1152 شفاء هاديمبدعة من مدينة الشطرة - الناصرية، عشقت الفن والجمال، ورسمت لوحات فنية معبرة عن الحياة، ذوق جميل، وأنامل أظهرت موهبتهاوقدرتها الفنية في توظيف الريشة في خدمة الإنسان، كان الإبداع والإجماع عنوانها في لوحاته التي عرضت في المعارض الشخصية التي أقامتها، كان نصيبها التكريم بالجوائز، وكتب الشكر، ولابد من الإهتمام بها للوصول بها إلى عالم الفن الراقي، إهتمام  الدولة والشعب وتشجيعها، فهذه ثروة للبلد، الذي هو من البلدان المتقدمة في الفن وأنواعه، شفاء هادي رسمت خطواته نحو طريق التقدم والإبداع، سيرة فنية حافلة بالإبداع الفني، سيرتها ولوحاتها تتحدث عنها.

- شفاء هادي ناصر فنانة تشكيلية

- التولد ذي قار /الشطرة

- التحصيل الدراسي

بكالوريس ادارة واقتصاد/بغداد

بكالوريس فنون الجميلة /بغداد

-الوظيفة الحالية: مدرسة تربية فنية

-عضو في نقابة الفنانين العراقين

-عضو في جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين

اقمت معرض شخصي الاول في مقر الوزارة بعنوان (بنات افكاري)٢٠١٩/٨/١٩.

شاركت بعدت معارض مع كبار الفنانين العراقيين والعرب داخل وخارج العراق

- لدي مشاركات عربية ودولية  منها مصر وامريكا

- حصلت على العديد من كتب الشكر والدروع وشهادات التقديرية

- اعمالي نفذتها بعدت خامات والوان منها الزيت والاكريليك واقلام الخشب

عملت لوحات الحرق على الخشب واقمت دورات تدريبية للحرق على الخشب، اتمنى لها النجاح، وهي في طريقها نحو تحقيق منجزاتها الفنية.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

 

الشخصية السياسية العراقية والحزب الشيوعي

إن إحدى القضايا المهمة بالنسبة لفهم مجرى الصراع السياسي وما آل إليه العراق الجمهوري تقوم في فهم ما يمكن دعوته بالتكوين السياسي للشخصيات التي لعبت دورا مفصليا في تاريخ الدولة العراقية ما بعد ثورة تموز عام 1958. والمقصود بذلك التكوين السياسي لعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف واحمد حسن البكر وصدام حسين وأثرهم السياسي في العراق.

فالانطباع العام المترتب على تأمل وتحليل ودراسة ونقد تاريخهم السياسي في قيادة الدولة يكشف عن أن أياً منهم لم يتسم بخيال سياسي خصب، أو مهارة سياسية لمواجهة إشكاليات العراق المختلفة. والشيئ الوحيد الذي ميز صدام حسين عنهم هو جعله للإرهاب والعنف والغدر السمة الجوهرية للفكرة السياسية. وإذا كان عبد الكريم قاسم يتحمل مسئولية أساسية في نكسة الثورة وتأسيس الجمهورية، فإن صدام حسين بحكم دمويته واستهتاره مسئول عن جرائم وكوارث كبرى حلت بالعراق. وعموما يمكننا القول، بأن كل من عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف واحمد حسن البكر وصدام حسين يتحملون وبأقدار مختلفة مسئولية تاريخية تجاه العراق وما جرى فيه بما في ذلك لحد الآن.

وفيما يخص تاريخ الحزب الشيوعي ضمن هذا السياق، فإن مرحلة الدكتاتورية الصدامية هي الأكثر تأثير وعنفا ودموية وتمزيقا وتخريبا للنشاط السياسي والاجتماعي العراقي بشكل عام وللحزب الشيوعي بشكل خاص.

فقد أدى تخريب وتهديم الجبهة الوطنية إلى انفراد حزب البعث، أو بصورة أدق الدكتاتورية الصدامية للانفراد المطلق بالسلطة. حينذاك تحولت مهمة القضاء الكامل والتام للحزب الشيوعي إلى الشغل الشاغل أو الهمّ والغاية السياسية للدكتاتورية. إذ لم يبق في الواقع غيره ممن يحتوي على إمكانية المعارضة للسلطة الدكتاتورية الآخذة في التوسع والتعمق. فحزب البعث لم يكن حزبا سياسيا بالمعنى الدقيق للكلمة، بل أقرب ما يكون إلى تركيبة أمنية ووظيفية، أو حزب في جيب صدام حسين، أو مجرد أوراق يمكن سحبها والإملاء عليها ورميها في سلة المهملات.

ففي فترة الحملة الشرسة لتصفية الحزب الشيوعي العراقي بعد عام 1978 حتى أواخر آب من عام 1979 كانت قيادة الداخل تتكون من باقر ابراهيم وعبد الرزاق الصافي وماجد عبد الرضا وعبد السلام الناصري وجاسم الحلوائي ومكرم جمال الطالباني وعايدة ياسين. حينذاك كانت بعض بقايا القيادة الحزبية تأمل في استمرار التحالف الجبهوي، بينما كانت قيادة حزب البعث تصر على تصفية الحزب الشيوعي انطلاقا من اعتقادهم بأن الوضع بات ملائماً وممكناً للقيام بهذه المهمة. وقد كان ذلك أحد الأخطاء الإستراتيجية الهائلة والمدمرة والمميتة لحزب البعث نفسه والعراق بشكل عام.

