eljya ayshهما محاضرتان للمفكر مالك بن نبي، ترجمهما إلى العربية الدكتور محمد باي بغداد، المحاضرة الأولى التي بعنوان "في الحضارة" تعود إلى 1968، والمحاضرة  الثانية "في الإيديولوجيا" ألقاها مالك بن نبي في 1972،  تحدث فيها كيف لجأ الاستعمار الفرنسي إلى الاغتيال بواسطة العلم، كما ضمت الترجمة خطاباته إلى ممثل جمعية إسلام بعمان الأردن في فيفري 1960، وإلى كريم بلقاسم  في أفريل 1960 وملحق خاص لوثائق صادرة عن المخابرات الفرنسية متعلقة بشخصيات  بارزة في هذه الجمعية كانت تعمل لغير صالح الجمعية، وقد كشف مالك بن نبي بنفسه كيف استغل أشخاص محاضراته ومنهم بركات شعبان الذي اغتصب أفكاره وترجمها لصالحه

الكتاب صدر في سنة 2014 عن عالم الأفكار للنشر والتوزيع، يقع في 136 صفحة ضم خطاب  مالك بن نبي خصه للأستاذ كريم بلقاسم وزير الشؤون الخارجة للحكومة الجزائرية المؤقتة بالقاهرة آنذاك، وخطاب بعث به مالك بن نبي إلى ممثل جمعية إسلام، مع ملحق خاص ضم وثائق سرية متعلقة ببعض أعضاء جمعية إسلام، كانوا يعملون لغير صالح الجمعية، أشار المترجم في الهامش من الصفحة 17 أن هذه الوثائق السرية توجد بكتيب يتضمن ثلاثة نصوص جديدة لمالك بن نبي حول الإيديولوجيا  باللغة الفرنسية وقدم لها المؤرخ الصادق سلّام،  أنجزت  ترجمة الكتاب منذ ما يزيد عن ثلاث سنوات، حيث ألقيت المحاضرة الأولى  بعنوان "في الحضارة" بثانوية عمارة رشيد بالجزائر العاصمة بمناسبة انعقاد الملتقى الأول للتعرف على الفكر الإسلامي والذي تعود فكرته إلى مالك بن نبي نفسه، أما المحاضرة الثانية " في الإيديولوجيا"  ألقيت لتحييد الثورة عن مسارها الأصلي والممتدة جذورها إلى ألأمير عبد القادر والعبث بنضال الشعب، أما الخطابان اللذان كتبا باللغة الفرنسة يدخلان في دائرة ما أسماه مالك نبي بـ: "الصراع الفكري"  القائم على الأساليب الخفية الخبيثة، فقد نبّه مالك بن نبي لما يطلق عليه اليوم بالثورات العربية، والتي قال عنها مترجم الكتاب أنها تستحق التعامل الجدي مع فكر الرجل، وباختصار كما يقول المترجم فإن هاتان المحاضرتان  المسجلتان (مسموعة وليست مكتوبة) تميزت طريقة الإلقاء فيها بالارتجالية، كما تعتبر ترجمة لقناعات مالك بن نبي، هذه القناعات في الحقيقة جعلته موضع تهديد ومضايقات قبل الثورة وحتى بعد الاستقلال والعمل على إقصائه وتغييبه.

في الحضارة.. محاضرة ألقيت عام 1968

1105 eljiaففي محاضرته الأولى يرى مالك بن نبي أن الحضارة الغربية قد أحكمت سيطرتها على مصير العالم في القرن الـ: 19 الذي وصفه بالعصر الذهبي لأنها كانت تعيش في يسر وسعادة، وقدم مثلا ببلجيكا التي أرادت السيطرة على جزء من القطاع الاستعماري  في إفريقيا واختارت الكونغو،  لكن على إثر الحرب العالمية الثانية أدركت أوروبا أنها أمام ظروف جديدة قاسية وأجبرت على إعادة النظر في نظمها  وسيرها السياسي التاريخي والاجتماعي، والعمل على تكوين الوحدة الأوروبية الجديدة، هذه الوحدة جعل شخصية من ديغول يقول بأن أوروبا  يتصل حتى أوراسيا l’oural، وقد صاغ مالك بن نبي مصطلح العالمية le mondialisme   في خمسينيات القرن الماضي للتعبير عن التحولات الكبرى التي بات العالم يعيشها، وخصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت صياغته هذه نابعة من تأملاته ودراساته الموضوعية لأوضاع العالم بحيث تمثل صرخة للضمير العربي والإسلامي في سبيل يقظته،  لكي يدخل التاريخ كمشارك فاعل لا كمتفرج سلبي في صنع القرار العالمي الذي ما يزال غائبا ومغيبا عنه.

لا يمكن التطرق طبعا لما جاء في الكتاب بالتفصيل، لأن ذلك يأخذ حيزا كبيرا، لأن المحاضر تطرق إلى الحديث عن دول حاولت دخول عالم التصنيع مثل اندونيسيا وذكر كيف اعتمدت على كبار المخططين أمثال الدكتور شاخت باعتباره أكبر اختصاصي في التخطيط آنذاك، وأعطى مثالا عن دولة ألمانيا وباكستان وقارن هذه الدول باليابان، كما تحدث عن روسيا وكيف رفضت كل الديانات عدا العقيدة الماركسية، فمالك بن نبي يرى أن المشكلة ليست اقتصادية وإنما هي حضارية، يقول ملك بن نبي : " إذا أردنا أن نغش أنفسنا، توجب علينا أن نصارحها بالحقائق اللازمة مهما كانت مُرّة، فنسمي الأشياء بمسمياتها، ويعطي مثلا بالطبيب الذي يغش نفسه والمريض حين يقول له أن حالته الصحية حسنة وأن المرض بسيط...الخ، ويستنتج مالك بن نبي أن القارة التي توجد بها حضارة هي القارة التي تمنح للمجتمع جميع الإمكانيات لمواجهة مشكلاته، وقدم مالك بن نبي مفهوم الحضارة ومعنى الضمانات الاجتماعية اللازمة لكل فرد يعيش في مجتمع ما،  والعلاقة التي تربط الإسلام بالحضارة، ثم يقول أن الحقيقة الإسلامية حقيقة محصنة، لكن الشعوب الإسلامية لا تعرف كيف توظف هذه الحقيقة وتجعلها أداة عمل وخلاص.

في الإيديولوجيا... محاضرة ألقيت عام 1972

هذه المحاضرة ألقيت سنة 1972 بمدينة باتنة أمام طلبة المدرسة العسكرية للأسلحة المدرعة، تحدث فيها عن الأساليب الشيطانية التي يبتكرها خبراء الصراع الفكري، ويتأسف لكونها موجودة في ايدي أخصائيين يملكون القدرة على التلاعب  بالأفراد وأحيانا بالجماعات، وخص شرحا مفصلا عن الصراع الفكري في هامش صفحة الكتاب، الحقيقة هناك أمور لا يمكن عرضها بغية الحفاظ على الملكية الفكرية للمترجم، لأنه أجرى تعليقا لمحاضرات مالك بن نبي ، الذي يعدُّ أول من صاغ أيضا فكرة الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، وهو أول كتاب  وضعه المؤلف باللغة العربية صدر عام 1960 بالمعادي مصر، يقول مترجم المحاضرة أن محاضرة التخطيط والإيديولوجية  ألقاها مالك بن نبي في أخريات حياته، وقد استعمل مالك بن نبي  مصطلح " المفهومية" كترجمة "إيديولوجي"  ideologie إلى العربية،  وقدم شرحا لهذا المفهوم وشروط تحقيه، وكان مالك بن نبي قد ألقى محاضرة حول المفهومية في 24 فيفري 1964، وكانت هذه المحاضرة قد جمعت ضمن محاضرات أخرى في كتاب عنونه بـ: " آفاق جزائرية " ..

ما وقفت عليه وأنا اقرأ هذه الترجمة أن بعض الأقلام التي اعتادت السرقات الفكرية نسبت بعض أفكار مالك بن نبي إليها  وهو ما أشار إليه المترجم في الهامش بأن بعض من يدعون أنهم من تلامذته أنهم نشروا محاضراته في كتاب بالفرنسية حملوه عنوان les grands themes، قبل أن يترجم  تحت عنوان " القضايا الكبرى" سنة 1991،  وقد أشار مالك بن نبي نفسه إلى قيام أشخاص بإصدار طبعات مُعَرَّبَة لأحد كتبه  بالفرنسية  والذي تحت عنوان:  vocation de l’islam، وهي ترجمة يقول مالك بن نبي لم أرخص بها ولم أستأذن بشأنها،  ولم أكن أعلم شيئا عتها، ويضيف بن نبي بالقول : لقد اغتصب هذه الطبعة أحد الطلبة السابقين في باريس المدعو بركات شعبان، ولجأوا إلى بعثرة الأفكار وتشويهها، وكلن بركات شعبان قد دبر  بمعية منشورات  لو ساي edition le seuil، الفرنسية فأقدم على ترجمة الكتاب باسمه، وهي الطبعة التي تداولت  وإلى اليوم بالسوق الجزائرية،  ولم يتوقف البعض عند هذا الحد بل حاولوا اتهامه بالتطبيع، حين اكتشف أن اسمه أدرج ضمن اسم أحد يهود مدينة فيينا واسم "حيدر بامات " واسمه القديم  جورج ريفوار georges rivoire،  صاحب كتاب " وجه الإسلام"، وكان هذا الأخير عميل في المخابرات، ومنشورات كبيرة من هذا النوع كتبت مقدمتها بأقلام جزائرية تحفظ عن ذكر أسمائهم، ونشير هنا أن ما جاء في ذيل الصفحة (التهميشات)  في غاية الأهمية لأنه يكشف حقائق كثيرة لا يسهل ذكرها في هذا المقام.

 

قراءة علجية عيش

 

 

haseeb shahadaحسن إبراهيم عثمان، الجبل والثلج. ذكريات الطفولة والصبا والشباب في فلسطين التاريخية ١٩٤٠-١٩٥٩. مذكرات.  إصدار خاص على نفقة المؤلف، د. ت. (٢٠١٦؟)، ٢٧٩ ص.

وُلد المؤلِّف في قرية بيت صفافا الواقعة جنوبي القدس وشمالي بيت لحم  عام ١٩٣٦، وعاش فيها حتّى أواخر صيف العام ١٩٥٩، ثم انتقل للعيش في ألمانيا حتّى اليوم، حصل على الجنسية الألمانية عام ١٩٧٦؛ درس العلوم الاقتصادية في جامعة فرايبورغ ونال شهادة الماجستير، وعمل في شركة  نوفارتس لانتاج العقاقير الطبية. بسفره هذا كان السيّد حسن عثمان، على ما يبدو، الشخص الثاني في بيت صفافا الذي سافر إلى خارج البلاد. بين دفّتي هذه المذكّرات أبواب كثيرة مثل: لمحة عن بيت صفافا جغرافيًا وسكانيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وتعليميًا ورياضيا؛ ذكريات طفل قبل الدراسة؛ العلاقات العربية اليهودية والمعارك بينهما؛ الهدنة ما قبلها وما بعدها؛ القدس بعد ١٩٤٨؛ الدراسة الثانوية في الناصرة والطيرة؛ العمل في الكيبوتسات والتخفي وراء أسماء عبرية؛ عودة إلى بيت صفافا المحتلة؛ دراسة العلوم السياسية وشؤون الشرق الأوسط في الجامعة العبرية في ١٩٥٨-١٩٥٩. تراوح عدد الطلاب العرب آنذاك بين ٨٠-٨٥  طالبًا، وكانت هدى الناشف من الطيبة أوّل عربية التحقت بالجامعة في منتصف خمسينات القرن العشرين (ص. ٢٧٠).

لا ريب أنّ ظاهرة كتابة مثل هذه الذكريات عمّا حصل لكاتبيها في قراهم وبلداتهم ومدنهم صحيّة، وذات بعد ثقافي وقومي لبناء مداميك جديدة في الذاكرة الجمعية للشعب العربي الفلسطيني الذي يعيش أكثر من نصفه خارج وطنه. شخصيًا تمتّعت في قراءة معظم هذا الكتاب من نواحٍ عديدة، منها أنّني عرفت قرية بيت صفافا وبعض أهلها في غضون دراستي وعملي في القدس في الجامعة العبرية مدّة ثلاثة عقود تقريبًا حتى أواخر ثمانينات القرن الغارب. لا أشكّ لحظة بأنّ البعض من نسل عائلات عثمان وبدران وحسين والعمري وسلمان وبطاش وعليان وأبي دلو قرأ أو ربّما سيقرأ ما ورد في هذه النافذة من ذكريات ومذكّرات حول مسقط رأسهم في فترة تاريخية حديثة محدّدة. أقول هذا بالرغم من أنّ عادة القراءة والمطالعة ليست من العادات الأصيلة لدى بني يعرب راهنا. من الأمور التي جذبت انتباهي بشكل قويّ وجليّ  ذلك الكم الهائل من المعلومات والتفاصيل الصغيرة من أسماء أشخاص وأحداث وعلاقات يسجّلها السيّد حسن إبراهيم عثمان في ذكرياته (أنظر مثلًا ص. ٤٦-٤٧، ٦٥). من شبه المستحيل، في تقديري، أن يتذكّر الإنسان مثل جميع هذه التفاصيل الكثيرة التي حدثث قبل الكتابة بعقود كثيرة. لا شكّ أنّ الكاتب قدِ احتفظ ببعض المذكّرات المدوّنة، واعتمد أيضًا على ما رواه له المسنّون من الأقارب وأهل البلدة عند زياراته لمسقط رأسه (مثلا في عام ١٩٦٥)، إلا أنّه لا يشير إلى ذلك. أنظر مثلًا إلى ما يقوله الكاتب في مستهل مذكّراته ”بناءً على إحصائياتي وتقديراتي المعتمدة على معرفتي بالأوضاع العائلية والاجتماعية واهتمامي بها، كفتى لا أتجاوز الثانية عشرة من العمر، فقد تراوح عدد سكان القرية في نهاية العام ١٩٤٧م حوالي ١٥١٩“، ص. ١١.

يحزّ في فؤاد كل عربي غيور على لغته القومية، أن يصادف مثل هذة الوفرة من الأخطاء اللغوية الأساسية التي يندر وجودها لدى الكثير من الشعوب الأخرى. أُكرّر ضرورة تمرير المادّة لمدقّق لغوي جدير بهذه الصفة قبل دفعها للطباعة. ورد في شكر وعرفان، ص. ٩ ”الأستاذ الشاعر محمد حلمي الريشة الذي كرّس جهدًا كبيرًا بتنقيح وتصحيح الكتاب وتنظيمه وإخراجه“.

عيّنة من الأخطاء اللغوية (الرقم الوارد في نهاية المثل هو رقم الصفحة في الكتاب)

أ) في الصرف

١) حيث شقينا طريقنا عبر مناطق جرداء، ٥٧ (أراد: شققنا)؛ لرعي البقار في ميكور حاييم، ٨٥؛ وفؤادي يتوقد لهباً، ٢٣٤؛ إذ استقلينا حافلة ”إيجد“، ٢٥٥؛ سبع أو ثمان سنوات، ٢٥٦؛ مجموعة من ثمان نساء، ٢٥٧.

ب) في النحو

١) استعمال صيغة مغلوطة:

القسم المعبّد كان مقصوراً، فقط، على المسافة التي تمتد من طريق بيت لحم، ١٥، مقصورة على مطحنة القدس الجديدة المحدودة، ١٧ (المراد: مقتصرًا، مقتصرة)؛ لقد برع واشتهر في هذه الصناعة الحاجة عذبة العظم، ٢٢؛ ما يقارب من الأربعين، ٢٦؛ كما أن مشاركتهن في موسم الحصاد كان مؤثرة جداً، ٢٧؛ والتنافس بين التنظيمين بلغت ذروته، ٣٤؛ المحاجر الأربع.٤٠؛ كان ينقصهم الألبسة الشتوية، ٦٣؛ يسقط على أرض الطريق الصخرية غير معبدة، ٦٧؛ في السنتين الأوليتين، ٨٧، ٢٢٠، الأولتين، ١٧٤؛ ففي أحد الليالي، ٨٨؛ باب الخليل وشارع مأمن الله والمناطق المجاورة لهما، كانوا في طليعة التعامل، ٩٢ (المراد: كانت)؛ حجرتين متواضغتين (هكذا في الأصل!) مبنية من الأسمنت، ١٠١؛ كانوا يفتقدون إلى أبسط الخبرات العسكرية الحديثة، ١٠٢؛ بأربعة عجلات، ١١٠؛ كما أن مناضلي القرية الذي كانوا يسهرون، ١١٦؛ كل منا فقد وزنه، ولم ندر كيف التصرف (أراد: توازنه)، ١١٨؛ كانت بريطانيا والدول الكبرى في أروقة مجلس الأمن يَعْلَمن علم اليقين، ١٤٢ (المطلوب: تعلمُ)؛ لسد بعض الثغرات النقص في السلاح، ١٤٣؛ ثلاث محاور، ١٥٤؛ الشهور الثانية عشرة، ١٥٦؛ كنت أستمتع مرافقة الجدة، ١٥٨؛ الهدوء، والسكينة، والتمتع بالطبيعة، حلَّ محلهم الضجيج، (الصحيح: محلّها) ١٧٥؛ في قدمه الأيسر، ١٩٩؛ في سَلك هذا الطريق المستقيم، ٢٠٣؛ سن مبكر، ٢٢١، ٢٢٢؛ والتصريف الصحي، ٢٢٣؛ صورة استذكارية، ٢٢٧؛ والجميع من كافة الصنوف رحبوا بي (ربّما أراد: الصفوف)، ٢٤٠؛ قائلاً لهما: سيروا في رعاية الله وحفظه، ٢٤١ (المطلوب: سيرا، مثنّى)؛ فسلام عليك يا طيرة المثلث، يا من فتحتِ ذراعيك لنا، ورحّبت بنا، ورعيتينا بعطفك وحنانك، ٢٤٢ (الصحيح: ورعيتنا)؛ وبالفعل أوفى بوعده، … وأوفيت بوعدي، ٢٥٢ (المطلوب: وفى، يفي، فِ!)؛ وقد خدمت في حقول هاتين النبتين، ٢٥٧؛ التي كانت تكون إحدى العناصر الأساسية، ٢٥٨؛ ونادراً كنت أتردد إلى المطعم العام، ٢٥٨؛ حادث الاعتداء على زميلنا يوسف إبراهيم موسى كانت لا تزال عالقة في أذهانهم، ٢٦٣؛ بأثاث جديد، سريرين وخزانة كتب اشتريتهم بإقساط شهرية، ٢٦٥ (المقصود: اشتريتها، ربّما نتج الخطأ النحوي من العامية)؛ مغادرتي البلاد في نهاية صيف العام ١٩٥٩ كان لها تأثيراً سلبياً، ٢٦٦؛ لم يستطع أحد من إخواني ملؤه، ٢٦٦؛ ما لا يقل على أربع سنوات، ٢٦٨؛ عدد الطلاب الأجانب من القارتين الآسيوية والأفريقية كانوا لا يتعدون الستة طلاب، ٧٠؛ مستفسراً عما إذا بالإمكان المشاركة في مخيم عمل دولي، ٢٧٤؛ من الخبازين اليهود والأوروبيين الأصل، ٢٧٨.

٢) الإعراب:

ويرتدي بنطلونًا رماديًا ومعطفاً أسوداً، ١٨، رداءً أسوداً حداداً، ٢٤ (المطلوب: أسودَ، ممنوع من الصرف لأنه على وزن أفعل)؛ فالشيوخ والأئمة والمعلمين،٢٥؛ لم يكن لاعبي هذه الأندية محترفين أبداً، ٣١؛ من لاعبي الدجاني لا يزال عالقاً في ذهني اسمين، ٣١؛ تناول لاعبي النادي القروي بعض السوائل الممزوجة بالمسكنات، ٣٢؛ أتخيل هذا الغربال ذي الثقوب الضيقة، ٤١ (الصحيح: ذا)؛ قبل أن تنجب أخينا محمداً  ببضع ساعات، ٤١، ٤٨ (الصحيح: أخانا، من الأسماء الستّة: أب، أخ، حم، فم، ذو، هن)؛ والتلاميذ المهرة واللامعين في الصف كان يبجلهم ويحترمهم ويقدرهم حق التقدير، ٤٧؛ حيث كان ولا يزال باقٍ بجوار، ٥٣؛ كان الأستاذ زكي قطينة معجب بجودة المداد، ٥٩؛ إذ أصبح رصيدي الآن جنيهان وخمسة عشر قرشاً فلسطينياً، ٧٣؛ كانت كلها صفات وشروط إيجابية، ٧٧؛ سار بنا عبر مدينتا اللد والرملة، ٧٧؛ خمسة جنود من الشرطة وجميعهم بريطانيين، ٨٩؛ كان رد البريطانيون قاسياً، ١٠٩؛ ولم يتحقق شيئاً، ١١؛ قوات جيش الإنقاذ وقوات المناضلين الفلسطينيون، ١٢١؛ وُضع تحت تصرف جدي الحاج مصطفى جبرين بيتاً واسعاً، ١٢٣(المراد: بيتٌ واسعٌ، نائب فاعل ونعته)؛ يزيد على 64 ألف جندي مجهزاً بأسلحة، ١٤١؛ مقابل أجرة يومية قدرها عشرين قرشاً فلسطينياً، ١٥٧؛ لكن الأغلبية من الجنود كانوا بريطانيون، ١٧٥؛ فعشاق الكرة ومشجعيها لن يبخلوا، ١٨٥؛ ومن بينهم عشاق الكرة ومحبيها، ١٨٥؛ ومن بينهم المجندين والمجندات العائدين إلى ثكناتهم، ٢٠٥؛ التي لم نعتاد إليها من قبل، ٢٠٩؛ وبعض معلبات مربى المشمش ذو الطعم اللذيذ، ٢١١؛ إن أخيك محمداً، ٢٣٠ (الصحيح: إنّ أخاك محمدٌ)؛ كأننا مُجرمَي حرب، ٢٣٤؛ مضى على اعتقالنا يومين، ولم يُبَتُّ في أمرنا شيئاً، ٢٣٦؛ ثم اصطحبنا أحد المسؤولون، ٢٤٦؛ فأجبته والابتسامة تعلو شفتاي، ٢٥١؛ مقابل أجر قدره جنيهاً فلسطينياً واحداً، ٢٧٨. (-ًا وليس -اً).

ج) المعجم

١) استخدام أعار، يعير بدلا من لفت يلفت: أود أن أعير انتباه القارىء، ١٥؛ ٢١؛ ٢٧؛ ٤٦؛ ٤٩، ٥٧؛ ٦١؛ ٦٣؛ ٨١؛ ١١٧؛ ١٢٢؛ ١٣٠؛ ٢١٧؛ ٢٣٧؛ ٢٦٩؛ ٢٧٠؛ ٢٧٦.

٢) الغرين؟: فسيل الذكريات غني بما يحمله من الغرين والمعالم، ٢٥.

٣) كان ذلك الرجل يرتدي زُنِيّة فلسطينية مزركشة، ٢٧؛ قمباز أو زنية مزركشة، ٥٠.

٤) وسبعة و80 جريحاً، ١٠٢.

٥) يلبس الفيصلية أو الكوفية أو الحطة والعقال، ١٧٩.

٤) حتى بدأ نشوب المعارك بين أهالي بيت صفافا والمستوطنات اليهودية، ٣٤.

٥) وعر الصليب المسمى اليوم في العبرية جيلو، ١٢٣.

٦) في التاسع من يوليو/حزيران من صيف العام ١٩٤٨، ١٥٣؛ بأسعار أعلى ارتفاعاً، ١٧٢؛ الرابض في المستشفى الفرنسي، ١٨٢؛ وفي يوم وليلة تصبح موقعاً عسكرياً، ١٨٢؛ الرطل ثلاثة كيلوغرامات، ١٨٤؛ قُبالَ سور القدس، ١٨٩؛ يافا عروس البحر، ١٩٠؛ لا يزال في دور التشييد والبناء، ١٩٥؛ سمعة حميدة، ٢٠٨، ٢٥٧؛ سباق المواصلات ٢١٣؛ إخوان بمعنى إخوة، ٢٦٦، ٢٧٥، ٢٧٦.

د) ألفاظ/استعمالات عامية /عبرية أو مترجمة:

 القَصْوَل أي التبن الخشن، ٢١-٢٢؛ حاج أمين لا تعبس/بدك عسكر بنلبس، حاج ـأمين لا تهتم/واحنا شرابين الدم، ٣٥؛ التضمين في الصيف، ٣٧؛ الحريقة ٣٨، ٦٠،  ١٠٨، ١٥٦؛ كادم، كوادم - شبيه بملقط الغسيل من خشب الزيتون يوضع على سرج الدابة لحمل الحصاد، ٣٩؛ الجرن أي البيدر، ٤٠؛ المسطبة أي أرض البيت، ٤٠؛ الصِّحيِّة أي المستشفى الحكومي في مسكوبية القدس، ٤١، ٧٦؛ شحفة أي حجارة سميكة، ٤٢؛ التُّوفا (الطُّوفي) نوع حلويّات، ٤٥؛ البوت أي الحذاء الشتوي، ٥١؛ كنزة، جرزاية، ٥٢، ٦٣؛ مع السلامة يا اللي ساير عالنبي مع السلامة..طريقك سلامة...، ٥٤؛ رما البقعة أي تل البقعة (ربّما من العبرية רמה)، ٥٥؛ المحبرة أي قارورة المداد/الحِبْر، ٥٨؛ أشجار الميس، التين الموازي، البريموس، ٥٩؛ بسكليت أي دراجة هوائية، ٦٦؛ بعض دفاتر البياض، ٦٨؛ أشجار القريش، ٧٥، ١٢٤، ١٩٧؛ يا غزيل يا ابو العبا، ٧٧؛ إلبك أجا وهلكيت موجود في حوش در مبارك، ١١٦؛ السلسلة أي الجدار الحجري وفي كفرياسيف يقال لها السِّنْسِلِه، ١٢٨؛ مِعْوَل الباب أي قفله، ١٢٨؛ أرض الصافح في بيت صفافا، ١٣٠؛ بئر أبي خشبة، ١٤٦؛ عصابات الـ ”أرجون“ و”اشترن“، ١٥١، ١٦٢؛ تضع السلة أو القطيف بين ذراعيها، ١٥٨؛ إنتاج السلّيس اللذيذ الطعم، ١٦٠؛ العكوب والخبيزة والخردل ولسان الثور والعِلِق، ١٧٥؛ بناية الجنرالي وبالعامية عمارة السبع، ١٧٩؛ أشجار الكينيا، ١٨٤؛ حي القطمون أصبح جونن، وحي البقعة سُمِّي جئوليم وقرية المالحة أطلقوا عليها اسم مَناحَت، ١٨٦؛ الطليانية أي المستشفى الإيطالي، ١٨٧؛ في جد وقطف الزيتون، ١٩٤؛ البيجاما والبابوج، ٢٠٤؛ البشقير أي المنشفة، ٢١٠؛ المَحص قلب الطيرة، ٢٢٤؛ بَحْلوص كنية شخص، ٢٢٨؛ سجن القشلة، ٢٣٦؛ تل وعركتن، ٢٣٩؛ أبراهام أُوسمان بدلاً من محمد إبراهيم عثمان، ٢٤٣؛ بمدرسة ”بيت حنوخ هيتخون “، ٢٤٥؛ قميص آتا الأزرق اللون وبنطلون آتا الخاكي، ٢٤٦؛  عمر يصبح عومر بالعبرية، ٢٤٦؛ وحسن يصبح حسون، ٢٤٨؛ ”رَحُوفوت“، ٢٥٠؛ قرن من الموز، ٢٥٣؛ شجرة ”الأفوكادوس“ التي لم أعرفها من ذي قبل، ٢٥٧؛ الكيبوتس/الكيبوتسات، ٢٤٦، ٢٤٧، ٢٤٨،  ٢٥١، ٢٥٦، ٢٥٧، ٢٥٨، ٢٧٤؛ ألواح الخزف الزينكو، ٢٦٤؛  الحصول على لقب أكاديمي، ٢٦٩ (تأثير عبري بعد عشرات السنين من תואר والمطلوب: شهادة)؛ مِفْعال هَشِخْبُول - مكتبة وحانوت نشر وبيع كتيبات جامعية، ٢٧٠؛  حافلة شركة ”همكشير“ رقم ١٣، ٢٧٢؛ مدمس الحمص، ٢٧٦..

 

ب. حسيب شحادة -  جامعة هلسنكي

 

ali alqasimiالكتاب ومحتوياته: في هذه الفترة العصيبة من تاريخ الأمة التي تعصف فيها الأزماتُ الحادة والاضطرابات الخطيرة ببلداننا، وتجتاح جماعاتٌ من المرتزقة المشبوهة دولنا، فتقترف ـ باسم الدين ـ جرائم بحق الإنسانية والحضارة، وتعمل على تقسيم المقسم وتجزئة المجزء على أسس عرقية وطائفية وعشائرية وجهوية؛ تتعالى أصوات العقل والحكمة والمعرفة لتعلن أن الدين الإسلامي براء من هذا الإرهاب الذي يُنسَب إليه، ومن الممارسات الوحشية التي تلصق به.

ومن هذه الأصوات كتاب " دين وسياسة " للمفكر الإسلامي الدكتور عباس الجراري، عميد الأدب المغربي، عضو أكاديمية المملكة المغربية. وقد صدر الكتاب عن النادي الجراري بالرباط مؤخراً (هذا العام 2017)، ويقع في 174 صفحة من القطع الكبير، ويضم مقدمة وخمس دراسات بالعربية (116 صفحة). وهذه الدراسات هي: المسلمون والسياسة (أسباب الخلاف وتجلياته)، السيرة النبوية بين الحقائق الموثقة والتأويلات المزيفة (حدث وفاته ومشكل تأسيس الدولة والخلافة)، المغرب وأفريقيا: من التعاون السياسي والتضامن الاقتصادي إلى تقوية الروابط الدينية التاريخية، أهمية المذهب المالكي ودوره في تشكيل هوية المغرب وتثبيت وحدته الوطنية، دور علماء الصحراء المغربية وأدبائها في تثبيت الوحدة الوطنية.

كما يضم الكتاب ترجمة الدراستين الرابعة والخامسة إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية (58 صفحة)، ربما لأنهما قُدِّمتا إلى بعض المؤتمرات الدولية لأكاديمية المملكة المغربية حيث تُستخدَم اللغات الثلاث: العربية والإنجليزية والفرنسية.

أسباب تخلّف بلداننا:

إذا ما علمنا أن المؤلف هو مستشار ثقافي ديني لدى العاهل المغربي، أدركنا سر روح الاعتدال والوسطية التي تطبع هذا الكتاب، وسر اللغة الدبلوماسية التي تغلب على أسلوبه عندما تحدّث عن تخلُّف بلداننا، فالاعتدال والوسطية هما من خصائص الثقافة والسياسة في المملكة المغربية.

 يقول المؤلف:

" يواجه العالم الإسلامي في المرحلة الراهنة تحديات عديدة وأزمات خطيرة تهدد وحدة دوله وأمنها وعقيدتها وفكرها وقيمها وسائر مكونات هويتها ومقومات وجودها، بدعوى مقاومة الإرهاب الذي يُنسَب ظلماً وعدواناً للدين، أو بحجة محاربة التخلُّف الذي تتخبط فيه، والذي تكمن أسبابه الحقيقة، ليس في التمسك بهذا الدين وتراث الأمة الثقافي والحضاري الأصيل، ولكن في عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية، وفي سوء تدبير هذه العوامل." (ص 9).

وإذا أردنا أن نفصَّل الإجمال الذي غلب على العبارة الأخيرة، نقول بلغة غير دبلوماسية إن هذا التخلُّف نتج عن السياسات التي اتبعتها بلداننا بعد استقلالها منذ حوالي سبعين عاماً، والتي غلب على إداراتها الفساد والرشوة والمحسوبية واختلاس أموال الشعوب، وركّزت على المقاربات الأمنية وأهملت التعليم والصحة والبنيات التحتية، وغمطت حقوق الإنسان، واعتمدت لغة المستعمِر القديم في الإدارة والتعليم العالي والحياة العامة، فأدت إلى تجهيل شعوبها وإفشاء الأمية فيها، وتعاظم الفروق الطبقية، بحيث أمست أقلية صغيرة تهيمن على ثروات البلاد ومراكز القرار، بفضل إجادتها اللغة الأجنبية المستخدمة لغةَ عملٍ في البلاد والتي أتقنتها في المدارس الأجنبية المحلية، مع وجود شرائح واسعة من الشعب بدون تعليم أو بتعليم متدنٍ لا يستجيب لاحتياجات سوق العمل؛ وتعاني هذه الشرائح الواسعة الفقر والجهل والمرض والبطالة، فيضطر الشباب من أبنائها إلى ركوب قوارب الموت للهجرة الى الغرب بحثاً عن إنسانيتهم، أو الانضمام إلى حركات مشبوهة، فيمسون وقوداً للاضطرابات الاجتماعية والحروب الأهلية التي تجتاح بلداننا.

تقول الروائية المغربية الفرنسية ليلى سليمان صاحبة رواية " أغنية هادئة" الحائزة جائزة الغونكور الأخيرة، بلغة غير دبلوماسية: " إن فشل البلدان العربية يُفسَّر بغياب التعليم، لأن الدكتاتوريين العرب يدركون أن التعليم الجيد يعرّض سلطتهم للخطر." (جريدة أخبار اليوم العدد 2235 في 1/4/2017). وقد وضعت يدها على الجرح، لأن التعليم الجيد هو حجر الإساس في كل نهضة وتقدم. ومصداق هذا القول إن بلداناً كثيرة كانت أكثر تخلّفاً من بلداننا، واستقلت إبان استقلال بلداننا، مثل فنلندا، وكوريا، وماليزيا، والصين وغيرها، وحققت تقدماً هائلاً بفضل تكفّلها بتعليمٍ جيد باللغة الوطنية المشتركة لجميع أبناء البلاد على حساب الدولة، في حين أن دولنا تخلت عن التعليم والصحة وتركتها للقطاع الخاص والدول الأجنبية (تُنظر تقارير التنمية البشرية للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، وتقارير التنمية الإنسانية العربية).

