهود)، و(الذكرى الأربعون ؛ اتحاد المحامين العرب)) والأخير مازال مخطوطا .

في الباب الأول تحدث المؤلف عن الشرائع العراقية القديمة، وتحدث في الباب الثاني عن المحاماة في العهد العثماني ذاكرا أول تشريع للمحاماة ومدرسة الحقوق في اسطنبول، قبل أن ينتقل في الباب الثالث إلى المحاماة في العراق في العهد العثماني وتأسيس مدرسة الحقوق في بغداد والمحاماة أيام الاحتلال البريطلني، وجاء الباب الرابع للحديث عن المحاماة بعد تأسيس الحكم الوطني، ثم توالت الأبواب الأخرى للحديث نقابة المحامين العراقيين وهيكلها التنظيمي ودوراتها الانتخابية ومؤتمرات المحامين وبنايات النقابة وإصداراتها ومواقف النقابة ومشاركاتها في المحافل العربية والدولية لتختم في الباب الرابع عشر الذي خصص لصندوق تقاعد المحامين، وقد تضمن كل باب من الأبواب مجموعة من الفصول التي ألقت الضوء ساطعا على موضوعاتها .

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

- "المعروف منهج حياة"

- "القرآن الكريم كتاب يعني بالعمل أكثر مما يعني بالرأي"

محمد اقبال

نظرة سريعة على مؤلفات علم الأخلاق العام لعلماء الغرب تكفي لملاحظة الفراغ العميق بسبب صمتهم المطبق عن علم الأخلاق في القرآن الكريم. إذ أن هذه المؤلفات تذكر باختصار أو بإفاضة المبادئ الأخلاقية في نظر الوثنية الإغريقية ثم ديانتي اليهودية والمسيحية، ثم تنقلنا فجأة إلى العصور الحديثة في أوروبا، متجاهلة كل ما يمس النظام الأخلاقي في الإسلام. برغم أن العطاء القرآني في هذا الموضوع ذو قيمة لا تقدر، يفيد النظريات الأخلاقية سعة وعمقًا وتناسقًا، كما يفيد المشكلة الأخلاقية ذاتها في حل مصاعبها الدائمة والمتجددة. ولو أننا رجعنا إلى الكتب الأوربية التي تعالج الإسلام خاصة، فسوف نجد أن محاولات قد تمت خلال القرن التاسع عشر من أجل استخراج المبادئ الأخلاقية من القرآن، بيد أن إطار هذه المحاولات كان في الغالب محدودًا، إذ أغفل الجانب النظري من المسألة فلم يحاول أحد أن يستخلص من القرآن المبادئ الأخلاقية العامة فضلًا. وقد عرفت المكتبة الإسلامية نوعين من التعاليم الأخلاقية: إما نصائح عملية هدفها تقويم أخلاق الشباب واقناعهم بالقيمة العليا للفضيلة، وإما وصفًا لطبيعة النفس وملكتها، وتعريفًا للفصيلة وتقسيمًا لها، فهي كتب إنسانية محضة، لم يظهر فيها النص القرآني كلية، أو ظهر بصفة ثانوية. مما دعانا إلى تناول الموضوع من جديد، ومعالجته بمنهج علمي دقيق، من أجل تصحيح هذه الأخطاء، وملء الفجوة في المكتبة الأوروبية، وحتى يتمكن الغرب من أن يروا الوجه الحقيقي للأخلاق القرآنية.[1]

وبالمثل في الكتابات العربية نجد أن بعض شعب الإيمان لقيت من الدراسة ما جعلها قريبة المآخذ يسيرة العرض، بل لقد حُسبت الإسلام كله لطول ما توافر العلماء على خدمتها، وذلك كفقه العبادات وما تضمن من طهارة وصلاة وزكاة، وفقه المعاملات من بيوع وشركات ومعاوضات وغيرها..، إن هذه الجوانب من ديننا العظيم استبحر الكلام فيها، وبرز فيها أئمة مرموقون. أما الجانب النفسي والخلقي، فهو على جلالته مغموط الحق، ولم يلق العناية الدقيقة التي لقيتها الجوانب الأخرى. لماذا لا تؤلف كتب في الإخلاص والتوكل، والتقوى والأمانة، والصبر والحب، والتي فيها معان تعد من شعب الإيمان، أو هي من أركانه الركينة. وتحرير هذه المعاني وفق تفاسير مضبوطة، وشروح مستفيضة خدمة جلية للإسلام، فالأعمال الظاهرة من عبادة ومعاملة ما تصدق ولا تكمل إلا إذا اتسقت وراءها هذه المعاني الباطنة، وتخللت مسالك الفؤاد، ولذلك يجب أن تطرق موضوعاتها بكثرة ودقة. وميدان التربية الإسلامية في هذا العصر أحوج ما يكون إلى هذه الدراسات؛ فالتعاليم المدنية تأتي من كل فج، وتقتحم طريقها إلى الأشخاص. وإذا لم نحسن البناء الداخلي للنفوس ورفع الإيمان على دعائمه الفكرية والعاطفية كلها، فإن الأجيال الناشئة ربما شعرت بنقص في كيانها الروحي تسعى كي تستكمله من جهات أخرى قد تكون غير صادقة ولا تنقل الحقائق الإسلامية كما هي. إن الدين الذي نزل به الوحي هو الإسلام إن نظرنا إلى السلوك الظاهر والعمل البين، وهو الإيمان إن نظرنا إلى اليقين الباعث والعقيدة الدافعة، وهو الإحسان إن نظرنا إلى كمال الأداء والوفاء على الغاية عند اقتران الإيمان الواضح بالعمل الصالح. والإيمان إذا صح لابد أن بنتج العمل، والعمل إذا صح لابد أن يرتكز على الإيمان، والإحسان إذا صح لا ينشأ إلا من إيمان راسخ وعمل كامل، والإسلام لا يصح إلا بالروح الكامنة فيه، والوقود المحرك له أي الإيمان الحق.[2]

يقول "مارسيل" ليس الإسلام دينًا فقط، بل هو حياة جديرة أن تحيا في الوقت الحاضر، وكلمة religion الغربية لا تعبر إلا جزئيًا وبشكل غير كامل عن المفهوم الإسلامي لكلمة دين الغامضة المعنى والمجهولة الأصل الوضعي في العربية. فقد تعني كلمة دين في الإسلام الحقيقة والعرف والتصرف السوي والموقف السليم، وتجمع بمعناها الواسع الإيمان والإسلام والإحسان. فقد بين الله في رسالته إلى الناس الحقيقة والشريعة ومكارم الأخلاق، فالحقيقة تتصل بالعقل، والشريعة بالإرادة، ومكارم الأخلاق بالوجدان. والصلة بين عناصر هذه التعاريف الثلاثة الأساسية وثيقة لا تنفصم عراها، يؤكد ذلك أركان الإيمان، وهي الإيمان بالله ورسوله وما أنزل إليه والكتب التي انزلت من قبل والملائكة واليوم الآخر. ويميز الربط بين طرف الإيمان المبدئي وطرفه النهائي طبيعة الإسلام الخاصة، وهي أنه توحيدي أخروي، يعزز وحدانية الله فيه.[3]

يشكل الخلق الإسلامي جزءًا لا ينفصل عن الدين الذي هو في نظر السنة طريقة التعامل مع الآخرين، ولن نحكم إلى أي مدى هو مطبق ومحترم في أيامنا، فقد قال محمد عبده أن حياة المسلمين أصبحت في الوقت الحاضر مظاهرة ضد دينهم. فقد يكون ضعف الإيمان وانحرافاته مماثلة في الواقع لما قد تكونه الرذائل المناقضة للفضائل المتعلمة من الله والنبي محمد، وهي رذائل تسيئ إلى المسلمين، فساد العقيدة والجهل الفكري، والظلم والاستبداد، والخيانة، والغش والمخادعة حتى حيال الله. ويعتبر المنظور الخلقي العام تبعًا لجوهر الدين نفسه، وإذا كانت المحبة أهم الفضائل الإلهية في المسيحية، فإن الأفضلية في الإسلام هي الإيمان. فالسبيل في المسيحية إلى الخلاص هو الزهد، وفي الإسلام السبيل في التقى والتقيد بالقانون، باعتبار أن الخلاص للقاعدة رفع المؤمن معنويًا وروحيًا، ويبدو أن هذا الفرق الجوهري هو السبب في عدم فهم الغرب للخلق الإسلامي الذي قد يخيل لهم أنه أميل إلى التمسك بالشكليات، ولما كان المسيحي يعتنق دين المحبة أي دين التضحية، فإنه يتوهم اكتشاف نوع من الحصر في نظام الوصايا العملية القرآني. وتختلف نظرة المسلم اختلافًا شديدًا مع تلك النظرة، فهو يرى أن أساس حياته الخلقية برمتها كامن في قرار حر وعقلاني باحترام القانون، لا في بذل جهد فرداني. وبالإجمال تبقى قضية الفرد الكبرى أن يبحث عن اندماجه في النظام الأكمل للعالم، وأن يحظى به، فالخير هو التوازن، والشر هو عدم التناغم، وهما مثبتان محددان في القرآن، يهدفان إلى حفظ حقوق الله وحقوق الإنسان، وهكذا ينبغي أن يجد كل إنسان نصيبه في التناسق.[4]

لم يأت القرآن فقط لتذكير الناس بالعقل السليم، ولإعادة الخلق القويم بينهم، فليست رسالته الوحيدة هي تعزيز الرسل السابقين والربط بين دعواتهم بسياج الوحدة والتصديق عليها، بل القرآن يقصد الإنسان حيث يكون وإلى أي جنس ينتمي، وذلك حين يوجه نداءه إلى العقل والذوق السليم والشعور الإنساني النبيل. وإذا كان القرآن بعيدًا عن أي عامل خارجي قد أثر بصفة دائمة على عقول جد مختلفة فلابد أن يكون ذلك راجعًا إلى ما له من جاذبية خاصة بتوافقه الكامل مع أسلوب الناس الفطري في التفكير والشعور. وباستجابته لما تتطلع إليه نفوسهم في شؤون العقيدة والسلوك، وبوضعه الحلول الناجعة للمشكلات الكبرى التي تقلق بالهم. وبمعنى آخر لابد أنه ينطوي على ما يشبع حاجاتهم إلى الحق والخير والجمال بما يجمع من صفات العمل الديني والأخلاقي والأدبي في آن واحد. ويستند القرآن في أغلب الأحيان على الشعور العام القادر على التمييز بين العدل والظلم وبين الخير والشر ليؤسس نظامه الخلقي، ويعتمد عليه في تعريف فكرته العملية، والتي تدور في معظمها حول المعروف والفعل الحسن. ونظرًا لأن الحاسة الطبيعية التي يلجأ إليها القرآن ليست بنفس القدر عند كل الناس، ولا بالقوة والفاعلية لتلزمهم بالخضوع لقاعدة السلوك، فقد اقتضى الأمر وضع منهج كامل في التربية، وبجوار الحاسة الخلقية وهب الله الإنسان الذكاء والعقل، فإن غاب هذا الشعور الحيوي عن الخير والشر، تبقى فكرة الواجب العام أو المتعارف عليه عالميًا، وهذا هو جوهر مفهوم المعروف.[5]

لماذا مفهوم "المعروف"

تُرجم معنى "المعروف" في العلوم الإنسانية إلى مجموعة من النظريات السلوكية والأخلاقية –دون الإشارة إلى المصطلح صراحة- وهو أساس في الحكم والقضاء إذا ركزنا على مرادف المعروف "بالعرف" السائد في مكان ما، وانصرف الناس إلى هذه النظريات الغربية، دون الالتفات إلى  تاريخية موقع هذا المعنى وترجمته في القرآن الكريم. ونحاول هنا إعادة لهذا لمفهوم تأصيله، ونستدعيه إلى واقعنا وتعاملاتنا اليومية، لنحاكي الغرب في استخدامهم لهذا الأسلوب والمنهج، والذي ساهم في تقدمهم وتعاملاتهم الأخلاقية المتحضرة، مما يجيب على تساؤل يدور في المجتمع الإسلامي، لماذا الغرب متقدمون والدين لديهم ليس أساس للحياة، بينما نحن نعاني من الجهل والتخلف والدين عندنا مكون أساسي في الحياة؟؟ والإجابة واضحة، وهي أننا لم نترجم الدين إلى سلوك وأخلاق، اكتفينا بأركان الإسلام، من صلاة وصوم وزكاة وحج بيت الله، وأغفلنا المنهج الذي نسير عليه، والمذكور جملة وتفصيلًا في كتاب الله "القرآن الكريم".

يقول كيفين رينهارت أن القرآن الكريم يشتمل على مفاهيم حياتية، تفتح مجالات لأسس التعامل سواء على مستوى فردي أو مستوى مجتمعي، فهو لا يعطينا أنماط فكرية أو مفاهيم نقف عندها وحسب، بل يفتح آفاق جديدة للتفكير. ويؤكد غلى أن "المعروف" مفهوم شامل، وهو المصطلح الأفضل ليساعدنا على فهم طبيعة العلاج الأخلاقي القرآني، وفي الترجمة الانجليزية لا يوجد مصطلحات كافية لفهم هذا المصطلح الهادف للتقييم الأخلاقي، إذا إنه يشتمل على معنى كل ما هو حسن، والمعاملة الجيدة الطيبة مع الآخر، ويقترن بالإحسان، وعادة ما يترجم إلى كلمة "طيب" Kind ، والتي تترجم في حد ذاتها على أنها مجرد فعل طيب، وهي غير كافية لوصف المفهوم، لذا يفضل استخدامه في لفظه العربي "المعروف".[6]

ومن ثم فقد أثرنا التركيز على مفهوم "المعروف" لأنه مفهوم شامل وعام، فهو أعم من المودة والحب، وبالالتزام به ستصل إلى درجة الإحسان، ثم إلى تزكية النفس، التي هي من القيم العليا. ويتضمن "المعروف" المعاملة الحسنة لمن تحبه ولا تحبه، ولا يرتبط بالعاطفة المتقلبة وفقاً لأهواء النفس، بل هو سلوك ينطوي على الاحترام وعدم الإساءة حتى لمن أساء إليك. وهذا ما نحتاج إليه في تعاملاتنا اليومية، ونحتاجه أكثر في الحفاظ على العلاقات الإنسانية، واستدامة الحياة ولو انتهت مشاعر الحب بينك وبين أقرب الناس إليك، ستبقى المعاملة الحسنة. إن دائرة المعروف والمنكر لا تقتصر على الأفعال والأقوال لتكون مقتصرة على دوائر الأحكام الشرعية التقليدية من عبادات ومعاملات، بل تتسع لتشمل كافة أبعاد الوجود الإنساني بما يشمل عقائد الإنسان ومشاعره. ولا تقتصر على الجانب الفردي في حياة البشر بل تتوسع لتضم باقي الجوانب التي تتعلق بالاجتماع الإنساني أو الجانب الاجتماعي، بل أكثر وأوسع لتشمل كل نواحي حياة الإنسان وعلاقاته.

فمما لا شك فيه أننا نعيش أزمة فيما يتعلق بالأخلاق والقيم، والأزمة الأكبر في تبرير هذا الانهيار تحت شعارات رنانة تجد صداها لدى البعض ممن يرغبون في الحرية المطلقة، والأنانية في استخدام هذه الحرية لحد إيذاء الغير معنويًا، سواء بالتعدي على معتقداته وقيمه الخاصة، أو اتهامه بالتخلف والرجعية. وتجد هذه الشعارات صدى لدى البعض –والذي أظنه النسبة الأكبر- ممن يفتقدون القدوة والمنهج الصحيح الذي يسيرون عليه، بشرط أن يحاكي هذا المنهج واقعهم، ولا يتحدث عن عالم يوتوبي مثالي. وفي كل الحالات نحن نتعامل مع إنسان بكل مكوناته المعرفية والعقلية والسلوكية، التي تنعكس في صورة معاملات. والقرآن الكريم بين لنا جملة وتفصيلًا مناهج عدة لنسير عليها، وتكون أسلوب حياة، سواء فيما يخص العبادات بين العبد وربه، أو المعاملات بين البشر، بل وأيضًا العلاقة بين الإنسان وسائر الكائنات الحية الأخرى والكون.

عندما ضل الإنسان طريقه لعدم معرفته بهذا المناهج، وانفصل الخطاب الديني السائد عن حياة الإنسان وواقعه، فكان من الضروري إعادة طرق باب القرآن الكريم، والنظر فيه بشكل أكثر عمقًا، بوصفه دليلًا ومرشدًا ينير الطريق من جديد، ويطرح حلولًا لما يعانيه المجتمع من مشاكل وأمراض اخلاقية، ويضع له أسس ومبادئ يسير عليها، بما يتوافق مع التغيرات المتلاحقة التي تفرز ظروف وأوضاع جديدة متباينة. إن القرآن الكريم كتاب تعبدي وتعليمي، والهدف منه ليس فقط القراءة والحفظ، بل أنه أعم وأشمل، فهو منهج متكامل للحياة، وقاعدة معرفية تهدف لتغيير الاتجاهات وأسلوب التفكير، وتوجيه السلوك، واكتساب مهارات لكيفية التعامل مع الواقع ومشكلاته. نحن في حاجة إلى إعادة قراءته بشكل مختلف، ليفتح لنا آفاق جديد للتدبر والتفكر، وهو ما وجهنا إليه الله عز وجل في كثير من الآيات التي تحث على التفكير واستخدام العقل، بالإضافة الى اكتساب القيم والأخلاق.

اختلفت الآراء حول الكيفية التي نبدأ بها للتعامل بالمفاهيم القرآنية مع العلوم الإنسانية، هل نبدأ بعرض القضايا الاجتماعية على القرآن، أم الاستعانة بالمفاهيم القرآنية والبدء بالتنظير، وهو ما تناوله البعض تحت مسمى "أسلمة العلوم ألاجتماعية". ولكن هل ينحصر هدفنا في مجرد أسلمة العلوم، أو إثبات أن القرآن شمل كل هذه النظريات؟ الهدف الأساسي الذي يجب وضعه نصب أعيننا، هو ترجمة معاني القرآن الكريم والمفاهيم التي يشتمل عليها إلى أسلوب حياة، ومناهج لحل القضايا الاجتماعية والإنسانية. إنما نهتم هنا بالترجمة الفعلية للمفاهيم القرآنية على أرض الواقع، وتحويلها لأخلاقيات وسلوكيات يمكن تطبيقها، بالاعتماد على الخلفيات النظرية التي تؤطر لكيفية هذا التطبيق ومنهجيته وأساليبه ووسائله، والعقبات والتحديات المتوقعة، ووضع حلول وبدائل لتخطيها. وهدفنا ليس تحسين أو تصحيح صورة الإسلام بعد انتشار الحركات التي ادعت إسلاميتها -وفي الحقيقة هي تعمل ضده مبادئه- بل نهدف لتحسين نوعية حياة الإنسان من خلال الاستعانة بالمنهج القرآني. وهو ما يحقق رسالة الإسلام، والتي أجملها نبينا محمد صل الله عليه وسلم في حديثه الشريف "إنَّما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ"[7].

ومن هذا المنطلق لنا أن نختار بين طريقتين: الأولى، اختيار القضايا التي تثير جدل، أو تؤرق المجتمع بشكل مُلح في اللحظات الآنية، وعرضها على القرآن، الثانية، التركيز على مصطلح قرآني، واسقاطه على الواقع بمشكلاته وقضاياه، الاجتماعية والتربوية. وفي كلتا الحالتين سوف نتعامل مع القرآن الكريم ليس فقط بوصفه كتابًا يشمل نظريات وأطر معرفية وأخلاقية وفلسفية يمكن اللجوء إليها، والاستناد على مبادئها للتعاطي مع هذه القضايا، ومن مميزات المنهج القرآني أنه يعالج جذور المشكلات، ولا يقتصر فقط على عرضها ظاهريًا.

يجب فقط أن نُجيد عرض القضية أو المسألة المجتمعية على القرآن الكريم، ونبدأ بتحديد المفهوم، ثم الانطلاق بين ربوع الآيات القرآنية لبيانه وتحليله، ورصد السياقات التي ورد فيها، للخروج في النهاية بمعان متعددة لهذا المفهوم. ولدينا أنواع من القراءات للمفاهيم عبر ربوع القرآن الكريم، منها القراءة بأسلوب كوني يربطها بمعطيات الكون والزمان والمكان، أو أسلوب موضوعي يربطها بالمفاهيم المترادفة لها والمكملة في المعنى، وغيرها من الأساليب المتبعة في منهجية تفسير المفاهيم القرآنية.

وبالنظر إلى واقعنا الحالي ومتطلباته، والرجوع إلى القرآن الكريم لمقابلة هذه المتطلبات ومواجهة التحديات القائمة فيما يخص بناء الإنسان الأخلاقي والقيمي، وجدنا أحد المناهج الذي يعد من وجهة نظر الكاتبة الأنسب لمواجهة هذا التحدي، ألا وهو "المعروف". وحين نتعمق في دراسة هذا المفهوم القرآني، نجد أنه يشتمل على منظومة خلقية وتشريع قرآني إلهي، فهو متعدد المعاني والأهداف، ففي الوقت الذي يصلح لأن يعبر عن الكلمة الطيبة البسيطة، نجده يضع قاعدة صارمة أيضًا للتعامل في بعض الحالات التي تتضمن أحكام شرعية، لذا فهو العلاج والأسلوب الأمثل لعصرنا هذا. وبالتدقيق لوحظ أن المفسرون الاوائل لم يتعمقوا في وصف أو شرح مفهوم المعروف، لأنه لا يحتاج إلى توضيح أو التركيز عليه، ولعل اختلاف الوقت والظروف والمشكلات هو ما جعلنا نحن نحاول فهم المصطلح كما قصده القرآن وقت نزول الوحي، بغرض انزاله على واقعنا الحالي بما طرأ عليه من خلل واضطراب اخلاقي وقيمي. ولكن توجد بعض المحاولات التي تناولت "المعروف" في أعمال ركزت على الجانب الأصولي المقارن بين فهم الفقهاء والمفسرين لدور المفهوم في عملية الحسبة، وهذا في أعمال محدودة للغاية، وتتسم بالنظرية والتخصص الأكاديمي. لكن لم يتناوله أحد من الجانب الاجتماعي والتربوي الذي أثرنا أن نركز عليه في هذا العمل، وهذا لنؤسس للمفهوم أن يصبح ثقافة متكاملة وليس مجرد سلوك وأفعال، بل يكون منهج وأسلوب حياة وفكرة.

يستند هذا العمل إلى مبدأين رئيسين:

إيجاد حلقة وصل ما بين العلوم الشرعيَّة والعلوم الإنسانيَّة، ولا سيما علوم النفس، والتربية، والاجتماع، ويتحقق هذا من خلال:

استنباط المضامين التربويَّة والاجتماعيَّة من القرآن الكريم.

الاستعانة بالمنهج للقرآني للتعامل مع المشكلات الاجتماعيَّة.

اكتشاف آفاق لاستبدال المفاهيم السلبيَّة المرتبطة بالأسرة بمفاهيم إيجابيَّة من داخل المنظومة القرآنيَّة.

تأمل الكاتبة أن يحقق هذا الكتاب الغرض منه، ويكون إضافة يتحقق منها التراكم المعرفي، ويكون جسرًا ما بين العلوم الشرعيَّة والعلوم الاجتماعيَّة، وما بين علماء الدين والواقع المعاش لأصحاب المشكلات الاجتماعيَّة. وقد حاولت أن يكون هذا العمل مركز بقدر الإمكان، خال من الإسهاب، وبلغة يتسنى للجميع الإطلاع عليها والاستفادة منها، فهو موجه للأكاديميين، والمتخصصين، والعامة. وهو جزء من الإنتاج المعرفي "لمبادرة المعروف منهج حياة"، وهي مبادرة تستهدف نشر سلوك المعروف بين الناس، عن طريق بناء القيم والأخلاق لتنعكس على التعاملات بين بعضهم البعض، متجنبين النصح أو الوعظ المباشر.

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء:

الجزء الأول: يركز على منظومة الأخلاق الإسلامية كما وردت في القرآن الكريم، ونختص منها مفهوم "المعروف"، محاولين إلقاء الضوء عليه كمنهج أخلاقي قرآني، وتجلياته.

الجزء الثاني: يركز على عرض لتطبيقات وصور المعروف لاستعادة عدد من الأخلاق المجتمعية الغائبة، وكيفية يمكن التأكيد عليها من خلال هذا المفهوم والقانون الأخلاقي.

الجزء الثالث: المنهج القرآني (المعروف) للتعامل في الحياة الأسرية متمثلة في منظومة الزواج والطلاق، والقضايا المرتبطة بهما وكيف يمكن استخدام المعروف كمنهج ومبدأ أساسي بداية من اختيار الزوجين لبعضهما البعض، مرورًا بالحياة الزوجية، وصولًا إلى الطلاق وما بعد الطلاق، وفي الخاتمة، تضع الكاتبة خريطة للحياة الزوجيَّة بالاستناد إلى منهج "المعروف".

 

د. سوسن الشريف

.....................

[1] محمد عبد الله دراز، مختصر دستور الأخلاق في القرآن، ترجمة: محمد عبد العظيم علي، (الاسكندرية: دار الدعوة، 1996) عن رسالته للدكتوراه نوقشت عام 1947، وطبعت على نفقة الأزهر عام 1950.

[2] محمد الغزالي، الجانب العاطفي من الإسلام، (القاهرة: نهضة مصر، 2003).

[3] مارسيل بوازار، إنسانية الإسلام ، ترجمة: عفيف دمشقية، (بيروت: دار الآداب، 1980).

[4] المرجع السابق.

[5] المرجع السابق.

[6] A. Kevin Reinhart, What we know about Maruf, Journal of Islamic ethics, Koninklijke Brill NV, Leiden, 2017.

