المثقف - أقلام حرة

الى متى تظل السعودية عضوا في مجلس حقوق الإنسان؟

يعتبر مجلس حقوق الإنسان التابع لهيئة الأمم المتحدة أعلى هيئة دولية مسؤولة عن مراقبة وحماية وتعزيز حقوق الإنسان في مختلف دول العالم. وقد أنشأته الجمعية العام للأمم المتحدة في العام 2006 ليحل محل لجنة حقوق الإنسان التابعة للهيئة الأممية. ويضم المجلس في عضويته 47 دولة موزعة بحسب التقسيم الجغرافي لدول العالم، فهناك المجموعة الآسيوية وهناك الأفريقية والأوروبيتين والأمريكية. وتنخب الدول الأعضاء في الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة الدول الأعضاء في المجلس لولاية تمتد لمدة ثلاث سنوات  مع السماح بإعادة إنتخاب الدولة العضو مرة أخرى لدولاية ثانية فقط.

وقد اعتمد المجلس بعد تأسيسه حزمة بناء المؤسسات الخاصة به لتوجيه عمله و إنشاء إجراءاته وآلياته، ومن بينها آلية الإستعراض الدوري الشامل واللجنة الإستشارية التي تُستخدم باعتبارها "الهيئة الفكرية" للمجلس التي تزوده بالخبرات والمشورة بشأن قضايا حقوق الإنسان، وإجراء الشكاوى الذي يتيح للأفراد والمنظمات استرعاء انتباه المجلس إلى انتهاكات حقوق الإنسان.

ويعمل مجلس حقوق الإنسان أيضاً مع الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة  وتشتمل على مقررين خاصين وممثلين خاصين وخبراء مستقلين وأفرقة عاملة يتولون رصد  أوضاع حقوق الإنسان في بلدان محددة وبحثها وتقديم المشورة بخصوصها والإبلاغ علناً عنها وكذلك يعمل مع المفوضية الأممية السامية لحقوق الإنسان. وعادة ما تعرقل الأنظمة الدكتاتورية زيارة المقررين الخاصين الذين يسعون للأطلاع على اوضاع الحريات الأساسية في تلك البلدان مثل حرية الرأي والتعبير وحرية التجمع وتكوين الجمعيات والحرية الدينية وحقوق المراة واوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان، وتأتي في مقدمة الدول التي ترفض زيارة المقررين الأممين السعودية!

وكانت المفارقة هي في إنتخاب السعودية عام 2014عضوا في أعلى هيئة أممية معنية بتعزيز حقوق الإنسان، وقد جرى إعادة انتخابها لولاية ثانية تنتهي أواخر العام 2019. وكان من المفروض أن تستغل السعودية عضويتها في المجلس لتحسين اوضاع حقوق الإنسان في البلاد، إلا ان ماحصل هو العكس ! فقد تصاعدت حالات إعدام المعارضين في البلاد وتم إغلاق المجتمع المدني  وجرى اعتقال كافة المدافعين عن حقوق الإنسان وتم التضييق على حرية الرأي والتعبير والتجمع بشكل كبير، واستخدمت السلطات القوات العسكرية لأرتكاب جرائم ضد الإنسانية في المنطقة الشرقية من السعودية وخاصة في بلدة العوامية، ثم كانت الطامة الكبرى في الحرب العدوانية التي شنتها السعودية على جارتها اليمن منذ اكثر من ثلاث سنوات واسفرت عن سقوط آلاف الضحايا بين صفوف المدنيين ووضعت اليمن على حافة المجاعة مع تدمير بنيتهها التحتية.  ثم جاءت الأزمة مع قطر وماصاحبها من إنتهاكات لحقوق الإنسان الذي طال العديد من المواطنين القطريين بسبب الحصار الذي فرضته السعودية وحلفاؤها على الدوحة.ألا ان السعودية ظلت محتفظة بعضويتها في المجلس بالرغم من كل هذا السجل الحقوقي السيء.

 وقد مارست البعثة السعودية في مقر هيئة الأمم المتحدة القمع بحق المدافعين عن حقوق الإنسان داخل المجلس عبر مقاطعة كلماتهم وعبر اعتقال من يشارك منهم في دورات المجلس التي تعقد ثلاث مرات كل عام. ومن هؤلاء المدافعة عن حقوق الإنسان سمر بدوي زوجة المحامي المعتقل وليد أبو الخير وشقيقة المدون المعتقل أيضا رائف بدوي. حيث جرى اعتقالها بعد عودتها الى البلاد إثر مشاركتها في دورة مجلس حقوق الإنسان التي عقدت في جنيف سبتمبر من العام 2014. حيث جرى اعتقالها وبعد طلاق سراحها تم منعها من السفر ثم تم اعتقالها مرة أخرى مع مجموعة من الناشطات قبل اسابيع.

لقد استغلت السعودية عضويتها في المجلس للتغطية على إنتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان وقد وقف المجلس عاجرا عن محاسبتها او تعليق عضويتها بفضل الحماية التي تتمتع بها السعودية من الدول الكبرى التي سيّست المجلس فيما حاول بعضها تسقيط المجلس وإفراغه من محتواه بالرغم من ان توصياته غير ملزمة للدول، لكنه بات منبرا لفضح الأنظمة الدكتاتورية وحماتها الدوليين، وهو الأمر الذي دفع بالإدارة الأمريكية الحالية الى إعلان إنسحابها من عضوية المجلس هذا العام بعد أن أصبح منصة لإنتقاد إنتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها حلفاؤها في المنطقة ومن بينهم السعودية والبحرين.

واليوم فإن قضة إختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي وما رشح عن قتله داخل القنصلية السعودية في استانبول، بات عاملا ضاغطا على المجتمع الدولي للتحرك من اجل تعليق عضوية السعودية في مجلس حقوق الإنسان. فإن مثل هذه الدولة التي تتمتع بهذا السجل الأسود في  إنتهاك حقوق الإنسان، لا تستحق ان تشغل مقعدا في هيئة دولية مهمتها تعزيز حقوق الإنسان في العالم وليس تصعيد الإنتهاكات.  لكن المجتمع الدولي لم يعط مثل هذه النداءات  آذانا صاغية في الماضي واما اليوم وفي ظل هذا الموقف الدولي الشاجب لما تعرض له الخاشقجي في تركيا فإن المجتمع الدولي مطالب اليوم بالتعليق الفوري لعضوية السعودية في مجلس حقوق الإنسان  حفاطا على سمعة هذه المؤسسة الدولية، كما وان المفوضية السامية لحقوق الإنسان التي ترأسها اليوم المناضلة التشيلية ميتشيلا باشليه مطالبة بإتخاذ موقف صارم حيال مافعلته السعودية بخاشقجي والذي يتعارض مع أهم الحريات الأساسية ألا وهي حرية التعبير التي دفع خاشقجي ثمنها عبر الإخفاء القسري او القتل خارج نطاق القانون وكما وصفت ذلك منظمة العفو الدولية في احدث تقرير لها حول الحادثة. وبغير ذلك فإن جميع الدول التي توفر الحماية للسعودية في المنتديات الدولية هي شريكة لها في جرائمها وإنتهاكاتها لحقوق الإنسان وعلى تلك الدول ان تكف عن نفاقها  عبر إدانة الإنتهاكات بالبيانات وفي ذات الوقت تعزيز القدرات الأمنية والعسكرية السعودية التي ترتكب تلك الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

 

ساهر عريبي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4419 المصادف: 2018-10-11 00:14:14