الإسلام وتعدد المذاهب:

في هذا الوقت الذي تتردد فيه أقوالٌ عن قيام أحلاف طائفية واحتمال نشوب حرب إقليمية مذهبية في منطقتنا، يؤكد العلماء والمفكرون الإسلاميون أن الإسلام واحد في مصادره الأساسية، وما المذاهب إلا اجتهادات فقهاء في الفروع وليس في الأصول، وأحصى بعضهم، في تاريخ الفقه الإسلامي، ثمانين مذهباً تنسب إلى ثمانين فقيهاً، وقد انقرض أو تقلص معظمها لأسباب مختلفة، مثلما حدث للمذهب الأوزاعي، نسبة إلى الإمام عبد الرحمن الأوزاعي (88 ـ 157 هـ) الذي كان منتشراً في بدايته في الشام، والمغرب، والإندلس. وهكذا فقد تقلص عددها، في الوقت الحاضر، إلى بضعة مذاهب في ضوء أهميتها، وسعة أتباعها، واستمرار وجودها حتى اليوم. وهذا التنوع قوة للإسلام، ودليل على حيويته، وملائمته لكل العصور.

ويصف الدكتور الجراري الإسلام بأنه " الجامع لكل المذاهب والتيارات السنية والشيعية وغيرها، لا مجال فيه للتعدد والتنوع، إذ هو واحد في مرجعياته ومصادره الأساسية، أي في ثوابته التي أجمعت عليها الأمة، والتي أتاحت للمتكلمين والأصوليين والفقهاء إمكانية الاجتهاد في بعض المسائل التي كانت ـ وما زالت ـ تستوجب هذا الاجتهاد. وما أنتج من مذاهب."( ص 10).

وهذا الرأي يتبناه جميع علماء الإسلام منذ الإمام أبو الحسن الأشعري (260 ـ 324 هـ) الذي وصف جميع المسلمين باختلاف مذاهبهم بـ " أهل القبلة"، لأنهم يعبدون رباً واحدا، ويتبعون نبياً واحداً نزل عليه قرآن واحد، ويؤدون صلاتهم وهم يتوجهون إلى قبلة واحدة هي الكعبة المكرمة. فالإسلام دين التوحيد.

ومعروفٌ أن شيخ الأزهر الأسبق الإمام محمود شلتوت أفتى بـ " ان مذهب الجعفرية، المعروف بمذهب الإمامية الاثني عشرية، مذهب يجوز التعبّد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنة." ودعا المسلمين إلى أن " يتخلصوا من العصبية بغير حق لمذاهب معينة، فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب..." (فتوى شيخ الأزهر الصادرة عن مكتبه بتاريخ17 ربيع الأول 1378هـ/ 1959م.)

. كما أن شيخ الأزهر الحالي الدكتور أحمد الطيب ما فتئ يردد شعاره: " الشيعة والسنة جناحا الأمة الإسلامية."

ولكنَّ تعليمنا المتدني لا يعلِّم أبناءنا هذه الآراء المستنيرة، ولا يغرس في نفوسهم روح التسامح والتعاون وقبول الآخر، ولا يدرّبهم على تفهُّم وجهة النظر الأخرى، ولا الاحتفاء بالتنوُّع والتعدد. كما أن الأُمّية المتفشية التي تطال حوالي 35 بالمائة من العرب لا تسمح لمعظم الأميّين بالاطلاع على هذه الآراء العلمية الموضوعية، فيظل عالقاً في انطباعاتهم ما رسب من عصر تدهور الثقافة العربية الإسلامية، الذي حصل في العصور الوسطى وتعرضت خلالها الأمة الإسلامية لهجمات متواصلة متزامنة، جاءت من الشرق على يد المغول وأدت إلى سقوط بغداد، عاصمة الخلافة العباسية سنة 1258م، ومن الغرب على يد الصليبيين أدت إلى سقوط القدس، وسواحل الشام، والأندلس إمارة إمارة آخرها غرناطة سنة 1492م. وفي فترة ضعف الدول وانحطاط الثقافة العربية الإسلامية تلك، تفشّى فكرٌ طائفي متخلّف، وراح الأفراد يحتمون بالطائفة والعشيرة والجهة والمدينة وليس الدولة. ولهذا دعا بعض المفكرين المعاصرين ـ كمحمد عابد الجابري في كتابه " تكوين العقل العربي" ـ الى القطيعة مع تراث تلك الفترة التي ساد فيها فكر بعض فقهاء الظلام التكفيريين ووعاظ السلاطين، الذين يدعون إلى طاعة السلطان مهما كان ظالماً لأنه ظل الله في الأرض، ولا يحتفون بفكر الفاروق عمر بن الخطاب الذي قال: " أصابت امرأة وأخطأ عمر." والذي صرخ في وجه المتسلطين: " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟!"، ولا بفكر الإمام علي بن أبي طالب الذي وجّه عامله على مصر بالعدل والمساواة بين الناس ـ مهما كانت ديانتهم ـ قائلاً: " الناس إما أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخَلق."

المذاهب الإسلامية مدارس فقهية:

ويشير المؤلِّف إلى أن المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم الثقافة (الإيسيسكو) التي تتخذ من الرباط مقراً لها، وضعت إستراتيجيةً للتقريب بين المذاهب الإسلامية التي ذكرت منها سبعة. وأذكر أن المدير العام السابق المفكر عبد الهادي بوطالب الذي أطلق برنامج التقريب بين المذاهب في المنظَّمة بُعيد تأسيسها سنة 1982، كان يسمّي المذاهب بـ " المدارس الفقهية" أسوة بالمدارس النحوية والمدارس الكلامية التي ظهرت إبان ازدهار الثقافة العربية الإسلامية خلال صدر الإسلام والعصر العباسي الأول.

وقد شارك المؤلِّف، الدكتور الجراري، مع اثنين آخرين من العلماء، في وضع مشروع هذه الإستراتيجية التي اعتمدها مؤتمر القمة الإسلامي في دورته العاشرة بماليزيا سنة 2003، ونشرتها المنظمة سنة 2010. ويستند هذا العمل الفكري إلى الدليل الشرعي من الكتاب والسنة المبني على أصول أقرّها العلماء والفقهاء من جميع المذاهب التي اعتبرتها الإيسيسكو سبعة، كما يقول المؤلِّف الفاضل، وهي:

1) المذهب الإباضي، الذي تعود أصوله الى الإمام المحدّث جابر بن زيد ( 21ـ93 هـ) الذي أخذ العلم عن ابن عباس وغيره من الصحابة. وكان أتباع المذهب يسمون أنفسهم أهل الإسلام، وأهل الحق، وجماعة المسلمين . بيدَ أن المذهب نُسب فيما بعد إلى تلميذه عبد الله بن إباض التميمي، الذي عاصر معاوية وتوفي في أواخر أيام عبد الملك بن مروان، وكان من دعاة الأباضية. وينتشر المذهب الإباضي اليوم في سلطة عمان، وفي جبل نفوسة وفي زوارة في ليبيا، ووادي مزاب في الجزائر، وجربة في تونس، وبعض مناطق شمال إفريقيا، وزنجبار.

2) المذهب الزيدي، نسبة إلى الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( 76ـ 122هـ )، الذي أخذ العلم عن أبيه الإمام زين العابدين، وأخيه الإمام الباقر. وهذا المذهب منتشرٌ حالياً في اليمن. وقد تواجد الزيدية سابقاً في نجد، وشمال إفريقيا، وحول بحر قزوين. وقد عمل تلاميذ الإمام زيد على جمع فتاويه وأفكاره في كتاب " المجموع" وفي كتب أخرى.

3) المذهب الجعفري، نسبة إلى الإمام جعفر الصادق (80 ـ 148هـ) بن الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والخليفة أبو بكر الصديق جدّه لأمه. وقد أخذ العلم عن أبيه الإمام الباقر وعمه الإمام زيد..ويقوم منهجه الفقهي على القرآن والسنة والاجماع والاجتهاد. ويسمّى أتباعه كذلك بالإمامية أو الاثني عشرية. وهذا المذهب منتشر في كثير من البلاد الإسلامية مثل إيران وأذربيجان والعراق والشام وبلدان الخليج وتركيا وبعض مناطق إندونيسيا، وغيرها.

4) المذهب الحنفي، نسبة إلى الإمام أبو حنيفة النعمان (80 ـ 150هـ)، الذي أخذ عن الإمام الباقر والإمام زيد والإمام جعفر الصادق وغيرهم. ويوصف في منهجه الفقهي بأنه من أهل الرأي، الذي يعتمد على القرآن والقياس. وهذا المذهب منتشر في مصر وتركيا والعراق والبلدان التي سيطرت عليها الإمبراطورية العثمانية سابقاً. وقد اعتنى تلاميذه بخدمة مدرسته الفقهية، وفي مقدمتهم أبو يوسف صاحب كتاب " الخراج".

5) المذهب المالكي، نسبة إلى الإمام مالك بن أنس (93 ـ 179هـ)، الذي درس على الإمام الباقر وولده الإمام جعفر الصادق وغيرهما، وهو فقية المدينة المشهور الذي يضرب به المثل " لا يفتى ومالك في المدينة". وتسمّى مدرسته الفقهية بـ " أهل الحديث"، لأنه يعتمد فيها على الكتاب والسنة وعمل أهل المدينة، ثم على القياس والمصالح المرسلة. وكتابه " الموطأ" أول كتاب مدوّن في السنة النبوية الشريفة. وهذا المذهب منتشر في المغرب العربي، وفي مصر وبعض بلدان الخليج، وإفريقيا الغربية.

6) المذهب الشافعي، نسبة إلى الإمام محمد بن إدريس الشافعي (150 ـ 204 هـ)، هاجر من موطنه الأصلي (فلسطين أو اليمن، على اختلاف الروايات) إلى مكة المكرمة، وتلقى علومه فيها، وعلى يد الإمام مالك في المدينة المنورة، وأشتهر مذهبه في العراق أولاً، ثم أنتقل به إلى مصر وفيها توفّي. وعُرف في منهجيته الفقهية بالتوفيق بين مدرسة أهل الرأي ومدرسة أهل الحديث، وله كتابان في الفقه هما " الرسالة " و " الأم"، وله ديوان شعر في الحكمة والأخلاق. ومذهبه منتشر في كثير من البلدان الآسيوية مثل ماليزيا وإندونيسيا، وشمال العراق.

7) المذهب الحنبلي، الذي يُنسَب إلى الإمام أحمد بن حنبل (164 ـ 241هـ) الذي ولد في بغداد ودرس على فقهائها مثل أبي يوسف، ورحل في طلب العلم إلى الكوفة والبصرة والحجاز واليمن والشام. ويميل في مدرسته الفقهية إلى أهل الحديث، ولهذا اعتنى عناية كبيرة بجمع الأحاديث في كتابه "المسند" الذي جمع فيه ثلاثين ألفاً من الأحاديث الصحيحة. وقد تعرّض لمحنة في حياته، حينما أراد الخليفة العباسي المأمون أن يفرض عليه فكره الاعتزالي فأبى الإمام أحمد، فسُجِن. وينتشر المذهب الحنبلي في المملكة العربية السعودية.

وفي تقديري أن المنظَّمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم قد اقتصرت في مؤتمرات التقريب بين المذاهب على هذه المذاهب السبعة، لأنها منظَّمة حكومات، فهي توجِّه دعواتها للمشاركة في مؤتمرات التقريب بين المذاهب إلى الحكومات الأعضاء فيها، التي تنتدب أحد علمائها المنتسبين الى المذهب الرسمي او الفعلي للدولة. ولهذا لم يكن المذهب الإسماعيلي ممثلاً في تلك المؤتمرات، فأتباعه أقليات موجودة في باكستان وأفغانستان وطاجاكستان وسوريا ومنطقة نجران في السعودية، وفي شرق إفريقيا.

وينتسب المذهب الإسماعيلي، إلى الإمام إسماعيل بن الأمام جعفر الصادق، بوصفه فرقة شيعية ترى أن الإمامة انتقلت من الإمام جعفر الصادق إلى ولده الأكبر إسماعيل، في حين ترى الإمامية أنها انتقلت إلى ولده الكاظم. ويمثل المذهب الإسماعيلي الجانب العرفاني والصوفي في الفكر الشيعي، وفيما عدا ذلك فإن الإسماعيلين، كبقية جميع المسلمين من مختلف المذاهب من حيث اعتقادهم بأركان الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن أستطاع سبيلا، وكذلك من حيث إيمانهم بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.

أسباب الخلاف:

هنا يُطرَح السؤال: إذا كان الإسلام واحدا وأن المذاهب الإسلامية جميعها واحدة من حيث اعتقادها بأركان الإسلام وأركان الإيمان، فلماذا هذا الخلاف، ولماذا " هذا الواقع المطبوع بالتمزقات والانقسامات والأزمات والحروب المدمرة"؟

يتصدّى المؤلف للإجابة على هذا السؤال بالقول القاطع بأن السبب يكمن في المسلمين وليس في الإسلام، ويخصّص دراستين من الكتاب لشرح ذلك: " لأنهم هم الذين اختلفوا، وهم الذين وقعوا في ما وصلوا إليه. أما الإسلام فهو دين ودنيا، أي أنه عقيدة وشريعة ومنهاج حياة، لإصلاح أحوال الناس." (ص 15).

إذن فسبب الخلاف سياسي وليس ديني، " والسياسة كلّها مؤمرات ومناورات" كما يقول المؤلِّف. ومن المحتمل أن يستعمل الزعماء السياسيون الدين وسيلة لتحقيق مآربهم والوصول إلى الحكم.

وكان الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري ( 363 ـ 449 هـ) قد طرح الرأي نفسه قبل حوالي ألف عام حين قال:

  إنما هذه المذاهبُ أسبا  بٌ لجذب الدنيا إلى الرؤساءِ

ولكي يدلّل المؤلِّف الفاضل على وجهة نظره، يتحدّث بالتفصيل عن خلاف المسلمين على الخلافة بعد وفاة الرسول (ص)، خلال اجتماع الصحابة في سقيفة بني ساعدة، " ولم يكن معهم سيدنا علي (ر) لأنه كان مشغولاً بدفن النبي (ص) وكان معه الزبير وطلحة والعباس رضوان الله عليهم." وكان الخلاف بين الأنصار والمهاجرين على هوية الخليفة، وتعددت الاقتراحات مثل " امير منا، وأمير منكم"، وأخيراً وقع الاتفاق على مبايعة أبي بكر الصديق (ر).

ويرى المؤلف أن مرحلة خلافة ذي النورين عثمان بن عفان والإمام علي بن أبي طالب، شهدت اضطرابات ومشاكل وخلافات حادة، خاصة بعد استبداد معاوية بالأمر في الشام، وخروج طلحة والزبير مع أم المؤمنين السيدة عائشة على الخليفة الإمام علي، وظهور الخوارج الذين خرجوا على الإمام علي، لأنهم كانوا ضد مبدأ التحكيم الذي كان في نظرهم مجرد مناورة من معاوية، وكفّروا كل من كان في هذا التحكيم، ثم ظهور المعتزلة الذين اعتزلوا الرأي، ولم يذهبوا مع أي من الفريقين. ثم ظهور فرقة المرجئة الذين أرجئوا الأمر لله في مسألة العمل وأخرجوه من دائرة الإيمان. "أما الأمويون، فاعتبروا ما قاله الجبرية لصالحهم وبدأوا يقولون للمسلمين: نحن قضاء الله وقدره".

وهكذا، فإن الخلاف السياسي بين المسلمين، لم يبق سياسياً، فقد أصبح عقدياً دخلت فيه قضية الإيمان والكفر، وقضية الإيمان والعمل...

ما الحل لتخلُّفنا: العلمانية أم الديمقراطية؟

يدرك المؤلف وجود دعوات ملحِّة لتبني العلمانية في بلداننا بحيث تُفصَل السلطة السياسية عن السلطة الدينية أو أحزابها الطائفية أو شخصياتها المرجعية. ويبقى الدين صلة بين الفرد وربه، أما الدولة فتتعامل مع جميع الأفراد بوصفهم مواطنين متساووين في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو السياسية أو العشائرية. وتضيف هذه الدعوات أن الغرب لم يتقدّم إلا بعد أن نحّى الدين عن شؤون الدولة.

 ويقول المؤلف: "والحقيقة أنه [الغرب] نهض بإقراره الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية والتعليم النافع والبحث العلمي المتطور واعتماد فكر إصلاحي مؤسَّس على حرّية العقل."

إذن المؤلف يدعو إلى الديمقراطية، فهل في الإسلام ديمقراطية؟

في علم المصطلح، الذي يدرس العلاقة بين المفاهيم والألفاظ التي تعبّر عنها، قد يوجد المفهوم ولا يوجد اللفظ الذي يعبّر عنه، أو يوجد هذا اللفظ ولكنه يتغير مع مرور الزمن. وطبقاً للمؤلف، فإن مفهوم الديمقراطية موجود في الإسلام، لأن الخصائص الرئيسة لمفهوم الديمقراطية، (هما المساواة والعدالة، والحرّية وخاصّة حرّية التعبير) منصوص عليها في الإسلام، وتكفلها جميع المبادئ والقواعد السياسية التي تنطلق من التوحيد.

فالتوحيد يعني أن الله تعالى هو الحاكم، وهو صاحب الأمر. فقد ورد في القرآن الكريم (ليس لك من الأمر شيء) ـ سورة آل عمران: 128 ـ، والأمر هنا تعني الحكم، و (إن الحكم إلا لله) ـ سورة النساء: 59 ـ (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) ـ سورة المائدة: 45 ـ، فالإسلام يحرّم الدكتاتورية أو الاستبداد في الحكم أو السلطة أو السياسة.

والمبدأ الآخر هو العدل، وهو مبدأ مشتق من مبدأ التوحيد. فما الإنسان إلا مستخلف في الدنيا لتحقيق إرادة الله. والقرآن واضح في نصه على العدل: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) ـ سورة النحل: 30).

أما مبدا الشورى فهو مبدأ أساسي في تسيير الشؤون السياسية والاجتماعية. وقد ورد في القرآن (وشاورهم في الأمر) ـ سورة آل عمران: 158 ـ (وأمرهم شورى بينهم) ـ سورة الشورى: 38.

إضافة إلى ذلك فإن القرآن الكريم تحدّث عن بيعتيْن: بيعة النساء اللواتي أردن أن يهاجرن مع النبي (ًص) من مكة إلى المدينة: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك...) ـ سورة الممتحنة: 12ـ ؛ وبيعة الشجرة: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم...) ـ سورة الفتح: 10 ـ.

وهكذا يخلص المؤلف إلى " أن المكونات السياسية ومقومات قيام الدولة الديمقراطية موجودة في القرآن . لكن هذه المبادئ وهذه الأسس تحتاج إلى من يعي حقيقتها ويدرك أبعادها، وإلى من يطبقها ويسهر على هذا التطبيق."

فالمؤلف مع الديمقراطية، وليس مع العلمانية، لأن الإسلام دين ودنيا. ويرى في الديمقراطية الملتزمة بالمبادئ والقيم الإسلامية حلاً لمشكلاتنا وتخلّفنا.

 

1103 abdahصدر حديثا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب "نهاية الشجاعة: من أجل استعادة فضيلة ديمقراطية"، لسينتيا فلوري، ترجمه الكاتب والروائي المغربي عبد النبي كوارة وقدم له المفكر المغربي عبدالله ساعف .

مؤلفة الكتاب سينتيا فلوري وهي ــ فيلسوفة ومحللة نفسية وأستاذة العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في باريس. وتشتغل على أدوات الضبط الديمقراطي ــ ترى أن نهاية الشجاعة هي لحظة تصادم مع معنى الحياة الهاربة، هي السيطرة غير الممكنة على الزمن، وهي لقاء مع المحدودية والأهلية المحتملة للزمن الطويل. فعصور تاريخنا هي عصور استعمال الشجاعة واختفائها، ليس إلّا! في هذه الحالة، لا تستطيع الديمقراطية ولا الأفراد الصمود أمام الإذلال الخُلقي والسياسي.

في تقديمه للكتاب يقول المفكر المغربي عبدالله ساعف (إن كتاب " نهاية الشجاعة" غني وعميق وعلى أهمية قصوى، لأنه يساءلنا مباشرة، وأكيد أنه لم يكن من السهل ترجمته إلى اللغة العربية، وإني أشكر بحرارة الأستاذ عبد النبي كوارة الذي أدى هذه المهمة الصعبة بنجاح.)

 

jasim alayffعرف المسرح، منذ القدم،عدداً من الأنواع الفنية المسرحية، ومنها الـ(البانتمايم)، وهذا النوع يؤدي فيه الممثل، أو الممثلون، أدورهم،عن طرق (الجسد) عبر حركات إيمائية مع استثمار الإشارة، ويعود، في أصله إلى المسرح اليوناني، ويشارك هذا الفن نوعاً آخر من المسرح هو الـ (مايم)، وفي اليونانية يعني (التقليد)،وهما وان اقتربا في شكل أداءهما التعبيري، إلا أن لكل منهما بعض اختلافه عن الآخر.(فالمايم) تكون الحركة والإيماءة عماد المشاهدة، في حين (البانتو- مايم) يمكن أن تتخلله أصوات وموسيقى وحوار قصير. يؤكد بعض الباحثين في الشأن المسرحي، أن (البانتو- مايم) ظهر كفن في القرن الخامس (ق . م) في اليونان واعتمد على الارتجال، وابتدأ في احتفالات ( ديونونسيوس) اله الخمرة والحب والخصب، الذي تقام عبادته في الربيع، وتتخلله إيماءات جنسية، عبر (باخوس) عند الرومان و(تموز) عند العراقيين  القدماء . بينما بعض الباحثين، في تاريخ المسرح العالمي، يُـرجع أصوله إلى جهات عدة عرفها التاريخ الإنساني وأكدتها المكتشفات والبحوث ( الاركيولوجية )، ومنها: القبائل البدائية، واحتفالات السومريين والبابليين والفرس والفراعنة والصينيين واليابانيين والشعوب الأخرى.وكان يؤدى من قبل شخص واحد، وقدم كذلك (شعرياً) بمصاحبة مؤدي، يعد بمثابة (ممثل آخر) نيابة عن الشاعر. وفي حقب زمنية أخرى،ظهر بعض الراقصين في جنوب الهند،يطلق عليهم (بهاراتا ناتيام) يصورون أجزاءً من القصص بالإشارات والحركات الراقصة، إما في مسرح (النو) الياباني فوجد (ممثل) يؤدي فواصل صامتة،ويقرر بعضهم،أن للـ(مايم) كذلك، أصل هو (البانتو- مايم) من المسرح، ولا يزال حتى الوقت الحاضر.وهذا الفن لم يأخذ حظه عند العرب مع إن مسرح (خيال الظل) نشأ في القاهرة أيام الفاطميين وهو قريب من هذا الفن،يمكن حول ما ورد أعلاه مراجعة كثير من المصادر باللغة العربية وشبكة الانترنت العالمية، ونؤكد على استفادتنا منها. بحدود اطلاعنا فان  معاهد وكليات الفنون في العالم العربي لا تُدّْرس، فن (البانتو- مايم)، ولا تشير له حتى، وما قام به بعض  الممثلين العرب في هذا المجال ليس غير جهود ذاتية، لعل ما قدمه الدكتور (سعدي يونس)،بجهوده الشخصية، خلال مرحلة السبعينات في بغداد فقط،مع محدوديته، لازال في الذاكرة. ليس (للمايم والبانتومايم) من شكل واحد ولم يكن صامتاً تماماً، فقد كان يحتوي على أصوات وكلمات وموسيقى وجمل حوارية قصيرة،وثمة فعاليات مجاورة لهذا الفن في عصرنا الراهن، نتيجة انعدام الحدود بين الفنون، فنلمس العروض الرياضية- العالمية، تعتمد الـ (بونتو- مايم)، ومنها ما يقدم في الألعاب الأولمبية وغيرها، كما تعتمده بعض الحركات الجماهيرية الاحتجاجية، وحتى ممارسات الشعائر الدينية، وكلها تنتمي إلى إظهار المشاعر والانفعالات وتكون على شكل حركات ( بانتو- مايم) كفن يتعامل مع البشر كمؤدين ومتلقين،  ويستطيع تجسيد الأشياء عبر فضاء العرض المسرحي. وهو ما استثمره الكاتب المسرحي "عبد الحليم مهودر" في :" الصمت:..أنهُ الصمت"* الذي احتوي على ثماني مسرحيات "مايم- بانتوميم" هي :" النقد، القلم والورقة، شعاع الماضي القريب، أطوار، شخابيط،النقطة الخيط، العيون..التي، قتل الصمت". وسعى عبرها، للربط بين السرد والكتابة للمسرح، وفن الـ"مايم- بانتوميم" بالذات،وحاول فيه استغلال كل الفنون التي توظف قدرات الجسد الإنساني على النطق، معتمداً على إن بلاغة (الجسد الإنساني)، في توصيل ما يريده الفكر، من خلال الحركات والأفعال الإيمائية. نلاحظ إن نصوص" الصمت ..أنهُ الصمت"  تتلاقح مع السرد والنص المفتوح، من خلال تحويل المشاهد الصامتة إلى فعل كتابي،ففي نص (النقد)، مثلاً تحدد الشخصيات بالتالي: البهلوان،الأبيض،الأسود،الأصفر،الأحمر،الأخضر،الأزرق، ويوضع صندوق مكعب في وسط المسرح،ولكل وجه لونه،مع خلفية لحيوان خرافي - بهلوان، ليس فيها جميعاً ألوان الصندوق، وكل شخصية تحمل عصا ملونة، بألوان باهتة (ص6 - 9 )، وهو ما يجعل هذا النص اقرب إلى مسرح الطفل، كونه ينطوي على  مكونات وعناصر خاصة بمسرح الأطفال، وثمة غيره كذلك في "الصمت ..أنهُ الصمت"،والتي تعد نصوصاً مسرحية تحتاج إلى تقنية متقدمة وحديثة مع ممثلين لهم الدربة والخبرة والممارسة المسرحية الاحترافية. الـ "مايم- بانتوميم" للكاتب المسرحي "مهودر"  يعد بمثابة  (ثماني مغامرات) حرث فيها بأرض بكر. ومع أهمية هذه النصوص لكن لا توجد إمكانية تنفيذها عملياً،كون (المايم)هو حركة الجسد والإيماءة دون الحوار،  ومن المعروف، توثيقياً، إن أول لقاء مع فن (المايم) جاء عبر السينما الصامتة. أن نصوص الكاتب المسرحي "عبد الحليم مهودر" مفتوحة وتترك القارئ - المتلقي لهذا النوع من النصوص، حراً في تعامله معها ومع مكوناتها المسرحية. الكاتب (مهودر) في ما قدمه، قام بتحويل الـ"مايم- بانتوميم" إلى الكتابة، ويمكن عدها بمثابة أعمالاً استثنائية، لكن هذا النوع من الأعمال المسرحية لا يمكن اختزالها بالكتابة فقط، بل بالفعل المسرحي للعرض المباشر على الجمهور،ويقوم بتوصيل خطابه عن طريق الحركات الجسدية والإيماءات، ونلاحظ أنه عمل على تنوع  الشخصيات فيها،وكذلك عددها ففي بعضها يكون العدد (7) شخوص، وفي غيرها يتجاوز عددها (21) شخصاً - نص (شعاع الماضي القريب) (ص 59 )،وتتبادل التشخيص في ما بينها، فبعضها يؤدي (أربع) شخصيات على التعاقب، وفي بعض النصوص، ثمة (شخصية واحدة) فقط، كما في (الخط) ص (73 ) وغيرها، وبعض النصوص تألفت من فصول متعددة، وأخرى من فصل واحد، ولكن بمشاهد متعددة، وقد تمكن- الكاتب مهودر- من ترحيل بعض النصوص الموجودة في" الصمت ..أنهُ الصمت"، إلى مسرح الطفل، لكن لا يمكن لأي نص التعامل معه لـ(مسرح الأطفال)، إلا من خلال المعالجة الإخراجية والفكرية واستخدام التقنية المناسبة . ومن الصعب الذهاب  إلى  قسرية التأويل باتجاه واحد  لبعض نصوص "الصمت ..أنهُ الصمت"،  فكلما اتسعت محاولات تأويلها فأنها ستصل إلى مدى أرحب وأغنى.في الغلاف الأول والمتن نلاحظ الكاتب (مهودر) يجنس كتابه بكونه (مسرحيات مايم/ بانتومايم)، لكنه يستبدله في الوجه الثاني للغلاف بـ" كتاب مسرحي"؟!. لذا يمكن أن يقرأ العنوان الموازي،للتأكيد على فرادة المتون التي احتواها الكتاب، وهي إشارة غير مضمرة، وتقترب من مقاصد المؤلف كعلامة دالة،كما يمكن اجتراح مقاصد أخرى حول (الكتاب) بوصفه الثاني، المذكور، اعتماداً على نظرية التلقي الحديثة التي تمنح القارئ الحرية في تأويله الخاص لما يقرأ، لأن في كل كتاب عادة بنى متعددة سطحية - عميقة، والكتاب، أي كتاب، يمكن إن يقرأ تأويلياً كشكل من أشكال توجه القارئ ومتعته، وميزة هذا النوع من الفن المسرحي انه يستطيع الكل فهمه، فلغة الجسد التي يعتمدها تتغلب على صعوبة اللغات المحكية، كون الجسد له القدرة على إيصال توجهه الفني- الإنساني للمشاهدين.نلاحظ أن (الكاتب) لم يؤرخ نصوصه، فهل كتبت في حقبة النظام السابق، وتم التكتم عليها؟.أم بعد سقوطه؟.خاصة وان أغلبها يعكس حالات العنف والتعسف والقسوة التي ميزت الوضع العراقي - الاجتماعي في المرحلتين. ويعرف عن الكاتب "عبد الحليم مهودر" تعدد اهتماماته بين كتابة القصة والرواية،وسبق أن اصدر "ظل استثنائي"  قصص قصيرة، و"ذاكرة الحكايات- حكايات مهودر الساخرة- حكايات"، ورواية " الـذلـول"، كما أصدر كتاباً بعنوان: (اهوارنا..نص مفتوح)- دار تموز للطباع والنشر- دمشق- 2016- بالاشتراك مع الباحثة السيدة (خيرية عبود ياسين)- مديرة بيئة المنطقة الجنوبية سابقاً - وهو بمثابة نصٍ انثروبولوجي، وتداخل لعلاقات وتوجهات تجنيسية بين ما هو تاريخي - سردي مفتوح على آفاق موغلة في (الزمكان) العراقي،و توثيق للأهوار العراقية، معززاً بعشرات الصور الفوتوغرافية الملونة عنها، وله ممارسات تطبيقية - عملية - إدارية - أرشيفية، مع بعض الفرق المسرحية في البصرة.

 

جاسم العايف

.................

* اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة - الغلاف : جمانة عبد الحليم - مطبعة النخيل - بدعم شركة "آسيا سيل للاتصالات"

 

 

1097 abasيقول الجاحظ: "لا يزال المرء في فسحةٍ من عقله، ما لم يقل شعراً، أو يؤلف كتاباً".

بدوي الحاج وحسب تعريف الجاحظ لا فسحة عنده لأنه قال وألف كُتب في الشعر.

عام 2014 نشر بدوي كتابه الشعري ألأول " …ولو بعد حين!" وعام 2016 كان كتاب "قامات في فراغ أبيض" وها هو اليوم في جديده "لاهِثاً، يبتلِعُ الهواء" بأقانيمهِ الثلاث المرأة، الروح والوطن، يبوح بقلقه وألمه وحبه متأففاً وثائراً، يعبُر على جسرٍ من الأشعارٍ لترتفع ماداميك أبيات قصائده بهندسة بلاغية ليضيء على انكساراتنا، معاناتنا ومعاناته التي تعشش في يومياتنا، ببساطةٍ لأنه لا يريدُ للبيئة أن تحاصره.

في القسم الأول المخصص للمرأة يغرف من ذكرياتِ طفولة وصِبا مسترجعاً حباً " في بئر طفولتي…بعيدة تصدَحُ الأغنية…!"، "أنا صبيٌ أرعن..يسرقُ الهوى اختلاساً" لينتهي به المطاف ناطوراً للهوى "أبقى هُنا..أنا!… ناطوراً للِهوى".  ونرى إصرارهُ على حبيبته لتناديه "ناديني… إلى مروجِ العشقِ… إلى النهود العارية"،  ويستمر الشاعر في التغزل بحبيته باستعارة النجوم والقمر "بين النجوم وعينيكِ/ قمرٌ"،  ويعترف بدوي الحاج بغيرته على حبيبتهِ ولا يتوارى خلف خجلٍ قد يكلفهُ حبهُ "في الشتاءِ أغار عليكِ أكثر/ أغارُ من المطرِ والرِّيح"،  قد تبدو هذه الغيرة موسمية لكن الحاج يُبدد هذا الشعور حين يقول:" فأنتِ أجملُ أغنية في البال.."، وفي تعبير عن مدى هذا الحب والغيرة وفي إستعارة معبرة " أتذكرين يوم مشى البحرُ إليكِ/ حافياً/ لٍيُداعب قدميِكِ الحافيتين!" لينتهي به المطاف من إدمانه  لشفتَيّ هذه الحبيبة في أول الطريقِ إلى الله " شفتاكِ أسطورة …/ علمتني شريعة الإدمان!/ شَفَتَاكِ،/ أول الطريق إلى الله..".