[7] رواه البخاري في "الأدب المفرد" رقم (273).

 

عدنان حسين احمدصدر عن "المركز الثقافي" في الدار البيضاء كتاب جديد يحمل عنوان "أنبياء سومريون: كيف تحوّل عشرة ملوك سومريين إلى عشرة أنبياء توراتيين؟" للدكتور خزعل الماجدي، الباحث المتخصص في علوم وتاريخ الأديان والحضارات والأساطير. يقع الكتاب في ثلاثة أبواب تضم في مجملها 17 فصلاً مع مقدمة وافية وثبت بالمصادر العربية والأجنبية.

يؤكد الباحث في مقدمته أنّ "الغرض من هذا الكتاب هو البحث عن الحقيقة" وليس هناك أية دوافع أخرى سواء كانت دينية أو سياسية أو فكرية، والفضل يعود، كما يذهب المؤلف، إلى الحفريات الأركيولوجية التي غيّرت تصوراتنا عن العالم برمته، فهي لا تدّعي الإحاطة بكل شيء لذلك تركتْ الأمر للمعنيين بالتاريخ والفكر كي يبنوا تصوراتهم الجديدة على أسس علميّة رصينة بعيدًا عن شطحات الخيال، وأوهام المُعتقدات النابعة من الخرافات والأساطير القديمة.

يُفرِّق الماجدي بين  مصطلحات العهد القديم والتناخ والتوراة ويدعو إلى فكّ الاشتباك بينها في حالة الإشارة إلى الكتاب العبري المقدّس ويقسمها إلى أربعة أقسام وهي: الكتاب المقدّس "بايبل"، والعهد القديم، والتناخ "الذي يتكوّن من قسم الشريعة، وقسم الأنبياء، وقسم الأدبيات"، والتوراة  التي تضم الأسفار الخمسة وهي:"سفر التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، والتثنية". وإضافة إلى الكتب المقدسة المذكورة أعلاه هناك نوعان من الكتب اليهودية وهما: "الكتب اليهودية الأساسية" التي تضم سبعة أنواع وهي:"الترجوم، المشنا، التلمود، الهلاخا، الهجادة، الكابالا، المدراش". و"الكتب اليهودية الثانوية" وتشمل أبوغريفا، السيديبغرافيا، كُتب قمران، والكتب المفقودة مثل "سفر ياشر" و"حروب الرب".

يعتمد الباحث على ثبت الملوك السومريين ليبرهن لنا أنّ الملوك العشرة السومريين الذين تحولوا إلى عشرة أنبياء توراتيين بفعل الرؤية التوراتية المُضللة التي زيّفت الحقائق وانتحلت أسماء هؤلاء الملوك السومريين، وسَطتْ على منجزاتهم الدينية والحضارية والفكرية. وهؤلاء الملوك أو الآباء هم :"آدم، شيث، إنوش، قينان، مهلالئيل، يارد، أخنوخ"إدريس"، متوشالح، لامك، نوح" الذين ينتمون جميعهم إلى مرحلة ما قبل الطوفان.

يتوسع الماجدي كثيرًا في الحديث أسطورة الخلق وسنحاول اختصارها قدر الإمكان كي لا يفلت منّا خيط التيمة الرئيسة للكتاب. كلنا يعرف بأنَّ الله خلق العالمَ في ستة أيام، ثم استراح في اليوم السابع. ثمة أساطير متعددة في نظرية الخلق تختلف باختلاف الديانات والحضارات والشعوب لكننا سنجد أنفسنا مضطرين للإشارة إلى ليليث التي لم تُذكر في القرآن الكريم لكن العبريين أخذوا أسطورة آدم برمتها من السومريين وجعلوا من ليليث زوجة له لكنه تخلى عنها لأنها كانت عنيفة، ومتمردة، ومعتدة بنفسها فاقترنت بالشيطان وأصبحت رمزًا للشرّ والخطيئة بحسب الرواية التوراتية.

تتشعّب أسطورة آدم وحواء كثيرًا لكننا سنعرف أنَّ الله قد خلق آدم في اليوم السادس، جَبَلهُ من تراب، ونفخَ في أنفه نسمة الحياة، ثم خلق حوّاء لكن الحيّة أغرتهما فأكلا من شجرة المعرفة فعاقبهم الله ثلاثتهم: آدم وحواء والحيّة بالطرد من الجنة لأنهما خرقا وصيته وأكلا الثمرة المحرمة. أنجبت حواء قايين وهابيل فأصبح الأول فلاّحًا والثاني راعيًا، ثم تنافسا على الزواج من أختهما "إقليما" الأمر الذي دفع قايين لأن يقتل هابيل فيطردهُ الرب إلى مكان صحراوي مهجور شرقي عدن يُدعى "نود" ليقيم هو وسلالته في تلك البرية القاحلة. تلد حواء شيثًا الذي يعني "البديل" الذي عوّضت به عن موت هابيل ويعتقد المسلمون والمندائيون بنبوة شيث لأن الله أنزل عليه 50 صحيفة، كما أنه صاحب أول حرب وقعت على الأرض بينه وبين أخيه "قابيل" كما يسمّى في الرواية الإسلامية. يُعدّ النبي شيث أول مَنْ نطق بالحكمة، وأول من استخرج المعادن، ومن أبرز إنجازاته هو تنظيم الريّ، وبناء السدود. أما الملك الثالث فهو إنوش الذي نزلت عليه الرؤية النبوية وأصبح نبيًا. فيما تميّز الملك قينان بالحكمة، ونالها مبكرًا في حياته، وقد علّم الناس، ونقل إليهم معارفه وعلومه. تُنسب إلى الأب الخامس مهلالئيل تأسيس مدينتي بابل وسوسة، ومحاربته لجيش الشيطان، كما أنه أول منْ قطع الأشجار. لم تُسجل الوثائق شيئًا إلى الأب السادس يارد الذي يعني اسمه حرفيًا "سيفقد مكانته أو سيسقط" ولعله كان منشغلاً في الحفاظ على عرشه. أما الأب السابع فهو أخنوخ أو النبي إدريس عند المسلمين ويقابله في التراث السومري والرافديني هرمس الذي علّم الناس نواميس الحضارة، واخترع الكتابة. لم يمت إدريس، بل صعد إلى السماء وتحوّل إلى رئيس للملائكة باسم ميتاترون. توصّل الماجدي إلى أنّ جذور شخصية أخنوخ سومرية وأصله هو "أينمين دور أنّا"، ملك مدينة سبار ، أي من ملوك ما قبل الطوفان. يتميز الملك الثامن ميتوشالح بجمعه بين الحكمة والملوكية، وهو رجل السهم، وصاحب الوثبة السريعة، ويقابله من الملوك السومريين أوبار- توتو من مدينة شروباك ومن أبرز منجزاته هي مكافحته للمجاعة التي حدثت في عصره. أما "لامِك" وهو الملك التاسع الذي يوصف بأنه أول من عدّد زوجاته حين تزوج امرأتين، وهو صاحب أقدم قصيدة شعرية وقد وجهها لزوجتيه. يقابله شروباك بالسومرية والذي يعني "مكان الشفاء". تقترن وصايا شروباك بهذا الملك وتعد هذه الوصايا النص الأدبي الأول في التاريخ، وهو نص سومري كُتب في حدود 2600 ق. م. وسوف ينجب شروباك ابنًا يُدعى زيو سيدرا وهو بطل الطوفان السومري الذي يسمّى "نوح السومري" وقد تأثرت لاءات موسى كثيرًا بوصايا شروباك حتى بلغت درجة التطابق تقريبًا. أما الملك العاشر والأخير فهو نوح الذي عاش 950 سنة ومات بعد الطوفان بـ 350 عامًا ودفن في جبل أرارات. علامته المميزة سفينة نوح، وأهم منجزاته هي إنقاذ الجنس البشري والأحياء الأخرى من الطوفان.

يعتقد الماجدي أنّ عالِم الآشوريات الإنجليزي جورج سميث قد فتح الباب واسعًا حين اكتشف في اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش الأصل الرافديني لقصة طوفان نوح العبري فعقد أول مقارنة بين أصل حكاية الطوفان وأحد فروعها التي أعيدت روايتها في العهد القديم، بل أن فكرة الطوفان عند غالبية الشعوب مأخوذة من الأصل السومري مع اختلافات طفيفة. يُرجع الماجدي فكرة الحكماء السبعة إلى الحقبة السومرية وقد ورد ذكرهم في "ملحمة جلجامش".

يرى الباحث أنّ هناك خمس مدن سومرية ازدهرت قبل الطوفان وهي أريدو، بادتبيرا، لاراك، سبار وشروباك. أما جنة عدن فهي مدينة أريدو نفسها، فيما تقع "نود" شرقيها تمامًا. وحينما حدث الطوفان لم يترك أثرًا لهذه المدن. ولابد من الأخذ بعين الاعتبار أنّ الطوفان قد شمل جنوب العراق فقط وأن مخيلة الشعوب هي التي جعلته يغطي العالم برمته، وأن سفينة نوح قد بولغ بحجمها وبعدد البشر والكائنات الحية التي دخلت إلى جوفها، ويعتقد الماجدي أن شكلها مدور على هيأة "القُفّة"التي تستعمل في أنهار وسط وجنوب العراق. كما يتوقف الباحث عند الناصورائيين الذين أوجدوا الديانة المندائية لكنّ جهلهم باللغة هو الذي سبّب ضياع الجزء الأكبر معارفهم ولم يستطيعوا تدوينها لأن الكتابة أُخترعت في زمن النبي إدريس سنة 3200 ق.م. إن كتاب "أنبياء سومريون" يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، ويدحض النظريات التوراتية المُضللة التي اعتاشت على الفكر السومري النيّر.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

949 جهاد كرملا يندرج كتاب (بعثيون من العراق) للكاتب جهاد كرم، ضمن كتب التاريخ السياسي العراقي، إذا ما توخينا من التاريخ أن يكون مفتاحاً للمعرفة المضافة، والتعرف على الأحداث بقيمتها وأفكارها ودروسها، ومن هذه المسلّمة يمكن أن نعدّ كتاب كرم، مصدراً ببلوغرافياً لاغير، لشخصيات قيادية عراقية على الأغلب في حزب البعث، دوّنها الكاتب وفق رؤاه، وإعتماداً على ذاكرته الشخصية، غابت عنها منهجية الكتابة، والعودة للمصادر التاريخية في توثيق ما ذهب اليه .

جهاد كرم اللبناني الجنسية، أحد قياديي البعث، مثّل العراق دبلوماسياً لمدة ثلاث عشرة سنة، وشغل موقع سفيره في أكثر من بلد ما بعد تموز 1968، حاول كما زعم في مقدمة كتابه، تسليط الضوء على التجربة البعثية وينقلها (بكل أمانة ودقة وصدق!)، إلا ان ما توخاه وما قصده كرم وفق ما أشار، للتعريف بالشخصيات البعثية التي إختارها، وقدمها للقارىء، جاء متناقضاً للأسف الشديد مع أهم شرط في التوثيق، وهو (الأمانة التاريخية في كتابة التاريخ)، على الرغم من أن الكاتب مدّنا بمعلومات شخصية واسعة عن قيادات حزب البعث، تبدو جديدة لقارىء من جيل لم يعاصر تلك الأحداث .

يقول الكاتب (أندريه جيد): إن الإنسان هو تاريخ الحقائق التي يُطلق سراحها، هل إستطاع جهاد كرم أن يطلق سراح الحقائق الملحّة لتجربة البعث في العراق؟ وإلى أي مدى يمكن أن تكون الشخصيات التي تناولها محوراً لإعادة النظر في التجربة بكاملها؟ أم ان عقدة الخوف ظلت تلازمه، وعقدت لسانه؟ حتى وهو يوثق لمرحلة غابت عنها سلطة الحزب، وسلطة الفرد الدكتاتور، منذ ما يقارب العقدين من الزمن .هذه العقدة، هي التي قادت جهاد كرم إلى تحريف الحقائق في حادث مقتل فؤاد الركابي في سجن بعقوبة عام 1969، وهو حادث معروف لسنا بصدد الخوض في تفاصيله، إذ يقول عنه : مات فؤاد في ظروف غامضة خلال خروجه من السجن بعد أن صدر أمر الإفراج عنه !!(ص18)، هذه الرواية المتقاطعة مع كل الروايات التي أثبتت الدوافع والأسباب وراء مقتل الركابي داخل السجن، بتهمة ملفّقة، مدبروها ومنفذوها معروفون .

وحينما تواجه القارىء رواية بهذه الهشاشة، منذ الصفحات الأولى من الكتاب، وهو يتابع القراءة، عليه ان يكون شديد الحذر في التعامل مع الروايات الأخرى في فصول الكتاب اللاحقة .

إن فاصلاً زمنيا طويلاً بين صدور الكتاب (2010)، وبين إنهيار النظام في العراق إثر الإحتلال الأمريكي عام 2003، ان هذه السنوات السبع كافية بتقديري لكي يتحرر جهاد كرم من سطوة الخوف، ليكتب بيد مسترخية لا مرتعشة، إلا انه ظل اسيراً لتلك الأشباح التي تطارده، وتسكن عقله، فكرّست عزوفه عن ذكر الحقائق بتجرد وحرية، وبما يدعونا للتساؤل الأكثر إلحاحاً : ما قيمة أن يدلي الكاتب أو السياسي بشهادات ناقصة ؟ فهناك أكثر من سؤال يظل مفتوحاً !!لذلك جاءت النتائج مغايرة للتوقعات، وظل الإنتفاع من الكتاب محدوداً، لايقدم إضافة نوعية رصينة ضمن رؤية صادقة ومعمّقة، إنما برؤية أحادية وسواسة .

إلا ان الهامش الأهم في الكتاب بإعتقادي، يقودنا إلى مناقشة (إشكالية) كتابة التاريخ السياسي، إذ لا تقتصر هذه الإشكالية على حزب البعث، إنما تمتد إلى تجارب الأحزاب السياسية الأخرى في العراق والمنطقة معاً، فإذا ما توخينا الجدّ في كتابة التاريخ، علينا مطالبة هذه الأحزاب بدراسة ومراجعة تجاربها، فما صدر عنها، وإن كان متأخرا، يغلب عليه التعميم والمطلق، بإستثناء بعض المراجعات والمذكرات الشخصية التي ظلت مبتسرة، فأنها لم تساعد على حل ألغاز الماضي .

إن الوعي بالتاريخ غير قراءته، والإنتقال من العقد المغلقة إلى رحابة الفكر الفسيح يحتاج إلى شجاعة سياسية وفكرية، وحدها القادرة على كشف الملتبس في تجارب تلك الأحزاب بوعي نقدي جديد، وعقلانية تعتمد الجدل المعرفي، وتتقبل الصراع باشكاله، لأنهما عنوان يقظتنا الجديدة .ولكي يستقيم الوعي لابد من مفاهيم مرنة وواضحة، تكشف أسباب الخسارات والإنكسارات العميقة في تجارب الأحزاب، مع أدوات فهمية لاتتردد في مواجهة الفشل السياسي، بعيداً عن سلطة الإكراه .

إن المواقف الداعية لغلق الأبواب بوجه محاولات التجديد، بدوافع وتبريرات مختلفة، منها ذات طابع إنعزالي، أو فردية وجمود فكري، بعيداً عن جدل الحاضر وآفاق المستقبل، تتطلب على الدوام إعادة وفحص ومراجعة التاريخ، والأحزاب بما تمتلك من خزين معرفي تاريخي وعميق، وأصالة في التجربة، بما يمكنها من الإرتقاء إلى مستوى متميز في الحوار مع الآخر المختلف، وبما يوفر الضمانات والمقومات التي تكفل فيها الحياة، والنمو في عالم يزدحم بالآراء والمؤثرات والتناقضات.

 

جمال العتّابي

 

935 الحسين حاكماليس مثل الحسين أحدا شرَّقتْ الأمة وغرَّبتْ في حديثها عن نهضته، فجميع النهضات تاريخيا كانت توصف وتصنف منذ اللحظات الأولى لها، مرة من قبل الحكام، وأخرى من قبل وعاظ السلاطين، وثالثة من قبل المؤرخين، حتى ولو كان التوصيف مخالفا للهدف المعلن الذي قامت من أجله، ربما لأن الحسين (عليه السلام) لم يكن شخصا عاديا، بل كان قد اختزل الرموز الإسلامية كلها في شخصه، فجده لأمه هو رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) وجده لأبية هو أبو طالب سيد البطحاء (رضي الله عنه) وأبوه هو أول الناس إسلاما وأقدمهم إيمانا وأكثرهم جهادا وأشدهم تمسكا بالعقيدة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأمه هي سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء البتول (عليها السلام)، وقد جمع الشرف كل الشرف من أرقى مواطنه وأعلى مناهجه وازكى أصوله وأطيب منابته وأعرق جيناته، فكان أوحد زمانه على وجه الأرض، لا ابن نبي غيره على وجه البسيطة، فهو النسغ الصاعد لآخر الأنبياء والرسل.

وحتى مع وجوب أن تشفع هذه الصفات له لتضفي عليه قداسة الرمز الديني، وهذا ما كان واضحا حتى في سلوكيات الذين حشدوهم لقتاله، حيث التردد كان باديا على تحركهم، نجد هناك من أباح قتله دونما تردد أو وجل، فهو وفق رؤية هؤلاء ليس أكثر من ثائر متمرد خارج على القانون، قتل بسيف جده!

وأعتقد أن هذه الرؤية بالذات فضلا عن الكثير من الجزئيات المهمة الأخرى؛ هي التي دفعت الجانب الآخر ليضفي القدسية المطلقة على كل حركة قام بها الحسين منذ لحظة ولادته الميمونة وإلى لحظة استشهاده وإيداعه التراب.

ووفق خارطة الأحداث لم يعد خافيا الانشقاق الكبير الذي تركه مقتله على كيان الأمة ووجودها، إذ أصبح التوهين بموقفه، مع البحث عن أعذار لقاتليه وللخليفة الذي أمرهم بقتله منهجا معلنا وصريحا لإحدى الفئات. وأصبح تقديسه ابتداء وإعطاء الحق الكلي له ابتداء ولوم بل ولعن من اشترك بقتله، هو المنهج المعلن الذي تتبناه الفئة الثانية.

في مرحلة المواجهة الفعلية، كانت كل فئة تبحث عن دواعم لمنهجها لكي تنصره، بالبحث في كتب التفسير والحديث والتاريخ والفقه والرأي، ومن ثم العمل على إعادة صياغة تلك الرؤى بما يتوافق مع منهجها. وفي هذه المرحلة تدخل الرأي بشكل فاعل في إعادة كتابة وتشكيل الأحداث، ووظفت الأحداث الصحيحة والمختلقة لتقوية أواشج القربى والاحتكاك بين الأتباع والعقيدة، فكلما كان الأتباع أكثر قربا كان من السهل توجيههم إلى الجهة التي ترتأيها القيادات العليا والوسطى وأجهزة الإعلام.

تسبب هذه الصراع في دخول الكثير من الدخائل إلى المناهج العقدية للفئتين، مما ولد عداء ظاهرا وخافيا كان يدفعهم إلى البحث عن دواعم للخطوط العامة. وكان الفقه الشيعي هو الاكثر احتكاكا وتعاملا مع واقعة الطف لأسباب كثيرة جدا لا مجال لذكرها ـ في الأقل ـ لأن الحسين هو الإمام الثالث في سلسلة أئمتهم الاثني عشر  (عليهم السلام) ولهذا كانوا يهتمون بالحديث عن مظلوميته كجزء من منظومة المظلومية الشيعية الكبرى، وهذا دفع البعض إلى استنباط رؤى جديدة للنهضة الحسينية ليست من أصلها، ولا تمت لها، ولكنها وجدت من يستسيغها ويتقبلها. ودفع البعض الآخر إلى البحث عن قواعد فقهية تكفر من يتقبل تلك الرؤى.

يعني هذا أن من يروم الكتابة عن الحسين (عليه السلام) سوف يصطدم بهذه الاتجاهات لا محال، وهذا أمر شائك فيه الكثير من المخاطر، ومع ذلك آليت على نفسي أن أتابع رؤى كل الفرق، وأن أتخلى وأبتعد كثيرا عن نقول التاريخ، وأتسلح بفلسفة التاريخ، وأطلق العنان لعقلي ليتصور تلك النهضة العظيمة، وفق قواعد العقل والمنطق بعيدا عن مجال العاطفة وتأثيرها، في محاولة مني لفهم النهضة وإشاعة هذا الفهم، لأن الفهم وحده له قدرة تخفيف الأزمات وتلطيف الأجواء المأزومة، وتقريب الرؤى، وفتح المنافذ لإعادة التفكير في بعض أشد الأمور خطورة، ولاسيما تلك التي باعدت بين فرق المسلمين، ووضعت بينهم حواجز اسمنتية عالية جدا، لتفصل بينهم إلى الأبد.

وفق هذه المنهجية اشتغلت كتابي الموسوم "الحسين حاكما" الصادر عن دار المتن البغدادية، وقد خرجت بنتائج تخالف الخطأ الشائع، وتقترب من الصحيح الضائع، فهي على سبيل المثال ترفض أن يكون الحسين (عليه السلام) قد خرج بثلاثة وسبعين رجلا فقط، وتؤكد بالدليل أنه خرج بجيش  جرار مؤلف من عدة أقاليم إسلامية، وأن أغلب وحدات جيشه حِيل بينها وبين الالتحاق به، وأنه حينما وجد الميزان العسكري غير متوازن، طلب منهم الانسحاب والهرب لينجوا بحياتهم، وليتحمل لوحده تبعات ذلك الحراك..

ومنها الحديث عن ما يسمى بمحاورات أو مفاوضات كربلاء؛ التي ادعوا فيها أن الحسين بعد أن أحيط به تقدم إليهم ثلاثة شروط هي:

إما ان يسمحوا له بالعودة من حيث أتي.

أو يرسلوه جنديا بسيطا كأي جندي آخر إلى أي ثغر من ثغور المسلمين.

أو يرسلوه إلى أمير المؤمنين يزيد بن معاوية ليرى رأيه فيه.

حيث فندت بالدليل القاطع ما قيل عن هذه المفاوضات المختلقة، وأن كل ما قيل عنها إنما هو مجرد حراك إعلامي تسقيطي لا وجود له على أرض الواقع.

ومنها حديثهم بأن الحسين إنما خرج لطلب الإصلاح لا للحرب، حيث أثبتُّ وبالدليل القاطع أنه خرج للإصلاح عن طريق الحرب والاستيلاء على الحكم، ولا شيء آخر غير ذلك، فهو كان يخطط لتأسيس دولة إسلامية في العراق والشرق الإسلامي، ويترك لبني أمية دولة في الشام وفلسطين ومصر فقط، لأنه من غير المعقول أن يبدأ بالإصلاح من على منابر ترفرف عليها راية حكومة يزيد، بل إن الحكومة نفسها ما كانت لتسمح له بالتثقيف بمنهج يخالف منهجها.

لقد حاولت في هذا الكتاب أن أتحدث عن حقائق ليست خافية على أحد ولكن الأغلبية يحجمون عن التحدث عنها، ولذا اضطررت الى التحدث عن الدولة من مرحلة النشوء إلى هيمنة السلطة، ثم التحدث عن الخلافة من مرحلة النص إلى مرحلة الابتداع، ثم التحدث عن قاعدة الخلافة الشرعية، والأحكام والآداب السلطانية، ثم تحدثت عن علي بن أبي طالب من شرعية الخلافة إلى خلافة الظل والحسن من شرعية الخلافة إلى خلافة الظل، والحقبة المسكوت عنها، والهدنة بين الحسن  (عليه السلام) ومعاوية التي هي كانت مجرد مثابة لإعادة ترتيب الأوراق، وبعد ذلك تحدثت عن الحسين، والحقبة المفقودة، وسنوات التخطيط، ومحاولات استرجاع الخلافة، وشرعية الخروج، وموجباته، ومؤشرات وجوب الخروج.

بعد ذلك تناولت الجزئيات المهمة بالبحث والتفكيك ومنها الحديث عن جيش الحسين وسياسته، وجيش الحكومة، والدعوة إلى الثورة، وسياسة الضد، ورواية إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، واختتمت البحث بحديث عن الحقيقة، الحقيقة التي عمل الجميع على تغييبها، والتي يجب أن نبحث عنها ونجدها ونزيل الدرن عن وجهها ونرفعها ليشرق نورها على أمة أدمنت الخلاف ونسيت كيف تتفق خلافا لما أمرها دينها به.

لقد جاء الكتاب جديدا بطروحاته وآرائه التي تمتد على مدى 379 صفحة من القطع الكبير، وقد صمم لوحة الغلاف الفنان العراقي المغترب الأستاذ بسام الخناق، له مني جزيل شكري وتقديري، وأجاد الأستاذ عامر الساعدي مدير دار المتن للطباعة والنشر في بغداد في إخراج الكتاب بحلة قشيبة، فله شكري وامتناني، وارجو أن أكون قد وفقت في طرح الآراء ومحاكمتها علميا وأكاديميا وحياديا بعيدا عن التشريق والتغريب... والله من وراء القصد... والحمد لله رب العالمين.

 

صالح الطائي

 

942 السماويصدر عن دار تموز في دمشق كتاب جديد للباحث والكاتب لطيف عبد سالم وسمه بـ: (مرافئ في ذاكرة يحيى السماوي). الكتاب الذي قدم له الناقد الدكتور حسين سرمك حسن، وصممت غلافه الأديبة والمصممة الأستاذة رفيف الفارس، يقع في (320) صفحة، ويضم أربعة عشر فصلاً.

