صالح الطائيبعد أن كنت أنجز في العام الواحد من ثلاثة إلى خمسة كتب، أطبع وأنشر بعضها، واحتفظ بمسودات بعضها الآخر للمناسبات، أجد نفسي اليوم وأنا أعيش أزمة انتاج، فأنا أمر منذ عدة أسابيع، وتحديدا منذ أن أنجزت مسودة كتابي الأخير الموسوم "الحسين حاكما" بحالة من الركود الفكري، تعرف بانغلاق الكتابة (a writer's block)، ويُعرَّف انغلاق الكتابة على أنه ساعات أو أيام، يشعر فيها الكاتب والباحث أن مقدرته على الكتابة وصياغة الأفكار وتجميعها وتنسيقها قد توقفت دون سابق انذار. وتستمر مثل هذه الحالة في الظروف الطبيعية من عدة ساعات إلى عدة أيام، ثم تنتهي تماما مثلما بدأت، دون سابق إنذار، لكن بتشجيع وتحفيز بسيط.

المشكلة أني ومنذ بدء الأزمة، أحفز وأشجع نفسي باستمرار، وأحاول أن أبدأ بجديد أو أعود إلى قديم، ولكني في كل مرة، اصطدم بجار الرفض، مرة على شكل جدار نفسي أشعر معه بحالة من الاحباط، وثانية على شكل جدار جسدي أشعر خلاله بنوع من التعب والصداع، ولا أجد الاستجابة المطلوبة، وكأن تعب سنين البحث الطويلة، تراكم حتى خلق حاجزا بيني وبين ما أريد أن أقوله، أو أن الاشتغال بدون توقف وبدون فرصة للراحة واستعادة الأنفاس، قد استنفد ما في الفكر من حيلة نتيجة الجهد الذي يفوق الطاقة، أو ربما هي الخيبة والخذلان والمرارة التي يشعر بها الباحث حينما يرى كتبه مكدسة أمامه، ولا يرى الأثر الذي كان يرتجيه من وراء السهر والتعب والجهد والمال الذي صرفه من أجل انجاز كتاب ما وطباعته ونشره، في وقت نجد فيه أن المجتمع بحاجة ماسة إلى تلك الآراء والأفكار والتجارب التي وردت في الكتاب، بما يعني أن الحالة التي أمر بها اليوم ليست حالة طبيعية تنتهي من حيث تبدأ، وإنما هي حالة نكوص نفسي وشعور بالخيبة والخذلان، ستترتب عليه الكثير من المؤثرات النفسية التي تترك بصمتها على طبيعة الكتابة المستقبلية، فالانفتاح والتقوقع لهما تأثير مباشر على نمط استقراء الباحثين، ونوع الأفكار والرؤى التي يعالجوها، وكلاهما يتركان أثرهما على ما ينجزه الباحث، فتتلون رؤاه بشدة أثرهما، ومن ثم تنعكس هذه الرؤى على المتلقي وربما تؤثر فيه، فتخلق نوعا من توتر الفكر وجموح الاستنطاق لديه، يتسبب في إحداث ضرر للمجتمع بدل أن يعمل على دعم المجتمع لتجاوز بعض مشاكله حتى البسيطة منها!.

المشكلة الأكثر خطرا هي أن تتجاوز هذه الحالة الشخصية الطارئة نظامها الفردي لتصبح حالة جمعية عامة مشتركة، يعاني منها الباحثون في الوطن العربي كله، طالما أن ظروفهم العامة لا تختلف كثيرا عن الظرف الذي أمر به اليوم، ولاسيما وأن هناك دور نشر عربية تحاول من خلال الجشع والكسب الرخيص والسرقة المنظمة أن تفت في عضد الباحث العربي لتصرفه عن نشر وتوزيع نتاجه.

 

صالح الطائي

 

جواد غلومبين فترة واخرى تطالعنا تقارير صحفية تعتمدها منظمات الشفافية في العالم تُبصّرنا على مؤشرات معينة لقياس درجة رقيّ وتقدّم الدول والأنظمة السياسية غربا وشرقا استنادا الى الإحصائيات والاستطلاعات الصحفية الميدانية سواء كانت العشوائية او المنتخبة لمعرفة مستوى الرفاهية المعيشية والاستقرار النفسي والاجتماعي ودرجة القلق التي يعاني منها المواطن بشأن مدخولاته والحالة الأمنية والصحية والمعيشية في بلاده ومدى حجم الحرية التي يتمتع بها وكل ما من شأنه ان يشير الى حالات التطور والرخاء وبحبوحة العيش والسكينة والمستوى الصحي والضمان الاجتماعي وقلة نسبة البطالة وتحسين مستوى دخل الفرد وما يقابل ذلك ايضا من ضنك العيش والحياة العسيرة والقلق والخوف في بعض الدول المتخلفة الخانقة للحرية والتي لا يعنيها أسلوب عيش المواطن من اية ناحية مما ذكرناه .

ومن اهم المؤشرات التي تعتمدها تلك المنظمات أوجزها كالتالي :

1) الناتج الإجمالي لدخل الفرد الشهري او السنوي .

2) الحالة السايكولوجية ومبعث وأسباب القلق داخل نفس المواطن ورؤاه التفاؤلية او التشاؤمية .

3) معدل السنوات التي يعيشها الفرد مما يسمى متوسط عمر الإنسان ومعرفة نسبة الوفيات .

4) مدى حجم الحرية الشخصية التي يحظى بها الفرد عند اتخاذ قرار ما .

5) كيفية عمل الضمان الاجتماعي والتأمين على المواطن في حالة العجز والتقاعد عندما يكبر .

6) معرفة الصحة العامة للمواطنين ومدى حصولهم على التأمين الصحي في مختلف مراحل العمر ومبالغ العلاج سواء كانت مجانية او قليلة الكلفة .

7) معدل انتشار الفساد والمحسوبية والاعتبارات الحزبية والعقائدية بين أفراد المجتمع الواحد .

8) كيفية معالجة حالات الفساد وطرق التخلص منه واستئصاله من قبل الدوائر المعنية في الدولة كالرقابة المالية ومؤسسات النزاهة .

9) ظروف العمل وعدد ساعاته اليومية ومعدل الإجازات المتاحة للعاملين الأسبوعية منها والسنوية .

10) مديات التوازن بين الحياة الاجتماعية وبين الحياة العملية .

11) إمكانية وجود فرص عمل متاحة وفقا للاختصاص بدون اعتبارات المحاباة او المعاداة والرشى والتسلق بلا كفاءة والحيازة غير المشروعة للحظوة .

12) مدى استقلالية الإنسان في عمله دون تدخل أطراف خارجية في شأنه الخاص سواء كانت حكومية او من أطراف وجهات أخرى متحزّبة .

13) مقدار الهدأة والسكينة وراحة البال وفقا للظروف الأمنية التي يعيشها الفرد في مجتمع ما .

وهناك مؤشرات أخرى اقلّ أهمية مما ذكر أعلاه، اذكر منها مدى حميمية العلاقات الاجتماعية بين الناس في العمل وبين الجيران ضمن الوحدات السكنية المشتركة ومدى قوة الأواصر والحميمية بين الأقارب أو بين الأباعد، وحتى النظر إلى سحنات الوجوه المتطلعة في الشارع والسوق ومستوى التجهّم والاستبشار في ملامحها عند التجوال في الأماكن المكتظة ففيها الكثير من الدلالات على معرفة مستويات السعادة بين الملأ .

من خلال التبصّر بالمعايير اعلاه، لايخفى ان عراقنا  الآن وفي ظرفه الحالي يفتقد الكثير مما نطمح، لكننا على يقين اننا سنتجاوز العقبات والمطبّات حالما تترسخ الديمقراطية الحقيقية لا الزائفة والمضحكة اليوم وتتجلى المدنية ولو بعد لأيٍّ قد يطول أمَـدُه لكنه حتما سيظلل أجيالنا المقبلة ويهنأ أولادنا وأحفادنا في نعيمه مستقبلا، وذاك لعمري مبعث فرحنا حتى ولو أصابنا الحزن في هذه الحقبة، فدوام الحال من المحال ومن ساءه زمنٌ سوف تسرّه أزمان أبهى وأرقى، فهذا ديدن الحياة ومن سمات النظم وطبيعتها ان تتداول من مرحلة الى اخرى  ولهذا سميت الدولة بهذا الاسم  لسرعة تغيراتها وربما بعثها من جديد لتخرج إلينا بأبهى حُلّةً وأنضر عوداً .

لابأس بأن نزرع شجرة جوزٍ آنياً لتثمر بعد بضعة عقود، هكذا علّمتنا الحياة .

 

جواد غلوم

 

سليم الحسنيبصوتك وبألحانك تستطيع أن تنشد من شعر الجواهري العظيم الكثير مما كتبه في العراق. فالشاعر محمد مهدي الجوهري هو رافد العراق الثالث، وقد يجف الرافدان دجلة والفرات، لكن رافد الجواهري لا يجف. فلقد تدفق رقراقاً صافياً فروى هضبات العراق وسقى باسقات النخيل، وحيّا شمّ الجبال.

ابحث وليبحث معك الفنانون والأدباء والمثقفون، عن شاعر كتب في العراق مثلما كتب الجواهري. لن تجد سواه. ولو كان هناك أفضل من الجواهري قد كتب في العراق، لما كان الجواهري هو الجواهري.

نشيد العراق الوطني حق خاص محجوز لأبناء الرافدين، لا يمكن أن يتحكم فيه رجل من الطبقة السياسية أو بضعة رجال يتقاسمون جراح الفقراء بيعاً وشراءً.

لقد جال الجواهري على كل شبر من مساحة العراق من الشمال الى الجنوب، ودار على تاريخه الكبير فرسم أجمل اللوحات عن العراق مدار الدنى. ولم يكن الجواهري هو الذي يكتب الأبيات، لقد صهر نفسه في ترابه، وسرى بعيداً في أعماق ماضيه، فصدر صوت قوي عميق من القصبات والقرى والمدن، من الجبال والهضاب والصحارى، من النخل والماء والطين، من الماضي والمستقبل، صوت مصنوع من الكبرياء والتحدي يهتف:

(سلامٌ على نيّرات ِ العصور ِ... ودار ِ السلام ِ مدار ِ الدُنى)

سلام الجواهري هو سلام بعثه العراق لنفسه، حيّا به حاضره وتاريخه، فصار ضمير الأرض وسيبقى ضميرها.

كل مَن كتب في العراق وأنشد مخلصاً صادقاً، يستحق الشكر من كل عراقي، وسيستحق الشكر أكثر وأكثر عندما يقف وقفة الاحترام لرافد العراق الثالث فلا  يتجاوزه، فماؤه عذب فرات يروي العراقيين.

أيها الفنان العراقي، عندما توافق أن تنشد لغير الجواهري النشيد الوطني، فانك تحول آلة العود الى سكين تجرح العراق والعراقيين، إنهم يريدونك أن تتشرف بالانشاد للعراق من رافده الثالث الجواهري لا غير.

ستكون صاحب موقف تاريخي مشهود عندما تعتذر عن الانشاد لغير الجواهري. وسيكون أي شاعر صاحب موقف تاريخي لامع عندما يعتذر عن تقديم كلماته على كلمات الجواهري.

تأمل في القضية هذه جيداً، فأنت هنا لا تقف على خشبة مسرح تُغني للجمهور، إنما أنت عراقي يتمسك بميراث لا يقدّر بثمن، وترفض أن تسترخصه أو تشارك في تجاوزه، فهذا العراق يردد سلام الجواهري على هضباته وشطيه والجرف المنحنى.

 

سليم الحسني

 

ابراهيم أبراشما يجري في الضفة الغربية من مقاومة مسلحة وسلمية للاحتلال، وما يجري من مقاومة وصمود في غزة ورفض للمساومة على مبدأ المقاومة مقابل تحسين المستوى المعيشي للشعب، كل ذلك يؤكد أن جذوة المقاومة لم تخبأ وإن طمرتها المناكفات السياسية والحسابات السلطوية، وأن حسابات الشعب غير حسابات النخب السياسية وأن المشكلة لا تكمن في الشعب وقدرته على العطاء بل في النخب السياسية ومراهناتها وحساباتها المرتبكة والمأزومة .

وحتى لا تتحول عمليات الضفة لموضوع جديد للخلاف وتؤجج حالة الانقسام نتمنى تحييدها عن الحسابات الحزبية الضيقة كما نتمنى على السلطة الفلسطينية إدارة الموضوع بحكمة وبمنطلق وطني خصوصا بعد أن قطعت إسرائيل والولايات المتحدة الطريق على أية تسوية سلمية مشرفة  .

إن أكبر مصيبة يمكن أن تحيق بالشعب الفلسطيني كآخر شعب يخضع للاحتلال أن تنزلق نخبه السياسية بعيدا عن حالة التحرر الوطني، ويتم المساومة، ولو تكتيكا، على الثوابت الوطنية وعلى دماء الشهداء التي سالت دفاعا عنها وعلى عذابات الأسرى والجرحى .. من خلال إيهام الشعب أن النخب تحقق انتصارات وانجازات، ومن خلال (استراتيجية الضعيف) التي تراهن على عطف وتأييد العالم بذريعة أن الشعب لا حول ولا قوة له في مواجهة الاحتلال، أو تحت عنوان الواقعية السياسية وكأن الشعب وقادة الثورة الأوائل لم يكونوا واقعيين، أو يتم التفريط بها تحت عنوان الوضع الإنساني في قطاع غزة وضرورة تلبية الاحتياجات المعيشية للشعب من كهرباء ورواتب وكأن القضية الفلسطينية مجرد مشكلة إنسانية، مشكلة جموع جائعة وفقيرة تبحث عن طعام وكهرباء وعمل ورواتب الخ وليست قضية سياسية وحق تقرير مصير لشعب تعداده أكثر من 12 مليون يناضل من أجل الحرية والاستقلال والعودة .

بالرغم من استمرار حالات المقاومة المشرفة فإن ما يجري للقضية الفلسطينية في الفترة الأخيرة على يد النخب السياسية يشكل إهانة كبيرة للشعب الفلسطيني ولتاريخه وهويته وحقوقه السياسية ولسمعته في العالم، ما يجري من تحركات سياسية إرجاع للقضية إلى ما قبل ظهور المشروع الوطني والثورة الفلسطينية منتصف الستينيات كما يتعارض مع كل ما نادت به فصائل المقاومة المسلحة وما رفعت من شعارات وما دونته في مواثيقها ووثائقها .