في القسم الثاني من الكتاب "الروح" لا يستعمل الكاتب أسلوب التورية فنراهُ معترفاً أنه لا يريد أن يعيش ضجر الألوهة..ولا رتابة الكمال ..لِأنه يتعب، يعشق، يقلق ويغضب أكثر ويقول: ثمة فَارقٌ بيني وبين الله../أنا لستُ على صُورتهِ ومِثالهِ!" ليثبت أن المدّ والجزر غريبان..لا يتحاكيان لا يلتقيان، وكأن ذلك مقدمة للحرب التي يُعلنها على الفجّار والكشف عن خطاياهم حين يقول: "أعظم الخطايا أرتكبها وأنا أُصلي …ساجداً خاشعاً/ لا أخبرُ أحداً /عن العبث غير اللائق/ الذي يدور في رأسي!/ القس رجُلٌ فاجِر/ تسكنه الشهوة في بدايةِ كًل صلاة‼".

وفي قصيدة "غير مبالٍ بفَرَحِ المكان!" من كثرة الحزن في الزوايا يعود الى وجهِ أمهِ، يريد أن يعود الى أرضٍ/مياهُها صافِية.

وما بين غيابٍ وغربة، يَدَعُ عنه السكوت ويُظهر ألم الغربة ومعاناتها ويقول::" في الغُربة،…هناك الكثير من العُلب/ بلا أبواب، بلا نوافذ"  وليتغلب على هذه الغربة نراه في قصيدة " …وفي الجنة خمر وحوريات!" يسأل الساقي المزيد من الخمر لأن الحياة لم تعُد الحياة وتنتهي الى تكتكة ساعة الحائط. هنا نرى كيف يفيض الحنين بالشاعر الى بلدته لأن الروح تتعذّب خصوصاً عندما وجد نفسهُ بعيداً من كُل المنازل… لا فرق بين الشروق والغروب، ومضى زمن بل زهور، بلا نحل وبلا عصافير! ليجد نفسه مسكون بالأغنية…/مسكون بالمواويل…/مسكون بالبساتين...

وفي عالم قست قلوب بنيه وسُفكت دماء كثيرة ولِدَتْ حال من عدم الإستقرار وخُلِقَ شعور بقلقٍ وجودي وأحساس بالحيرة والشك والنقمة لغياب القيم الروحية والجمالية والوطنية والإنسانية التي ينشدها بدوي الحاج في شعره، لذلك يبدأ في القسم المخصّص للوطن ثورته متسائلاً:" كيف لنا أن نقود ثورة!؟" ويصب جام غضبه على الحاقدين "أيها الحاقدون ألم تتعبوا؟ ورغم عبث هؤلاء الحاقدين فلم يغادره الأمل ويقول في قصيدة "غداً، حين يأتي المساء! قبل الرحيل.. لا تنسوا أن تزرعوا الأرض معاول/ فتنبت ثوراتِ فكرٍ ومبادىء/ بعيداً من الظلِ والصدأ…/ في أحضان أطفال موطني".

وفي قصيدة نكاية بالطائفية يرى الحاج أن الشعوب المكدسة مذهبياً تقف أمام حائط مسدود ويعلن المواجهة المسلحة فكرياً.

في قصيدة أنا طفلٌ فلسطيني! يلتحق الشاعر بثورة الحجارة "بندقيتي مقلاع" ويعيد قضية فلسطين الى مركزيتها "فلسطين تاريخ النبض". ويهيل التراب على الباقي من فكر العروبة المُصادرة .

وفي قصيدة تراقصون ألآيات ! لا يهادن عُبّاد الكراسي الفارغة… ويتبرأ من فسادهم مميزاً بين وطنه وفسادهم حيث يقول: "لنا وطَنُنا/ ولكم فسادكم".

" لاهِثاً، يبتلعُ الهواء!" لا يقتصر على الأبداع الشعري ففيه قسم خُصِّصَ لنثريات مهمة تتحدث عن ذكرياتِ أيام منصرمة بحلوها ومرّها حُفرت في وجدان الكاتب الذي يتوقف عند ثقافة العصر وأفكارهِ وعاداته وتقاليده ومعاناتهِ والتغرُّب عن الذات، ويقارن الشاعر مع صرخة من الألم بين أشياء أحَبَّها وأخرى تفرض نفسها من باب الموضة أو الحداثة أو اللحاق بالركب! معبراً عن مرض العصر ومآسي الأمة التي ترتدي قناعاً مزيفاً ويقول:" الفارقُ هو حَنينٌ وعِشقٌ وانِتماء"… ويقول أيضاً:" على هامِشِ هذا الكون، سقط الكثيرون،سهواً، دون إمتحان"… ولا يتوقف عند ذلك وفي موقع آخر يقول:" أشفقُ عَلَيكِ وأنتِ ترتدين القناع...!" وللدلالة على ما يفضّله يلتجئ الى حضن أمهِ حيث الأمان ويقول:" في حضن أمي، وطن وملجأ ومسبحة صلاة…!" وينتقل الى ما آلت أليه حال الأمة بسبب ما سُمِّيَ الربيع العربي "بإسم الربيع العرَبَي..! شردنا الشعوب، قتلنا الرجال والنساء والأطفال، دمّرنا الأوطان وكفرنا بالقضية"... ولا يوفر بدوي الحاج المظاهر الإيمانية الكاذبة حيث يقول:" في المعابد الضخمة/ الفخمة يختبئ الخالقُ حياءً.. في هكذا معابد، يهرب ربُّ المنزل ويسكنُ الشّيطان…!" وعندما غلبه الحنين قفل الشاعر عائداً إلى البيت ويقول:" كُل شيء حَولَ بيتِنا يُشبِهُ نَفسَهُ"..متسائلاً قبل ذلك:" كم من العصافير عادت، ولم تجد بيوتها؟!"

خلاصة القول أن بدوي الحاج في "لاهثاً، يبتلعُ الهواء!" ينتصر للحب، للوطن، للقضية والإنسانية ويدوِّن اللحظات بمرارتها وشهامتها معبراً عن ذاتهِ ومواقفهِ بإتقانة معرفية، ثقافية، وجودية، اجتماعية وحضارية ومحطات جمالية غنيّة بفكر ونظرية بدت في نصوصه التي تنسجم مع رؤاه من خلال الاسئلة الكثيرة التي بدت في الكتاب لأنه يلمس جوهر الصراع ويعيش داخل دائرته وليس على هامشهِ لذلك اتّسم النص بترابط معبراً عن تجربة الشاعر في مجاهل الحياة وظّفها للتعبير مجازاً وإستعارة ومشابهة .

 

عرض عباس علي مراد

 

 

1092 ahmadصدرت عن دار المدى ببغداد السيرة الذاتية للباحث والروائي علي الشوك تحت عنوان "الكتابة والحياة"، وهي سيرة جريئة بكل ما تنطوي عليه الكلمة من معنى رغم استئذانه من بعض الشخصيات النسائية، واستعاضته بالأحرف الأولى لشخصيات أخر آثرت البقاء خلف الستائر المُعتِمة لأنها لم تتعلم مواجهة الذات طوال حياتها فكيف تستطيع مواجهة الآخرين؟

قبل أن نلج في تفاصيل هذه السيرة الذاتية الشائكة لابد من الإشارة إلى أن علي الشوك قارئ نهم أحبّ قراءة الأدب والفن واللغة، ولعله انقطع زمنًا طويلاً لقراءة الرواية، وتعلق بأبرز أساطينها أمثال تورغينيف، دستويفسكي، ستندال وغيرهم من الذين تمنى مجاراتهم، والكتابة على غرار ما كتبوه من أعمال إبداعية خالدة مثل "الحب الأول"، و "المقامر" و "الأحمر والأسود".

وُلد علي الشوك في كرادة مريم ببغداد عام 1929، وحين أكمل المرحلة الثانوية أبتُعِث إلى الجامعة الأميركية ببيروت عام 1947 لدراسة الهندسة المعمارية التي لم يخترها بنفسه، وسوف يبدّل اختصاصه في بيركلي ليدرس الرياضيات. أفاد الشوك من بيروت، التي يعتبرها مدرسته الأولى، في التعامل مع اللغة والتاريخ والأسطورة بفضل البروفيسور أنيس فريحة. أما بيركلي التي درس فيها الرياضيات فقد فتحت شهيته على الموسيقى وأتاحت له مشاهدة معظم أوبرات فيردي، وفاغنر، وموتسارت وسواهم من كبار المبدعين الذين سيسهمون في تأسيس ذائقته الموسيقية.

كان الشوك ذا نزعة يسارية منذ أيام بيروت وبيركلي وحينما عاد تلقفه "الرفاق" فانتمى إلى الحزب الشيوعي وتقبّل ظروف العمل السري "عن غير قناعة فطرية"(ص22) لكنه تعرّض للتنكيل في أواخر عام 1956 لأنه لم يقدّم للوزارة أسماء الطلاب الذين تظاهروا مؤيدين تأميم قناة السويس.

لم ينجُ علي الشوك من الازدواجية، فهو ماركسي لكنه ينتمي إلى أسرة إرستقراطية، اشتراكي لكنه لا يمقت العالَم الرأسمالي، طوباوي لكنه يعيش على أرض الواقع ويلهث خلف الحسناوات بحجة الإلهام الروائي. لابد من الوقوف عند علاقته الوطيدة مع الدكتور نوري السعدي، هذا الكائن المتحرر جدًا الذي تماهى مع الشوك وبات يشعر بالعزلة من دونه. دعونا نؤجل الحديث عن المرأة والصداقة ونتوقف قليلاً عند السياسة التي أفضت به بعد انقلاب 1963 إلى السجن في "قصر النهاية" والتعذيب الذي لم يتحمله أكثر من ثلث ساعة فقدّم "اعترافه" ونجا بجلده ليقرر عام 1979 الفرار من "بلد يحكمه رجل مشبوه، ويتصرّف بمصائرنا كما يشاء"(ص160). وسوف تستمر رحلة المنفى وعذاباته إلى تشيكوسلوفاكيا ومنها إلى هنغاريا قبل أن يستقر به المقام بلندن التي تمنحه حق اللجوء السياسي وتتكفل بسكنه ومعيشته إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولا.

نساء علي الشوك كثيرات بما فيهن بطلاته الروائيات اللواتي ألهمنهُ جلّ نصوصه الروائية ولكن تظل السيدة هناء أدور أهمهن على الإطلاق ذلك لأن جميع النساء اللواتي تعرّف عليهن "جئن عن طريقها"(ص95). ثم يمضي إلى القول:"إنّ هناء كانت أهم امرأة في حياتي وأقربهن إلى نفسي. وأنا هنا لا أعني بذلك أن هناك حُبًا أو عشقًا بيني وبينها"(ص96). وإنما يعتبرها حضنًا عائليًا ويضعها في مستوى علاقته بنوري السعدي الذي كان يبوح له بكل خلجات مشاعره الأمر الذي أفضى إلى الانسجام الهائل بينهما.

كان علي الشوك باحثًا ومفكرًا ولغويًا قبل أن يكون روائيًا فلاغرابة أن يعترض البعض في حينه على ترشيحه للهيأة الإدارية لاتحاد الأدباء لأنه "مثقف، وليس أديبًا"(ص72). وكان الشوك يُدرك سلفًا أن ثقافته الموسوعية سوف تنأى به عن عالم الرواية والأدب الذي بدأهُ بعد خمسين عامًا من القراءة والكتابة والتجارب العاطفية والاجتماعية والسياسية. وكان لابد له أن ينجز عددًا من الكتب التنظيرية المتخصصة فأصدر "الدادائية بين الأمس واليوم"، "الأطروحة الفنطازية"، "الموسيقى الإليكترونية"، "من روائع الشعر السومري"، "جولة في أقاليم اللغة والأسطورة"، وسواها من الكتب الثقافية الرصينة لكن همّه كان منصبًا على الأدب. ولسوء الحظ أصدر مسرحية "الغزاة" التي فشلت وتعرضت للنقد لأنه لم يكن يتوفر على خبرة بفن المسرح، وظل رهانهُ قائمًا على الرواية التي يربطها دائمًا ببطلة خارقة الجمال مثل "زينايدا" في "الحُب الأول" و "ماتيلد" في "الأحمر والأسود" وغيرهن من الفاتنات خصوصًا إذا كنّ يُجدن الرقص. وبما أن هناء أدور قد عرّفته على بعض النساء الألمانيات أمثال إينه Inge وكارولا، كما تعرّف إلى (غ) التي اعتبَرها ملِكة وأجمل امرأة في الوجود وقد دخلن نصوصه الروائية تباعًا لكنه لم يحقق الرواية العصيّة على الكتابة مع أنه ظل يزعم طوال حياته بأنه يروم كتابة اللامكتوب أو الرواية الحلم التي لا ترخي الطبع ولا تسلس القياد إلاّ لأصحاب المواهب الكبيرة الذين غيّروا ذائقة القرّاء في مختلف أرجاء العالم.

من حسنات علي الشوك أنه يستأنس بآراء بعض الكُتاب من أصدقائه المقرّبين أمثال فؤاد التكرلي، كامل شياع، غانم حمدون وآخرين ولا يدفع مخطوطته للنشر إذا كانت آراؤهم متحفظة أو سلبية، ومن مثالب هذا الرجل هو غروره أو ثقته العالية بالنفس وإلاّ كيف نبرِّر مقولته المثيرة للاستغراب: "أنا أعلم أنني مثقف من الطراز الأول في كل شيء تقريبًا، لكنني أحب الرواية والموسيقى أكثر من أي شيء"(ص72).

على الرغم من رصانة أبحاثه، وعمق دراساته اللغوية إلاّ أنه يتواضع أحيانًا حينما ينتبه إلى تفوّق الأوروبيين في بعض المجالات البحثية. فحينما أنجز كتاب عن الجذور المشتركة بين اللغات السامية-الحامية واللغات الهندية- الأوروبية نصحه أحد المستشرقين بقراءة كتاب "محاولة في المقارنة بين اللغات" لإيليتش سفيتش الذي يتناول العلاقة بين ست مجموعات لغوية وحينما قرأه شعر بالفارق المعلوماتي الكبير فقال بتواضع شديد:"شعرتُ كم نحن متخلفون بالمقارنة مع الآخرين، لا سيما الروس أو السوفييت"(ص94).

لابد من الإقرار بأن معظم روايات علي الشوك جريئة، ومثيرة للجدل في ثيماتها الرئيسة مثل "أحاديث يوم الأحد"، "مثلث متساوي الساقين"، "فتاة من طراز خاص"، "تمارا"،  "فرس البراري" وبقية الروايات الخمس التي تتمحور حول موضوعات سياسية وثقافية وفنية. وكالعادة فقد استقبلها النقّاد بطرق مختلفة وخاصة رواية "الأوبرا والكلب"، التي قرأها البعض بتعالٍ مثل الناقدة فاطمة المحسن، وبعضهم الآخر استقبلها بمحبة وإعجاب مثل الروائي محمود سعيد. أما رواية "موعد مع الموت" التي استوحاها من حادثة اغتيال الكاتب "كامل شياع" فقد نالت إعجاب الشاعر فوزي كريم وقرأها في ليلة واحدة لأنه وجد فيها أكثر من عامل مشوّق.

يحتاج العالم الروائي الذي خلقه الشوك إلى دراسات معقمة تتناول الثيمات، والشخصيات، واللغة، والبناء المعماري وغيرها من المعطيات الفنية والفكرية والإبداعية التي تتطلب قراءات تفكيكية بِعُددٍ نقدية متطورة جدًا تستطيع أن تبرهن فعلاً بأن "الجمال هو أعظم قوة على وجه الأرض" كما يذهب الروائي الفرنسي أناتول فرانس.

يختم علي الشوك سيرته الذاتية بالقول إنه كَتَبها "بكل تلقائية وصدق"(266) ولا غروَ في أن يعترف في عامه الثامن والثمانين بالتعب، والإجهاد، وانطفاء الجذوة، وضمور الذاكرة وهذه من اشتراطات الشيخوخة التي لن يفلت منها أحد، ومع ذلك فهو يصرخ في المضمار الأخير: "أيتها الأفكار لا تخذليني، ويا صفاء الذهن هلّم إليّ ولو بجزءٍ من طاقاتك"(ص268).

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

1093 hatamالذكاء، اللغة، التعاون، التكنلوجيا هي ليست استجابات متكيفة للظروف الخارجية، بل ان الانسان هو كائن مستقل في ما يقوم به. لم تكن النشاطات المتعلمة المنقولة اجتماعيا من اسلافنا هي نتيجة للمناخ والكائنات المفترسة والأمراض كعوامل خلقت الظروف التي في ظلها تطور الذكاء، بل ان الذهن الانساني لم يتأسس فقط لأجل الثقافة وانما بُني بواسطتها.

الكاتب لالاند وهو عالم اعصاب تطوري وصف الثقافة في كتابه الجديد (سمفونية دارون التي لم تنته: كيف صنعت الثقافة ذهن الانسان) (1)، كانت مهمته السعي لفهم الكيفية التي طور بها الانسان قدرات ذهنية تتجاوز قدررات الكائنات الاخرى.

محتويات الكتاب:

الجزء الاول: اصول الثقافة

1- سمفونية دارون التي لم تنته

2- الاستنساخ الغامض

3- لماذا نستنسخ؟

4- قصة سمكتين

5- اصل الابداع

الجزء الثاني: تطور الذهن

6- تطور الذكاء

7- الولاء العالي

8- لماذا نحن فقط نمتلك لغة

9- التطور الجيني-الثقافي المشترك

10 فجر الحضارة

11- اسس التعاون

12- الفنون

 يرى تيلر كوين بان الفهم الصحيح للعلاقة بين الثقافة والسلوك الاقتصادي هو "المشكلة التي لم تُحل وهو القضية الاكثر اهمية في الاقتصاد وفي العلوم الاجتماعية". لازلنا نكافح لأجل تعريف الثقافة، ونتذكر تعريف جويل موكير لها:

هي مجموعة من العقائد والقيم والافضليات القادرة على التاثير في السلوك الذي ينتقل اجتماعيا وليس وراثيا والذي تتقاسمه بعض الفئات الفرعية للمجتمع.

اما جوزيف هينرش الذي يتداخل عمله مع لالاند فقد كتب:

الثقافة هي ذلك الهيكل الكبير من الممارسات والتكنلوجيا وطرق حل المشاكل والادوات والمحفزات والقيم والعقائد التي نكتسبها جميعنا اثناء النمو، اغلبها عبر التعلم من الناس الآخرين.

يذكر لالاند:

اعني بـ "الثقافة"التراكم المكثف للمعرفة المكتسبة المتقاسمة، والتحسن المتكرر في التكنلوجيا بمرور الزمن. نجاح الانسانية يُعزى احيانا الى ذكائنا لكن الثقافة في الواقع هي التي تجعلنا اذكياء. الذكاء ليس بعيد الصلة وانما منْ يقرر نوعنا هو المقدرة على استثمار فهمنا ومعرفتنا والبناء على كل واحد من الحلول الاخرى. وهناك من يعرّف الثقافة كفكر منقول اجتماعيا ونماذج ونزعات سلوكية. هذا يترك جانبا التجليات المادية للثقافة كالادوات والتكنلوجيا التي تضمنتها تعريفات لالاند وهيرنش. ان الادوات والتكنلوجيا يعتبرهما البعض كظاهرة متميزة عن الثقافة رغم انهما يساعدان في رسم صورة الثقافة ومنتجاتها.

تعريف لالاند يؤكد على الطبيعة التراكمية للثقافة وهو يجادل ان هذا هو ما يجعل الانسان مختلفا. وفيما يتعلق بالمخلوقات الاخرى التي تتقاسم المعرفة، مثلما يحصل عندما يدرّب ابوا الحيوان ذريتهما على الصيد، فان هذه المعرفة محددة وثابتة. في حيوانات اخرى يختفي الابتكار لأن الحيوانات غير قادرة على تسجيل نتائج الابتكار ونقلها للآخرين.

لماذا هناك فقط نوع واحدعلى الارض يطور ثقافة تراكمية؟لماذا لا توجد هناك انواع وسيطة لديها ثقافة اقل مما لدينا ؟(بالطبع احد الاحتمالات هو ان جميع الانواع الوسيطة اصبحت منقرضة حالما سيطر عليها الانسان).

يكتب المؤلف

في هذا يكمن التحدي الكبير... هو معرفة كيف تطورت مقدرة الانسان الاستثنائية والمتفردة في الثقافة من اصول قديمة  ... نحن يجب اولا ان نفهم لماذا تقلد الحيوانات غيرها دائما ... الظروف التي تقود الى تطور القدرات على الابتكار والتعلم والتعاون والامتثال يجب ان تتأسس دائما. ايضا من المهم جدا معرفة كيف ولماذا اخترع الانسان اللغة ... اخيرا، وهو الأهم، نحتاج لإستيعاب كيف تفاعلت جميع هذه العمليات والقدرات مع بعضها لتشكيل اجسامنا واذهاننا(لالاند ص 10-11)

يرى لالاند ان الاختلاف الوراثي بين الانسان والانواع الاخرى هو كبير. من بين عينات الجينات التي تختلف بين الانسان والشمبانزي تتمثل بالاختلاف الكبير في الدماغ والاعصاب. الجينات المعبر عنها في الدماغ كانت عرضة لاختيار ايجابي قوي في سلالة الانسان القديم، حيث ان اكثر من 90% من هذا الجين يزداد نشاطه في تلك السلالة قياسا الى الشمبانزي... دماغ الانسان اكبر حجما من دماغ الشمبانزي بثلاث مرات... في الانسان القديم، تضاعف حجم الدماغ اربع مرات في الثلاثة ملايين سنة الماضية. يعتقد لالاند ان هذا يعود للتغذية الايجابية بين الثقافة والتطور.

التقليد مقابل التعلّم

ان التقليد له نتائج مثمرة لأن الافراد الاخرين يقومون بتنقية السلوك فيوفرون معلومات متكيفة جاهزة للاستنساخ ... الحيوان لايحتاج ليكون ذكيا ليستفيد من الاستنساخ لأن الكثير من القرارات الذكية جرى اتخاذها سلفا لأجله من جانب الافراد المستنسخين الذين قاموا سلفا بتنقية سلوكهم ... ذلك يوضح سبب الانتشار الواسع للاستنساخ في الطبيعة (ص70-71) .

الاستنساخ الواسع يساعد في ابطاء السرعة التي يدخل بها السلوك الجديد . انه ايضا يسمح بالسلوك للمرور للاجيال اللاحقة وهو ما يحفظ السلوك من الضياع. يرى لالاند ان هذا التأثير الايجابي يميل للتفوق على الاثر السلبي للابتكار البطيء. لكي نتجنب الضياع في معرفة السلوك لابد ان يكون الاستنساخ دقيقا بما يكفي .

ان زيادة صغيرة في الولاء للتعليم الاجتماعي سوف تنقل العادات الثقافية من كونها قصيرة الاجل الى شيء خالد (ص151).النماذج الرياضية ترى ان التراكم في الثقافة يعتمد جذريا على تقليل الخسارة في الخصائص والذي يعني زيادة الولاء في الاستنساخ.

العديد من الحيوانات تقلد سلوك الحيوانات الاخرى، لكن الانسان القديم ادّى ذلك بشكل افضل من الحيوانات الاخرى. هذا سمح لتلك السلوكيات ان تبقى لدى السكان لفترة اطول والذي بدوره سمح للناس لتحسين تلك السلوكيات ببطء. هذا يفسر كيف ان الابتكار حدث عموما ليس على شكل انفجار كبير في ابتكار الفرد وانما على شكل خطوات صغيرة قام بها مختلف الناس بمرور الزمن. لذا حالما تطورت ثقافتنا المعقدة فانها اصبحت قوة اختيارية قادت التطور في اجسامنا وادمغتنا واذهاننا. لاننا حالما طورنا ثقافة معقدة، فاننا احتجنا لتطوير آليات للحفاظ عليها.

التعليم سمح وعزز تطور الثقافة عبر دمج مجموعة من خاصيتين متفردتين للانسان: التعاون واللغة. الشمبانزي يستطيع تعليم شمبانزي آخر كيفية اخراج النمل من الفجوات باستعمال العصي ولكنه لم يستطع تطوير ذلك الى تكنلوجيا بسيطة. تكنلوجيته توقفت عند هذه المرحلة البسيطة.

اللغة هي سبب اساسي لذلك. انها تسمح لنا ان ننقل للآخرين اشياء غير مرئية واشياء مجردة تحدث في مختلف الاماكن والاوقات – حتى الاشياء التي تحدث في اذهاننا فقط. معظم الاتصالات بين الحيوانات هي من نوع "إحترس من ذلك النمر"، او تخلّ عن الموز، انها تتعامل مع الحاجات المادية الملحة. الحيوانات لاتناقش ميكانيكا الكوانتم او فنون الرسم او نظرية الذهن، انها لاتناقش اي شيء غير موجود في الوقت الحاضر. اللغة ترسم الطريقة التي نفكر بها، انها تساعدنا في التفكير المعقد . الحيوانات ليست بحاجة لذلك طالما ثقافاتها لم تصبح معقدة بما يكفي لتتطلب رموزا لغوية للنقل.

 يعرض المؤلف ادلة على نظرية التأثير الثقافي مستعملا نماذج رياضية وبرامج كومبيوترية. مساهماته كانت ادراك ان الشرارة التي انطلقت منها الاشياء كان الابتكار في تقنيات إعداد الغذاء التي سمحت لنا بالحصول على مزيد من الطاقة من الطعام. الغذاء الأكثر كفاءة سمح بنمو الدماغ واتساع سنوات الحياة ونمو السكان. هذه بدورها مكّنت المزيد من الابتكارات التكنلوجية، لأن كل من الناس والتكنلوجيا يبقون في حالة استقرار كافية لصنع الابتكار. وبهذا فان اللغة تطورت كأحسن طريقة لتعليم الابتكارات، وهو ما ادّى الى تطوّر دماغ كبير لتعلّم اللغة.

ان كتاب لالاند أثار عددا من القضايا الاخرى الهامة:

1- المؤلف استخدم النماذج الرياضية وتمارين المحاكاة والتجارب والملاحظات بطريقة اكثر اقناعا مما هو متّبع في العلوم الاجتماعية. من المفيد جدا للاقتصاديين قراءة هذا الكتاب لكي يتحفزوا للتفكير في كيفية تحسين طرق البحث.

2- اهمية الولاء والاستمرارية في الاستنساخ يشير الى ان تقدم الانسان يجب ان يرتبط بطرق الاستنساخ المتوفرة. فمثلا، اختراع الكتابة يساعد في الحفاظ على المعرفة من الضياع، وهذا ربما شكّل عاملا في ظهور الزراعة. الطباعة أنتجت قفزة اخرى في المقدرة على الاستنساخ وهذا كان سببا في الثورة الصناعية. اخيرا، تطوير الكومبيوتر والاتصالات التكنلوجية خلق قفزة اخرى في التقدم الانساني.

3- اذا كانت فوائد الاستنساخ للفرد واضحة، فان المنافع والتكاليف الاجتماعية قد تختلف من وقت الى آخر. هناك اوقات يبدو فيها سلوك الانسان في الاستنساخ يعمل جيدا في المدى القصير لكنه مؤذي في المدى البعيد. هناك فترات يحتاج فيها كل فرد لتحمّل المخاطرة والكلفة العالية للانخراط في التعلم الاجتماعي، لكن المجتمع ككل يحتاج الكثير من الابتكارات لكي يحل المشاكل الصعبة مثل الركود العميق.

 

حاتم حميد محسن

....................

 (1) كتاب سمفونية دارون التي لم تنته: كيف صنعت الثقافة ذهن الانسان، صدر عن مطبوعات جامعة برنستون عام 2017.

 

sanaa alshalanفي العاصمة المصرية القاهرة صدرت الرواية السيرية "سنوات التيه الأربعون والسبع نون" للأديب المصري د.زين العابدين الشيخ، وهو تقع في 152 صفحة من القطع المتوسط، ليقدم فيها سيرته الذاتية في رداء روائي يتسع لتسجيل أحداث الوطن والمنطقة كلّها في مفاصل تاريخيّة مهمة وحرجة، ويقدّم أحلامه ورؤيته في تحقيق الأفضل لوطنه مصر ولأمته العربيّة، وذلك في قالب سيريّ سرديّ يفيض بجماليّات التّجربة الشخصيّة بما فيها من نضوج وبعد نظر وعمق رؤية، وذلك عبر متوالية فصلية حملت على التوالي العناوين التالية:مصر، حكاية رضا، ملامح الجيل، مسجد وصيف، الجد الأكبر، الشرابية، النون الثالثة، سيناء، رفح، المرأة الفلسطينية، العباسية، قلب الأسد، أعوام الثمانينات، أبو جهاد، الكابوس، النون الخامسة، اليابان، الحضانة اليابانية، بلد الزلازل، كريم، الكابوكى والنو، المرج، الفاكس، الأصدقاء، الخير والشّر، الكفرة أو الأبالسة والعشوائيون، الطابور، المسؤول، رحلة الرئيس، صفحة الوفيات، النون السادسة، المؤامرة الدنيئة حيكت بكل براعة، النون السابعة، الملائكة، اعتذار.

وقد قالت الأديبة النّاقدة د.سناء الشّعلان عن هذه الرواية : "الدّكتور الشّاعر زين العابدين يقدّم في هذه الرّواية السيريّة أو السّيرة الرّوائيّة نصّاً سرديّاً منفحتاً على تلاقح فريد من تجاور النّصوص وتداخل الأجناس واستدعاء المتون السّرديّة والأعراف القصصيّة والشّعريّة بأشكالها الموروثة والحداثيّة، بما يجوز أن نسميّه سيرة ذاتيّة مفتوحة على جوانيات السّارد وتفاصيل خارج ذاته بما يتّسع لمعطيات حاشدة من التّاريخ والتّفاصيل والأحداث والذّكريات والأفكار والمعاني والصّور والإيحالات.فهذا المتن السّرديّ الجريء الجميل الدّافئ المتداري خلف السّارد بلسان الغائب هو وثيقة جماليّة صادقة توثّق للذّات في إشارة مفترضة لنموذج الإنسان العربيّ في عدّة عقود حارّة ومفصليّة في التّاريخ العربيّ المعاصر، فضلاً عن نثر تفاصيل حياته وتجربته المشبّعة بالتفاصيل التّاريخيّة والرؤى والتّجارب في جدل فكريّ راقي يجاوز متون شعريّة تفيض بالانحياز إلى الإنسان المصريّ لاسيما المهمّش الذي يكابد إكراهاته اليوميّة بصبر وأمل وتحدٍ وقلب لا تفارقه قرعات الحياة والحبّ والتّفاؤل".

"الدّكتور الشّاعر زين العابدين في هذا المتن السّرديّ المطعّم بالشّعر العامي المصريّ يقدّم ذاته بتخومها وأسرارها وجمالياتها وحشود عوالمها التي تنحاز كليّة إلى الإنسان وقضاياها وذاته وحقوقه.لقد ولد الرّوائي د. زين العابدين نفسه مرّة تلو الأخرى في هذه الرّواية في بنى سرديّة تفيض بالتّفاصيل والتّجربة والمكابدة والحكمة والانتماء للذات والوطن والهويّة والانتصار لقوى واحدة، وهي قوة الجمال والخير والمحبّة والنّماء والبناء لأجل الإنسان".

في حين كتب د.سعيد عطية علي مطاوع عميد كلية اللغات والترجمة في جامعة الأزهر في تقديمه للكتاب: "هذا الكتاب في أدب السيرة الذاتية هو بحقّ أروع ما قرأت في هذا النوع الأدبي، حيث يسجّل كاتبه معاناته ومعاناة جيله من خلال معاناة وطنه، حيث يعدّ نفسه جزءاً لا يتجزّأ من هذا الوطن، فيصف الكفاح والجهد الذي بذلهما هذا الجيل وتحملها سنوات الصّبر والشّباب التي تمثّل أربعين عاماً من البحث عن الأفضل لإيمانه العميق بهذا الوطن وقدراته من أجل الرقي به إلى مصاف البلدان الكبرى..."

وقد ابتدأ د. زين العابدين الشّيخ كتابه بقوله :" إن الصور المتعددة والنظرة المختلفة للإنسان من شخص لآخر والأحكام المتباينة على ذلك الإنسان تشبه إلى حد بعيد تمثالاً للفنان العالمي بيكاسو منصوب أمام جامعة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية . هذا التمثال مقسم إلى عدة أجزاء ولا يمكن رؤيته بصورته الكاملة أو التعرف على شكله النهائي المكتمل إلا إذا أحطناه عدوا . ورأيي كذلك  أنه لا يمكن الحكم على إنسان بتصرف أو فعل معين أو من زاوية واحدة ولكن بمعرفة مجمل تفاصيل حياته، وربما كانت تلك فكرة الحساب وعدالة الميزان في الحياة الآخرة . الله سبحانه وتعالى هو وحده القادر على الإحاطة بمجمل تفاصيل حياة الإنسان وأعماله وأفعاله وتصرفاته وميزان حسناته وسيئاته ومن ثم إثابته إما بنعيم دائم أو عذاب مقيم ".

والجدير بالذكر أنّ الدكتور الأديب زين العابدين الشيخ حاصل على درجة الدكتوراه في الأدب العربيّ، إذ كانت أطروحته التي نشرت في كتاب متخصص فيما بعد بعنوان " الصراع العربيّ الإسرائيلي في الشعر العبري المعاصر"، كما صدر له من المؤلفات الديوان الشعري "مصر تتحدث"، وله عشرات العضويات رفيعة المستوى مثل: نائب رئيس جمعية الصداقة المصرية – الكوبية، وعضو جمعية المراسلين الأجانب بالقاهرة، وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية، وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية، وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية، وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، وعضو لجنة المواطنة وحقوق الإنسان / المجلس القومي لحقوق الإنسان، وعضو لجنة المواطنة وحقوق الإنسان / المجلس القومي لحقوق الإنسان، وعضو لجنة المواطنة وحقوق الإنسان / المجلس القومي لحقوق الإنسان، ومستشار شئون الإعلام والسياحة وعضو جمعية حراس النيل وحماة البيئة وحقوق الإنسان، وعضو حركة الدفاع عن الجمهورية، وعضو الأمانة الفنية لمجموعة الــ 50 للتنمية المستدامة.