في مقدمته التي حملت عنوان: (التجربة الشعرية والتسلّطية المُحببة) أشار الدكتور حسين سرمك حسن إلى أنَّ الكاتبَ ذهب إلى معالجة موضوعة مهمة وحسّاسة عن الشاعر يحيى السماوي ومنجزه الشعري، لم تتم معالجتها بهذا الشمول والتماسك والإحكام من قبل. وهي العرض السيري لمسيرة يحيى الحياتية - الشعرية منذ ولادته حتى يومنا هذا محاولاً - أي لطيف عبد سالم - الإمساك بالعوامل البيئية والحياتية والثقافية الحاكمة التي أسهمت في صياغة وجدان يحيى الشعري، وتفجير وصقل طاقاته الشعرية من بيت ومحلّة ومدينة ومدرسة وجامعة ومكتبة وشارع سياسي وشخصيات أولى مؤثرة في بلورة ركائز الشخصية كالأب والمعلم والصديق والناشط السياسي وغيرهم. وما لا يقل أهمية عن ذلك محاولة مراجعة التجارب الأولى؛ الشخصية والعامة - والتجارب العامة في وطننا تأتي عاصفة ساحقة في أغلب الأحيان - خصوصاً المبكرة والتقاط الكيفية والمسارات التي أسهمت عن طريقها في انبثاق موهبة يحيى الشعرية - والموهبة تستعصي حتى على التفسير العلمي المنطقي في بعض الأحوال - وتحديد مآلاتها ورسم محاورها الأساسية في تصميم ما أسمّيه "النبع المركزي" الذي ينطلق منه نهر الشعر الذي سيمتد في حياة أي شاعر مجيد ويحدّد نوعية مياه التجربة الشعرية وعنفوان تياراتها وصخب تحوّلاتها صعودًا متجدداً نحو الأعالي أو هبوطًا متباطئاً نحو قيعان الركود والتكرار.

وقد أمسك لطيف بـ (النبع المركزي) الذي لم يشكّل الملامح المركزية لتجربة يحيى السماوي الشعرية والحياتية فحسب بل أرسى مرتكزات ما أسمّيه (العوامل / التجارب التسلّطية). وهي تلك العوامل والتجارب الحاسمة التي تغور عميقاً في لاشعور الشاعر منذ مراحل عمره المبكرة، وتبقى - وبصورة متسلطة قاهرة - تنسرب من حيث لا يدري لتحدّد مضمون، وبدرجة أقل شكل، منجزه الشعري.

ما أمسك به لطيف في هذا المجال هو دور المدينة؛ السماوة، والوطن؛ العراق، كنبع مركزي انطلقت منه مياه نهر التجربة الشعرية ليحيى لتنغرس - عميقاً وبعيداً - في أعماق لا شعوره الفردي، ولتستوي على سوقها وتتصلّب بالمراس والمران وتصل بعد سنوات طويلة من الاختمار والإثراء المقصود وغير المقصود بالتجارب الحياتية والخبرات الثقافية العامة والشعرية إلى النضج و(التسلّط). إنها سوف تصبح (شاعراً داخل الشاعر)، إذا جاز التعبير ودقّ الوصف، تفرض سطوتها على مضامين نصوص الشاعر الذي لا يتمكن، بل لا يحاول الإفلات من سيطرتها، ويستمتع بتجبّرها لأنها النبع الذي يروي شجرة وجوده الشعري ويمنع تصحّر أرض تجربته. ولهذا تجد عامل المدينة والوطن؛ النبع المركزي في تجربة يحيى، منسرباً في أغلب نصوصه حتى لو كان يكتب عن مقهى أو شجرة أو لوحة أو مدينة غير السماوة ووطن غير العراق.

واختتم الدكتور سرمك مقدمته بالقول: هناك دائمًا الأنامل الخبيرة التي تفرك الصدأ عن تبر (العراقية). وهي دائماً أنامل المبدعين - وليس السياسيين عليهم لعنة الله - وفي مقدمتهم الشعراء الذين يتبعهم القرّاء المؤمنون بقداسة التراب (الأمومية) مثل لطيف عبد سالم. المبدعون - ومنهم يحيى السماوي - هم الذين يفركون الصدأ ويزيحون ركام أتربة القهر والإنذلال واللهاث الحيواني عن وجه (الروح العراقية) الكامنة؛ ولهذا تجد أبسط مواطن يطرب وينتشي ويبدأ بالتغني بوطنه حين يستمع لنص من نصوص يحيى برغم أنّه قد لا يكون حصل على إفطاره ويفكر كيف يدبّر رزق عائلته. وهذا التأثير تجلى أوّلاً في نفس الكاتب؛ لطيف عبد سالم، وهزّه من الأعماق على طريقة الشاعر العامي: (هزني الهوه - الهَوّى- بكل حيله لَنْ شاعر مسوّيني) لتشكل (عراقيته) المتسلطة المحببة هذا الكتاب الجميل الذي بين أيدينا. فله مني التحية.  

 

 

932 سعادةعرض لكتاب شحادة الغاوي

شحادة الغاوي الباحث عن الحقيقة لا يكل ولا يمل ولا يترك حجراً الا ويقلبه او ملف الا ويغوص فيه، يقدم الوثيقة حيث وجدت، ويقارب الموضوع بأسلوب علمي منطقي حتى لا يظلم ولا يُظلم ويقول في: (ص 30 ان رفقاءه طالبوه وهو حرص بأن تكون فيه وثائق وألا تكون استنتاجات دون أساس).

 يحلل بأسلوب ومقاربة علمية مكثفة، ولا يتردد في إبداء رأيه اعتمادأ على أدلة، ويحرص على عدم الإدانة الا اذا كان يملك هذا الدليل ويترك لقارئه ان يطرح الأسئلة. وكتابه ليس كتاباً عادياً لأنه يلقي الأحجار في المياه الساكنة من أجل استعادة الحزب السوري القومي الإجتماعي لدوره والحفاظ على العقيدة والإلتزام بالقيم القومية الإجتماعية التي وضعها سعادة والتي تقوم على أربع دعائم : الحرية، الواجب، النظام والقوة التي ترمز اليها أربعة أطراف الزوبعة القومية الإجتماعية الممثلة في علم الحزب.

 يدرك الكاتب وهو الحزبي الملتزم بالعقيدة ان كتابه قد يلقى الترحيب من البعض والإعتراض من البعض الآخر من رفقائه في الحزب، وهذا لم يثنه عن وضع هذا الكتاب عله يشكل لبداية جديدة وإعادة النظر بمحطات تاريخية مرّ بها الحزب منذ التآمر على سعادة واغتياله واستمرار الحملة على الحزب لحرفه عن دوره القومي في محطات تاريخية مهمة من تاريخ الأمة السورية. ولا يتردد الكاتب عن ذكر أسماء حزبية بارزة ودورها سواء الإيجابي او السلبي.

الكتاب الصادر عام 2019 عن دار ابعاد في بيروت يقع في 559 صفحة ويـتألف من خمسة فصول بالإضافة إلى الاهداء وكلمة شكر ومقدمة عامة وقسم مخصص للملاحق وفهرس الإعلام ولائحة المراجع.

حرص الكاتب شحادة الغاوي على انه يكتب في التاريخ ولا يكتب تاريخاً، ففي الفصل الأول يتصدى للبدايات الصعبة من الـتأسيس الإول إلى السجن من (1932 إلى 1938) وينقل عن سعادة ص 42 (ليس الحزب السوري القومي الإجتماعي، إذاً جمعية أو حلقة، كما قد لا يزال عالقا ً في أذهان بعض الأعضاء،… إن الحزب السوري القومي الإجتماعي لهو أكثر بكثير من جمعية تضم عدداً من الأعضاء أو حلقة وُجدت لفئة من الناس أو من الشباب انه فكرة وحركة تتناولان حياة أمة بأسرها….) إن مبدأ " سورية للسوريين والسوريون أمة تـامة" أخذ في تحرير نفسيتنا من قيود الخوف وفقدان الثقة بالنفس والتسليم للإرادات الخارجية.(ص45)

في هذا الفصل يعرض الكاتب لمحطات مهمة في حياة سعادة والحزب ودور المنافقين والخونة والسجن الأول والثاني وخذلان المجلس الأعلى لسعادة ومحاولة قتل سعادة في السجن ومعاناة سعادة مع معاونيه.

أما الفصل الثاني فيتحدث عن السجن الطويل سجون وتشرد في الأرجنتين وفي الوطن ( من 1938 إلى 1947) من اوروبا إلى البرازيل وصولاً إلى الأرجنتين، وما واجهه سعادة من عذاب ومعاناة من عدم تعاون وعدم تلبية معاونيه، ومكافحة سعادة للجاسوسية، ولا ينسى الكاتب قصة سعادة وجريدة سورية الجديدة وجريدة الزوبعة، ويعرض الكاتب لموقف سعادة من الحرب العالمية الثانية والتي يجب ان تتماشى مع مصالح الأمة والمطالب السورية بالإستقلال والسيادة أولاً. وعما كان يحصل في الوطن يعرض الكاتب للسياسات الإنحرافية والنفعية لبعض أركان الحزب طلباً للسلامة الشخصية (ص100) وفي الصفحة 104 يتساءل الكاتب عن دور جورج عبد المسيح :أين عبد المسيح وماذا كان يفعل؟ ويبرر الكاتب تساؤلاته وبحثه عن هذا الدور لأن عبد المسيح ومريدوه كانوا يقدمونه على أنه ضمانة عقائدية. ويتحدث الكاتب عن تلك الفترة بالتفصيل حول قضايا أخرى لا تقل أهمية وكيفية مقاربة سعادة للأمور ويعنون ص115 سعادة يداري نعمة ويستوعبه.

الفصل الثالث يعرض لتجديد الروح والحصاد الوفير (من آذار 1947 إلى حزيران 1949) يقول الكاتب أن السلطة أرادت إبعاد سعادة عن الحزب ليتسنى لها ترويض هذا الحزب، لكن سعادة عاد عنوة ضد إرادة السلطة التي كانت تعتمد على نعمة ثابت في استيعابه (ص130) ويتحدث عن بعض أوجه المعركة الداخلية ومعاونون لا يعاونون، ويكمل إلى حسم سعادة الموقف داخل الحزب وكيف ربح سعادة المعركة العقائدية حتى قرار قتل سعادة فيقول: إن من يريد فهم الأسباب الحقيقية والمقدمات التي أدت إلى استشهاد سعادة يجب عليه قبل كل شيئ رصد حركته وأعماله وأقواله سنة على الأقل قبل الأستشهاد….(ص147) ليصل إلى إنقلاب حسني الزعيم في سوريا ورأي سعادة الحقيقي بالإنقلاب وشعار السيادة اللبنانية في وجه الشام فقط وذروة التحدي في خطاب برج البراجنة ويعنون الكاتب في ص169 عن التحريض المزدوج من حكومتي دمشق وبيروت لسعادة كي يقوم بإنقلاب مسلح في لبنان.

الفصل الرابع المطاردة والتوريط والإستشهاد (من 9 حزيران إلى تموز1949) في ص 177 وحول نظرية المؤامرة كما تعهد في أول الكتاب بعدم إلقاء التهم جزافا،ً يقول الكاتب فإنه من الصواب فحص الأمور جيداً ودرس الإحتمالات والتشدد في اعتماد الحقائق والوقائع في كل أمر وقضية، فإذا وجد دليل على مؤامرة يجب أن نقدم الدليل ونبني عليه، وإذا لم يكن هناك من دليل فيجب البحث عن العوامل وأسباب أخرى في غير نظرية المؤامرة. ويتابع بعنونة سعادة والمؤامرة وكيف تعامل الحزب مع خطة تصفية وقتل زعيمه؟ وعن الدور البريطاني، الأميركي والصهيوني لهذا الفصل أهميته لأنه كما الكتاب غني بالوقائع والتساؤلات والتحليلات المنطقية التي برأي الكاتب تقود إلى معرفة الحقيقة والأدوار التي قامت بها كافة الأطراف الخارجية والإقليمية والمحلية والحزبية، ويشير الكاتب إلى دلائل أربعة ابتدءاً من ص 203 إلى ص 208 وبعد ذلك يعود لبروز دور عبد المسيح وعدم استجابته لسعادة، ولا يهمل الكاتب ما قاله عبد المسيح نفسه ص214 ونصل إلى ص 242 لنرى كيف حارب سعادة حتى الرمق الأخير ليصل في ص 255 إلى السبب في سرعة المحاكمة وتجاوز أصولها وشروطها القانونية، وفي ص258 يستنتج لا بل يذهب الكاتب لحد الإتهام لعبد المسيح ويقول: ان سعادة كان ضحية مؤامرة خارجية استندت إلى سلبيات الأوضاع الحزبية الداخلية واستفادت منها. إن من كان يجب أن يلعب دوراً رئيساً في انقاذ سعادة هو جورج عبد المسيح ويعدد 3 أسباب لذلك وبعدها تكر سبحة الاسئلة عن ادوار الحزبيين وغيرهم وعن سبب إخفاء عبد المسيح لرفات سعادة.

الفصل الخامس السيطرة على الحزب بعد استشهاد الزعيم كوارث وانشقاقات وصراع على السلطة.

يستهّل الكاتب هذا الفصل ببدء مرحلة استيعاب الحزب والسيطرة عليه وانتقال عبد المسيح إلى دمشق، ويقول (ص 268) لا بد لنا من ملاحظة أن سعادة قبل اسشهاده لم يعطِ عبد المسيح أية مسؤولية مركزية في الحزب، وذلك بعد استقالته من عمدة الدفاع سنة 47 … ويمضي بمساءلة عبد المسيح عن "الاستشهاد الرائع" حسب تعبير عبد المسيح هل استشهاد سعادة كان رائعاً؟ (ص 278) ويتساءل ص 269 السؤال الكبير هنا هو كيف كان اي عبد المسيح سيقدم على ما رفضه لسعادة؟ ويبدأ الكاتب بعرض لسلسلة من المواقف والأحداث والأدوار كالموقف من حسني الزعيم، إلى محاكمة القوميين في لبنان، ويحرص الغاوي على الا يظلم أحداً ويشكك في البعض الأخر حيث يقول ص 282 حتى لا نظلم ابراهيم يموت، وص 284 يتساءل عن دور غسان التويني المشبوه، وص 288 يضع عنوان تحصين العملاء، وعدم التزام عبد المسيح بقوانين الحزب عند طرد الحزبيين علما ان سعادة كان كان قد ترك مرسوماً بإنشاء "المحكمة المركزية للحزب السوري القومي الاجتماعي " ويُذكر بوصية سعادة :" في الحزب شرع يضمن لكل فرد حقه في النظام والعمل والرأي…"ص 290

ويستطرد الكاتب في عرض بروز السوابق الإدارية غير المنطقية، ونشوء الأزمات والتسويات والتدخلات الخارجية وأسماء لشخصيات حزبية لعبت دوراً مهماً في تلك المرحلة من عصام محايري لعبدالله سعادة، وسامي خوري وهشام شرابي على سبيل المثال لا الحصر، ويخصص الكاتب جزءاً من هذا الفصل لمصدر السلطات ومن ينتخب ص309 سواء في حياة سعادة أو بعد استشهاده، وكيف صار الإستثنائي المؤقت دائماً ولاحقاً يتحث عن الخطأ الأفدح في كيفية منح رتبة الأمانة متسائلاً من هوالصادق؟ ص323، ويقارن الكاتب بين الديمقراطية التمثلية التي انتقدها سعادة والديمقراطية التعبيرية الجديدة التي جاء بها سعادة ص319.

ويعود الكاتب إلى الوضع السياسي في سورية ويطرح السؤال من هو أديب الشيشكلي؟(ص333) الذي يصفه بالطائفي ويحظى بدعم الإسرائليين (ص338)، ليصل بعد ذلك إلى انقلاب سامي الحناوي على حسني الزعيم 14 آب 1949، وإلى انقلاب أديب الشيشكلي على الحناوي في 18/12/1949 لينتقل للحديث عن الحزب في ظل الشيشكلي وموقف الحزب الشاذة كما سماه من قضية الإنفصال الجمركي بين سوريا ولبنان، والإتحاد مع العراق (ص348)، وموقف الحزب المؤيد للشيشكلي الذي كان معه "على طول" (ص 357) حيث يقول الكاتب عن ان عبد المسيح في خدمة أديب (ص 356) ورغم ذلك كيف خذل الشيشكلي الحزب واسقطه في الإنتخابات إلى ان يصل إلى مرحلة ما بعد الشيشكلي، وفي ص 370 يصف الكاتب سياسية الحزب سنة 1955 بأنها سياسية حمقاء خرقاء غبية مراوغة متورطة فيما لا يمكن تبريره والدفاع عنه والتي اتبعها عبد المسيح وخصومه في المجلس الأعلى التي وصفها بالخلاف على السلطة لا أكثر ولا أقل وليس لها بعد عقائدي ويضيف (ص372) ان الحزب وبعد نصف قرن يقف نفس الموقف ويقدم نفس التبريرات.

وفي ص 380 ينتقل بنا الكاتب إلى مرحلة مهمة وهي مقتل الضابط عدنان المالكي ودوره وعلاقته بالحزب والإيقاع بين الحزب وأركان الجيش والمالكي، وفي ص 391 يكتب الغاوي عن كيفية بدء التوتر والخلاف مع عبد الناصر، وفي ص 422 يعنون في المصيدة الأميركية وقول لقد ضرب الأميركان ضربتهم المزدوجة قتل المالكي وضرب الحزب خلال أسبوع واحد من تلكؤ الحزب في قبول العرض الأميركي عليه لإعتماده ركيزة ووسيلة لهم لتوجيه السياسة الرسمية في الشام…ليخلص إلى أن السذّج وحدهم لا يعرفون طريقة عمل المخابرات الأجنبية وكيفية مباشرتها في تجنيد عملائها. ص 422 يتحدث الكاتب عن حصاد المتآمرين والمستفيدين. وفي الكتاب أجزاء مخصصة للوحدة بين مصر وسوريا وموقف الحزب منها ووصول حزب البعث إلى السلطة في سوريا وما رافق ذلك من أحداث.

ويعرج على قضية الإنشقاقات الحزبية سنة 1957 وسنة 1974 وسنة 1987 وثم سنة 2012 (ص 437-438) ويصفها بأنها صفحات سود ليست من تاريخ حزب سعادة، بل من تاريخ من ارتكبوها وقاموا بها وشاركوا فيها وتبعوها ودافعوا عنها وقبلوها، وان حزب سعادة وحركته ونهضته وقضيته هي براء منها وضحية من ضحاياها. ويصف وضع حزب سعادة اليوم بأنه مخطوف ومرهون… ليعود ص 443 ليؤكد على ان الخطأ الكبير القاتل الذي وقع فيه من شقوا الحزب هو خطأ، بل مرض، النزعة الفردية القاتلة وعدم الإقتداء بسعادة في طريقة معالجة الإنحراف العقائدي والسياسي.

وفي ص 477 يفصل بين القوميين الجنود الأوفياء لسعادة ولعقيدته ونظامه ويعنون "الأسئلة الكبيرة والجواب الضائع" ويسأل ما هي الأسباب الحقيقية التي تجعل الوصوليين والفاسدين وأصحاب النزعة الفردية يصلون إلى قيادة الحزب مع أن نظام الحزب يحارب الوصولية والفساد والنزعة الفردية ويكافحها؟

وفي قسم الملاحق لا يتوقف الكاتب عن إعطاء المزيد من المعلومات واتخاذ المواقف من قضايا عقادية وسياسية، ويتحدث عن عبد المسيح العقائدي وعصام محايري العروبي وانعام رعد الثوري ويفند مواقفهم من قضايا مهمة وفهمهم للعقيدة كالمدرحية والإنسان والمجتمع، الجماهيرية والجماهير، عيد العمال- عيد العمل، بين الحياة والعيش، الموقف من اليهود، الإشتراكية العلمية .

ويتحدث ص 514 عن الضعف المثلث الأضلاع حيث يقول الكاتب أن القيادات الحزبية التي أتت بعد سعادة لم تستطع إكمال نهجه الصراعي الهجومي بسبب ضعفها المثلث الأضلاع علمياً وعقائدياً ومعنوياً والتي يشرحها بالتفصيل.

أخيراً، ان ما تقدم وما عُرض من كتاب شحادة الغاوي قد لا يفيه حقه ولا يغني عن قراءة الكتاب، حتى يطلع القارىء على المزيد من التفاصيل والحقائق التي عرضها الكاتب وان كان بعضها ليس على علاقة مباشرة مع الاسباب والعوامل الحزبية الداخلية وهذا ما يشير اليه الكاتب لكنه يرى أهمية عدم إهمالها كل ذلك من اجل ان يأخذ الحزب السوري القومي الاجتماعي دوره الطليعي كما يرى الغاوي في تقرير مصير الامة حسب المفاهيم والعقيدة التي وضعها سعادة ورسم خريطة طريقها الفكرية والعقائدية والتي توجت بالشهادة.

 

عرض عباس علي مراد

 

ضياء نافعكتبت عن هذا الكتاب في مقالتي بعنوان: (حول آخر كتاب لغوغول)، وقدمت هناك ترجمة لفهرسه ليس الا، وكتبت عن هذا الكتاب ايضا في مقالتي بعنوان: (حول رسالة بيلينسكي الى غوغول)، وذكرته في مقالاتي الاخرى عن غوغول، واعود هنا اليه، وذلك لانه من الكتب النادرة، التي تجبر القراء على العودة اليها بهدوء وامعان وتأمّل، اذ ان غوغول وضع هناك خلاصة افكاره بعد تلك الفترة الطويلة من التفكير العميق في ايطاليا، والتي أدّت به الى اتخاذ القرار الخطير بعدئذ، وهو حرق الجزء الثاني من روايته (الارواح الميتة)، والتي انجزها طوال فترة غير قصيرة من العمل الفكري الدؤوب، وقد تحولت تلك الغرفة التي حرق غوغول في موقدها روايته الى متحف الان (انظر مقالتنا بعنوان – كنت في بيت غوغول) .

 كتاب (مختارات من مراسلات مع الاصدقاء) هو النتاج المركزي في ابداع غوغول بفترته الاخيرة، اذ صدر عام 1848، بعد ان بدأت ازمته الفكرية الروحية الخانقة (توفي غوغول عام 1852) . لقد صدرت كل مؤلفات غوغول بين اعوام 1829 و 1842، اي انه ابتدأ بالنشر عندما كان عمره 20 سنة، واصدر رواية الارواح الميتة عندما كان عمره 33 سنة ليس الا . كتابه الاخير هذا أثار (زوبعة !) من ردود الفعل الصاخبة والمتنافرة في اوساط الادب الروسي خصوصا والمجتمع الروسي المثقف عموما، والتي يمكن القول ان آثارها وبقاياها لازالت واضحة المعالم لحد الان بشكل او بآخر .

نقرأ في مقدمة هذا الكتاب كلمات صادمة حقا، اذ يبتدأ غوغول هكذا – (كنت مريضا بشدة، وكان الموت قاب قوسين او أدنى منّي). ويستمر غوغول: (استجمعت قواي المتبقية، واستخدمت في اول لحظة من الصحو قواي العقلية، وكتبت وصيتي الروحية، والتي أضع فيها المسؤولية على عاتق أصدقائي كي ينشروا بعد موتي بعض رسائلي.)، ويكتب غوغول لاحقا في مقدمته للكتاب قائلا – (لقد أردت ان اكفّر عن كل ما نشرته، لانه في رسائلي وحسب اعترافات هؤلاء الذين كتبتها لهم، توجد ضرورة اكثر للانسان مما في مؤلفاتي). وهذه هي الفكرة التي لم يتقبّلها الكثيرون، وخصوصا بيلينسكي، والتي رفضها بكل وضوح وعنف في رسالته المشهورة الى غوغول، وهذه هي الفكرة التي تثير نقاشات حادة بين المتخصصين في الادب الروسي ولحد الان، ولا يمكن طبعا التوسع هنا حول هذه النقطة الفكرية البحتة، ولكن ايجازها يشير، الى ان غوغول اراد ان يقول ان رسائله تتضمن افكارا محددة ودقيقة حول مشاكل وقضايا اجتماعية وثقافية تقف امام الانسان الروسي، اما مؤلفاته الادبية فانها تحتوي على صور فنية قد لا تصل فحواها الى القارئ بشكل محدد و دقيق كما في رسائله، او انه اراد ان يقول كلمة جديدة للقارئ . لكن مؤلفات غوغول الادبية – من جانب آخر - لازالت حيّة وتتفاعل بقوة في اوساط المجتمع الروسي والمجتمعات العديدة الاخرى في العالم بما فيها مجتمعاتنا العربية، ولو كانت ضرورة هذه المؤلفات أقل للانسان من رسائله (كما يقول غوغول في تلك المقدمة)، لما حدث ذلك التفاعل الانساني الشامل معها، وهنا يكمن التنافر او حتى يمكن القول – التناقض بين الواقع الموجود لحد الان وبين آراء غوغول، الذي ابدع هو نفسه تلك النتاجات الفنية، وهو نفسه الذي كتب تلك الرسائل ايضا، ولهذا أشرنا في بداية هذه المقالة، الى ان بقايا ردود الفعل على هذا الكتاب لا زالت موجودة الى حد الان.

يستمر غوغول في مقدمته تلك بتبرير تأليفه لهذا الكتاب، ويقول، انه قرر السفر الى الديار المقدسة (اي القدس في فلسطين) بعد الشفاء من مرضه، وذلك لأن هذه الزيارة (ضرورية لروحه)، ولكنه يشعر (ان حياته معلقة بشعرة واحدة)، وانه يمكن ان يحدث كل شئ في هذه الرحلة، ويقصد طبعا الموت (كان هاجس الموت يسيطر عليه اثناء تلك الازمة الروحية)، ولهذا يكتب غوغول قائلا - (اردت ان ابقي لمواطنيّ شيئا ما من كياني عند الفراق . لقد اخترت بنفسي من رسائلي الاخيرة، التي استطعت ان استلمها مرجعا، كل ما له علاقة بالقضايا التي تشغل المجتمع الآن، وسأضيف مقالتين او ثلاث مقالات ادبية، واخيرا وصيتي، في حالة وفاتي في الطريق .)، ثم يضيف غوغول: (.. وقلبي يقول ان هذا الكتاب مهم ويمكن ان يكون مفيدا ..) .

