أقلام حرة

مَـنْ يدعم المبدعين؟!.. ياسر الأعسم انموذجاً

hiba alzoubaidiفي دول الغرب الكافر يقيّـمون الناجح ويكرمونَ المُـبدع دعماً وتشجيعاً لهُ وفي أوطانِـنا العربية يُـحارب الناجحون ويُـقصى المبدعون وحينَ يتم تكريمهم خارج أوطانهم فأنَّ المفارقة الرهيبة  تكمن في الأوساط الثقافية التي يُـصيبُـها الخرس والصمم وتلتزم الصمت ولها في ذلك عادات قديمة منها تكريم المبدعين بعدَ أنْ يموتوا ويُـغادروا عالمنا ولا يعود لتكريمهم هذا أيةُ قيمةٍ تُـذكر لنحتفي بهم أمواتاً بدلاً من الاحتفاء بهم أحياءً يالَـنا من شعوبٍ جاحدة تبخس المبدعينَ حقوقهم وتسكت عن مجانبة الحق والصواب والمنطق!!

 "ياسر الأعسم" من الأسماء التي تتبادر حالاً الى الذهن حينما نتحدث عن المبدعين الشباب والذي سأحدّثكم عنه في هذا المقال، هو علامة فارقة على خُـطى الفن العراقي وفي مجال صناعة الفيلم تحديداً، مخرجاً رائعاً وواعداً وهذا ليسَ بجديد على شباب العراق المُثقّف الواعي الذي يروم الوصول الى مستوى الكمال الفني والثقافي والفكري. حصل فيلمهِ الأول "إيل" “Eil” على أربع جوائز هي: أفضل فيلم وأفضل مونتاج من مهرجان تهارقا الدولي في السودان .. أفضل مونتاج من مهرجان السماوة الدولي .. أفضل مونتاج من مهرجان جامعة بابل السينمائي كما و شاركَ في مهرجان السينما في السودان في الدورة الثانية من مهرجان الخرطوم للفيلم العربي - اغسطس 2016، إما فيلمه "غليان" "”Boiling الذي شارك في عدّة مهرجانات عالمية وعربية منهاLos Angeles Cinefest  في أمريكا، مهرجان move me productionفي بلجيكا، مهرجان تطاوين في المغرب ومهرجان الخرطوم في السودان كما وشارك مشاركات عراقية عديدة منها مهرجان القمرة السينمائي الدولي الثاني في البصرة، مهرجان بابل للفنون والثقافات العالمية ومهرجان السماوة الدولي الخامس فاز أخيراً بجائزة أفضل فلم تجريبي قصير جداً في مهرجان best short fest 2017 في كندا- اونتاريو. ياسر لم يعشق السينما فحسب بل جرى حبها في دمه، عشقها فأبدع فيها، هو مخرج وسيناريست ومنتج ، ولد في العراق / محافظة بابل عام 1993 وهو أحد خريجي كلية الفنون الجميلة المبدعين - جامعة بابل – قسم  السمعية والبصرية، حالياً يدرس ماجستير سينما في مصر، حريصُ على البدء في العيش كمخرج محترف وكاتب سيناريو ناجح، ويبحثُ عن فرصٍ لتحسين الفطنة الفنية والمهنية وتعزيز مهاراته وخبرته من خلال العمل على مستوى عالي في الشركات العالمية مع مدراء ذوي سمعة عالية وصُـنّـاع سينما محترفين فهو لا زال يبحث عن فرصته معهم، حريصٌ أيضاً على مواجهة التحديات والمهام التي تقع على عاتقه بشكل أفضل من خلال الأفكار المُـبتكرة في مجال عملِـهِ. إنَّ عنصر الجمالية من أهم عناصر أفلام المخرج الأعسم ولها نفس مكانة فكرة الفيلم ورؤيتِـهِ كما أنَّ ثيمة أعماله هي الأفلام الروائية القصيرة التجريبية والتي فيها لمسة شعرية تعمل على تجميل الواقع والدمار والخراب الموجودين، أي أنَّ الصورة هي التي تتكلم في أعماله وهذهِ الاعمال لها جمهورها الخاص.