 ما يجرى مع قيادة منظمة التحرير من تمسك بالحل السياسي دون إشراك الشعب وتوظيف مقاومته للاحتلال كورقة قوة على طاولة المفاوضات وعدم الحسم أو التلكؤ حتى الآن في العلاقة مع الاحتلال كما قرر المجلس المركزي في قراراته المتعاقبة، وما تقوم به حركة حماس تحت عنوان الهدنة أو انجازات ما تسمى مسيرات العودة، كل ذلك سيجهض ويقطع الطريق على العودة لحالة التحرر الوطني وسيُعبد الطريق لتنفيذ مخطط إسرائيلي امريكي لتصفية القضية بأيد عربية وإقليمية وربما فلسطينية، ولا فرق أن يكون التنفيذ بوعي وتواطؤ أو نتيجة جهل وعجز .

عندما تصف واشنطن وتل أبيب المقاومة بالإرهاب فهذا لا يُعيب المقاومة لأن المستعمرين والمحتلين يصفون دائما مقاومة الشعوب لهم بالإرهاب، وعندما تطارد إسرائيل المقاومين وتعتقلهم وتعاقب الشعب لأنه يحمي المقاومة فهذا شرف للمقاومة وللشعب ويؤكد على حق الشعب الفلسطيني بالمقاومة وبالتالي لا يُعيب المقاومة، وعندما تتهم دول عربية المقاومة الفلسطينية بالإرهاب وتمتنع عن دعم المقاومين فهذا لا يُعيب المقاومة لأن الأنظمة العربية دائما تتخوف من انتشار روح المقاومة عند شعوبها ولأن المقاومة الفلسطينية تكشف عورات الأنظمة العربية وتكشف تخاذلها عن القيام بواجبها القومي تجاه شعب تتحمل قدرا من المسؤولية عن نكبته . ما يُعيب المقاومة ويسيء لها هو غياب الرؤية والفهم عند بعض الفصائل الفلسطينية في كيفية ممارسة المقاومة والهدف من ممارستها .

إن العمليات الفدائية وأشكال المقاومة الأخرى في الضفة التي اعتقد كثيرون أن أهلنا هناك تخلوا عن المشروع الوطني واستكانوا للأمر الواقع والتعايش مع الاحتلال، هذه العمليات التي وجدت قبولا وترحيبا من قطاع كبير من الشعب تؤكد أن جذوة المقاومة لم تخبأ وأن الشعب الفلسطيني لم يستسلم وأن المقاومة توحد الشعب بينما السلطة والصراع عليها تفرقه، ولو عدنا في الزمن إلى الوراء لرأينا كيف كان حال الشعب والمقاومة أثناء الانتفاضة الأولى وقبل تأسيس السلطة وكيف آل حالهما بعد السلطة، وكيف كان حال الشعب والمقاومة وحركة حماس قبل انقلاب حماس وتحولها لسلطة وكيف آل حالهم بعد ذلك .

وأخيرا نتمنى على النخب السياسية أن تهتبل فرصة استنهاض روح المقاومة لتعود للمراهنة على قدرة الشعب على المقاومة ولتكن المقاومة مدخلا للمصالحة والوحدة الوطنية، وخصوصا أن واشنطن تصنف حركة حماس وفصائل المقاومة كحركات إرهابية وإسرائيل تصنف الرئيس أبو مازن كإرهابي، هذه التهم، حتى وإن كانت تندرج في سياق الضغط والابتزاز السياسي للطرفين لتقديم مزيد من التنازلات، فإنها شرف لفصائل المقاومة وللرئيس أبو مازن .

 

 أ. د. إبراهيم أبراش

 

رجاء بكريهفكّرتُ بملابسها الّتي أصبحت غابة، غابة بعيدة يخاف الزّهر أن يمشي فيها وحيدا. بوسائل الدّفاع الّتي توفّرت غير أظافرها بحوزتها، وهل كانت تكفي لتمزيق وحشٍ استيقظ من سبات سنوات قهر وعطش للفتكِ بأيّ شيء؟ تُرى، كيف يتذكّر الوحش الّذي يعشّش فينا أن يخرج

انذهال

غابةُ دم. هذا ما يسيل من سواحل القرى والمدن العربيّة في فلسطين ال 48 منذ سنوات. فالشّوارع ذاتها نسيت وظيفتها وسلّمتها لأنهار سابت مياهها العادِمة في كلّ مكان، وابتلعت أشكالها الأصليّة.

غابة دم في البلدات المُعترف بها والمُنكرة. المتحضّرة والبدائيّة. الصّغيرة والكبيرة. العالية والمنخفِضة. المثقّفة والأميّة. والغالبيّة العُظمى في سيلِ التّصنيفات الّتي أُطبّقها الآن تمتهن بفنيّة مُلفِتة ثقافة الرّجعيّة. لا تستغربوا فللرّجعيّة أيضا قوانينها وآليّاتها. غابة استحدثنا لها ألوان غريبة، والجديد أنّها تعرفُ كيفَ تُلوِّنُ الشّريان الأورطي بضرب نادر من الفِكر الغابوي السّقيم، والتخلّف الرّوحي، ومعهُ قنوات النّزيف.

 لا أعرف تحديدا ماذا أسمّي المرحلة الّتي نمرّ بها هنا، والآن، لكن يبدو أنّها خطّة مُحكَمةَ النّوايا لإذلالِنا وتدميرِنا بأيدينا، لا نحتاجُ معها أن نستعينَ بأيّ قوى دخيلة، لا مُندسّين، ولا عملاء ولا جواسيس. تربتنا والحمد لله جاهزة للنّتش والنّبشِ والخدشِ. فالطّواقم، كأنّها مدرّبة تماما لتنفيذ خطّة جاهزة لتحطيم الرّجال والنّساء معا. فقتلُ النّساء وخصوصا النّساء على خلفيّات لم نسمع بها من قبل، كالمتتبّعين لها، تحصُدُ أرواحا لا أعداد لها من نساء بريئات. وكلّ يومين أخبارهنّ تتصدّر الصّفحات والمواقع الصّفراء والحمراء والخضراء والرّسميّة. والجاني غالبا هويّته مجهولة، أو يجوز إسقاط حقّ الضحيّة لأنّه كالعادة لم يكن بكامل قواه العقليّة. وذات الأمر يحدثُ مع أحداث القتل اليومي المأساوي الّتي تخبطُ في كلّ بقعة واتّجاه، وتسحبُ معها أرواح شبّان ورجال في عمر الحبق بطريق الخطأ أو التّصويب المتعمّد، وأخبار أيّامنا استحالت لمنشورات سريعة مستهلكة كوجبات الهامبرغر تتخِمُنا بوجَعِها أوّل يوم، وفي اليوم التّالي نجد أنفسنا في كوكب مرّيخ آخر لا نذكرُ من وجع الأمس سوى مسحة غبار نزيلها على عجل بطرفِ بنصر ونمضي. أصبح العنف في حياتنا صرعات تتفرقع في أرواحنا أوّلا وأدمغتنا، وتكاثرت حدّ أنّنا لا نتذكّر أسماء ضحاياها.

ولعلّ ما يدهشني للآن قدرة النّساء على استيعابِ فنون اختطافهنّ من أطرِهنّ المختلفة. لا يوجد ما نتّفق أو نختلف عليه، نحن النّساء، لأنّنا لم نعد نجد متّسَعاً كي تحاور فيه الواحدة الأخرى. تشابكَ الشّجر في الغابة وتداخل. تكاثفَ حدّ أنّهُ يمكن لأيّ امرأة أن تضيعَ أثناء عبورها العفويّ منه، والغريب أنّ الشّجر لم يعد يثمر كما كان يفعل قبل الآن، فالخطايا قد ضربت شجرنا الجميل بلعنةِ العقم ونحن نندّد ونهدّد، وسط غياب رؤيا نافذة تسعى لهندسة الفوضى عبر خطط ملموسة لتأطير واحتواء الجرائم الكثيرة الّتي تُشهِدنا على عجز إمكاناتنا كنساء وقادة. فالشّوارع باتت مصائد ومصائب للخطوة الصّغيرة والكبيرة معا.

صحون طائرة

لا أعرف تماما ماذا يسجّلون في ورق الحزن والغضب حين يعلو منسوب البشاعة والقذارة ولا تجد منفذا فيه لقدميك. ولا أعرف إذا كنّا نفهم جميعا أنّ غابة الدّم الّتي ننزف فيها ومنها خطِرة حدّ أنّ الخطر بات يهابُها، ويخشى أن تنسب إليه. منطقيّا إذاً أن نتساءلَ، متى بدأنا ننحدرُ إلى هذه الهاوية؟ ولماذا لم نملك من مجسّات التنبّه للخطر ما يكفي كي نستنفرَ ونفعّل اليّات التصدّي للظّاهرة قبل وقوعها بسنوات؟

المرعب، بالنّسبة لي، أنّكَ تعثر على ذات الجريمة بصُورِها المشوّهة الكثيرة، في المدرسة الّتي تذهب إليها ويفزّ أحد معلّمي الطّبقة النّبلاء كي يُفرِغَ عقدَهُ فيكِ كامرأة يستسهلُ ليّ كبريائها، والكليّة المحترمة الّتي تذهب كي تبهرَ مستمعيكَ فيها، فيحتفونَ، ثمّ ينكرونَ عليكِ مكافأة لمعانكِ في وجه الجدران لأنّكِ امرأة يمكن لأيّ موظّف حسابات مقموع أن يجد في صوتها الرّقيق المهذّب ذريعة لاستئسادِهِ، ولمعان صوتِهِ الباهت أمام الجدران والورق. يهمّه جدا أن يعثر على مفردات التّقزيم والمسح ليغني روحهَ المُعبّأة بثراء القلّة وامّحاء الأدب. الوقاحة يا سادة لغة الإسفاف المعتبرة  لهذا القرنِ الوَجِع. والإضافة، في المحاضرة, الّتي تذهب إليها كي تعيش من امتيازِ فكرِكَ، فيسقِطونَ حقّكَ تحت أقدامهم، ألستِ امرأة ويجوز معها الإذلال ولو كانت علَما وشرفا لكلّ عناوين الأدب؟ خجَلُكِ سيُحجِمَكِ عن المُطالبة باعتقادهم. لن تقفي أمام قاض غريب وتماحكيهِ في حقّكِ وتفرضين عليه جلسة استثنائيّة تناسب شروطه. لا يعرفون أنّهم دفعوكِ للإستذئاب دفعا، وجعلوكِ متمهّنه مثلهم تماما في المكر. لم يتركوكِ تستعذبين أنوثتكِ على مهل حين تقابليهم. مسحوها الأنوثة لأنّ الشّراسة تستدعي مخالب تردّها. هكذا تلوّنت أطياف الغابة وأسلحتها، وساحت على عجل أو على مهل.

العَيْن البغيضة

لقد علّمتنا الدّولة سياسة انتزاعَ الحقّ بالمجّان، وفي أرقى جامعاتها، الشّارع والمقهى، وضريبة الدّخل، ونكذبُ بشدّة حينَ نقول أنّنا تعلّمنا في "دولة اليهود" أقسى من هذا الدّرس لأنّ آثارهُ شديدة اللّمعانِ في العينين الّتي لا تغفر، والعقول الّتي لا تقتنع، والأكفّ الّتي تضرب والأقدامِ الّتي تخفِش، والمناكب الّتي تصفق. كلّها تكتيكات تبهر العين والذّاكرة، وتُلقي بجودة فنونها في الجمهور الكريم الّذي يمرّ من هذه المنعطفات المُلغّمة بنوايا أكيدة للإشتعال، حتّى بشجر الغابة المُشتعلة ذاتها بالنّار والرّماد.

هكذا نحن تماما. نعيشُ منذ سنوات على إثارة الفزع وأسباب الجريمة، والأصحّ جرائم لا أوّل لخزيها من اخر. هل نقاضي الدّولة، دولة الحريّات، لأنّها تمنح كلّ مواطنيها مراتب شرف كاملة، إلّانا، نحن الّذين تبدأ قوميّاتنا بحرف العَينِ البغيضة كعائلة، وقبيلة، قرية، ومدينة. وما العمل إذا كان الدّرس لا يعلّم إلّا بحدّ السّيف كما جاء في أدبيّات الأخطل والفرزدق وفروسيّات عنترة؟ ليس بسيوفِ الزّهرِ الّتي لابن زيدون وحدها ينتشلُ الأمل قدرهُ من لِيَةِ الغنم. شبِعنا نوايا.

ملابِسُها كانت غابة

كنتُ أفكّر قبل يومين بحادثة القتل الأخيرة الّتي اختطفت صبيّة زهرة من الجشّ، يارا أيّوب، الّتي ناشد الأهل صفحات التّواصل الإجتماعي الكفّ عن بثّ صور ابنتها المغدورة. فكّرتُ بحزن، باللّحظات الأخيرة الّتي عاشتها، وهي تقاومُ وحدها وحشيّة قاتِلها وعطشه غير المبرّر للدّم. فكّرتُ بفزع عينيها، بامّحاءِ صوتها من شدّة الصّراخ وقهقهات قاتلها. بتهدّلِ حنجرتها، بانطفاء بريق وجنتيها، بالتصاقِ شعرها بعرَقِها، وبتسلية القاتل الوَهِرة. فكّرتُ بملابسها الّتي أصبحت غابة، غابة بعيدة يخاف الزّهر أن يمشي فيها وحيدا. بوسائل الدّفاع الّتي توفّرت غير أظافرها بحوزتها، وهل كانت تكفي لتمزيق وحشٍ استيقظ من سبات سنوات قهر وعطش للفتكِ بأيّ شيء؟ تُرى، كيف يتذكّر الوحش الّذي يعشّش فينا أن يخرج، ولماذا أًصبحنا نستلطفُ اصطحابهُ معنا إلى كلّ مكان نذهب إليه؟ ألهذا الحدّ خذلنا أنفسنا حين اعتنقنا التّكنولوجيا حدّ الموتِ؟ فكّرتُ كيف أقنعَ الوحشُ يديهِ بتمزيق ورق شجرة تشبهُ أمّه وأخته، وربّما ابنته الّتي كانت ستولد ذات يوم.

منذ شهور وأنا أخطّط لكتابة مقالة ترفع من معنويّات النّساء، وتدفعهنّ إلى المقاومة، لكنّي أرى أنّ الغابة الّتي بدأتُ بتقطيعِ طلعِها المسموم تتوغّل في كلماتي، وبسرعة السّحر تتوالدُ بين سطوري. لقد خرجت بمعزل عن كلّ الخطط الّتي قرّرتها لها. اشمئزازي من الدّماء الّتي تنزف من مخدّاتنا أغرقتني بالهَول, ظلّت جرسا يرنّ في زوايا الأماكن والوجوه والأصوات. أيّ حُلُمٍ قاتل هذا الّذي باتَ يصادرُ فضاءات السّكينة الّتي لنا؟ لقد أًصبح الضّحكُ من محرّمات المرحلة! كيف سنعيش بعد الآن بأفواه معقّمة بالصّمت؟ منذ طفولتي وأنا أعادي غرف الممرّضات، السّتائر والأسرّة، الأكواب والملاعق المعقّمة. أحبّها برائحة اللّيمون والبرتقال. يصيبني اليود والدّيتول بالتهاب رئويّ حاد. أسعُلُ لأيّام وقد يسقط الفرح منّي وأنا أحاول الإستشفاء من رغباتهِ الصّادقة في إحلال السّلامة. سنصير أعجوبة تماما يُحكى عنها إذا فرّطنا بأسباب الفرح واندفعنا لقتامة المرحلة بكلّ ما يكتنفها من سواد.