 نعم يا غوغول، قلب الفنان يقول له الحقيقة، فكتابك هذا مهم فعلا ومفيد فعلا، ولكن نتاجاتك الفنية الاخرى مهمة ومفيدة ورائعة ايضا يا نيقولاي فاسيليفتش، ولهذا فان روسيا لا زالت (تتغنى!) بها، وليس روسيا فقط، وانما شعوب العالم ايضا، بما فيهم طلبة قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد، يا نيقولاي فاسيليفتش، الذين كانوا يقهقهون عندما يقرأون قصة (الانف)، او عندما يؤدون ادوارهم في مسرحية (المفتش) على (خشبة!) مسرحهم الطلابي الجميل.

 

أ. د. ضياء نافع

 

933 عبدالحميد عباسي (في قراءة وتقديم لكتاب الدكتور عبد الحميد عباسي تحت عنوان: استقلال لم يكتمل )

يرى الدكتور علي بن محمد وزير التربية الوطنية الأسبق في الجزائر أن البعد اللغوي في أية هوية هو الإسمنت الذي يجمع بين عناصرها، كيفما كان تنوعها وتعددها، ولذا فهو يرى أنه على النخبة أن تعكف على دراسة حالة الجزائر التي حباها الله لغة، بأنها من أرقى لغات الأرض، الجاهزة للتطور والتلاِؤم مع أدق الأوضاع العلمية وتاريخُها الزاهر شاهد على ذلك وهو الذي يرشحها اليوم بقوة، لاستعادة مكانتها العالمية، التي كانت لها في السابق، حين كانت الأداةَ العالمية الأولى للتعبير عـن أرقـى العلوم الـبشرية، وأعْـقد المفاهيم الفلسفية، ولكن الشواذ من أبنائها المزعومين، ما فَـتِـئُوا يرمونها بالعاهات التي هي أصلا في نـفوسهم، يذكر ان الوزير السبق علي بن محمد كان من أشد المعارضين لمشروع فرنسة المنظومة التربوية في الجزائر

هي قراءة أجراها وقدمها الدكتور علي بن محمد وزير التربية الوطنية السابق، لكتاب صدر حديثا للباحث الدكتور عبد الحميد عباسي، تحت عنوان: "استقلال لم يكتمل" أو حين تتمادى فرنسا في فرض وصايتها الأبدية على الجزائر، حيث كانت قراءته شبه دراسة تاريخية، خاصة وأنها جاءت تحت عنوان: "نوفمبر..والهوية"، قال فيها أن نوفمبر هو الأصل وما عداه طارئ، واستـثنائيّ، وعابر، ولا يمكن أن تغيب قِـيَم نوفمبر، ودلالاته الرمزية، عـن معظم المقالات التي أوردها الأستاذ عـبد الحميد عباسي ومع ذلك، نراه أبى إلا أن يخُصّ سيد الـشهـور كما يسميه، بـمقـالـة أخرى، في المحور السابق نفسه، وقد جعل عنوانها "دروس من ملحمة نوفمبر"، وهي صادرة في أجواء نوفمبـر 1997، وهـو يبدو فـيها طافح الأمل، متوثب النشاط، يغمره التفاؤل بما يحمله نوفمبر، ذلك العام، للشعب الجزائري الذي بـدا له، أنه "بـعـد انقضاء أكثر من أربعة عـقود على اندلاع الثورة المباركة، ما زال يرى في وَهَـج نوفمبر، ومبادئ نوفمـبـر، وأفكار نوفمـبر، وفي المخلصين من رجـال نوفمبر، ما يجمع شمله، (شمل الشعب)، ويفرّج كُرْبَـتَه، ويوحِّد كلمته، ويُـقَوي عزيمته"، ويدافع علي بن محمد في مقدمة هذا الكتاب عن مواقف اليامين زروال بعد تجميد "قـانـون تعميم استـعـمال اللغة العربية"، حيث وصفها بالنكسة، وما أصاب التيار الوطني ـ القومي من إحباط بانتصار الأقلية التغريـبـية فـي إحدى معارك الهوية الحاسمة، وهو ما قد يفسر الاهتمام المتزايد بالدفاع عن الهوية والذاكرة التاريخية.

ويثمن علي بن محمد فترة الرئيس زروال، بحيث يرى أنها لم تشهد أية حرب على ثوابت الهوية، ولم تقع فيها أية ردة من النوع الذي ستعرفه الحقب اللاحقة، وإن كانت قد لاحت في الآفاق المدرسية، مُـنْـذُئِـذٍ، زَوْبَعةٌ لم يَـقرأ الحكام طبيعتها، وتبعاتها، قراءة صحيحة، وظنوها "سحابةَ صَيْفٍ عنْ قريـبٍ تَـقَـشَّعُ"، وقد تنبأ العارفـون بأحوالها، منذ عَجاجـها الأول، بما في بطنها من أفاع. وجَـزَمُوا بأن العجاجة المقبلة لن تَضْعُـفَ ولن تَـخِفَّ وحذّروا، مُـبَكّـرًا، من أن المُبَرْمَج لها، برعاية خبراء العواصف، هو أن تَغـدوَ، ذات يوم، إعصارا عاتيا، يقتلع الجذور، فإذا كان خارجا عن موضوع هذه الفقرات أن نُفَـصِّل كثيرا في مدلولات هذه المقالات التي توقف القارئ عند خريطتها الزمنية، فإننا نريد أن نقـف عند أهم ملامح ما نُشر منها في فـترة الرئيس لمين زروال؛ ثم في فترة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وقد توقفنا عند ظاهرة تَخُص معظم مقالات الحقبة الزروالية بمحور الهوية والذاكرة الثورية بكل وضوح، بينما كانت مقالات الحقبة البوتفليقية يسيطر عليها محور السلم والمصالحة، وتلك ظاهرة لابد أن تَـسْتَـلْفِت القارئ المتأني. فإنّ الَّلغَط الأكبر حول الهوية واللغة العربية إنما وقع زمنَ بوتفليقة.

وباسلوب التعميم يقدم علي بن محمد قراءته على أن المؤلف يُـصِرّ على فكرة أن الـشعب الجزائري، ما زال يرى في وَهَـج نوفمبر، وأفكاره ومبادئه وفي المخلصين من رجال نوفمبر، ما يجمع شمله الخ..." ثم يـؤكد هـذا اليقين الذي لديه، في عمومية الإيمان وشُموليته، باستمرارِ الانحـيازِ الشعبيّ الصريح إلـى ما سماه" وَهجَ نوفـمبر". ويؤكده بكل قوة حين يَجْزِم، بثـقـةٍ عالية، "أنـه لا (يـَـ)عْـتـقـد أنه يوجد، في الجزائر اليوم، من يرى في نوفمبر غير هذا الرأي..."! ثم يشعر بأنه في حاجة ماسة إلى تخفيف ذلك الحكم الـصارم، فيورد بعضا من عناصر المعاني الكفيلة بتعديله، وإدخال شيء من النسبيَّة فيه، فيقول: "صحيح أن رسالة نوفمبر لم تكتمل بعد، وأن تحقيق الكثير من أهداف الثورة ومكتسباتها مازال في بداية الطريق،، خصوصا، ونحن نرى اليوم، أن بعض هذه المكتسبات التي تحـقـقـت بفـضل نوفمبر قد أضحت هـدفا لسهام أعداء نوفمبر، وخلاصة القول في هذه النقطة، يرى علي بن محمد أن البعد اللغوي في أية هوية هو الإسمنت الذي يربط في ما بين أجزائها، ويجمع بين عناصرها، كيفما كان تنوعها وتعددها، ولذا على النخبة أن تعكف على دراسة حالة الجزائر التي حباها الله لغة، وتعمّق في فهم أساليبها، بأنها من أرقى لغات الأرض، المكتملة العُدّة، الجاهزة للتطور والتلاِؤم مع أدق الأوضاع العلمية. وتاريخُها الزاهر شاهد على ذلك وهو الذي يرشحها اليوم بقوة، وبجدارة، لاستعادة مكانتها العالمية، التي كانت لها في السابق، حين كانت الأداةَ العالمية الأولى للتعبير عـن أرقـى العلوم الـبشرية وأدق المشاعر الإنسانية، وأعْـقد المفاهيم الفلسفية، ولكن الشواذ من أبنائها المزعومين، ما فَـتِـئُوا يرمونها بالعاهات التي هي أصلا في نـفوسهم.

و في هذا المضمار يستشهد علي بن محمد بموقف الرئيس الفرنسي (فرانسوا هولند) حينما أخبر شعبه بأنه لن يترشح للإنتخابات الرئاسية القادمة، واغتنم الفرصة لتقديم حصيلة أولية لما أنْجِـز في عهده، فـشـده القولُ في مَعرِض كلامه عما اتخذه من الإجراءات، والتدابير القانونية، لمحاربة الإرهاب، قال موضحا علة تلك التدابير: "سندافع عن ثقافتنا، وعن نمط حياتنا الذي لن نغيره"، وعندنا، في الجزائر المحروسة، نسمع من المتنطعين، والمتطفلين على الإعلام، والساعين إلى هدم أسس وحدة البلاد، بكل ما أوتُوا من جهد، وفي خضم هذه القراءة يضع علي بن محمد نظرية القابلية للإستعمار لمالك بن نبي تحت المجهر إذ يقول : حيث ما يوجد استعمار، توجد قابلية الحُكّام لقبوله، والعمل معه، والسماح له بالتدخل والهيمنة؛ لا بل تَـدعـوه صراحةً لبسط النفوذ، والتدخل في أخص أمورها بها، لأن مصالح الحكام كثيرا ما تندرج، بل تذوب، في مصالح أولئك المهيمنين، ومِـنْ هنا تتحقق نظرية مالك بن نبي. وأحرى بالذين يَألـمُون من هيمنة الأجنبي عليهم، ويَضِجّون من صَوْلته في وطنهم، أن يحاربوا، بجـدية، ما في نفوس، وما في عقول نُخَبهم المستلبة، من بذور "قابلية الاستعمار"، النامية لديهم، الضاربة بجذورها فيهم. فهم، في كل بلد، لْقَطاءُ الوطن، أيتامُ ثقافتهم الوطنية. أفئدتهم مخازنُ الـوَباء القاتل.

عباسي يصف المرحلة البوتفليقية بالسوداء

و بالعودة إلى مضمون الكتاب يلاحظ أن الدكتور عبد الحميد عباسي وهو برلماني سابق وأستاذ محاضر بجامعة بومرداس .الجزائر، يقيم بالجزائر العاصمة، وشارك وحاضر في العديد من الملتقيات الثقافية والتاريخية الوطنية..، حيث تحدث عن خلفيات الإستيطان الفرنسي في الجزائر وما تميز به من ظلم واستعباد وتعذيب وقتل لكن الشعب تمكن من تحقيق الإستقلال، غير أنه ير أن هذا الاستقلال غير مكتمل في الكثير من مضامينه ومعانيه، ففرنسا حين تأكد لها أنها خسرت الحرب، وأن الجزائر ستخرج من قبضتها لا محالة تركت وراءها عملاء كونتهم ودربتهم وربطت مصيرهم بمصيرها ليحلوا محلها ويحفظوا مصالحها ويكونوا عيونا لها في الجزائر، ما مكنها من الإستمرار في فرض وصايتها على الجزائر، الكتاب يضم خمسة محاور هي عبارة عن مقالات جمعها الكاتب، وركز فيها على أهمية اللغة والهوية الوطنية ودور الجامعة والمنظومة التربويىة، واضاف له محورا خاصا من خلاله سلط الضوء على الوضع الإقتصادي والإجتماعي في البلاد، ويلاحظ أنه انتقد وبشدة المرحلة التي قضاها الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة طيلة عهداته الأربعة، اتسمت كما قال هو باتساع مساحة التدخل الفرنسي في شؤون الجزائر الداخلية خاصة في السنوات الأخيرة من حكمه، ومست جوانب ومجالات عديدة، لم تكن متاحا لها في التدخل واللعب فيها من قبل، وتوطدت هذه العلاقات أكثر منذ زيارة الرئيس نيكولا ساركوزي إلى الجزائر، ولكن في السنوات الأخيرة شهدت الساحة السياسية ترهل مؤسسات الدولة وتعدد مصادر القرار فيها، وزاد الوضع تعقيدا بعد سقوط الرئيس أسير المرض وغيابه أو تغييبه عن تسيير شؤون البلاد لفترة طويلة، نتيجة لذلك يضيف صاحب الكتاب تحول الكثير من المثقفين والأكاديميين الذين من أشد الناس دعما وتأييداو مساندة للرئيس بوتفليقة سنة 1999 تأثرا بوهج المرحلة البومديينية التي كان أحد أبرز رجالها، وتعلقا بأي أمل طلبا للخلاص من محرقة العشر العجاف إلى اشد الناس اختلافا معه ومعارضة له ولنهجه أيضا، بل شطّوا في مخالفته.

لقد حاولت الطبقة المثقفة رفع الصوت عاليا في وجهه وليُّ العصا في يده بعد ذلك حين تأكد لهم الإنحراف، وراوا بأم أعينهم انحيازه الوضاح والفاضح قولا وفعلا لفرنسا وللوبي الفرانكفوني الموالي لها، بل مغازلتها والتودد لها لكسب رضاها وإرضائها وخدمتها وتحقيق مصالحها الثقافية والإقتصادية على حساب مصالح الجزائر وتاريخها وسيادتها وحرية قرارها، حتى وعوده بإجراء إصلاحات كبرى في هياكل الدولة لم تتحقق، وظلت مجرد كلام وأوهام، وفهم من كلام لكاتب أن الرئيس بوتفليقة كان يبيع للشعب الأوهام ويخاطبهم بالكلام المعسل البعيد عن الواقع، وقد قارن لكاتب بين ما كان قائما قبل 1999 وحال البلاد اليوم، مثمنا في ذلك جهود الحيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني والشهداء الأبرار المؤتمن الفعلي على صون وحماية البلاد، وبقيامه في المدة الأخيرة بخطوات مزية مهمة باعثة على الثقة والإطمئنان والإرتياح لتسلل اليأس إلى العزائم والنفوس.

و قد استعرض الكاتب في مقدمة كتابه الأحداث التي مرت بها الجزائر مر كزا على أحداث أكتوبر 1988 واختلاف الدارسين والمحللين بشأن تقييم الأحداث التي جرت في ذلك اليوم الخريفي الكئيب. فمنهم من اعتبرها انتفاضة شعبية هدفها إسقاط النظام وتغييره،أو محاولة إصلاحه على الأقل،كما هو الحال بالنسبة للتيارات الراديكالية عامة، من اليمين إلى اليسار، بما في ذلك القوى ذات النزعة التغريبية،ومنهم من اعتبرها انتكاسةً مدمِّرة، ونقطة تحول حالكة السواد،ومشروعا تآمريا خطيرا،هدفه ضرب التوجه الوطني للبلاد ،وترسيخ سياسة الإقصاء والإلغاء، والقضاء على مبادئ وقيم ثورة نوفمبر 54 .. وأن " الذين خططوا لأحداث الخامس من أكتوبر،فعلوا ذلك حتى يجرِّدوا ثورة نوفمبر من نبلها وقداستها" كما هو الحال لدى جمهور التيار الوطني، وفي طليعته أبناء الأسرة الثورية، حسب الكاتب كانت هذه الأحداث الموجهة والمخطط لها بعناية ورعاية من قبل مستعمر الأمس،إما بطرق مباشرة، أو عبر وكلائه وممثليه في الداخل - بداية لمراجعة كل شيء،والتراجع عن كل شيء، ومؤشراً واضح الدلالة على دخول البلاد دوامة الانحراف والفوضى والتسيب وعدم الاستقرار .

 وباعتباره واحدا ممن عايشوا تلك المرحلة وكان من ضمن الشباب المتحمس الحالم باستكمال حرية بلده واستقلاله وسيادته الرافض  لأي مظهر من مظاهر الوصاية والهيمنة والنفوذ والتدخل من جانب فرنسا في أي شأن من شؤوننا ، فقد وجد أن الضمير الحر،والواجب الوطني،يدعوانه إلى الانخراط في أتون هذه المعركة الشرسة والمقدسة في الوقت ذاته، وخوض غمارها بقلمه،على جبهات عدة،تحت سقف دستور البلاد وقوانينها السارية، وفاء منه لرسالة الشهداء الأبرار حيث رأيى كما رأى غيره، أن قلاع الوطن وحصون مناعته واستقراره واستمراره، مستهدفة بمكر وخبث وسوء نية من قبل أعداء الجزائر في الخارج ووكلائهم ولقطائهم في الداخل، إذ يرى أن السكوت والتقاعس، أو غض الطرف إزاء ما يجري أمر غير مقبول، بل إن تجاهله والتغاضي عنه يشكّل خيانة عظمى وطعنة نجلاء تسدد لهذا الوطن، ولرسالة الشهداء الأبرار .

 

قراءة علجية عيش

 

حسيب شحادةكرمة زعبي، شخصية المرأة في الدراما والمسرح الفلسطيني في إسرائيل بين السنوات ١٩٦٧-١٩٩٧. الناصرة: مجمع اللغة العربية. ط. ١، ٢٠١٨، ISBN 978 965 - 92518- 7-2، ٣٠١ ص. (أطروحة دكتوراة، قسم المسرح في جامعة تل أبيب بإشراف ثلاثة أساتذة، اثنان يهوديان وواحد عربي).

يتكوّن هذا البحث من مقدّمة (ص. ٧-٦٠ وكان من المطلوب ذكر العناوين الفرعية كما هي الحال بالنسبة للأقسام الأخرى)، وثلاثة فصول أساسية: كتّاب مسرحيون ومسرحيات بعد ١٩٦٧ (ص. ٦١- ١١٠)؛ شخصيات نسائية في المسرح الفلسطيني (ص. ١١١-٢٣٨)؛ شخصية المرأة على خشبة المسرح (ص. ٢٣٩-٢٨٠). وفي ذيل الكتاب كالعادة ثبت بالمراجع يضمّ أكثر من مائتي مصدر بالعربية (وهي الأكثرية الساحقة) والعبرية والإنكليزية.

في هذه الأطروحة التي تناولت موضوعًا جديدًا، حاولت المؤلّفة فحص عدّة نواحٍ متعلّقة بالموضوع  على ضوء النظرية الجندرية، نظرية السياسة الجنسانية لـ Kate Millet مثل: التطرق لسير حيوات بعض كتّاب المسرحية؛ إلقاء بعض الضوء على سبع وعشرين مسرحية وتحليلها وَفق أُسس التحليل في النظرية السيميائية والنظرية البروكسيمية؛ أبعاد شخصية المرأة  ودورها في مسرح البلاد؛ مكانة المسرح العربي في البلاد؛ الصلة بين المجتمع الفلسطيني والمسرح؛ توثيق قسم كبير من فعاليات المسرح المحلي؛ النظام البطركي في المجتمع العربي وتبعية المرأة للرجل؛ غياب النظرة النقدية لواقع المرأة.

تطرح الكاتبة في نهاية بحثها سؤالًا مستقبليًا، يدور حول حظوظ تبدّل وضع المرأة الراهن لتتبوّأ مكانًا مؤثّرًا، وترى في المونودراما ”جميلة“ من إنتاج ”مسرح الجوّال“ السخنيني وإخراج المسرحي عادل أبو ريّا، التي عرضت في خريف ٢٠٠٣ بداية خير، امرأة غير نمطية، غير تابعة للرجل، مطالبة بالحرية.

في ما يلي بعض الملاحظات والتساؤلات التي تجمّعت لديّ عند قراءتي لهذا البحث، والحقّ يقال، إنّني لم أشعر بجاذبية شديدة  في القراءة.

أ) كيف تمّ تقييم هذا البحث المكتوب بالعربية من قبل المشرفين اليهوديين، أيجيدانها، أم كانت أمامهما ترجمة ما؟

ب) اختراق التأثير العبري للوعي العربي لغويًا: بعد حرب الأيّام الستّة عام 1967 (ص. ٧، ٢٠،  ٤٢،  ٤٨،  ٦١)، ”اللقب“ كذا وكذا بدلا من ”شهادة“ كذا وكذا فاللفظة الأولى بهذا المدلول غير مفهومة للعرب في الدول العربية ، ص. ٥١، ٦٦، ٨٠)  .

ت) كان من الطبيعي أن تستهل الكاتبة مقدّمتها بما جاء في آخرها، أي أنّ هذا البحث قد أعدّ في إطار إعداد شهادة الدكتوراة.

ث) تجدُر الإشارة إلى أنّ اللغة سليمة وهذا ظاهرة يفتخر بها حقًا (هفوات طفيفة في ص. ١٣، ٢٦، ٢٨، ٣٤،  ص. ٤٠ أوّل سطرين، ٤٢، ٥٠، ٥١؛ ٥٤؛ ٥٧؛ ١٨٤) لندرتها في الكتابات الراهنة ومن أسبابها عدم توفّر المدقّق اللغوي الحقيقي.

جـ) لا بدّ من الإحالة لرقم الصفحة أو الصفحات وعدم الاكتفاء باسم المؤلف وتاريخ صدور الكتاب، وهذه وللأسف ظاهرة متفشية في الأبحاث الحديثة وينبغي تفاديها (موريه ٢٠١٤، ص. ١٤؛ تشير أبو ربيعة ووينر، ٢٠١٠، ص. ٥٠؛ ٥١؛ ص. ١٤٨ الصحيح عام ١٩٩٧ وليس ١٩٩٦).

حـ) غياب الإحالة لمصدر أو مصادر  (مثلا، ص. ١٩، نهاية ص. ٣٣،  ١٨٥).

خـ) ضرورة ترجمة النصّ الأجنبي إلى اللغة العربية (ص. ٣٥، ٣٨، ٤٤، ٥٦؛ ٥٨؛ ٧٨،  ١٦٦، ١٧١، ١٧٤، ١٩٦، ٢٤٣، ٢٤٤).

 

عرض حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

علي جابر الفتلاويأيدلوجيا والجمع أيديولوجيات مجموعة الآراء والأفكار والعقائد التي يؤمن بها شعب أو أمة أو حزب أو جماعة.(1) وقيل: هي ناتج عملية تكوين نسق فكري عام يفسر الطبيعة والمجتمع والفرد، ويحدد موقف فكري معين يربط الأفكار في مختلف الميادين الفكرية والسياسية والأخلاقية والفلسفية.(2) ويقول المفكر عبد الله العروي: أيديولوجيا كلمة دخيلة على جميع اللغات الحيّة. تعني لغويا في أصلها الفرنسي، علم الأفكار، لكنّها لم تحتفظ بالمعنى اللغوي. وأضاف: نقول أن الحزب الفلاني يحمل أدلوجة ونعني بها مجموعة القيم والأخلاق والأهداف التي ينوي تحقيقها على المدى القريب والبعيد. وأن الحزب الذي لا يملك أدلوجة هو في نظرنا حزب انتهازي ظرفي لا يهمه سوى استغلال النفوذ والسلطة.(3)

كتاب (الدين والظمأ الانطولوجي) ومؤلفه الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وهو يتكلم عن الايديولوجيا، لا يتوافق مع كل تعريف يخرج عن تعريف واضع الاصطلاح  (انطوان دستيت دو تراسي)(4) والذي يعني:

 (علم الأفكار)، (أي دراسة الأفكار دراسة علمية).(5)

ينتقد الاتجاهات الفكرية التي توظف الايدلوجيا خارج المفهوم الذي وضعت له  يرى: أنّ  الأيديولوجيا هي علم دراسة الأفكار، وليست علم لانتاج المعنى، فعندما يتطرق إليها ناقدا في كتابه إنما يعني الأيديولوجيا الموظفة لانتاج المعنى، يقول (ص13): أعني بالايديولوجيا نظاما لانتاج المعنى، الذي يصنع نسيج مكر وسلطة متشعبة لانتاج حقيقة متخيلة، تبعا لأحلام تخيلية مسكونة في عالم طوباوي موهوم. يرى أن توظيف الايديولوجيا بهذا الاتجاه ضرب من التزييف للحقيقة، وطمس لمعناها عبر حجب الواقع، هذا الاتجاه هو من يسلط عليه الضوء في كتابه، ينتقد هذه الايديولوجيا، يبين مساوئها ونتائجها غير الإيجابية.

وفق هذه الرؤية أنتقد نابليون عندما وظّفها بالمعنى السياسي، وعدّ هذا التوجّه ازدراء لمفاهيم التنوير، وانتقد ماركس وانجلز عندما أدلجا الايديولوجيا في كتاب (الايديولوجية الألمانية)، يقول عنهما (ص13) من مقدمة كتابه: استعملاها عام (1845م) بمفهوم الادراك المقلوب والزائف للواقع؛ وفق هذه الرؤية انتقد أيضا المفكر الاسلامي الدكتور علي شريعتي، وعدّه من الذين وظفوا الايديولوجيا لأدلجة الدين، رؤيته عن فكر الدكتورعلي شريعتي، ولّد امتعاضا عند بعض القراء حسب قوله في مقدمة كتابه (ص13).

اتفق مع الدكتور عبد الجبار الرفاعي في قوله (ص37): الحق في الاختلاف ضرورة تفرضها طبيعة الكائن البشري، وحاجته العميقة للانجاز والفرادة والتميّز. ولا اتفق معه في قوله: منطق الفكر الوثوقي على الضّد من حقّ الاختلاف.