حينذاك ظهر للمرة الأولى في آذار 1978 تشكيل مركز الخارج للحزب الشيوعي في دمشق، والذي ضم كل من زكي خيري وكريم احمد ومهدي عبد الكريم وفخري كريم. حينذاك جرى اتخاذ القرار بالعودة الإجبارية لأعضاء وكوادر وقيادات الحزب إلى شمال العراق. ومن ثم التبني الرسمي لأسلوب الكفاح المسلح عام 1981. وقبول جيل من الشيوعيين بالوهم الثوري. وكان أحد أسباب ذلك هو عدم شعور قيادة الحزب بالمسؤولية تجاه قاعدة الحزب. وهذه معضلة ومرض تاريخي في قيادة الحزب الشيوعي العراقي. وهناك أسباب أخرى عديدة ومختلفة لهذه المأساة المتكررة في حياة وتاريخ الحزب.

أما تقييم تلك الحالة والمرحلة فالاختلاف فيها كبير ومتنوع. فبالنسبة لباقر ابراهيم يعتبرها حالة لا خيانة فيها. ويصفها بأنها اجتهاد. ومن ثم هو معرض للخطأ والصواب. بينما لا حقيقة في اجتهاد قيادة الحزب. إذ لا اجتهاد فيها وعندها. فمواقفها وتقديرها السياسي عادة ما تنبع من مكامن أخرى لا علاقة لها بالاجتهاد. وفي أغلبها تتسم بطابع خياني تجاه مبادئ النضال الحقيقي، ومليئة بالأبعاد الأنانية والشخصية والفردية. وقد اشار باقر ابراهيم نفسه بهذا الخصوص (وهذا لا يلغي كون تقييمه هو دفاع ذاتي عن نفسه أيضاً)، الى الزمالات الدراسية والعلاج لأعضاء قيادة الحزب وأبنائهم. وكأن بقية أعضاء الحزب وكوادره مجرد خدم لهم! ففي اجتماعات اللجنة المركزية لعام 1981 قاد الحملة الانتخابية في كل مراحلها عضو للجنة المركزية وهو فخري كريم. وهذا يحصل لأول مرة في تاريخ الحزب، كما ينقل لنا باقر ابراهيم. والمقصود بذلك ان فخري كريم قد قاد الأعضاء القادة للحزب الشيوعي. الأمر الذي يشير إلى أي مدى كانت حالة الانحطاط الذي بلغته قيادة الحزب آنذاك. ووفقاً لباقر ابراهيم، فإن عدد غير قليل من الذين رسموا سياسة الحزب خلال فترة التحالف الجبهوي قد انقلب على نحو غير متوازن.

بينما يعتبر عدنان عباس في مذكراته أن سبب انكسار الحزب في تاريخه هو نتاج الدور التخريبي أو نهج المغامرة الذي وسم قادة منذ وقت مبكر. ويشير بهذا الخصوص إلى انه في حال عدم رفع شعار التوجه إلى كردستان لكان ذلك ضربة قاصمة لتكريد الحزب الشيوعي. فقد وفرت العودة الإجبارية لكردستان فرصة ذهبية لتكريد الحزب الشيوعي. وفعلاً جرت تغيرات كبيرة على هذا الطريق والمسعى والهدف. لكن طريقها مسدود في نهاية المطاف. وعلى طريق هذا النهج التخريبي يسرد عدنان عباس القضايا التالية: لقد أصبحت عقلية التمييز القومي وتقليص دور القادة والكوادر العربية تدريجيا نهجاً ثابتاً في الهيئات القيادية وفي مقدمتهم عزيز محمد ويعاونه في ذلك فخري كريم. وقد سرد عدنان عباس سيرة هذا النهج التمييزي بتوسع. فهو يعتبر الاجتماعات الاعتيادية الستة التي جرت للجنة المركزية بين تموز 1979 وتشرين الثاني من عام 1985 عبارة عن دسائس لا غير. كذلك هو الحال مع المؤتمر الرابع للحزب. ونفس الشيئي ينطبق على الاجتماع الطارئ الذي عقد بعد مجزرة بشتاشان. ويعترف عدنان عباس بأن مواجهة هذا النهج التخريبي لم تكن بالمستوى المطلوب. وبعد المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي أصبح باقر ابراهيم وعدنان عباس خارج قيادة لجنة التنظيم المركزي، وخارج قيادة تنظيم الداخل. وأصبحت لجنة التنظيم المركزي وقيادة تنظيم الداخل تحت قيادة كردية خالصة بقيادة عمر الشيخ وإشراف عزيز محمد.

