المثقف - أقلام حرة

قلة ضحايا العدوان.. هل هي نتيجة إنسانية التحالف ام خيبتهم؟

صائب خليلحين اشتد الهجوم الإعلامي على المالكي لخسارته للموصل، أطلق أحد الأصدقاء شديدي الحماس له رداً غريباً وهو: أن المالكي كان بخسارته تلك يشبه النبي محمد حين خسر معركة أحد! هذا الدفاع الغريب، الذي قد يرضي أمثال الصديق، من المتحمسين مسبقا للمالكي والباحثين عن أية حجة للدفاع عنه، لكنه لا يثير الا الابتسام عند غيرهم. فخسارة المعارك لم تكن من خصوصيات النبي المميزة له. تذكرت ذلك وانا استمع إلى المدافعين عن أميركا وتصويرهم الفشل في تحقيق اية نتائج، على انه موقف "إنساني" وأن الهدف كان تدمير قدرة "النظام" على قتل الأطفال بالأسلحة الكيمياوية، وحرص على حياة الأبرياء وليس فشلاً. كذلك حولوا وجهة التساؤلات على الجانب الروسي الذي بدا وكأنه ترك حلفاءه بدون حماية ولم يقم بأي رد فعل.

الرد على ادعاء "النوايا الإنسانية" بسيط جداً، وهو ان نراجع ما حاولت اميركا وذيليها المخلصين ضربه بالفعل وإن كان موجها فقط للأبنية الخالية من البشر أم لا:

المطار الدولي بـ4 صواريخ أسقطت جميعها.

مطار ضمير العسكري بـ12 صاروخا، أسقطت جميعها.

مطار بلي العسكري جنوب شرقي دمشق بـ18 صاروخا أسقطت جميعها.

مطار شعيرات العسكري بـ12 صاروخا أسقطت جميعها.

مطار المزة 9 صواريخ تم إسقاط 5 منها.

مطار حمص بـ16 صاروخا تم تدمير 13 منها دون أضرار جدية في الموقع.

كما تعرضت منطقتا برزة وجمرايا للقصف بـ30 صاروخا تم إسقاط 7 منها.(1)

وكما نلاحظ من القائمة، فأن جميع الصواريخ التي أطلقت على معظم المطارات قد اسقطت جميعا، وبالتالي

1- لم تكن الضربة موجهة بشكل متعمد لتجنب اسقاط الضحايا البشرية.. و

2- انها لم تكن حتى موجهة بشكل رئيس نحو مراكز تصنيع الأسلحة الكيمياوية المزعومة، بل كان للمطارات حصة الأسد في الاستهدافات.

إنما ذلك الجزء فشل بشكل شبه تام، فتم تصوير الأمر وكأن ما تم تحقيقه من ضربات هو ما كانت اميركا تهدف اليه بالفعل، حيث صرحت بأن جميع صواريخها قد اصابت أهدافها! على هذا الأساس، كان بإمكان نائب الرئيس بنس أن يعلن إن العملية حققت "نجاحا فوق العادة"، وان يكرر ترمب عبارة سلفه بوش الصغير: "المهمة أنجزت".

لكن ما يجري على الساحة لا يؤكد هذا التفاؤل، فإسرائيل غاضبة والإعلام الأمريكي يتهامس. فكتب أحد الصحفيين الأمريكان: "من الواضح ان أميركا وحليفاها قد “عووا”، لكن العضة لم تتم".

والحقيقة ان من قرأ من التاريخ شيئا، قد يجد صعوبة في منع نفسه من الضحك على الادعاء بأن الأمريكان حرصوا على تجنب اسقاط الضحايا الأبرياء. فرغم أن ترمب لم يقم بعد بأية حرب كبرى، إلا ان طبيعته وتصريحاته البالغة العدوانية، مثل ابتزازاته غير المسبوقة لأصدقاء أميركا، ودعوته الصريحة لمحاصرة حقول النفط العراقية والاستيلاء عليها، تشي بأننا أمام أكثر شخصية وحشية في تاريخ أميركا، وتاريخ من يقود الولايات المتحدة ابعد ما يكون عن السلام.

فبالأمس القريب فقط حرص هؤلاء على اختيار ساعة الصباح التي يخرج فيها الأطفال إلى مدارسهم وذويهم إلى أعمالهم في هيروشيما، ليلقوا باختراعهم الجهنمي عليهم! وبالأمس فقط كانوا يقصفون فيتنام والبلدان المجاورة الشديدة الفقر قصفاً سجاديا بالنابالم الحارق، ويحرقون الزرع ويسممون الأرض بالعامل البرتقالي. بالأمس فقط كانت ممثلة هذه الدولة في الأمم المتحدة تعلن صراحة ان حكومتها تجد أن قتل نصف مليون طفل عراقي جوعا وبنقص الأدوية، ثمناً معقولاً لتحقيق أهداف أميركا!