كما أنّ الدكتور زين العابدين الشيخ صاحب سيرة مهنية عملاقة؛ فهو قد عمل  ضابط اتصال برتبة ملازم أول في جهاز الاتصال بالمنظمات الدولية  التابع لجهاز المخابرات العسكرية، وشارك في الإشراف على عمليات ترسيم الحدود بين مصر وفلسطين في المرحلتين الثالثة والرابعة طبقاً لاتفاقيات السلام، والإشراف على تنفيذ بنود الاتفاقية على الحدود مع الجانب الأخر، والعمل مع القوات المتعددة الجنسيات في سيناء للإشراف على عمليات حفظ السلام، والعمل كضابط الاتصال المصري المسئول عن مدينة رفح المصرية والتنسيق مع الجانب  الآخر بشأن أوضاع الفلسطينيين في قطاع غزة، وأخصائي سياحي بهيئة تنشيط السياحة – إدارة تحليل الصحافة الأجنبية، والمشاركة في إعداد التقارير والنشرات الدورية التي تتناول تحليل ما تناولته الصحافة الأجنبية عن مصر، وإعداد دراسات متخصصة عن العلاقات السياحية بين مصر وبعض الدول المنافسة مثل إسرائيل وتونس، ومدير موقع معسكر الجورة برفح مع القوات المتعددة الجنسيات، والإشراف على عمل القوات المتعددة بالتنسيق مع المؤسسات المصرية المعنية، والإشراف على تنظيم البرامج والرحلات السياحية لأعضاء القوات إلى المواقع السياحية المصرية المختلفة، وكاتب بجريدة الأهرام (مقالات متخصصة في الصراع العربي الاسرائيلي)،  وملحق سياحي بالمكتب السياحي المصري بطوكيو، والإشراف على السوق السياحي في اليابان والشرق الأقصى وأستراليا، ومدير المكتب الفني لقطاع السياحة الدولية بهيئة تنشيط السياحة، وانتداب للعمل كمدير بالمكتب الفني لوزير السياحة، ومستشار سياحي ومدير للمكتب السياحي المصري بطوكيو، ومدير عام المكتب الفني لقطاع السياحة الدولية المشرف على عمل المكاتب السياحية المصرية بالخارج والتنشيط السياحي لمصر في الأسواق الدولية، ورئيس مجلس إدارة مجموعة شركات جلوبال أورينت للسياحة  والمعارض والمؤتمرات والخدمات العامة والقتنصلية وإلحاق العمالة المصرية بالخارج، ورئيس الجمعية الوطنية للتطوير الثقافي والعلمي.

 

1090 falihينتاب قارئ الدكتور فالح مهدي حالة من الافتتان يشبه العبادة والصلوات ناجمة عن أسلوب الباحث وطبيعة المواضيع التي يتطرق لها منذ كتابه الأول "البحث عن منقذ" إلى كتابه الأخير "البحث عن جذور الإله الواحد" مروراً بكتبه وأبحاثه الأخرى وإبداعاته الأدبية الروائية والمسرحية التي تتحلى بالجرأة وسعة الأفق العلمية  والفكرية التي يتحلى بها الكاتب.

في كتابه الأخير " البحث عن جذور الإله الواحد" هذا، يتناول الباحث موضوعاً حساساً ومسألة عويصة من الناحية الدينية والفلسفية والعلمية لأنها قابلة لمختلف الاجتهادات والتأويلات خاصة عندما يتعامل  الباحث ومعه القارئ مع كتب ونصوص مقدسة لا يسمح عادة بمناقشتها أو الطعن في مصداقيتها.

فمنذ مقدمة البحث يطرح الكاتب إشكالية عدم العثور على أية براهين عن حقيقة حدوث الوقائع والقصص والحكايات التي وردت في العهد القديم واستنسخها القرآن فيما بعد بطريقته الخاصة وبأسلوبه الفريد. مستنداً في استنتاجاته على ما قدمه علماء الآثار في فلسطين القديمة وعلى وثائق رافدينية وفرعونية قديمة أيضاً. إلى جانب أبحاث  لمفكرين وباحثين معاصرين ومتخصصين من أمثال جون دوليمو في كتابه " تاريخ الجنة" و جون بوتيرو في كتابه " ولادة الله" ويكشف هذا الأخير العلاقة بين اليهودية  والثقافة البابلية التي أثرت بالفكر اليهودي والكتابات اليهودية ومنها بالطبع التوراة، لأن هذه العلاقة هي العمود الفقري  لكل فكرة التوحيد كما يقول المؤلف وبات معروفاً أن حضارة وادي الرافدين ، أي السومريين والأكديين والآشوريين، احتوت على الكثير من النصوص التي تحدثت عن فكرة التوحيد والإله الواحد قبل التوراة  والإنجيل والقرآن، كما ثبت أن أصل قصة الطوفان والنبي نوح في الكتب السماوية هي أسطورة  رافدينية كتبت قبل 1500 عام من ظهور العهد القديم  وهي ملحمة جلجامش  والتي أخذها اليهود المقيمين في بابل بعد السبي اليهودي  على يد نبوخذنصر حيث تم تقديم الدليل القاطع على سرقة اليهود للإرث البابلي وادعوا أنه منزل من الله على نبيهم . ولقد سعى المؤلف  لعرض الفرق بين الإله الذي صنعته الآيديولوجية الدينية  وبين الإله الكوني. أي  ذلك الذي يعرفه آينشتين  واستمد ماهيته وتعريفه من سبينوزا  وهو الذي يجسد أعلى تناغم في الوجود وليس الإله الذي يشغل نفسه بمصائر الكائنات البشرية وبكل صغيرة وكبيرة عندهم، ويجزي أو يعاقب مخلوقاته، فإله الأديان محدود ومختزل بينما إله الأكوان كامل ولا محدود ولامتناهي، ولقد تناولت هذه المسألة باستفاضة في كتاب " إله الأديان وإله الأكوان" الذي سيصدر قريباً عن دار مزيوبوتاميا. وفي المقابل هناك من علماء الكونيات والفيزياء النظرية ممن لايعتقدون حتى بوجود إله مثل العالم البريطاني ستيفن هوكينغ، وليس هوبكنس كما كتب الدكتور فالح، وقد عرض نظريته ورأيه في كتاب شهير صدر قبل بضعة أعوام باللغة الانجليزية تحت عنوان " التصميم العظيم" وترجمته بالفرنسية كانت" هل هناك مهندس عظيم لهذا الكون؟" ووضعنا أمام مشكلة فلسفية عويصة، فإذا كان الكون قد خلق بفعل الصدفة فمن خلق الصدفة؟ لكن الدكتور فالح يهرب من هذه المعضلة الفلسفية بمهارة ويجر القاريء إلى نظريته هو بشأن موضوع الرب الدائري والعلاقة بين الحضارات القديمة، المصرية والرفدينية والفينقية والكنعانية حسب أطروحة الباحث. كما يهرب من مسألة نزوع الإنسان لمعرفة  سبب وجوده  وما إذا كان بمحض الصدفة أم أن هناك خالق له وللأرض التي يعيش فوقها والتي خلقت من أجله  ومن أجل سعادته كما تقول الكتب السماوية. يقف المؤلف مبهوراً أمام قدرة الدين، أي دين، في تحريك الملايين من الناس حتى في الدول العلمانية المتقدمة والمتطورة فما بالك بالدول النامية أو المحكومة بالفكر الديني والعقل الخرافي؟ ولا ينسى المؤلف من أن يعرج على دور الثورتين الفرنسية 1789  والبلشفية 1917 في وقف المد الديني وسيطرة الكهنوت على الحياة الاجتماعية، ومقولة ماركس الشهيرة " الدين أفيون الشعوب، ويتساءل " إذا كان الدين أفيون الشعوب فمن أين يا ترى يستمد طاقته وحيويته لكي يكون حاضراً وفاعلاً ومؤثراً في كل ما يخص الشأن الإنساني؟".

وكأي بحث علمي جاد يبدأ الباحث  دراسته  لتعريف الدين لغوياً ومفهومياً وسيكولوجياً، في مختلف اللغات، العربية والعبرية  والانجليزية والفرنسية، واللاتينية، ويخلص إلى أن الدين في جوهر هو الطاعة والخضوع  لحاكم أو قوة عليا، وبالتالي فإن الدين ما هو إلا علاقة مع الكائن العلوي، ورغم ذلك بقي الدين عصياً على التعريف  بسبب تنوع الثقافات . هناك شعوب  لديها تجارب عميقة ومتنوعة وثرية مع الأديان كالصين حيث تعايشت البوذية مع التاوية  مع حضور الكونفوشيوسية  والإسلام والمسيحية بكافة طوائفهما ومدارسهما الفقهية، ونفس الشيء في الهند وانتشار الثقافة الهندوسية وتعاملها مع تعدد الآلهة حيث يوجد في الهند 33 مليون إله،  مع وجود الديانات والثقافات المسيحية والإسلامية والبوذية واليهودية، فالسائد هناك هو وحدة الوجود الصوفية، فكل شيء هو الله وجزءاً منه،  فالله المطلق ليس منفصلاً عن العالم والوجود بل هو مكون من كل شيء موجود في هذا الوجود. والبوذية لا تعترف بوجود إله لكنها تستند إلى مفاهيم ومبادئ المستنير  بوذا، فالبوذية لا تدعو لعبادة الإله الواحدة ولا تعارض تعدد الآلهة . أما الإيمان في الثقافات القديمة فقد نشأ داخل زمان وفضاء معينين وإن تجربة المقدس  الفرعونية والرافدينية، السومرية والأكدية، تلقي ضوءاً على ثقافة المكان في هذه البقعة من العالم وتتميز التجربة المصرية  الفرعونية عن غيرها في اعتبار الملك الفرعون إله ذو مظهر مهيب. أما في العصر الحديث  فقد عد الدين  بمثابة حالة اغتراب الإنسان عن ذاته كما يقول فيورباخ أو هو إنجاز متخيل للكائن البشري كما يقول ماركس فيما اعتبر فرويد الدين  مجرد تعبير عصابي، مرضي، لذلك اعتبر الدين في اللغة اللاتينية مفهوم يعني التجميع والاستقبال والتوحيد . وهو بالتالي مؤسسة هدفها توجيه التشريف إلى الرب والاحتفاء به، إلى جانب كونه مجموعة من الطقوس والشعائر تهدف إلى تقديم الثناء والتبريك والقرابين إلى سلطة عليا مقدسة، لذا فهو  عبارة عن الشعور الداخلي بذلك المقدس مع الإيمان بتلك القداسة، كما يخلص الباحث. وهناك تعريف  أوضح لماركس للدين غير عبارة الدين أفيون الشعوب، والأصح  هو الدين أفيون الشعب بالمفرد، والتي يعني بها أن الإيمان الأعمى الذي ينتفي فيه التفكير والقدر على التمحيص والنقد تؤدي بالمؤمن أن يغفو ويرقد رقدة الموتى عما يحيط به من أهوال ومصائب، ليس هذا فحسب، بل تقوم الأيديولوجية الدينية بترويضه وجعله طيناً وعجيناً يتم التلاعب بوعيه وتوجيهه كيفما ارتأت تلك اليديولوجية، أما تعريفه الأكمل والأوضح فيقول فيه :" الدين هو النظرية العامة لهذا العالم، قيمته الموسوعية، منطقه بشكله الشعبي، نقطة شرفه الروحانية، ولعه وحماسه البالغ، عقوبته الأخلاقية، طمأنينته وتبريراته الكونية، والتي تمثل الإنجاز المتخيل للكائن الإنساني والسبب في ذلك يكمن في أن الإنسان لا يمتلك الواقع الحقيقي" .. وفي  المحصلة يصل المؤلف إلى التعريف التالي:" الدين نظام يستند في قيامه على المخيلة والتمثيل، إذ يقوم منذ لحظة ولادته بتقديم تفسير للعالم  بل الكون كله ودور الإنسان فيه، باعتبار أن الله أو الآلهة، خلق هو، أو خلقت هي،  كل شيء من أجله أو أجلها، أي خلقا " المخيلة"، ويرسما عبر مجموعة المعادلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطقسية، الطريق الذي يجب عليه أن يسلكه" التمثيل التصوري للإله"، مستندين في ذلك إلى مؤسسات أيديولوجية يقوم بخلقها وتطويرها". لذلك لا نجد هناك عقيدة بدون طقوس ولا يمكنها أن تستقيم وتستمر بدون تلك الشعائر والطقوس. من هنا يعود الباحث إلى نظريته الأثيرة عن المكان ودوره، ويربطها بمفهوم الدين ويقول أن الدين هو تفسير، بل ترجمة متخيلة للنظام الكوني أوجده الحيز الدائري، حيث ساعد هذا الحيز الدائري على وجود نظام العقائد بكل أشكالها، وعبر ثقافة المكان نشأ وترعرع الدين وأصبحت له اليد الطولى في كل ما يمت إلى الإنسان بصلة. ودليله على ذلك أن " الحيز الأفقي" الذي تعيشه الإنسانية في الزمن الحاضر، أفقد الدين الكثير من بريقه، حيث استطاع الإنسان المعاصر، بفضل التركيبات الاجتماعية  والسياسية والاقتصادية القائمة، والتطور العلمي  وسيادة الثقافة الحر، أن يجيب على الأسئلة الوجودية والجوهرية التي تقلقه وتتعلق بوجوده ومصيره ونظام حياته دون الحاجة إلى اللجوء للمعبد والمسجد والكنيسة أو الرجوع للمؤسسات الدينية. أما تولستوي فيقول أن الدين الحقيقي هو ذلك الذي يقيم علاقة ما بين العقل والمعرفة الإنسانية، ما يعني إلغاء دور المؤسسات الدينية، مثلما كان يعلم الفيلسوف والمفكر الفرنسي الشهير فولتير. فلكل دين  عقيدة جامعة ووظائف تعمل على رسم وتوجيه حياة المؤمن وتحدد له ماهو ممنوع وماهو مسموح، أو الحلال والحرام بالمفهوم الإسلامي. وبعد كل هذا الشرح والتفصيل يعود المؤلف ليطرح السؤال ماهو الدين إذاً؟ ليعود مرة أخرى ليخبرنا أن الدين هو بمثابة مجموعة من المباديء والإرشادات الأخلاقية والسلوكية التي تتحكم بالإنسان من خلال الطقوس والشعائر التي يتم تدوينها وتوجيهها مؤطرة بنقطتين جوهريتين هما الإيمان بمفهوم الخالق العلوي الأعلى الموجد لكل شيء، والذي يأخذ عدة صور وأسماء كيهوه بالنسبة لليهود والله بالنسبة للمسلمين وبراهما بالنسبة للهندوس  الخ ... وهو مفهوم جوهري موجود في أغلب الديانات حتى في الديانات القديمة فإنليل هو الخالق عند السومريين والذي يتحول إلى مردوخ عند البابليين، بل وحتى عند الأقوام البدائية كما يقول عالم الأديان ميرسياإلياد. وفي كل الأديان هناك أولاً وقبل كل شيء يتوجب قبول مبدأ " الطاعة"  والتسليم بالأوامر والتوجيهات المباشرة وغير المباشرة التي تصدرها المؤسسات الدينية بإسم الخالق وهي بطبيعتها ذات طابع أيديولوجي قسري وقمعي يأخذ طابع القدسية، ولقد أشار سبينوزا إلى ذلك في كتابه " رسالة في اللاهوت والسياسة " حيث أكد على مفهوم الطاعة باعتباره ركيزة جوهرية في قيام الإيمان.

وبعد الطاعة يأتي مفهوم أو مبدأ " الإيمان" الذي ينطوي على الثقة بالأشياء التي نأمل بها واليقين بأشياء لم نرها كما هو واضح في العقيدة المسيحية . والإيمان هو الثقة العميقة بمعتقد من المعتقدات لا سيما الأمر الروحاني الذي لا يمكن التأكد منه مادياً وينبغي تقبله وأن يكون المرء المؤمن على يقين من وجوده وصدقيته حتى لو لم يره أو يثبت لديه وجوده. هناك أسباب عديدة للتوحيد وانتقال الإنسان من تعدد الآلهة إلى إله واحد متعال لا تدركه الأبصار، فاطر السماوات والأرض، العالم القدير الخالق الخ.. حسبما أوردته صيغ القداسة الإسلامية كما في غيرها من الأديان السماوية؟ لماذا ظهرت الأديان التوحيدية في منطقة محددة واحدة هي الشرق الأوسط؟ يقول المؤلف في كتابه  الرائد هذا أن أول محاول جادة للإجابة على هذه التساؤلات تمثلت بكتاب عالم النفس الشهير سيغموند فرويد الذي يحمل عنوان " موسى والتوحيد" وعرض فيه أطروحة غريبة تقول أن موسى هو أمير مصري خرج من مصر مع أتباعه بعد فشل تجربة الفرعون المجدد والجريء أخناتون الذي فرض عبادة إله الشمس آتون فقط ونبذ باقي الإلهة وهي أول محاولة للتوحيد في العصر الفرعوني. ويتساءل المؤلف، هل يوجد توحيد قبل العهد القديم؟ ففي الألفية الثالثة قبل الميلاد كان النظام الديني والعقائدي قائماً على مفهوم تعدد الآلهة وتعدد اختصاصاتها لا سيما في الحضارة الرافدينية لكن محرري العهد القديم، أي من صاغوا التوراة والأسفار الخمسة لموسى  في حقبة السبي البابلي تأثروا بها إلا أنهم ألغوا فكرة التعدد وتبنوا فكرة التوحيد  وعبادة إله واحد خفي لا يرى هو أكبر وأقوى وأكثر عظمة من جميع الآلهة المعروفة آنذاك، وذلك للتغلب على إحباطاتهم النفسية. ولقد نجح كتاب  العهد القديم في تأويل  وتوظيف النصوص والأساطير والملاحم الرافدينية وعلى ٍرأسها ملحمة جلجامش بما يخدم هدفهم في عبادة الإله الواحد واختلقوا شخصية النبي نوح وعبادته للإله الأعلى  الواحد القهار الذي غضب على البشر وقرر إبادتهم من خلال الطوفان وإنقاذه هو وعدد من أفراد عائلته وزوجين من كل الموجودات الحيوانية والنباتية لإعادة إعمار الأرض بالحياة الجديدة المبنية على عبادة الله الواحد وعدم الشرك به. فالرقم الطينية المكتشفة تقول بحدوث طوفان فعلاً وتروي قصته بعيداً عن القداسة الدينية التوراتية إلا أن اليهود عملوا على توظيفها دينياً  ورمزياً وأسطورياً من أجل هدف محدد يقول أن مصير المشركين الهلاك ومصير المؤمنين الموحدين النجاة . ففي النص السومري  أن الآلهة الشريرة قررت إغراق الأرض للتخلص من الإنسان وشروره وتحدياته للآلهة ومحو أثره من على وجه الأرض، إلا أن الآلهة الخيرة قررت إنقاذ أتونابشتم وزوجته من تلك الكارثة ومنحهما الخلود. وجهت الآلهة الخيرة تابعها المخلص الأمين أوتونابشتم ببناء سفينة أو فلك ضخم ووضع عائلته ومقتنياته وأقاربه وحيواناته الأليفة والبرية  داخل الفلك والإبحار نحو يابسة جديدة بعد غرق الأرض التي يعيش فيها. حور كتاب التوراة النص واختزلوا الآلهة بإله واحد واستبدلوا أوتونابتشم بنوح  وألغوا فكرة الخلود فالله الواحد هو الوحيد الخالد الذي لا يموت، وبذلك ولدت فكرة التوحيد وعبادة الإله الواحد التي كررته واتبعته الديانات التوحيدية الأخرى، المسيحية والإسلام فهم يعبدون نفس الإله ولكن بصفات وتعريفات وتسميات وسمات متباينة ومتغايرة.

يأخذنا الكاتب الدكتور فالح مهدي في رحلة شيقة في الفصل الثاني من كتابه القيم في قراءة خاصة ومعمقة وتحليلية للتوراة لاسيما الأسفار الخمسة وعلى رأسها سفر التكوين. ويسرد لنا قصة الخلق كما وردت بالنص في التوراة في سفر التكوين في الإصحاح الأول، ومن ثم يقارن النص بالنصوص الرافدينية حول نفس الموضوع، أي ما عرف بقصة الخلق البابلية  والتي كتبت بقرون طويلة قبل الأسطورة التوراتية .

بنت الأساطير الرافدينية تصورها لعملية خلق الكون استناداً على العناصر المعروفة  مثل العدم والظلام الدامس. وعندما قررت الآلهة خلق الكون أوكلت الأمر إلى مردوخ الذي غدا نتيجة لذلك سيد الآلهة ويقوم بشق تيامات، إلهة المياه الجوفية، إلى نصفين من القسم السفلي يصنع الأرض ومن القسم العلوي يصنع السماء ثم يواصل عملية خلق العناصر الأخرى كالنور والرياح وبناءاً على ذلك جاء خلق الإنسان حسب الأساطير الرافدينية القديمة بمزج الطين بدم أحد الآلهة الذي اقتصر دوره على ذلك فقط إلى آخر الأسطورة... ولم تكن عملية الخلق البابلية سهلة على شاكلة كن فيكون، بل كانت عملية شاقة وخطيرة خاض فيها الإله مردوخ معركة  عنيفة سالت فيها دماء كثيرة  انتهت بمقتل تيامات التي تمثل الظلام والفوضى  وبمقتلها خرج النور إلى الوجود وأقيم النظام بديلاً للفوضى . كلتا  العمليتين، الرافدينية والتوراتية لا تتفقان بالطبع مع قصة ظهور الكون المرئي في العلوم الحديثة إذ أن الأمر استغرق مليارات السنين حسب نظرية الانفجار العظيم البغ بانغ. وهناك قصة للطوفان في نص سومري يتحدث عن الآلهة نينتور وأنليا وخلقهما لذوي الرؤوس السوداء، أي السومريين، باعتبارهم الشعب الذي اختارته الآلهة يقابلهما في التوراة شخصان هما آدم ونوح.   

 ثم يقوم الباحث  الدكتور فالح مهدي بقراءة أنثروبولوجية  لــ "أدبا أو أدفا" السومري و"آدم" العبري أو التوراتي، فالأول خلقه الإله أيا  ليحكم البشر  وكان ملكاً على مدينة أريدو  والثاني خلقه الله  العبري أو التوراتي ليكون أب البشر كما وردت القصة في العهد القديم وتبنتها المسيحية والإسلام. يركز المؤلف على أوجه التشابه بين المصدرين أو النصين والشخصين  لغوياً والتركيز على  أهمية المكان وتعرضهما للاختبار وما لديهما من مشتركات سلوكية وصفات مشتركة والنتيجة التي توصل إليها الباحث هي أن قصة آدم عبارة عن مادة مركبة من مجموعة أساطير سابقة لنصها الوارد في العهد القديم . وبعد  تقديم هذا العرض الوافي  يلج الباحث  مرة أخرى ليغوص تحليلياً في علاقة نوح التوراتي والطوفان الرافديني، حيث يأخذنا  الدكتور فالح في رحلة ممتعة أخرى في أعماق الماضي الغارق في القدم وهو يحلل قصة الطوفان الرافدينية  وطريقة العيش ونظام بناء المساكن والمشاحيف والقوارب التي ماتزال بعض ملامحها موجودة اليوم في أهوار الجنوب العراقي وطرق بناء السفن وهيكيليتها أو شكلها الهندسي وأحجامها والمواد المستخدمة في بنائها، ثم يقوم بالشيء ذاته وهو يشرح كيف رويت أسطورة الطوفان في العهد القديم وتفاصيلها ونوع الفلك الذي صنعه نوح، بغية المقارنة وإثبات الأصل والفرع  بينهما حيث ثبت له أن التوراة أو العهد القديم هو الذي سرق نص الأسطورة وفكرتها من النصوص الرافدينية  السابقة له. وفي سياق بحثه  يركز  الدكتور فالح على مسألة مهمة وهي أن قصة النبي موسى كما رويت في العهد القديم تشبه بحذافيرها قصة سرجون الأكدي التي تسبقها بقرون وكيف أن والدته وضعته في قفة من القصب مقيرة ورمته في الماء حيث حمله النهر إلى سقاء الماء الذي رباه كأنه إبنه حيث أحبته الآلهة عشتار  وساعدته على  تولي العرش، مثلما هو الحال في قصة موسى . ويفرد حيزاً لا بأس به ليقدم لنا  قصة الطوفان السومري وهي الأقدم  بين 3000-2800 قبل الميلاد، وتروي قصة طوفان حصل قبل ذلك التاريخ  بزمن طويل في فترة ممعنة في القدم وتم تداولها شفهياً ثم ثبتت على الألواح بعد نشأة الكتابة وهي الأسطورة التي أقحمت في ملحمة جلجامش كما يقول الباحث مما وفر الدليل على وجود علاقة بين العهد القديم والثقافة البابلية، حسب استنتاجات العالم  فنكيل، حيث صار ينظر للطوفان كموجة غضب سماوية سوداء مدمرة اكتسحت كل شيء في طريقها وسمحت للآلهة  بإعادة صنع الحياة فوق الأرض على نحو أفضل. ومن ثم يشرع الباحث في إقامة مقارنة بين أسطورة نوح والأساطير الرافدينية، حيث يقول النص العبري أن الله قرر أن ينهي الحياة فوق الأرض، هكذا وبدون مقدمات، بسبب فساد الإنسان، ولكن ما هو الفساد الذي ارتكبه الإنسان حتى يستحق مثل هذا العقاب القاسي وهو الإبادة التامة من على سطح الأرض؟ لم يرد نص ديني مقدس، لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن، عن أسباب قرار الله في إحداث الطوفان وإغراق الأرض وما فيها عدا جماعة نوح وحيواناته. وعلمنا أن لنوح ثلاثة أبناء هم سام، الأصل في سلالة الساميين الذين منهم العرب والعبرانيين، وحام أبو الكنعانيين وبافث، ومن أبناء نوح انبثقت منهم شعوب الأرض الجديدة ما بعد الطوفان . وفجأة يصنع نوح من العنب  نبيذاً لا ندري كيف تعلم ذلك، وهو ليس بالأمر السهل، ثم يسكر  وينام عارياً، ثم يراه إبنه حام وهو عاري فيعاقب الله حام لأنه نظر إلى عورة أبيه، والحال أن الذي يجب أن يعاقب هو نوح وليس إبنه وردد القرآن نفس القصة بكافة حيثياتها التوراتية دون أن يغير فيها كثيراً رغم الارتباك البادي على النص العبري. أما في النصوص الرافدينية التي دونت قبل ألف عام من طوفان التوراة، فإن الطوفان حدث بناءاً على أوامر الإله انكي، ولم يكن السبب فساد الإنسان بل تعب وانزعاج الآلهة من ضجيج البشر، نوح ينفذ أمر الله بدون نقاش أو تردد بينما يعترض أتونابشتم  للوهلة الأولى  ويناقش إلهه أيا ويطالبه بإعلامه بأسباب قراره وماذا سيقول للناس في المدينة وكيف سيرد على تساؤلات الناس وشيوخهم ووجهائهم فيرد عليه إلهه " قل هكذا  إني علمت إن انليل يبغضني  فلا استطيع العيش في مدينتكم بعد الآن ولن أوجه وجهي إلى أرض انليل وأسكن فيها بل سأرد إلى ابسو وأعيش مع أيا ربي وعليكم سينزل وابلاً من المطر غزيراً. وفي ترجمة أخرى للنص الرافديني قام به العالم الفرنسي المتخصص بحضارات العراق القديمة  بوتيرو يقول أوتونابشتم:" عندما فهمت ما طلب من توجهت إلى ربي أيا سائلاً: الأمر الذي كلفتني القيام به يا مولاي سأطبقه وسأنفذه، ولكن كيف سأواجه مدينتي، شعبي، والشيوخ؟ عندها فتح أيا فاه وتكلم موجهاً كلامه لي، أنا عبده:" ستقول لهم ياشيخي الفطن التالي: يلازمني الخوف من أن إنليل لا يودني كثيراً، لذا لن يطول بي المقام في مدينتكم ولن يبقى اثر لقدمي فوق إقليم إنليل بل سأهبط إلى الابشو وسأقيم برعاية مولاي  أيا عندها سينزل عليكم إنليل مطراً غزيراً.

يكرس الباحث الفصل الثالث  لسفر الخروج بعد أن تناول موضوع الخلق والتكوين وخلق الله للأرض والسماء في ستة أيام واستوائه على العرش كما جاء في العهد القديم والقرآن وتعامل مع الشخصيتين الأساسيتين وهما آدم ونوح. يركز الباحث الدكتور فالح مهدي في هذا الفصل على شخصيتي إبراهيم  الذي عاش في حدود 1700 سنة قبل الميلاد، وموسى وسفر الخروج . مما لا ريب فيه أن ظاهرة النبوة كانت معروفة في الحضارات القديمة التي سبقت حقبة العبرانيين ولكن في نفس المنطقة تقريباً وهي فلسطين وسوريا والأناضول وبالطبع مصر والعراق. نقطة الإنطلاق في الإيمان التوحيدي والخروج من الشرك والتعددية يبدأ في النص العبراني من إبراهيم الذي تمرد على النمرود وحاول هذا الأخير حرقه وهو حي كما تقول النصوص الدينية التوحيدية ثم تأتي شخصية موسى لتكون هي الشخصية المركزية  لجميع الأيديولوجيات التوحيدية فهو الذي طالب شعبه بعبادة إله واحد لكنه خاص ببني إسرائيل لذلك عرف العبرانيين بشعب الله المختار، ونفس المكانة يحتلها موسى في الديانات التوحيدية الثلاثة وهي اليهودية والمسيحية والإسلامية، ولقد تم التركيز عليه كثيراً في القرآن. خرج موسى من مصر إلى فلسطين لإنقاذ نفسه وأتباعه، وخرج عيسى من فلسطين إلى مصر لإنقاذ نفسه، وخرج محمد من مكة إلى المدينة لإنقاذ نفسه وأتباعه.

يعتبر سيغموند فرويد مصر هي مهد ديانة التوحيد في كتابه الشهير موسى والتوحيد. ويستند في ذلك إلى قصة الفرعون آخناتون 1353-1337، الذي فرض عباد إله الشمس آتون وإلغاء عبادة آمون إله القمر، والحال أن التوحيد اليهودي حدث بعد ثمانية قرون من وقع الحدث الأخناتوني كما يذكر الكاتب ، ومع ذلك فإن التوحيد العبري يعيد نفس طقوس ومراسيم وشعائر الملكية الفرعونية بل وحتى أيديولوجيتها باستناده للتوراة التي تعني الشريعة التي يجب اتباعها بعد أن انزل عليه الله محتويات الألواح العشرة، ولكن لا يوجد اثر لأخناتون في التوراة التي تعتبر العمود الفقري للعهد القديم رغم إنه شخصية تاريخية مشار إليها بوضوح في النصوص الفرعونية بينما لايوجد نص تاريخي مثبت عن وجود شخصية موسى تاريخياً فلا يوجد لي اثر لشخص اسمه موسى في النصوص الفرعونية والسجلات المصرية  التي عرف بأنها تدون كل شيء . شكك الكاتب في مصداقية وصلاحية الأطروحة الفرويدية عن موسى  لأنه لا يستند إلى أية قاعدة تاريخية صلدة و لا يمكن الأخذ بها في دراسات الدين المقارن، بل إن أسطورته مأخوذة من نصوص  أسطورية بابلية تناولت ولادة سرجون الأكدي كما ذكرنا أعلاه، استلهمها اليهود السبايا في بابل  وأقحموها في نصوص العهد القديم . يسرد المؤلف أسباب  ميوله للأطروحة البابلية بدلاً من الأطروحة الفرويدية قائلاً :" ولد موسى ووضع في قفة وهو الأمر البعيد عن الأعراف المصرية بينما هو أمر معروف في الثقافة الرافدينية بشأن ولادة سرجون الأكدي، وإن نوع القفة أو الطوافة التي وضع فيها موسى لم يكن معروفاً في مصر وبعيد عن هندسة السفن في مصر خاصة وإنها قفة أو طوافة طليت بالزفت أو القير غير المتوفر و الذي لم يألفه المصريون ولم يلجأوا إليه في بناء سفنهم فكان القير أو الزفت يستورد من سوريا وفلسطين إذا دعت الحاجة إليه.  أشار الكاتب إلى أن موسى ملتحي كما جاء في النص العبري وهو نمط من أنماط وأدب اللياقة والهندام والوقار  لكنه بعيد كلياً عن الإتكيت المصري  في حين كان معروفاً ومنتشراً في وادي الرافدين، حمل موسى ألواحاً دونت فوقها وصياه العشرة والحال إن المصريين لم يلجأوا البتة إلى ألواح الطين بل إلى ورق البردي. يقول النص العبري أن إبنة الفرعون كانت تستحم في نهر النيل في لحظة مرور القفة أو الطوافة التي يوجد فيها الطفل موسى والحال أن ذلك بعيد عن آداب  المجتمع المصري وتقاليده، فإبنة الملك لا تستحم في ماء النهر بل في حمامات وأحواض خاصة فاخرة تعجز العين عن وصفها فهي أميرة وإبنة الفرعون الذي هو إله فوق الأرض فلا يمكنها أن تغتسل كباقي الناس في ماء النهر وأخيراً نسي كاتب النص العبري أن النيل في ذلك الوقت كان مليئاً بالتماسيح الخطرة .