كلّ ما أتمنّاهُ ألّا نتحمّس كثيرا للكشف عن وجوه القَتَلة بقدر ما نتحمّس للكشفِ عن وصفة لاجتثاث الوجوه المشوّهة الّتي تمدّ سيقانها وأذرعها فينا. هنا المأساة، أسباب الجريمة تعيشُ فينا وفق شروط صحيّة جداً، وعلينا أن نلجأ لتسميمها من القدمِ حتّى الرّأس حتّى تتسوّل الموت. مطالبون نحن، وفورا أن ندفنِ أنفسنا بعلاجٍ فوريّ اسمه الثّقافة. كان اسمه الثّقافة، ظلّ اسمه الثّقافة، وأعني المسرح والسّينما والموسيقى والأدب.

همسُ وجع

القادة، أصحاب السموّ، مطالبون الآن وعلى عجل بتأسيس خطّة رادعة قطريّة عابرة للقرى والمدن، بل ورصد ميزانيّات لا أعرف من أين سيقتطعونها لمقاومة الإنهيار الحاد للقيم. ليس في نيّتي تصوّر ارتفاع عدد مقاعد القائمة المشتركة لأربعة عشر مقعدا وسط غياب استراتيجيّات بعيدة المدى لاحتواء القذارة ومخلّفات البشاعة، وبكلّ السّبل فالمقاعد الشّاغرة حتما ستحتلّها جرائم جديدة إذا لم نكرسح خطواتها ونسدّ عليها المنافذ وهي تتقدّم من الصّفوف الأماميّة وتتجاوزنا بثقة عاهرة. 

 

سطور: رجاء بكريّة - الجليل- حيفا   

               

   

عبد الجبار نوريتأسس الجيش العراقي وأولى وحداته عام 1921، خلال الأنتداب البريطاني للعراق، وبعد مرور 15 عاما على إلغائهِ عاد الحديث مجدداً بين أعضاء مجلس النواب دعوات تطالب بأعادة التجنيد الأجباري الذي أنتهى بعد سقوط النظام السابق في 9نيسان 2003 تناست كون هذا التجنيد الألزامي قهري وأستعبادي ذاقت الطبقة الوسطى منه ألوان من الذل والعبودية، أنهُ سيعيد مآسي الأنظمة السابقة التي أفرزت سلبيات أستمرت عقوداً وما زال الشعب العراقي يدفع فاتورتها المأساوية الثقيلة، مبادرة من كتلة سائرون قدمت مسودة للمشروع إلى البرلمان العراقي يوم السبت الماضي 8/12 بعنوان " التجنيد الألزامي المدني " بدل العسكري بتوظيف فئة الشباب من عمر 19 -  45 وتشغيلهم في مؤسسات الدولة لقاء راتب، وهو مجرد مسودة مشروع مقترح قُدم لهيئة رئاسة البرلمان العراقي.

أن اليوم نرى العديد من الدول العريقة بالديمقراطية تخلصت من التجنيد الأجباري وأسست قواتها المسلحة من المتطوعين وبذلك بنت قوات عسكرية قوية محترفة وحققت أنتصارات ساحقة في الدفاع عن الأوطان، وأن هزائم الجيوش لا تعزى إلى التجنيد الأجباري أو حتى الطوعي بل إلى جيشٍ قوي مهني ومحترف للدفاع فقط يأتي عن طريق ثقافة المواطنة التي تتمحور على شكل عقيدة ثابتة في حب الأوطان والدفاع عنها لكون خدمة العلم واجب وطني، وبما أن مفهوم الدولة هو صناعة بشرية لخدمة الفرد وليس للتحكم بهِ وبالتالي ليس من حق أية جهة أن تفرض على الفرد وتلزمهُ بالتجنيد القسري أو دفع البدل النقدي .

بيد أن تطبيقهُ في العراق المأزوم الفاقد للضوابط التي تتحكم بسلوكيات الأفراد وأضطراب المنظومة الأخلاقية بعد الأحتلال الأمريكي البغيض  في 2003 وأثر الفشل الذريع لخطوات الحكومات المتعاقبة منذ عقدٍ ونيّف، ستكون  هذه الصورة السوداوية المعتمة والعيوب والمعوقات اللاحقة التي سوف أطرحها متمنيا أن تكون دافعاً لعدم أقراره، لكونه موضوعاً قابلاً للجدل وأثارة المناكفات والأعتراضات في زمن المرحلة الحرجة المليئة بالأزمات والقابلة للأشتعال أن لم تكن قد أشتعلت بعضها، وأن العودة إلى تطبيق قانون الخدمة الألزامي في الجيش سيحطم الأجيال الحالية مثلما حطمت الأجيال السابقة، سوف يقول المعترضون : التجنيد الاجباري يمحو الفوارق الطبقية هذا إذا ما طُبقتْ بشكلٍ منصف وهي أمنية ثمينة لا يمكن أن تحصل عليها اليوم في العراق !؟، ويقولون أنهُ ينهض بالروح الوطنية ألا يمكن أستنهاضها بأساليب أخرى متاحة ؟ ثم أن العراق ليس بحاجة لترسانة سلاح بل لأحلال السلام في ربوعه المكتوية بالحروب العبثية ولأن القوات المليونية كافية لمعالجة الأزمات الأمنية وها هي طردت التنظيم الأرهابي بأقصر وقتٍ قياسي غير مسبوق في عالم الحروب الدولية .

-العبأ المالي أنهُ سيرهق ميزانية الدولة لحاجتهِ لأموال طائلة، سيحمل العراق ثقلا ماليا أضافيا بحوالي 50 مليار دولار بتوفير معسكرات وتجهيزات عسكرية وميرة تغذية ومواصلات بالوقت أن الحكومة غارقة بديون  مليارية سيادية ومستديمة، إن موازنة 2019 قُدمت ب108 ملياردولار وعجزهُ المالي 19 مليار دولار، وأن العراق مديون للبنك الدولي 151 مليار دينار عراقي أي 125 مليون دولار، وعليه دين من الصندوق النقد الدولي 70 مليار دينار أي 58 مليون دولار وبذلك يبلغ المجموع التقريبي لديون البنوك والمؤسسات العالمية وفوائدها ما يقارب 13 مليار دولار .

- سيعتبر التجنيد الألزامي باباً جديداً ومشرعناً للفساد الأداري والمالي وباباً لأنتشار الرشوة  كي تهرب من الخدمة لأن راتب المكلف غير مجزي وقد لا يكفي لأيصاله إلى المعسكرات المترامية في أنحاء البلاد أضافة إلى المحسوبية والمنسوبية وكانت تحدث مثل هذه الخروقات حتى في زمن النظام السابق الذي كان يعتقل على الشبهات، والعراق في ظل ظروف هشة بسبب ضعف سلطة القانون والرقابة الوطنية .

- ثم أين هي سلطة الدولة؟ في (سوقْ) المكلف وهي عاجزة تقديم لصوص المال العراقي للمحاكم ومن ترويض الشلة الحزبية والفئوية المسيطرة على المنافذ الدولية والمطارات  .

- سيظهر على السطح التجنيد الأنتقائي الذي سوف يشمل الطبقات الفقيرة والحيادية البعيدة عن التحزبات ولا يشمل أولاد المسؤولين الذين  يتنعمون في الخارج، وأن المشروع سوف يتناغم مع قرارات اللص بريمرفي ألغاء الجيش العراقي وأشرف على تقسيم الولاءات العسكرية إلى ولاءات طائفية وأثنية كردي شيعي سني والذي زج بالمؤسسة العسكرية في لعبة المحاصصة البغيضة، وأن الأكراد لديهم تحفظ معلن ومخفي في تسليح الجيش العراقي وهي نابعة من عقدة الأضطهاد المعاكس من العرب حسب رؤى بعض من متطرفي الأقليم .

- أن تأريخ الجيوش الحديثة تعتمد  التكنلوجية الرقمية الحديثة  أي على عناصر من الخريجين لكونها سوف تعمل على منظومات دفاعية متطورة وكيف الحال في نسبة الأمية العالية في بلدنا حسب تقرير حديث من اليونسكو الدولي نسبة الأمية في العراق 18-22% من الشعب والذي سوف يغرق المؤسسة العسكرية بالأميين وبأعداد غفيرة .، وأن التجنيد الأزامي يعني عودة عسكرة المجتمع وأعادة الوضع المأساوي الذي عاشهُ الشعب العراقي خلال فترة الثمانينات والتسعينات، وأن الصورة القاتمة لعسكرة الناس لا تغيب عن الذاكرة العراقية حين كانت مقصلة محاكم التفتيش تتحكم في رقاب العباد وأعدام المتخلف أمام داره وجباية 75 دينار ثمن الرصاصة والتي تقيّم قيمة الأنسان أضا فة إلى وشم جبين المتخلف الهارب من الخدمة الألزامية وختم مستمسكاته الشخصية بكلمة جبان وسوف تصطدم بالنظام الديمقراطي الجديد المعمول به حاليا الذي يفوّض الطوعية لا القسرية في الأنتماء للجيش .

- وشهد تأريخ الجيش العراقي الذي أقحم نفسهُ بالسياسة أن يقوم بقيادة حركات أنقلابية فكان أول أنقلاب عسكري عام 1936 في بواكير تأسيس الدولة العراقية بقيادة الجنرال العسكري بكر صدقي وتبعه حركة الضباط الأحرار عام 1941 وأنقلاب الجيش على النظام الملكي بقيادة العقيد العسكري الشهيد عبدالكريم قاسم عام 1958وتبعهُ أنقلاب شباط الأسود عام 1963بتدخل من وحدة الدبابات المرابطة بأطراف بغداد، والمطروح اليوم على الساحة العسكرية عدد كافي من المقاتلين المرتبطين على جبهات القتال وخطوط التماس مع الحدود العراقية من الجيش العراقي والشرطة الأتحادية والحشد الشعبي وقوات البيشمركة والحشد العشائري ونتساءل ما هو موقف القانون من هذه التشكيلات ؟ وما هو موقف القانون كذلك من قوات الأقليم البشمركة التي تقارب عددها من المليون مدرب ومسلح بأسلحة متوسطة وثقيلة، ستكون حتماً نسبة الأستجابة ضعيفة ومحدودة ستضطر حينها إلى السير في نهج الأسلاف بأتخاذ أجراءات ظالمة لأنجاح التجنيد القهري الألزامي، وأن رأي منظمات المجتمع المدني هو السعي لتقليل من عسكرة المجتمع .

 

عبد الجبار نوري - كاتب ومحلل سياسي وباحث عراقي يقيم في السويد

 

 

طارق طارقخلال الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي وردت معلومة للمخابرات البريطانية تُفيد بوجود خلية تجسس وتخريب تعمل لصالح المخابرات السوفيتية. وعلى الفور بادرت الجهات الأمنية لكشف عناصر هذه الخلية. وبعد زمن من البحث والتدقيق استطاع البريطانيين  كشف العناصر المتورطة وإلقاء القبض عليهم، وخلال التحقيق تبين أن هناك عنصر آخر لا يزال يمارس عمله التخريبي دون أن يكون للمجموعة أي علم بنشاطه ومكان عمله .

واصلت الجهات المختصة عملية البحث والتقصي لكن لم تستطع أن تتوصل إلى شيء بخصوص الجاسوس المختبىء حتى بعد مضي أكثر من عشر سنوات. ولأن الأمر خطيــر جدا يستهدف أمن الدولة البريطانية لم يفقد رجال المخابرات الأمل في العثور على الجاسوس فتمكنوا أخيراً من معرفة مكانه وإلقاء القبض عليـــه. وتبين أنه يشغل وظيفة مرموقة في إحدى مؤسسات الدولة البريطانية . وفي التحقيق سألوه عن المهمة المكلف بها؟ فأجاب: بأنه لم يكن يعبأ بأية معلومات تصادفه مهما كانت خطورتها، فالتعلميات كانت مشددة على ممارسة دوره فقط والذي يتلخص باستبعاد الكفاءات والمهنين من التعيين في دوائر الدولة، وتوظيف من يعتقد بأنهم غير مؤهلين للوظيفة .

أليس هذا هو نفس العمل الذي تقوم بــه الجماعات الدينية الحاكمة في العراق اليــوم؟ . كان الجاسوس  يعمل بصمت  وبسرية تامة مع قدرة فذة على تجنب أي أثر يقود إليه . أما الأحزاب الإسلامية فتمارس دورها التخريبي جهارا نهارا منذ أكثر من 15 سنة، وتفتح أبواب المؤسسات الرسمية للمزورين والانتهازيين والأتباع وسقط المتاع، وتستبعد كل إنسان يتمتع بالكفاءة والقدرة والمهنية العالية، حتى تعفنت دوائرنا من كثرة الفساد وتدني الأخلاق، وأصبح العراق من أفشل دول العالم . فوضع الأشخاص في غير أماكنهم الصحيحة من شأنه أن يؤدي إلى أسوأ النتائج وأكبر الكوارث للدولة والمجتمع . اعتقد بأن كل عناصر المخابرات الخارجية العاملة في العراق لا تقوم بأية مهمة سوى مهمة حفظ وحماية قادة الأحزاب الدينية من أي خطر يتهددهم، فهم زعماء التخريب بلا منافس ً .

 

طارق طارق

 

حميد الموسويللوهلة الاولى سيتبادر الى اذهان معظم القراء باني تحولت من موقع الهجوم الى موقع الدفاع عن الحكومة لسبب او لآخر، والحقيقة انه هجوم من نوع آخر. نعم انا مؤيد لعملية التغيير السياسي والاطاحة بسلطة التوحش الدكتاتوري ومقابرها الجماعية، واعدام الناس على الشك والظن والشبهة، وابادتها معارضيها بالغازات الكيماوية والقنابل العنقودية،واعدام منتقديها باحواض (التيزاب) او تلغيم اجساد الضحايا او سقيهم مادة البنزين واطلاق النار عليهم، وصلم اذان الهاربين من حروبها ووشم جبابهم بالنار والحديد،وتخريبها العراق بحروبها العبثية وسياساتها الهوجاء،وتبديد الثروة الوطنية في ملذاتها وحاشياتها وهباتها للاعلام الماجور والشخصيات المبتذلة وشيوخ التسعين،واساليبها اللا اخلاقية في تكميم الافواه واهانة واحتقار العراقي وجعله خادما لمن هب ودب ..

