المثقف - أقلام حرة

الأتصال والتوافق بين الأخلاق والقانون

علي رسول الربيعيإن المدخل الأساس لمناقشة العلاقة بين الأخلاق والقانون يبدأ من كشف أشكال الاتصال والتوافق بين الطرفين، وماذا كانت هناك صلة وثيقة بينهما، حيث إن كثيراً ما تصاغ المبادئ الأخلاقية في قواعد قانونية، وهناك رأي شائع ينظر الى القوانين بوصفها نتاجا بشريا سواء سُنَّت هذه القوانين بواسطة المشرعين أم استمدت من العادات والتقاليد، وأن لهذه القوانين بعداً أخلاقياً، فهي أذن قوانين وضعية تسن بواسطة أعضاء المجتمع أو المؤسسات العامة.

وبالمقابل، هناك رأي يقول إن وراء القوانين الوضعية قوانين طبيعية، أو قوانين الحق الطبيعي التي تحدث عنها فلاسفة الأخلاق كثيراً؛ وهناك مبادئ قانونية لها الصلاحية والشرعية بذاتها، وهي صادقة في كل زمان ومكان وفي المجتمعات كافة، وأن هذه القوانين الطبيعية يمكن كشفها بواسطة العقل، وتعد من المحددات الأساسية في سن القوانين الوضعية، وما يشرعن هذه القوانين هو أنها إذا سنت بالتوافق مع مبادئ القوانين الطبيعية، وأن هذه القوانين تفقد صفتها الشرعية في الحق بالأمر إذا انتهكت مبدأ العدالة الطبيعي.

يماثل مبدأ القانون الطبيعي مذهب الموضوعية في الأخلاق أو موضوعية القيم الأخلاقية. فالقانون الطبيعي يأتي، هنا، كجزء من المنظور الموضوعي للأخلاق، ويهتم بالجوانب التي يتعاطى معها القانون عموماً، ومع إدارة القوانين، وسن القوانين الوضعية، وينظر إلى القانون الطبيعي بذاته أحيانا كأمر وفرض موضوعي وينظر اليه مرات أخرى كمستمد من أوامر وتعاليم دينية، والحجة التي تساق للاعتراض على القانون الطبيعي هو انه تعبير عن نظرية فلسفية ولا وجود لمبادئ وقوانين أخلاقية تمنحها الحالة الطبيعية؛ لكن مبدأ القانون الطبيعي يزود بعوائق وحواجز أمام تعسف السلطة ويبين في الوقت نفسه حاجتها الدائمة للإصلاح، فمبدأ القانون الطبيعي قناة تدخل من خلالها المضامين الأخلاقية إلى القوانين المشرعة، وكذلك الوسائل التي تفرض بها القوانين يمكن أن تتأثر قليلا أو كثيراً بالعناصر الأخلاقية والقائمة مسبقاً، وهناك تأثير أيضا للمناهج التقليدية ذات البعد الأخلاقي في تفسير القوانين.

إن الربط بين القيم الأخلاقية والقوانين يلعب دوراً مهماً في أن يضع القيم الأخلاقية في حال الممارسة بالفعل ويعطي في الوقت نفسه شرعية لآمرية القوانين وتبرير لفرضها، فالقوانين بحاجة دائمة إلى التعاليم الأخلاقية، إن القوانين المستمدة من الأخلاق المبنية على القناعة والمسوؤلية تحمل وجهاً إنسانياً وتسويغاً لفرضها، فالمبدأ الأخلاقي الكانطي ينبغي أن لا يتحول الإنسان أبدا إلى وسيلة في جملة ما يؤول أن لاتأتي القوانين لتخضع الإنسان وتجعله مجرد وسيلة في خدمة نظام أوليغاركي، وإذا كان لكل دولة أنظمتها القانونية والتشريعية الا أن هذه الأنظمة لا تحقق غايتها بالشكل المطلوب من دون توافق أخلاقي اجتماعي يعطي الحق لحياة الدولة الديمقراطية، وفي هذا السياق نجد المجتمع الدولي اليوم بحاجة إلى بنى تشريعية ذات أسس أخلاقية تتخطى الحدود القومية والثقافية والدينية.

إن فقدان المعنى والقيم والقواعد الأخلاقية يهدد قيمة القوانين وفاعلية الالتزام بها إنسانيا، ولا استمرار فاعل لمجتمع إنساني من دون قوانين مسوغة أخلاقياً؛ فالأسس العقلية والتطبيق العملي للأخلاق يعطيان بعداً الزامياً ذاتياً للقوانين، هناك ضرورة للربط بين القيم الأخلاقية والقوانين.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ/ جامعة أبيردين البريطانية

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4271 المصادف: 2018-05-16 07:21:25