ففي أوائل 1990 نزل عمر الشيخ مع جلال الدباغ وعادل حبة وعدد كبير من لجنة التنظيم المركزي إلى بغداد استعدادا وتحسبا لتطورات محتملة حسب تقديرات عزيز محمد. وكانت جميع الأوكار الحزبية لهؤلاء يقوم بها عناصر متعاونة مع الأمن العراقي. وسكنوا في بيوت كانت قد نصبت فيها أجهزة تنصت، تسجل وتنقل كل ما يدور فيها. وكانت الأحاديث التي تجري بين عمر الشيخ وجلال الدباغ باللغة الكردية. مما يستدعي ترجمتها للغة العربية من قبل مترجم كردي. علماً إن جلال الدباغ أكثر الأكراد كرهاً للكادر العربي في الحزب الشيوعي. لذلك يمكن طرح السؤال عن الاسباب القائمة وراء ارساله للعمل في تنظيمات بغداد؟ وما هي الأهداف القائمة وراء ذلك؟ وقد قال المترجم الكردي لاحقا، بأنه شعر باحتقار شديد تجاه نفسه. مما دعاه للسفر إلى دهوك ولقاء مسعود برزاني. وأخبره بأنه يريد اطلاع الحزب الشيوعي العراقي لما يجري لكوادره في بغداد. على إثر ذلك اتصل مسعود البرزاني بعزيز محمد وأخبره بما يجري في بغداد. وبأثر ذلك بعث عزيز محمد حميد مجيد موسى إلى دهوك لمقابلة المترجم الكردي الذي اخبره بكل التفاصيل وكذلك بالبواعث التي دفعته للاعتراف بما يبوح به حالياً. بعد ذلك تم سحب عمر الشيخ وبقية الكوادر الحزبية من بغداد وفق خطة معينة. وكان ذلك في أواخر 1992. أما لماذا انتظر الأمن العراقي كل هذه الفترة، فإنه وفقاً للرفيق الذي روى لي هذه التفاصيل، تقوم في أن الأمن العراقي كان يريد استدراج المزيد والمزيد من الكوادر إلى بغداد. ومن ثم يضرب ضربته القاضية. هذه الواقعة تعكس غباء وسذاجة وأوهام القيادات الكردية، التي كانت تعتقد أن بإمكانها قيادة العراق من خلال العمل السياسي والتنظيمي لعمل عصابة كردية داخل الحزب الشيوعي العراقي. وإن هذه الواقعة جرى طمسها لأنها تكشف حقائق عديدة عن الكيفية التي جرت فيها ومن خلالها التطورات التنظيمية داخل لجنة التنظيم المركزي. وما هي أهداف هذه التغيرات التنظيمية والتي تستهدف تكريد الحزب الشيوعي لأغراض كردية. لقد اعتقد عزيز محمد أن قيادة الحزب باتت تحت سيطرته دون منازع. ولجنة التنظيم المركزية تحت إشرافه المباشر والقوي. وكذلك تنظيمات بغداد والفرات الأوسط والمنطقة الجنوبية!

ان توظيف الحزب الشيوعي العراقي لأهداف كردية بات حلم عزيز محمد. وقد كان ذلك احد الأسباب الأساسية لإشكاليات الحزب الشيوعي العراقي. لاسيما وان احدى الامور الجلية بالنسبة لمن يمتلك القدر الضئيل من العقل تقوم في أن التكريد تؤدي بالضرورة إلى إعاقة تطور الحزب وتقدمه، إضافة إلى إضعافه البنيوي ومن ثم القضاء عليه. من هنا المأزق التاريخي للحزب. ومع ذلك ما زالت باقية لحد الآن فكرة التكريد في ادبيات الحزب الشيوعي العراقي، بالرغم من اختفاء رموزه. بل نرى ذلك أيضا في ما يسمى بالحزب الشيوعي الكردستاني الذي هو اشد قومية من الأحزاب الكردية القومية نفسها! الأمر الذي يستلزم من الحزب الشيوعي العراقي التخلص النهائي من التكريد أشخاصاً وأفكار. إن أخطر ما بقى من التكريد في الحزب الشيوعي هي أفكار التكريد.

إن هذه القضية التي يجري أحيانا الإشارة إليها في مذكرات قادة الحزب تبقى إلى جانب غيرها مجرد سرد وإشارات لا تحليل فيها للأسباب والنتائج. وينطبق هذا على كافة المذكرات دون استثناء، كما لو إنها حكايات وروايات للمتعة. والاستثناء النسبي الوحيد هو ما جاء في كتاب عزيز سباهي (عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي). لكنها تبقى مع ذلك ضعيفة جداً.

في مذكرات ثابت حبيب العاني صفحات من السيرة الذاتية. لكن ما هي القيمة التاريخية لمذكرات العاني؟ وما هي أهم الوقائع والأحداث التي تناولتها المذكرات؟ ما هي إضافاتها لتاريخ العراق؟ هل هي تمثل قراءة جديدة لتاريخ العراق؟ مذكرات ثابت حبيب العاني تتجاهل الفترة من 1980 وما بعدها. بينما هي الفترة التي شهدت الدور التخريبي الكبير لعزيز محمد. لذلك لا غرابة أن تنشر مذكرات العاني من قبل دار الرواد التابعة للحزب. إن مذكرات ثابت حبيب العاني جداً محدودة. وهي مبتسرة جداً لأسباب تتعلق بثابت حبيب العاني أو بعائلته. إلا أن المذكرات تذكر أن الوفاة حالت دون استكمالها كما ينبغي. كما انه يتناول فيها قضية التكتل الرباعي بصورة تبريرية. بل تقترب من نفي وجود تكتل رباعي! وهذا ما يثير الاستغراب ويضعف مصداقية مذكرات ثابت حبيب العاني. فقد سبق لسلام عادل وأن اتهم العاني بدعم التكتل الرباعي. وهو ما يذكره العاني نفسه في مذكراته. إلا انه يستغرب هذا الاتهام! ويتسائل: لماذا لم يستخدم الحزب الشيوعي العراقي قوته الهائلة في الجيش في مواجهة الانقلابين، أو استلام السلطة بعد بروز فردية قاسم في الحكم؟ ويجيب العاني على تساؤله بالنقاط التالية:

- النقص الوحيد هو التوجه السياسي للحزب

- عدم تطبيق الخطة التي قدمت من قبل اللجنة العسكرية لقيادة الحزب

- الصراع السياسي الحاد داخل قيادة الحزب.

وفي مذكرات عزيز الحاج (حدث بين النهرين) يبرز السؤال المتعلق بالقيمة التاريخية لمذكراته؟ وما هي أهم الوقائع والأحداث التي تناولتها؟ وما هي إضافاتها لتاريخ العراق؟ هل هي تمثل قراءة جديدة لتاريخ العراق؟ إن مذكرات عزيز الحاج (حدث بين النهرين) هي خلاصة مذكراته المختلفة ولا تمتلك أية قيمة فكرية أو سياسية. وهذا امر طبيعي أو نتيجة منطقية، لأنها مثلت مذكرات شخص يبحث عن تبريرات ومسوغات لجبنه وخيانته.

أما (مذكرات النصير) لفيصل عبد السادة الفوادي (مسيرة الجمال والنضال) فتمثل مسيرة عامل مكافح ومناضل في الحزب الشيوعي وحركة الانصار. وفيها نعثر على الوهم الثوري والتحدي الثوري للقمع والإرهاب. وهي أفضل المذكرات التي قرأتها عن حركة الانصار. وتعكس جوانب عديدة ومتنوعة عن حركة وحياة الانصار.

أما مذكرات عدنان اللبان (وشم ذاكرة الانصار) والنصير سلام فواز العبيدي (ذكرياتي عن حياة الانصار. وجهة نظر كردي) ومذكرات القادة الآخرين للحزب الشيوعي وكذلك عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي لعزيز سباهي لا تخرج عن هذا الاطار. واستعراضهم هو مجرد تكرار. ومن الممكن اضافة العشرات بل المئات من الذكريات والمقابلات التلفيزيونية واللقاءات الصحفية حول تاريخ الحزب ككل، إلا أن أغلبها، إن لم يكن جميعها أقرب إلى السرديات والحكايات "الجميلة" والملطفة لما كان يجري من أحداث دامية وقاسية. كما أن أغلبها يتصف بالتبرير والمراوغة. وتخلو جميعها من الرؤية النقدية التاريخية السياسية والأخلاقية العميقة لما جرى، كما أنها جميعها تخلو من فكرة البدائل. دعك عما في بعضها من اكاذيب. واكتفي هنا بحادثة واحدة لأنها تخصني، ومن ثم فإن الحكم فيها يقترب من اليقين الذي لا مجال للشك فيه. ففي مقابلة من قسمين مع حسان عاكف اجراها معه حميد عبد الله، نعثر فيها على كذب حسان عاكف فيما يتعلق بالمؤتمر الرابع للحزب الشيوعي العراقي الذي عقد عام 1985 في شمال العراق. وكنت أحد المندوبين الأكثر بروزا في المؤتمر. وهو أمر يتعلق بتاريخي السياسي وإمكانياتي الفكرية والعملية وبالاخص بملاحظاتي على وثائق المؤتمر. وكنت حينذاك في الثانية والثلاثين من العمر. والمقصود بكذب حسان عاكف هنا هو قوله عما جرى فيما يتعلق بتخويل عزيز محمد باختيار عشرة أعضاء للجنة المركزية ومعايير اختيارهم. وهي معايير لم تكن تنطبق عليه. وبحضور المندوبين الذين اعتبروا ان أول من تنطبق عليه هذه المعايير هو أنا. لكنني كنت قد اتخذت قراراً بيني وبين نفسي في اليوم الثالث للمؤتمر بالاستقالة من الحزب. ووراء ذاك كانت هناك أسباب عديدة. إلا أن الذي فّجر هذا القرار في نفسي في الليلة الثالثة من المؤتمر، حيث كانت تعقد جلسات المؤتمر ليلاً لأسباب أمنية، هو مقاطعة كلمتي في المؤتمر من قبل عبد الرزاق الصافي الذي كان يعرف النقاط التي كنت اريد قولها والدفاع عنها، رغم انه لم يكن رئيسا للجلسة، بل عمر الشيخ وهو شخصية صامتة كالصنم يصعب فهم كيفية حديثه أو كلامه في اجتماعات اللجنة المركزية، وكيف يمكن أن يكون عضوا في المكتب السياسي للحزب. وهذه من غرائب وعجائب القيادة في الحزب الشيوعي العراقي.