نعم لهذه الاسباب ولغيرها انا مستميت دفاعا عن عملية التغيير مع ما شابها من فوضى واضطراب وخبط والتباس .. وما صاحبها من امور تعتبر تحصيل حاصل وتداعيات وافرازات لكل عملية تغيير . لكني لم اهادن المفسدين الجدد لحظة واحدة،بل انبريت سيفا مشرعا بوجههم دون استثناء و في جميع مفاصل الحكومة والبرلمان ومجالس المحافظات والمجالس المحلية، وبلا هوادة كوني غير مرتبط بمؤسسة  ارتزق منها فتفرض علي سياساتها واجنداتها واخضع قانعا او مكرها حفاظا على رزقي هذا اولا، ولم انتم لأي حزب سابق او لاحق ثانيا، حيث استثمرت  فسحة الحرية المتاحة للرأي والفكر – وهي الحسنة والنعمة الكبرى التي دفع العراقيون قبالها انهارا من الدم – فكتبت مئات المقالات الناقدة والفاضحة للفساد المالي والاداري ونشرتها في جميع الصحف والمجلات البغدادية، وفي مواقع الكترونية عربية وعراقية وفي صفحات التواصل الاجتماعي، وتم تكريمي من قبل دائرة المفتش العام في وزارة الثقافة خلال اطلاقها لحملة مكافحة الفساد في 2009وتلك المقالات محفوظة في ارشيف الصحف والمواقع ولمن اراد التأكد ارشده لتلك الصحف .

وعودة للهجوم المشبه بالدفاع او الدفاع المشبه بالهجوم، فانك لو سألت ابسط مواطن عن انجازات الحكومة سيقول لك بلهجة عراقية غاضبة: لا بلطوا شارع .. ولا بنو طابوقة !. وحتى في حوارات النواب والمسؤولين حين يستفزهم مقدم البرنامج او المتصل: ما الذي انجزتموه خلال 14عام؟ يظل المسؤول يلف  ويدور ولا يذكر منجزا واحدا ! . حتى صار الامر من المسلمات . ما دعاني لاثارة هذا الموضوع هو لقائي بصديق قديم من محافظة السماوة يعمل في مديرية تربيتها، سألته عن اوضاع المدارس الجديدة  هناك قال: سيدنا وصل عدد المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية الى 684 مدرسة لحد الان . قلت وكم كانت قال من تاسيس العراق الى 2003 بلغ عدد المدارس 236مدرسة !.قلت يعني تم بناء 448مدرسة خلال 13سنة يقابلها 236خلال 80 عام تقريبا ؟ قال نعم .. كما تم بناء عدة مستشفيات ومستوصفات وعشرات الطرق والمجسرات والملاعب الرياضية والمتنزهات ومشاريع الماء وتقوية محطات الكهرباء ..ولي قريب في محافظة الناصرية  قال تم انجاز اضعاف هذه المشاريع ومنها انشاء 6 محطات كهرباء جديدة وكانت طيلة 80 عاما 4محطات فقط والان تغذي 4000 الاف قرية في الناصرية ناهيك عن مشاريع الماء والطرق والجسور والمدارس والمعاهد والجامعات  وغيرها .قلت له انا في بغداد ولم اسمع من وسائل الاعلام  الا بانجاز: مطار النجف .. مدينة البصرة الرياضية .. ملعب كربلاء ..مطار الناصرية. وبالنسبة لمحافظة بغداد تم انجاز مجمع مدينة بسماية السكني .. مجمع العدل السكني .. مجمع الكاظمية السكني .. مجمع بوابة العراق.. مشروع ماء الرصافة .. وبعض المولات ... ولم اسمع بمشاريع الصحة والتربية والتعليم العالي والوزارات الاخرى وخاصة الخدمية !. فاين الاعلام من هذه المنجزات؟!.  واكيد ان جميع المحافظات مثل:  ديالى .. بابل .. واسط .. ميسان .. الديوانية..  كربلاء.. النجف ..كركوك  فيها الكثير من هذه المشاريع  عدا الرمادي والموصل وصلاح الدين كونها احتلت من قبل القاعدة وداعش وشهدت اعمال خراب ودمار وحرب وعدم استقرار حالت دون تنفيذ مشاريع فيها والان بدأت حملات اعمارها؟. قال: المسؤولون يتحاشون التحدث عنها ويمنعون اعلام الوزارات من بثها! .فالوزير الجديد لا يتحدث عنها حتى لا تحسب دعاية انتخابية  للوزير الذي سبقه وكتلته، وحين يباشر بانجازات ومشاريع سيقوم بتنفيذها  يذكرها مقتضبة وعلى استحياء لانه  يتوجب عليه ذكر مشاريع من سبقه!. وكذلك بالنسبة للمحافظين ومشاريعهم .وكل الهيكل الحكومي  حيث ان الوزراء والمحافظين .. والطاقم الحكومي .. يتغيرون كل 4سنوات وفي كل مرة تكون الوزارة او المحافظة  او المؤسسة من حصة كتلة جديدة !. (ومن الحسد ما قتل . العرب يبدعون فحتى الحسد تحول من رذيلة فردية إلى رذيلة مؤّسساتية . الفرد الواثق من نفسه ومن مكانته لن يعيبه أبدا أن يرتقي الأخرون إلى أي .درجة . وهذا ينطبق على كل مظاهر الحياة وليس السياسة فقط.

طبعا هذه الحالة المرضية الفئوية الجهوية الانانية المستمرة  معول هدم ينخر في كيان العملية السياسية ويسهم في عدم استقرار الاوضاع والتقدم نحو الافضل .وعليه يتوجب على الاعلام الوطني المحايد الذي تهمه مصلحة العراق العليا ان يتصدى لفساد المفسدين بحزم و للاعلام المعادي الذي يركز على ابراز السلبيات ويضخمها ويشيع بين الناس الخوف والخراب واليأس ؛ويحرض على الفوضى والاحتراب الداخي،  وبالقوة ذاتها عليه ان يأخذ عل عاتقه ابراز المنجزات والمشاريع الهادفة  وينبه الى انجاز المشاريع الضرورية التي يجب تقديمها على غيرها دون ذكر المسؤولين وجهاتهم الفئوية والحزبية خدمة لسمعة العراق الذي صار وكأنه دولة عاطلة فاشلة . 

ما اوردته انصافا للعراق الجديد؛ وادانة لاعلام الوزارات؛ ولشبكة الاعلام الرسمية؛ ولاعلام مؤسسات المجتمع المدني بكل وسائلها التي اثبتت فشلها في وقت صار الاعلام يشكل 70%من قرارات الاشخاص حسب دراسة  قدمتها جامعة هارفارد الامريكية مؤكدة ان 70 % من قرارات الاشخاص وسلوكهم مستوحى من وسائل الاعلام.

 

حميد الموسوي

 

حسن حاتم المذكور[من يمزق وحدة العراق بالأنفصال عنه، ومن يستقبله ويصافحه ويعيد الأعتبار له، فهو بعثي منتمي، من يتآلف ويتحالف مع دواعش الأعتصامات، ويتقاسم معهم السلطات والثروات، فهو بعثي منتمي، ومن يعامل ويتعامل مع انظمة الجوار على حساب العراق، فهو بعثي منتمي، ومن يهادن حكومة بعثية منتمية من رأسها حتى نهاية ذيلها، فهو "والعياذة بالله"].

1- البعث اسوأ عملة سياسية في التاريخ العراقي، هجين ايديولوجيات همجية، ابشعها عندما يتشكل مضمونها من قوميين واسلاميين، القوميون: بعضهم يريدون العراق (قطراً) من امة عربية ماتت، لتكون السلطات والثروات في قبضتهم، والبعض الأخر، يريد التمدد في جغرافية وثروات مكونات عراقية، ليس له فيها حق تاريخي، ثم اعلان الأنفصال، لأسلاميون يريدونه خلافة عابرة للوطنية والسيادة، وخصوصيات المكونات المجتمعية، ثم مركزة السلطات والثروات في قبضتهم ايضاً، امريكا وبعد الأحتلال عام 2003، جمعت كل تلك الواجهات البعثية، في هجين ملوث، اطلقت عليه "مجلس الحكم الموقت" يتضمن، ممثلين للمكون الشيعي والسني والكردي، كأسوأ ثلاثي لنكبة التقسيم.

2 - تم اختزال النظام البعثي بــ (51) صدامي، لدمج المتبقين بكامل عمقهم الدموي، مع الأسلاميين والكرد في نظام بعثي جديد، لسد جميع منافذ المؤسسات، المدنية والعسكرية والأمنية والعلمية والثقافية، بوجه الوطنيين العراقيين، ومحاصرة الدولة والمجتمع، بظلام من التخريف والشعوذات، ومليشيات حزبية لأغتيال العقل والوعي المجتمعي، وكوادر عسكرية وسياسية واعلامية، تم تجميعها من فضلات انقلابيي 08 / شباط / 1963، ليشكلوا منها ومعها حكومات لمرحلة الفساد والأرهاب، بعثية المضمون، مؤطرة بتوافق اسلامي قومي، كنهاية سوداء لوحدة العراق.

3 - يدعو البعض، الى التظاهر السلمي، تجنباً لأندلاع حرب اهلية، وعودة (طنطل) البعث!!!، والبعث عاد بمضمونه الأسلامي القومي،  واصبح مسؤولاً عن نكبة العراق الراهنة، ان كانت الحرب الأهلية، تعني موت العراقيين وافقار وتجهيل واذلال المتبقي، فهذا المصير قائم، تكفلت به مليشيات الأحزاب الأسلامية والكردية، ودواعش التيارات العروبية، العراقيون فقدوا كل شي، ولم يبق لديهم ما يستحق الحفاظ عليه، وان خسروا اكثر، ليس الا موتهم ومأساتهم ومحنتهم ونكبة وطنهم، والذي ينصح واصبعه في الماء، ليس كمن يحترق كاملاً في نار الفساد والأرهاب، انها دعوة غير موفقة، فبركتها رؤوس الجريمة المنظمة، لخنق النفس الأخير للأنتفاضة، وعلينا الا نسوق  رسالتها المشبوهة.

4 - عندما نقرأ او نسمع خبراً عن الأنتفاضة، حتى ولو فقدان شهيد، نحس اننا لا نزال، ورغم القمع ومحاولات الأحتواء، يبقى النفس الأخير للحراك الوطني، قطرة مباركة تبلل جفاف الأمل في ارواحنا، تدعونا لتضميد جراح الأنتفاضة، بالمشاركة وهتاف التضامن معها من داخل وخارج الوطن، قد يكون نفسها الوطني محاصراً في رئة البصرة، لكن رئة العراق ستزفر نسائمها ساخنة، في شوارع وساحات الجنوب والوسط، وتحرك البرك الراكدة في المحافظات العراقية الأخرى، من يخلع ثوب الوطنية العراقية، فخياره السقوط عارياً في حضيض التبعية والأرتزاق، ومن يفرش سريره لمرور المتبقي من (سكراب) النظام البعثي والأنفصاليين، لا يستحق المهادنة وسلمية الحراك الشعبي، انهم الوجوه المدانة لعملة البعث.

 

حسن حاتم المذكور

 

علي عليتتصدر نشرات أخبارنا عادة، أنباء عن فوز شريحة أو فئة من العراقيين في إحدى الجوائز العالمية، كذلك نسمع بين حين وآخر تفوق مؤسسة تابعة للدولة العراقية على مثيلات لها، في استطلاع او استبيان او دراسة عالمية، لعل أقربها تفوق مؤسسة العراق العسكرية، والمتمثلة بالجيش العراقي على نظرائها من باقي الدول.

وهذا قطعا لم يأتِ من فراغ أو محض مصادفة، ففوز العراق والعراقيين ليس بجديد عليهم سواء داخل العراق أم خارجه!. ولو أعددنا قائمة الصدارات التي تبوأها العراق بين الأمم لجفت أقلامنا عن تعدادها. وليس ببعيد عنا فوز بغداد كعاصمة للثقافة، إذ لم يكن غريبا فوزها من بين العواصم العربية في الثقافة، ولِمَ لا وهي حاضرة الدنيا التي تغنى بها الشعراء منذ القدم، وكتب عنها السواح والزوار والقاصدون اليها من فيافي الأرض؛ مشرقها ومغربها. وصدارتها ليست في الثقافة فحسب، فمن تصفح تاريخها كشف تصدرها باقي مرافئ الحياة من علوم وفنون، ولعلمائها قصب السبق في ابتكارات واختراعات وجدت صداها في دول الغرب فتلقفوها لتكون نهجا انتهجوه ودروسا للأجيال، فكانت أساس صناعات حديثة وتكنولوجيا متطورة ناطحوا بها السحاب.

ولكن غصة تبقى عالقة على منصات أفراحنا، أراها تأكل من جرف سعادتنا، فمدينة مثل بغداد لاقت الويلات تلو الويلات من تدخلات حكام من خارج حدودها، ناهيك عن ضعف إدارة وقلة حنكة وسوء تدبير، من حكام بداخلها توالوا على حكمها فعاثوا فيها فسادا وخلفوا دمارا وخرابا. ولعل تكرار تدهورها له مرارة تلذع ذائقة كل عراقي شريف، إذ يذكرنا التاريخ بعبارة (سقوط بغداد) أكثر من مرة في تأريخها، حيث سقطت في يوم الأحد 4 صفر 656 هجرية الموافق 10 فبراير 1258 ميلادية علي يد هولاكو. وفي عام 1831 سقطت بأيدي الجيش العثماني بعد مايقارب 82 عاما من سيطرة المماليك لها. وفي يوم الأحد 11 مارس 1917, سقطت بعد سلسلة من الانتصارات في يد الجيش البريطاني خلال القتال مع الاتراك العثمانيين في الحرب العالمية الأولى. وأخيرا وليته يكون الآخر، كان سقوطها يوم الأربعاء 9 أبريل 2003 بعد أن تمكنت القوات الأمريكية من التقدم فيها. وإنه لمن المؤلم حقا بعد أن كان الشاعر علي الجارم يقول فيها:

بغداد يابلد الرشيد      ومنارة المجد التليد

يابسمة لما تزل        زهراء في ثغر الخلود

باتت يقول فيها شاعر آخر:

بــغدادُ يـا بــغدادُ يــا بلـد الـرشيد

ذبحوك يا أخـتـاه مـن حبل الوريد

جـعلوكِ يــا أخـتـاه أرخـص سـلعة

باعوكِ يا بـغدادُ فـي سوق العبيد

زهــدوا بـدجـلةَ والـفرات وعـرضهم

باعوك فـي الحاناتِ بالثمن الزهيد

وعـــدوا بـتـحـرير الــعـراق وأهـلــه

وعدوك يا بغـداد بـالعيش الرغيد

ويـــــلٌ لـبـغــــداد العراق وأهـلهـا

فهولاكو في بغداد يولد من جديد

أوليس حريا ببغداد أن تثأر لماضيها ومجدها وتنهض من جديد؟

أما آن لها أن تزهو بحلة جديدة وتستبدل عبارة السقوط المريرة، بعبارات تفعم بالحيوية والتقدم والتحضر والازدهار، وهي أهل لذلك؟.