من هنا يقول المؤلف أنه على المستوى التاريخي، لم يبدأ التوحيد عند اليهود مع موسى، فالاكتشافات المتعلقة بالنقوش  وبالدراسات المعمقة للعهد القديم أكدت على نحو قاطع أن الدين اليهودي، في الألفية الأولى، لم يختلف عن أديان جيرانه. وإن لرب إسرائيل إسم متميز هو يهوه، أي ذلك الإسم  الذي رفضت التلفظ به اليهودية المتأخرة، لأنه يشير إلى أنه جاء من ضمن عالم متعدد الآلهة. فالإسم للرب أو للإنسان، يراد له أن يفيد في التعريف بمن يحمل ذلك الإسم وتمييزه عن أقرانه. لذا فإسم " يهوه" وجد أصلاً لتمييز ذلك الرب عن بقية الآلهة. ففي أثناء تواجد  مملكة إسرائيل ويهوذا، من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد، لم يكن يهوه إله اليهود الوحيد، بمعنى آخر أن التوحيد لم يرس دعائمه بعد عند العبرانيين. لقد اعتبر يهوه إله إسرائيل كما كان حال مردوخ إله البابليين، وكيموش إله المؤابين القريبين من يهود تلك الفترة. فاليهود والعبرانيين وغيرهم كثير، عبارة عن قبائل رحل سكنت شرق البحر الميت والصحراء السورية، ولكل قبيلة أو قوم إلهه الخاص به. لم يحتفى بيهوه كإله أعزب، إذ كانت له أنيسة، عبارة عن إلهة تشاركه حياته. ولقد أشارت العديد من الكتابات والشواهد الآثارية، إلى وجود اشيراح Asherah كإحدى الإلهات ضمن المجموعة التي يطلق عليها السامية الغربية هي التي كانت إلى جانب يهوه، وهناك دلائل لوجودها عند الأوغاريتيين، قدماء الفلسطينيين وعند سكان وادي الرافدين وبعض تلك الوثائق  والنقوش تعود إلى القرن السابع والثامن قبل الميلاد والتي وردت فيها عبارة مثل :" أبارككم باسم يهوه الشاهد على ما أقول ورفيقته اشيراح "  أو " أبارككم باسم يهوه  رب السامرة وبإسم رفيقته اشيراح" .. وبالتالي كانت فكرة تمجيد وعبادة يهوه وحده قد حصلت بعد تطور طويل وصراع سياسي وأيديولوجي بين يهود الشمال الذين يعبدون بعل، ويهود الجنوب ممثلين بهذا الملك ولا يعبدون إلا يهوه، وكذلك كرد فعل ضد العنف الآشوري الذي يشترط الخضوع التام للملك الآشوري،كما جاء في كتاب " تحقيق حول الإله الواحد " الذي قدم له توماس رومر في سلسلة عالم الكتاب المقدس منشورات بايارد 2010 في باريس. ففي سفر التثنية هناك  تأكيد على أن الرب الوحيد الجدير بالعبادة هو يهوه وليس الملك الآشوري وربه. والتشبث بعبادة إله واحد تم بعد السبي البابلي لليهود أي بعد حوالي ستة قرون قبل الميلاد. فهدم أورشليم لم يكن نتيجة لضعف يهوه  بل بالعكس فلقد مكن يهوه البابليين  في ذلك لمعاقبة " شعبه" الذي لم يطعه ولم يتعبد له  وحده، ما يعني  أن قوة يهوه وعظمته تشمل حتى أعداء شعبه  الذين أعانهم وساعدهم على تحقيق السبي، ولقد استفاد علماء وفقهاء ومعلمي  ورجال الدين اليهود على الأساطير العراقية القديمة التي اطلعوا واستفادوا منها في تحرير نصوص العهد القديم. لقد لعبت بابل دوراً جوهرياً في إخراج ذلك الكتاب  المقدس من شكله البسيط  ومنحته التعقيد الذي شهدته تلك الحضارة المتقدمة، فتضمن منهجية ونمط تفكير جديدين، ولقد انتبه كبار المختصين في دراسات العهد القديم  إلى ذلك التأثير  العظيم الذي وصل إلى حد النقل الحرفي الفج لنصوص رافدينية كما  لاحظنا ذلك في قصة الخلق وملحمة الطوفان التي شكلت العمود الفقري  للكتب أو الأسفار الخمسة الأولى للتوراة المنسوبة لموسى، كما جاء في بحث الدكتور فالح مهدي  المهم السابق في كتابه " الخضوع السني والإحباط الشيعي، نقد العقل الدائري. فحتى نجمة داود السداسية اليهودية هي في الأصل نجمة بابلية. وفي الأجزاء الأولى من سفر التكوين، تم التعبير عن يهوه بأنه رب الكون وخالق كل شيء وسمي " الإلوهيم" وهي تعني الرب ولكن بصيغة الجمع أي الأرباب  ولقد أكد محررو ذلك الجزء من أن كل آلهة الشعوب الأخرى ما هي إلا تعبير وتجسيم للإله الأوحد  يهوه. واستمدوا من الزرادشتية  فكرة الجنة والنار، والوعد بحياة أفضل بعد الموت، كما شاع لدى يهود السبي البابلي الذين حررهم فيما بعد الملك قورش الفارسي، في حين أن يهود مستعمرة الإلفانتين éléphantine المصرية  كانوا يعبدون إلى جانب يهوه، إلهين آخرين هما آنات وأشيم ــ بيتال، بما ينسجم مع المعتقدات المصرية المتمثلة بالثالوث،كما جاء في  كتاب " تحقيق حول الإله الواحد  المشار إليه أعلاه.

ثم ينهي الكاتب بحثه عن جذور الإله الواحد  في عرض الصلوات والقرابين والشعائر التي قدمها البشر للإلهة على مر العصور وأهميتها النفسية والفلسفية بغية العثور على  علاقة مباشرة مع الكائن الأعلى التي قد تؤثر في سلوك الله، ووضع الدين في خدمة الآيديولجيات، وإن المخيلة البشرية هي حجر الزاوية لحياكة القصص والأساطير وهي بديهية أنثروبولوجية قابلة للتعميم على كل أديان العالم فالأساطير والخرافات مادة تتكرر في كافة الأديان، خاصة تلك التي تتحدث عن المقدس والمسخ والوحوش الخرافية والشياطين والجن والعفاريت والأبطال الأسطوريين، وهي بالتالي نتاج للأوهام الفردية والجماعية  حيث يتمتع الوهم الديني بديناميكية تتوافق وتنسجم مع نظامه المنطقي الداخلي الخاص به الذي يفرز له مدوناته ونصوصه الأسطورية والخرافية ويضفي عليها طابع القدسية، فالأديان برمتها ما هي إلا أنظمة إدارية للمقدس كما يقول الدكتور فالح مهدي  . لا يتفق المؤلف الدكتور فالح مهدي مع أطروحة الباحث  الفرنسي باسكال بويير  في كتابه المهم " وخلق الإنسان الآلهة " الصادر عام 2003 والذي قرأته بإمعان ووجدته علمياً جاداً أتفق مع أغلب ما جاء فيه وبالذات لأنه أدخل معادلات علمية في الشأـن الديني  توصل من خلالها إلى أن الآلهة من ابتكار الإنسان بغية  إعانته ومساندته في ما يواجهه من تحديات، فكل ذلك الابتكار الذهني البشري ناجم عن النشاط العقلي للإنسان  الذي يعبر عن حاجته ومواجهته لألغاز وجوده، فالدين  نشاط ذهني محض يدفع المرء لكي يفكر ويتأمل ويبحث عن إجابات للغز الكون المحيط به ولغز الموت المتربص به ولغز الأسئلة الوجودية التي تؤرق حياته . يتسرع الكاتب في القول  أنه مع كل التقدم العلمي  المذهل حقاً، فقد بقي أصل الكون لغزاً حقيقياً، ذلك إن الإنفجار الكبير، مما يطلق عليه البغ بانغ، لا يؤخذ به علمياً باعتباره ذاك الذي أنجب الكون. فالسؤال المتعلق بولادة الكون بعيد كل البعد عن إيجاد إجابات مقنعة لحل ذلك اللغز الذي يشكل إحدى أم التحديات أما علماء الطبيعة والفيزياء، وأقول له أرجو ألا تتسرع في الحكم على أشياء ومواضيع تجهلها ولم تتعمق فيها كفاية فلا يكفي قراءة كتاب أو دراسة  لكي نصل إلى هذا الاستنتاج التعسفي فهذا المجال واسع وغني رغم تعقيده وقدم الكثير من الإجابات في العقود الثلاثة المنصرمة ومنها أن نظرية الانفجار العظيم ثبتت علمياً ومختبرياً واتفق بشأنها كل الوسط العلمي تقريباً وتدرس اليوم في الجامعات والمدارس والمعاهد المتخصصة، فهذا مجال  علمي دقيق لا ينبغي الخوض فيه بهذا النوع من الخفة  .

 

 د. جواد بشارة

 

1089 ahmadصدر عن دائرة السينما والمسرح ببغداد كتاب جديد للناقد والمؤرخ السينمائي مهدي عبّاس يحمل عنوان "محمد شكري جميل .. عرّاب السينما العراقية". وقد ضمّ الكتاب خمسة أبواب إضافة إلى مقدمتين، الأولى لجابر الجابري، والثانية لقحطان عبد الجليل.

يلتفت عبّاس في "التمهيد" إلى مقولة ذكيّة مفادها "أن أفضل المخرجين هم القادمون من وراء الموفيولا"(ص4) أمثال بركات وصلاح أبو سيف وكمال الشيخ في إشارة واضحة إلى أن "جميلاً" قد أطلّ علينا من غرفة المونتاج ليصبح واحدًا من أشهر المخرجين العراقيين. ينتمي جميل إلى المدرسة السينمائية الإنكَليزية التي تعلّمَ منها الدقة والمواظبة والانتظام فلاغرابة أن يكون حادًا وصارمًا مع الممثلين والكادر التقني برمته.

يقدِّم عبّاس ثَبْتًا بمنجزات جميل خلال ستين عامًا وهي 13 فيلمًا روائيًا، وفيلمين قصيرين، و 45 فيلمًا وثائقيًا، وأربع مسلسلات تلفازية. كما مَنْتَجَ فيلمين طويلين لغيره، وأصدر كتابًا سينمائيًا واحدًا.

يمتدّ الباب الثاني منذ ولادة محمد شكري جميل عام 1938 حتى 2013، العام الذي أنجز فيه فيلم "المسرّات والأوجاع" وأرسله إلى طهران ولم يعد لأن الجانب العراقي لم يسدد للشركة الإيرانية كلفة الطبع والتحميض.

يفاجئنا الأستا عباس بأن محمد شكري جميل قد ولد في راوندوز عام 1938 وليس في بغداد كما يشير غالبية مؤرخي السينما العراقية وعلى رأسهم أحمد فياض المفرجي. وهذه المعلومة الجديدة تحتاج إلى وثيقة مُصورة كي نتأكد من مكان وتاريخ الولادة.

الملحوظة الثانية التي تلفت الانتباه أن "جميلاً" قد تأثر بمخرجَين إثنين فقط وهما الياباني أكيرا كوروساوا الذي حبّبهُ بالفن السابع والبريطاني ديفيد لِين الذي قابلهُ في مهرجان لندن السينمائي عام 1984 أثناء عرض فيلم "المسألة الكبرى" وقال له:"أهنئك مرتين، الأولى لأنكَ أخرجت فيلمًا جيدًا، والثانية لأنك أخرجته في العراق"(ص9). تُرى، ماذا عن بقية المخرجين العالميين العِظام؟ ألم يتأثر بهم، ويُعجب ببعض أفلامهم؟

يتفق النقاد والمؤرخون بأن الانطلاقة الحقيقية لعمل جميل في السينما قد بدأت عام 1953 حينما انضمّ إلى وحدة الإنتاج السينمائي في شركة نفط العراق التي كان يرأسها المُنتج البريطاني جون شيرمان، وبعد سنة من التدريب اختار قسم المونتاج ثم أرسلته الشركة إلى إنكَلترا لإخراج فيلم وثائقي عن الطلبة العراقيين بلندن، وعمل هناك مساعد مونتير، ومصورًا، ومساعد مخرج في عدد من الأفلام البريطانية. وحينما عاد مَنْتَجَ فيلمي "نبوخذ نُصّر" لكامل العزاوي و "عروس الفرات" لعبد الهادي مبارك، لكنه سافر مرة أخرى إلى لندن عام 1959 وعمل لمدة ثلاث سنوات في المونتاج، كما عمل مساعد مخرج في فيلمي "القط والفأر" لبول روثا و "الرولز رويز الصفراء" لأنتوني أسكويث.

أنجز جميل بين عامي 1962 و 2013 ثلاثة عشر  فيلمًا روائيًا طويلاً لم تنجح كلها على الصعيدين الفني والجماهيري، وإذا استثنينا ثلاثة أفلام منها وهي "السلاح الأسود" الذي لم يكتمل، و"العدّ التصاعدي العدّ التنازلي" الذي لم يعجب صدام حسين، و "المسرّات والأوجاع" المُرتهَن بطهران، فإن الأفلام المتبقية هي عشرة أفلام روائية طويلة نجح نصفها بينما عانى النصف الآخر من فشل كبير لأسباب منطقية حددها المؤلف مهدي عباس بحسّ الناقد المُرهَف هذه المرة وليس بمجسّ المؤرخ الشغوف بالسينما. ففيلم "أبوهيلة" 1962 المُقتَبس عن مسرحية "تُؤمر بيك" ليوسف العاني قد فشل لأن السينارست والمخرج جميل لم يستطع أن يحوّل المسرحية إلى فيلم سينمائي، أو لوجود مخرج آخر إلى جانب جميل وهو يوسف جرجيس حمد. ورغم النجاح الجماهيري الذي حققه فيلم "شايف خير" 1969 إلاّ أنه كان ضعيفًا من الناحية الفنية، ولا ينطوي على قصة محبوكة وإنما هو مجموعة من الأغاني والرقصات المأخوذة من حفلات لعدد من الفنانين العرب. أما فيلم "الظامئون" 1972 فهو من وجهة نظر المؤلف هو "واحد من أهمّ أفلام محمد شكري جميل، ومن أهم أفلام السينما العراقية بشكل عام"(ص18) وقد نال جائزة اتحاد السينمائيين السوفييت في مهرجان موسكو السينمائي الثامن. ثمة تصحيح لابد منه، فهذا الفيلم ليس مُقتبسًا من رواية "العطش" لمالك المطلبي، وإنما من رواية "الظامئون" لعبد الرزاق المطلبي، فالأول شاعر وناقد والثاني قاص وروائي لكنهما ينتميان لعائلة واحدة!

لا شك في أنّ التوثيق مهم جدًا للمؤرخين وتصريح المخرج الإيطالي روبرتو روسيلّيني عن العراق لافت للانتباه حينما قال بالحرف الواحد:"أعجبني في العراق شيئين، آثار بابل وفيلم الظامئون"(ص18) ولكن أين سُجِّل أو صُوِّر أو نُشِر هذا التصريح كي نأخذة مأخذ الوثيقة الرسمية؟  ومن ضمن الأفلام الناجحة التي يتوقف عندها المؤلف هو فيلم "الأسوار" 1979 المُقتبَس بتصرف عن رواية "القمر والأسوار" لعبد الرحمن مجيد الربيعي وقد اعتبر عباس هذا الفيلم خطوة متقدمة على "الظامئون" إذ تجاوز فيه مفهوم البطولة الفردية إلى البطولة الجماعية، ونجح فنيًا وجماهيرًا فلاغرابة أن ينال جائزة السيف الذهبي في مهرجان دمشق السينمائي عام 1979 مناصفة مع فيلم "شمس الضباع" للمخرج التونسي رضا الباهي، وقد قال عنه الروائي جنكيز إيتماتوف"فيلم الأسوار جعلني أعرف التاريخ السياسي للعراق، وعرّفني بالمرأة العراقية"(ص24) وقد جاء هذا التصريح أيضًا بلا مرجع أو وثيقة.

ما يميّز فيلم "المهمة مستمرة" 1982 رغم كونه تعبويًا أنه يجمع بين الوثائقي والروائي لكن هذا الأسلوب لم يشفع له ضعفه الفني، ويضعه في خانة الأفلام المرحلية المهدّدة بالزوال. ورغم التلاعب في بعض أحداث ثورة العشرين إلاّ أن فيلم "المسألة الكبرى"1983 قد نجح نجاحًا مدويًا حتى أنه فاز بجائزة أفضل مخرج في مهرجان لندن السينمائي عام 1984، وقد عزى البعض هذا النجاح إلى الميزانية المفتوحة التي بلغت 30 مليون دولار أميركي ولاشتراك ممثلين عالميين أمثال أوليفر ريد، جيمس بولام، هيلين ريان، إضافة إلى فكرة مقارعة المحتل البريطاني التي يتعاطف معها المُشاهِد العراقي، ويستلهم منها الكثير من الدروس والعِبر.

لم ينجُ فيلم "الفارس والجبل"1987 من النَفَس التعبوي فكان مصيره الفشل الذريع الذي يعزوه عباس إلى ترهل السيناريو، ويصفه بكبوة فارس أنجز علامات فارقة في السينما العراقية. أما "عرس عراقي" 1988 المستوحى من قصة حقيقية عُرفت بـ "عروس مندلي" التي بُترت يداها في ليلة الزفاف فقد حقق نجاحًا معقولاً رغم سياقه التعبوي لأنه يتوفر على لمسات فنية في السيناريو والتصوير والمونتاج، كما يشيد عباس بالأداء المبهر لهديل كامل ومقداد عبد الرضا.

رغم أن رواية "اللعبة" للراحل يوسف الصائغ قد حازت على جائزة أفضل نص روائي إلاّ أن الإشادة النقدية قد انصبّت على عدسة نهاد علي وحصل الفيلم على جائزة التصوير في مهرجان السينما العراقية. أما فيلم "الملك غازي" 1993 فقد نجح مخرجهُ في بناء بعض الشخصيات مثل نوري السعيد، وخادم الملك، والراقصة، بينما أهمل شخصيات سياسية وعسكرية كثيرة. كما تألق المصوران حاتم حسين ورفعت عبد الحميد في التقاط العديد من المشاهد الجميلة التي لا تغادر ذاكرة المتلقي بسهولة.

بقي أن نشير إلى الفيلمين الروائيين القصيرين اللذين أخرجهما جميل وهما "ورطة" 1970 و"الشتاء المرّ" 1973، أما الأفلام الوثائقية فتستحق أن نفرد لها مقالاً خاصًا.

 

عدنان حسين أحمد

 

 

mohamad qasimalsalihi

أن أبلغ دلالة حملها كتاب (بعث العراق من البداية المريبة حتى النهاية الغريبة) للسيد المؤلف طالب الحسن، الطبعة الثانية 2012 ، بيروت دار أور للطباعة والنشر، هي أن بعث العراق كان قد إعتمد تزييف الحقائق والإستهلاك الفكري للآخر، منها ما تعلق بحقيقة النشأة والتأسيس، وأخرى تتعلق بما آل اليه من سقوط مدوِّ عام 2003. وجرى ما بين هذا وذاك، على أيدي شخصيات هجينة كانت تتماهى في ذلك الزيف وإستغفال الشعوب مع المؤامرات الإستعمارية التي كانت تُحاك ضد العراق وسوريا بشكل خاص والمنطقة العربية عموما. فأن التشدق بالشعارات القومية والوحدة ليست سوى عقيدة جوفاء ألهى بها البعث الشعبَ العربي ردحا من الزمن، لم يكن يؤمن بها حتى من إدعى صناعة تلك العقيدة أو بالأحرى من تولى فبركتها، حيث كان ترويجا لبضاعة لم يتعاطوها، الى أن حان موسم سقوطهم معها الى الحضيض، حينما فقدوا مصداقيتهم لدى الجماهير العراقية والعربية نتيجة ممارسات العنف والإرهاب الفكري وغزو الجوار، والتصفيات الجسدية، التي أوجدت مسافة شاسعة بين الشعار والواقع، وخلقت هوة عميقة بين النظرية (المختطفة من الأرسوزي) و(التطبيق العفلقي المغرض والهزيل) الذي إتسم به أداءه والقادة المراهقين من حوله آنذاك، ليكون حزب البعث بمثابة ساحة مفتوحة لصراع الأهواء والطموحات الشخصية والتكتلات والإنقسامات التي سرعان ما إصطدمت بـ (القيم) المفترضة والأهداف والشعارات المرفوعة في ميدان العمل الحزبي، فقد استفحل الصراع ليتجرد من سلميته ويتحول الى ظاهرة دموية خطيرة بمرور الزمن، ومما زاد في حدة الصراع على البقاء في الواجهة للوصول الى السلطة تلك المبالغة الفجة والمغالاة الصرفة التي تمثلت في الإلتصاق الأعمى بالآيوديولوجية العربية من قبل الدخلاء عليها من القوميات الأخرى.

ثالثة الأثافي، فؤاد الركابي إنموذجاً

من الأمور التي إعتمد عليها المطبخ السياسي لبعث العراق في إشغال الجماهير العربية وتطويعها لأهدافه المشبوهة، هي سياسة (ثالثة الأثافي) والأثافي هي الأحجار الثلاثة التي توضع عليها القدر فوق الموقد، ويعني السيد الكاتب بهؤلاء الشخصيات المستعربة الوافدة من أعراق أخرى غير العربية التي أسهمت في تكوين البعث وسعت جاهدة لأدلجة القومية العربية وطرحها كمعتقد يدين به أبناؤها، وكما هو معلوم بأن ثالثة الأثافي هي (الأعظم مصيبة والأكثر شرا)، وفي ذلك يقول الكاتب السيد طالب الحسن: (" إنه من خلال متابعة دقيقة لحركة الأفراد والأحداث والأفكار في الراهن المعاصر، برز واضحا إن أكثر القوميين تشددا وإندفاعا للقومية العربية هم الملتحقون بها من قوميات أخرى، كردية وفارسية وتركية وشركسية وغيرها، وهذه المغالاة عند هؤلاء تسمى في علم النفس بـ (التعويض) أو (عقدة النقص).

وذلك ما ينطبق على فؤاد أحمد الركابي تولد العراق الناصرية 1931، الذي تحدثنا فيما سبق، عن كونه (خامس) وليس (أول) من إستلم مسؤولية التنظيم في العراق، ففي إحدى الروايات المدعومة بالحجج والشواهد التاريخية، التي يعتمدها الكاتب طالب الحسن تشير الى أن فؤاد الركابي هو بالأصل ليس عربيا بل (كرديا سنيا) ولا يمت بصلة الى قبيلة بني ركاب سوى باللقب فقط، فضلا عن كونه من ذوي الأهواء الشخصية الخاوية قيميا، والتي لم يتناولها الباحثون بموضوعية نتيجة ما تحمل من أذى وإمتهان، ونهاية مأساوية قدّر له مواجهتها على يد رفاق الأمس.

حيث، وفي صيف عام 1949 زار السيد فائز اسماعيل مدينة الناصرية بصحبة فؤلد الركابي، وإبن خاله عبد الله الركابي، كانت المرة الأولى التي يزور فيها اسماعيل المنطقة بدعوة من فؤاد الركابي، المدينة التي نقل الركابي الحزب اليها في عام 1950، حيث ألف خلية بعثية ضمت كل من : (معاذ عبد الرحيم، عبد الله الركابي، كريم الركابي، عدنان الدهش، حامد سيد علي، ونعيم حميد حداد). وكما يسجّل عليه رفاقه، كما يذكر السيد المؤلف طالب الحسن، ("أن الركابي أقام نوعا من التكتل الحزبي، ولم يتورع عن اتباع الإتصالات الجانبية لخدمة مصالحه الخاصة")، حيث كان يعيش طموحا جامحا و توقاً شديدا للوصول الى الموقع الأول، وكان له ذلك عندما تمكن من إزاحة مسؤول التنظيم يومذاك فخري ياسين قدوري : (المسؤول الرابع لبعث العراق).

وقد إستمر فؤاد في موقعه أمين سر القيادة القطرية بعد اعادة تشكيل القيادة عام 1953، وفي عام 1954 أنتخب فؤاد الركابي عضوا في أول قيادة قومية لحزب البعث (في الثالثة والعشرين من عمره) ليعود الى العراق معبأً بأفكار ميشيل عفلق، ومتمسكا بمواقفه أكثر من أي وقت مضى. وبعد قيام ثورة 14 تموز 1958 دخل فؤاد الركابي وزيرا للإعمار في أولى وزاراتها بدعم مباشر من عفلق وحزبه، (وكان أصغر وزير في الوزارة التي ترأسها عبد الكريم قاسم)، وفي الجانب الإداري إتسم أداؤه (كوزير) بالقصور والإهمال الوظيفي الذي كلّف ميزانية الدولة العراقية تعويضات جسيمة للشركات الأجنبية نتيجة إصداره أمر ايقافها من العمل في المشاريع الضخمة العائدة لوزارته الى إشعار آخر، أما الجانب السياسي والإعلامي، فقد زج فؤاد الركابي كفاءات حزب البعث في جريدة الجمهورية التي وضع عبد السلام عارف يده عليها بعد ثورة 1958، حيث أسهم فؤاد من خلال عناصر التحرير البعثية في تأجيج الصراع بين رجُلي الثورة، وتوسيع هوة الخلاف بين (عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف)، حينها إستبدله عبد الكريم قاسم بوزير آخر للإعمار وعينه وزير دولة (وزير بلا وزارة) ومن هذه الوزارة استقال مع الوزراء القوميين وبدأ بالتآمر والكيد الذي تمثل في تبنيه وإعداده لعملية محاولة إغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم، وقد كشفت تلك العملية عن معدنه ومعدن حزبه وجاهزيتهما للأعمال الإرهابية والإغتيال السياسي.

كما أسفرت حالة التكتلات التي تشكلت على يد فؤاد الركابي عن سقوط بعث العراق عام 1963 بعد أول تجربة له في الحكم، نتيجة ظاهرة صراع خطيرة بين كتلتي (حازم جواد وطالب شبيب) من جهة، وكتلة (علي صالح السعدي) من جهة أخرى، تطورت هذه الحالة التي مارسها فؤاد الركابي الى صراع دموي عنيف عندما تسلط (البكر وصدام) في تموز عام 1968، ومثلما كان فؤاد الركابي منهمكا في إختيار طريقة ما لتكريم صدام حسين نتيجة إشتراكه في عملية الاغتيال الفاشلة للزعيم قاسم، ليمنحه (شرف العضوية) لصدام على أثر جاهزيته للأعمال الإرهابية، كذلك إختزن صدام في ذاكرته تكريم الركابي له، ليسرف فيما بعد في تكريم عتاة المجرمين بالهبات والعطايا المادية التي يسيل لها لعاب النفوس الضعيفة والضمائر الميتة.

على أي حال، بعد فشل عملية الإغتيال، حاول عفلق التنصل من مسؤولية العملية، محمّلا فؤاد الركابي تبعاتها بإدعائه كذبا، عدم علم القيادة القومية، على الرغم من تعليق عفلق على خطة الإغتيال عندما عُرضت عليه قبل التنفيذ بالقول (" هذه الخطة ثورة وليس إغتيالا")، مع ذلك أنكر عفلق وإستنكر محاولة الإغتيال حينما لم يُكتب لها النجاح، ليصدر على إثر ذلك الفشل قرارا من عفلق بـ (تجميد فؤاد الركابي وبقية أعضاء القيادة القطرية)، حينها دب الخلاف بين أعضاء القيادة القومية، ليؤول الى القطيعة النهائية بين فؤاد الركابي وحزب البعث عندما حصل (الإنفصال بين سوريا ومصر عام 1961)، حيث أدان الركابي وعبدالله الريماوي وآخرون، موقف البعث المؤيد للإنفصال ليبادروا بتأسيس ما أطلق عليه (البعث الثوري). وإنقسم البعثيون في القاهرة التي كان يتواجد فيها الركابي ما بين مؤيد ومعارض للإنفصال.

وبعد نجاح حزب البعث في انقلاب 8 شباط على حُكم الزعيم عبد الكريم قاسم، لم يستسغ خصوم الركابي وعلى رأسهم (علي صالح السعدي) الذي تسلم زمام الأمور في العراق، قدوم الركابي من القاهرة الى بغداد، ليأمروه بالعودة من حيث أتى على متن ذات الطائرة التي جاء بها من القاهرة الى العراق. وفي 18 تشرين الثاني 1963 تشتت خصوم الركابي وعاد مرة أخرى مُرحّبا به نتيجة (الإتصاات الجانبية) التي إتسمت بها شخصية الركابي، حيث استحوذ الركابي على رضا (عبد السلام عارف و طاهر يحيى وآخرين) ودخل معهم في (تنظيم الإتحاد الإشتراكي العربي)، وفي أول تعديل وزاري بعد انقلاب (تشرين الثاني 1963) أختير فؤاد الركابي وزيرا للشؤون البلدية والقروية، ولم يلبث طويلا حتى استقال، كأحد الوزراء الستة الذين استقالوا تضامنا مع عبد الكريم فرحان عندما اختلف مع عبد السلام عارف. إتجه الركابي، فيما بعد للعمل مع آخرين مدنيين وعسكريين من أجل تشكيل وتزعم (الحركة الإشتراكية العربية) التي قامت بالتعاون مع القيادة المركزية للحزب الشيوعي (جناح عزيز الحاج) وسرعان ما دب الخلاف بين أقطابها ليعود الركابي بعلاقاته القديمة مع علي صالح السعدي.

يصف الكاتب السيد طالب الحسن هذا التخبط والقفز والدوران السياسي الذي رافق مسيرة فؤاد الركابي السياسية ، بالقول (" إن الفردية وحب الذات ونزعة التسلط التي ظهرت على مفردات سلوك الركابي، وتطورت من خلال تربيته التي تلقاها في أوكار حزب البعث، الذي نمىّ فيه، إضافة الى ما تقدم سياسة التمحور والتآمر والتفكير الدائم في الإستحواذ على الموقع الأول في الحزب، وصد الآخرين ومنعهم من التسلل إليه").

وفي عام 1968 بدأ إثنان من بطانة الرئيس العراقي عبد الرحمن عارف بالتحرك للإنقلاب على سيدهم، وهما ابراهيم عبد الرحمن الداود (آمر لواء الحرس الجمهوري)، وعبد الرزاق النايف (معاون مدير الاستخبارات العسكرية)، وقد بادر النايف الى الإتصال بفؤاد الركابي للتعاون معهم بإعتباره أحد ركائز (الإتحاد الإشتراكي العربي) في العراق، ورغم موافقة فؤاد الشخصية الا ان رفاقه في التنظيم رفضوا التعاون مع النايف المعروف بميوله الأمريكية، وفشلت محاولات الركابي في إقناع رفاقه بالتعاون مع النايف والدواود كوسيلة مرحلية للتغيير، وبعد أن يئسا (النايف والداود) من تعاون الحركات السياسية ذات الرصيد والحضور الجماهيري في الساحة العراقية، تحركا على حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة (البكر- صدام) ليعلنوا في صبيحة 17 تموز 1968 ثورتهم البيضاء التي سرعان ما إصطبغت باللون الأحمر. حيث لم يسلم منها حتى (حردان عبد الغفار التكريتي) الذي قتل على يد صدام حسين في الكويت عام 1971، رغم أنه الشخص الذي أطل على العراقيين ليقرأ بصوته الأجش البيان الأول للثورة.

لقد قامت (الثورة البيضاء) وإنطلت الخديعة على فؤاد الركابي ودخل في حوار متصل مع أحمد حسن البكر من أجل اعادة العلاقة وخلق تنظيم بعثي تدخل فيه العناصر القديمة، لكن، وبعد سيطرة انقلابيي 17 تموز 1968 على مقاليد الأمور في العراق، وصل حوار الركابي معهم الى طريق مسدود، وفشلت جهوده في الوصول معهم الى مشروع عمل. حينها لجأ فؤاد الركابي الى التعاون مع الحزب الشيوعي الذي كان هو الآخر قد دخل مع (سلطة الانقلاب) في حوارات ولقاءات من أجل اقامة (جبهة وطنية). مع ذلك إستمر الركابي في تعاونه مع الشيوعي الذي تكلل باذاعة البيانات المشتركة التي تتضمن الإشارة الى بعض المآخذ على سلطة الانقلاب (ثورة 17 تموز 1968) وحزبها القائد (بعث البكر وصدام). ولم يدم مثل هذا الأمر طويلا حتى  لفقت لفؤاد الركابي تهمة من قبل السلطة، وهي استيلائه على شيك بمبلغ عشرة آلاف دينار عام 1969، ليقبع على إثرها خلف القضبان، ويلاقي أبشع صنوف التعذيب (كما يشير لذلك المعتقلين السياسيين معه) ، لدرجة إرغامه على دفع عربة لجمع القاذورات من غرف السجناء لإهانته وكسر معنوياته، ومن ثم ليذبح على يد قاتل محترف ، سجين جديد نقل من سجن البصرة، أعده له ناظم كزار (مدير الأمن العام)، ليطعنه في رقبته في سجن بعقوبة 1971، نحو الساعة العاشرة مساءً، نقل على أثرها (فؤاد الركابي) الى مستشفى بعقوبة حيث لم يسمح للأطباء بمعالجته، فبقي ينزف دما حتى فاضت روحه فجر اليوم التالي مذبوحا من الوريد الى الوريد في الأربعين من عمره (كما ينقل صديقه السيد معاذ عبد الرحيم)، الذي يكمل قائلا (" لم تكتف هذه العصابة المجرمة بقتل زعيم من زعماء الحركة القومية بطعنه على يد مجرم عادي، بل راحت تطعن بشرفه بنشر تحقيق كاذب ومختلق")... وفي هذا الصدد يذكر السيد زيدان خلف النعيمي رفيق الركابي والذي كان مسجونا معه أن الركابي كان عاكفا على كتابة برنامج للحزب الاشتراكي الناصري الموحد.

وقد كانت المكافأة التي حصل عليها المجرم (ع. د) جراء قتله للركابي، أن أطلق سراحه وعيّن موظفا في وزارة الخارجية ليعمل في السفارة العراقية في باكستان، وهو ما ذكره أحد كبار البعثيين في أوائل التسعينات الى زميل الركابي السيد معاذ عبد الرحيم.

في ذلك يقول السيد مؤلف الكتاب الأستاذ طالب الحسن (" إذا مات فؤاد الركابي بطريقة الغدر التي ألفها حزب البعث العراقي منذ أيامه الأولى، فإنه لم يكن أول مغدور في الساحة السياسية العراقية، وقد نصب حزب البعث حبائل غدره للعديد من السياسيين، ووقع الكثير منهم في المصيدة، والتفت حبائلها عليهم بشدة").