 أرى من حقّ أي فرد أن يثق بما يؤمن به من دين أو فكر، لكن ليس من حقه أن يصادر إيمان الأخر المختلف وثقته أيضا في دينه أو فكره، يجب أن يسود الاحترام المتبادل. ولكل حريته فيما يحمل من فكر أو دين، وممارسة الطقوس وفق ما يرى صاحب الدين أو الفكر أنه هو الصحيح؛ الانسان بمختلف انتمائاته من حقه أن يثق بما يؤمن، ولكن ليس من حقه: (التوحيد القسري لأنماط التفكير والتعبير كافة ومناهضة التعدّدية بمختلف تجلّياتها وتعبيراتها).(6)

 أتوافق معه عندما يعلل (ص37) منشأ الفكر الوثوقي من شعور الفرد بوجود وجه واحد للحقيقة، مما يدفع الفرد للاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة واستباحة كلّ فعل عدواني ينتهك الإيمان والقيم والأخلاق.

رؤيتي أن الحقيقة واحدة، لكن لها عدة وجوه، أو عدة سبل للوصول،  من يمتلك أحد الوجوه أو السبل، لا يعني امتلاكه الحقيقة كاملة، من يؤمن أنه يمتلك الحقيقة كاملة  هو الانغلاق بعينه، هذا الشعور يدفع إلى التطرف والعدوانية والقتل العشوائي، لقد استغلّ واحتضن أعداء الشعوب من يدّعي امتلاك الحقيقة كاملة، فانتجوا وفق هذه الرؤية المنغلقة منظمات الارهاب والتطرف بكل الولاءات والمسميات، إذ نرى اليوم المجازر والتخريب باسم الدين. إنها الايديولوجية المتطرفة التي تصادر رأي الآخر ولا تعترف به، هذا الاتجاه الايديولوجي تحوّل إلى سلاح مدمر بيد أعداء الاسلام والمسلمين، وأعداء الشعوب كافة من مختلف الديانات والقوميات، وقد شاهدت أحد قادة الصهاينة (يوتيوب)، وهو يمدح ويمجّد هذا الاتجاه، وعدّ إسلامهم هو الصحيح والمطلوب، وذكر مثالا ابن تيمية ومحمد عبد الوهاب، وأعطى الشرعية والدعم لأتباع الاسلام الوهابي.

 من خلال الاطلاع على رؤية الدكتور الرفاعي عن الايديولوجية، نراه لا يميّز بين أيديولوجيه وأخرى، إذ يعمم الصفات السلبية للايديولوجيات المنغلقة إلى الايديولوجيات المنفتحة، التي تحترم الآخر رغم إيمانها بأيديولوجيتها أنها هي الصحيحة، الحالة تشبه الاختلاف في الدين، فالمسلم يرى أن دينه هو الصحيح، هذه الثقة لا تسمح للمسلم بتسقيط أو محاربة الاديان الاخرى.

 الأدلجة عند الدكتور الرفاعي حالة سلبية إن خرجت عن معناها الاصطلاحي الموضوع من قبل واضع الاصطلاح، بغض النظر عن الهوية أو الانتماء، ومن دون النظر الى الايجابيات التي قد تحققها بعض الايديولجيات، عنده كل أنواع الايدلوجيات غير صحيحة ولا تحقق شيئا من الايجابية، يرى أن جميع الايديولوجيات بمختلف انتماءاتها الفكرية هي بمنظور واحد.

 في تقديري هذه مبالغة في التقييم، فلكل ايديولوجية سلبيات وايجابيات وقد تكون أحيانا الايجابيات أكثر من السلبيات في ظروف خاصة زمانية أو مكانية، لا أدعو إلى أدلجة الدين لكن نحتاج أحيانا إلى أيديولوجية مثل ايديولوجية علي شريعتي مثلا؛ على الأقل في ظرف خاص، إذ لا يمكن انكار دور شريعتي في تثوير الشباب ضد حكومة شاه ايران، لقد كانت ايديولوجية شريعتي عاملا مهما من عوامل الثورة، وقد أشار إلى ذلك الدكتور الرفاعي نفسه في كتابه (ص97) يقول:

علي شريعتي المثقف الرسولي الذي اشتهر بخطاباته التعبوية، شديدة التأثير في الشباب قبيل الثورة الاسلامية وتحريضه المجتمع للانخراط في مناهضة حكومة الشاه. وهذا حسب رأيي من الايجابيات.

ثبّت الدكتور عبد الجبار الرفاعي جملة من السلبيات على الايديولجيات عموما نذكرها باختصار (ص109 – 110):

1 – شيوع الايديولوجيات اليسارية والقومية والسلفية، أنتج عقلا ديماغوجيا (7) مغلقا متحجرا، يبثّ وعودا منقطعة الصلة بالواقع.

 أرى شيوع هذه الايديولوجيات المشوّهة لا يعني أن نستغني أو نلغي الايديولوجية التي تعطي نتائج ايجابية حتى ولو لفترة زمنية محددة ومساحة معينة. 

2 – الأيديولوجيا نسق مغلق، يغذّي الرأس بمصفوفة معتقدات ومفاهيم ومقولات نهائية، تعلن الحرب على أية فكرة لا تشبهها، حتّى تفضي إلى إنتاج نسخ متشابهة من البشر، وتجييش الجمهور على رأي واحد.

لا اتوافق مع الرؤية، إذ ليس بالضرورة أن تكون كل ايديولوجية منغلقة على ذاتها. 

3ا- الأيديولوجي عبد لأيدولجيته، حتى أنّه يرى سعادته في عبوديته هذه.

 قد تكون هذه العبارة صحيحة وتنطبق على بعض الايديولوجيين، لكن ليس بالضرورة أن تنطبق على الكل، هذه العبارة تؤول إلى نتيجة أن كل ايديولوجي مسلم حتى لو كان معتدلا، فإنه يكون قد تخلّى عن أبواب الدين الأخرى، وحصر اتجاهات الدين جميعها في اتجاه واحد، لكنّي أرى أن الواقع يقول غير ذلك، أرى أن رؤية الدكتور عبد الجبار الرفاعي هذه هي رؤية ايديولوجية، تتصف بالانغلاق.  

4 – الأيديولوجيا تعطّل التفكير التساؤلي الحرّ المغامر، الذي يتخطى حدودها.

في تقديري ليس من الضروري أن تنطبق هذه النتيجة على جميع الايديولوجيات.

5 – الأيديولوجيا جزمية، همّها تنميط وتدجين ونمذجة الشخص البشري.

 هذا التوصيف ينطبق على بعض الايدلوجيات وليس جميعها.

6- الأيدولوجيا تغلق طريق العدالة التي ينشدها الدين، لأن الأدلجة تفسد الدين.

 نعم من الايديولوجيات من تفسد الدين، لكن ليس الجميع.

هذه مؤشرات نستنتج منها أن الدكتور عبد الجبار الرفاعي يحمل مفهوما عن الايديولوجية غير المفهوم الذي ينادي به بعض المفكرين الاسلاميين، فهو يرى أن توظيف الايديولوجية خارج مفهومها الاصطلاحي الموضوع من قبل واضع المصطلح، خطأ لا يمكن أن يؤخذ به، وعدّ ذلك أدلجة للدين أو السياسة أو أي اتجاه آخر يوظف فيه المصطلح، لكن الواقع يقول غير ذلك أحيانا، لست مع أدلجة الدين ولست ضد ايديولوجية تستمد سلوكها واخلاقياتها من الدين، ولا تكون بديلا عنه بل أحد وسائل الدين في الهداية أو التثوير ضد الظلم، واسترجاع الحقوق المسلوبة. نحتاج أحيانا الى الايديولوجية كسلاح مقاوم ضد الايديولوجيات المنغلقة والشمولية نحتاجها كسلاح بوجه المهاجم الايديولوجي المنغلق، لا نتعامل معها بمعنى الادلجة بل أنها من توابع الدين ووسائله في الهداية والمقاومة والدفاع.

 

علي جابر الفتلاوي

....................

(1): almaany.com dictionary

(2): موقع قناة RT Arabic   في (8/10/2017م).

(3): حنان الهاشمي، نقاش حول الأيديولوجيا، موقع الحكمة (hekmah.org) في (15/10/2015م)مصدر الكاتبة:عبد الله العروي، مفهوم الايديولوجيا، ص9، بيروت، 1993م.

(4): فيلسوف فرنسي ارستقراطي تنويري صاغ مصطلح (ايديولوجيا) ولد (20/يوليو/1745م) وتوفي (9/مارس/1836م) انظر: ar.wikipedia.org

(5): د. عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الانطولوجي،ص12، ط4، بيروت – 2019.

(6): المصدر نفسه، ص37.

(7): الديماغوجيا: كلمة أصلها يوناني وتتكون من مقطعين (ديموس) وتعني الشعب، و (غوجيه) وتعني العمل، ومعناها: كلام فضفاض لا منطق له، يحاول صاحبه أن يستميل الجمهور بالإغراء يتّبعه السياسيون ظاهريا للوصول إلى السلطة وخدمة مصالحهم. (Rep.eye. com) 23/2/2015.

 

 

نايف عبوشصدر للكاتب عباس حمدان خلف، كتابه الموسوم (حب وحنين -1949- شقاء وأنين)، عن دار نون للطباعة والنشر، في المجموعة الثقافية، نينوى . ويقع الكتاب في (٢٢٠) صفحة من الحجم المتوسط، حيث الغلاف من تصميم محمد العمري، ومسجل في دار الكتب والوثائق في بغداد، برقم إيداع (٨٦) لسنة ٢٠١٩ .

ويأتي الكتاب، في مجموعة كشكولات، تتضمن خواطر، وسرديات حكائية،هي أقرب ما تكون إلى القصة القصيرة، لتشكل بإجمالها، مجموعة قصص قصيرة رائعة، في أدب التراجيديا، جادت بها قريحته المرهفة.

ويلاحظ أن تجلياته السردية، تجسد منهج الواقعية الصرفة في القص، بتسجيلها واقع الحال الذي عاشه، منذ طفولته مروراً، بكل مراحل دراسته، وخدمته العسكرية، وحياته الوظيفية، وما تلاها من أحداث مأساوية مر بها، ضمن الحال العام الذي مر به البلد، مستخدما في سرده، ما يمكن وصفه بتقنية العودة بالذاكرة إلى الوراء، بما يملكه من مخيلة متوقدة، وحس شفاف، وقدرة سرد وصفية متمكنة، وهو يتسكع في دهاليز الذاكرة بحسه الوجداني المرهف، ليعكس تجليات ذلك الحال المأساوي، بأعلى درجات التوجع في حكائياته، والتي يتلمسها القارئ في كل حرف سطره الكاتب التراجيدي عباس حمدان خلف في كشكولات مجموعته القصصية، التي حواها كتابه المذكور .

وكما يشير الكاتب في مقدمة الكتاب عن كشكولاته، فهي تجليات من واقع الأحداث المأساوية التي عاشها عمليا في حياته . ولذلك جاءت المجموعة بهيئة سرديات قص مباشر، لسيرة حياة عملية صرفة، يخلو من التجريد، حيث جاء سرد الكاتب لأحداث ووقائع القصة، وليد معاناة شخصية، وبأسلوب سلس، يشد القارئ بشغف إلى إحداث القصة، بسبب طبيعة السرد الفني المشوق للحدث، وهو ما يعكس قدرة الكاتب على تحويل الوقائع العملية التي عاشها، إلى صورة قصصية واقعية مشوقة، بعيدة عن رمزية التجريد، والغموض، التي ربما تكون معهودة في مثل هكذا كتابات .

ولاشك أن متعة قراءة هذا الكتاب، وتصفح تفاصيل كشكولاته، والتفاعل مع تجلباتها، بالقراءة المباشرة لنصوصها، ستكون أروع وأكثر نكهة، من مجرد تلقيها عن طريق العرض مهما كان جذابا .

 

نايف عبوش

 

917 مضراشتهر العرب قديماً بالشعر والخطابة معتمدين بذلك على فصاحتهم وقدرتهم على ترتيب الكلام وتنميقه وتطويعه ليصيغوا أبياتاً وخطباً ساهمت في كثير من الأحيان في احداث تاريخية مهمة.

و في عصرنا الراهن تعتبر الخطابة من أهم وسائل الإعلام المؤثرة في الرأي العام خاصة إذا اعتمدت على الدين في توجيه رسائل وإعطاء توجيهات معينة. وقد استخدم رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كثير من الأحيان منبره الشريف لإيصال ما يريد من أمور تهم المسلمين وتوجههم وترشدهم إلى دينهم وشريعتهم.

و كذلك فعل أهل البيت عليهم السلام في الاهتمام بالمنبر وبخاصة المنبر الحسيني كأحد أهم الأدوات المؤثرة في المجتمع. فالخطابة الحسينية القادرة على التوجيه والتثقيف وتسليط الضوء على القضايا المعاشية الملحة يمكن أن تتحول بفعل خطيب ما إلى أداة فيها خلل كبير في التطبيق.

يرجع هذا الأمر لأسباب عدة يتطرق لها كتاب "الخطابة الحسينية- تداعيات وآفاق- لسماحة السيد مضر الحلو". فالكتاب الذي يشد القارىء إليه منذ الأسطر الأولى يناقش أسباب تراجع الخطاب الديني بشكل عام ثم يعرج على المنبر الحسيني فيتطرق إلى أسباب إحفاقه.  ويقدم الكتاب نقداً بناءً للأخطاء التي قد تعتري المنبر لكنه لا يكتفي بذلك وحسب وإنما يحدد سبل الإرتقاء به لتمكينه من أداء دوره الريادي في الهداية والتثقيف.

اللافت في كتاب "الخطابة الحسينية" أنه يتناول هذه القضية كعملية متكاملة العناصر. فهو يأخذنا في رحلة تبدأ من الخطيب مروراً  بالرسالة والمضمون إلى أن يصل إلى المتلقي والممول المسؤول عن المجلس. كل له دور أساسي في إيصال الفكرة وتوضيحها.

و لم يغفل السيد مضر الحلو عن الإشارة إلى الدور المهم الذي تلعبه المرجعية الرشيدة  في رعاية وتوجيه الخطباء والحرص على المنبر الحسيني خاصة وأنه "وليد حوزتها الشرعي وملتصق بها التصاقاً مشيمياً" كما يصفه الكاتب.

كما أن الكتاب لم ينس التطرق لموضوع الشباب مشدداً على أهمية أن يكون لهم مساحة واضحة للنقاش والحوار وإبداء الرأي. ويشير إلى أن المجالس الحسينية ليست بالضرورة أن تكون بديلاً عن التربية والاخلاق التي تزرعها العوائل في أبنائها وإنما هي تذكرة وموعظة يستفيد منها من يوليها الاهتمام الكافي.  

و لا يكتفي السيد مضر الحلو في رحلته عبر الخطابة الحسينية بالتشخيص النظري بل يتطرق إلى قصص واقعية بعضها ظريف لا يخلو من الطرافة والآخر موجع للقلب لما يحمله من نهج خاطىء يسيء  للمنبر الحسيني ويستوجب إصلاحه.

و يبحر القارىء في  صفحات الكتاب إلى عالم الخطباء فيجد نفسه أمام قامات من أشهر الخطباء متعرفاً على سيرة حياتهم ودورهم الريادي في ترسيخ المنبر وإرساء دعائم الخطابة الحسينية.

بعد ذلك ينقلنا الكتاب إلى نموذج متقدم لعمل تنظيمي رائع يقوم به أصحاب المآتم في مملكة البحرين يصلح أن يكون قدوة ومصدراً لأفكار بناءة ترتقي بالمنبر وتصون الخطابة الحسينية وتحميها.

وبذلك يكون السيد مضر الحلو قد تمكن من خلال صفحات كتابه التي تتجاوز الـ 140 من تقديم صورة موجزة وشاملة عن الخطابة الحسينية وآفاق تطورها في نهج تصحيحي مبني على تجربة شخصية عملية ومخلصة في أداء الرسالة.

الكتاب برأيي يصلح أن يكون خارطة طريق لإصلاح المنبر الحسيني وأتمنى أن يجد طريقه لطلاب الخطابة الحسينية تحت إشراف المرجعية ليساهم في تخريج طليعة متعلمة وواعية من خطباء المنبر. إنه عصارة سنوات من الجهد والعمل والتشخيص وهو أكبر خدمة يمكن أن تقدم لسيد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

نضير الخزرجيمن عادتي عند السفر والترحال على قلّته وتنقلي في المطارات وعموم المنافذ الحدودية أن أتجول في الأروقة وألقي النظرات هنا وهناك، وأتطلع في جمالية المنفذ الحدودي وكيفية تعاطي الموظفين والعاملين مع المسافرين ونوعية الخدمات المتوفرة وبخاصة ما يتعلق بالنظافة، لاعتقادي أن نظافة المنافذ الحدودية هي مرآة للبلد وسلامة شوارعه وأزقته ورقي شعبه ومجتمعه، لأن النظيف في المرافق الحكومية ذات الإتصال بالناس هو نظيف في مسكنه ومحل عمله وفي الشارع والزقاق، باعتبار أن النظافة طبيعة وسلوك وليست تطبّعا وتصنّعا.

والحكومات الصالحة تحرص كل الحرص على نظافة البلد وتشجيع المجتمع بطرق مختلفة للحفاظ على نظافة المرافق العامة والخاصة وتخليصها من النفايات المختلفة الخارجة من المنازل والمستشفيات والمصانع والمعامل والمفاعل، وبعضها تفرض الضرائب للحد من التلوث المناخي وبعضها تحظر أنواعا من السيارات من الدخول الى مركز المدن المكتظة في ساعات معينة لحماية البيئة مما تنفثه عوادم السيارات، أو تفرض عليها ضريبة لدفعها إلى تفادي المرور من المناطق السكانية والمزدحمة.

وكما أنَّ المنافذ الحدودية علامة مميزة على نوعية السلطة الحاكمة واهتمامها بالمرافق العامة، فإن شوارع البلد وأزقته علامة مميزة على طبيعة المجتمع وتعامله مع مرافق البلد الخاصة والعامة، باعتبار النظافة ثقافة، ولهذا فإن المسافر الذي يتنقل في البلدان له أن يحكم على ثقافة هذا الشعب أو ذاك من خلال ما يراه وما يلمسه في الشوارع والأرصفة.

كما أن النظافة لوحدها لا تكفي، حيث يصاحبها فن طريقة التخلص من النفايات أو إعادة تدويرها وتكريرها والإستفادة منها، فالحكومة التي هي نتاج المجتمع والمولودة من رحمه تقع عليها عبء التخلص من النفايات بطريقة ذكية للتقليل من الخسائر في الإنسان والحيوان والنبات والبيئة والتربة والمياه، والعملية تشاركية تضامنية بين الحكومة كشخصية اعتبارية والمجتمع كشخصية حقيقية، لأن الأولى عبارة عن دوائر ومؤسسات يديرها أبناء المجتمع نفسه، ولهذا إذا أحسن المجتمع التعامل مع نفايات المنزل أو المصنع او المعمل وما شابه ذلك، أمكن نفسه والحكومة من تحصين البيئة من الغازات السامة التي تفرزها النفايات وما ينشأ عنها من أوبئة، من هنا فإن بعض الحكومات تساهم مع المجتمع في حماية البيئة عبر تخصيص مجموعة من الحاويات في المنزل الواحد، فعلى سبيل المثال فإن المنطقة التي أقطنها في شمال غرب لندن وفّرت لكل منزل أربع حاويات ثلاث أمام الباب ورابعة خلفه، فواحدة لمخلفات الحدائق وثانية لمخلفات المنزل، وثالثة لمخلفات الورق والزجاج والبلاستيك، ورابعة لمخلفات المطبخ من زوائد النباتات والثمار واللحوم والأسماك، وكل هذه الحاويات تعمل الجهات المعينة على تدويرها وصناعة السماد وطعام الحيوانات وإعادة إنتاج الورق والبلاستك والزجاج، وفي بعض الدول يتم بيع النفايات إلى بلدان أخرى، كما وضعت الحكومة في كل بلدة مجموعة مكبات عامة للنفايات تستقبل مخلفات البناء والأجهزة الكهربائية وأثاث المنازل والحدائق، أي أن المواطن لا يجد صعوبة في التخلص من النفايات الخفيفة والثقيلة، وبالطبع ليست النظافة في مثل هذه  البلدان مجانا وإنما كل منزل يدفع ضريبة شهرية على النظافة والتخلص من النفايات، وبهذا فإن المشاركة بين المواطن والبلدية ساهمت بشكل كبير وتساهم في تنقية البيئة من مخلفات النفايات.

وحيث تصطف في واجهة كل بيت ثلاث حاوية ورابعة داخل المطبخ، لا يتورع البعض من ضعاف النفوس في بعض البلدان من الإستيلاء على الحاويات الموضوعة في الأزقة والشوارع العامة واستعمالها لأغراض خاصة، وقد رأيت بالقرب من أحد المراقد المقدسة حاويات الزبالة وقد أقفل عليها بسلسة حديدية خشية السرقة، ومن المؤسف أن تجد في بلد يدعو دينه القويم إلى النظافة ويجعلها علامة وماركة الإيمان، أن يرمي بعض أهلها النفايات في الشارع أو في البالوعات أو في الأنهر، أو أن يقدم الرعاة الباحثون عن طعام مجاني لأغنامهم، أو الباحثون عن قطع البلاستيك وقناني المشروعات الغازية الفلزية إلى تفريغ الحاويات ورميها في الشارع وهي تنشر سمومها فتكون مذودًا للحيوانات السائبة وبيئة خصبة للأمراض المعدية.

صورتان متقابلتان تعكسان ثقافة المجتمع وتعاطيه مع النفايات .. يتابع مسائلها الشرعية الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في كتيب "شريعة النفايات" الصادر حديثا (2019م) في بيروت عن بيت العلم للنابهين في 40 صفحة استوعبت (75) مسألة بضميمة (20) تعليقة لآية الله الشيخ حسن رضا الغديري، مع مقدمة للناشر وأخرى للمعلق إلى جانب ما مهّد له الفقيه الكرباسي من رؤية حول النفايات والتخلص منها بطريقة سليمة ومفيدة.

الصحة والسلامة أولا

النفايات كما نقرأ ما كتبه الفقيه الكرباسي في التمهيد هي: (جمع النفاية، وهي الأمور التي يبعدها الإنسان عن حياته لضررها، يقال نفاءُ الشي ونفايته هو ما نفيتَ منه لرداءته .. والنفاية في المصطلح الخاص هو كل شيء لا قيمة له ولا يصلح بقاؤه بقرب الإنسان حيث فقد أهليته للإستخدام والتداول بل وحتى اقتناؤه)، فخلاصة الأمر أن بقاء النفايات في الدار أو في الشارع أو في العراء مهلكة للبيئة والجماد والنبات والحيوان فضلا عن الإنسان الذي هو الفاعل الرئيسي لحصول النفاية وتراكمها وهو صاحب العقل الذي استفاد من البيئة في صناعة ما ينفعه في حياته، ومن الطبيعي أن تترك الصناعات نفايات ومخلفات غير ذات قيمة أو مضرة، وكما استعمل عقله في الصنع والخلق عليه أن يستعمل عقله في التخلص من المخلفات أو تدويرها لحماية البيئة وتلافي أضرار الإسراف والتبذير

وليس الحفاظ على البيئة أمر سلطوي أو حكومي، إنما هو أمر مولوي كينوني تدركه الفطرة الإنسانية السليمة، بل إن الإبقاء على النفايات دون التخلص منها وتعريض النفس والمجتمع للخطر إنما في اعتقادي يدخل في مصاديق قوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) سورة البقرة: 195، وليس من العقل أن يلقي المرء بنفسه إلى جحيم التلوث والأمراض المعدية والسارية، من هنا كما يفيدنا الفقيه الكرباسي: (الحفاظ على البيئة واجب شرعي على كل مَن يعيش أو يمر ببلد، ولا اختصاص له بالمواطن بل وبالمقيمين والمسافرين في أي بقعة كانت)، وإذا كان الوجوب متحققا في كل ذي نفس عاقلة مدركة لأهمية صيانة النفس والمجتمع والبيئة من النفايات فإنه: (لا يجوز وضع النفايات في موضع يوجب الضرر للمارة أو في أماكن عامة بحيث يتضرر منها الناس، كما لا يجوز رميها في ملك الآخرين).

وحيث يشمل الوجوب الراشدين فإن من الوجوب: (المحافظة على الأطفال والقاصرين والجهلاء عبر منعهم من مباشرة النفايات المنزلية الضارة وكذلك النفايات المشعة والضارة)، ولا يقتصر الوجوب على أولياء الأمور، صحيح: (إن أولياء الأطفال والقصَّر هم المكلفون بالدرجة الأولى ولكن لا يسقط التكليف عن الآخرين إذا علموا بذلك، فالواجب على الجميع منعهم من مباشرة هذه النفايات وجوبا كفائيًا)، وهنا تقع مسؤولية كبرى على السلطة الإدارية في إنجاز مثل هذا الأمر بالتخلص من النفايات وإبعادها عن متناول الأطفال الذين لا يدركون مخاطرها، وبتعبير الفقيه الغديري وهو يعلق على المسألة: "وبالتالي تتوجه المسؤولية إلى الهيئة الحاكمة في ضمان الحفاظ على الأطفال والقصَّر".