 

علي علي

 

احمد سليمان العمريلم يعتقد الشارع الأردني بأن الدكتور الأنيق خريج جامعة هارفارد البريطانية يتبنى أراء كثيرة واردة في الأثر كالمقولة التي تصف الصحابي الجليل عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: "إن ضرب أوجع وإن تكلم أسمع"

فقد بيّنت ليلة البارحة أن عُمَر ضرب فأوجع وتكلم فأسمع، وشتان بين العُمَرَين. الدكتور الأنيق لا يضرب إلّا بالهراوات.

لقد أثبتت الحكومة الأردنية على رأسها رئيس الحكومة الدكتور، الذي فرح به الشارع وغرّد بثقافته الغربية في تبني الحريّات، بأنّها لن تتخلى عن أسلوبها البوليسي القمعي مع اختلاف مسميّات الساسة وبمعزل عن ثقافتهم أو تحصيلهم الأكاديمي العالي.

هل كان احتواء الحكومة الأردنية في أحداث الرابع الأولى والثانية تملقاً للمواطن على أمل تخلّيه عن مطالبه؟ أم أن الأحداث الأخيرة ليلة الأمس في الشميساني والدوار الرابع أكدّت على سياسة الدولة الشُرَطية؟ ليلة الأمس الدامية التي مارستها قوات الدرك وقوات البادية على الاعتصام السلمي في المنطقة كانت أكبر دليل على همجية نظام الدولة الذي لطالما حاول إقناع المواطن والدول الأوروبية بحريّات مصطنعة لا تتجاوز الصَدْع.

قرار الهراوات هو الأكثر جهلاً في هذه الظرورف التي يحاول بها الأردن البقاء بعافية، وكأن الحكومة تعيش في العصور الوسطى ولا تعي حجم الوعي بين المواطنين وكم الاحتياج للحرّيات التي ترقى بهذا البلد الذي يعيش على "كف عفريت" أوليس من الحكمة أن تستجيب الدولة لمطالب الشعب وعلى رأسها إلغاء "التعديل الضريبي" الجائر؟

ألم يكن من الحكمة، - هذا لو أن الدولة ليست شريكا أولا بمنظومة الفساد - أن تقنن من رواتب الوزراء والبرلمانين الفاشل جلّهم ورؤساء المؤسسات الكبيرة؟

أذكر في عام 2001م بعد الأزمة المالية في ألمانيا والتي سأستطرد في بعضها بأن الحكومة أقدمت على برنامج ليحمي البنوك من الإفلاس بشرط تخفيض رواتب مدراء البنوك بما يتناسب وسياسية التقشف.

هذا مثالاً يحتذى به للرقيّ والنهوض بالدولة، فهل أقدم القصر الأردني على فرض مثل هذا القرار على رجالات الدولة، كونه صاحب القرار الأخير؟   

أحياناً كثيرة تثير امتعاضي تصريحات وزيرة الإعلام الأردنية الغنيمات، فتحفظ حق الحريات والمطالبات تارة وأخرى تعتبرها تجاوزاً على حد تعبيرها "القانون هو من يحدّد سقف الحرّية" هذا في ذات الوقت الذي تستثني فيه القانون والحكومة من ورائها بما يتعلق في قضايا الفساد من رجالات الدولة، والأكثر استياءً قانون الضريبة الركيك الذي لا يرتكز على بنية اقتصادية مدروسة بجميع جزئياته، ولقد بيّنتُ في إحدى مقالاتي "إفلاس أم فلسفة" بعضاً منها.

تدهور بورصة عمان في الأيام الماضية سببه نص القانون غير الواضح وغير المدروس بين ضريبة مضاربة "Speculation" أو ضريبة أرباح "Rendite" أو ضريبة الحصة "Dividende" أو أرباح الشركة الإجمالي أو أرباح المحفظة  الاستثمارية على المدى البعيد، ممّا أدّى إلى ما يسمى بـ "المبيعات الوهمية" وهي التي لا تعتمد على نشاط الشركات الحقيقي، إنما بسبب ارتفاع أو انخفاض تداولي، وهذا الأخطر من نوعة، فالهبوط الحاد في المؤشر يتحكم به خوف المساهم مضارباً أو مستثمرا من استمرارية التدهور فيقدّم الخسارة الضئيلة في البيع حسب تقديره على الإفلاس، ويعود هذا النوع من التفكير بين المساهمين لقلة الدراية بالمؤشرات البورصوية وهي في العادة الأكثر خطورة كما كان الحال في أكثر من الدول التي تأثرت لذات السبب، فمثلاً انهيار السوق المالي في ألمانيا إثر أحداث 11/09/2001 في الـDax   والذي وصل إلى ℅ 5 8,وتبعة Dow-Jones-Index بعد الافتتاح بهبوط ℅ 7 والأمثلة كثيرة حول هذا النوع من الانهيارات في المؤشرات العالمية مثل الاثنين الأسود في أمريكا سنة 1987م وأيضاً سنة 2000م في الكارثة التي سميّت Dotcom-Blase في مؤشر الـ NASDAQ الالكتروني التي انخفضت خلال عامين إلى ℅80 وفي اليابان سنة 1990م و كواروث الأسواق المالية ذات نفس السبب كثيرة، أي أن المبيعات الوهمية والتي كادت أن تودي باقتصاد دول برمتها هي أخطر أنواع لانخفاض، وهذا هو السبب الآن في تراجع مؤشر بورصة عمان.

نحن الآن لسنا بصدد تقديم تحليل اقتصادي، إنما التنويه للحكومة بما قد يجري جراء الخوف بين المستثمرين والمساهمين وخاصة من عامة الناس دون أي مرجعية اقتصادية أو معرفية في النشاط البورصوي والذي قد يكون أحد أهم الأسباب في تدهور البورصة، هذا مع انخفاض الاسثمار الخارجي في الأردن الملحوظ هذا العام والذي تجاوز الـ ℅50 حسب الجهات الرسمية الأردنية.

وأنا أعتقد بأن التخبّط الذي جرى في الأسابيع الأخيرة فيما يتعلق بـ"التعديل الضريبي" بين مجلس النواب والأعيان يعود لعدم دراسة لقانون بشكل صحيح وأيضاً الهروب من مواجهة الشارع الأردني الملتهب، حيث أن الإقرار الضريبي المتعلّق في الأوراق المالية بقى لأكثر من شهر متأرجحاً بين مجلس الأمة والبرلمان، أضافة إلى ذلك عدم تقديم شرح مفصّل حول الآليّة الضريبية والنِسَب في الصحف أو توجيه البنوك حسب نص القانون لمخاطبة كل من يملك ورقة مالية واحدة لتفادي حدوث المبيعات الوهمية.

وأود أن أنوه في هذا الباب أن المسؤولية حول إبلاغ قانون الضريبة المبرم أمام المساهمين تقع على البنوك، كونها الجهة المخوّلة ضريبياً حسب التداول والاتجار، فهي الشريك الثالث مع المساهم، لو سلّمنا أن البنوك في الأردن تتعامل بالعرف العالمي.

إذن ما هي الآلية القادمة التي ستستخدمها الحكومة مع الشارع الأردني المحترق في الداور الرابع؟ هل تعتقد الحكومة بأن الهراوات هي الحل؟

الشارع الآن مستعد لمواجهة قوات البادية والدرك كردة فعل سلبية جراء تصعيد تطاول الجهات الأمنية على المواطن الآمن، فهل الأردن تحتمل مواجهة مثل هذا  النوع؟ أم أن المواجهة الأنسب والأقل ضرراً تحدي الفساد الذي آل إلى مؤسسيّ والخضوع لصراخ المواطن الجائع والأخذ بيده لبر الآمان بدل السجون؟ 

 

تقبلوا مني فائق احترامي وتقديري

أحمد سليمان العمري

 

 

علاء اللاميتركوا أشعار فطاحل العراق كالجواهري والسياب وجمال الدين وراحوا يروجون نصا عاديا لكاتب أغان غير معروف لكاظم الساهر كنشيد وطني.

يروِّج بعض السياسيين والإعلاميين هذه الأيام نصا شعريا ركيكا كتبه شخص لم يسمع باسمه كثيرون، هو أسعد الغريري ومع احترامي لشخصه وتجربته، ولكنه كاتب أغانٍ عادية ولا تتميز عن سواها بشيء من الناحية الفنية، قدَّم عددا منها للمغني العراقي المعروف كاظم الساهر. أيا يكن رأينا بغناء الساهر، فالأمر متعلق بالذائقة الشخصية، فهو لا علاقة له بالموضوع إلا على سبيل تلحينه للنص المقترح نشيدا وطنيا للعراق وترويجه وتبنيه للأغنية بوصفها نشيدا وطنيا مقترحا ودخوله طرفا مع أحد الزعماء السياسيين في مفاوضات لجعل هذه الأغنية نشيدا وطنيا كما قرأت مؤخرا على مواقع التواصل الاجتماعي. وحتى قبل ذلك، فلم يخلُ الأمر من الكذب والفبركة فقد زعم الزاعمون، قبل أكثر من عام، أن هذا النص ومطلعه (سلام عليك على رافديك ...) هو للشاعر العراقي الراحل محمد مهدي الجواهري، وهذا كذب رخيص ومحاولة ساذجة لاستعمال اسم الشاعر الكبير كسلم إعلامي لهذا النص وقد كتبت مقالة حول هذه الحدث في وقته. شخصيا لا استثني حتى العامل الطائفي والرثاثة الثقافية والفنية كدوافع لهذا الترويج وهذا الاختيار ولكنني أتساءل فقط لماذا يهمل هؤلاء نصا رائعا لشاعر كبير هو مصطفى جمال الدين ويتم ترويج هذا النص الفارغ من أية روح شعرية. هاكم هذا المثال مما قاله جمال الدين:

بغدادُ ما اشتبكتْ عليكِ الاعصرُ

إلا ذَوَتْ ووريقُ عمركِ أخضرُ

مرّتْ بكْ الدنيا وصبحُكِ مشمسٌ

ودجتْ عليكِ ووجهُ ليلكِ مقمرُ

وكأن عيدَكَ بعدَ ألفِ محولةٍ

عيدُ افتتاحكِ وهوَ غضٌّ مثمرُ

 أما الجواهري فله الكثير من الجوهر الخالد في مملكة الشعر العراقي ويكفي التذكير مثلا بـ:

برغمِ الإِباءِ ورغمِ العُلى       ورغمِ أُنوفِ كِرامِ المَلا

ورغم القلوبِ التي تستفيضُ  عُطفاً تَحوطُكَ حَوْطَ الحِمى

وإذْ أنتَ ترعاكَ عينُ الزمانِ  ويَهْفُو لجِرْسِكَ سَمْعُ الدُّنى

وتلتفُّ حولَكَ شتَّى النُّفوسِ    تَجيشُ بشتَّى ضروبِ الأسى

وتُعرِبُ عنها بما لا تُبين       كأنَّك من كلِّ نفسٍ حشا

فأنتَ مع الصبحِ شَدْوُ الرعاةِ  وحلمُ العذارى إذا الليلُ جا

سلامٌ على هَضَباتِ العراقِ   وشطَّيهِ والجُرْفِ والمُنحنى

على النَّخْلِ ذي السَّعَفاتِ الطوالِ    على سيّدِ الشَّجَرِ المُقتنى

على الرُّطَبِ الغَضِّ إذ يُجتلَى كوَشْيِ العروسِ وإذ يُجتنى

ودجلةَ زهوِ الصَّبايا الملاحِ   تَخَوَّضُ منها بماءٍ صَرى

سلامٌ على قَمَرٍ فوقَها    عليها هَفا وإليها رَنا

تُدغدِغُ أضواؤهُ صَدْرَها       وتَمسحُ طيَّاتِها والثِنى

كأنَّ يداً طرَّزَتْ فوقَها   من الحُسن مَوشِيةً تُجتلى

أو قصيدته :

حييتُ سفحكِ عن بعدٍ فحَييني

يا دجلة الخير، يا أمَّ البساتين ِ

حييتُ سفحَك ظمآناً ألوذ به

لوذ الحمائِم بين الماءِ والطين

إني وردتُ عُيون الماءِ صافية

نَبعاً فنبعاً فما كانت لتَرْويني

يا دجلة الخير:يا أطياف ساحرةٍ

يا خمرَ خابيةٍ في ظلَّ عُرجونِ

وثمة أيضا هذا النص الشعري الجميل لبدر شاكر السياب:

الشمسُ أجملُ في بلادي من سواها، والظلام

حتى الظلام-هناك أجمل، فهو يحتضن العراق

يا أخوتي المتناثرين من الجنوب الى الشمال

بين المعابر والسهول وبين عالية الجبال

خير البلاد سكنتموها بين خضراء وماء،

الشمس نور الله، تغمرها بصيف أو شتاء.

وأخيرا، وعلى الصعيد العملي، ففي البرلمان السابق، تم اختيار ثلاثة نصوص من بين النصوص أعلاه ليتم التصويت لاختيار واحد منها نشيدا وطنيا، ولكن تمت عرقلة العملية بالشرط الذي وضعه الطرف السياسي الكردي والذي طالب بوجوب ترجمة بعض أبيات النشيد الوطني إلى اللغة الكردية، وهذا طلب مضحك ولا سباق له في تاريخ البشرية، وهو يدل على استهتار واضح من الساسة الكرد ودونية أوضح من الساسة الشيعة الذين تحالفوا معهم لتأمين الأغلبية الدائمة والنكاية بغريمهم الطائفي " العرب السنة"! إن المطالبة بأن يكون هناك نشيد وطني بأكثر من لغة هو إجبار ملايين العرب وغير العرب والكرد من العراقيين على إنشاد جزء من النشيد الوطني لبلادهم بلغة أخرى غير لغتهم الأم والسائد في حال كهذه أن يكون النشيد الوطني باللغة الوطنية الأولى ويترك للقوميات الأصغر إن وجدت أن تترجم النشيد كله إلى لغتها أو تكتفي بالنشيد عزفا موسيقيا. وكانت النتيجة أن تم تجميد مشروع النشيد الوطني مثلما تم تجميد العلم الوطني والشعار الجمهوري والإحصاء السكاني فنحن نعيش في دولة مؤقتة بمعنى الكلمة!