كما لم يكن عزيز سباهي أمينا في نقل مقابلاته مع باقر إبراهيم. وهذا يطعن في مصداقية كتابه (عقود من تأريخ الحزب الشيوعي). إن غربلة مختلف المقابلات التلفزيونية والصحفية وكذلك الذكريات الشخصية وصولاً للحقيقة هو جهد مضني لكنه ضروري. من مجموع كل مذكرات قادة الحزب ومقابلاتهم الصحفية والتلفزيونية يصل المرء إلى استنتاج يقول، بأن قيادة الحزب لم تكن فاقدة للكفاءة فقط، بل وغارقة في الذاتية والدسائس. وهو السبب الأساسي في كوارث الحزب.

إشكالية القادة والقاعدة

إن كل هزائم الحزب كما تكشف ملابساتها ومجرياتها الواقعية تشير إلى أن السبب الأساسي هو في نوعية القيادة السياسية للحزب. كما أنها تكشف في الوقت نفسه عن أن قواعد الحزب الشيوعي أكثر وعيا وجرأة وإخلاصا ومبدئية وتضحية وتفاني من هذه القيادات الجبانة والانهزامية والفاسدة. إذ لم تتعدى جرأتها في الأغلب وحميتها العنيفة سوى في تسابقا وأبنائها للحصول على امتيازات زهيدة كانت تمنحها بلدان المنظومة السوفيتية.

تختلف قواعد الحزب الشيوعي اختلافا تاماً وجذرياً عن قياداتها. وهذا بحد ذاته مفارقة غريبة. وإذا كان قاموس الجبن بمختلف مفرداته حليف قيادة الحزب ااشيوعي، فإن مفردات قاموس التضحية والإخلاص حليف قواعده. وإذا كانت قواعد الحزب تستحق الاحترام والتقدير والتبجيل، فإن قادته تستحق الازدراء والاحتقار.

كل ذلك يدفع بدوره مهمة إعادة تقييم الشخصيات القيادية في الحزب لما فيه من أهمية بالنسبة للمستقبل من جهة، ولفكرة القيادة السياسية وأسلوب تطويرها من خلال النقد والإطاحة بالفاشلين وتعريضهم للنقد والمحاكمة السياسية والأخلاقية من جهة أخرى.

تقييم الشخصيات القيادية الحزبية

تجدر الإشارة هنا إلى أن المقصود بالشخصية هو مجرد الاشارة للشخص وليس بمعناها الفكري والثقافي، وذلك لأن الأغلبية المطلقة من قيادات الحزب على امتداد تاريخه ولحد الآن هم بمعايير اللغة الدارجة والمعروفة أقرب إلى الإمعات. بل انهم في الواقع اتعس وأرذل. وسوف اكتفي بنماذج "شهيرة" من اجل توضيح الفكرة أولا وقبل كل شيئ وبالأخص ما يتعلق بجانبها الأخلاقي. أما الحكم السياسي فهو واضح على مثال مجريات التاريخ الفعلي ونتائجه الكارثية.

عزيز محمد. لقد تبين فيما بعد بأنه لم يكن بسيطا وساذجا وسهلا، أي على عكس ما توقع زكي خيري وبهاء الدين نوري وعامر عبد الله، الذين اعتقدوا أن بإمكانهم إزاحته لاحقاً بعد انتخابه في اجتماع براغ 1964. لقد اظهر قدر من البراعة في المؤامرة والمغامرة أكثر منهم. وكانت "براعته" في الأغلب محصورة بالسكر والنساء. الأمر الذي مكّن فخري كريم من توريطه في قضية ما يعرف "أم عرفان" في دمشق. كما عرف عن عزيز محمد دفاعه القوي عن فخري كريم في سرقات دار الرواد.

زكي خيري. لا يمكن الثقة بكافة تقديراته العملية والسياسية. ومن حيث الواقع هو  "مثقف" أبله.

عبد الرزاق الصافي. أقرب ما يكون إلى كاتب عرائض ساذج. أدى دور موظف عند قادة الحزب السذج بالمعنى المعرفي والدهاة بالمعنى الحزبي الضيق.

كاظم حبيب: مهرج متقلب ويتسم بقدر كبير من الرعونة. ويكفي المرء استعراض ما كتبه قبل مرحلة الجبهة الوطنية وفي مجراها وبعدها وفي ومرحلة "الأنصار" والمرحلة اللاحقة ولحد الآن ليعرف ذلك. وغير معروف السبب وراء ما يقال بحرق كتبه من جانب عبد الرزاق الصافي، الذي استلم إعلام الحزب الشيوعي منه خلال فترة حركة الأنصار في شمال العراق.

فخري كريم. وهو نموذج للنذالة والسفالة والانحطاط الأخلاقي والسياسي والنزعة النفعية. كما انه نموذج للمراوغة والاصطياد الدائم "للقادة" السذج في الحزب.

حمبد مجيد موسى. من أهم صفاته كونه لئيم وأناني وجبان. كما انه انبطاحي من "الدرجة الأولى" أمام الأكراد. والانبطاح صفة ملازمة له من أيام صباه.

عزيز الحاج. هو نموذج للخيانة. وكشفت الأحداث الأخيرة والإعلام عن عورته وكل ما فيها من أوساخ.

إن هذه النماذج القيادية وكثير غيرها تكفي بحد ذاتها لتسليط الضوء على ما كان يجري وكيف جرى ولماذا جرى من هزائم مستمرة بحيث أدت في نهاية المطاف إلى ضمور إحدى أهم القوى السياسية الاجتماعية في العراق الحديث والمعاصر.