يمكننا أيضا ان نذكر "إنسانية" الفرنسيين في الجزائر، ونذكر "إنسانية" البريطانيين في الدفاع عن “الحق” باستعمال الأسلحة الكيمياوية لتلقى على “الشعوب المتخلفة” من الطائرات، من قبل البطل القومي تشرشل. ونذكر أيضا من باع صدام الكيمياوي ومن قام بحمايته من قرار اممي بإدانته.

بعيدا عن خرافات الإنسانية الأمريكية والبريطانية والفرنسية، ما الذي حققته تلك الغارة؟ لقد عرض التلفزيون السوري والروسي الصحفيين يتجولون بين خرائب الأبنية المهدمة ويتنشقون هواءها ويؤكدون انها خالية تماما من اية كيميائيات سامة، تماما كما فعل زملاؤهم في السودان قبل ربع قرن حين ضرب كلينتون مصنعا للأدوية فيها بنفس الحجة المفضوحة.

ويمكننا ان نضيف الى الخسائر الأمريكية وحليفيهما، المزيد من الهبوط في نظر العالم كدول مارقة تستخدم قوتها ومكانها في مجلس الأمن لارتكاب الجرائم، واستعمال القوة خارج القانون الدولي. فوثيقة الأمم المتحدة تجيز استخدام القوة لحل النزاعات في حالتين فقط: الدفاع عن النفس، او بقرار من مجلس الأمن. لكن كيف تتحدث بالقانون مع دولة تختتم ممثلتها في المجلس كلمتها بالقول بأنها تنوي مسبقا مخالفة قرارات المجلس إن لم تكن متوافقة معها؟ في التصويت على مشروع قرار لإدانة العدوان في مجلس الأمن (تم رفضه) قال ممثل روسيا ان العدوان تم "بدون التأكد حتى من وجود ضربة كيمياوية، دع عنك ان تكون تلك الضربة قد أطلقت من قوات الرئيس الأسد". وقال ممثل بوليفيا: "لا تستطيع ان تحارب انتهاك القانون الدولي عن طريق انتهاك للقانون الدولي".

ونقرأ في مكان آخر أن المعارضة شعرت بأن الرئيس الأسد زاد من شعبيته جراء تلك الضربة. وهذا ليس صحيحاُ فقط على مستوى التأييد المعتاد من الجهات المؤيدة، بل امتد خارجها فقد استنكرت كل من منظمة التحرير الفلسطينية وحماس ذلك العدوان رغم مواقفهما السابقة المعادية للأسد.(2)

وأخيراً أنا أكتب هذه السطور سمعت في الأخبار ان روسيا قررت تسليم سوريا صفقة منظومة صواريخ إس 300 التي كانت قد علقتها في الماضي بضغط من الغرب وإسرائيل. هل هذه صفقة مهمة في موازين الصراع؟ حسناً، أنها تنقل القدرة الدفاعية السورية نصف قرن إلى الأمام! ويكفي المرء ان يعرف مدى الضغط الذي وجه إلى روسيا لتعليق تلك الصفقة، ليعلم أنها لا بد ان تكون ذات تأثير مهم جداً في توازن الصراع، ليس فقط لهذه المرحلة وإنما أيضا ستجعل إسرائيل تفكر مرتين قبل أن تقوم باختراق جوي بطائراتها(3). فهل هذه هي نتائج المهمة التي سعدت أميركا، ومجموعة المطبلين لها، بانتهائها بـ "نجاح فوق العادة"؟ ام انها "خيبة" فوق العادة؟ ليس لنا سوى ان نتمنى لهم المزيد من تلك "النجاحات".

 

صائب خليل

..................

(1) الدفاعات السورية أسقطت 71 صاروخا من أصل 103

https://arabic.rt.com/middle_east/938291-

(2) U.N. Security Council Rejects Russian Resolution Condemning Syrian Strikes - The New York Times

https://www.nytimes.com/2018/04/14/world/middleeast/un-security-council-syria-airstrikes.html

(3) إسرائيل قلقة من حصول دمشق على "إس - 300" الروسية

https://arabic.rt.com/middle_east/938416-

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4241 المصادف: 2018-04-16 13:44:40