المثقف - تنوير واصلاح

المحاولات الاصلاحية في العالم الاسلامي.. مراجعة نقدية

حيدر حسن الاسدييرى كثير من الدارسين ان مختلف مجالات الاصلاح والتجديد ظلت منذ انطلاقها، ورغم مرور اكثر من قرن من الزمن تدور في حلقة مفرغة، تتقدم خطوة لتتراجع خطوات، ذلك انها في الغالب لم تعتبر عملية التجديد حالة فكرية واجتماعية وسياسية وثقافية شاملة ومترابطة عضويا، وانتهجت منهجا انتقائيا تولّدت عنه تشوهات تعاني منها مختلف المجتمعات الاسلامية وان كان ذلك بدرجات متفاوتة(1).

ولعل من اهم اسباب الوضع الذي تردّت فيه الحركة الاصلاحية الدينية بمختلف تياراتها، انها ظلت تدور دوما في مجال الفقه لا تتجاوز حدود اصوله المقررة منذ مرحلة التأسيس الاولى في القرن الثاني الهجري، حتى انحصر جهدها أو كاد في اعادة انتاج نفس الانساق الفقهية القديمة بلبوس توهم بأنها جديدة، ولكنها لا تخرج عن المنهجية التي اسهمت وبشكل واضح في التراجع الفكري لمجتمعاتنا.

فحركة الاصلاح في نهاية القرن التاسع عشر لم تضع العقيدة موضع تساؤل، فقد كان الحاضر الاساسي للإصلاح نابعا من التحدي الذي طرحه الغرب على المجتمع الاسلامي، ولذلك كان هدف الاصلاح حماية المجتمع الاسلامي بالاستجابة لما يسمى بـــــ (التحدي الغربي)، بطريقة ايجابية، لذلك كافح لإعادة تأسيس الحقيقة الاسلامية وتقويمها دون تعريفها للنقد الحر.

والمفهوم المعاصر للإصلاح عند اغلب الدارسين للتراث الاسلامي يعني: تلك الحركة الفكرية التي ظهرت في العالم الاسلامي في القرن التاسع عشر، إثر تنامي الوعي بحالة الضعف التي كان عليها المسلمون مقارنة بمن جاورهم من الامم، والتي كان مضمونها الاصلاح الديني وذلك بفتح باب الاجتهاد من جديد لفهم النص الديني قرآنا كان او سنة او اجتهادا فيهما سابقا(2).

ودعا روّاد الاصلاح - وفق هذا المفهوم- للعودة الى النص الديني لاستنباط أحكام جديدة تتماشى مع المستجدات التي جاء الغرب يباهي بها الشرق، على أن رواد الاصلاح توقفوا عند المستجدات ولم يجرؤوا على تغيير ما اعتبر صالحا ولم يكن عائقا عن تقدم الامة.

ذلك هو الاصلاح كما استقر مفهومه عند مصلحي القرن التاسع عشر، إحياء للماضي الصالح لمجابهة متطلبات الحاضر وتطعيمه بما لا يُغير ملامحه الاساسية، ولا يتنافى مع القيم السائدة فيه. ونحن وان كنا نتقف مع بعض المفاهيم الاساسية لمفهوم الاصلاح الذي اعتمده رواده في النصف الاخير من القرن التاسع عشر والقرن العشرين، لكننا نسجل عليه جملة من الملاحظات النقدية؛ لان الاصلاح وفق هذا المفهوم، (وعي بالزمن وما يحدثه من تغير في حياة الناس وطرق تفكيرهم ولكن فيه اقرار لثوابت لا تخضع للزمن، فيبقى الماضي هو الاصل ؛ لأنه عصر الثوابت، ويكون الحاضر فرعا له؛ لأنه عصر المتغيرات).

ولذلك لا تتم عملية الاصلاح للتفكير الاسلامي الا بإيجاد نمط حضاري يختلف الى درجة ما عن الانماط الحضارية السابقة عليه، قوامه: التجديد، و"التغيير المنسجم"، وفهم " المقدس" فهما صحيحا، ومعالجا " الفهم الماضوي" للنص، معالجة معيارية؛ فلم يكن الاصلاح جمعا بين متناقضين، واسقاطا لعناصر من بنيتين لجمع العناصر الاخرى، فأحدى الإشكاليات التي باتت تواجه التفكير الديني الاسلامي والاصلاحي بوجه الخصوص تتمثل في " هيمنة طبقة متنفذة ناطقة بالوعي نفسه، بفعل مغانم المنفعة التي توحدها، وهي جادة في ترسيخ ذلك النهج في عصر يعرف تحولات عميقة، والبيّن أن الاقتراب من هذه الدائرة يكشف عن غرقها في الالتهام المدرسي للنص الديني وعدم سعيها لتحويل المسالة المعروضة الى مادة قابلة للتحليل والفهم "(3).