وأخيرا وبصراحة فإن نظاما رجعيا ومتخلفا كالنظام اللصوصي القائم اليوم لا تليق به إلا قصيدة رثة وركيكة أو حتى أغنية من نوع "ياعيني الواد بعيط" لتكون نشيدا سياسيا له ولأزلامه!

 

علاء اللامي

 

عبد الرضا حمد جاسمبعد انطلاق الاحتجاجات المجتمعية الكبرى التي اطلق عليها "السترات الصفراء الحرة" وما عُرف عما جرى فيها وخلالها برزت الأمور التالية:

1- اعتقالات بألاف وصلت الى اكثر من 4000 معتقل ضجت بهم اقسام الاعتقال وفتحت لهم ما كانت مغلقة ومن بين ما حصل في هذه لاعتقالات كانت الاحترازية حيث اعتقل ما يقرب من 300 شخص من بيوتهم او أماكن تواجد قبل مشاركاتهم في التحرك وفق معلومات توفرت لدى السلطات.

2- انطلقت مع انطلاق التحركات تصريحات وتوقعات تصب في طريق نظرية المؤامرة كانت الأولى غير الرسمية هي تدخل الولايات المتحدة الامريكية وبالذات ترامب بعد تغريدة له بخصوص التحركات في فرنسا فانطلق تحليل وتشكيك ربط بين تصريحات ماكرون حول ضرورة بناء جيش اوربي خاص  لحماية أوربا حتى من الولايات المتحدة الامريكية هذا التصريح الذي ازعج ترامب كثيراً...ثم صدرت تعليقات رسمية فرنسية في ضوء بعض الاخبار الصحفية الامريكية عن احتمال تدخل روسي في الاحداث من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وفُتح تحقيق في الموضوع...كل ذلك كان بحدود يمكن ان نقول عنها ضيقة.

3- وقوع الحادث الاجرامي يوم الثلاثاء الماضي باستهداف متسوقين في اكبر سوق لأعياد الميلاد في العالم في مدينة ستراسبورغ والذي تجاوز عمرة اكثر من 400 عام ويزوره سنوياً اكثر من مليوني متسوق من انحاء أوربا...هذا الحادث التي تبنته داعش وأدى الى سقوط ضحايا أبرياء...كما في كل الحوادث الإرهابية التي وقعت على التراب الفرنسي فأن هذا المجرم كان معروف من قبل السلطات الفرنسية وموضوع على قائمة الإرهاب ومتابع يومياً من قبل السلطات كما حال جميع السابقين وهو كما هم من أصحاب السوابق في السرقات والاعتداءات والجرائم العادية...وقد صدر قرار بألقاء القبض عليه ن المحاكم وكان من المفروض ان ينفذ في نفس يوم الحادث "سبحان الله"...هذا الاعتداء وهذه المعلومات اثارت استغراب البعض فانطلق احد الناطقين باسم حركة السترات الصفراء وشكك  في فيديو بما جرى وتطرق الى احتمال تعمد دوائر رسمية بهذا الاعتداء للضغط على الحركة للحد ترهيبها والحد من تحركاتها فواجهته الحركة بالتأكيد استمرارها.

هذا الموضوع الحساس واتهام السلطات  بشكل علني ولأول مرة ب واتهام المستويات العليا بالاسم بتعمد الحادث الذي سقط فيه قتلى وجرحى وهز فرنسا سوف يتدحرج كما كرة الثلج بعد ان التقطته القناة التلفزيونية الثامنة واسعة الانتشار والتأثير وطرحته في برنامج مهم حضرة احد الوزراء وممثلي عن الصحافة وحركة السترات الصفراء وطُرح علناً...سيتدحرج مثل كرة الثلج واكيد سيتم التحقيق يفي ملابساته على اعلى المستويات وكذلك في الصحافة...و قد عرضت نماذج لمثل هذه الأمور مثل التحقيقات التي جرت ونُشرت بخصوص احداث الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك عام 2001.

4- اليكم ما طرحة رئيس الوزراء الفرنسي في خطابه الأخير عن الاحداث حيث اورد: [صرح رئيس الوزراء الفرنسي ادوار فيليب أنه “حان وقت الحوار”. وأضاف “أصبح علينا إعادة نسج الوحدة الوطنية” التي تعرضت لهزة في هذا التمرد الشعبي غير المسبوق الذي ولد على شبكات التواصل الاجتماعي على الانترنت وأكد فيليب مساء السبت أن الرئيس ماكرون “سيتحدث” — ربما الاثنين — و” سيعود إليه أمر اقتراح الإجراءات” ليتاح “لكل الأمة الفرنسية أن تجتمع من جديد] انتهى

ارجو ملاحظة التالي:

1- "حان وقت الحوار" انتهى.

أقــول: وكأن الحوار مقطوع ...وفعلاً كان الحوار مقطوع حتى ان رئيس الوزراء نفسه استقبل اثنان من ممثلي حركة السترات الصفراء في قصر رئاسة الوزراء ومنع الصحافة من حضور الاجتماع ونقله مما اضطر أحد الممثلين الى ترك اللقاء فوراً وتمسك الثاني بطرح مطاليب الحركة دون السماع لرد رئيس الوزراء.

هذا يعني ان الحكومة والرئاسة أعطت الحركة الاذن "الطرشة" في الأيام الأولى في توقع منها ان الحركة ماهي الا نزوة ستزول سريعاً...حتى ان الرئيس ماكرون لم ينطق بكلمة واحدة للصحافة بخصوص الحركة وهو الذي القى خلال سنة واحدة وعدة اشهر (280) خطاب علني...

2- "أصبح علينا إعادة نسيج الوحدة الوطنية التي تعرضت الى هذا التمرد الشعبي غير المسبوق الذي ولد على شبكات التواصل الاجتماعي على الانترنيت" انتهى.

أقـول: انظروا حجم الشرخ المجتمعي الذي كما اعتقد تسببت به السلطات والرئيس ماكرون شخصياً الذي سبق ان اهان الشعب الفرنسي على الأقل مرتين واعترف بذلك علناً في خطابة المتأخر الذي تجاوزته الاحداث والذي قدم فيه بعض الترضية لحركة السترات الصفراء  والتي رفضتها الحركة لأن مطالبها مع الوقت تعاظمت فبعد ان كانت محصورة برفع الضريبة على المحروقات وصلت الى رفع الأجور وتحسين ظروف المعيشة لتشمل العاملين والعاطلين والمتقاعدين والضرائب بالشكل التي تعجز عنها الحكومة.

3- "ان الرئيس ماكرون سيتحدث ربما الاثنين وسيعود اليه امر اقتراح الاجراءات ليُتاح لكل الامة أن تجتمع من جديد" انتهى.

اقـــول: سيتحدث ربما الاثنين: رئيس الوزراء قبل ساعات لا يعرف متى سيتحدث الرئيس؟

"وسيعود اليه الامر في اقتراح الإجراءات": يعني الرئيس الذي اشغل نفسه في كل الفترة المرت من رئاسته للشؤون الخارجية وتحرك خارج فرنسا أكثر من أي رئيس اخر في نفس الفترة وكلف الاقتصاد الفرنسي الكثير على تلك التحركات وترك امر إدارة الدولة لرئيس الوزراء يأتي اليوم رئيس الوزراء لينتظر اقتراحات الرئيس وكأن فرنساً بلداً من بلدان العالم الثالث كل ما يجري فيه "مكرمة من القائد الضرورة" أي لا مجلس وزراء ولا برلمان ولا محكمة دستورية ولا مجلس شيوخ؟

4- "ليُتاح لكل الامة ان تتحد من جديد" انتهى.

أقـول: هذا تأكيد على أن الامة قد انشقت او تشققت وان اطلالة الرئيس ستعيد اليها اللُحمة وفق "إذا قال ماكرون قالت فرنسا"

من الأمور التي اعتقد انها ارعبت الرئاسات الثلاث هو بعض الحوار الذي جرى بين الرئيس ومواطنة غاضبة مسنة نوعما حيث قالت له امام الصحافة: ا ن الديزل غالي فقال لها اتركوا سيارات الديزل واقتنوا سيارات كهربائية...فكان الرد: انت تذكرنا عندما قيل للملكة لا يوجد لدينا خبر قالت لهم "كلوا البسكويت "في إشارة الى ماري انطوانيت والثورة الفرنسية الكبرى.

حدث ايضاً ولأول مرة خلال السنوات السابقة ان يتعرض الرئيس الى الصفير والصراخ ضده من قبل المواطنين عند تجاوله

الى اللقاء في التالي

 

عبد الرضا حمد جاسم

 

مصطفى غلمانتعود روايات الهجرة كأيقونة تراجيدية في مسار الكتابة خارج النسق التفكيري المتداول، من حيث كونها تلتمس إبراز مفردات جديدة تدليلية للإخضاع والتحطيم أو التقليد والتبعية العمياء  .

في رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح تنفعل الهجرة كظاهرة سياسية وحضارية مع ممكنات العيش خارج المتداول. الحلول الأخلاقي العرفاني كقطعة حرير تجسد لحظة الوثوق الإنساني وقيمه الثابتة.

بنفس مقدرة الرواية على تجسيد هذه القطائع هناك حاجة ملحة لتقريب فهوم قاعات المرايا وإسقاطاتها على متاهات التخييل البريء من كل احتمال تأويلي أو تفسير مبطن.

نفسه الحراك الاستشعاري الخطير الذي يضعنا منذ الوهلة الأولى عند قراءة واقع الهجرة المضادة للامعنى. تأطير الضرورات اللاأخلاقية للهجرة العكسية يباشر عملية استفزاز قراءاتنا الثاوية للنص السياسي المتداعي، الذي يفكك نظرية العدوان أو العداء التاريخي للكيان الصهيوني، ولنظرية الكراهية المتوحدة الكامنة خلف الجذور التاريخية الثابتة.

الهجرة هنا في الأول والأخير أداة لتسخير التاريخ كواجهة لتحريف الحقائق ودس السموم بين فواعل الحياة وسيروراتها.

حقيقة تكريس منطق الكولونيالية التي دانت لها غوائل الارتماء بين أحضان الكيان المغتصب، أضحت هدفا استراتيجيا لكل الأبعاد المهدورة تحت سلطة الاستحواذ والتغول الامبريالي والايديولوجي الأممي الداعم والمنبطح!.

هذا يعني ايضا، من ضمن ما تعنيه القابلية الخرساء للكيان إياه، مرمى آمنا لأنظمة البؤس والهوان ضدا على إرادة الشعوب العربية في العيش بكرامة ووحدة المصير المشترك والدفاع عن جبهات المقاومة في آخر معاقل الشهامة والإباء.

إن تحلل الأنظمة العربية من يقينياتها التاريخية والحضارية، في قضية القدس وتفتيت الحدود الاستعمارية الوهمية؛ ووحدة الصف والدفاع عن قضايا الأمة العادلة والمشروعة، هو انتقال جبري لظهور طفرة الهجرة المختلسة لإسرائيل، ونوع من الإذعان للشروط النظامية الجديدة التي احتوتها دول الاستعمار العولمي الجديد، فرضا بالوعيد والعقوبات الظالمة.

تتسع هذه النظرية لأكثر من تأويل، منه ما يرتبط باصطلاحات " ما بعد الاستعمار" والمقاربات النقدية الأخرى التي تبحر في اتجاهه وتجد لها مأوى أنطولوجيا عاليا، خصوصا فيما يتعلق بالأنظمة الثقافية الغربية المرتبطة بسياسات واستراتيجيات القوة والنفوذ السياسي والاقتصادي الدوليين. ومنه ما يسري على التداعيات العميقة للهيمنة الحضارية والثقافية والهوياتية. وقد صاغ المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد هذه التداوليات الاستشرافية على أكثر من اتجاه خلال تفكيكه للهجرات المعاكسة للقيم وتنظيماتها التاريخية والثقافية في كتاباته ودراساته، خصوصا في " الاستشراق" و" والثقافة والإمبرايالية " و" العالم والنص والناقد"، حيث النبش والمساءلة العقلانية للكتابات والخطابات الأيديولوجية الغربية التي تجعل الشرق نصا مركزيا للنقدانية المعيارية، ومخالفة وجوده التاريخي والثقافي، بل تشويهه والوصاية عليه. وهو ما كرسه ادوارد سعيد في " الاستشراق" حيث يكشف من خلاله بأسلوب ساحر كيفية تشكيل الأمم معرفيا وأيديولوجيا عن طريق السرديات.

الأمر مرهون إذن بنظرة الآخر، بانحياز العصابيات الاستعمارية وارتداداتها الجديدة على المنظومات العولمية المتحكمة على قيم العدل والإنسانية والكرامة ومبدئية العيش المشترك، ومدى مواءمة الوضعيات المكارتية للهويات الثقافية في انحلالها وتحللها من مناهضة وتمثل المعرفة بالوجود الثقافي كقوة وحافز للنهضة والرقي الحضاري، وإلا لضاعت الخطى وتخبطت في هواجس التيه والجحود.

لقد عادت هجمات التغريب بلبوسات مقنعة تجهز على ما تبقى من مظاهر الحماس والفورة التي أبدعتها بعض المشاهد الثورية خلال بداية تشكلها في منجز الربيع العربي الذي انطفأت تباشير إمطاره وتزهيره. وتبين بما لا يدع مجالا للشك أن الصراع حول صمود الهوية الثقافية واللغوية سيمكن المتقابلات الحضارية المتصادمة والمتنافرة والمتحاربة من تجريف الرؤية المحينة للهجرة، وأن التدليل لكينونتها سيحطم ما تبقى من أصنام الشك والوهم المقدس، وأن الفاعلين الحقيقيين تحت غطاءات ومسميات متعددة سيؤرخون لجولة تاريخية جديدة، تكون فيها العلوم المنتصرة، هي تلك التي تختزل قوة الهجرات وتراكماتها الأيديولوجية والهوياتية في الغباء والضعف والخيانة وتبخيس قيم الحضارة وتصويب رصاصات الغدر صوب رأس الفكر وقلب الأمة!.