 

يوسف محمد طه

.......................

ملاحظة: هذه هي الحلقة الأخيرة مما استطعت تنقيحه وتحضيره للنشر. وقد نفذت وصية المؤلف، عندما كتب هذا الكتاب أو سعى لكتابته بطريقة أخرى، لكن المرض وأعراض الموت قد حالت دون ذلك. وقد صادف أن نشرت أول حلقاته في يوم وفاته. وبهذا أكون قد مددت حياته لعشرة أيام إضافية على صفحات (المثقف)! وهذا اقل ما كان بإمكاني تقديمه له. وبقي أن انجز تنقيح وتدقيق وتحقيق ما تركه لي كوصية أيضا كتابه (العقل والطبيعة). وهو ما سأقوم به بالتأكيد كل ما تسمح به ظروفي. وتوفي قبل فترة احد طلبتي الموهوبين في مجال الصحافة. وترك عندي عدد مما كتبه وما نشره مما لم ينشر على صفحات المواقع الالكترونية. وسوف احيي ذكراه بها قريبا لكي تكون في متداول من يهتم بالقضايا التي كتبها.

 (ميثم الجنابي)

 

استراتيجية وتكتيك الحزب الشيوعي: من انتكاسة إلى أخرى

بعد هزيمة ونكبة الثامن من شباط عام 1963 كثرت التكتلات والانشقاقات والميل للتطرف. وبلغ هذا الانشقاق ذروته في ظهور ما يسمى بالقيادة المركزية برئاسة عزيز الحاج. غير أن ذلك لا يعني انه الانشقاق الوحيد. فقد شهد منتصف الستينات من القرن الماضي العديد من التكتلات الحزبية. وأغلبها كان بمعنى ما انعكاسا لهزيمة 1963، وفي الوقت نفسه تعبير عن التمرد داخل الحزب نفسه. غير أن انشقاق عزيز الحاج كان ذروتها. ولعل الطابع التخريبي الأشد لهذا الانشقاق يقوم في نتائجه بعد إلقاء القبض على عزيز الحاج وانهياره وانهيار القيادة المركزية في شباط 1969.

إن هذه الصيغة الدرامية التي لا تخلو من تسخيف للعقل والضمير والإرادة، كانت في الوقت نفسه نتاجا ملازما لطبيعة التحولات التي جرت داخل الحزب نفسه بأثر هزيمة 1963. فقد ظهر أول الأمر ما يسمى بخط آب عام 1964 الانهزامي، وبالأخص ما يتعلق منه بتبرير حلّ الحزب الشيوعي والاندماج في الاتحاد الاشتراكي لعبد السلام عارف ربيب جمال عبد الناصر وشركات النفط والسفارات والمخابرات الغربية في انقلاب شباط 1963. وهي تبريرات ساذجة وسخيفة تعكس درجة الانحطاط التي انحدرت إليها قيادة الحزب الشيوعي العراقي آنذاك.

ولاحقا ظهور ما يسمى بتيار العمل الحاسم في عام 1965 بقيادة عامر عبد الله في مناقشته لتيار آب الانهزامي. غير أن "العمل الحاسم" كان بالاسم والعنوان فقط. أما في جوهره وسلوكه العملي الفعلي فقد كان ثوريا كاذبا. انه أقرب إلى اللعبة في انتقال قيادة الحزب من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار دون أي تأسيس نظري وسياسي عملي لهذا الانتقال.

وبأثر هذا التيار الانهزامي جرى انتخاب عزيز محمد سكرتيرا للحزب عام 1964. ولم يكن عزيز محمد نفسه مقتنعاً بقدرته التي تؤهله لقيادة الحزب. فقد كان هو نفسه يعتبر اختياره نتيجة لأسباب توافقية بين جبناء ومهزومين! فماذا يمكن أن تكون نتائجه غير التي ظهرت لاحقاً بأثر قيادة هذا المسخ الملتحف بالكذب والخداع والمراوغة والجبن تحت غطاء التوفيق بين جبناء ومهزومين على مصير الحزب والمجتمع والعراق؟ فقد كان التيار الانهزامي بأشد الحاجة لمثل هكذا "قائد" يغطي عوراتهم المكشوفة، ومن ثم الاستمرار في سلوك الهزيمة والجريمة والغطس في وحل امتيازات بلدان المنظومة السوفيتية.

لقد استشهد فرسان الحزب مثل سلام عادل وجمال الحيدري وأمثالهم، وبقت بغال الحزب أمثال عامر عبد الله وبهاء الدين نوري وزكي خيري. فلم يكن أمامهم أفضل من عزيز محمد سكرتيراً للحزب كأفضل غطاء لعارهم وجبنهم. وكانوا يعتقدون أن بإمكانهم إزاحته لاحقاً. لكنه تبين فيما بعد، بأن هذا المسخ أكثر براعة ومراوغة ودهاء منهم!