وما يلاحظ على التفكير الاصلاحي الاسلامي الحديث جملة من المؤاخذات المعرفية، منها:

1. انه لم يقدم نقدا جوهريا لبعض صور التفكير الديني التقليدي، مثل الفهم الخاطئ لبعض الاصول العقدية مثل (القضاء والقدر).

2. ترسيخ بعض انماط السلوك الديني، مثل:(التقليد).

وهذا ينسحب على الاصلاح الديني او الاصلاح بحد ذاته؛ لأنه(4):

1. يقوم بمهمة تصفية الماضي وتجديد التراث القديم، ولكنه لا يضع اسس نهضة فكرية شاملة لإعادة بناء التفكير الديني نفسه، وتحويله الى نظرية عملية.

2. الاصلاح الديني يوقظ، ولكن النهضة العلمية تؤسس، لذلك قام الاصلاح الديني على اسس انفعالية بينما قامت النهضة العلمية على اسس عقلية.

ونحن وان كنا لا نتفق تماما مع ما تقدم في النقطة الاخيرة، الا اننا نرى ضرورة دراسة حركة الاصلاح الديني دراسة نقدية، في سبيل الكشف عن العوائق التي سببت لها الاخفاق والتراجع الى الوراء بشكل ارتدادي (معاكس)، في سبيل تحقيق النهضة.

ولذلك آثرنا استعمال مصطلح (التفكير) بدلا عن (الفكر)، لان التفكير مجموعة من الآليات، اما الفكر مجموعة من المضامين، ولا يخفى ان الاخفاق في الاليات اشد خطورة من المضامين، فاذا صلحت الاليات اتسعت المضامين.

ان فكر الاصلاح والنهضة الذي ظهر في النصف الاخير من القرن التاسع عشر عن بعض الشخصيات الاسلامية، لم ينفك عن بنيته المعرفية المجتمعية بعمقها واغوارها، ولذلك تشعّب الى شعبتين:

الاولى: انطلقت من ذاتها وموروثها الثقافي.

الثانية: اعتمدت على موروثها وتأثرت بالغير.

وعلى الرغم من تباين الرأي في كل من هاتين الشعبتين، وعند كل منهما، فان عمق الافكار ونظام المعرفة في كل منهما اعتمد على البنية القاعدة، ولم يخرج عن هذه الخصوصية العربية ونموذجها.

ومن اهم ما يسجل من نقد على حركة الاصلاح الديني: انها لم تعبر عن رسالتها وعرض افكارها بتفسيرات فلسفية، لأفكار جديدة بل اتخذت شكلين/ نمطين تقليديين، هما(5):

الاول: الرسالة الدينية، وهي في بنيتها واسلوبها في الاساس امتداد عصري لعلم الكلام في القرون الوسطى، لكنها تختلف في روحها اذ الانسان يحس أكيدا لدى قراءته لبعض كتاباتهم بعاطفة مستوية خلف الاسلوب الشكلي الرصين، فيلاحظ مثلا، ان هناك هدفا وراء المواقف المألوفة المستندة الى النصوص التقليدية، وان هناك تأليف جديد. وبهذا الجهد فقد حقق الفكر الاصلاحي اسمى اعماله ومارس اوسع نفوذه.

الثاني: الجانب التبريري، وقد كان في التفكير الاصلاحي اكبر حجما من سابقه، كتب هذا الجانب من مواقع دفاعية لكنه كان دائما يتخذ مواقف هجومية. كان هذا النمط التبريري يصرف معظم جهوده متمسكا في صلابة بالأسس التي انطلق منها، رافضا ان يمتحن فرضياته الاساسية. كان محكوما على هذا الجهد التبريري ان يعاني من نقص في الرصانة، وربما نتجت عنه تيارات متطرفة ابعد ما تكون عن الاصلاح.