وفي فصل آخر من الكتاب (العاشر تحديدا) يعيد الكاتب التأكيد على أن الإسكندرونيون (نسبة الى لواء الإسكندرونة شمال غرب سوريا)، هم من نقلوا البعث العربي الى بغداد، ويركز السيد طالب الحسن في هذا الصدد بالقول (" الحديث عن حزب البعث العراقي متعلق بالحديث عن لواء الإسكندرونة، لأن الذين بذروا البذرة الأولى كانوا جميعهم من هذا اللواء، وقد انتموا عام 1940 عندما أسسه أستاذهم زكي الأرسوزي الذي ينحدر من اللواء ذاته، لذلك كان مؤرخو البعث يتحاشون ذكر ذلك لأنه يقودهم الى إغفال دور عفلق بالتأسيس، ولم يذكر أي من كتاب سلطة (البكر – صدام) ومؤرخوها بأن (فائز اسماعيل وسليمان العيسى) ثم بعد ذلك (وصفي الغانم ومسعود الغانم) كانوا بعثيين قبل أن يصلوا العراق قبل المؤتمر التأسيسي لحزب البعث في 7 نيسان 1947").

وحول انتشار الحزب في المدن العراقية انطلاقا من العاصمة بغداد، ففي العامين 1949 و1950، كانت مدينة الرمادي أول مدينة وصلتها فكرة البعث العربي قادمة لها من بغداد عن طريق زكي الخشالي القادم من بغداد، الذي استطاع في إحدى زياراته للمدينة من كسب (يونس المصلح)، طالب في دار المعلمين الإبتدائية، فبالإضافة الى قرب الرمادي الجغرافي من بغداد، أسهم وجود الشاعر عبد الوهاب البياتي فيها بتوسيع دائرة الكسب الحزبي، البياتي الذي لم يمكث طويلا في تنظيم بعث العراق، بل أقصى مدة قضاها فيه لا تتعدى السنتين (كما يذكر السيد الكاتب)، ومن ثم تحتل الناصرية المرتبة الثانية في إحتضانها للبعث، حيث أقحم فؤاد الركابي مدينته بفكر البعث (وكما تطرقنا لذلك سلفا)، وتنافس الناصرية على هذا الموقع مدينة كربلاء المقدسة التي جاءت في المركز الثالث حيث استطاع سعدون حمادي أن يبذر نواة البعث فيها، ومن ثم البصرة رابعا، حيث لعب الطالب (طه علي الرشيد\ السعودي الأصل) دورا في نشر البعث وتشكيل أول خلية بعثية في البصرة أناط قيادتها لشخص يعمل في الإخراج الكمركي يدعى (أنور داود إيليا) عام 1950، وقد تلت البصرة محافظة ديالى، حيث إستثمر السيد معاذ عبد الرحيم (من أبناء مدينة الناصرية) وجوده في دار المعلمين الإبتدائية في بعقوبة (1951-1952) ، ليشكل الخلية الأولى من طلاب الدار، ولم يكن أي من عناصر هذه الخلية من أهالي ديالى وإنما كسبوا للحزب الجديد على ترابها لأنهم كانوا طلابا يدرسون في دار المعلمين. ومن ثم اتجه حزب البعث ليغزو مدينة الحلة فكان له ذلك في عام 1953 بواسطة (تحسين معلة). ومن ثم سامراء عى يد طلبة درسوا في بغداد في طليعتهم (عبد الله سلوم السامرائي)، فالموصل في دار عبد الغفار الصائغ وتحت مسؤولية (أدور قصيرة). وتحتل النجف المرتبة التاسعة في المدن التي استطاع البعث اقتحام أسوارها بواسطة (جعفر قاسم حمودي) موظف في المصرف العقاري.

لم تكن السلطة آنذاك تعير إهتماما كبيرا لحركة البعث في المدن التي مررنا بها ، فقد كانت منصرفة لمقاومة وشل حركة أحزاب أخرى لها وزنها في الساحة العراقية، وقد كانت تشعر تجاه البعث بأنه حركة عديمة الوزن أو الثقل، ووفقا لهذا التصور إستطاع بعث العراق بسرعة في مدن عديدة لم تكن مدينة العمارة آخرها عندما بدأ مؤيد السامرائي الذي كان معلما فيها، بتأسيس النواة الأولى من خلال كسب معلم زميل له جبار صنكور في عام 1954، لتنطلق حركة البعث فيما بعد للتسلل الى أهوار العراق.

بالإضافة الى ماتم ذكره في سلسلة هذه القراءة، فقد تضمن الكتاب ملاحق من الوثائق التاريخية والصور ما يمكن لها أن تدعم جميع ما جاء في فصول الكتاب من أحداث رواها أو أفكار تبناها السيد المؤلف طالب الحسن.

لقد إستطاع السيد المؤلف طالب الحسن إستنطاق مضامين العنوان، حيث "البداية المريبة" على الصعيد القومي، التي شهدت سطوا سياسيا وثقافيا من قبل ميشيل عفلق وصلاح البيطار على حصيلة زكي الأرسوزي الفكرية التي إستطاع تأطيرها في آيديولوجيا قومية كان الباعث على ولادتها في ذهن مبتكرها (الأرسوزي) هو السعي لتحرير مدينته (لواء الإسكندرون) من الإحتلال الفرنسي ومجابهة دعاة التتريك، ليتم توظيفها من قبل عفلق والبيطار كأداة لإجهاض الشعور القومي الحقيقي المناوئ للإحتلال الفرنسي والتتريك الذي طال اللواء الأم، وكذلك إستخدامها وسيلة للهيمنة على السلطة بالتعاون مع مخابرات الإستعمار الفرنسي. أما على الصعيد القطري فقد استطاع الكاتب توضيح الأمور وتصحيح التصورات الخاطئة وإزالة اللغط الذي يثار من قبل مؤرخي نشأة البعث حول هوية المسؤول الأول لبعث العراق، حيث أثبت الكاتب بالأدلة والبراهين من أن فائز اسماعيل (الإسكندروني الأصل وأحد طلبة الأرسوزي) كان هو المسؤول الأول وليس كما هو شائعا في الأذهان بأن فؤاد الركابي كان له قصب السبق في ذلك المضمار.

وقد تناول السيد المؤلف ملامح وسمات المحيط الذي نشأ فيه بعث عفلق والبيطار وأجواء الكراهية السائدة والأنا المتضخمة العمياء التي 

إمتدت لتلقي بظلالها على بعث العراق من فؤاد الركابي الى صدام حسين، وما رافق ذلك من صراعات ومؤامرات تدرجت لتنتهي الى مجازر دموية طالت الشعب العراقي بعد تصفية رفاق العقيدة لبعضهم البعض. حيث عقيدة البعث التي أنشئت لتحرير لواء الأسكندرونة إنطلاقا من العراق، تحولت الى تكريس التتريك للواء السليب، وإنتهت بالعراق محتلا في "نهاية غريبة"، لبعث العراق لم تكن في الحسبان.

  محمد قاسم الصالحي

 

 

alhasan aabaتازناخت الكبرى، هو كتاب لصاحبه الاستاذ المقتدر، محمد بولهريس، الكتاب دو الحجم الكبير تجاوز 300 ورقة ويحتوي غلافه على صورة القصبة وهدا مايدل على كون الاستاذ يولي اهتماما كبيرا لثرات المنطقة.اضافة الى دلك فالمؤلف اعتمد على مصادر علمية تاريخية في هدا المجال كما اعتمد على روايات شفوية ميدانية حيث ارتكز الكاتب على رواة لهم داكرة جيدة الشيء الدي اعطى للكتاب رونقة وجمالا.ان الكتاب على العموم تجاوز الكتب الاخرى السابقة التي الفها الاخرون حول المنطقة.لقد استهل الكاتب كتابه بالحديث عن، ايت وازكيت، والمجال الجغرافي لهده المنطقة الشاسعة الواسعة الاطراف واعطى لها تعريفا علميا دقيقا ومحددا.لقد جمع الكتاب كل ماهو تاريخي وثراتي للمنطقة كما تطرق الى الجنس البشري الدي يسكن في هدا المجال. وبدلك يكون هدا الكتاب قد تجاوز انماط المراجع والمصادر الدي سبقته.بل استطاع الكاتب ان يجيب على اهم الاشكاليات والتساؤلات المطروحة سابقا المتعلقة بايت واوزكيت وبتازناخت بصفة خاصة، .تازناخت الكبرى، ماهو الا صرخة للجيل المتصاعد وهو امانة على رقبة الشباب الحالي ليتم الطريق الدي بداه استاذنا محمد بولهريس، فتحية والف تحية لهدا الاستاذ المناضل المجاهد الدي اعطى ومازال يعطي للمنطقة الشيء الكثير وسيبقى كتابه هدا وفكره مكتوبا بمداد من الاعجاب والتقدير.

 

الباحث الحسن اعبا

 

1085 qusaللدكتور قصي الشيخ عسكر صدرت عن دار ليندا  في السويداء بسوريا رواية جديدة بعنوان (الرباط). وهي رواية قصيرة مهجرية تتكلم عن غربة وسقوط صديقين عراقيين يدرسان ويعملان في المغرب.

تتخلل العمل صورة شديدة الكآبة عن واقع الحياة في المهجر، وطريقة تعامل السلطات مع الطلبة، وخيبات الواقع. وتنتهي بهجرة واحد من بطلي الرواية إلى الدانمارك.

تعتبر هذه الرواية إضافة إلى أدب المغتربات والمنافي، وتتابع مجموعة من العواطف المتناقضة كالحب والرغبة والأنانية والكذب السياسي والمراءاة.  وتعمل على هجاء الواقع الفاسد. 

قصي الشيخ عسكر من مواليد التنومة في البصرة. يحمل درجة الدكتوراة في الأدب العربي من لندن. ودرجة الماجستير بنفس الاختصاص بامتياز من جامعة دمشق. ويتبع الجنسية الدانماركية. ويقيم حاليا في نوتنغهام بإنكلترا. متقاعد ومتفرغ للكتابة.

 

khadom shamhodالفن خلق مع الانسان: يذكر صاحب كتاب ـالفن والمجتمع ـ ارنولد هاوزر ان الفنان هو الذي اوجد الفن، واشار ان الانسان القديم اخذ مجموعة من الاصباغ التي صنعها بيده ونقش على جدران الكهوف بعض مشاعره وتعبيراته عن البيئة الوحشية وحيواناتها المفترسة، وكان الدافع الاول على الاغلب هو اعتقاده بالسحر حيث يعتقد ان رسمه للحيوانات وهي مصابة بحرابه يسهل له صيدها واقتناصها فما عليه الا ان يخرج من كهفه ويقبض عليها . ومن ذلك الحين اصبح الفن ظرورة حياتية للانسان كالماء والطعام وقد ولد مع ولادته ونشأته . كما انه ليس هناك ماضي او حاضر للفن بل هو الانسان نفسه (وخلقنا الانسان في احسن تقويم) يعني اجمل واحسن هيئة واحسن ابداع فني . فالفن هو الجمال والجمال هو الفن . والجمال خلق رباني موجودا في الطبيعة وفي الانسان وفي كل شئ، فهو موجودا في الملبس والكلام والكتابة والعمارة وفي التصوير والادب والشعر والموسيقى والرقص وفي الطعام والشراب وغير ذلك .. كما ان الفن هو لون من الوان الثقافة الانسانية وهو نتاج ابداعي يخضع الى تقاليد وعادات الشعوب وبيئاتها الجغرافية ومناخها وارثها الحضاري .

معنى الفن في اللغة:

عندما نتصفح القاموس العربي نجد معاني لمفردات الفن والفنان . فالفن اشرنا الى معناه سابقا بشكل عام ومختصر . وفن: (فعل) ـ فننت، يفن (ضم على الفا) او يفن (كسرة تحت الياء) . فن الفنان: تفنن في فنه وما اتى به من ابداع . اما الرسم من رسم (فعل) من يرسم صوره او نحوها . كما يأتي الرسم بمعنى الاثر: رسم الدار يعني ما كان من آثارها لاصقا بالارض . النقش: نقش (فعل) ينقش نقاشا فهو نقاش على الحجر ونحوه، رسم او خط عليه بعمق .. نقش اسمه على شجرة او ضريح .. وجاء في احد الاحاديث المأخوذه عن كتاب صحيح البخاري (لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب او صورة الا نقشا في ثوب) وهنا جاء النقش بمعنى الرسم .. رغم شكنا في صحة الحديث الا اننا نأخذ معنى مفردة النقش .

كما تطلق كلمة فنان على الحمار الوحشي: حيث يتفنن في العدو (الركض)

مفهوم الفنان من ناحية المصطلح العام:

الفنان في المفهوم المعاصر هو شخص مبتكر ومبدع ومخترع وصاحب افكار سابقة على عصرة وعادة ما تكون غريبة وبعيدة نوعا ما عن التقليد . وهو واسع في مخيلته ومشاعره واحاسيسه وهو مقدام وجرئ ..، ويعتبر ركيزة حضارية تقود الى التطور والتقدم . واتذكر قصة لفنان انكليزي يدعى وليم هوغارث ظهر في القرن الثامن عشر 1697ـ1764 اشتهر في رسومه الواقعية والساخرة في انكلترا واوربا واخذ الرسامون يستنسخون اعماله، فصدر قانون من البرلمان الانكليزي اسمه ـ قانون هوغارث ـ يعاقب كل من يستنسخ اعماله . ولهذا كان هذا الفنان رمزا حضاريا وثقافيا احدث تطورا هائلا في الفن الاوربي في ذلك الوقت . وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهر فنانون رواد اسسوا مدارس حديثة احدثت انقلابا وثورة وتمردا على التقاليد الفنية الكلاسيكية القديمة، واصبح لهذه المدارس منظرين ونظريات فكرية ومفاهيم فلسفية تبرر ظهورها ووجودها وفكرها ومنها ما ارتبط بالفكر الفلسفي الاغريقي والروحي الديني .و قد عم تأثير هذه المدارس العالم اجمع . وبالتالي هذه هي صفة الفنان الحقيقي ومميزاته وليس من الانصاف اطلاقها على كل من هب ودب بمجر مسك ريشة وقلم وخط ..

مراجعة كتب الفن المعاصر:

هناك احيانا فهم خاطئ لمفهوم الفنان من قبل غالبية الكتاب والنقاد الذين تصدروا للكتابة عن الفن وانتاج الفنان في عالمنا العربي، فاصبح كل شخص يرسم منظرا او طبيعة صامته او موضوعا اجتماعيا او فنا حديثا مهما كان ذلك الشخص، فانهم يطلقون عليه فنانا مبتكرا وفريدا بالمعنى الاصطلاحي العام الذي اشرنا اليه سابقا ويدون في كتب الفن وينشر . ؟؟؟ ناهيك على ان الفن الحديث ليس له قواعد للنقد كما كان في العصر الكلاسيكي حيث ان كل رسام اصبح يرسم ما يشاء وما يتذوق من شتى صنوف وانواع الاساليب والافكار . بمعنى ان اكتشاف الفن الحديث وما بعد الحداثة حطم كثير من الاطر والحدود والقيود القديمة ودعى الى بناء رؤية تعبيرية جديدة في كل قطاعات الفن بشكل حر .

ولهذا لو اردنا ان نفهم الفنان بالمعنى الاصطلاحي العام وليس اللغوي الذي اشرنا اليه سابقا وما حدث من تغيرات وتحولات فنية وفكرية في القرن العشرين لوجدنا انه يحتم علينا مراجعة غالبية الكتب الفنية العربية التي كتبت عن الفن والفنانين العرب .و ربما نخرج غالبيتها من المكتبة العربية . هذه الكتب كتبت بطابع عاطفي وليس عقلي موضوعي، كما يطغي عليها طابع الاطراء والسفسطة والثرثرة الادبية التي نراها في كتب الادب خاصة رويات بعض الكتاب المصريين .. يضاف الى ذلك ان هؤلاء الكتاب كأنهم لم يقرأوا عن تاريخ الفن ومدارس الفن الحديث ورواده او ان الاموال والتعصب القومي او الفكري قد حجب الحقيقة عن عقولهم .. ولهذا انا شخصيا اشك في ما كتب عن الفن العراقي المعاصر منذ نشأته الى اليوم واقترح اعادة النظر في الكتابة عن الفن بشكل موضوعي وعقلي وليس عاطفي .

اساتذة ام فنانين:

من المعروف ان الطلبة العرب في بداية القرن العشرين قد درسوا الفن الاوربي الحديث في باريس وروما ولندن وبرلين وموسكو وغيراها، وان بعض البلدان الاوربية اسست اكاديميات في الدول العربية لدراسة الفن الاوربي بعد استعمارها كما حدث في مصر عام 1898 والمغرب والجزائر 1906 . ثم عاد هؤلاء الطلبة بعد ذلك الى اوطانهم واسسوا معاهد واكاديميات فنية تدرس المناهج الاوربية الحديثة، كما حدث للاستاذ فائق حسن الذي اسس معهد الفنون الجميلة في بغداد عام 1939 . وبالتالي فقد ظهر في بلداننا اساتذة اعتنقوا المذاهب الفنية الاوربية واساليبها الحديثة واخذوا يدرسونها الى الطلبة العرب . وهكذا عمت وانتشرت المدارس الاوربية في عالمنا العربي . ولهذا نحن عندنا اليوم اساتذة ورسامين وليس فنانين حسب المفهوم السابق سواء كان في العراق او مصر او سوريا او المغرب او غيرها .. وهذا ما دعى المفكر والمؤرخ العربي الدكتور عفيف البهنسي بالقول ان المدرسة الوحشية التي تزعمها ماتيس هي نتاج تأثيرات الفن الاسلامي . وان بول كلي سبق الرسامين العرب في استخدام الحرف العربي . كما ذكر الاستاذ المؤرخ المصري زكي محمد حسن انه يتعذر القول بوجود فن عربي وانما هناك فن اسلامي ... وبالتالي اصبح الرسام العربي اليوم مقلدا ومستنسخا للمدارس الاوربية الحديثة واصبح عاجزا عن ابتكار وتأسيس مدرسة لها مميزاتها وهويتها الخاصة وفلسفتها ونظرياتها الفكرية التي تدعم وجودها كما هو حاصل في المذاهب والتيارات الاوربية الحديثة . . تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

nabil alrobaeiتعد دراسة الأماكن والتراث في العراق شيئاً مهماً لدى المؤرخين والباحثين، لتوثيقها في مؤلفاتهم للأجيال القادمة، ففي تاريخ أي شعب كان لهُ تراثه المهم الذي تراكم عبرَّ الأجيال، ومن عادة النخبة المثقفة أن تؤدي دوراً مائزاً في تطوير المجتمع في شتى الميادين، لذا فإن فعل هذا التوثيق أو الدراسة بدأ يأخذ ما يستحق من الاهتمام من لدن الباحثين، لأنها تؤلف الأركان الأساسية للتطورات التاريخية والأدبية والسياسية وما شابه ذلك، إلا أن العديد من هذه الدراسات أدت دوراً فاعلاً في التطورات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وما تزال بحاجة إلى المزيد من الدراسة الجادة لتسليط الأضواء عليها وصولاً إلى الحقيقة التاريخية.

حظي الدكتور عبد الرضا عوض بدراسة تاريخ وتراث مدينة الحلة، وقد تناول أخيراً دراسة محلة الجامعين من جميع مجالاتها التاريخية والسياسية والأدبية والثقافية، كونهُ ابن هذه المحلة ومسقط رأسه فيها، بكتاب مستقل ضمن سلسلة تراث الحلة (42).

الكتاب يقع في (170) صفحة من الحجم الوزيري الصادر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في مدينة الحلة، تضمن الكتاب توطئة عن تاريخ محلة الجامعين قديماً، وما قاله الشعراء في هذه المحلة والتي تعُد أحدى محلات المدينة القديمة منها : (الطاق وجبران والمهدية)، وما قاله الشعراء في المحلة، وما أدركه المؤلف في هذه المحلة منذ الصبا والشباب ولغاية اليوم، ثم أخذنا بسياحة في أزقتها وشوارعها القديمة، والدكاكين والأسر والبيوتات، والمهن التي امتهنها الأهالي وعاداتهم وتقاليدهم المتوارثة، ومساجدها القديمة وتاريخ المواكب الحسينية، وسبب تسمية الجامعين هو لوجود جامعين هما جامع الإمام الصادق (ع) وجامع عبد العزيز السراي من أصحاب الإمام علي بن أبي طالب (ع). ويؤكد ذلك الباحث عدنان سماكة : إن الجامعين مثنى لكلمة جامع.

لكن هناك سؤال اطرحهُ على المؤرخ عبد الرضا عوض كوني باحث ومتابع، من هو مؤسس محلة الجامعين؟ فضلاً عن أن الكثير يجهل بداية تأسيس نواتها، قد يعود تأريخ تأسيس المحلة يعود إلى النصف الأول من القرن الأول الهجري كما ذكرنا بسبب تواجد الجامعين، وقد يكون اصل الجامعين يعود إلى زمن سقوط بابل على يد الأخمينيين بقيادة كورش عام 539 ق.م، وعندما احتل الاسكندر الكبير بابل هرب أهلها إلى جميع بقاع المنطقة، وقد اتخذ من الجامعين أماكن إلى تجمعهم من الهرب، والدليل على ذلك توطن أبناء الديانة اليهودية في الحلة وخاصة محلة الجامعين، وتعد هذه المحلة من المحلات القديمة التي كانت البدايات الأولى لتأسيس مدينة الحلة، ويعد الأمير صدقة بن مزيد أول أمير سكن محلة الجامعين. فضلاً عن أن هذه المحلة التي بنيّ اغلب منازلها من حجر بابل.

في الكتاب يوثق المؤرخ عوض دور الوعي السياسي لأبناء المحلة وتاريخ ظهوره، والانتفاضات الشعبية وقياداتها، وقد الحق المؤلف الكتاب ببعض الصور التاريخية والتراثية وصور الشخصيات المهمة التي لعبت دوراً فيها، ففي ص5 يذكر المؤرخ عوض قائلاً: (هذه المدينة ليست اليوم ظاهرة تاريخية مرئية في مظهر الأرض بل أن الكثير من مظاهرها التي عاشت تأسيسها ونموها لم يكن له وجود فعلي نتيجة الإهمال والظروف التي عاشتها الحلة عبر الزمن، ونتيجة ذلك يصعب علينا الحصول على جميع المظاهر الحضارية التي عاشتها هذه المدينة.. أجمل ما يميز محلة الجامعين ومثلها المحلات الشعبية القديمة في مدينة الحلة، إنها محلات تراثية ما زالت محافظة على أزقتها الضيقة التي قد لا يتجاوز عرض بعضها المتر الواحد، والتي تلتف حول بعضها كالأفعى، فتشعرك عندما تجوبها على أقدامك مضطرا، وكأنك تدور في دهاليز أو حلقات لا نهاية لها، وتدخل في متاهة شبيهة بمتاهات ألعاب التسلية، وهي متاهات جميلة وموغلة في القدم).

في كتابه هذا يعرج بنا المؤرج على تاريخ تمصير مدينة الحلة من قبل الأمير صدقة بن منصور المزيدي الأسدي سنة 495هـ، حيث بدأ العمل ببناء مدينة الحلة في منطقة الجامعين وهي حلة بني مزيد التي بأرض بابل على شط الفرات، ويحط رحاله في أرض الجامعين التي كانت تحت ولاية ابن عمه شبيب بن حماد الأسدي ليسجل التاريخ حدثاً مهماً ويؤرخه لتمصير الحلة الفيحاء، إذ يقول في صفحة 8 : (وهي ظاهرة أكدت استقلال الإمارة المزيدية عن الدولة العباسية وقد شجعت الصراعات العائلية الداخلية بين سلاطين السلاجقة، وساعدته في تثبيت أركان حكمه عندما جسد رغبته بأن تكون له إمارة مستقلة بقبيلته ويكون بعيداً عن سطوة حكم السلاجقة)، وهذا مما يدل على دور الأمير صدقة في تأسيس المدينة متخذاً من محلة الجامعين النواة الأولى لبناء إمارتهُ، فضلاً عن خلافاته مع الدولة العباسية والرغبة بالاستقلال عنها لعدة أسباب ذكرها المؤرخ عوض في مقدمة كتابه، منها لرفضه التسديد لخزانة السلطان والتي تقدر بأكثر من ألف ألف دينار.

أصبحت مدينة الحلة بعد تمصيرها :"مناراً للعلم حينما احتضنت الحوزة العلمية سنة 562هـ بانتقال علي بن محمد بن حمزة بن شهريار الخازن العلوي (ت572هـ) واستخلفه الشيخ ابن إدريس، صاحب كتاب السرائر (ت598هـ)، واستمرت إلى سنة 951هـ بوفاة الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي، ولا غرابة في أن تحتضن الحلة الوافدين من شتى بقاع العالم وتحافظ على عروبتها ، فأصبحت منارةً للفقه الإسلامي والأدب العربي، إذا ما علمنا أن كثيراً من العلماء والأدباء قدموا إلى الحلة واستقروا بها، وأصبحوا من جملة أهلها وتتلمذوا فيها"().

هناك بعض العوامل التي منحت مدينة الحلة أهمية لدى الباحثين في تاريخ المدينة منها : قربها من مدينة بابل ذات العمق التاريخي والموقع الجغرافي المتميز بين بغداد والبصرة ومناطق الفرات الأعلى فضلاً عن المكانة العلمية ووجود الكثير من القبائل العربية المحيطة بها من كل الجهات مما مكنها أن تتبوأ مركزاً تجارياً لتلك القبائل، ولا بد أن يؤخذ بالحسبان الموقع العسكري لهذه المدينة حيث مكنها هذا الموقع من مواجهة التحديات الخارجية، إن اختيار صدقة بن مزيد مقره في منطقة الجامعين التي تقع في الجانب الغربي من نهر الفرات يشير إلى إن الآجام كانت من الأماكن المفضلة للثوار، وقد أعطت هذه المزايا مدينة الحلة مكانةً مرموقةً في نظر من زارها. ففي صفحة 12 /13 يؤكد المؤرخ عوض قائلاً : "ومدينة الحلة قامت على أرض الجامعين التي كان لها سبق ووجود قبل تأسيس مدينة الحلة وبمرور الزمن توحد الاسمان أي الجامعين والحلة وأطلق على الاثنين أسم محلة الجامعين أو حلة بني مزيد أو الحلة السيفية، والثابت لدى المؤرخين أن الحلة وتسميتها ظهرت بعد عام 495 هـ ... ومن المفيد التطرق إليها باختصار ومن أهم هذه الخصائص أن الأزقة والشوارع في هذه المحلة تكون متعرجة وضيقة وذلك لانعدام التخطيط النظامي ووجود الرابط القومي لسكنة المحلة وأن تكون دورهم ليست بعيدة عن الأقارب ومن الأسباب التي دعت إلى ضيق الأزقة وتعرجها لعرقلة الغزاة والمهاجمين وتسهيل عملية الدفاع من أجل حماية المحلات فضلاً أن هناك عاملاً مهماً دفع السكان للالتزام بهذا النمط من الأزقة للتعرف على الغرباء مباشرة عند دخولهم هذه المحلات ويضاف إلى ذلك أن ضيق الزقاق يوفر للسكان مساحة جيدة من الظل ويخفف من درجات الحرارة والعواصف الترابية والرملية ويقلل من تبخر المياه للمحافظة على درجات حرارة معتدلة في هذه الممرات الضيقة وهناك ظاهرة أخرى في بناء البيوت القديمة أن شبابيكها تكون عالية عن مرأى العين للحفاظ على سترة المنزل".

أصبحت مدينة الحلة في وقت لاحق مكاناً لعلماء الإمامية وخاصة بعد سلامتها من احتلال المغول على اثر احتلال بغداد سنة 656هـ / 1258م. وأضحت هذه المدينة من مراكز الحركة العقلية في البلدان الإسلامية وقد جاء ذكر محلة الجامعين على لسان الرحالة ابن بطوطة فقد ذكر عن الحلة أن : (أهل هذه المدينة كلها إمامية اثنا عشرية، وهم طائفتان : أحداهما تعرف بالأكراد والأخرى تعرف بأهل الجامعين). حتى حظيت المدينة بخمس مدارس علمية هي :

1- مدرسة يحيى بن سعيد الهذلي (ت689هـ/1290م).

2- المدرسة الزينية في محلة الجامعين.

3- مسجد ومدرسة الشيخ عبد السميع بن فياض الأسدي (ت933هـ).

4- المدرسة النبوية.

ثم يعقب المؤرخ عوض في صفحة 24، حول ذكر الأدباء والشعراء الذي أنجبتهم المحلة حين قال :"من الجدير بالذكر إن محلة الجامعين أنجبت الكثير من الأدباء والشعراء الذين نظموا في فنون الشعر المختلفة، ويبدو إن نتاجهم الأدبي قد تخطى محلة الجامعين إلى أماكن بعيدة فقد أتيحت لهم فرص الاتصال بالثقافات الأدبية ذات الطابع العربي الإسلامي فقد رفدوا الساحة الأدبية مثل : الأمير بدران بن صدقة، والأمير مزيد الحلي، والشاعر صفي الدين الحلي والشاعر راجح الحلي، والشاعر شمس الدولة بدران بن صدقة بن منصور المزيدي الأسدي (ت 530هـ) والشاعر الأمير مزيد بن صفوان ابو الحسن، وكانوا يتشوقون إلى محلتهم الجامعين التي عاشوا فيها ثم رحلوا عنها لأسباب مختلفة"، ثم يعرج المؤرخ على ذكر الشعراء الذين ذكروا محلة الجامعين في قصائدهم، وآخرها قصيدة الشاعر جبار الكواز بحق الحلة وعلمائها ألقيت يوم 13/5/2015 في جامعة بابل تحت عنوان (أرضٌ بها الوعي والأحلامُ قد ركبا).

وفي ص36 وما بعدها يعرّج بنا المؤرخ عوض سائحاً حول أهم شوارع المحلة الحديثة والرئيسة، وأهم المؤسسات الحكومية والمدارس ورياض الأطفال والمراقد والبيوت السكنية والمساجد والمعامل والمحال التجارية ودور الترفيه والمقاهي التي تحيط بهذه الشوارع منها : شارع الإمام علي (الجادة)، وشارع صفي الدين، وشارع العلوة أو المعدان، وهناك هو توصيف وتوثيق دقيق لهذه الشوارع.

وفي صفحة 56 / 57 يذكر المؤرخ عوض أهمية سور الحلة، الذي كان قائماً حتى سنة 1918م، وكان السور يحتضن المحلات السبع القديمة: (الجامعين، الطاق ،جبران، المهدية، الجباويين، التعيس، الأكراد)، حين قال :"أول ذكر لسور الحلة ورد في المدونات التاريخية، وهو : أن الأمير صدقة بن منصور ممصر الحلة سنة 495هـ أمر بحفر خندق حول مدينته الجديدة ومن تراب الخندق عمل سور المدينة لحمايتها من الغزوات، وكان ترابياً، فقد ذكر السيد رضي الدين علي بن المطهر الحلي، أن الحلة حفر حولها خندق سنة 498هـ، ومن تراب الخندق عمل سور الحلة وأكمل في 21 رمضان سنة 500هـ ... بني بطابوق بابل المدينة الآثارية نقل إلى الجامعين بواسطة القفف النهرية شيد لأخر مرة في عهد المماليك نهاية القرن السابع عشر الميلادي، وكان على ارتفاع أربعة أمتار تقريباً ويمتد من واجهة نهر الحلة ماراً بالشارع الذي يفصل الجامعين عن محلة (الجديدة) الحالية، حيث (باب المشهد)". فضلاً عن بساتين الجامعين التي كانت مقاطعات زراعية كبيرة والتي كانت تتعدى (14) بستاناً، حتى مطلع القرن الماضي، إلا أن هذه البساتين والأراضي الزراعية زحف عليها العمران وحل محلها أحياء سكنية جديدة سميت بـ(محلة الجديدة) و(الحي الجمهوري)، و(نزلة العيد) ويحسب الجميع أنها امتدا لمحلة الجامعين، وأنشأ عليها منشآت حكومية، وشبه حكومية ذات النفع العام"، ثم يعقب عوض قائلاً :" كان أغلب سكان محلة الجامعين يعتمدون في موارد معيشتهم على مهنة الحياكة النسيجية، وبستنة الأرض، فالمنطقة المحصورة بين سور الحلة الجنوبي وحتى مقام النبي أيوب (ع) في المنطقة المسماة بـ (العيفار) كلها بساتين زراعية غناء تسقى بواسطة الكرود (النواعير)".

كما وثق المؤرخ عوض في كتابه المجالس الاجتماعية في الجامعين، ففي صفحة 64 وما بعدها ذكر عدة مجالس ونبذة عن تاريخها والقائمين عليها منها (مجلس آل عوض، مجلس آل علوش، مجلس آل الشلاه، مجلس صالح عنجورة)، والنشاطات الثقافية والفكرية والأدبية التي قامت بها هذه المجالس. وقد وثق المؤرخ تاريخ البيوتات في المحلة وطرق بناؤها ففي صفحة 68 ذكر قائلاُ :" إن كافة البيوت مبنية بالطابوق ، وهو على ثلاثة أنواع :

-  طابوق مدينة بابل الآثارية وعليه كتابات مسمارية ، غنمه الأهالي بعد نقض سور الحلة سنة 1918م، إذ تذكر المصادر ان السور بني بطابوق جُلب من بابل بوساطة القفف النهرية.

-  طابوق من نتاج محلي ويسمى (طابوق كورة) كونه يفخر بطريقة بدائية وهذه (الكور) كانت منتشرة حول مدينة الحلة.

-  طابوق من نتاج معامل الطابوق الميكانيكية، وتكون هذه الطابوقة أصغر من الطابوقة البابلية وأكبر من طابوقة (الكورة).

أما مادة البناء فيستعمل الرماد والنورة في بناء الأسس لعدم توفر الاسمنت، أما القسم العلوي فتكون مادة البناء بالطين، وتغطى الجدران أما بالطين أو مادة الجص التي تصنع محلياً. وتكون السقوف من جدوع النخيل أو الاشجار (القوغ) وفوقها طبقة من الحصران التي تصنع من خوص النخيل وفوقها مادة الطين، ولم يدخل حديد الشيلمان الى البناء إلاّ بعد العقد الثالث من القرن العشرين".