إن كل هذه الحالة المخيبة والمريبة والمثيرة للاشمئزاز والتقزز بحاجة إلى قاموس لغوي سياسي خاص يوصف ما فيها وعليها. فقد كانت هي سلسلة من الأعمال التي يمكن ترتيبها بالشكل التالي: الانبطاح أمام عبد الكريم قاسم في تموز عام 1959 وما بعده. ثم قوة منكسرة ومهزومة في الثامن من شباط 1963. ثم خط آب لعام 1964 الانهزامي والتصفوي. ثم "العمل الحاسم" لعام 1965 الثوري الكاذب. ثم انشقاق "القيادة المركزية" في أيلول 1967؟ ثم التراجع غير المنظم بعد فشل الجبهة الوطنية عام 1979. ثم مغامرة الأنصار.

باختصار، إننا نقف أمام مواقف خيانية متتالية تجسدت لاحقا أيضا في المواقف "المصيرية" تجاه العراق بدأ من الحرب العراقية الإيرانية والحصار الأمريكي للعراق، وأخيرا العدوان الأمريكي المتكرر والمستمر من عام 1991 حتى الاحتلال عام 2003. وما بعد ذلك نقف أمام قيادة عميلة بكل ما للكلمة من معنى في موقفها من الاحتلال الأمريكي، ثم مشاركتها في الحكم الخاضع لسيطرة الاحتلال.

الجبهة الوطنية: خلل الفكر السياسي والمواقف العملية

لقد جرى الإعلان عن الجبهة الوطنية يوم السابع عشر من تموز عام 1973. بينما بدأت الحركة صوب التحالف عام 1972 عندما وافق الحزب الشيوعي على المشاركة في الوزارة. وأعطى لهذه المشاركة والتقارب قوة دفع اكبر بعد انكشاف محاولة الانقلاب التي أراد القيام بها عبد الغني الراوي. كما لعب الحزب الشيوعي ومكرم جمال الطالباني دورا في تحذير أحمد حسن البكر من الإنقلاب. كما أن الوضع عشية تموز 1973 كانت تتميز بالتعقيد والحساسية. حيث اتخذ قرار تأميم النفط وتحسين العلاقة بالاتحاد السوفيتي والاعتراف بجمهورية ألمانيا الديمقراطية. وعموما إن الاتفاق على قيام الجبهة الوطنية لم يجر بمعزل عن حالة درامية وتناقضات وصراع بما في ذلك داخل الحزب. وعموما يمكننا القول، بأنه كان من الممكن رفض التحالف الجبهوي، غير انه كان من الصعب جدا رفع شعار إسقاط السلطة. إذ لم يكن لهذا الشعار مقومات مادية واجتماعية وسياسية داخلية وخارجية. غير ان الممكن الأكبر آنذاك هو تبني نهج المطالبة بإطلاق الحريات العامة، وإنهاء الفترة الانتقالية لحكم مجلس قيادة الثورة، وإجراء انتخابات لجمعية تأسيسية تقر دستور دائم للدولة.

إلا أن الفكر السياسي للحزب الشيوعي العراقي آنذاك لم يواجه هذه القضايا باعتبارها تحديات تاريخية سياسية مهمة ومصيرية. ولم تكن عنده رؤية إستراتيجية في ما يتعلق بفكرة الجبهة الوطنية وسبل تطويرها وإمكانيات هذا التطوير. فقد كانت الجبهة الوطنية، كما كشفت الأحداث لاحقا، بأنها مجرد تكتيك جديد لحزب البعث من اجل تثبيت سلطته. كما كان يلازم سياسة الحزب الشيوعي الوهم السياسي القائل، بإمكانية أن تكون الجبهة الوطنية خيارا نحو بناء الاشتراكية.

إن قبول الحزب الشيوعي بالانضمام إلى الجبهة الوطنية لم يكن معزولا أيضا عن الضغوط التي تعرض لها. إذ تشير المعطيات والوثائق، بأن عزيز محمد هو الذي كان يدفع باتجاه التحالف، لأسباب عديدة بينها دفع سوفييتي بهذا الاتجاه. ومن حيثيات اجتماعات اللجنة المركزية للحزب آنذاك يتبين دور عزيز محمد في دفع احمد باني خيلاني للتصويت لصالح التحالف مع البعث في الجولة الثانية من التصويت. فبعد إن كان التصويت في الجولة الأولى ثمانية ضد التحالف وسبعة معه، فإنه أصبح في الجولة لثانية ثمانية مع التحالف مقابل سبعة ضده. وهو مؤشر على طبيعة الاختلاف الحاد داخل الحزب بصدد الدخول في الجبهة.

لقد قامت الجبهة الوطنية بعد خمس سنوات من حكم البعث. وأصبحت خيار لابد من التفكير به وفي بدائله. منذ منتصف السبعينات ولاحقاً لم تتوفر أية إمكانية لإسقاط سلطة البعث من جانب الحزب الشيوعي. ولعل فشل القيادة المركزية تعبير صارخ بهذا الصدد. بمعنى أن الإمكانية الفعلية وآفاقها المستقبلية بالنسبة للحزب الشيوعي آنذاك كانت تقوم في العمل من اجل ترسيخ فكرة النظام الدستوري الشرعي وفكرة الانتخابات الديمقراطية. فقد كان آنذاك موجودا جيل السبعينيات من الشيوعيين، الذي يشكل العمود الفقري للحزب. كما كان توزيع ادبيات الحزب وصحيفته (طريق الشعب) ومجلته (الثقافة الجديدة) له تأثيره الواسع والكبير. وعموما يمكننا ملاحظة وجود قضية مشتركة لفترتي 1958-1963 وفترة 1968-1978 يقوم في عدم إدراك ضرورة ونتائج طرح فكرة الدولة الدستورية القانونية وشرعيتها.