ولذلك نحن ندعو الى: ضرورة مراجعة الاسس والمنطلقات النظرية والفكرية، والمفاهيم السائدة في التفكير الديني الاصلاحي... ولعلنا نسجل مؤاخذاتنا النقدية على الاصلاحية الاسلامية منذ ان نشأت وتطورت، حتى اخفاقها عبر مراحل، يمكن ان تكون وفق الاتي:

المرحلة الاولى: انها بدأت بحذر وبصوت خفيض لا يخدش عقلية التمسك بكل شيء على انه مقدّس وثابت، بيد انها سرعان ما (تصلّبت) وتوشجت بمنهج الجرأة يوم اخذت تقدم رؤى جديدة لمجموعة من الامور لعل اهمها:

1. نقد عقلية التقليد.

2. تقديم رؤية متوثبة لتجديد جهاز التوليد العقلي والابداعي، عبر اعادة الاجتهاد الى دوره الريادي في التفكير الديني العقلي.

المرحلة الثانية: مع مرور الزمن اتضح لدعاة الاصلاح الديني والمراجعة الفكرية، ان المسألة لا تكمن في نظام الاجتهاد الفقهي والفكري، وبالتالي ادركوا ان الاصلاح لا بدان ينطلق من الارضية الفكرية التي تنطلق منها الامة والمجتمع... وبرأيي ان في هذه المرحلة بدأ الاخفاق.

المرحلة الثالثة: لعل ما يميز دعاة اصلاح التفكير الديني المعاصر، هو التخطيط والقيام بمهمة مزدوجة تتمثل بجزئين:

الاول: البناء الفكري والثقافي السليم لفكر المسلمين، ومناهجهم.

الثاني: وضع آلية لكيفية التعامل الاسلامي مع النتاج الحضاري غير الاسلامي/ الغربي، عبر مشاريع، اهمها: مشروع نقد العقل الاسلامي، نقد العقل العربي، مشروع الدكتور عبد المجيد الشرفي(مشروع التحديث الاسلامي)، بالإضافة الى مشاريع اخرى، لذا " ينبغي إدراك منهجية التفكير لدى الغربي والإحاطة بإطارها المعرفي الناشئة فيه، قبل اتهام علماء اجلاء استطاعوا أن يسهموا بالكثير من الاضافات وتصحيح العديد من الانحرافات"(6).

واذا اردنا ان نتلمس حلقات هذا المسار المرحلي عبر مصاديق، نستطيع ان نفترض ان التحسس الحديث بمشكلة المجتمعات الاسلامية الفكرية ترافقت مع اعمال كبار رجال (الإحيائية الاسلامية)، امثال: جمال الدين الافغاني، واقبال، محمد عبدة، ورشيد رضا، وابن باديس، محمد تقي الشيرازي.

فيما تأتي المرحلة الثانية ممثلة بـــ: حسن البنا، مالك بن نبي، محمد حسين النائيني، سيد قطب، الطاهر بن عاشور، علال الفاسي، محمد رضا المظفر، ،وغيرهم.

ثم ما لبثت ان استقرت الحالة الفكرية الراهنة التي شهدت تحولا افقيا عظيما، بفعل التغيرات الكبيرة على الساحتين الاسلامية والعالمية، وقد افضت هذه التحولات في العالم الاسلامي، وفي علاقته مع الغرب الى مهام جسيمة واضافية على المستوى الفكري، ولذلك نتج عن هذا التحول مطالبات اصلاحية تحديثية تتلخص بالاتي:

1. المراجعة النقدية لما هو سائد من افكار، ومفاهيم ومناهج من داخل البيئة المعرفية الاسلامية، "فلا حرج من اخضاع الممارسة التاريخية للإسلام النقد والمراجعة والتقييم، وان القداسة التي أضفاها عليها الزمن ينبغي ان لا تحجب طبيعتها البشرية"(7).

2. الدعوة والعمل على تقديم اجابات فكرية واجتهادات جديدة لتلبية متطلبات الداخل الاسلامي.

وهكذا بات امام اصحاب الدعوة للمراجعة النقدية للتفكير الاسلامي ان تنشط لإنجاز ثلاث مهمات، يأتي التوازن تبعا لما تحظى به كل واحدة من دور في مسارات النهضة والتحديث، والمهام، هي:

اولا: الانكباب في عملية فكرية واسعة وعميقة تهدف الى :

1. التصحيح.

2. النقد.

3. المراجعة.

وكل ذلك انطلاقا من الداخل الاسلامي(8) ذاته؛ لان للداخل أزماته المعروفة التي انتهت الى تشويه كبير في مناهج التفكير الاسلامي.

ولم تكن مهمة المراجعة سهلة ابدا، بل كانت ولا تزال شاقة، وبحاجة الى جهود جبارة وجرأة كبيرة للقيام بـــ (الفصل بين ما هو دين وثابت ومقدس، وما هو مجرد اجتهاد).