 

د. مصــطفى غَــلْمَـان

باحث وأكاديمي إعلامي من مراكش / المغرب*

 

مادونا عسكر"الإلحاد والإيمان كلاهما سرّ، فإذا أظهره صاحبه للنّاس أو تباهى به فهو إمّا كاذب أو تافه." (يوسف زيدان)

بين الملحدين والمتديّنين صراع قائم، ولعلّه سيظلّ الطّرفان في صراع دائم، لأنّ كلّ طرف يدور حول فكرة إثبات وجود الإله. بيد أنّ المسألة أبعد من موضوع إثبات، إنّها مسألة عشق، وإذا كان مبدأ الإلحاد هو رفض الوجود الإلهي استناداً إلى أبحاث علميّة  ونظريّات منطقيّة، إلّا أنّه في الغالب يرتكز هذا المبدأ على اختبارات شخصيّة نتجت عن واقع دينيّ قمع لغة الحبّ، فما عاد القلب قادراً على معاينة النّور.

قد يمكن شرح التّديّن من النّاحية العقائديّة ومناقشة العديد من النّصوص والتّشريعات. ولكنّه من العسير تحديد الإيمان وقياسه ومدى توهّجه، لأنّه ببساطة حالة عشق. كما أنّه قد يمكن شرح المبدأ الإلحادي استناداً إلى معطيات منطقيّة واختبارات حياتيّة. لكنّه يصعب ولوج عمق الملحد ونزع فتيل العشق من داخله وإقصائه عن دائرة الإيمان، أي دائرة العشق. بين التّديّن والإيمان فرق شاسع كما الفرق بين التديّن والإلحاد. فالمتديّن ليس مؤمناً بالضّرورة. ومن الممكن جدّاً أنّ يحمل موروثه الدّينيّ ويطبّق تعاليمه ويلتزم بالشّريعة بمعزل عن العلاقة مع الله. ومن الممكن أن يبقى عند درجة التديّن دون أن يرتقي إلى درجة الإيمان.  أمّا الإيمان فهو الحالة النّهائيّة للعشق. وهو الحالة الّتي يتخطّى فيها العاشق كلّ الحواجز الّتي تعيق علاقته مع الله، فلا يبقى فيه إلّا الله. لذلك فالصّراع الدّينيّ الإلحاديّ، صراع على قشور الإيمان لا على جوهره. وإذا كان الإلحاد هو رفض لوجود الله فذاك لا يعني أنّ الله غير حاضر في الملحد، وأنّه لا يولّد في داخله بذور العشق.

المؤمن يرى الجميع في دائرة العشق الإلهيّ، لأنّه يعي أن الله الحبّ حاضر في الكلّ دون استثناء. وأمّا المتديّن فيصنّف البشر ويقيّم إيمانهم ويحاسب ويدين ويدخل هذا إلى السّماء ويخرج ذاك منها، ويحدّد حضور الله في هذا وذاك، وينفي حضوره في هذا أو ذاك. ويبلغ الأمر من الخطورة الّتي لا يلحظها المتديّن في تعرّضه للحضور الإلهيّ وتجزئته، وبذلك يعبّر عن تديّن سطحيّ ظاهريّ يشبه إلى حدّ ما الحالة الإلحاديّة. لأنّه بهذه الأفعال ينصّب نفسه إلهاً، وبالتّالي ينفي الحضور الإلهيّ. من جهة أخرى، وفي ظروف واختبارات قاسية يتساءل المتديّن عن حضور الله وأين هو من هذه الظّروف. ما يدلّ على لحظات إلحاديّة يمرّ بها المتديّن. وقد يتزعزع ويقلق ويخرج عن معتقده ثمّ يعود خائفاً. أمّا المؤمن فهو ثابت ثبات العشق، لأنّه يرى بالعشق الّذي تمنطق به. والعشق هو العشق ولا يميّز بين النّاس، يتسرّب بهدوء ويتدفّق برقّة ويخطف القلوب ويفتن العقول ويرتقي بها.

الملحد يقف عند حدود العقل ومنطقه ويستدلّ على الحقيقة بحقائق ناقصة. والحقيقة لا يعاينها العقل وحده، ولا يمكن بلوغها بل ينبغي استقبالها. ويقف الملحد عند حدود العاطفة إذا أحبّ ولا يرتقي إلى درجة العشق لأنّ العشق إيمان وليس عاطفة.  كما يقف المتدّين عند حدود الموروث ويتصرّف بحسب ما تعلّم لا بحسب ما اختبر. وهو كذلك لا يرتقي إلى درجة العشق لأنّ قلبه متّجه نحو الخارج لا الدّاخل. وإذا كان الاثنان معاً، الملحد والمتديّن، ينظران خارج الدّائرة فعن أي فرق نبحث، وعلى أي إله يختلفان؟

الملحد والمتديّن يتشابهان في جوانب عديدة، إنسانيّاً واجتماعيّاً وحياتيّاً. لكنّ الإلحاد في عمقه قلق معرفيّ وبحث عن الحقيقة.  وأمّا التديّن فقلق سلوكيّ يدافع عمّا يظنّه الحقيقة. لكنّ السّرّ في الإلحاد أنّه يخفي عتباً على الله، أو نيّة في استدعاء حضوره. أو  كما يقول أنسي الحاج، فكرة أن يكون وراء إنكار ما لوجود الله نيّة عميقة لتبرئته. والإنسان يبقى في صراع إلحاديّ إيمانيّ عميق ما لم يبلغ الإيمان، حالة العشق.

العاشق يطوف في قلب الله، يرمي نفسه في النّور ويحترق ليحيا. أمّا الملحد فيطوف خارج الدّائرة مترقّباً تسرّب النّور عن وعي أو عن غير وعي. لذلك فهو سرّ بين الإنسان وربّه كما الإيمان. وهو حوار خاص وعميق في داخل الإنسان لا يدركه إلّا الإنسان نفسه. وأمّا الظّاهر فلا يعوّل عليه.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

محمد الدعميكنا نتخيل خلال سبعينيات القرن الماضي بأن الانقلابات “الصلي” (بمعنى المتكررة بسرعة) في دول العالم الثالث، بإفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، إنما كانت تصمم وتصدر أوامرها من غرفة عمليات افترضنا وجودها في مقر وكالة المخابرات المركزية الأميركية CIA، متخيلين أن هناك بضعة “خبراء صناعة انقلابات” في هذه الوكالة يدخلون هذه الغرفة عند الحاجة، ولا يخرجون منها إلا بعد إذاعة البيان الأول في إحدى عواصم الجمهوريات الجديدة في أحد الأقاليم المنكوبة أعلاه.

ومرد ذلك الاعتقاد كان (على أغلب الظن) هو الانقلاب الذي حدث في العراق سنة 1963، الذي وصف نجاحه أحد الانقلابيين أنفسهم، بالقول: “لقد جئنا على قطار أميركي” (علي صالح السعدي). ومذاك كان دائما ما يراودنا الشك في إخلاص الانقلابات العسكرية عبر أغلب جمهوريات دول العالم الثالث الفتية، على تنوعها، خصوصا بعدما حدث من انقلاب بمعاونة الــCIA في سانتياجو/تشيلي ضد الرئيس سلفادور اللندي، إذ لم يخفِ الانقلابيون بقيادة الجنرال بينوشيت تعاونهم مع المخابرات المركزية في سبيل التخلص من نظام اللندي اليساري.

لم يكن يخطر على بالنا، ونحن لم نزل شبانا يافعين، أن يحدث انقلاب في أي من دول كبرى كالولايات المتحدة أو الاتحاد السوفييتي حقبة ذاك، نظرا لما تتمتع به هذه الدول من استقرار ومؤسسات دستورية عريقة تحكم وتشرف على أي تغير سياسي مهما كان نوعه. إلا أننا ما فتئنا وأن اكتشفنا إمكانية حدوث انقلابات في دول كبرى من النوع أعلاه، بدليل محاولة الانقلاب التي فاجأت العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، من قبل ثلة من قادة شيوعيين سابقين أرادوا إعادة الحكم السوفييتي والتشبث بما تبقى من المنظومة الاشتراكية. إلا أن هؤلاء أخفقوا في تدوير العجلة إلى وراء.

والحق، فإننا، بسذاجة مفرطة، كنا نعد الانقلاب انقلابا عندما يحدث على نحو يشبه ما حدث في بغداد وفي سواها من عواصم دول العالم الثالث: أي أن تتحرك وحدات عسكرية على المراكز الحكومية الحساسة كالقصر الرئاسي ودار الإذاعة والمطار قبل أن تذيع “البيان رقم 1″ مع بضعة أناشيد وطنية على سبيل التمويه على هوية الانقلاب. هذا ما لا يمكن أن يحدث في الدول الكبرى، ذات المؤسسات المستقرة والعريقة، خصوصا الديمقراطية منها. إن الانقلابات هناك تحدث على نحو صامت (لا دبابات ولا مصفحات ولا جنود ولا بيانات). هي تحدث عندما تتم إزالة المنظومة الحاكمة أو الشخص الحاكم من سدة الحكم، دون الحاجة لأي شكل من أشكال الضوضاء.

ربما أن ما يحدث اليوم في واشنطن هو شكل من أشكال الانقلابات على سلطة الرئيس دونالد ترامب من خلال إدانته باقتراف أفعال غير قانونية، قد يستحق قضاء بعض الوقت في السجن بسببها، وهي توظيف بعض من أموال الحملة الانتخابية لإسكات بائعات هوى ولضمان صمت الآخرين حول صلة رومانسية بين المرشح ترامب وحسناء من فريق حسناوات الـــ”بلاي بوي”، Play Boy، وهكذا. إن من يتابع ما يحدث اليوم من الذين جايلوني “الختيارية”، لا بد أن يتذكر الكيفية التي تمت بواسطتها إزاحة الرئيس ريتشارد نيكسون إثر فضيحة “ووترجيت” على بداية السبعينيات. لذا، فقد فهمنا اليوم أن الانقلابات في دول كبرى من هذا النوع، ممكنة، ولكنها “غير”، لو استعمل

 

أ.د. محمد الدعمي

 

كل الاديان السماوية لا تؤمن بالعنف واما عنوان المقال هو على غرار من يدعي ان الاسلام فوبيا ولكن جذور الارهاب هي من مدارس تدعي التدين اليهودي والمسيحي وتعلمَ منهم المتطرفون (الوهابية حصرا) الارهاب بكل انواعه، هذا الذي ندعيه لم يكن من اكتشافنا او تحليلنا للمشاهد الارهابية المسيحية (عذرا للمسيحيين المعتدلين) بل جاء باقرار اهل الدار .

ان الاساليب والتعليمات التي تعتمدها منظمة الارهاب الكنيسي لخلق جيل مجرم هي بعينها تمارسها داعش وقبلها القاعدة ومن على شاكلة هذه الحثالات، هل لاحظتم ان هنالك من المسيحيين من دول اوربا التحقوا بداعش فالغاية ليس التدين لان ديانتهم مختلفة بل الغاية تطبيق الاجرام الجسدي والنفسي الذي تلقوه في المنظمات الكنسية .

السينتولوجيا حركة مسيحية متطرفة ظهرت في امريكا في خمسينيات القرن الماضي تدعي تحرير الانسان من امراضه، ولكن واقعا ماهي افعالها؟ هذه المنظمة تستمد تعاليمها من شخص مريض نفسيا هو (هوبارد) الذي يعمل للسيطرة على عقل الانسان واسس كنيسة في نيوجيرسي،وقد مارست هذه المنظمة الدينية غسيل المخ والتعذيب النفسي، ومن ينسلخ عنهم مصيره القتل .

تتحدث كارين دولا كارير الى مراسلة احدى الصحف البريطانية انها عندما رات التعامل والتعاليم السيئة في هذه المنظمة تم معاقبتها عقوبة صارمة حيث اجبرت على الجري حول عمود لمدة 12 ساعة يوميا ولمدة ستة اشهر ومن ثم حبسها في محجر بحجمها ومن ثم ابعد ابنها عنها.

يقومون بجمع المال من الاتباع تحت عدة مسيمات ومن يرفض يكون مصيره التعذيب والقتل ولا يحق لاي فرد منتمي لهم الانسلاخ عنهم لانه يسلم الى مجموعة تسمى القمعيين، ويؤكدون على تعليم عقائد خاصة بعيدا عن الكتاب المقدس وهو بعينه ما تمارسه الوهابية اليوم باتباع عقيدة خاصة بعيدة عن القران والسنة .

ومن جرائمهم مثلا تحريض شخص من اتباعهم اسمه جونز على ارتكاب جريمة راح ضحيتها 900 شخصا وكان يشعر بالنشوة (حروب العقل/166)

جونز هذا له معرفة في علم اللاهوت ولديه قدرة على الخطابة والاقناع بحيث انه استطاع تجنديد المئات من الاعضاء لصالح منظمته الارهابية وجعلهم يتبعونه بشكل جنوني وكانوا يخضعون للتدريب في مخيمات خاصة منعزلة ولا يسمح لهم بالاحتكاك بالاخرين ومنحهم الامتيازات المالية والجنسية ومن ثم ينفذون اي عملية ارهابية تطلب منهم، فقد حاول احد الاتباع الانفصال فحكم عليه بالموت على ان ينفذ القتل ابنه لانه ايضا من اتباع جونز وبالفعل قتل اباه

ومن اساليبهم في استخدام الدين والعقوبة الالهية بان النفس مليئة بالذنوب وستلاقي عذاب الرب ان لم تسارع بالتوبة، والتوبة هي اتباع اسيادهم في تنفيذ اوامرهم فيشعرون بالذنب بانهم اسخطوا الله بذنوبهم فتستجيب عقولهم لهؤلاء وتنفذ اوامرهم مهما كانت ارهابية بغية الحصول على رضا الرب والفوز بالجنة (اليست افكار الوهابية وداعش بعينها)

فرقة ابواب السماء الدينية (مسيحية) منظمة ارهابية لاتعلم بها سلطات كاليفورنيا اكتشفوها سنة 1997 عندما اكتشفوا 39 جثة لاعضاء هذه المنظمة التي يديرها مارشال ابيلوايت ومعه امرا تدعى بوني نيتلز، هذه المنظمة تدعي بانهم اذا ضحوا بحياتهم سيركبون سفينة توصلهم الى مذنب هالي، فيمتثلون لاوامر المارشال بتناول عقار الفيتوبربيتيال(دواء مهدئ) مع صلصة التفاح وغسله بمسكر روسي ومن ثم وضع اكياس بلاستيكية على رؤوسهم بغية خنق انفسهم (اليست هذه الجريمة على غرار وسائل القتل عند داعش؟)

هنالك طوائف دينية مسيحية تؤمن بالعنف وتعمل عليه، مثلا ديفيد كوريش الذي يرى نفسه نبي مرسل، بسبب خلاف مع احد مسؤوليه قتل اكثرمن سبعين شخصا، انضم كوريش الى فرقة الارهاب دافيد بانز سنة 1982 وتدرج بالعمل الارهابي، الموسيقارشارلز ميلز كان يتمتع بقتل اتباعه وكانت طفولته اجرامية واستغل الدين المسيحي ليحقق غرائزه الاجرامية

احدى المنظمات التي تحمل اسم طائفة مسيحية من تعاليمها ان الرجال لهم الحق بالتبشير فقط واما النساء فعملهن في البيت للصلاة والجنس للتكاثر، كل هذا في امريكا ولا شك فيه ان للمخابرات الامريكية دور في ذلك، احد اتباعهم الذي انفصل عنهم قال انهم يعبدون الانسان اكثر مما يعبدون الله، فالقداسة تحيط بالزعيم وله الحق ان يفعل ما يشاء وكانوا يكثرون من الوعظ والصلاة ودفع الاموال وممارسة الجنس فيما بينهم ومن ينسلخ عنهم مصيره ابعاد ابنه او اهله عنه ومن ثم التصفية .