باعَ ياسر كاميرته الشخصية سلاحَـه الرئيس كمخرج ومنتج ووقف يُـقاتل أعزلاً من دونِ سلاح ومع ذلكَ أبدع وحفر في صخر العصامية لينقش اسمه ونجاحاته المتتالية وعلى حدِّ قوله "عندما تبيع كاميرتك الشخصية التي تعتبر سلاحك وهويتك وجزء لا يتجزّء من ذاتِـكَ وأنت في خضم هذا المجال لكي تنتج فيلمك، أعتقد بأنَّ هذهِ الحادثة لوحدها فيلم !"؛ ياسر يُعوّل عليهِ الكثير من الأمل والنجاح والحصاد المُستمر للجوائز لأنهُ مملوء بالأمل والطموح والمثابرة والعزيمة والاصرار على أنْ يشع نور الحقيقة ليقشع ظلام الواقع الغارق في فوضى عارمة ولا خلّاقة في الفن والفكر والثقافة والابداع.

سعادة ياسر بهذا الانجاز يخالطها شعور بالحزن والأسى بسبب الاهمال الذي تعرّضَ له في بلدهُ العراق الذي لم يذكر خبر فوزِهِ أو يُـسلّـط الضوء عليه عن طريق التلفزيون أو الاذاعة ولم تحتفِ بهِ مؤسسة ثقافية أو فنية ولا حتى جامعته حالهُ في ذلك حال بقية الشباب المُـبدعين، فالجائزة لا تحمل اسم الفائز بها فقط بل تحمل اسم العراق كذلك مما يستوجب التنويه والاحتفاء، لكنَّ حالَهُ كحالِ باقي الشباب السينمائي الذينَ يُـريدونَ أنْ يعرف الجميع أنَّ في العراق فناً وليس حرباً وقتلاً فحسب مهملون ووحيدونَ جداً على حد تعبيرهِ على الرغم من قدراتهم الذاتية والابداعية الكبيرة، وعملهم بأمكانيات متواضعة جداً لعدم وجود دعم من اية جهة رسمية ، فلو كانَ هذا الفوز لأحد الأحزاب الفاشلة لأقاموا الدُنيا ولم يقعدوها لكنَّ شبابنا الطموح والمستقل مهمل ومهمش عن سبق قصد واصرار.

أعماله السينمائية:

1- فيلم "إيل" مدته ٣:٤٥ دقيقة، سيناريو واخراج وادارة تصوير: ياسر الاعسم، فكرة العمل و مساعدة اخراج: مخلد الجبوري، تمثيل: الطفل عباس محمد، مونتاج وكرافيك: نابليون الحريري، اضاءة: سامر حكيم ومهند منقذ.

إما فكرة الفيلم فهي

" فكرة ذات مغزى رمزي، حيث تدين الطفولة ما يحدث في العالم العربي من الاختلالات والفوضى وعدم احترام لحقوق الإنسان نتيجة الحروب ومخلفاتها حيث تكون الطفولة من اكبر الضحايا والاكثر تأثراً بها".

2-  فيلم "غليان" مدته ثلاث دقائق وهو من اخراجه وانتاجه الخاص، سيناريو: عقيل خريف، مدير التصوير: حسن كريم، تمثيل: شذى العراقية، مساعد مخرج: سامر حكيم، مخرج منفذ: أحمد مثنى، كاميرا طيارة: سرمد بليبل، صوت: مهند منقذ اضاءة: حسن كريم .

اما قصة الفيلم فهي:

"تحت ظل الغيم توجد امرأة تحاول جاهدة ان تنتزع دياجير الحال، لتخرج بثورة من رحم الظلام، من رحم الحروب لتواجه الكون وغليانه بكل السبل المتاحة".