ثانيا: تلبية احتياجات الداخل الاسلامي، بدءا من البناء الفكري عبر تحريك الجهاز الاجتهادي، كي يلبي المتطلبات المستجدة والملحة.

ثالثا: قراءة التيارات والمناهج الفكرية الحديثة قراءة واعية، وتحديد مواقف عملية فاعلة لكيفية التعامل مع الفكر الاخر، عبر بناءات وصياغات معاصرة للتفكير الاسلامي يتمثل في نهاية الامر بـــ :

1. الاجتهاد والتجديد.

2. التنظير.

3. القراءة وفهم معنى المقدس.

ولا بد من مراجعة وتسليط الضوء على جملة من المؤاخذات العلمية النقدية على التفكير الاصلاحي وتشخيص اسباب الخلل، والارتداد المعاكس الذي نتج عنه والمتمثل بالتيارات التكفيرية السائدة اليوم، ويمكن ان يكون ذلك وفق المحاور الاتية:

1. لم يحظ ولم يؤكد المعيار والمنهج المتبع للإصلاح في التجربة الاسلامية الحديثة على المنهج النقدي.

2. وضع رجالات الاصلاح كناطقين باسم الدين، وبذلك تعززت سلطتهم، فانتحلوا دور قيادة حركة التغيير.

3. اعتماد الية غير مناسبة لتصحيح الفهم الخاطئ لروح الاسلام.

4. لم يقدم التفكير الاصلاحي فهما مقبولا لما اصطلح عليه بــــ (الشرعية الدينية)، ولذلك اسهم في احياء جدلية الامام العادل الامام الجائر، وبذلك عودة الى التشبث بأسس برغماتية، وبذلك ارسى هذا التفكير الاعتقاد ان بالإمكان تطبيق نظرية الاصلاح في فعالية بموافقة النظام القائم، على ان لا يتعدى ذلك الخروج الى هذا النظام ولو كان جائرا.

5. الاخفاق في تقديم رؤية واضحة لتحديد علاقة المجتمع الاسلامي بالغرب، كالرأي المتباين بين الافغاني ومحمد عبدة.

6. كان التفكير الاصلاحي من وجهة نظر منهجية عاجزا عن تحقيق وعي عقلاني، مفتقدا للنقد الذاتي التصحيحي، فلم ينخرطوا في عملية شك عقلاني منظم. ان النظرية الاصلاحية المستلهمة من داخل النسق الحضاري، لا بد ان تستمد مشروعيتها وأصالتها من اساسين:

أولهما: كينوني، باعتبار الذات الحاضرة في التاريخ.

الثاني: وعيوي معرفي.

ولذلك يؤاخذ على حركات الاصلاح في العالم الاسلامي، انها جاءت متجاوزة لتجديد ادوات النظر، فكانت عبارة عن تهويمات متسرعة، فكما يبدو على مدى القرنين الماضيين ما انقطعت مساعي الاصلاح، حيث تكررت المحاولات، لكنها عجزت في مجملها عن بلوغ المراد ورافقها تعذر صياغة فعلية للإصلاح، وما ذلك الا لغياب التأسيس العقلي، كتوجه مفعّل في النظر الفكري.

 

الدكتور حيدر حسن الاسدي/ جامعة الكوفة/ العراق

.....................

(1) مصطفى القواني ، تقديم كتاب: الاجتهاد وقراءات النص الديني في العصر الحديث، تأليف مجموعة من الباحثين، جامعة 7 نوفمبر بقرطاج، المعهد العالي للغات، تونس،2004م،ص 1-2.

(2) محمد شقرون، الحداد بين الاصلاح والحداثة، المصدر نفسه، ص139.

(3) د. عز الدين عناية، العقل الاسلامي، ص 31.

(4) د. حسن حنفي، في الفكر الغربي المعاصر، ص 102.

(5) هاشم شرابي، المثقفون العرب والغرب، دار النهار للنشر، ط 4، ص 38.

(6) د. عز الدين عناية، العقل الاسلامي عوائق التحرر وتحديات الانبعاث، دار الطليعة، ط1، بيروت، 2011م، ص19.

(7) د. عبد المجيد الشرفي، الاسلام والحداثة، المدار الاسلامي، بيروت، ط5، 2009م، ص24.

(8) نقصد بالداخل الاسلامي: المحيط الجغرافي الذي يتواجد فيه المسلم وغير المسلم.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4383 المصادف: 2018-09-05 02:10:29