وإذا كان الإسلام يوجه المجتمع عبر خطاباته التعليمية والتربوية للحفاظ على البيئة بالتخلص من النفايات بصورة سليمة من داخل المنزل وخارجه، فإن بعض الحكومات لجأت إلى فرض الغرامة المالية الشديدة على الراشد إذا رمى الزبالة في الطرقات حتى ولو كانت الزبالة عبارة عن كيس فارغ لبطاطة مقلية (جيبس) أو عقب سيجارة أو بقايا ورق صحي، وتقع الغرامة على القاصر والطفل عبر ولي أمره إذا تساهل في أمر النظافة ولم يردع من يتولى أمره، لأن المواطن في مثل هذا البلد الذي يدفع الضريبة على النظافة وشم الهواء النقي من حقه أن يرى البيئة نظيفة ومن واجب الجهات المسؤولة التي تنتفع من هذه الضرائب حماية البيئة وخدمة المواطن، ومن لا يعتبر نفسه جزءًا من عملية النظافة التضامنية والتشاركية يسيء الأدب إلى أبعد الحدود ويرمي الكرة في مرمى البلدية فحسب ضاربا بقوانين البلدية عرض الحائط فضلا عن التعاليم الدينية والأخلاقية!، وهنا يضيف الفقيه الكرباسي قائلا: (رمي النفايات في الطرق والشوارع والأزقة بشكل عشوائي لا يجوز وتدنيس الأماكن العامة بذلك مخالف للشرع الذي يأمر بالنظافة)، بل يكون الإنسان ضامنا إذا وقع الضرر على الآخر، حيث إنَّ: (الأشياء الجارحة كالزجاج وما إلى ذلك لا يجوز وضعها بشكل يوجب الإضرار بالناس، وإذا تعمد أحد وتضرر الناس منها كانت عليه الضمانة)، وكذلك: (إذا وضع صاحب المنزل في  النفايات ما يوجب الإنفجار أو  التسمم وأصيب الزبّال أو عمال الشركة الناقلة للنفايات فإنه ضامن لحياته وإعاقته وجرح).

ماركة حضارية

ومن العلامات الفارقة على احترام المواطن للبلد وبيئته واحترامه لنفسه وللقانون هو اتباع تعاليم السلطات المحلية التي تنظر إلى المصلحة العامة وسلامة البيئة، ولهذا: (إذا وضعت السلطات الصحية بعض القوانين للمحافظة على سلامة الناس من النفايات فلابد من الإلتزام بها)، فالمواطنة الصالحة تبدأ من الذات وتتمظهر في الخارج عبر اتباع النظم والتعاليم والوصايا الموضوعة التي تصالح عليها المجتمع عبر مؤسساته المختلفة ذات الشأن، ولهذا إذا وضعت السلطة المحلية على سبيل المثال مجموعة حاويات وعلّمتها بعلامات تشير إلى نوع النفاية المطلوب وضعها فيه أو عبر حاويات ملونة يشير كل لون إلى نوع النفاية والزبالة، يفترض حينئذ إتباع التعاليم وحط الزبالة في موضعها، من هنا يضيف الفقيه الكرباسي: (إذا فرضت الدولة فصل النفايات وتعريبها لأجل المحافظة على البيئة وإعادة تأهيلها، وجب على المواطن العمل حسب تلك القوانين، ولا يجوز تجاوزها عمدًا) وعليه: (إذا حددت البلدية بعض الحاويات لنفايات خاصة وأخرى لغيرها، لابد من الإلتزام بها)، وفي حال لم تقرر البلدية ذلك فإن: (فرز النفايات واجب كفائي فيما يوجب الضرر، فإذا لم تقم البلدية بذلك فلا يسقط الوجوب عن الآخرين)، ويعلق الفقيه الغديري قائلا: "وفي صورة وقوع الضرر على البيئة أو الأشخاص فالبلدية هي المسؤولة بالأصالة وإن كان الإثم يتوجه إلى الجميع".

وحيث تفرض بلديات غرامات مالية على من لا يتقيد بالتعاليم، فإن بعضها الآخر تمتنع عن تفريغ حمولة النفايات مما يضطر المواطن إلى تولي أمر التخلص منها شخصيا بنقلها إلى مكبات خاصة، وفي مثل هذه الحالة حيث لا يتقيد المواطن بالتعاليم يضيف الفقيه الكرباسي: (يحق للبلدية أن لا تستلم النفايات التي لم يلتزم أصحاب المنازل بالقوانين التي وضعتها البلدية)، ولأهمية الحفاظ على البيئة يعلق الفقيه الغديري: "لا يجوز للبلدية رفض استلام النفايات لأنها قد توجب الإضرار على الآخرين صحيًّا، فلها وضع الغرامات المالية لمن يخالف القوانين الموضوعة للنفايات ومعاقبته قانونيا وقضائيا، وذلك لأجل الحفاظ على البيئة، والبلدية مسؤولة عنها، والمخالف هو المعاقب للتخلف عن القانون"، وقد يتحقق الإثنان معها كما في بعض البلديات حيث تفرض الغرامة إلى جانب الإمتناع عن نقل الحمولة زيادة في إرغام المواطن على التقيد بالتعاليم واحترام القوانين، ولهذا يعود الفقيه الكرباسي مضيفا: (يجوز لحاكم الشرع وضع غرامة لمن يخالف قانون النفايات وعدم فرزها).

ومن التعاليم التربوية كما جاء في الاثر عن الإمام علي(ع): (ترك القمامة في البيت يورث الفقر)، والعمل بهذا النص علامة فارقة على طبيعة التعامل مع المخلفات المنزلية الموجبة للأمراض، والمرض مدعاة لفقد الصحة والإقعاد عن الحركة وبذل المال للإستشفاء وهو استنزاف للمال ومآل إلى الفقر بخاصة أصحاب الدخل المتوسط والمحدود، ولما كان شعار "الوقاية خير من العلاج" قاعدة ذهبية، فإن النظافة المنزلية دلالة على حسن الدار وأهلها، فيما تمثل النظافة الخارجية واقع المجتمع ورقيه.

ويواصل الفقيه الكرباسي في "شريعة النفايات" تناول مسائل متعددة على علاقة بالبيئة وطهارتها ونظافتها، من قبيل الحديث عن احترام الميت بدفنه سريعا وموارته التراب وهو المكان الطبيعي له: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) سورة طه: 55، أو الحديث عن بيع وشراء النفايات وبخاصة القاذورات البشرية والحيوانية أو الحيوانات الميتة فهي: (قابلة للإستفادة منها في هذه الأيام فإن بيعها أو العمل في الاستفادة منها جائز غير محرم، وما قيل سابقا من حرمة بيعها أو التعامل بها لأنهم لم يكونوا قادرين على الاستفادة منها)، والحديث عن الأشياء المشعة والمضرة ونفايات المستشفيات والمستوصفات التي: (لا يجوز رميها كسائر النفايات بل لابد من التخلص منها بالطرق الفضلى)، ومثلها نفايات المفاعل الذرية والنووية التي تتطلب تقنية عالية للتخلص منها حماية للتربة والبيئة وما على وجه الأرض من دابة ونبات وجماد.

إنَّ الرؤية الفقهية الناضجة التي نلمسها في "شريعة النفايات" وفي غيرها من سلسلة الشريعة التي بلغت ألف عنوان يدبج مسائلها وأحكامها الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي تعكس واقعية الإسلام الذي وضع القواعد والأصول لكل منحى من مناحي الحياة وواقعية الفقيه العامل الذي يتابع مستجدات الحياة فيعمد إلى استنباط الأحكام الفرعية من تلك الأصول وعدم ترك الأمة هملا.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات - لندن

 

الكبير الداديسيعلى الرغم من كثرة الدواوين الشعرية الصادرة في السنوات الأخيرة، فقلة منها تحظى بمتابعة إعلامية، والأكيد عندما يسمع مثقف عربي عن ديوان شعري عنوانه "هكذا تكلم آدم" سيأخذه الفضول والفرضيات المتناسلة من هذا العنوان إلى الرغبة في معرفة عم سيتحدث آدم؟ خاصة وعنوان الكتاب يحيل على نص غائب له مكانته في الثقافة الإنسانية  يتعلق الأمر بكتاب (هكذا تكلم زرادشت) للفيلسوف والمفكر الألماني نيتشه فأية علاقة بين الكتابين؟

"هكذا تحدث آدم"   ديوان شعري للشاعر التونسي الأسعد الجميعي صدر في طبعته الأولى سنة 2019 عن دار زينب للنشر والتوزيع ... افتتح الديوان بمقدمة  تضمن حوارا  للشاعر  حول تجربته الشعرية  منشور بصحيفتين عراقيتن في صيف 2016

- يضم الديوان  10 قصائد نثر  من 15 إلى ص 52  هي  (هكذا تحدّث آدم /ليس لي سديد النّظر/ هذيان في الحب./ الام / قالها الظلام / كي لا يفرّ الحجل / يا ملاكي/.غريب الرّوح/ أوهام صحراويّة./ رسالة قديمة إلى قيس ابن الملوّح/  عزف منفرد   )

- 8 قصائد تفعيلة من ص 53 إلى ص 80    (منطق الطير. / سبع حفريّات شعريّة/ وداعا مَارْكِي../ خفّاش/ أدعية غير مستجابة في سماء الإرهاب/ زهايمر / ورة في مقهى البلبل / بكاء على الث ورة في مقهى البلبل / ضربة حب بعد الخمسين)

- و5 قصائد عمودية   من ص 81 إلى ص 103 وهي  (نور على نور على نور / أمّي / أبناء طين/ حبيبة روحي/ ثورة الحب)

كتبت هذه القصائد في حوالي ثلاثة عقود أقدمها كتبت سنة 1981 وأحدثها سنة 2018

من خلا الملاحظة الأولى يدرك القارئ أن الديوان يجمع بين التحديث والتقليد ، بين الرومانسية الكلاسيكية والواقعية ليسبح بالقارئ بين عمود الشعر حيث الأبيات المتساوية ، الأشطر المتناظرة والقافية الموحد ، وبين محاولة الالتزام بوحدة التفعيلة ونظام الأسطر والجمل الشعرية ثم إلى التحرر من كل الضوابط والانتصار لشعرية النص وما يخلق من لذة وإن كان القارئ يجد صعوبية في التمييز بين قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة ما دام الشاعر اختار نفس البناء الهندسي وذات التشكيل المعماري للنصوص في التجربتين

وبما أنه من الصعب الوقوف على 23 قصيدة كاملة في مقال صحفي قصير نكتفي بوقفة موجزة  مع  القصيدة الأولى التي اختار الشاعر  عنوانها عنوانا للأضمومة الشعرية (هكذا تحدث آدم) لما يثيره العنوان لدى القارئ  من إحالات دينية فلسفية

قصيدة (هكذا تحدث آدم) قصيدة وسمها صاحبها بقصيدة نثر وهي مكتوبة بطربقة الشعر الحر حيث نظام الأسطر الشعرية (134 سطرا) ونظام المقاطع (تسعة مقاطع) في كل مقطع تيمة خاصة وينتهي بدعاء يتكرر فيه لفظ "طوبى لـِـ" ومحتوى هذه المقاطع هو

1- موت الرغبة ورفض اللغة ، ينتهي ب "طوبى لمن لا اسم له"

2 - تشويه الشهوة ورفض الجسد ينتهي ب "طوبى لمن لا جسد له"

3 - حواء مني حضور الشك والعموض ينتهي ب  "طوبى للواضحين"

4 - سرمدية وأبدية الحب  ينتهي ب "طوبى للمجبين"

5 - الحياة بسيطة ومشرعة أسيء إليها باختراع المفاتيح ينتهي ب "طوبى لمن أضاعوا المفاتيج ووجدوا أنفسهم"

6 - التنكر وعدم الاعتراف ينتهي ب "طوبى لم أهمله التاريخ وحلق فوق النعوت"

7 - لا ربح ولا خسارة في الحياة   ينتهي  "طوبى لمن لم ينتظر لقاح الخريف كي تنفلق عنه النّواة، طوبى للعاشقن المنسيّن"

8 - تغيرت أشياء كثيرة في الأرض ينتهي ب "طوبى لمن لم تنقطع جذوره السّماوية ." ..

9 - دعوة للحب ونبذ الكراهية ينتهي ب  "طوبى لمن ظلّ حيّا بعد قاتله"

10 - الدعوة إلى الترفع عن الطين ينتهي بـ"طوبى لمن عاف عسل خطيئتي، وصعد إلى أعلى علّيين ..".

إن المتأمل لفحوى هذه المقاطع سيدرك البون الشاسع بين الطرح النتشوي الغربي الذي يعتبر القوة هي الفيصل والبقاء للأقوى وأن الرحمة رذيلة  لذا يتحتم إبادة الضعفاء، واعتبار أن الإنسان صانع قدرة ومن تم رفض الدين الذي يربي على الخنوع... وبين الطرح المشرقي القائم على العاطفة واعتبار القلب مصدر الحكمة وأن البقاء للحب والأجسام فانية

الديوان يستحق دراسة أكاديمية متأنية وهذا مجرد انطباع اولي سرقناه من وسط زحمة الحياة

 

ذ. الكبير الداديسي

 

907 انتصار الايمانيحوز الدارس الاجتماعي الأمريكي رودناي ستارك مكانة مرموقة في أوساط المهتمّين بعلم الاجتماع الديني في الحقبة المعاصرة، بموجب ما أسهمَ به في تطوير الطروحات السوسيولوجية الجديدة بشأن متابعة الظواهر الدينية، ضمن مجموعة علماء الاجتماع الذين ينادون برفع الحواجز عن كافة أشكال الإيمان، ضمن ما يُعرف بـ "تحرير السوق الدينية". فضلا عن انشغال هذا التوجه بانتقاد سائر أصناف الاستئثار، والمونوبولات (الاحتكارات)، التي تقف حائلا دون الانتشار الحر للاعتقادات الدينية في العالم.

يتلخّص كتاب ستارك "انتصار الإيمان" الصادر بالإيطالية في السعي للإجابة عن سؤال: لماذا عالم اليوم أكثر تديّنا بخلاف ما ساد سلفا؟ وهو ما يسير على نقيض ما يروج أحيانا بأن عالمنا هو عالم هجران العقائد والأديان. فمن خلال بحثه يخلص رودناي ستارك إلى أن عالم اليوم يشهد مدّاً إيمانيا ليس له نظير، بما يدحض الأطروحات التي سادت منذ ستينيات القرن الماضي عن اكتساح العلْمنة واللاّتدين وهيمنة التفسّخ الديني على المجتمعات، على اعتبار أن التملّص من الدين هو ما يطبع سير العالم.

فعلى مدى أجيال ساد الاعتقاد، وأحيانا الاحتفاء، باكتساح العلمانية العالم في أوساط المؤرخين والدارسين الغربيين، غير أن الكثير من الباحثين في الراهن تنبّهوا إلى تعذر تواصل مساندة تلك الأطروحة. والإشكال المطروح: لماذا ساد ذلك الزعم وما هي الحجج التي استند إليها؟ يشكك ستارك في المرجعية التي استندت لها العلْمنة قائلا: إن عديد الإحصائيات التي تحدّثت عن انحدار التديّن كانت خاطئة، بسبب أن مفهوم الدين كان محصورا بحدود الأديان الممأسَسَة، أي الأديان المنتظِمة وفق منظور عقدي ونظام هيكلي، وجرى التغاضي عن الزخم الروحي الطليق، ولم يُدرَج في الحسبان سوى التمظهر الشكلي المعبّر عن الدين.

يفكّك ستارك في كتابه النقدي ادعاءات اللاتدين التي وجَدت رواجا طيلة فترة الحداثة، والتي مفادها أن يكون المرء متديّنا يعني ألاّ يكون عقلانيا. وهي ادعاءات مغرضة انبنت على مقولة "موت الله"، التي تعبّر في الواقع -كما يقول المؤلف- عن خدعة أنتجتها الحداثة، نعيش تهاويها اليوم بشكل مدوٍّ. في القسم الأول من الكتاب حاول ستارك تقديم عرْضٍ لحالة الإيمان في العالم، وهو بمثابة التقرير العام، ليلي ذلك قسم تناول فيه بالوصف والتحليل والرصد الكمّي أوضاع كل من أوروبا وأمريكا اللاتينية والبلاد العربية والإسلامية، تلاها حديث عن منطقة ما وراء الصحراء في إفريقيا، ثم اليابان والصين، ثم تطرق إلى أوضاع الدين في بلدان النمور الآسيوية، مرورا بالانتعاشة الدينية في الهند، ليختم المؤلف كتابه بفصل عن أوضاع الدين في الولايات المتحدة الأمريكية.

نشير في البدء إلى أن ستارك قد اعتمد في مؤلف "انتصار الإيمان" على إحصائيات ومعلومات في دعم ما ذهب إليه، مستوحاة من استقصاء غطّى مليون شخص في 163 دولة (استطلاعات مؤسسة غالوب العالمية 2005)، التي أسفرت نتائجها عن أن أربعة من خمسة أشخاص عبّروا عن انتمائهم بشكل اعتقادي إلى أديان ممأْسَسَة، وبين الخُمس المتبقي كثير يدينون بمعتقدات غير تابعة لدين معيَّن. وهو ما يعني أن 81 بالمئة من سكان المعمورة يصرّحون بانتمائهم إلى أديان قائمة، لها أجهزة تسيير وأنظمة شعائر جلية، وأن 50 بالمئة من أتباع تلك الأديان يقرّون بمشاركتهم في أداء شعائر أديانهم بشكل جماعي مرة على الأقل خلال الأسبوع. ومما يرد في الإحصاءات، صرّح بالتردد على محل عبادة مرة خلال الأسبوع 56 بالمئة في إيرلندا، و48 بالمئة في إيطاليا والدنمارك، و46 بالمئة في الولايات المتحدة، و39 بالمئة في البرتغال و35 بالمئة في النمسا، و23 بالمئة في بلجيكا. في مقابل ذلك تأتي سيراليون في مقدمة الدول الإسلامية بنسبة 88 بالمئة، ثم جيبوتي بنسبة 84 بالمئة، تليها بنغلادش وتشاد بنسبة 82 بالمئة، ثم الكويت بـ 81 بالمئة، فأندونيسيا بـ 80 بالمئة. نلاحظ أن بعض الدول الإسلامية والعربية لم ترد في هذا الإحصاء، كما نشير إلى أن بعض النسب لا تكشف عن الواقع الحقيقي للتردد على محلات العبادة. ففي تونس بلغت نسبة التردد 36 بالمئة، غير أن الإحصاء لا يورد أن الفترة التي أجري فيها الإحصاء كانت المساجد ودور العبادة عامة خاضعة لرقابة دقيقة من قِبل السلطة (أي إبان فترة النظام السابق قبل اندلاع الثورة)، وكان جل من يرتادها يُصنَّف بأنه متديّن، ما يعني من وجهة نظر النظام حينها أنه قريب من التوجهات الإسلامية المسيَّسة، ما جعل كثير من الناس يتحاشون التردد على المساجد تجنبا للشبهات.

وفي مجمل الإحصاءات التي يوردها الكتاب نتبيّن أن 74 بالمئة من الذين شملهم البحث قد صرّحوا بأن الدين يلعب دورا هاما في حياتهم اليومية، وفي توجيه خياراتهم المعيشية، وأن 56 بالمئة يعتقدون في تدبير الله شؤون العالم. ضمن هذا الكم العددي للمؤمنين تبقى ثلاثة بلدان فقط شملها الاستقصاء، وهي الصين وفيتنام وكوريا الجنوبية، صرّح فيها المستجوَبون، بنسبة عشرين بالمئة، أنهم لا يعيرون الدين اهتماما. لكن ينبغي فهم ذلك بمعنى الانتماء الفعلي إلى دين ممأسس كما أشرنا آنفا. سيما وأن خمسة بالمئة فقط في فيتنام قد صرحوا بإلحادهم، وعشرين بالمئة في الصين وكوريا الجنوبية. لكن الملاحظ أن الأعداد بالنسبة إلى الصين تبقى غير دقيقة، نظرا إلى عدم سماح الدولة لوكالات الاستطلاع الأجنبية بإتمام أعمالها في ما يتعلق بتحديد الانتماءات الدينية، لذلك اعتمد الاستطلاع على وكالة صينية (هوريزون ألتيدي)، اشتغلت على 7021 عيّنة خلال العام 2007 استمدت منها نتائجها.

في غمرة انتقاده لتطور العلمانية المزعوم يأسف ستارك لغياب إنجاز استطلاعات إبان خمسينيات القرن الماضي، حتى يتيسّر تبيّن البون الشاسع بين أشكال الاعتقاد والممارسات الدينية كما كانت وما أصبحت عليه، ويضرب مثلا على ذلك بقوله: خلال الخمسينيات كان في الصين خمسة ملايين من المسيحيين وفي الراهن ثمة ما يقارب المئة مليون؟! وخلال الخمسينيات من الفترة ذاتها، كانت تتردّد على القدّاس في أمريكا اللاتينية حشود قليلة لا تتخطى العشرين بالمئة، واليوم باتت النسبة تتخطى خمسين بالمئة.

ويتساءل ستارك كيف يمكن الوثوق بأبحاث لم تراع الحياد بشأن اللاتدين؟ فعلى سبيل المثال حُجَج اللاتدين في روسيا الشيوعية هي حجج واهية، ولا يمكن أن تعبّر عن تطور عفوي للاّتدين في بلد يُلزم طلاّبه بالتردد على دروس "الإلحاد العلمي"، على أمل التسريع في خلق الإنسان الشيوعي المتحرر من أوهام الدين. مع ذلك لم تشفع ستون سنة من تلقين الإلحاد لبلوغ ما هو منشود، ولم تسفر النتائج خلال العام 1990 سوى عن 6،6 بالمئة ممن صرحوا بإلحادهم، وهي نسبة تفوق بقليل نسبة الإلحاد في الولايات المتحدة 4،4.

والملاحظ أن الأوساط التي تغيب فيها الأديان الممأْسَسة، أو تتراجع فيها الحرية الدينية، تشهد فورة دينية موازية، لكافة أصناف الماورائيات والغيبيات وأشكال القداسة. ففي روسيا يفوق عدد المتطبّبين، بخلفياتهم الروحية والدينية، أعداد الأطباء؛ كما نجد في فرنسا التي تتبنّى علمانية مشطّة 38 بالمئة من الفرنسيين يعتقدون في التنجيم؛ ونجد في سويسرا 35 بالمئة يعتقدون أن بعضا ممن يقرأون الطالع بمقدورهم الاطّلاع على الغيب، وفي اليابان يبارك تقريبا كافة أصحاب السيارات عرباتهم باستقدام راهب من الديانة الشنتوية أثناء اقتناء سيارة جديدة، وهي جميعا مظاهر من الميول القداسية تخفي نزوعا نحو الدين.

يبيّن الباحث رودناي ستارك أن إحدى الحجج التي يتحجّج بها أنصار انتشار العلمنة تتعلّق بنسبة التردد المتدنّية على الكنائس في أوروبا الحديثة. ويُفتَرض أن ذلك يشكّل سندا للتراجع مقارنة بحِقب سالفة، أي ما يعني التخلي عن الاعتقادات الدينية أو رفضها. ليس ذلك الأمر صائبا، كما تبيّن لستارك، إذ لم يحصل تراجع، لأنه وباختصار ما كان الناس يترددون بكثرة على الكنائس إبان العصور الوسطى أو بشكل حازم. ولدحضِ تلك المقولة يعود ستارك إلى جذور القول بتراجع الدين مع رجل الدين الأنغليكاني توماس وولستون سنة 1710م، وقد ذهب إلى تواري أثر الدين من أوروبا بحلول القرن العشرين. والحال إبان القرون الوسطى ما كان الناس في إيطاليا أو غيرها من دول جنوب أوروبا يترددون على الكنائس بكثرة. وإن ذهبوا إلى الكنائس، لم يكن ذهابهم بالانضباط اللازم أو الشغف المرجو. يستخلص ستارك تلك المعطيات من جملة من الأبحاث التاريخية. وفيما يورده المؤرخ الإنجليزي كيث توماس بشأن التدين الشكلي في العصر الوسيط "كانت العامة تتدافع لحجز المقاعد في الكنائس، وتتزاحم بشكل محرج في ما بينها، حيث يتمخّط البعض ويبصقون على أرضية الكنيسة، كما تنشغل النسوة بالتطريز، وتصدر عن البعض تصرفات تنمّ عن سوء خلق" وهي سلوكات تنبي عن فتور التدين، والأمر لا ينحصر بجنوب أوروبا، بل شاع في ألمانيا أيضا إبان فترة الإصلاح، ففي لايبسيغ (1579-1580م) أثناء عظة الراعي، كان هناك من يلعب الورق أو يزدري المقدسات، وفي دوقية ناساو الألمانية (1594) كان كثير ممن يترددون على الكنيسة مخمورين، ومنهم من يغالبه النعاس أثناء العظة، حتى أن بعضهم يخرّ أرضا، وفي هامبورغ (1581) ثمة من يصطحب كلبه داخل الكنيسة.

يقول ستارك إن ما راج من أحكام مغلوطة بشأن تدين القرون الوسطى امتدّ أيضا إلى مطلع العصور الحديثة، فقد روّجت العلمانية إبان موجة الحداثة، وبشكل مخادع، أن رواد التنوير قد أخرجوا الإنسان من "عصر الظلمات"، وفكوا أسر البشرية من براثن الاعتقاد الديني. في الواقع كثير من "فلاسفة الأنوار" ما كان لهم دور في الاكتشافات العلمية حينها، وجرى التغاضي عن أن الكثير هم من رجال الدين، أو من المؤمنين التقاة. فقد تناول إسحاق نيوتن قضايا اللاهوت أكثر من تناول قضايا الفيزياء، وكرّس يوهانز كيبلر جانبا كبيرا من اهتماماته لصياغة تاريخ حول نشأة العالم. وفي دراسة حديثة عن 52 نفرا من العلماء، إبان حقبة "الثورة العلمية" (1543-1680م) كشفت أن 31 كانوا متدينين (كثير منهم من رجال الدين)، وأن 20 من بينهم متدينون بشكل متوسط، فقط عالم الفلك إدموند هالي ما كان متدينا (ص: 290).