يطرح ياسر الكثير من الحالات الاجتماعية في هذا الفيلم من وجهة نظره الشخصية وبجرأة كبيرة ورمزية سينمائية تمتاز بالاحترافية العالية, حيثُ يُـلقي الضوء في فيلمه على وضع المرأة في مجتمعاتٍ ذكورية عنيفة وقاسية لا يعترف بالمرأة ككيان له قوته وقدراته الخاصة ولا بدورها الهام في إنشاء هذهِ المجتمعات وعلى صراعها وثورتها في مجاراتها لهذا العالم المجنون. فيُـظهر للجميع غليان المرأة العراقية، حبَّـها، انتفاضتُـها والدفاع عن مبادئها بشتّـى الوسائل والطُرق, وبشكل استثنائي وملفت للنظر فكانت قوتها أكثر مما يتخيل الجميع.

المخرجونَ الشباب أصحاب طموحات وأحلام كبيرة وياسر إنموذجاً منهم تواجههم الكثير من الصعاب في تحقيق طموحاتهم وشق طريق النجاح الوعرة وعلى رأسها صعوبة الانتاج وتوفير الدعم المادي الذي يحاولونَ تذليلها بجهودهم الذاتية والتعاون فيما بينهم كونهم أصحاب ذوات مبدعة عاشقة لجوهر رسالتها الفنية ولديهم أفكار نوعية خلّاقة ترنو الى تجسيد عشقها للعمل السينمائي من خلال صناعة أفلام متكاملة قدر المستطاع وبجهود حثيثة ترفع اسم العراق وتؤكد وجوده الفاعل على الساحة الفنية الرصينة رغم الحروب والموت فهنالكَ دائماً بصيص أمل وجمال يشع نوره وسط عتمة الطلام فالحياة مستمرة والمبدعونَ موجودونَ ومستمرونَ بالعطاء.

جديرٌ بالذكر أنَّ لدى ياسر فيلم قصير قادم لكنه مؤجل حالياً كونهُ يخوض المرحلة الاخيرة من دراسة الماجستير. وسيكون مستقلاً كذلك ومن انتاجهُ الخاص كباقي أفلامه لأنَّـهُ لن يكون إلّا حُـراً ويُـحلق بحلمه بمفرده كما تعوّدَ على ذلك دائماً، كما سيباشر الأعسم بأعطاء محاضرات في كلية الفنون الجميلة / قسم المسرح فرع السمعية والمرئية إعتباراً من يوم غد.

ياسر الاعسم سيبقى غليانأً لا يهدأ حتى يحقق آماله وطموحاته حيثُ لا داعم يُـخفف من مُـعاناة الاهمال وعدم الشعور بالمسؤولية في رعاية الابداع والمبدعين.

يقول أحمد زويل "الغرب ليسوا عباقرة ونحنُ لسنا أغبياء، كُـل ما في الأمر أنَّـهُـم يدعمونَ الفاشل حتى ينجح ونحنُ نُـحارب الناجح حتى يفشل"

تلكَ هي أوطان الحقد العربي!!

 

هبة الزبيدي

 

 

تعليقات (3)

الف الف مبروك وتهانينا فعلا ياسر الاعسم من المبدعين

 
  1. هبة الزبيدي

كُـل الشكر أستاذ حيدر نيابةً عن ياسر وشكراً لاطلاعكَ على المقال
نحاول اضاءة شمعة في طريق انصاف المبدعين فهذا خيرٌ لنا ولهم من أنْ نلعن الظلام عسى أنْ نُـسهم في لفت الانظار اليهم أو جلب الدعم لهمهبة .

 
  1. هبة الزبيدي

شكراً جزيلاً أستاذ حيدر نيابة عن ياسر وشكراً لقراءتِـكَ المقال
نحاول اضاءة شمعة في طريق انصاف المبدعين فهذا خيرٌ لنا ولهم من أنْ نلعن الظلام عسى ولعلَّ أنْ تلتفت لهُـم جهةً ما بالدعم والاهتمام.

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4110 المصادف: 2017-12-06 12:56:22