هذه الاعمال ذكرتها اما التي لم اذكرها فالاعمال الارهابية التي اقدمت عليها داعش والقاعدة هي بعينها التي حصلت من قبل هذه الجماعات الارهابية المسيحية بحيث اصبحت هي المدرسة التي خرجت لما المنظمات الارهابية (التي تدعي الاسلام)

 

سامي جواد كاظم

 

رشيد مصباحوأخيرا حسم الكونجرس أمره، والذي "ضلّ حاله يشكو الهُزال" طيلة عامين بسبب تعنّت (ترامب)، الملياردير "الأرعن" الذي جاء من الكازينوهات ليسطو على المؤسّسة الشّرعيّة، لقد سلب من أعضائه المنتخبين كل الصّلاحيات تقريبا، بما في ذلك السيّاسة الخارجيّة . وبينما أنا جالس أمام الشّاشة، أتابع ما يجري داخل المبنى الكبير "الكابيتول".. وإذ بابنتي الصّغرى، صعبة المِراس، العنيدة، تقطع عنّي شغف المتابعة: "هل تعلم بابا انقرض (البيما)" ابتي هذه تحب القطط ولو كان بيدها لملأت كل الغرف الموجودة لدينا بها .

و"البيما" هذا هو "الكوجر" أو أسد الجبال - كما يحلو للبعض تسميّته -، وهو من فصيلة السنّوريات التي تعيش في جبال أمريكا، تقول إنّه تعرّض للانقراض بسبب الحرائق التي نشبت في أمريكا مؤخّرا؛

تلك النّيران التي أتت على الأخضر واليابس والتهمت كل كاليفورنيا تقريبا، بجبالها وسهولها وعمرانها، وكانت سببًا في نفوق الكثير من الأحياء والحيوانات . ويتمنّى كل مظلوم في العالم يتمنّى فقط لو تزحف هذه النيران لتحرق من في  البيت الأبيض . أغلب الأمريكيين أصابهم الذّهول حين رأوا ألسنة النّيران تلتهم حدائقهم الغُنّ وتتطّلع على جدران بيوتهم الفارهة، المصنوعة من الخشب . لم تستطع الحكومة بما لديها من أسباب أن تقضي على "المارد"، و تضع  حدّا لهذا الغضب " الإلهي " . بسبب جذوة أو شرارة صغيرة أمريكا العظمى تحترق أو " الزانيّة العظيمة "، هكذا ورد ذكرها في الأسفار القديمة . في الأخير انطفأت الجذوة لكن الغضب الحقيقي لا يزال قائما : - ورد ذكر "رجسة الخراب" في  النّبؤات التي تتحدّث عن نيزك بحجم مدينة من المدن الأمريكيّة سيسقط على " الزّانيّة العظيمة " . إذا ما صدقت هذه النّبؤة فكيف سيكون حجم الدّمار؟ا

هل ستتغيّر قوانين العالم . وعندما تكون الكارثة وراء فناء  أعظم قوّة في تاريخ البشر؟ا عندها سيكون للأمّة المهزومة شأن آخر بلا شك .

بغضّ النّظر عن مدى صحّة هذه النّبؤات وصدقها، فإن كل التكهّنات و الرؤى تشير إلى احتماليّة انهيّار الحضارة الغربيّة وعلى رأسها الولايات المتّحدة الامريكيّة " الزّانيّة العظمى " . وقد شبّه خبراء عالم السيّاسة والأقتصاد الحضارة الغربية بدرّاجة  يسيّرها النّمو الاقتصادي وتحمل من فوقها جميع القيّم، وإذا تباطأت عجلاتها أو توقّفت، فإن ذلك سيؤدّي حتمًا إلى سقوط كل القيّم، بما في ذلك الحرّية والتسامح ومعهما الأمن والاستقرار . وما الانتفاضات الأخيرة في بعض المدن الأوروبيّة، والتي يقوم بها من حين لآخر أصحاب السترات الصّفراء، إلاّ مقدّمة و بداية للإنهيار الكبير المحتمل .

كما أنّ كل المؤشّرات تدلّ على أن العالم مقبل على حرب كونيّة قد تقضي على معالم الحياة فوق الأرض، لكنّها حتمًا ستقضي على مظاهر الظّلم والفساد وتحدّ من الفوارق الاجتماعيّة الجائرة .

إذا ما صحّت  مقولة إنّ " في التاريخ لا توجد أحداث جديدة . يختلف المكان والزمان والأشخاص والحدث هو الحدث " ومعنى ذلك إنّ  : " التّاريخ يُعيد نفسه " كما نُسب ذلك للعلاّمة (ابن خلدون)، فإنّ أهم حادثتين سبقت الحرب العالمية الأولى هما  :

- اغتيال  ولي عهد النمسا الأرشيدوق (فرانز فرديناند) الذي لم يكن محبوبا بسبب تصرّفاته الطّائشة وكان متهوّرًا سليط اللّسان حتّى قال عنه كثيرون إنّه مجنون، الأمر الذي أدى إلى اغتياله ربما .

- وأمّا الثّاني : وهو اغتيال الصّحفي الكبير (جان جوراس) الذي كان يناضل ضد نشوب الحرب ومن أجل الأمن والسّلام .

ما جرى البارحة بين أعضاء الكونجرس الذين قاموا بتوجيه خطاب شديد اللّهجة إلى (ترامب)، ليس فقط بسبب تستّره على ولي العهد السّعودي المتورّط في جريمة القتل البشعة، ولا لإشراكه للقوّات الأمريكيّة في حرب اليمن الشّنيعة، ولا لفضائحه الجنسيّة مع بطلات الجمال الإياحيات، ولا لعلاقاته المشبوهة مع الرّوس … ليس بسبب هذا كله، ولكن تمهيدا لسحب الثّقة منه نهائيًّا .

قد يتمّ تطهير البيت الأبيض من  (ترامب)، ومع وصول نواب الكونجرس والبرلمان الجدد . كما قد يتمّ اغتياله وفقًا لنبؤات جديدة قديمة و تجسيدًا لما جاء في فيلم (سيمبسون الحزين) الكرتوني . وقد اُغتيل قبله : (ابراهام لينكولن) و(جيمس جارفيلد) . كما تعرّض كل من : (فرانكلين روزفيلت) و(جون ف.كينيدي) و(رونالد ريغن) الذين نجوا بأعجوبة من محاولات الاغتيال . و بسقوط (ترامب) سيرفع الغطاء عن الأسرة الحاكمة في المملكة السّعودية، و سيشتدّ الخلاف بين الأمراء بموت العاهل السعودي، وينتهي كل شيء بمصرع ابنه ولي العهد الحالي، وبذلك تُطوى آخر صفحة من تاريخ (آل سعود)، و بسقوط العائلة الحاكمة تكون النبؤة قد تحقّقت قبل عودة الخلافة .

 

مصباح (فوزي) رشيد      

أديب وكاتب

 

لطيف عبد سالمتعمد بعض دول العالم إلى اعتماد سياسة خاصة تقوم آلياتها على إدخال سلعة في تجارة دولة أخرى بِسعر تصدير يقل عن قيمتها المفترضة فِي مبيعات التجارة الدولية؛ بغية إلحاق الضرر بصناعة الدولة المستوردة. وليس خافيًا أنَّ الدولةَ التي تركن إلى تبني هذه السياسة، تستهدف من خلالها تحقيق النجاح في مهمة إزالة المنتجات الوطنية المناظرة لمثيلاتها - المستوردة - من دائرة المنافسة في السوق المحلي. كذلك تسعى هذه السياسة التي يشار إليها في الأدبيات الاقتصادية باسم "الإغراق السلعي أو التجاري" إلى استهداف صناعة محلية بتأخير ظهورها؛ جراء وجود واردات من السلعة ذاتها بأسعار الإغراق المنخفضة جدًا، والتي ربما لا تسد قيمة كلفة تصنيع تلك السلعة أو تكاليف نقلها أحيانًا.

بالاستناد إلى الباحثين والمتخصصين في الشأن الاقتصادي، يستخدم اصطلاح الإغراق السلعي أو التجاري للدلالة على الحالات التي تقوم فيها دولة مصدرة بدعم منتج محدد يتم تصديره إلى دولة أو دول أخرى، بحيث يتم بيع المنتج في الدول المصدر إليها بسعر شراء أقل من سعر بيع ذلك المنتج في أسواق دولة المنشأ، أو طرحه بسعر يقل عن سعر بيعه في أسواق الدول الأجنبية الأخرى، أو بيعه بسعر يقل عن تكاليف إنتاجه؛ لأجل إلحاق الضرر بالصناعة المحلية للدول المستوردة والمستهدفة في الوقت ذاته، ولاسيما في حال وجود منتج محلي في الدولة المستوردة مماثل للمنتج المستورد الذي يجري اعتماده في السياسة المذكورة آنفًا بسبب تزايد رغبة المستورين في اللجوء إلى خيار استيراد المنتج الذى يتم بيعه بأسعار منخفضة عن أسعار بيعه في دولة المنشأ ذاتها؛ سعيًا في تحقيق أرباح عالية في زمن قصير جدًا.

من المناسب الإشارة هنا إلى أنَّ الاغراق كمصطلح اقتصادي - تجاري، يعود تاريخ ظهوره إلى أيام حرب الاستقلال الأميركية، حيث شرعت إدارات المصانع الإنجليزية في ممارسة عملية الاغراق من أجل إعاقة نمو الصناعات الوليدة في مستعمرتها القديمة " أميركا ". وهو الأمر الذي فرض على الخزانة الأميركية التصريح - حينذاك - بأن هذا السبيل يُعَدّ من أهم العقبات التي تحول دون نمو الاقتصاد الاميركي بعد أن بلغت ممارسة المصانع الإنجليزية لنهج الاغراق حدًا كبيرا، كان من نتائجه المباشرة الإضرار بالمنتجات التي يجري تصنيعها في الولايات المتحدة الأميركية. ولعل المفارقة الكبيرة والصادمة أن تشرع الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الاوروبي في انتهاج ذات السياسة الاقتصادية - التي استخدمها الإنجليز - في محاربة الدول النامية؛ سعيًا في فرض سياسة الهيمنة والإضرار بالاقتصادات الوطنية لتلك الدول.

يمكن القول إنَّ الإغراقَ أصبح يشكل في عالم اليوم ظاهرة عالمية، حيث جرى بحسب المتخصصين تسجيل ما يقرب من (400) ألف حالة إغراق سلعي في العالم، وكدليل على ذلك قيام الاتحاد الأوروبي بفرض رسوم إغراق على الألواح الشمسية المستوردة من جمهورية الصين، بالإضافة إلى إعلان الحكومية الصينية فرض رسوم إغراق على الألياف البصرية " الضوئية " التي تورد إليها من الولايات المتحدة الأمريكية.

 

لطيف عبد سالم 

 

طارق طارقفي الجبال العالية وداخل الغابات الكثيفة كانت المعارك الطاحنة تدور بين الثوار الكوبيين بقيادة كاسترو وجيفارا وجيش الدكتاتور باتيستا المدعوم بالطائرات الحربية المزودة بالقنابل والصواريخ . فلم يكن هناك متسع من الوقت للثوار ليحلقوا لِحاهم، وعندما وصلت طلائعهم لهافانا وسقط الدكتاتور قال كاسترو لرفاقه : سنحتفظ بمظهرنا (اللحية والزي العسكري) حتى نحقق للشعب الكوبي كل ما وعدناه به .

 حقق الثوار الكثير من المنجزات الرائــعة، وأصبح جيفارا وزيرا للصناعة، يعمل في مكتبه الصغير المتواضع لاكثر من 18 ساعة في اليوم . يفكر ويخطط لتحديث صناعة السكر وهي من اخطر الصناعات في كوبا ، وينزل الى المصانع مشاركا للعمال في عملهم ... ولم يكن لديه حمايات وموظفين كسالى وموظفات من ذوات الارداف الكبيرة ، انما كانت زوجته هي من تساعده في عمله الشاق تحقيقا للوعد الذي قطعه ورفاقه . مات كاسترو وقُتِلَ جيفارا ولم يحلقا لحاهم ، لأنهما اعتقدا بأن كل ما تحقق لم يكن بمستوى الطموح .

هذا هو الفرق بيــن لحيــة جيفارا وكاسترو وبين لحى إسلاميي السلطة في العراق . بعدما جاءوا تحت حماية القوات الاميركية دون ان يكون لهم اي دور في اسقاط الطاغيــــة . انما كانوا في بلاد الغرب يقفون في طوابير الاعانات الاجتماعية مع العاطلين والحوامل والفقراء كي يحصلوا على حصة تموينية او بعض المال . وما ان استتب لهم الامر حتى كشروا عن انيابهم وانخرطوا في سرقة المال العام وتدمير البلاد بكل الوسائل . فقد كانت السلطة هي طموحهم وغايتهم ونهايـــة المطاف ، ليعيشوا حياة الابهة والعظمة والرفاهيـــة ، ويضربوا بالمبادىء التي بشروا بها عرض الحائط . اعجبتهم السلطة كثيرا ، ومنحتهم بعض الامتلاء النفسي ، فاغلقوا ابواب مكاتبهم الفارهة ، وتستروا خلف حماياتهم المدججين بالسلاح وتركوا الناس بلا حول ولا قــــوة يعانون وطأة الفساد والارهاب .

قبل رحيله لمواصلة الكفاح المسلح وتخليه عن مناصبه الرسمية كتب جيفارا لرفيقه كاسترو رسالة مطولة ورد فيها : انني لم اترك اي شيء يتعيش منه اطفالي وزوجتي ، وهذا لا يثير الحزن في نفسي ، بل انني مسرور بذلك ، انني لا اطلب لهم اي شيء لان الدولة ستقدم لهم ما يكفيهم ليواصلوا العيش وليحصلوا على قدر من التعليم . كم هو الفرق شاسع بين لحيـــة جيفارا ولحى اسلاميي السلطة .

 

طارق طارق