المثقف - أقلام حرة

قادة التخريب السياسي

سليم الحسنيما يحدث من تطورات خاطفة في العراق بعد اعلان نتائج الانتخابات، يحكي قصة بلد تتحكم فيه فئة سياسية عاجزة عن إدارته، وفي نفس الوقت مصممة على البقاء في هذا العجز، فهو يمثل الوسط الأمثل لتحقيق طموحاتها الذاتية في المكاسب ومواقع السلطة. وقد شجعها على ذلك معظم شرائح الشعب العراقي الذي قرر الكثيرون فيه التنازل عن الإرادة والتمسك بالطاعة المقيدة الى هذا القائد وذاك، فيعطيهم الولاء المطلق، ويقنع بالجوع والمرض ونقص الخدمات.

لقد اكتشف قادة الكيانات بعد أشهر من العملية السياسية، أنهم لا يستطيعون بناء دولة، ولكن بمقدورهم بناء كياناتهم الشخصية على حسابها، وأن السبيل لذلك هو المال وحده، هذا العامل الذي يتحكم بالقرارات والمواقف والجماعات. وبذلك صارت العملية السياسية تتجه نحو هدف واحد هو محاولة كل طرف مشارك فيها أن يسرق ما يستطيع سرقته.

وأدرك القادة بغريزة التسابق وبعقلية المصلحة، أن الكفاءات هي التهديد الأول لمواقعهم، وعليه لابد من الاستعانة بذوي الشخصية المخرومة والتفكير المحدود والذوبان في الانتفاع، فهؤلاء يمكن الاعتماد عليهم والوثوق بهم، وسيكونون مخلصين للقائد، فهو يريد الاتباع للتفوق على منافسيه في معارك شخصية صرفة، والمعتاشون يريدون المنفعة الذاتية لأنفسهم، وهكذا تلاقى الطرفان في تشكيلة منسجمة تصنع كل كتلة من الكتل.

وفق هذا التفاهم السريع بين القادة وبين رجالهم الطامحين، برز أشخاص من الهامش الى الواجهة، فجندي الحماية يتحول الى محافظ بحركة واحدة. والمقاتل الذي لا يجيد إلا استخدام السلاح، ينتقل فجأة الى نائب في البرلمان، والشخص الذي كانت أعلى أمنياته أن يسافر بالطائرة يصبح وزيراً. وهاربون كانوا يخشون ان تكشف ملفاتهم الاجرامية، يتحولون الى برلمانيين ومسؤولين بحمايات تحميهم من نظرائهم بالأمس، والأشخاص الذين كانت أسعد لحظات حياتهم عندما يُدعون الى وليمة في بيت شخصية معروفة، يتحولون الى مساعدين ومقربين وأعضاء قيادات في كيان سياسي يشارك في صناعة القرارات وتشكيل الحكومة.

كنت أفكر بنشر مقالات عن هذه النماذج المذكورة، لكني أحجمت عن ذلك، وأفكر بنشرها في كتاب ليبقى للتاريخ تقرأه الأجيال القادمة لتعرف مأساة هذا البلد.

بمرور السنوات ومع كل انتخابات برلمانية تتفجر الطموحات عند المعتاشين، فقد صار بإمكان أي شخص أن ينال أي منصب، والمقياس ينحصر في قدرته على التقرب من القائد وكيفية إقناعه بأنه أفضل من غيره على السرقة، وأنه يمتلك مرونة في العمود الفقري على الانحناء حتى القدمين.

أدرك القادة أن حشود الأتباع تعشق تصديق الكذبة، وتجيد شطب الذاكرة، فراحوا يطلقون الشعارات الكبيرة، ثم تمادوا أكثر باطلاقها بعد أن وجدوا أن لا أحد يسألهم عن آليات التنفيذ وعن برنامج التخطيط وعن الفرق بين هذه الشعارات وبين سابقاتها.

ولمس القادة لمس اليد، أن كل جريمة مهما بلغت بشاعتها ومأساتها، فأن الاتباع سيتصدون لتبريرها. وأن أعظم الكوارث التي يصنعونها في البلد يمكن للأتباع تحملها والتلذذ بدموعها.

وعندما يدرك القادة ذلك، فانهم يتمادون في طموحاتهم، فيحثون الخطى لسرقة أكبر، من أجل تعزيز قواهم، ويسارعون الى الجلوس مع بعضهم البعض لمناقشة الحصص، فهم حين يجتمعون يضعون أمامهم خارطة دولة ثرية عليهم سرقتها عبر المناصب.

 

سليم الحسني

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

دكتور سليم السلام عليكم
الذي اريد ان اقوله ان الجوع والمرض ونقص الخدمات هي ليست السبب الرئيس ان تكون سببا في التنازل عن الارادة والتمسك بالطاعة العمياء المقيدة الى هذا القائد او ذاك فكثير من الشعوب تشعر بالفقر ولا تثور، ويقهرها الظلم ولا تغضب شعوب فقيرة مظلومة وحكام فاسدون مستبدون .... لكن مايغير المشهد العراقي ودفع الشعب الىى التغيير عن طريق الثورة او انتفاضة او عصيان مدني او حتى انقلاب عسكري هو حاجته الى طليعة قيادية مثقفة وفي جميع المجالات فكرية وفلسفية وعلمية هذه الطليعة هي القادرة على التغيير فبغير ذلك لايكون التغيير اما اذا مابقي احدنا ينظر ويلوم الشعب المطحون بالفقر والجوع والبطالة والامراض والامية دون ان يحرك ساكنا فعلينا ان نقرأ على ماتبقى من بلدنا السلام ..... فالثورة الفرنسية التي اندلعت عام ١٧٨٩ حتى عام ١٧٩٩ لم تكن بسب الشعور بالظلم والفقر والهزيمة ولكن ماغير المشهد الفرنسي ودفع الشعب الى الثورة هم قادة الفكر الذين التي ضمت موليير وفولتير وروسو ومونتسكيو ودريدور وغيرهم من الذين اناروا العقل الفرنسي وبشروا بقيم جديدة ترفع من قيمة الانسان من اجل اعطاء حقوق المهمشين امام قهر الظرف الاقتصادي وطغيان الملوك والكنيسية البطريركية التي كانت تمنح الجنة بالمال ... فأين هم قادة العراق اليوم امام تلك الطليعة الفكرية الفرنسية.... الى متى يبقى العراقي يكتب وينظر من وراء البحار والنار تلتهم ماتبقى من العراق

This comment was minimized by the moderator on the site

سليم الحسني
كل سنة وانت طيب ...
يبدو ان البشر تتجمع فيهم عدوى التقليد او تصدير السلوكيات
فمن ثورة تونس ظنت الشعوب نجاحها فخرجت كل الجموع يلعثون وراء الحرية والمساواة.
الحال الذى وصفته هو حال مصر هو حال سائر البلاد العربية ، تختلف فى الشكل والرسم وتتواءم تماما فى الجوهر..
تحياتى لك
ابراهيم امين مؤمن روائى خيال علمى

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4299 المصادف: 2018-06-13 13:32:33