وفي صفحة 70 يوثق المؤرخ تاريخ الأسر والبيوتات الحلية القديمة وأعلامها ورجالها التي سكنت محلتي الجامعين والطاق وحسب ما أدركه المؤرخ قبل خمسة عقود حين يقول :" وهذه البيوتات تنتمي أصلاً إلى عشائر مختلفة، منها : خفاجة وهي أقدم العشائر في الحلة وما حولها، وبني أسد وهم ممصروا الحلة السيفية سنة 495هـ، والأكرع، وبني حسن، وطفيل، وآل فتلة والجبور، والجنابيون، والربيعي، والعزاوي، والجشعمي، والقريشي (الكريشي)، والشجيري، والشمري، وغيرها من العشائر"، ثم يعقب في صفحة 77 على أهمية مختاروا المحلة واسمائهم وأهم القضايا التي حدثت وتداولها الناس في تلك الحقبة عندما كان لمديرية شرطة اللواء ليس فيها سجن خاص بالنساء، فكانت المديرية تعهد إلى المختار ليحتفظ بالنساء السجينات في داره.

وفي صفحة 79 يوثق المؤرخ عوض أهم المهن التي امتهنها سكنة الجامعين، منها : الوظائف الحكومية، الزراعة، النسيج القطني واليشماغ ، معمل الكوكا كولا، البناء، الحدادة، الصياغة، التجارة، ثم يسوح بنا المؤرخ على العادات والتقاليد المتوارثة التي أدركها وهي كثيرة ومهمة لأبناء المحلة وبيوتاتهم، والقصص التي سمعها حول قتل عاكف أهالي الحلة وشنق رجالاتها وهدم بيوتها وتشريد عوائلها، وقصة مقتل حاكم التحقيق تحسين الشيخلي، ثم يعرج بنا على أهمية الأعياد في حياة أبناء المحلة وتقاليد يوم الجمعة والفارسي ففي صفحة 93 حين قال :"اعتادت نساء الجامعين عصر كل يوم جمعة زيارة مرقد العلامة الفارسي، وهنًّ يتوجهن إليه مشياً على الأقدام لقربه من المحلة، ولا أحد يعرف سبب هذا التقليد، وزيارة السيد علي بن طاووس (أبو النور)، و عادات شموع السيد إبراهيم، وشموع النصف من شعبان، أما في صفحة 95 فيذكر المؤرخ ما طال أبناء المحلة ومدينة الحلة من تهجير وتسفير على يد أزلام نظام البعث نحو إيران 1968-2003م.

الكتاب هو وثيقة تاريخية لتاريخ محلة الجامعين حيث وثق فيها المؤرخ عوض تاريخ هذه المحلة وجمع فيه الشاردة والواردة حتى تاريخ ظهور الواقع السياسي في المحلة، وبدأ حملة التنوير في عموم مدينة الحلة على يد الشيخ عبد الكريم رضا الماشطة، الشيخ حميد سعيد الغاوي ومن ذلك بدأ التفكير بنمو الوعي السياسي، هذا ما ذكره في صفحة 103 من الكتاب، والذي تجاوز عدد الأحزاب في تلك الفترة إلى ستة أحزاب، فضلاً عن دور أهالي الجامعين في الحركات التحررية، وتصديهم وتأهبهم لرد الاعتداء الوهابي الذي كاد أن يحصل على الحلة سنة 1832م، وتصديهم لهجمات عشائر خفاجة وعقيل وجشعم لمحاولتهم غزو المدينة، وقعة (دگة) عاكف 1915م ومجزرة 1916م، أسهاماتهم في أحداث ثورة العشرين الخالدة، وأسهاماتهم في تأييد ثورة 14 تموز 1958م، ودورهم البطولي في الانتفاضة الشعبانية 1991م. ودور أشقياء المحلة الذين لم يكونوا قساة بل أغلب بطولاتهم وهمية لا تتعدى نسج الأساطير.

في صفحة 122 يذكر المؤرخ دور ظرفاء المحلة حين يقول :" كل منطقة أو محلة يظهر فيها ظرفاء مسالمون يجمعون بين سبك القصص الوهمية ولطافة الحديث، وأغلبها من صنع الخيال ولاشيء فيها من الصحة، فيتفكه الناس مرفهين عن أنفسهم بهذه المقالب لعدم وجود أجهزة تسلية كما هو الحال عليه الآن". ويختم الكتاب بتوثيق مراقد الأئمة والمقامات، والمدارس والبعثات الدراسية، والأعلام المعاصرون من محلة الجامعين.

المؤرخ عبد الرضا عوض من خلال مؤلفه هذا قد ملأ الفراغ الذي كانت بحاجة إليه مدينته الحلة، والمكتبة العراقية لمثل هذه الدراسة، فهو المؤرخ المنتج والمتتبع للمعرفة والمبتكر لكل جديد، فقد عشق عوض الكتابة والتوثيق منذ نعومة أظفاره، وكان صائباً في اختياره لمواضيع وعناوين مؤلفه هذا وما سبقهُ، وكان موقداً ومتوقداً في مؤلفاته، يضيء للجيل الجديد دربه، صالّ صولة الأبطال في كل حلبة، لكهُ فكر قد أخلص لقلمك.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

......................

د. عبد الرضا عوض . الجامعين كما أدركتها. ص10/11.

 

 

nadheer khazrajiللكلمة وقعها في النفس إذا ما تناهت الى الأسماع وتتأثر بها الروح حسب ملقيها ومؤداها، فالانشراح يبدو على قسمات الوجه إذا ما نزلت الكلمة على الصدر منزل الماء البارد في يوم حرور، ويبدو الإنقباض واضحا إذا ما مست الكلمة الصدر مساس اليد لقبس من نار، وفي الحالتين فإن التأثير المتبادل بين الكلمة والأحاسيس البشرية تتوقف على مدى استيعاب المتلقي للكلمة، ولا يختلف الأمر بين لغة وأخرى ومجتمع وآخر، لان الأحاسيس فطرية يتشارك بها كل بني البشر، ولكن المشاعر تختلف عندما يتلقى المستمع كلمة لا يفهمها كأن تكون أعجمية على لغته ولا يجيد اللغة الأخرى أو غير مستوعب لها لفصاحتها أو قِدَمِها، وإذا ما كان عارفا باللغة الأخرى التي تلقى منها الكلمة، فإنه سيتأثر بها هو الآخر لإدراكه المعنى الحقيقي لها، لأن إدراك المعنى هو المعيار في طبيعة التأثر بها في السلب والإيجاب، في الإنشراح والإنقباض، في القبول والرضا.

ولا يخفى أن الترجمة في بعض الأحيان تُفقد قوة المعنى وأصالتها، بخاصة عند ترجمة النصوص المقدسة او النصوص الأدبية، التي يصعب على  المترجم إيصال المعنى الحقيقي للمفردات التي نطق بها الأدب، ولاسيما في الشعر المنطوي على الكثير من المعاني التي تفقد جانبا من بريقها عند الترجمة، وحتى الضليع باللغة يجد أحيانًا، عند شرح مفردات البيت أو القصيدة، صعوبة في بلوغ مراد الشاعر، فيرمي ذلك على حبل المنشيء وما أضمره حتى اشتهرت بين النقاد عبارة: "المعنى في قلب الشاعر".

وكلما كان الإنسان متمكنا من اللغة الأم التي يتحدث بها واللغة الثانية التي تعلمها، وقف على أدبهما وقوف الأديب المتبحر، تذوق المعاني تذوق الشهد، وإذا جمع بين الأدب والشعر وتناثرت بين يديه نصوص شعرية كان أكثر قربا من مراد الشاعر عند الترجمة، وأما إذا كان متبحرًا في علوم كثيرة وخبيرا في باب العلم الذي يتحرك في بحره مركبه، فإن المفردة المترجمة ستقترب كثيرًا من المعنى الأصل، وفي بعض الأحيان تتغلب الترجمة على الأصل من حيث قوة الأدب والبلاغة واستخدام المحسنات اللفظية.

وإذا كان النص الأدبي نثرًا او شعرًا يتناول قضية عالمية لها في صدور الناس موقعها وموضعها، فإنه ولا شك سيأخذ بعدًا إنسانيا يتجاوز اللغة والجنس والمعتقد والبلد، وهذا ما تتميز به واقعة كربلاء واستشهاد سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين (ع)، وهي واقعة ألهمت الأدباء والشعراء من كل النحل والملل، وقد رفد المحقق آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي حديثا الساحة الأدبية بأيقونة شعرية جمعت بين الفارسي الأصل والترجمة العربية المقفاة، وهو الجزء الثاني من "ديوان الشعر الفارسي  .. القرن العاشر- الحادي عشر الهجري" الصادر سنة 2017م عن المركز الحسيني للدراسات بلندن في 454 صفحة من القطع الوزيري.

تفاوت مشهود

أفرد المحقق الكرباسي بحسه الأدبي فيما مضى جزأين كمدخل الى الشعر الفارسي أعقبهما بالجزء الأول من "ديوان الشعر الفارسي" الذي تناول طلائع الشعر الفارسي في الإمام الحسين(ع) ونهضته المباركة في القرن الرابع حتى نهاية القرن التاسع الهجري، حيث لم يصلنا الشعر الحسيني ما هو أقدم من هذا التاريخ رغم أن واقعة كربلاء حصلت في العام 61 للهجرة، فضلا عن كثرة الشعراء الناطقين باللغة الفارسية في إيران وأفغانستان وبعض بلدان آسيا الوسطى مثل طاجيكستان وأوزبكستان.

ولكن قيام الدولة الصفوية مطلع القرن العاشر الهجري ووجود حكومات محلية تنتمي مذهبيا الى الفقه الجعفري ساهم بشكل ملفت للنظر في ظهور الشعر الحسيني في البلدان الناطقة بالفارسية وفي خلق توجه كبير نحو مظلومية اهل البيت(ع) وشهادة الإمام الحسين(ع) على وجه الخصوص إذ انطلق لسان الشعراء في بيان واقعة كربلاء، وبتعبير الأديب الكرباسي في التمهيد: (وجدنا أن الجزء الأول قد احتوى على ما نظمه الشعراء في ستة قرون، الرابع وحتى التاسع الهجري لكي يتمكن أن يستقل بديوان، بينما هنا في الجزء الثاني اقتصر على قرنين فقط، وهما القرن العاشر والحادي عشر الهجريان، وهذا يدل على أن مجال النظم في الإتجاه الحسيني تقدم وتطور وذلك باتساع رقعة التشيع من جهة، وتخفيف القيود على حرية المعتقد والتعبير من جهة أخرى).

وقد بصر الكرباسي قيام حكومات شيعية في هذه الفترة لها دور ملحوظ في التطور الذي طرأ على الشعر الحسيني باللغة الفارسية، مثل الدولة الشروانية الثالثة في مدينة شروان بجمهورية آذربايجان في الفترة (903- 1067هـ)، والدولة الشيبانية الأولى في مدينة بخارى بجمهورية أوزبكستان في الفترة (905- 1007هـ)، والدولة القطبشاهية في مدينة حيدر آباد الدكن بالهند في الفترة (918- 1099هـ).

وتبقى الدولة الصفوية وعاصمتها تبريز وإصفهان التي قامت في الفترة (907- 1200هـ) من أهم الحكومات التي ترعرع فيها الشعر الحسيني، ولأن سلاطين الدولة الصفوية يتصلون نسبا الى الرسول الأعظم، وكانوا من الشيعة الإمامية الإثني عشرية، فكان من الطبيعي أن يزداد الإهتمام بالشعائر الحسينية، والشعر في أعلى سنامها، ومن المفارقات في هذا الحقل أنَّ الولاء لأهل البيت(ع) أصبح في نظر البعض سُبّة وتُهمة، وبتعبير الفقيه الكرباسي: (ومن كثرة اهتمامهم بالشعائر الحسينية اتهم التشيع بشكل عام إلى يومنا هذا بالشيعة الصفوية ظلما).

وما يميز الجزء الاول عن الثاني، من حيث النظم والإنشاء وتفاوت الأرقام:

أولا: كان شعر القرون الأولى يتألف في معظمه من بيت أو بيتين، في حين شهد الجزء الثاني كثرة المقطوعات ما دون عشرة أبيات والقصائد المتكونة من عشرة أبيات فما فوق، ويظهر ذلك من بيان الأرقام، فالجزء الأول ضم 27 مقطوعة في حين ضم الجزء الثاني 52 مقطوعة.

ثانيا: بدأ الشعراء في المرحلة المتأخرة ينظمون القصائد المستقلة في الإمام الحسين(ع) في حين أن شعراء القرون الستة، كما يشير الكرباسي، كان: (معظم الشعر الحسيني مهمّشا ولم يذكر في الأعم الأغلب إلا ضمن قصيدة تمدح سلطانًا أو رثاء أمير وفيها يتطرق إلى ذكر الإمام الحسين(ع) كلما حانت للشاعر فرصة يستغلها).

وهذا الحقيقة تظهر جلية من كثرة الأبيات في الجزء الأول التي استقطعت بشكل عام من قصيدة قيلت في مناسبات مختلفة دون ان تستقل في الإمام الحسين(ع) حصرًا، فالجزء الأول ضمّ 120 عنوان شعر مستقطع، في حين ضم الجزء الثاني 20 مستقطعًا، وهذا التفاوت مال الى كثرة القصائد في الجزء الثاني الذي ضم 40 قصيدة في حين ضم الجزء الأول 9 قصائد.

ثالثا: ومن الطبيعي أن التفاوت بين في القصائد ساهم بشكل كبير في زيادة عدد الأبيات في القرنين العاشر والحادي عشر، والمتكونة من (1254) بيتًا مقارنة بـ (622) بيتًا على مدى ستة قرون من الرابع الى نهاية التاسع.

رابعا: من الثابت أن استقرار الحكومة وتمددها زمنيا يساعدان بشكل كبير على نمو الأدب في شطريه النثري والشعري، على عكس الحكومات المتغيرة والقصيرة الأمد، وهذا ما حظي به الأدب الحسيني في العهد الصفوي، فضلا عن الإهتمام الحاصل في مجال التدوين والنسخ مما ساهم في حفظ التراث الأدبي الحسيني، وظهور الطباعة الحجرية فيما بعد أسهم بصورة أكبر في باب التوثيق.

وفرة شعرية

من العلامات الفارقة في عدد الشعراء الواردة أسماؤهم في الجزأين الأول والثاني، أنَّ المحقق الكرباسي استطاع أن يرصد في القرون الستة من الرابع حتى نهاية التاسع الهجري 47 شاعرًا له جاء شعرهم الحسيني في معظمه ضمنيًا، في مقابل 21 شاعرًا في القرنين العاشر والحادي عشر الهجري جاء شعرهم حصريًا، أي بمعدل ثمان شعراء لكل قرن في الجزء الاول وعشر شعراء لكل قرن في الجزء الثاني، أي زيادة في عدد الشعراء بمرور الزمن والحاكي عن استقرار الحكومات وتبنيها للشعائر الحسينية، وهو ما انعكس أيضا على عدد القصائد والمقطوعات الشعرية لكل شاعر.

وتمكن الأديب الكرباسي من اكتشاف وفرة شعرية في الإمام الحسين (ع) ونهضته المباركة لدى الشعراء الناطقين بالفارسية على رأسهم الشاعر الإيراني الشهير محتشم الكاشاني المتوفى سنة 996هـ الذي أفرد من شعره 18 قصيدة ومقطوعة حسينية غير شعر البند الذي اشتهر به، ويليه من حيث العدد الشاعر عبد الرزاق اللاهيجي ومحمد رفيع القزويني ولكل منهما 16 قصيدة ومقطوعة، ومن بعدهما محمد الأهلي الشيرازي وله في الديوان 13 قصيدة ومقطوعة، ويليه من حيث عدد القصائد والمقطوعات: الشاعر حسين الهروي السبزواري (10)، شمس الدين البافقي (8)، محمد حسين النيشابوري (7)، بابا فغاني الشيرازي (5)، محمد الفضولي البغدادي ومحمد علي الصائب التبريزي (4) قصائد ومقطوعة لكل منهما، رضي الدين الآرتيماني ومحمد العرفي الشيرازي ومحمد الآملي (3) قصائد ومقطوعات لكل منهم، وقصيدة وبيت لنور الدين الهلالي الجغتايي، وقصيدة او بيت للشعراء: حسن الفراهاني الحسيني، طرزي أفشار، كليم أبو طالب الكاشاني، محمد العاملي البهائي، محمد الظهوري الترشيزي، محمد أمين القطب شاهي، ومحمد محسن الفيض الكاشاني، وتوزعت قوافي القصائد والمقطوعات والمستقطعات الواردة في الديوان وفق الحروف الهجائية من الألف إلى الياء.

بلاغة عابرة للغات

لا يختلف الشاعر الناطق باللغة الفارسية عن الشاعر الناطق باللغة العربية أو الإنكليزية وغيرها، من حيث السباحة في فضاء الخيالات والتصورات والتشبيهات، فليس للشاعر من سقف، فقافيته ليست عملية حسابية محسومة النتائج، ولا نظرية علمية تحسم بالتجارب، وإنما هي طائر يطير حيث يريد ويحط حيث يرغب.

ومن الملاحظ أن الشاعر كلما حلّق عاليا، ضاقت الحيلة على المترجم في نقل أحاسيسه الى المتلقي من غير لغته، ولكن المعضلة تخف وطأتها عندما يكون المترجم نفسه شاعرًا له من الأجنحة ما لدى الشاعر المترجم عنه، وقد عمد المؤلف في هذا الديوان إلى إعمال قلمه وأحاسيسه ولغته في نقل المعنى بالقدر الذي يحاكي الأصل، فالشاعر بابا فغاني الشيرازي المتوفى سنة 925هـ في القصيدة الواردة في الديوان بعنوان "ذكر الحسين" يصف لنا مقتل رضيع الحسين (ع) وابنه الآخر علي الأكبر:

يا حسينُ في غمِّ بُرعمِكَ العطشان ... محمَرَّ الأكفانِ حرقًا على كبد شقائق النعمان

فالمراد بالبرعم رضيعه الذي ذبحه حرملة الكاهلي بسهم من الوريد الى الوريد وهو في حضن الحسين(ع) حمله إلى القوم يطلب له الماء، والمراد بشقائق النعمان ولده علي الأكبر الذي احتوشه الأعداء من كل جانب وقطعوه إربا إربا!

ومن روائع الشعر استخدام الجناس، وذلك عندما تأتي الكلمات متشابهة الحروف مختلفة المعنى، مثل قولنا جَنَّة وجِنَّه وجُنَّه، فالأول الفردوس والثاني الجن احد الثقلين الى جانب الإنس والثالث الوقاية والحماية، فالشاعر محمد علي الصائب التبريزي المتوفى سنة 1087هـ في قصيدة بعنوان "شاه كربلاء" يقارن بين "مُهْرِ سليمان" أي خاتم النبي سليمان(ع)  وبين "مُهْرِ كربلا" أي القرص من تراب كربلاء الذي يستخدمه المصلي في صلاته للسجود على التربة تيمنًا بسنة النبي الأكرم محمد (ص) في السجود على ما لا يؤكل ولا يُلبس وتربة الأرض أظهرها، وجاءت الترجمة على النحو التالي:

إذا كان خاتمُ سليمانَ مقدَّرًا مُعتَبَرا ... فتُربةُ كربلا إلى القيامة موضعُ سجودِ الخلق عِبَرا

ووجه المقارنة بين مهر (خاتم) سليمان ومهر (قرص) تربة كربلاء، أن الأول آني التأثير ولفترة محددة بحياة حامله الذي مات وهو واقف تأكل دابة الأرض منسأته، بيد أنَّ تربة كربلاء أصبحت وإلى يوم القيامة موضع سجود المؤمن حيث شهدت إراقة دماء سيد شباب أهل الجنّة وهو صابر ثابت القدم، فصار الخلود لتربة كربلاء وبفضل دماء السبط الشهيد.

سباق مع ريح الزمن

ومن الثابت أن لكل أمة رموزها تفتخر بها وتستذكرها، وخاصة عبر الشعر، وفي الأدب الفارسي رموز يستذكرها الشاعر ويستحضرها في أبياته، منهم (رستم) البطل الأسطوري، الذي ما إن لهج الشاعر باسمه حتى تناهت إلى آذان المتلقي البطولة والشجاعة والتفاني، ويحاول البعض أن يقارن بين بطولة رستم وشهامة الإمام الحسين(ع)، فهذا الشاعر عبد الرزاق اللاهيجي المتوفى سنة 1073هـ يتحدث عن غربة الحسين(ع) في عرصات كربلاء يطلب النصرة ولا من مجيب ولكنه صنديدٌ لا تهزه العواصف، فيستحضر الشاعر رستم، في قصيدة له بعنوان (دماء شهداء كربلاء):

يا حسرتَهُ في غُربته لم تجد إلى أنيس موئلا ... كذلك يُنبذُ مُنفردًا رُستُمُ ساحَ كربلا

مع الفارق الكبير بين الأسطورة والحقيقة، بين البطولة المنقوشة في الجدران وفي أبيات الشعراء والبطولة المحفورة في الوجدان وتجري في عروق المتأسين بموقف الحسين(ع) الرافض للظلم والداعي للإصلاح وسعادة الناس في الدارين.

ويعود اللاهيجي في قصيدة أخرى بعنوان (الخد الأحمر) ليحدثنا عن الإسكندر المقدوني الحارس عند الإمام الحسين(ع) وعن إفلاطون وعلومه المكتسبة من علوم الحسين(ع)، لأنَّ فيءَ سيد الشهداء ممتد من الماضي الى المستقبل عبر الحاضر، فينشد ما ترجمته:

إن فيئه يظلّلُ الماضي والحاضر والمستقبلا ... فهو رأسمال للكائن والذي سيكون ومن كان أوّلا

ومن رُعاةِ وحرّاس مهابته الإسكندرُ ... وأفلاطون من رواة علومهِ ومَن سطَروا

كلُّ عقلاء العالم في كفِّةٍ من ميزان عقلهِ ... وعيارُ الوزن لا يُساوي حرفًا من حروف عشقه

وحيثما يحلّ القدِّيس تحل القداسة في تلك الديار، ولذا فلا غرو أن تصبح مدينة كربلاء التي احتضنت جثمان الشهيد مقدسة، ولهذا يعتبرها الشاعر محمد الفضولي البغدادي المتوفى سنة 976 هـ والمدفون بها على مقربة من باب قبلة الإمام الحسين(ع)، روضة من رياض الجنة وأعلى مقاما من السماء، فينشد من قصيدة بعنوان (مظلوم صحراء كربلاء):

هنيئًا لطالب حاجة من كربلا لحينِهْ ... أن يكون تراب أرضها ككحلٍ في عينِهْ

ثم يضيف مقارنا بين الروضة والجنة والأرض والسماء:

فالروحُ ترى شَبَهًا بين روضتهِ والجنانْ ... ويخالفُها القلبُ قائلًا بلْ هُما واحدٌ للعيانْ

مهما ارتفعت سماءٌ في ذرى عُلاها ... فالأرض أعلى منها مقامًا لأنّك في ثراها

صحراء كربلاء شريفة ليست كباقي الأرض من جَلَلِ ... أكرمْ بها هي كربلا مثوى الحسين بن علي

ولأن كربلاء هي مهوى القلوب والأفئدة تتجاوز كل الحدود، فإن الناشط البحريني الأستاذ جلال فيروز البحراني النائب السابق في مجلس النواب بمملكة البحرين يؤكد وهو يقرّظ الجزء الثاني من ديوان الشعر الفارسي انه: (لا ينظر لعاشوراء كمجرد حدث مأساوي في عمق التاريخ، ولا لكربلاء كمجرد موقع جغرافي وفي بقعة من بقاع العالم، بل إن كليهما لفظتان راسختان تهزان وجدان الأحرار وتنيران دروب التضحية والفداء من أجل الحفاظ على القيم الإسلامية والإنسانية السامية).

ولابد لهذه النهضة المباركة أن تُقدم للبشرية بوجهها الإنساني الإصلاحي التنويري، وهذا ما توثقه الموسوعة الحسينية كما يشير الأستاذ جلال فيروز المقيم في لندن عبر الجهود المضنية التي يبذلها: (المركز الحسيني للدراسات في لندن ومؤسسه وراعيه سماحة الفقيه المحقق الشيخ الدكتور محمد صادق الكرباسي منذ زهاء ثلاثة عقود من العمل المضني، ولاسيما العمل القائم في إطار الموسوعة الثرية الموسومة بـ "دائرة المعارف الحسينية"، وتعد هذه الموسوعة الأولى من نوعها من حيث الشمولية والإحاطة، متميزة عما كتب في سواها من حيث التعمق والتحليل، واتباع منهجية جامعة كاملة).

وعندما نظر الأستاذ البحراني الى الديوان وجده: (وقد ضم 112 قصيدة ومقطوعة لشعراء من بلدان مختلفة قاسمهم المشترك اللغة الفارسية، وبذلك يساهم هذا الباب في جمع وتوثيق كافة الأشعار المتوزعة في الدواوين والمخطوطات في  البلدان المختلفة، مما يكون عونًا للأدباء والباحثين والمحققين في تحصيل مرادهم بسهولة ويسر).

ومن نافلة القول أنه وبصدور هذا الجزء الذي يحمل الرقم (108) من أجزاء الموسوعة المطبوعة، تكون دائرة المعارف الحسينية التي أنطلقت سنة 1987م قد أطفأت شمعتها الثلاثين، وفي جعبة المؤلف نحو 900 مخطوطة يسابق بها الزمن حتى تخرج الى النور بما أسعفه كتاب الأجل من بقية باقية.

 

د. نضير الخزرجي - الرأي الآخر للدراسات- لندن

 

 

سأتكلم عن الاصدارات الثلاثة للناقد والكاتب والباحث العراقي الاستاذ الصديق عبد الغفار العطوي وهي على التوالي: في النقد النسوي صناعة القارئ في السرد النسوي العربي المعاصر عن دار ضفاف للنشر الشارقة 2016 وفي الكتابة التحدث مع الرواية عن دار امل الجديدة سوريا 2017 وفي البحث البعد الثقافي في الإسلام في المفاهيم التأسيسية عن دار سطور للنشر بغداد، والعطوي هو الذي تصدى للكتابة عنا نحن أدباء مدينته وتجاوزها الى معظم الادباء العراقيين البارزين ووصلت كتابته عن بعض الروائيات والروائيين العرب في الوطن العربي، وإني اود التوقف عند محطات إبداعاته واجتهاداته فيما يتعلق بهذه الاصدارات الاخيرة بالذات لأنها تبين أمرين يجب تسليط الضوء عليهما فيما يخس اهتمامات العطوي يسيران بتواز غير منظور في مسيرته الكتابية

إنه يكتب في الخطاب الديني، ويطرح موضوعات شائكة في الفكر الإسلامي مثل المستقبل من وجهة نظر اسلامية و(نحن والمهدي) وفي الوقت نفسه يثابر على غربلة المنجز الادبي، وهذه ظاهرة تستحق عندها، فقلما جمعت شخصية ثقافية بين هذيت الامرين، طبعا هناك (محمد عبده) في رسائله الى تولستوي و(سيد قطب) الذي ابتدأ ناقدا أدبياً وانتهى مفكرا دينيا، أما العقاد فلم يخض في الفكر الآسلامي وإنما كتب عن شخصيات اسلامية، وكذلك (طه حسين) أما في العراق فلا تحضرني شخصية دينية او ثقافية خاضت في هذين المجالين معا، لعل طبيعة العراقيين التي تميل الى التزمت والتوجس تجعلها اكثر تحفظا في الخوض في هكذا مجالات دفعة واحدة، فتراها تأخذ مجالا واحدا

إن العطوي كان أمينا في نقده للنصوص بإتخاذه (النقد الثقافي) منهجا، وإن النقد الثقافي في ابسط مفاهيمه : ليس بحثا او تنقيبا في الثقافى، إنما بحث في أنساقها المضمرة ومشكلاتها المركبة والمعقدة، أقصد في ذلك (النقد الثقافي) في السرد، ففي موضوع النص بوصفه ايقونة ثقافية والانتقال بالنص الى الخطاب ورصد التغيرات الحاصلة في كسر الفواصل التعددية في النقد، فكان امينا بتسليط الضوء على النصوص بوصفها نسقا ثقافيا يؤدي وظيفة ما

إن منحى العطوي في دراسته للسرديات شكل في الآونة الاخيرة تصاعدا في منهجه الثقافي، حيث أخذ في الكتابة عن نصوص متماثلة تربطها موضوعات مشتركة (ثقافة الجسد) و(القارئ في السرد) أما كتابه (صناعة القارئفي السرد النسوي) فيأخذنا الى عوالم القارئات وسنقرأ في فصوله الاربعة عن المرأة | الكاتبة ــ القارئة المتلقية الا وهي المرأة الكاتبة والراوية والنسوة من الشخصيات الروائية اللواتي يقمن بدور شهرزاد، قارئات يقرأن بمجهوداتهن بهمة انتقلت إليهن من شهرزاد، فالاستاذ عبد الغفار العطوي يدفع اتجاه القارئ كطرف سترايجي في العملية الابداعية وهو يسوغ مفهوم كاديمير(أن لا فرق بين القراءة والكتابة)مادام الاستهلاك واحدا،أي إن الكاتب (ة) لا تكتب الا لتقرأ،و يتعامل مع الكاتبات كونهن يتمتعن بذوات يشعرن بعالمهن ولأن القراءة تجعلنا جميعا من كل الاوجه إنسانيين، ففي الفصل الاول وضع الكاتبات السعوديات (زينب حفني وبتول مصطفى ورجاء الصانع) قارئات متشظيات يختزلن عوالمهن في عوالم الروايات والشخصيات وهن يتشظين على شكل اطار فسيفسائي في سلسلة من الحكايات، وفي الفصل الثاني فالروائيات (سحر خليفة وهيفاء بيطار وناهدة سعد) فهن قارئات هذا العصر يجتشدن كقارئات داخل النصوص ومع ذلك لا ينفصلن عن شهرزادالتي تسرد مع تنامي فعل القراءة، أما (أنعام كججي وحوراء النداوي وعالية ممدوحو احلام مستغانمي وسلوى النعيمي ورحاب ضاهر) فهن قارئات في الغربة وهن يتأرجحن بين الغربة والجسد، وبحثهن عن شهرزاد بحث عن هوية ضائعة ويفاجئنا العطوي في الخاتمة بقراءة عن قارئات من خارج القراءة (هدية حسين وجنى فواز الحسن) بكونهن قارئات لا يقرأن ولا يتقمصندور شهرزاد ولعلها محاولة من الكاتب لكسر تسق كتابته، أو من هاتين الكاتبتين للابتعاد عن سلطة شهرزاد التي تروي كي تعيش، وحسنا ما فعل لتسليط الضوء على كسر افق التوقع وكذلك اضفى على منجزه النقدي ميزة الشمول في الاحاطة بالموضوع الذ يتصدى للكتابة عنه، هذه الدراسة تعد مهمة في النقد الثقافي لما شخصه من لبنات فيه

   ــ2ــ

التحدث مع الرواية عبد الغفار العطوي يستنطق الروايات: إن الرواية بسردها اخذت تنطق وتتحول في وضع اكبر من محض حبر على ورق او كلمات مسطورة، إننا نعيش مع الرواية وفي الرواية مما نفعل مع اي شخص آخر، وتبقى معنا حتى بعد الانتهاء من قراءتها، فلهذا نجدها اكثر تماسا بحياتنا على الرغم من عدم واقعيتها

تدفعنا الرواية لسؤال كوني (من نكون؟) ليس كونها تقول كل شيء، وإنما لكونها تذهب بعيدا وتخترق حدود الممكنات المقيدة والحافات المجهولة للنفس البشرية ولغيرها من النفوس والصور الاخرى لقدرتها على التحدث عن اي شيء وعن كل شيء، فيمكنها ان تمضي اينما تريد ونحن معها، متعددو الوجوه والمسالك في خيالها الجامح او المبطن او العادي يقودنا الى الاندماج بسيولة سيميائية

يجرنا الكتاب الى منطقة او مناطق التفتيش التي يتحرك بها السارد او مجموعة الساردين الذين قسمهم الكاتب حسب ترتيب الروائي العالمي التركي (أورهان باموك) من حيث كونهم روائيين سذجا او حساسين، مما اعطى لنفسه مساحة مريحة يتحرك فيها كناقد وفق آليات النقد الثقافي في موضوعات الكتاب التي جاءت في اهداء وتمهيد وملاحق، إذ نفهم ان الكاتب قد استخدم التمهيد في عرض وجهة نظره النقدية عن العلاقة بين الرواية من جهة ومن جهة ثانية بين من يقرأها، الروائي اولا، وثانياً القارئ الساذج والجساس، وأخيرا القارئ الاول المتمكن (الناقد) الذي يميزبين الروائي الساذجوالحساس، وكذلك القارئ الساذج والحساس، كان العطوي شديد الملاحظة، أكسبته هذه الميزة قدرة إيحائية مستفزة احيانا للذات الجمعية لروائيين وروائيات عرب، فيعري ذائقتهم ويصدمهم في موضوعات الكتاب كالازمات التي تثيرها الرواية وهي تقرأ من قبل (أزمة النخبة في الرواية العراقية) و(أزمة النسويات) و الروائيات اللواتي جئن في ملاحق الكتاب ونالهن نصيب من الالماح كـ(إنعام كججيو هدية حسين وحوراء النداويو دنى غالي) وهو يضع الازمة النسوية قيد التحليل بينما شملت الروائيات الاخريات صفة التحدث مع الرواية (رحاب ضاهر واحلام مستغانمي ومنيرة سوار وزينب حفني وفتحية ناصر وبتول مصطفى وميس خالد العثمان) مما اكسب تحدثن مع ما يكتبن فرصة للعيش اطول مدة زمنية مما يتوقع لها، ولم يقف عند الروائيات، بل قدم قدم سبق في تحدث الروائيين مع رواياتهم وهي سابقة لم يجرأ أحد قبله في تناولها الا في حدود ضيقة حد علمي، فدرس (محمود عبد الوهاب واحمد السعداوي واسعد اللامي وياسين شامل وسعود السنعوسي وعبد الحليم مهودر وعلاء شاكر وباسه القكراني وعلي بدر) ان سبر اغوار الروايات ومحاورتها من جهات جديدة وتسيط الضوء على وعي كتابها هي ميزة اخرى للعطوي، وتكمن في الكتاب فطنة الربط بين تمهيد الكاتب وتطبيقاته قي الملاحق ؛ فقد درس (19) رواية وتحدث مع الروايات، ليكشف ما كان مخفيا في نظر كتابها وقرائها، وكل هذا الجهد المميز في حفريات تطبيقاته قادتنا للقول ان هذا الجهد المتفرد للأستاذ العطوي في كتابه (التحدث مع الرواية) يعطي للرواية قوة تستحق المواظبة والسير في طريقها

الحديث عن كتاب العطوي الاهم وأعني به (البعد الثقافي في اٌسلام في المفاهيم التأسيسية) يجعلنا ننوه الى حالة خطرة تتعلق بجمالية التلقي، لأننا نلحظ عدم صعوبة تمييز المتلقين لاطروحات هذا الكتاب وعدم الالتقات الى جديتها، وتهديدها لمزاعم فكرية اخذت استقرارها التاريخي ودمغت الإسلام بحقيقتها المزيفة إذ لم يقرأ الشارع ولا نخبة المثقفين ولا حتى المتدينون (الذين وكلوا كتاباتهم الاصولية للدفاع ن أية حركة مضادة تحاول زعزعة ذلك الاستقرار) ظل كتاب الاستاذالعطوي ينظر الى من يرد لكي يفهم لم نثق بالماضي ثقة عمياء، ونعتقد ان كل ما جاء به التاريخ الإسلامي صحيح بل مقدس، العطوي مثله مثل باحثين اخرين سبقوه يشكك في الإرث الثقيل الذي القى به الينا التاريخ وادعى بموثوقيته، وأراد ان نقبله بكل ترحاب هو يرفض الاصغاء لبديهياته والاعتماد على يقينياته، لهذا هو يذهب للمفاهيم التأسيسية للإسلام فيهز متبناته باستخدام المناهج الثقافية المعاصرة التي استطاعت تفكيك الاعتقادات الخاطئة التي رسختها تأويلات الصحابة والاخباريين وبعدهم دونها كبار المؤرخين، والكتاب هذا يطرح نسوغات المنهج الهيرمنيوطيقي وما كتبه العلامة الدكتور محمد مجتهد الشبستري ادعوكم لقراءته

 

عبد الحليم مهودر

 

 

mohamad qasimalsalihiلقد تطرقنا في الحلقة الأولى، الى المنطلقات التي بسببها إرتأينا الخوض في فصول كتاب (بعث العراق من البداية المريبة حتى النهاية الغريبة)، سواءاً المتعلقة بشخصية الكاتب أو مضامين الكتاب التي إنطوت على حقائق قد يعرفها البعض، ألا أن الكثير لا يعلمونها وخاصة تلك المتعلقة بنشوء البعث عموما، وبعث العراق على وجه الخصوص، ومنها المؤسس الحقيقي لبعث العراق، والإندكاك الطائفي الخفي للبعث، ولكن قبل هذا وذاك، نتطرق الى موقف الشاعر المبدع بدر شاكر السياب من البعث.

