المثقف - أقلام حرة

الحديدة - حملة “إنسانية” لتجويع شعب حتى الموت أو الاستسلام!

صائب خليلبالصدفة، شاهدت قناة العربية حين كانت السعودية تهيء للهجوم على الحديدة، وقررت ان أرى كيف يدير الخندق المعادي ماكنته الإعلامية خاصة في قضية صعبة التبرير أخلاقيا مثل الهجوم على اليمن. فلاحظت ان الإعلام يركز كثيرا على انها "حملة عسكرية إنسانية" من اجل انقاذ اهل اليمن وإيصال الغذاء لهم، وإعادة "الشرعية" التي تم اغتصابها من قبل "عصابات" الحوثي الخ.

وهنا يخطر ببالك حين تسمع بـ "الإنسانية" الخليجية التي تتفتق حسب الحاجة وفي الاتجاه المناسب دائما لأميركا، أولا وقبل كل شيء كتاب صدر لجومسكي بعنوان "النزعة الإنسانية العسكرية الجديدة" عام 1992 إثر الحرب الامريكية على يوغوسلافيا، يكشف فيها النفاق الأمريكي بشهادات قادة الغرب العسكريين والسياسيين على السواء، وكيف ان اميركا وبريطانيا وبقية حلفائهما كانوا على علم تام واكيد بأن مأساة إنسانية كبيرة سوف تنتج عن قصف يوغوسلافيا وأن كوسوفو سوف تتعرض لهجوم انتقامي شديد، لكن الغرب مضى في "انسانيته" العسكرية.

وفي ذات الوقت تقريبا صدر كتاب آخر حول نفس الموضوع لـ أندرو باسفيتش الذي يستغرب الميل الأمريكي الذي لا يقاوم لتبرير الحرب باسم النزعة الانسانية، رغم نتائجها الكارثية المتكررة في دول عديدة.

فحتى القنابل الذرية الأميركية على اليابان المستسلمة، تم تبريرها بشكل "إنساني" على أساس حسابات فرضية، بأن الحرب على اليابان كانت ستكلف ارواحاً أكثر!

ولو رجعنا نحو قرنين الى الوراء، لوجدنا امثلة تثير الضحك والبكاء معا، عن حروب اميركا "الإنسانية"، واقصد تلك التي تبرر احتلال الفليبين في أوائل القرن التاسع عشر، وكيف وصف الرئيس الأمريكي في حينها نبل المهمة المكلفة التي اضطلع بها الامريكان لـ "انقاذ" هذه الامة من جهلها وادخالها عالم الحضارة. فلم تتمخض تلك "الإنسانية" إلا عن البعض من ابشع قصص الوحشية البشرية في التاريخ.

ولو رجعنا اكثر، إلى بداية خلق اميركا وابادة الهنود الحمر التي يعرفها الجميع، لوجدنا أيضا الكثير من العواطف "الإنسانية" الساعية لإنقاذ الهنود الحمر!

التبرير "الإنساني" لحروب اميركا سهل الدحض تماما لأي شخص يكلف نفسه مراجعة التاريخ الحديث، وليس اصعب منه دحض إنسانية خدمها المطيعين من الحكومات السعودية.

وليست حجة "الشرعية" بأقل تفاهة كمبرر للعدوان السعودي، خاصة حين نرى حجم التظاهرات التي ينظمها شعب اليمن بين الحين والآخر دعماً للحوثي واستنكاراً لسعي "الإنسانيين" من اجل إعادة "الشرعية" إليه، والمتمثلة بزعيم منته الولاية.

الملاحظة الجديرة بالانتباه، أن الاتجاه الإعلامي الأمريكي، لا يبحث فقط عن حجج غير منطقية ولا يدعمها الدليل، وإنما كأنه يبحث عن الحجج التي تقلب الحقائق كلها وتعارضها كل الأدلة، فكأنما الإعلامي يبحث عن حجة هي العكس تماما من الحقيقة ليتبناها! ولا شك ان الامر ليس بأفضل في حالة العبد عنه في حالة السيد، ووحشية الأول لن تقل عن وحشية الثاني.