وفي تناول بعض الحالات من تاريخنا الراهن، يقول ستارك: عادة ما يصنِّف الدارسون إيزلندا كأعلى بلد علماني، أو كأكثر بلد فاتر التدين، ويغفلون عن أن 34 بالمئة من الإيزلنديين يعتقدون في تناسخ الأرواح، وأن 55 بالمئة يؤمنون بوجود "الهولدفولك" (روح خفية)، لذلك غالبا ما يقع الانحراف بمدّ الطرق السيارة، لأنه يُخشى أن يُلحِق مسارها أذى بالهضاب أو المرتفعات التي تسكنها تلك الروح. كما أن الإيزلندي الذين يتهيّأ لإقامة بيت عادةً ما يجنّد "مكتِشفا للأرواح" قبل الشروع، للتثبّت من أن المأوى لا يلحق أذى بـ"الهولدفولك". كما أن نصف الإيزلنديين يتردّدون على المنجِّمين. ويعود خطأ التوصيف الحقيقي لحالة التدين في إيزلندا -وفق رودناي ستارك- إلى اعتماد مفهوم الدين الممأسَس، والتردد على القداس، ونسبة التعميد، وهي في الواقع معايير مضلِّلة، في حين ينبغي اعتماد التدين بشكل عام، بعيدا عن المفهوم الحصري. والأمر ذاته في ما ينطبق على الصين، حيث يصرّح 77 بالمئة من المستجوَبين أنهم ليسوا متديّنين –بمفهوم الانتماء إلى دين مهيكَل- في حين يتردد تقريبا كافة هؤلاء المصنَّفين في عداد "غير المتدينين" على المعابد التقليدية، ويؤدون التراتيل ويتبرعون بالزكوات للآلهة لِنيْل بركاتها أو على أمل تيسير ما يصبون إليه.

في الواقع إن ما ذهب إليه ستارك لم يأت من فراغ، فقد تراجع كثير من أنصار التوجه العلماني في الولايات المتحدة، لعلّ أبرزهم عالم الاجتماع بيتر بيرجر منذ أن كتب مقالة صدرت في مجلة "كريستيين سانتشوري" سنة 1997، أورد فيها "أرى أن ما خلصتُ إليه رفقة جمع من علماء الاجتماع المهتمّين بالدين، إبان حقبة الستينيات بشأن العلمنة كان خطأً... قسمٌ كبيرٌ من عالمنا لم يتعلْمن، بل بالأحرى هو بالغ التدين". ليتحول بيرجر عقب ذلك باتجاه الحديث عن التعددية الدينية المتعايشة مع الحداثة، كما في كتابه الأخير الصادر خلال العام الفائت "الهياكل المتعددة للحداثة".

وفي تناول ستارك للتكتلات الدينية الكبرى، يبرز أن التطور في أعداد المسلمين (مليار ونصف المليار)، وهو مرشح لتجاوز عدد المسيحيين (ملياران ومئتا ألف)، يعتمد بالأساس على الخصوبة العالية في أوساطهم، في وقت يعتمد فيه تمدد المسيحية على نشاط التبشير الحثيث؛ لكن يلوح أن الخصوبة لدى المسلمين بدأت تشهد تراجعا في بعض البلدان مثل إيران وسوريا والأردن وتونس. وفي توصيف لتطور التبشير في إفريقيا يقول ستارك: التهمت المسيحيةُ بطنَ إفريقيا (إفريقيا ما وراء الصحراء) في ظرف وجيز. وأما ما يورده بشأن أوروبا فيلخّصه في التالي: إن تبقى بعض الكنائس مهجورة، فهي علامة على الإكليروس الكسول، أوروبا هي قارة "المؤمنين غير المنتمين" بحسب توصيف عالمة الاجتماع الإنجليزية غراس دايفي للوضع.

نبذة عن المؤلف: رودناي ستارك عالم اجتماع أديان من مواليد 1934، يدرّس في جامعة بايلور في التكساس. أصدر مجموعة من المؤلفات منها: "نظرية الدين"، "مستقبل الدين"، و"مدن الله".

 

الكتاب: انتصار الإيمان.

تأليف: رودناي ستارك.

الناشر: منشورات لينداو (تورينو-إيطاليا) 'باللغة الإيطالية'.

سنة النشر: 2019.

عدد الصفحات: 336ص.

 

د. عزالدين عناية

كاديمي تونسي مقيم في إيطاليا

 

سوف عبيدأصدرت الدكتورة فـــوزيـــة الصــّفار الـــزاوق كتابا حول السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث من خلال كتاب ميخائيل نعيمة (سبعون) تناولت فيه بالدراسة والتحليل منهجية الكتاب وأساليبه الفنية وقضاياه الفكرية والفلسفية بالإضافة إلى مدى الصدق والتذكر وإلى حدود الإخفاء والتصريح فيه. فالكتاب من هذه الناحية يمثل إضافة في مجال دراسات الترجمة الذاتية كجنس أدبي مستقل.و قد أوردت الدكتورة فوزية الصفار الزاوق في الفصل الأخير من كتابها الصادر في تونس نصا لميخائيل نعيمة تحت عنوان (فلسطين مملكة يهودية) كان في الأصل ضمن كتاب (سبعون) لكنه لم يثبت فيه وانتزع منه ونشر لاحقا في أعماله الكاملة والنص يعود إلي سنة 1915 وقد نشره ميخائيل نعيمة بصحيفة (مرآة الغرب) في الولايات المتحدة الأمريكية عندما كان لا يتجاوز السادسة والعشرين من عمره ويقوم هدا النص الوثيقة على اعتقاد انكلترا في إمكان تأسيس دولة يهودية على أرض فلسطين لحراسة مصالحها في إفريقيا وأسيا وينبري ميخائيل نعيمة مرافعاعن الحق بكل قوة حاثا الرأي العام العالمي والعربي والفلسطيني على التحرك بسرعة ونجاعة قبل فوات الأوان ونحن عندما نقرا هذا النص من جديد بعد أكثر من قرن على نشره في أمريكا لا بد أن ندرك مدى وعي ميخائيل نعيمة بخطر القضية الفلسطينية من ناحية ونتبين مساهمة الأدباء العرب مند مطلع القرن في الدفاع عن قضايا الأمة العربية من ناحية أخري.

في مقال نعيمة نقرأ وثيقة تاريخية نقلها عن جريدة (البستاندرد الصبرانية) جاء فيها خاصة (أن اعتقاد الأمة الانكليزية يزداد من يوم إلى يوم ،هـﺫا ولا شك فيه أمر مهم للغاية وإذا خرج إلي حيز العمل فسيأتي أبناء امتنا وإخواننا في الدين لا سيما المضطهدين منهم في روسيا بنفع لا يقدر وكيفما كان الأمر فدخول تركيا في الحرب واقتسام أملاكها الذي لا بد أن يأتي عاجلا أو آجلا كما نوهنا في ما سبق، لا بد أن يحدث تغييرا حيويا في حالة الأمة اليهودية في الأرض المقدسة فليس لنا الآن إلا أن نصلي ونترجي بان هﺬا الانقلاب المنتظر سيضع أساسا جديدا لمستقبل مجيد لنا.

هذه الفقرة التي أوردها ميخائيل نعيمة تدل بوضوح على الاستشراف الخطير لدي الإستراتيجية ّالصهيونية في الاستفادة من موازين القوي في العالم وتهيئة التناقضات لصالحها ويسرد ميخائيل نعيمة بعد ﺬلك مواقف الأطراف الأخرى خاصة يهود أوروبا وأمريكا في إنشاء المملكة اليهودية ثم يتعرض إلي موقف المسيحيين ويتهجم على موقف انكلترا بعد ذلك قائلا انه من الغرابة أنها تدعي الدفاع عن الحرية وحقوق الضعيف ثم تقدم علي بيع مليون من الشعب الفلسطيني بأموالهم وأرزاقهم عبيدا لقبضة من شعب آخر غريب عنه جنسا ودينا ولسانا لأن دلك يوافق مراميها السياسية وينبه نعيمة إلى هﺬا الخطر عندما يري أن اليهودي سيشتري الأرض من الفلاح الفلسطيني ثم يملك أعنة التجارة والسياسة فيلعب بالفلاح المسكين الذي لا يقدر على مباراة اليهودي إذ كان في الصناعة أو في الزراعة أو في العلم أو السياسة. ويختم نعيمة مقاله كما يلي :

و الله لتلك أكبر جريمة ترتكبها انكلترا بل العالم كله إذا باعوا فلسطين وسكانها لليهود لمطامع سياسية أو ترهات دينية.و إذا أحبت انكلترا أن تجعل فلسطين مستقلة لغايات دولية فلماﺬا لا تجعلها كﺫلك تحت إدارة أهلها ولا خوف عليها من عصيان اليهود وتمردهم. هـﺬا ـ نص وثيقة ـ يجدر التوقف عنده.

فلسطين ممـلكة يهودية

” إن اعتقاد الأمة الانكليزية بإمكان تأسيس مملكة يهودية مستقلة في فلسطين تحت حماية انكليزية يزداد من يوم إلي يوم. هﺫا ولا شك أمر مهم للغاية وإذا خرج إلي حيز العمل فسيأتي أبناء امتنا وإخواننا في الدين – لا سيما المضطهدين منهم في روسيا- بنفع لا يقدر…..و كيفما كان الأمر فدخول تركيا في الحرب واقتسام أملاكها الذي لا بد أن يأتي عاجلا أو آجلا كما نوهنا في ما سبق لا بد أن يحدث تغييرا حيويا في حالة الأمة اليهودية في الأرض المقدسة. فليس لنا الآن إلا أن نصلي ونترجى بأن هﺬا الانقلاب المنتظر سيضع أساسا جديدا لمستقبل مجيد لنا

هذه فقرة من جريدة “البستاندرد العبرانية” وخذ لك ألف فقرة كهذه الفقرة ظهرت في الصحافة العبرانية وغير العبرانية في جميع أقطار العالم.

في دماغ من ترى هذا الفكر ونما ونضج ثم طار بالبرق من شرق الأرض إلي غربها ومن شمالها إلى جنوبها- لا ادري ولا يهمني أن أدري. هذه الحرب قد ملأت الأرض أنبياء ومفسري أحلام ، لكن نبي استقلال بني إسرائيل وعودتهم إلى أرض أجدادهم قد وجد لنفسه في الحال ألوفا بل ملايين من التباع بين العبرانيين وغيرهم لأن نبوءاته تحرك في بعضهم شعورا دينيا وتأتي الآخرين بمنافع سياسية واقتصادية.

بعض العبرانيين ينظرون إلى هذا الأمر من جهة دينية فيُسمعون أشعيا وارميا وحزقيال ودانيال يكلمونهم من وراء حجاب ثلاثة آلاف سنة أو أكثر يبشرونهم “بمسيا” المنتظر الذي سيقود شعب يهوﺬا المختار إلى أرض الميعاد ويجدد صهيون. وأنهم يرون في هذه الويلات التي تصبها السماء علي العالم في هذه الأيام يد الله تسطر على شواطئ الحياة كلمات لا يفهمها سواهم. ومعناها “إلي خيامك يا إسرائيل”. وإسرائيل يعد العدد ويسهل الطرق بكل ما وهبه اله إبراهيم واسحق ويعقوب من قوة الدهاء وما أعطاه من موهبة جمع المال ليلبي دعوة أنبيائه. وهو يري الآن صهيون ترتفع من بين أشلاء الجنود وخنادق الموت تزينها عظمة الأجيال ويكللها مجد داود وسليمان وتخفرها ملائكة العلي فيخر خاشعا ويمتلئ قلبه أملا وسرورا.

هذا ما يراه ويقوله بعض العبرانيين. فماذا يقول المسيحيون؟

من بلاء المسيحيين وسوء حظ المسيحية انك تجد ألوفا بين تباع الناصري من الذين ينكرون تعاليمه وينكرونه إذ فصلت إنجيله عن أسفار موسي وإذا قلت لهم انه جاء ليس ليتمم نبوءة ﺬاك أو حلم هذا بل ليضع خمرا جديدا في وعاء جديد وليريح المستعين والثقيلي الأحمال. هولاء لا يرون في التوراة سوي حرفها الميت..لذاك يجهدون أنفسهم ليطبقوا كل حادثة جرت أو تجري أو سوف تجري على نبوءة ما من نبوءة من نبوءات أشعيا وإخوانه في الفن. ولو سألتهم رأيهم في الحرب الحاضرة لدلوك على العدد الفلاني من الكتاب الفلاني حيث تجد تفاصيل الحرب كلها بأسماء قوادها وحصونها وعدد جيوشها ومعاركها وأسبابها الخ. فهل تعجب إذ ا رأيت هولاء القوم قد تمسكوا بكل شرايين قلوبهم وفقرات أدمغتهم بهذا الفكر عن تجديد المملكة الإسرائيلية ويتولي شعورهم الديني ويبرهن لهم عن عظمة الله الذي يعبدونه.

أما بقية اليهود فبينهم من يقولون”صهيوننا واشنطون”.فيفضلون البقاء حيث هم.لكن أكثرهم يرون في نشر المملكة اليهودية حلا لمشاكلهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومن يتصور ما لاقاه وما سيلاقيه اليهودي بين بقية شعوب الأرض من الهزء والاحتقار والاضطهاد لا يلومه إذ سعى بكل ما لديه من الوسائط ليعيش في بلاد يكون سلطانها ولا يخجل أن يتجاهر فيها بدينه وجنسه دون أن يعرض نفسه لمقت القوم أو ازدرائهم.

أما الأمم التي يساكنها اليهودي- لا سيما روسيا- فتعده بنيل هذه الأمنية تخلصا منه لا حبا به لأنه ضيف ثقيل في أرضها وعلى شعبها. وعدا ﺫلك فلانكلترا على الأخص غاية سياسية ذ كرتها الجرائد غير مرة وهي أن تبقي فلسطين المجاورة لأملاكها الاسوية والإفريقية تحت سلطتها فعلا إنما في يد شعب مستقل اسما لا خوف عليها منه لأنها تعرفه شعا تجاريا لا حربيا. ومهما عظمت سلطته المالية تبقي قوته الحربية صفرا بالنسبة لقوتها.

هكﺫا اتفق أقوياء هدا العالم ومديرو دفة سياسة الأرض، وهكذا سمعنا وسمعت جرائدنا. وهكذا.. سكتت جرائدنا وسكتنا. ربما تتم هﺬه النبوءة بعد الحرب وربما لا تتم. لكن الأمر الذي تم الآن هو أن العالم سيتناقل هذه النبوءة ويستحسنها. والظاهر أنه يسعى لتحقيقها ونحن صم لا نسمع وبكم لا نتكلم كأن هذا الأمر لا يعنينا على الإطلاق أو كأن هذا الأمر لا يعنينا على الإطلاق أو كان فلسطين قطعة من بلاد المغول أو جزيرة من جزائر الفيليبين لا جزء من البلاد التي ننتمي إليها. فلا أهلها أهلنا ولا بيت لنا فيها ولا مرقد عنزة.

أفمن خمول بعد هذا الخمول؟ أمن موت بعد هذا الموت؟

رأت بعض ممالك الأرض أن من صالحها أن تجعل فلسطين أرض قفراء لا عمار فيها ولا حياة. وكلما يجب لجعلها مملكو مستقلة أن تضع فيها بضعة آلاف من اليهود وتقيم عليهم ملكا وتقول لهم: “أحرثوا هذه الأرض وتنعموا بأثمارها وتكاثروا كرمل البحر”. لكن في فلسطين مليونا من البشر الذين ولدوا وشبوا فيها ودفنوا أجدادهم وأجداد أجدادهم. هم يدعونها وطنهم وليس لهم في العالم كله حيث يلقون رؤوسهم سوى في تلك البقعة من ارض الله. فيها رأوا النور وفيها يفارقون الحياة. تحت سمائها يحلمون أحلامهم وفوق تربتها يسيرون بهمومهم وأفراحهم وأشجانهم. أيديهم وأيدي أسلافهم من قبلهم بقرت وتبقر تربتها.عظامهم تغذي نبتها وعرق جباههم يسقي زرعها.فبأي شرع أو دين أو حق يجوز للانكليزي أو سواه أن يأتي بيهودي إلي ساكن فلسطين ويقول له : “أجداد هذا الرجل كانوا يقطنون في هذه البلاد من ألفي سنة. وهكذا فالأرض أرضه لأنه ورثها عن أجداده. أما أنت ففتش لك عن ارض غير هذه الأرض فقد تعديت على حقوق هذا الإنسان تعديا”- فهل قطن أجداد الانكليزي في كندا أو في استراليا أو الترنسفال أو مصر أو الهند أو غيرها؟ ومن أوحى له بحق الوراثة في تلك البلدان؟

أليس من الغرابة أن انكلترا التي تدعي أنها جردت سيفها في هذه الحرب دفاعا عن الحرية وحقوق الضعيف تقدم الآن فترتكب إثما كهذا الإثم بأن تبيع مليونا من الشعب بأموالهم وأرزاقهم عبيدا لقبضة من شعب آخر غريب عنه جنسا ولسانا لأن ذلك يوافق مراميها السياسية أو لاعتقادها بأن لليهودي حقا في فلسطين ورثه عن أجداده؟ وهذا في الحقيقة ما يحل بنا إذا تمكنت انكلترا من الجري بهذه الخطة- اليهودي سيشتري الأرض من الفلاح الفلسطيني ثم يملك أعنة التجارة والسياسة وهناك يلعب بالفلاح المسكين على هواه. وذلك شر من العبودية. وهل فلاح فلسطين قادر على مباراة اليهودي إذ كان في الصناعة أو في الزراعة أو في العلم أو السياسة؟ والله لتلك أكبر جريمة ترتكبها انكلترا بل العالم كله إذا باعوا فلسطين وسكانها لليهود لمطامح سياسية أو ترهات دينية. وإذا أحبت انكلترا أن تجعل فلسطين مستقلة لغايات دولية فلماذا لا تجعلها كذلك تحت إدارة أهلها ولا خوف عليها من سطوة الفلاح الفلسطيني أكثر مما عليها من عصيان اليهود وتمردهم.

أقول ذلك ثم أسال نفسي: ” ولماذا نلوم انكلترا إذا شاءت أن تبيع فلسطين وهي للان لم تسمع كلمة شكوى أو تذمر من الشعب الذي يدعو فلسطين وطنه وبيته؟”.

نعم. ولماذا نلوم انكلترا؟

هل من أخ فلسطيني يجيبني على هذا السؤال؟ ـ انتهى نص نعيمة ـ

و بعد: لكأن قلم صاحب المقا ل لم يجف بعد…فهل مازلنا نراوح الخطى في نفس المكان؟

 

سُوف عبيد

 

902 zilberbourgعن دار "وتاو" للنشر صدرت للقاصة الروسية الشابة أولغا زيلبيربورغ مجموعة قصص بعنوان (مثل الماء وقصص أخرى). ضمت المجموعة 52 قصة جديدة توزعت اهتماماتها بين علاقة الشرق بالغرب، وتأثير البيروسترويكا على المجتمع الروسي، وبالأخص بطرسبورغ وموسكو. بالإضافة لهموم الغربة وتمزق الإنسان الشرقي بين ثقافتين وحضارتين.

ولا تخلو القصص من إشارات لأزمة الشرق الأوسط وانعكاساتها على العالم. ودور الحرب الباردة في التأزيم وأزمة قناة السويس وعلاقتها بصواريخ كوبا وغزوة خليج الخنازير.

استعملت الكاتبة عدة أساليب للتعبير عن هذه المحاور. من أسلوب القصة القصيرة جدا والشاعرية والشفافة، إلى أسلوب السرد الواقعي بلغة قريبة من المحاكاة، وهي نفس اللغة التي تجدها في أعمال نابوكوف وبعده فلاديمير سوروكين وفالنتاين راسبوتين وسواهما من رموز الجيل الجديد.

ومن الأمثلة عليها القصص التي تنتقد بها تجربة البيروسترويكا وانهيار الاتحاد السوفياتي.  كما في (دكتور ستيفا) و(الكمان المكسور) وغيرها. 

سبق للقاصة أن كتبت في أدب الرحلات ومن ذلك ريبورتاج مفصل عن أندلسيا (إسبانيا وماضيها الإسلامي العربي).

تعمل الكاتبة حاليا منسقة لمجلس إدارة الجمعية الثقافية في سان فرنسيسكو التي تستضيفها دار نشر معروفة هي (سيتي لايت). كذلك هي عضوة في هيئة تحرير مجلة (سرديات – ناراتيف) الأمريكية. وتعيش في الوقت الراهن في سان فرانسيسكو، الولايات المتحدة.

 

د. صالح الرزوق

نضير الخزرجيكقارئ هاو ولع بالأدب منذ نعومة أظفاره تعرفت على الشاعر الإيراني أبو الفتوح عمر بن إبراهيم الخيام (1048- 1131م) من خلال رباعياته التي تطير بالقارئ على بساط الهوى والهيام تقودها رياح الحكمة تارة ورياح الفكرة تارة أخرى، والنظر في ملكوت السماوات والأرض، وما تخفيه نفس الإنسان وكوامنه.

وكناشط ومراقب انتظم في العمل الحزبي والسياسي في أول سني البلوغ تعرفت على الصيدلاني والشاعر والمنجِّم الفرنسي ميشيل دي نوستردام (Michel de Nostredame) الشهير بـ "نوستراداموس (Nostradamus) (1503- 1566م) مع اندلاع حركة الشعب الإيراني عام 1978م بالضد من النظام الشاهنشاهي التي انتهت إلى قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979م، عندما راحت الأقلام تنبش في رباعياته للوقوف على تنبؤاته فيما إذا كانت الثورة الإسلامية جزء منها، فأثبت بعض ونفى آخر.

وحيث لرباعيات الخيام ترجمات متنوعة وبلغات مختلفة، وفي كل لغة ترجمات عدة مثل الترجمة العربية التي بلغت أكثر من عشرين ترجمة لشعراء من بلدان مختلفة مثل ترجمة الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي (1897- 1977م)، وترجمة الشاعر اللبناني أمين نخلة (1901- 1976م)، وترجمة الأديب المصري عباس محمود العقاد (1889- 1964م)، فإن لرباعيات نوستراداموس ترجمات كثيرة في لغات مختلفة وفي كل لغة أكثر من ترجمة.

وما يميز ترجمة رباعيات الخيام عن ترجمة رباعيات نوستراداموس، أن كلاهما خاضع لفهم المترجم لمفردات اللغة وتمكنه من اللغة وآدابها، وفي رباعيات الخيام يحضر المترجم بنفسه كأديب وشاعر ليفرض نفسه على الرباعيات فتشعر أنك تقرأ الأديب المترجم لا الأديب الناظم، وهذا ما يعطي للترجمات جمالية وتكشف في الوقت نفسه عن حجم شاعرية المترجم ومبلغ قدرته على السباحة في بحر القوافي، وأما في رباعيات نوستراداموس فإن الإسقاطات الزمانية والمكانية بما يراها المترجم أو يريدها أن تكون لها مدخلية كبيرة في الترجمة تبعا للغة التمويهية التي امتطى نوستراداموس صهوتها بما جعل تنبؤاته لها أن تصدق على هذا الحدث الكبير أو ذاك، أو أنها تعطي المرونة لدى المترجم في أن يلبس قميصها هذا الحدث او ذاك مما يشعرك أن التنبؤات لها صدقية أو قريبة إلى الواقع.

بالطبع لم يكن نوستراداموس بدعًا من المنجمين والضاربين بالرمل ولم يكن هو رائدهم، فقد سبقه كثيرون في عصور سابقة، وفي العصر الجاهلي المتصل بالعصر الإسلامي اشتهر أكثر من واحد في هذا المجال بما يعرف بالكهنة والسجاعة، الذين كانوا يخفون التنبؤات المزعومة في أبيات شعرية غير مفهومة أو كلام مقفى غير موزون شعريا فكل من يقرأه يفهمه على سليقته أو ما يرغب هو في فهمه وإن كان خلاف المراد ولا مراد له أصلا، وإذا عجز المرء عن فهم المراد نسبوه إلى قلب الشاعر وبطنه فيقال: (المعنى في قلب الشاعر) أو (المعنى في بطن الشاعر)، والقلب لا العقل ميال إلى هذا المعنى والمراد وإلى ذاك، والبطن دون العقل حمال ذو أوجه كبكرة خيوط التفت على نفسها أو كمعركة اختلط حابلها بنابلها.

وحيث تفاجأ عرب الجاهلية بما جاء به النبي محمد (ص) من قرآن موحى فيه قراءات للماضي ومبشرات للمستقبل وما بعد الحياة الدنيا رموه بالكهنة والسجاعة.

ومن أجل فهم الشعر على حقيقته وسجع الكهانة ونصوص القرآن الموحى والفروقات الشاخصة، ينقلنا الفقيه المفسر الشيخ محمد صادق الكرباسي في رحلة معرفية أدبية وقرآنية إلى فهم المراد وذلك عبر تفسيره النظمي للقرآن الكريم المسمى: (المختوم في التفسير المنظوم) الخاص بالجزء الثلاثين من القرآن الكريم (جزء عمَّ) الصادر حديثا (2019م) عن المركز الحسيني للدراسات بلندن وبيت العلم للنابهين في بيروت في 459 صفحة من القطع الوزيري.