الشاعر الكبير السياب ما بين الإبداع الشعري والكبوات السياسية!.

أشرت في الحلقة السابقة  الى أن أبرز من وقع في مصيدة البعث، معلنا العداء للزعيم عبد الكريم قاسم هو الشاعر الكبير بدر شاكر السياب، ومن منطلق الموضوعية التي تقتضي تناول الآراء الأخرى في بعث العراق عموما وعفلق على وجه الخصوص، يتناول السيد طالب الحسن بالإيضاح والتفنيد، آراء العديد ممن وقعوا في فخ التمجيد بالبعث وتعظيم قادته، حيث يصف السيد المؤلف طالب الحسن، الكاتب الأردني ليث شبيلات في إصراره على (إسلام عفلق) بأنه "ملكيا أكثر من الملك"، في اشارة الى انه تقييم جاء من خارج قيادة البعث التي للكثير من أعضائها آراء سلبية تجاه مسيرة عفلق، ويعرج السيد المؤلف في هذا السياق على تقييم الشاعر المبالغ به لشخصية عفلق، حيث أضفى أوصاف عملاقة تم بها تتويجه بألقاب شتى على يد السياب ومنها يصف عفلق بـ ("الفيلسوف") و ("الأديب") و ("الشاعر الممتاز")، ويسترسل السياب في إطلاق هذه النعوت الكبيرة عليه، رغم أن عفلق نفسه يتردد من تأكيد هذه النعوت لنفسه، إلا أن السياب يصر على أن المقابل كذلك.

وذلك ما يثير الدهشة لدى الكاتب والقارئ معاً، وفي ذلك يقول مؤلف كتاب بعث العراق، السيد طالب الحسن الذي يصف السياب بـ("الشاعر المبدع")...("لا نعرف سببا لهذا الإصرار الذي يستولي على عقل السيّاب، ويخرجه من حدود الموضوعية والحياد، الذي لا يمكن تفسيره بغير التسرع الشديد والإندفاع العاطفي غير المبرر ومغالاة الشعراء").

والغريب أن ذات الشاعر المبدع الذي بدأ حياته ماركسيا ثم إنقلب ليكون قوميا، كان يصف الزعيم عبد الكريم قاسم ومؤيديه بـ ( التتار) وقد أورد الكاتب في هذا الصدد في (الملحق 19)، قصيدة للسياب كتبها بتاريخ 8 شباط 1963 في مستشفى سان ماري بلندن، يعبر فيها عن فرحته بمقتل الزعيم عبد الكريم قاسم، نورد بعض من السطور التي جاء فيها :

يا للعراق أكاد ألمح عبر زاخرة البحار

فيه الوجوه الضاحكات تقول، قد هرب التتار

طلع النهار فلا غروب

يا (حفصة) إبتسمي، فثغرك زهرة بين السهوب

الجيش ثار ومات (قاسم)، أي بشرى للشفاء

وكدت من فرحي أقوم، أسير، أعدو دون داء!

(حفصة): فتاة قتلت في أحداث الموصل

نشأة البعث في العراق، فؤاد الركابي ليس مؤسساً!

تناولنا فيما سبق المنحدر الإخلاقي والسياسي الذي رافق مسيرة البعث العفلقي في بداياته بشكل عام على المستوى القومي، وكيف زيف تاريخ  وشخوص التأسيس بشكل توّج به ميشيل عفلق مؤسسا، رغم أن زكي الأرسوزي هو المؤسس الحقيقي للبعث حيث النواة الأولى في الإسكندرونة في منتصف الثلاثينات، ومن ثم في إعادة التأسيس في دمشق عام 1940. وفي هذا الصدد يشير الكاتب الى أن الشكوك التي كانت تساور بعض البعثيين، في اليد الخفية التي ساهمت في تأسيس حزبهم، تحولت تدريجيا الى حقائق، حيث الحلفاء وهم يخططون لمرحلة ما بعد النازية وجدوا من المناسب لإستمرار مصالحهم خلق تشكيلات سياسية لركوب الموجة القومية، على سبيل المثال أن البعثي السابق حسن العلوي، الذي إنشق فيما بعد عن الحزب ليلتحق في صف المعارضة، يصف ميشيل عفلق، بالقول (" التلميذ الإستشراقي القادم من باريس ليجيّر حركة الإنبعاث القومي له شخصيا وينجح في ذلك نجاحات هائلة"). وهو ما تؤكده المصادر التاريخية من أن ميشيل عفلق كان قد استولى على فكر الارسوزي الذي إستمد منه آيديولوجيا الحزب، وتفاصيل العمل القومي المنظم، وبذلك يؤكد الكاتب السيد طالب الحسن، على أن بدايات البعث في العراق لم تكن تحمل نتوءات هجينة، إلا بعد دخول ميشيل عفلق على خط الحزب في منتصف الأربعينات، ومن ثم إستحواذه عليه بالكامل عام 1947.

كان ذلك على المستوى القومي، وفي سياق نشأة البعث على المستوى القطري في العراق،  نتناول حقيقة أن فؤاد الركابي المنحدر في أصوله الأسرية الى مدينة الناصرية، لم يكن أول مسؤول للبعث في العراق، فإن المكوث الطويل نسبيا، له في موقع المسؤولية الحزبية كان قد أوجد تصورا خاطئا في أذهان الكثيرين، بأنه مؤسس النواة الأولى للبعث في العراق، أو المسؤول الأول لبعث العراق، وفي هذه الصدد تجدر الإشارة الى أن مدينة الأعظمية في بغداد كانت البؤرة الأولى والحاضنة التي نشأ وترعرع فيها بعث العراق ومنها شق طريقه الى أماكن أخرى، بل وفي الأعظمية أيضا عُقد مؤتمر الحزب القطري الأول لبعث العراق أواخر كانون الأول 1955 وتحديدا في دار (فخري ياسين قدوري) الذي كان قد تولى مسؤولية الحزب مسبقا بضعة أشهر (من تموز 1952 الى تشرين الثاني من العام نفسه).

في حقيقة الأمر يذكر السيد المؤلف طالب الحسن بأن طلبة زكي الأرسوزي، المؤسس الحقيقي لحزب البعث  وتحديدا (فائز اسماعيل وسليمان العيسى) القادمان من سوريا الى العراق، كانا مساهمَين فاعلين في بدايات بعث العراق،  وكان (فائز إسماعيل) هو المسؤول الأول لنواة تنظيم حزب البعث العربي في العراق عام في عام 1944، حيث إختار السكن في بغداد، مدينة الأعظمية، التحق فيما بعد إختبار أجرى له لتحديد مستواه الدراسي، وتم قبوله في الخامس الأدبي في ثانوية الأعظمية، ليتخذ اسماعيل من المجلة الحائطية في الثانوية منبرا للتبشير بأفكار (البعث العربي) الحل القادم من دمشق، وفي تلك الأثناء برز إسم (عبد الرحمن الضامن/ مواليد 1929 بغداد)، وتحديدا خلال فترة الحركة التبشيرية (1944- 1950) التي قام بها فائز إسماعيل. استلم الضامن مسؤولية التنظيم خلفاً لفائز اسماعيل بعد مغادرته العراق عائدا الى سوريا. وبذلك يكون (عبد الرحمن الضامن/ انتقل من الكرخ الى الأعظمية / محلة الشيخ/ رقم الدار 71/ 6 ) أول عراقي يتولى مسؤولية التنظيم في العراق. وبذلك وكما يشير السيد مؤلف الكتاب، إستنادا الى أحد الأطاريح الجامعية في قسم التوثيق الحزبي الى أن (تنظيم البعث إتخذ شكلا هرميا حيث كانت هناك منظمة في القمة مسؤولها عبد الرحمن الضامن وتضم أربعة رفاق هم ، فؤاد أحمد الركابي طالب في كلية الهندسة، فخري قدوري وطه علي الرشيد طالبان في كلية التجارة، أبو القاسم محمد كرو طالب تونسي في دار المعلمين العالية) وتعد هذه المنظمة أول قيادة فرقة في العراق تأسست 1950.

يشير الكاتب السيد الحسن، الى أن الدراسات التي تناولت تاريخ البعث في مرحلة التأسيس الى أن عبد الرحمن الضامن كان قد تخلى عن مسؤولية الحزب في أواخر عام 1950 لأسباب غير معروفة، ليتولى بعده مسؤولية الحزب بالكامل، الطالب التونسي (أبو القاسم محمد كرو)، وقد كان كروّ لاعبا ماهرا في لعبة (الدمينو والشطرنج) سخر موهبته هذه للرهان والإرتزاق على حساب الآخرين كلما زقزقت عصافير معدته، ويطعن الكثير من قيادات الحزب بما فيهم فائز اسماعيل في سلوكيات كروّ، الذي إنتهى مختلسا للإشتراكات المالية الحزبية لائذا بالفرار الى تونس، ويستنكر الكثيرون تولي كروّ لقيادة الحزب، ويعتبر تسلّله الى الموقع الأول مماثلا لوصول صدام الى ما وصل اليه، فصدام أيضاً كان يلقب بـ (السرسري) وهو وصف أطلقه عليه رشيد محسن مدير الأمن عام 1964عندما كان صدام مخبرا للسلطة وأحد العيون السرية لمكتب المدير العام للأمن للإخبار عما يجري في منطقة الكرخ. و(السرسري) مفردة شعبية تركية الأصل تعني (الفاسد وسيئ الخلق) فإن تسلط مثل هذه النماذج (كرو- صدام)، وغيرها من العوامل هي التي وكما يعتقد السيد المؤلف طالب الحسن، كانت قد أسهمت في رسوخ ظاهرة الهيمنة وتسلط الأشقياء والمنحرفين على المواقع المهمة والمسؤوليات في فروع بعث العراق، ولم يكن ذلك لولا الخلل الذي رافق الحزب منذ البدايات الأولى، وجذور النشأة التي تركت بصماتها على السلوك من البداية حتى السقوط، لذلك لم يكن مفاجئا أن تفوق أوهام العظمة فيما بعد لدى صدام مستوىً الأوهام التي غزت عقل هتلر، فإذا كان هتلر قد وصف نفسه بالقول: " أنا مبعوث القدر وحامل رسالته الى الأمة الألمانية"، فإن صدام يقول : " إحنا القدر فرض علينا أن نكون مسؤولين ليس عن العراق، وليس عن الأمة فقط، وأنما عن الإنسانية". ولم يأتي القول مصادفة، حيث يعترف (سامي الجندي) أحد مؤسسي حزب البعث بأن الفكر النازي كان منهلا يستقي منه الكثير من أفكاره، وفي ذلك يقول (الجندي) في وصفه لنشأة البعث " كنا عرقيين معجبين بالنازية نقرأ كتبها ومنابع فكرها، وكنا أول من فكر بترجمة كتاب (كفاحي/ لهتلر).

وبالعودة الى التسلسل القيادي للبعث في العراق، فبعد فرار كروّ الى تونس 1952، عهدت قيادة الحزب في سوريا مسؤولية البعث في قطر العراق، الى (فخري قدوري) الذي لم يستمر في موقعه سوى بضعة أشهر (تموز 1952 الى تشرين الثاني نفس العام) حتى خسر قدوري موقعه لصالح (فؤاد الركابي)، عندما أعيد تشكيل القيادة القطرية من جديد في بداية عام 1953 نتيجة الصراع بين قدوري والركابي الذي أصبح أمين سر القيادة القطرية للبعث في العراق بعد إزاحة فخري قدوري عنها. وقبل الخوض في في سيرة فؤاد الركابي، تجدر الأشارة الى أن شخصية فخري قدوري الهزيلة كانت قد تمثلت في مواقفه فيما بعد، ففي بدايات الشهر التاسع من عام 1964 وعندما كان البعث يتعرض الى حملة ضارية قادها الرئيس عبدالسلام عارف، إختار قدوري الوقوف على التل محتفظا بخيوط علاقة ضعيفة مع الحزب خشية خسارة وظيفته (رئيس ملاحظين)، وهو ما يعد تنصلا شفويا وتخليا عن رفاقه الذين تعرضوا للسجون على يد عارف، وهو موقف ليس جديدا على قيادات الحزب فقد أشرنا في الحلقة الأولى الى تخاذل ميشيل عفلق مسبقا المتمثل في التخلي عن الحزب في رسالة عفلق التي كتبها من السجن الى حسني الزعيم. فلا غرابة لأن يترك ما حدث من سلوك منحرف على الصعيد القومي صداه القوي على الصعيد القطري للبعث العفلقي يتأكد في التخاذل الذي أتسم به موقف رابع مسؤولي بعث العراق فخري ياسين قدوري.

ومما سبق، يتضح بأن فؤاد الركابي لم يكن المؤسس الأول للبعث في العراق، بل هو خامس من إستلم مسؤولية التنظيم البعثي في العراق، بعد فائز إسماعيل، عبد الرحمن الضامن، أبو القاسم كرو، فخري قدوري، إلا أن ما شكـّل الإنطباع الخاطئ في أذهان الكثيرين عن كونه المسؤول الأول، هو أنه تمتع بأطول فترة في المسؤولية مقارنة بمن سبقوه مجتمعين، عندما أصبح قائدا على مستوى القطر وهو في سن العشرين، وقائدا قوميا على مساحة الوطن العربي وهو في سن الثالثة والعشرين.

 الكراهية والإندكاك الطائفي الخفي للبعث

يذكر السيد طالب الحسن الى أن الكراهية في نفوس البعثيين تمتد الى البدايات الأولى التي تلت عملية التأسيس فقد بلغ الكره بين القادة الثلاث (ميشيل عفلق، صلاح الدين البيطار، وأكرم الحوراني) حدّا لا يطاق، وأشرنا الى كيفية انتقال الكراهية من الصعيد القومي الى الصعيد القطري، حيث الصراع بين فخري قدوري و فؤاد الركابي الذي انتهى لصالح الأخير، أما مجزرة القصر الجمهوري 1979 (محمد عايش- عدنان حسين) التي أشرنا لها في الحلقة الأولى وما إرتكبه صدام بحق رفاقه، فهو دليل واضح وجلي. بل يستشهد مؤلف الكتاب بقول للكاتب البعثي السابق حسن العلوي : (" ومازلت أكرر أن البعثي لايحب البعثي، وأن أحدا لا يثق بأحد في الجهاز الحزبي"). دون أدنى شك بأن حركة سياسية تستمد آيدولوجيتها من الفكر النازي كما يذكر القيادي البعثي سامي الجندي فيما سلف، لابد لها أن تكون مستنقع للنزعة الفردية والكراهية. وهذا ماكان عليه البعث وإنتهى إليه.

أما الإندكاك الطائفي الخفي للبعث في العراق، فهو ما يستهجنه ويمقته مؤلف الكتاب السيد طالب الحسن، بل ويحذر من الطائفية كما ورد عنه بالقول (" أنني أنبذ التعصب الطائفي  الى حد المقت وبالأخص في دائرة الإسلام، ومن أي فريق يصدر هذا التعصب المنبوذ، لأنه يشكل معول الهدم في صرح الأخوة، لذلك لا يجد مني دعاة القومية أي إحترام في تبنيهم للمشروع الطائفي سرا وعلانية").

ويأتي قول الكاتب تعقيبا على سلوك محمود الدرة القومي المعروف بتعصبه المذهبي، والذي كان يناصب فؤاد الركابي العداء لأنه ينحدر من أهل الناصرية، المدينة التي يطغى عليها الولاء لأهل البيت، ولكن سرعان ما جرى تحول سريع على سلوك الدرة المناوئ لفؤاد، بل وخفّت لهجته القاسية ضده، وذلك بعدما علم  ("أن فؤاد الركابي ليس شيعيا في جذوره المذهبية").. وأن والد عبد الله الركابي ( رفيق له في الحزب وإبن خاله)، كان مؤذنا في جامع فالح باشا السعدون وهو أكبر جوامع أهل السنة في الناصرية، إن لم يكن الوحيد آنذاك!.

وبخصوص الطائفية الخفية لبعث العراق، يشير حنا بطاطو، في كتابه الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية في الصفحة 459 و284 الى أن نسبة الشيعة في انقلاب 8 شباط عام 1963 كانت تشكل 62% من مجموع أعضاء قيادة قطر العراق، ولكنها تراجعت الى 6% فقط في إنقلاب البعث عام 1968.

لذلك يؤكد السيد المؤلف طالب الحسن، على الاسباب الطائفية الكامنة خلف كبح مسيرة راجلة انطلقت عام 1977 من النجف الى كربلاء، في ذكرى أربعينة الإمام الحسين عليه السلام، فتعاملت معها أجهزة البعث الأمنية بالحديد والنار، وألقت القبض على مئات المشاركين، وتشكلت محكمة خاصة بأمر الرئيس البكر الذي وقّع قرار التشكيل وعزل فيما بعد رئيس المحكمة وآخرين لعدم تبنيهم أحكام مسبقة تقضي بإعدام الجميع.

وما يؤكد على طائفية البعث، ما جاء في كتاب الزلزال/ الفريق الركن نجيب الصالحي، في أشارته الى أن ، "بعد عام 1968 بدأ القبول في الكليات العسكرية حسب ترشيح حزب البعث من كل أنحاء العراق،  ألا أن بعد فشل حركة ناظم كزار (المحسوب على الشيعة) عام 1973، ألغيت على إثرها تلك الضوابط وحلت محلها ضوابط سرية تعتمد التمييز الطائفي والمناطقي أساساً في القبول، أما كلية الأمن القومي التي شكلت بإشراف جهاز المخابرات منتصف السبعينات، فكان القبول فيها يتم إنتقاءً من أقضية ونواحي وقرى محددة".

وقد طفحت الأنفاس الطائفية في بعث العراق الى العلن بعد 2003 ، ففي صحيفة (الأخبار) البيروتية/ مؤسسها جوزيف سماحة، نشرت الصحيفة في العدد ١٦١١ الثلاثاء ١٧ كانون الثاني ٢٠١٢، وبعنوان («ويكيليكس» البعث العراقي: سُنّة الدوري وشيعة الكرافي)، وتشير فيه  الصحيفة الى استهجان الكرافي لبيان صدر عن اجتماعا تنظيميا مصغرا لعدد محدود من أعضاء "قيادة قطر العراق" / جناح عزة الدوري يدعو فيه الى . ("تشكيل قيادة أصلية من الرفاق "السُنة" فقط، وقيادة احتياط من الرفاق "الشيعة" فقط").

أخيرا وليس آخرا، أن في تاريخ فؤاد الركابي محطات مهمة تطرق لها الأستاذ طالب الحسن مؤلف الكتاب، إحدى الروايات تشير الى أن أمين سر قطر العراق فؤاد الركابي آنذاك هو من رشّح صدام ليكون عضوا في البعث تكريما له لمشاركته في جريمة محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم ولم يخطر ببال الركابي بأن هذا الشاب الدموي (صدام) سيحكم بعد أقل من عقد من الزمن العراق، وأن (فؤاد الركابي) نفسه سيكون من أبرز ضحايا صدام، هذا وأسئلة أخرى، منها كيف إنتشر البعث في المدن العراقية ومنها الناصرية والرمادي والنجف وكربلاء، بل كيف تسلل الى الأهوار في جنوب العراق، هذه الأسئلة وغيرها، سنحاول الإجابة عليها في (الحلقة الثالثة) بإذن الله.

 

محمد قاسم الصالحي

 

 

nabil alrobaeiمن خلال متابعتي لإصدارات المفكر عالم سبيط النيلي، أصبح لي سابق اهتمام بعامّة تراثه، وبكتاباته التي ألّفها في اللغة والدراسات القرآنية في نهاية التسعينات من القرن الماضي، تلك الكتابات التي أثارت إعجابي بما فيها من قدرة على الربط بين المسائل اللغوية والنصوص القرآنية، علاوةً على غرابة الآراء التي تحفِزُ القارئ على إعادة النظر في موضوعات اللغة من جديد وهي اللغة الموحدة القائمة على مبدأ القصدية في الإشارة اللغوية بين الدال والمدلول، ويكشف عن وجود قيمة معنوية للأصوات قبل التركيب في الألفاظ، وفي لقاء مع الأستاذ الشاعر جبار الكواز، علمت أن له دراسة نقدية لنصوص شعرية كتبها الراحل النيلي في مسودات، فكان شوقي للأطلاع عليها، وهي تعتبر أول دراسة نقدية لنصوص المفكر النيلي، والشاعر الكواز له الدور الكبير بجمعها وتقديم دراسة لهذه النصوص، وعدد النصوص يقارب (13) واعتقد اغلبها نصوص عرفانية، لأن المفكر النيلي قد تأثر في نهاية التسعينات بالعالم عبد الأعلى السبزواري، وهو شيخ العرفان في النجف الأشرف.

صدر الكتاب تحت عنوان (عالم سبيط النيلي.. نصوص)، من الحجم الصغير وبـعدد الصفحات(96)، عن دار العربي للطباعة في بابل عام 2013، زينت غلاف الكتاب لوحة للفنان التشكيلي سمير يوسف. الكتاب احتوى على مقدمة ودراسة الشاعر الكواز للنصوص الشعرية ومن ثم إدراج النصوص كاملة مع صور لمسودات النصوص.

نبذة عن حياته :

عالم سُيبّطَ النيلي هو أحد علماء النهضة العراقية الحديثة، عُرفَ نهاية حقبة التسعينات من عصرنا الحديث في الأوساط الثقافية والعلمية واللغوية والمحافل الأدبية والفكرية، فهو مفكراً وباحثاً أحاطَ بنتاجاته بجميع جوانب علم الفقه واللغة والتراث والتاريخ، وُلدَ في أسرة ريفية حلية ذات مكانة اجتماعية عام 1956م، فوالدهُ سٌبَيَّط شاعراً شعبياً مرموقاً، وشقيقهُ رمزاً ثقافياً في ناحية النيل التابعة لمحافظة بابل، ولقب بالنيلي نسبةٌ إلى ناحية النيل الواقعة شمال الحلة، أكمل دراسته الثانوية في مدينة الحلة، والماجستير حصل عليها في بعثة عسكرية إلى روسيا (الإتحاد السوفيتي سابقاً) في الهندسة الألكترونية عام 1979م من جامعة اوديسا / أوكرانيا، وحصل على شهادة دبلوم عالٍ في الترجمة من روسيا. رحل عن الحياة وهو بعمر الشباب (44 عاماً) نتيجة مرض ألمّ به يوم 18/8/2000م، تاركاً نتاجاً معرفياً زاخراً تجاوز (14) مؤلف وبحث في الأدب واللغة والثقافة.

وقد أقام لهُ اتحاد أدباء بابل ندوة في شرح نظريته الجديدة، واستمرت هذه الندوة لثلاث أمسيات متتالية، في سابقة هي الأولى من نوعها في عمل الاتحاد، كما كتب الكثير عن حياته ونتاجاته ومنهم (الصحفي ناظم السعود، د. حسين سرمك حسن، وحاوره الصحفي علي خصباك،موسى جعفر، وجيه عباس، فرقان الوائلي، رافد عجيل فليح).

عالم سبيط ظاهرة ثقافية متنوعة، حركت الذهن الثقافي التي تشيد بعبقريته الفذة، وكان نتاجه المعرفي كل ما هو جديد في ميدان الفكر والإبداع، وقد وصفه الراحل شيخ المفهرسين د. صباح نوري المرزوك قال: (أعتبر عالم سُبَيِّط في البحث والتأليف واحداً من تلك الظواهر الكونية المتعددة والمتنوعة).

بين الرؤية والرؤيا.. قراءة في نصوص أدبية لعالم سبيط النيلي :

يسلط الأستاذ الشاعر جبار الكواز الضوء في كتابه هذا على دور المثقف وهو الفاعل الاجتماعي وقرين المبدع للأفكار المتمردة على التقاليد، يقول في ص10 من الكتاب : "أياً كان نوعه (المثقف) أو مصدره أو شكله، بما يؤهله ليكون المخالف للآراء الثائرة على الانعزال والجمود والمنشئ للرؤية العصية على الاجترار، وهذا الكشف وذلك الإبداع وتلك الأفكار لا تتأتى من فوضى العدم ولا تنبعث من فضاء الفراغ، كما أنها لا تتحصل بالفطرة الذاتية الثائرة على الواقع المكفهر والمتعالية على همومه الصاخبة والمفارقة لانشغالاته الحيوية، بل أن الفاعل الاجتماعي كان وما زال مثابة الوعي المجدول بالمعاناة والتطلع المسبوك بالألم في خضم البحث عن الحقيقية وألم التنقيب عن اليقين". من هنا نجد أن للمثقف الدور الكبير والفاعل في المجتمع من خلال تقديم النقد والتحليل والتفكيك المتموضع في نقطة لا تجانس تقع في بنية النص أو في هامش من هوامشه وتوجيه الضربات إليه من داخله وأحياناً من خارجه أيضاً، ولا يعامله المعنيون بنقد الخطاب ونقد النص إلا بوصفه منهجاً.

في ص11 يطرح الشاعر الكواز فكرة :(تغليب الايديولوجيا على عدة المثقف المعرفية وملكته الثقافية في إطار مقصود لتعشيق الوعي المبدع بالواقع المتاح، لجعل عناصر الثاني المثقف / الأفكار، التجارب، التكوين التأريخي، الوعي الشخصي/ تستوعب معطيات الواقع/ والمثقف/ متنكباً منهجية تفكيك البُنى وتأويل الدلالات وتحليل الأنساق وزحزحة المعتقدات وكشف الخطابات المسكوت عنها قسراً). وهذا ما لمسناه في سياسة الحكومات الشمولية والقومية السابقة.

تعتبر نصوص المفكر عالم سبيط النيلي قليلة وقد كتبها في أخريات القرن الماضي، بسبب سياسة النظام السابق التي لم تعطِ فسحة من الممارسة الطبيعية للمفكر والمثقف العراقي، وكشف واقع الحصار الذي يعيشه الشعب العراقي بسبب سياسات النظام الرعناء، فكان المفكر النيلي يعيش حياة صعبة بسبب الظروف المحيطة به وعنف الدولة، لكن عند متابعة النصوص الشعرية للمفكر النيلي نجدهُ يؤكد اهمية الشعر في حياته لإيصال أفكاره إلى من يهتم بقراءة الشعر، ويؤكد الشاعر الكواز في ص13 من الكتاب قائلاً :"تشكل نصوص (النيلي) وكلّها من قصائد النثر أنموذجاً لإشكالية الرؤية والرؤيا وعلاقتهما التبادلية في إنتاج النصوص لأنها (النصوص) قائمة على أفكار مهادية قبليّة آمن بها منتجها النيلي بوصفها الخلاص الحقيقي لأزمات العالم وحجر الحكمة الذي ينير هندس ليل الطغاة"، لكن النيلي في نصوصه يمثل كيانين ، الأول : الكيان المقدس المتعالي وعشاق الانبياء والاوصياء والشهداء والمريدين والقديسين، والثاني كيان المدنس من الشياطين والمردة والجن والكفرة وأدلاء الزور والجناة والمرابين واللصوص والمنافقين.

كما يعقب الشاعر الكواز في ص 14 قائلاً :"فالمتابع لهذه النصوص سيعيش محنة النيلي وهو يخوض غمار الحياة محاولاً تعزيز صورة اليقين بالمطلق.. نرى أن نصّ (الشبح العاري) أنموذجاَ لهذا الصراع فهو قد ألبس الثلج صفة البشرية (العري) وجودّة من غموض الشكل وهلامية الدعوة ومجهولية المنبت وظلامية الوسائل، فكأنه استعار صورة الإمبراطور في ثيابه الجديدة ليكون هو الشبح العاري الذي يقابله وهما المتناقضان في حوار شجيّ يشئ بالألم الذي يعتمل من قبل النيلي :

(لم يعد في نصحك لي نفع / ولن أكتب شعراً رمزياً/ لا ... لن أفعل / لم تعد الصاعقة توقظ الحالمين/ ولا زمجرة الرعد / تنبيه الأسود المخدّرة / ولا الأذان يوقظ السكارى / كيما يشتموا المؤذن). لكن النيلي يؤمن إن الحل والتغيير آتٍ بالإيمان بالتغيير، وهي نبوءة النيلي كما يؤكد ذلك الشاعر الكواز فالمستقبل للعراق التي تتكالب عليه أعراب البادية دفاعاً عن الشبح العاري ليكون العراق يباباً إلا من جثث الموتى ودمار البنى التحتية.

في النص الشعري (ناحر) يؤكد الشاعر الكواز في ص16 أن النيلي يتكئ على المقدس المتعالي في نحر الناس، لهذا يقول الكواز :" إنهما معاً يتكئان على جذر واحد ويختلفان في الرؤية والرؤيا والتفسير ولهذا يؤمن بقدر الموت وألوانه وعذاباته، فالموت (مكار ذو غدرات/ كبش مخلوق للنحر/ صحيح/ ونشيط/ ومعافي/ محتال)". لكن النيل في نص (وحي) في مدن ظالمة تسلبه حقه في التفكير والبحث وقول الحق، والبحث عن غربته الروحية الذي يريد الاقتراب من كشف الحقيقة التي وصلها متأخراً، ص18 :"(وأحس أن فمي في فم الحقيقة/ يسيطر المطلق على حركاتي ويشغل الفراغ). لذا فوصول النيلي إلى الحقيقية جاء عبر المطلق المقدس الذي محا الفراغ بعد أن شغله بعسل الحقيقية التي سكنت روحه لها وأعطته دفقاً من قوة للبحث والتأمل من جديد ولذا يقول الشاعر الكواز في ص18 نراه في نص (فاعل... الحالم الآخر) يدعو إلى القوة في مواجهة الشيطان المستور والمعلن متخذاً من إيمانه وفكره وأسلافه وسائل دفع جديدة فيبتدأ النص بـ(كن) : ("كن حديداً في الحديد للتراق" "أول العشق فراق"). إنها حالة الوجد الصوفي أو العرفاني الذي ظل لصيقاً بنا نحن – الترابيين – الذين ما زالوا يكشفون الآفاق ويكشفون ذواتهم من خلالهم وصولاً إلى بئر اليقين أو عين اليقين التي تحيل الوجد وجداً سرمداً.

كما في نص (غافر) يتلبس النيلي الوجد الصوفي والرعب العرفاني الذي ينفلت من كونه بشراً إلى كونه كونية تخترق الحجب وتحاول الاقتراب من الكينونة المتعالية في ذاتها العلية. مما لا شك فيه تقودنا نصوص المفكر عالم سبيط النيلي إلى فهمه من خلال رؤاه الفكرية والتحليلية. فالشاعر الكواز قد فكك النصوص الشعرية وحللها وفق آليات ذات طابع منهجي وفق النص المتجانس.

نبيل عبد الأمير الربيعي