فقد انتشرت مؤخراً فضيحة اعتداءات جنسية على مئات السجناء في السجون التي اقامتها الإمارات في اليمن، وكانت هناك تحقيقات في حزيران الماضي عن اعمال تعذيب في تلك السجون، وقد حددت المنظمة التي تكفلت بالتحقيق، خمسة سجون على الأقل يجري فيها "التعذيب الجنسي" على السجناء، وتحدث احد الناجين للاسوشيتد بريس عن اعمال اغتصاب وتعذيب وصعق بالكهرباء بدون تهمة!(1)

الصور التي نقلت عن حوادث الاغتصاب والتعذيب واستعمال الكلاب، تذكر المرء فوراً بفضيحة التعذيب الأمريكي في أبو غريب، وكأن مرتكبيها طلاب مدرسة واحدة! أليس غريباً ان لا احد في العالم يشن الحروب من أجل "الإنسانية"، إلا الجلادون المهووسون جنسياً؟

لننظر على اية حال إلى الأهداف الممكنة للحملة على الحديدة. يقول الخبراء العسكريون ان الحديدة لا تمثل قيمة عسكرية حقيقية في الحرب، وأن احتلالها لا يجعل الحوثيين في وضع عسكري اضعف كثيرا. بل ان احتلالها يمثل اشكالا صعباً على من يحتلها من الناحية العسكرية باعتبار الطريق اليها طريق ساحلي سهلي ضيق تشرف عليه جبال يحتلها الخصم وتمتد لمسافة 150 كلم. والحديدة فوق ذلك ميناء لا يستعمل للتجهيز العسكري لأنه خاضع تماما للسيطرة الدولية التي تمرر من خلاله الأغذية والمساعدات الإنسانية التي تفتش بدقة، وتذهب الى جميع الجهات في اليمن.

فما هي الغاية "الإنسانية" التي يسعى السعوديون والإماراتيون تحقيقها من تلك الحملة العسكرية؟ ليس هناك في الحقيقة سوى "خنق" المساعدات الإنسانية التي تصل اليمنيين، لإرغامهم عن طريق الجوع، على الاستسلام! وإن عرفنا مدى الرجولة والاعتزاز الّذان يميزان اليمنيين بشكل خاص، أدركنا كم سيكون تحقيق ذلك النصر مكلفاً من أرواح الناس قبل المقاتلين، وأدركنا مدى وحشية تلك الحملة "الإنسانية"، ومدى الانحطاط الأخلاقي لمن يقوم بها ومن يدعمها!

كذلك تكشف لنا هذه الجريمة مدى تواطؤ الإعلام في تدمير وعينا بقلب الحقائق تماما. فهو يتصرف كتلك التي تكرر الحج بإفراط لشعورها بحجم الذنب الذي يحوطها. إنه يسعى بوقاحة ليقنعنا بأن الإماراتيين والسعوديين الذين لم يعرفوا "شرعية الحكم" يوماً، والساديين المتمتعين بالتعذيب، صاروا يؤجرون المرتزقة ويشترون السلاح ويخوضون الحروب من أجل تأمين "شرعية" حكم جيرانهم، تدفعهم لذلك مشاعر "إنسانية" مفرطة!

لذلك فكل إنسان مطالب خاصة في العالم العربي، أن يعي المؤامرة الإعلامية عليه اولاً، وان يقول كلمته ثانياً، وان يضغط على المسؤولين، خاصة أولئك الذين يدعمهم ويثق بهم وينتخبهم، ليوضحوا مواقفهم من تلك الجريمة. وأخص بالذكر من هؤلاء من سبق لهم في العراق مثلا، أن قاموا بزيارة الإمارات أو السعودية أو أثنوا على "تطوراتها الإيجابية في جميع المجالات"، فمنحوها دعماً اسهم بشكل غير مباشر في ارتكاب جرائمها. فأنا أجزم ان العار المتطاير من هذه الجريمة بحق الإنسانية، لن يصيب المجرمين المنفذين ومن يدعمهم فحسب، بل كذلك كل من يسكت عليها وهي تنفذ أمامه، حاله كحال من يرى جريمة اغتصاب لامرأة أمام عينيه، فلا يجرؤ على فتح فمه!

 

صائب خليل

...............

(1) «أسوشيتد برس»: إماراتيون عذبوا واغتصبوا يمنيين في سجون سرية باليمن

https://www.sasapost.com/translation/sexual-abuses-in-uae-run-prisons-in-yemen/

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4310 المصادف: 2018-06-24 01:51:25