نظم التفسير لا القرآن

عندما تفاجأ عرب الجزيرة العربية بأدب القرآن الكريم ووحي السماء، رموا رسول الله محمد (ص)، بالكهنة والسجع والشعر رغم علم أهل مكة أن محمد بن عبد الله (ص) الذي عاش بين ظهرانيهم أربعين عاما قبل أن يعلن دعوة الإسلام لم يكن شاعرا ولا كهانا ولا سجاعا، لأن من عادة العرب أن تحتفي بالشاعر وتفتخر به على رؤوس الأشهاد ولم يكن النبي محمد(ص) منهم، ومن عادة العرب أن تذهب الى الكاهن يخبرها عن الحاضر والمستقبل، ولم يكن النبي محمد(ص) منهم، ولم يُعرف عن النبي أنه من السجاعين الذين يبطنون كلامهم المقفى أحاجي ونبؤات، واشتهر بينهم منذ نعومة أظفاره بالصادق الأمين.

فاتهام رسول الإسلام بهذه الأمور الثلاثة إنما هي وسيلة من لا حيلة له على معارضة ما جاء به من وحي السماء، وكبار القوم وشعراؤهم وخطباؤهم يدركون هذه الحقيقة وإنما أطلقوا التهمة ليضلوا بها عامة الناس وعوامهم ولكي يحافظوا على مكتسباتهم من عبادة الأصنام والشرك بالله، ولهذا كان منطقهم كما يصورهم القرآن: (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) سورة الصافات: 36، لكن القرآن الكريم ردّ عليهم بلسان الرسول الأكرم(ص): (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ. أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ) سورة الطور: 30، وحيث عجزوا أن يأتوا بالقرآن أو بعشر سور أو بسورة واحدة خاطبهم بأن يأتوا بحديث مثله: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ. فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) سورة الطور: 33- 34، ولأن القرآن فريد نوعه فإن التحدي قائم حتى يومنا هذا لكلا الثقلين: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) سورة الإسراء: 88.

الفقيه الكرباسي يمهد في تفسيره النظمي للجزء الثلاثين من القرآن الكريم بجملة موضوعات ذات علاقة بالشعر والسجع والتقفية والكهانة، فيتابع العلاقة بين (السجع والتقفية) و(السجع بين الرفض والقبول)، و(القرآن والشعر) و(فوارق القافية والسجع) و(القرآن بين السجع والقافية)، و(الهدف والغاية) يوضح فيه حيثيات بيان معاني الآيات في قالب نظمي مقفى، ليؤكد استحالة وضع القرآن الكريم وتفسيره في قالب شعري حسب معايير الشعر، وإنما هو من النظم المقفى مع التفعيلة وإن تقولب في بحر من البحور الخليلية والكرباسية التي بلغت 210 بحور، من هنا فإن المفسر الكرباسي يؤكد: (إن الهدف الرئيس من نظم القرآن هو نظم تفسير القرآن، وإلا فإن نظمه كترجمته لا يمكن إلا من قبله تعالى، ووصف النصوص المنقولة إلى لغات أخرى غير العربية بالترجمة هو من باب المسامحة، والأدهى من ذلك أن نُسمِّي نظم القرآن بالشعر لأن الثاني أكثر استحالة من الأول بل هو المحال عينُه).

اما لماذا بدأ بنظم تفسير القرآن من الجزء الثلاثين ولماذا أطلق عليه المختوم؟

يجيب الشيخ الكرباسي: (بدأنا بالجزء الأخير من القرآن لأنه فيه ذكاء من الشعر ونفحة من النظم، فإذا ما أظهرنا فيه استحالة النظم وأبدينا التفعيلة المستخدمة فيه جرى في غيره بسهولة، ولاستحالة قلب النص القرآني شعرًا سمَّيناه "المختوم في التفسير المنظوم")، والمختوم من ختم الرسالة وغلقها بالشمع أو الرصاص بحيث لا يعرف محتواها إلا المرسل والمرسل إليه، ومهما بلغ المفسرون قُلل المعرفة فإنهم حتى يومنا هذا قاصرون على الوقوف على حقيقة المراد من آيات القرآن الكريم، والأمر موكول إلى المُرسل والمُرسل إليه والموصى به: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) سورة آل عمران: 7، ولهذا استوجب التسليم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) سورة النساء: 59.

لا هذا ولا ذاك

وحيث عرف العرب النثر والشعر وما بينهما من سجع وتقفية، فإن مجموعة غير قليلة من آيات القرآن الكريم ذات مسحة من سجع وتقفية، وهو ما جعل كبار المشركين يلوون حقيقة الوحي الرباني ونسبتها الى الكهانة والسجع البشري، والفقيه والمفسر الكرباسي يوقفنا في التمهيد وفصوله بشرح مفيد عن مفهوم السجع والتقفية وتمثلاتهما من القرآن الكريم، كون السجع غير الشعر المقفى، فالأول: (هو الكلام المقفى، أي الكلام الذي يكون آخر مقاطعه من الحروف التي مخارجها متحدة أو متقاربة) وهو خاص بالنثر، والكلام الموزون المقفى هو خاص بالشعر، فالسجع من خواص النثر والقافية من لوازم الشعر، فما خلا من سجع فهو كلام منثور وصنوه ما خلا من قافية، وإنما سمي السجع سجعا لتقاربه في اللحن من سجع الحمام لتناسب فواصل لحن الكلام المنثور وتقارب آواخره بمخارج الحروف أو توافقها.

والسجع على أربعة اطوار كما يسترسل المؤلف والناظم مستشهدا بآيات من القرآن الكريم:

الأول: السجع المُطرّف: وفيه اختلف آخر الجملتين في التفعيلة واتفقتا في القافية (الروي)، ومن ذلك قوله تعالى في سورة نوح: 13 و14: (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً) (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً).

الثاني: السجع المتوازي: وفيه اتفقت المفردة الأخيرة من الجملتين فقط على تفعيلة وقافية، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الغاشية: 13 و14: (فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ) (وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ).

الثالث: السجع المرصّع: وفيه اتفقت مفردات إحدى الفقرتين في التفعيلة في معظم مفرداتها مع الأخرى كأنها صدر وعجز، من ذلك قوله تعالى في سورة الإنفطار: 13 و14: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ).

ومن المفارقات في الشواهد الثلاثة اتفاق أرقام الآيات الشريفة.

الرابع: السجع المشطَّر: وهو من التشطير الشعري المسجع، ومحله كما يضيف الناظم في الشعر وليس في النثر، حيث يلاحظ السجع في كل شطر من شطري البيت، من ذلك قول الشاعر أبي تمام حبيب بن أوس الطائي (179- 228هـ) من بحر البسيط:

تدبيرُ معتصِمٍ بالله مُنتقِمٍ *** لله مُرتَغِبٍ في الله مُرتقِبِ

ولا يخفى أن السجع من المحسنات اللفظية ومن بديع البلاغة، له منزلة طيبة في القلب والعقل، تتلقى النفس مفرداتها كما تتلقى الأرض الجدباء قطر السماء، وهو ظاهر في الأدب القرآني وبتعبير الناظم: (السجع شيمة الأدب القرآني الذي انتهل منه الرسول(ص) وآله(ع)، ومن أنكر ذلك حاله كمن ينكر الشمس في رابعة النهار، ومَن استنكر هذا النوع من الأدب ببعض الروايات الضعيفة أو الموضوعة فلا يُصغى له).

وإذا كان السجع في النص القرآني ظاهرًا فإنه في المأثور كثير، من ذلك ما جاء في مناجاة الإمام علي بن الحسين السجاد (33- 92هـ) بلسان حال التائبين: (إِلَهِي أَلْبَسَتْنِي الْخَطَايَا ثَوْبَ مَذَلَّتِي)، (وَجَلَّلَنِي التَّبَاعُدُ مِنْكَ لِبَاسَ مَسْكَنَتِي)، (وَأَمَاتَ قَلْبِي عَظِيمَ جِنَايَتِي)، (فَأَحْيِهِ بِتَوْبَةٍ مِنْكَ يَا أَمَلِي وَبُغْيَتِي)، (وَيَا سُؤْلِي وَمُنْيَتِي)، (فَوَعِزَّتِكَ مَا أَجِدُ لِذُنُوبِي سِوَاكَ غَافِراً)، (وَلَا أَرَى لِكَسْرِي غَيْرَكَ جَابِراً)، (وَقَدْ خَضَعْتُ بِالْإِنَابَةِ إِلَيْكَ)، (وَعَنَوْتُ بِالِاسْتِكَانَةِ لَدَيْكَ)، (فَإِنْ طَرَدْتَنِي مِنْ بَابِكَ فَبِمَنْ أَلُوذُ)، (وَإِنْ رَدَدْتَنِي عَنْ جَنَابِكَ فَبِمَنْ أَعُوذُ)، (فَوَا أَسَفَا مِنْ خَجْلَتِي وَافْتِضَاحِي)، (وَوَا لَهْفَا مِنْ سُوءِ عَمَلِي وَاجْتِرَاحِي)، (أَسْأَلُكَ يَا غَافِرَ الذَّنْبِ الْكَبِيرِ)، (وَيَا جَابِرَ الْعَظْمِ الْكَسِيرِ)، (أَنْ تَهَبَ لِي مُوبِقَاتِ الْجَرَائِرِ)، (وَتَسْتُرَ عَلَيَّ فَاضِحَاتِ السَّرَائِرِ)، (وَلَا تُخْلِنِي فِي مَشْهَدِ الْقِيَامَةِ مِنْ بَرْدِ عَفْوِكَ وَغَفْرِكَ)، (وَلَا تُعْرِنِي مِنْ جَمِيلِ صَفْحِكَ وَ سَتْرِكَ)، (إِلَهِي ظَلِّلْ عَلَى ذُنُوبِي غَمَامَ رَحْمَتِكَ)، (وَأَرْسِلْ عَلَى عُيُوبِي سَحَابَ رَأْفَتِكَ) إلى آخر المناجاة السجادية.

وينتهي المؤلف إلى التأكيد بأن السجع في ذاته ليس منهيا عنه: (وإنما المنهي عنه هو الحكم المتبوع في قول الكاهن، فقال رسول الله: أسجعًا كسجع الكُهان، أي أحُكمًا كحُكم الكُهان).

من منظوم التفسير

وإذا كان السجع مقرونا بالكُهان فإن المنبئين والمنجمين استخدموا الشعر مركبًا لهم، كما استقلَّ عدد من الشعراء لا كلهم ظهر الشعر لإغراء الناس بأكاذيبهم وإغوائهم، والشعر في المنظوم كالسجع في المنثور: (لم يرد فيهما نهي في القرآن) كما يضيف المحقق الكرباسي. بل إن الشعراء فقراء إلى القرآن الكريم فهو ليس من السجع وليس من الشعر وفوقهما، وبتعبير الناظم: (إنَّ الشعر يتسكّع على أبواب سور القرآن وآياته ومفاهيمه، ومنذ أن نزل القرآن أخذ الشعراء ينهلون من القرآن نهلا، وتغيرت صورة الشعر بعد الإسلام، إذ كان القرآن الكريم أحد أهم مصادر الإلهام لهم) من شعراء وأدباء وأمثالهما.

ومن نماذج الإلهام هذا التفسير المنظوم بعينه الذي يبدأ من سورة النبأ وينتهي بسورة الناس، فهو قريب من التضمين وما هو منه، وقريب من التشطير وليس منه، وأشبه بالإقتباس وهو غيره، وبتعبير الشاعر الجزائري الدكتور عبد العزيز مختار شبين في تقديمه للكتاب: (وديوان الكرباسي المختوم في التفسير المنظوم يمثل خطوة في هذا المنهج الذي يدعو إلى اقتباس القرآن الكريم واعتباره المورد الخالص للبلاغة، ومنه تنهل كل الينابيع مهما اختلفت مصادرها، وتنوعت اتجاهاتها، ووجد فسحة الوقت متاحة فأتى لنا بنسيج فريد في نظمه، فجعلنا نقرأُ القرآن نصًّا كاملا ومجوَّدًا في بيت منظم موزون مقفى، ولا أظن أحدًا سبقه إلى هذه الصنعة من قبل في أدبنا العربي، وإن وجدت فهي لا تتعدى اقتباسًا أو تأثرًا).

ومن الشواهد قول الناظم في تفسير البسملة والآيتين الاولى والثاني من سورة النبأ: (بسم الله الرحمان الرحيم. عمّ يتساءلون. عن النبأ العظيم)

بسم الله الرحمان الرحيم *** ذا نظمي تفسيرٌ للرقيمِ

يا رسول الله عمّا يتساءلونْ *** في حجازٍ هؤلاءِ المتقاعسونْ

هم عَنِ الإرسالِ طبعًا يتباحثون *** ما لهم يستغربوه ويعاندونْ

إنهم قد شكَّكوا بالنبأ العظيم *** فاستخفوا كلهم بالكَلِمِ القويمْ

ومن الشواهد في تفسير سورة الكوثر: (إنا أعطيناك الكوثر. فصلِّ لربك وانحر. إنّ شانئك هو الأبتر) صدق الله العلي العظيم:

فإننا أعطيناك درَّة كالكوثرْ *** فَصَلِّ دوما شكرًا لربك .. انهض وانحرْ

فإنّ نسل الداعي لفاطمٍ مِن حيدرْ *** فذاك مَن زكّى في صلاته إذ كبَّرْ

وشانئَ الهادي عند ربك المُسْتَنْصَرْ *** قضى عليه .. حكما هو القطيعُ الأبترْ

صدق الله العليُّ العظيمُ *** فيه قالَ الرسولُ الكريمُ

ومن لطائف التفسير المختوم أن المؤلف ألحق بخاتمة كل سورة منظومة نصًا منثورًا هو لسان حال السورة من حيث مكان النزول وسبب النزول وفيمن نزلت ومؤداها ومرادها والعبرة المستخلصة، وضمّ إليها 54 صورة تشكيلية تخيليّة من عمل الفنان المهندس محمد علي عبد الصاحب الأعرجي، مع بيان للعلامات المستخدمة، وعدد من اللطائف والنكات الظريفة من وحي أسماء سور القرآن الكريم، مع مجموعة فهارس متضمنة: فهرس الآيات، الأحاديث، البحور والقوافي، الأعلام، الأماكن، المتفرقات، الصورة والرسوم والملحقات، المصادر والمراجع، وفهرس المواضع.

وكما بدأ الكتاب بمقدمة لشاعر جزائري ختمه بتقريظ كريم جمع بين النثر والشعر لأديب عراقي هو الشاعر رحيم شاهر الربيعي الذي رأى في الكتاب: (شكل من أشكال التفسير الشعري للقرآن، ولكنه في هذه المرة جاء ترجمة جمالية من العربية إلى العربية، عبر إضافات عروضية جديدة لافتة، أي حاملة لوحة العروض الأبهى ومزدانة بحلته)، وختم تقريظه النثري بمقطوعة شعرية من ثمانية أبيات من بحر المتكامل، مطلعها:

هذا كتابٌ وحيه القرآنُ *** أهل المعارف أفصحوا وأبانوا

وخاتمتها:

فالدرُّ مختومٌ بلطف مواعظ *** وبلوحِهِ قد دلَّلَ العنوانُ

في الواقع يمثل كتاب "المختوم في التفسير المنظوم .. جزء عمّ" نقلة نوعية في الاستخدامات الشعرية وفيه وظّف الناظم القافية في تفسير معاني مفردات الآيات، وهو صنو كتاب "التفسير المسترسل .. جزء عمّ" للمؤلف نفسه الذي صدر عام 2010م الذي مثّل هو الآخر نقلة نوعية في التفسير المنثور على غير المعهود، وفيه وظَّف الكرباسي الكلمة الأدبية في تفسير مفردات الآيات بأسلوب ميسر سلس.

 

د. نضير الخزرجي

الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

علاء اللاميعن دار "المركز الثقافي للكتاب" في الرباط وبيروت، صدر كتاب جديد للباحث العراقي في "الرافدينيات" د. خزعل الماجدي بعنوان "أنبياء سومريون ..كيف تحول عشرة ملوك سومريين إلى أنبياء توراتيين؟".

هذا الكتاب مهم لناحية موضوعه، وجريء في طريقة تناول هذا الموضوع بعلمية ومنهجية دقيقة، فهو يتناول موضوعا شديد الحساسية بسبب انغراسه عميقا في المقدس الديني في الديانات الإبراهيمية الثلاث، والمقدس التوراتي خصوصا. وهو ما أشار إليه المؤلف في مقدمته بقوله إن كتابه (يكسر عند الناس واحدا من أكبر التابوهات التي تخص بداية ظهور الإنسان وظهور الأنبياء الأوائل).

والتابو الذي يقصده الكاتب هو ذاك الذي يغطي موضوع أصول الديانات السماوية، وقضية خلق العالم والإنسان وجذورها الأسطورية في عصور ما قبل الطوفان، وكيف قدمتها الديانات السماوية الثلاث الأكبر لاحقا. فقد ساد اقتناع أولي، مع بدايات الكشوفات الآثارية الأركيولوجية في بلاد الرافدين، بأنها ذات أصول رافدينية سومرية انتُحِلَت أو انتقلت بطريقة التناص إلى السردية التوراتية اليهودية، ومنها انتقلت لاحقا إلى الديانتين الإبراهيميتين الأخريين المسيحية فالإسلام. ولكن الماجدي يحاول أن يفكك ويوضح، مستعينا بما يقدمه علم الآثار الحديث من أدلة مادية، تفاصيل وجذور تلك الأصول الرافدينية السومرية، ليسنتبط منها لاحقا آليات تكونها وانعكاساتها وانتقالاتها من سردية إلى أخرى. إن الهاجس الموضوعي والانشداد إلى المقاربة الدقيقة للحقيقة هو ما يحفظ المؤلف من الانزلاق وراء تقديم أحكام باترة وقاطعة، وهذا ما نجده غالبا في كتاب الماجدي فهو يتوخى الدقة ونقل الرأي المخالف، ليصوغ، من ثمَّ، خلاصاته واستنتاجاته بحذر ودراية وبلغة متسائلة، شكاكة، بعيدة عن القطع في أمور لا يجوز القطع فيها.

إن موضوع المقارنة بين السردية الرافدينية والأخرى التوراتية ليس جديدا، فقد طُرِحَ في الثمانيات من القرن التاسع عشر من قبل وينكلر وعلماء مدرسة "توراة بابل" الذين قالوا (إن معظم حكايات العهد القديم وخصوصا أسفار موسى الخمسة، هي انعكاس للأدب المسماري "الرافديني")، ولكن ماير، زميل وتلميذ العالم الشهير ويلهاوزن، رفض ذلك وقال إن تلك الحكايات التوراتية (كانت في الأصل مرويات شفهية ومجموعات من القصص المؤلفة من الحكايات الشعبية والأساطير والملاحم/ طومسون 12). ثم تناول تلك العلاقة بالدراسة والعرض والتمحيص باحثون عرب وأجانب آخرون من بينهم الباحث العراقي الراحل فاضل عبد الواحد في كتابه "من سومر إلى التوراة" سنة 1989، ولكنه لم يتوقف تحديدا وبالتفصيل لموضوع العلاقة بين ملوك سومريين وأنبياء توراتيين لعصور ما قبل الطوفان. كذلك قارب هذا الموضع الباحث فراس السواح في كتابه "مغامرة العقل الأولى" سنة 1976، لكنه اكتفى بحشد كمٍّ مهم من النصوص الرافدينية ذات العلاقة بالنصوص التوراتية تاركاً مهمة المقارنة والتحليل والخروج بالاستنتاجات الحاسمة للقارئ! ومن الباحثين الأجانب ألف فردريك ديليتش كتابه الشهير "بابل والكتاب المقدس" الذي ترجم إلى العربية سنة 1987، وهو كتاب مفيد فعلا ولكنه مضطرب من الناحية العلمية وينحو نحوا إنشائيا أحيانا فينتهي إلى استنتاجات ذاتية الطابع ثم أنه لم يكن دقيقا في طريقته في الاقتباس من الكتاب العبري المقدس كما في نقله المبتور لوصف بابل كما جاء في سفر إرميا.

لعل أهم ما يتميز به كتاب الماجدي هو أنه يذهب مباشرة وعميقا إلى موضوع تلك العلاقة والتي يسميها "الينبوع الثيولوجي" للسرديات الدينية، فيضعها تحت نور البحث التحليلي مخصصا كتابه برمته لها و لتفاصيلها وجزئياتها وتدعياتها.

اعتمد الماجدي في تأليفه كتابه استراتيجية تأليفية شديدة الدقة والوضوح وهذا ما يجعل الكتاب في متناول فهم القارئ الأكاديمي المتخصص وغير المتخصص، رغم تعقيدات الموضوع المدروس وغموض مراجعه الرافدينية، إضافة إلى المتعة الحقيقية التي يقدمها للقارئ الشغوف بالتاريخ والمثيولوجيا.

الفكرة الجوهرية الرئيسية التي ينهض عليها الكتاب هي محاولة رصد وتفسير أوجه التشابه البالغ أحيانا حدَّ التطابق في التفاصيل بين ما قدمته الكتب الدينية اليهودية وخصوصا التوراة وأسفارها الخمسة من سردية روائية ورؤيوية لعشرة من أنبياء بني إسرائيل لعصور ما قبل الطوفان وبين ما قدمته السردية السومرية السابقة لها بقرون عديدة والمدعمة بالأدلة الآثارية "الأركيولوجية" القاطعة من تفاصيل تتعلق بعشرة من الملوك السومريين للفترة السحيقة. وينال موضوع الخلق الأول للعالم وأبي البشر الأول "آدم التوراتي" المقابل لـ "ألوليم السومري" وموضوع الطوفان ذاته وبطله "نوح التوراتي" المقابل لـ " زيوسودرا السومري".

الأنبياء "الآباء" التوراتيين العشرة الذين يؤثل لهم الباحث هم: آدم، شيث، أنوش، قينان، مهللئيل، يارد، أخنوخ ، متوشالح، لامك ونوح. وبعد مقارنات وتحليلات معقدة ولكنها معروضة بشكل واضح ورصين يضع الماجدي جدولا بالملوك السومريين العشرة المقابلين لهم، وهم: ألوليم، ألكار، إينمن لو أنا، إينمن كال أنا ، ديموزي سيبا، أنسيبازي أنا، إنمين دور أنا، أوبار توتو، شكور لام، و زيوسودرا والذي يحمل باللغة الأكدية في العصر البابلي اللاحق للسومري اسم "أتونبشتم" صانع الفُلك للنجاة من الطوفان والذي يقابل في الدور والصنيع نوح التوراتي. وفي موضع آخر من الكاتب يناقش المؤلف مؤيدا وجهة نظر أخرى حول آدم التوراتي ويقوله أنه هو نفسه "ديمو- زي" الإله المتحول إلى بشر والكلمة تعني (الإنسان المرتفع أو العالي)، ملاحظا القرب الصوتي بين لفظتي آدم و ديمو.

ينتظم الكتاب في ثلاثة أبواب، يضم الأول ثلاثة فصول حول كتب الديانة اليهودية وأسفارها. وهو باب مهم يقدم لوحة مبسطة لشبكة الكتب اليهودية المعقدة والمتداخلة. وفي الباب الثاني يناقش المؤلف ويحلل على امتداد اثني عشر فصلا "حقيقة آباء وأنبياء ما قبل الطوفان" عارضا سرديات اثني عشر نبي توراتي هم موضوع المقارنة والمطابقة مع عشرة ملوك سومريين بادئا بآدم "الأب الأول" ومنتهيا بآخر أنبياء ما قبل الطوفان نوح. وفي الباب الثالث والأخير وعنوانه " آلهة وملوك" يضع الباحث خلاصة جهده واستنتاجاته في فصلين مهمين.

أن كتاب الماجدي يقدم محاولة جدية وواعدة لملء الحلقة المفرغة التي تدور فيها الأبحاث التاريخية والتوراتية والإناسية "الانثروبولجية" وعلم الإلهيات "الثيولوجية" وعلم اجتماع الأديان حول حقيقة الفراغ الكبير واللاتاريخانية التي تسم الرواية التوراتية المدونة سواء في نصوص الملك يوشيا (641 ق.م – 609 ق.م) قبل سقوط يهوذا، أو من قبل عزرا الكاتب (480 ق.م – 440 ق.م) العائد من بابل بمعية نحميا، حول ما ترويه عن عصور ما قبل تدوين التوراة نفسها نزولا إلى عصر ما قبل الطوفان، وعن السر والسبب الحقيقي الذي يجعل القصص التوراتي متطابقا هذا التطابق المذهل مع القصص الرافديني الوثني والمؤكد بالأدلة الآثارية الملموسة، آخذا بنظر الاعتبار الأسبقية التأريخية للنص الرافديني على التوراتي بقرون عديدة، ولهذا سيشكل هذا الكتاب إضافة مهمة وجديدة لعلم أساطير نشوء الإنسان، الأنثروبوغونيا ( ANTHROPOGONY).     

صحيح أن إجابات الماجدي ليست مباشرة لأنها تنتمي إلى البحث المنهجي العلمي وليس إلى الإنشاء المسبق المُحْتَكِم إلى الظنون، وصحيح أنها ليست الأولى في هذا الميدان ولكنها الأكثر دقة والأعمق تحليلا وتنظيما.

في نهاية كتابه، هذا يَعِدُ الماجدي قراءهُ بكتاب ثانٍ في هذا الباب، يرصد فيه آباء وأنبياء آخرين، توراتيين ورافدينيين، لعهود ما بعد الطوفان، ليستكمل بذلك ما بدأه في هذا الكتاب. إنه كتاب مهم وجدير بالقراءة العميقة والمنتجة لنقود خلاقة تفتح باب البحث على مصراعيه في هذا الميدان وعلى أرض حوادثه وسردياته الأصلية ذاتها في بلاد الرافدين. يقع الكتاب في 487 صفحة.جدير بالذكر، أن الباحث الماجدي قدم للمكتبة العربية قبل عامين كتابا مرجعيا ومهما في بابه، عنوانه "علم الأديان .. تاريخه مكوناته مناهجه أعلامه حاضره ومستقبله" وقد صدرت طبعته الثانية قبل أسابيع قليلة.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي