المثقف - تنوير واصلاح

المثقف والواقع أو المثقف الواقعي؟!

مفتتح: ماذا يمكن أن يعني بالنسبة إلينا أن يكون "المثقف" بلا "أثر" في الواقع؟

ليس هذا السؤال مبهما إلا بقدر ما اعتدنا المرادفة بين "المثقف" و"المتعالم"، والحال أن هناك فرقا شاسعا وخطيرا يفصل بين ما هو "ثقافي" وما هو "فوضوي، عشوائي، إعتباطي"،لأن الثقافة هي مركز ثقل الاجتماع العام وأهميتها تكمن في كونها مطلبا حيويا دائما يفيدنا في التحرر من تراكم تاريخي للرهاب في ذواتنا الفردية والجمعية، كون أنفسنا مرهقة من أسئلة التاريخ والواقع والمصير والمستقبل، تلك الأسئلة التي تبحث عن إجابات وافية متطورة ودقيقة وحركية في الواقع لا تراوغ الإنسان العربي والمسلم لتبقى الفوضى..!!

لايزال حال واقعنا على ما هو عليه، تارة ترتفع وتيرة فوضى الطوائف وأخرى تلتهب نيران الشؤم والحقد والسب والتكفير في بيادر السياسة ومنابر الدين والاعلام، لايزال العقل لاجئ في سراديب الكتب والحوارات المحتشمة والأروقة المهمومة من آهات الشعوب وسكر الحكام ونفاق المتعالمين وفتنة المارقين عن العصر والانسانية والدين...

الواقع العربي وتجربة التنوير الغربي:

هذا حال العرب في القرن الواحد والعشرين، عصر الوجهة نحو ما بعد الحداثة الانسانية... فمن المفارقات العجيبة أن تجد بهذا الحيز الجغرافي المسمى بالوطن العربي، كل ما يمثل أحد محددات معادلة الحضارة كما تحدث عنها المفكر الراحل الاستاذ مالك بن نبي –رحمه الله-، كما أن تاريخ المنطقة يحاكي ملتقى الحضارات وموطن الاديان السماوية وعنوان ميلاد  مقولات القانون الانساني الأول، بالإضافة لاستيعاب المنطقة من طنجة إلى مسقط ديموغرافيا شبابية لو ملكتها أمة لفتحت العالم برمته ولقادت الامم إلى الصلاح الحضاري والرقي الثقافي، لكن رغم كل هذا لا تزال هذه الأمة تبوء بإثمها وتتقاسم الأعذار وتتقاذف التهم وتتساوم على ذمم بعضها البعض وتتاجر بضميرها لتأكل لحمها حيا وهو مكروه عندها...

من هذا الواقع المحتدم، تتردد عدة أسئلة وإشكالات ورؤى ومطارحات بين المفكرين والمثقفين حول: من أين يبدأ الخلاص؟

هنا تتصارع النظريات وترتفع مستويات البورصات الطائفية وتتزاحم الأجندات الخارجية، كل ذلك من اجل تكريس وتجريب البرامج على الشعوب واستنزاف الطاقات البشرية والطبيعية ومحاولة احتواء خيارات الاستقلال الحقيقي لهذه الشعوب، وبالتالي حتى تداول مشروع الخلاص لدى النخبة، لا يزال يتراوح ضمن حالة ثقافية مناهجها فوضوية ومنطقها مستبد وأدبها متعالي على الجماهير، هناك محنة مبدأ وغربة قيم وانقلاب أخلاقي في عمق الفاعل الثقافي !!

في هذا السياق أعود بالذاكرة إلى عصر الانوار الاروبي حيث كان الفيلسوف الالماني يتواصل بالفيلسوف الانجليزي والفرنسي، للاجتهاد في تحقيق انعتاق حقيقي من أسر الفكر الكهنوتي الأسطوري الإقطاعي المسيطر آنذاك، والذي يتوسل بفلسفة الغفران لاشباع حاجات تفاعلية مع واقع مر، دون الوصول لأسس منهجية في تجاوز المأزق الحقيقي والمركزي في العطل التغييري والاصلاحي وابتكار المسهل للانعطاف الاستراتيجي...

وبعد مخاض عسير وتضحيات جسام استطاعت الفلسفة الغربية الاوروبية الحديثة الولوج بأروبا في منظومة ثقافية جديدة، طورت الديمقراطية من الكلاسيكية والأثينية الهلامية إلى الديمقراطية الواقعية الاجتماعية، ثم وصلت لغاية الديمقراطية الليبيرالية الراهنة التي تعتبر ناشئة بالولايات المتحدة الاميركية مع ميلاد الفلسفة البرجماتية، وعبر كل الانتقالات التي عرفتها الساحة الثقافية الاوروبية تبلورت المشاريع النهضوية ابتداءا بأساسيات بناء الاستقرار السياسي والاجتماعي، من خلال نظرية العقد الاجتماعي لجون جاك روسو وتأثيرات كتابات الخلوص العقلي لهيغل وتسامح جون لوك والفلسفة النقدية لكانط وغيرهم كفرنسيس بيكون من قبل دون إغفال فلسفة مارتن لوثر، حيث تبلورت ثقافة الحوار العلمي والثقافي والنقد الموضوعي البناء، لتثير دفائن العقل الاوروبي  حتى يرتب البيت الثقافي الاوروبي ويرسم فلسفة سياسية ومنطق اجتماعي ونظام اقتصادي، مثلث قائم على اشتغال ثقافي منفتح على الهم الجماهيري ومستلهم للمسؤولية النقدية والدور الاصلاحي التاريخي، هذه التجربة الاممية القريبة من مجالنا العربي والاسلامي زمكانيا والمؤثرة في وعينا الثقافي عصريا، على الرغم من كل المؤاخذات التي انطلقت من عمق التداول الثقافي النقدي فيها، على طول زمن تطور الاجتماع الاوروبي العام...

إلا أن الاطلالة الخاطفة عليها – التجربة التنويرية الغربية- توحي بشكل لافت إلى تقارب كبير في بعض الزوايا والوقائع والجوانب النفسية والاجتماعية الاولى التي تشابه المجتمع الأوروبي فيها مع مجتمعنا العربي، كما تختلف أيضا في عدة معطيات وحقائق وتميزات ذاتية خاصة بالهويات الثقافية والتراكمات التاريخية والخصائص الاجتماعية ناهيك عن التدافع التاريخي بين العرب والروم، لكن كما يقال بالمثل: ما لا يقبل بعضه لا يترك كله، فالموضوعية في فقه سنن الحياة مركزية في المنهج والحركة والتطلع، خصوصا أمام التحديات المتزايدة والضاغطة على العمق النفسي الاجتماعي للأمة في جل الصعد والمستويات...لذلك الجواب عن الاشكال السابق محله من الاعراب هو المثقف الواقعي... !؟

المثقف: من فعل الثقافة إلى قوة الواقع

المثقف الواقعي هو الانسان المفكر المنفتح على المعرفة ومجتمعها والمخاطب للجمهور والمتطلع للواجب والمتحرك في عمق الواقع والملاحق للنكسات والمنظف للوعي من أغبرة التخلف والاستغراق في الماضي والتحسر على الأطلال، إنه ببساطة هو الفرد الذي يعطي للمجتمع من عقله وقلبه وقوته، هو ذلك الانسان الذي يطلق الفكرة بين الجماهير بكل ادواتها الفنية والجمالية ويتابع وظيفتها بكل رزانة وحكمة لتصبغ أفراد الجمهور بوعي جديد ورؤية خلاقة تحاكي العقل الجمعي بفلسفة الواجب والممكن المبسطة والقابلة للتوظيف في عمق الواقع...

المثقف الواقعي هو ذلك الرمز المتواضع للجمهور بنباهته والملقن لبطولته بلا عجب أو زهو جنوني والمتصدي للتخلف بحزم والمراقب لفرص التنمية والتطور والباحث عن مواطن الخلل بجد واجتهاد، يزن نفسه عند كل خطوة ويقدر الأمور بروية ولا يحتقر العامة، حركيته واقعية في الاجتماع العام  تتمثل في حركة الطبيب والمهندس والمعلم والحرفي والموظف والتاجر والإعلامي والفنان وعالم الدين المجدد في حياة الناس، هو كل الناس المؤمنة بالتجديد والتي تتنفس المعرفة والأخلاق كما تتنفس الهواء وتعيش الحرية في عمق مسؤولية العمل واتقانه...

إنه عنوان المنعطف الحضاري المرتجى وغاية آمال الشعوب المقهورة والامم العليلة بأمراض فقر الدم الثقافي والايدز السياسي والغبن الاقتصادي والعوز الاجتماعي، ببساطة إن مثل المثقف الواقعي كمثل الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين...

لا ريب أن بين واقع الثقافة وثقافة الواقعية حضور جوهري وجلي في صياغة المفهوم وصيانة المصداق للمثقف الواقعي، هذه السطور ما جاءت لتوزع التهم أو تجتر الهموم أو تحاسب نخب المثقفين والمفكرين والفقهاء، لأن الله تعالى أوضح قضية الانسان بكل صفاء وصدق: ﴿بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَة﴾، كل في موقعه مسؤول، غاية ما في الأمر مشروع المثقف الواقعي هو عين البصيرة الثقافية للأمة بخصوص نفسها الحضارية والرسالية في عمق تهافت الحضارات...و على حد قول فولتير لبطل قصته: اقفز هنا...هنا الوردة... !!

محل المثقف من الإعراب في جملة العرب والغرب ليس النقطة الفارقة في الغرب وإنما نقطة الوجود الحضاري لإنسان على نفسه (الذات والمجتمع) بصيرة، يسعى من خلال واقعيته الثقافية ليحرك ثقافة الإصلاح والتجديد والنهوض في عمق الواقع لينتج وعيا شاملا وإدراكا استراتيجيا لتثبيت أساسات التنوير والمستقبل في الحاضر...

 

بقلم: أ.عبد الحميد محسن – باحث جزائري

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4503 المصادف: 2019-01-03 01:58:30