أما لماذا تخلف الفكر الدستوري والفكر السياسي الدستوري في العراق، فإن الجواب عليه يقوم في أن مختلف السلطات التي تداولت على الحكم لم تهتم أو تفكر في تطوير النظام السياسي في العراق. ومن ثم العمل من اجل تهذيب السلطة وتحولها إلى سلطة في دولة دستورية، السيادة فيها للشعب قولاً وفعلاً. إذ لم يقبل عبد الكريم قاسم ولا حزب البعث بالدولة الدستورية القانونية والانتخابات. كما أهمل الشيوعيون فكرة الدولة الدستورية. وقد تكون هناك أسباب عديدة لهذا الإهمال من بينها عدم إدراك الأهمية السياسية والتحريضية والشرعية للفكر الدستوري، وكون التفكير الماركسي الطبقي التقليدي كان وراء تخلف الفكر الدستوري القانوني عند الحزب الشيوعي.

عموما، إن مجمل الأحداث السياسية ومسارها التاريخي قد أدى في نهاية المطاف إلى انهيار الجبهة الوطنية وتعرض الحزب الى كارثة جديدة لا تقل عما واجهه عام 1963. أما فكرة إن الإنسان العاقل لا يلدغ من جحر مرتين، فإنها لا تنطبق على  قادة الحزب الشيوعي. انهم بلا عقل ولا إيمان!!

إن المسار الفعلي في العراق جرى باتجاه تبيت وتقوية سلطة البعث وهيمنته شبه المطلق على كل مفاصل الوجود الفعلي للدولة. ففي البداية جرى كسب الشيوعيين وتحييدهم. ولاحقا قضى على مختلف أشكال ومستويات التمرد الكردي بعد اتفاقية الجزائر عام 1975. ولازم هذا التحول الداخلي تغيرا خارجيا في المواقف السياسية من خلال الاهتمام بالعلاقة مع فرنسا على غيرها من الدول. بينما اعطى نجاح تأميم النفط وزيادة عائدات الدولة استقلالية كبيرة في تثبيت نهج البعث وسياسته الداخلية والخارجية. ففي الداخل أخذت تجري بوتيرة قوية التحولات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية، ومن ثم اتساع القاعدة الاجتماعية للسلطة. كما كان بإمكان السلطة وأجهزتها الأمنية معرفة كل ما له علاقة بالحزب الشيوعي بما في ذلك اختراقه بواسطة العملاء والمخبرين وغيرها من الوسائل.

حركة الأنصار : انتصار الهزيمة

لقد شكلت حركة الانصار بعد عام 1980 مرحلة اضافية في زمن النكبات السياسية للحزب الشيوعي. وتركت بصماتها العميقة في كل اخاديد الوجود السياسي والأخلاقي والوطني والقومي للحزب. وقد انقسم تقييمها التاريخي والسياسي في الحزب إلى جهتين، الأولى هي من جانب قواعد الحزب وتتسم بالنقد الحاد لكل ما فيها ونتائجها. والثانية من جانب قيادات الحزب وهي على طرف نقيض من تقييم القواعد الحزبية. وفيما لو جرى اختصار ما شاهدته وسمعته من مقابلات تلفزيونية فمن الممكن وصفها وتقييمها بالشكل التالي: مقابلة لمكرم جمال الطالباني ونعثر فيها على شخصية رزينة ومحترمة. وينطبق هذا على مذكراته. عزيز محمد: مراوغ من الطراز الأول. وهذا سرّ احتفاظه بقيادة مجموعة قيادية رثة وبليدة وفاسدة وغير متجانسة. همها الأساسي كان الامتيازات الحزبية التي تتمتع بها في بلدان المنظومة السوفيتية. وهذا هو الجامع الوحيد الذي يجمعها سوية في هيئة واحدة تحت قيادته. فقد كان عزيز محمد موزع امتيازات الفساد والإفساد التي تمنح من قبل بلدان المنظومة السوفيتية. وهو امر جلي في المقابلة رغم وضوح الترتيب المسبق لها من قبل مرتزقته ومتملقيه. أما المقابلات التي قام بها كل من بهاء الدين نوري وكريم احمد وعزيز الحاج وحميد مجيد موسى فقد كانت تتصف بالبلادة والركاكة.

لقد أدى القيام بحركة الانصار (1979-1988) إلى نتائج دفع الحزب ثمنها بانهياره شبه التام. والأسباب هي على التوالي:

أولا: لقد كانت حركة الانصار مبنية على أساس وتقدير سياسي خاطىء.

وثانيا: إن موقف وعلاقة الحزب الشيوعي بالحركة الكردية المسلحة خلال اعوام 1974-1975 لم يكن يشجع أو يسمح بقيام حركة أنصار وسط حركات كردية معادية للحزب الشيوعي. وقد تكون حادثة بشتاشان في  أيار 1983 أحد مظاهرها الفاقعة. بحيث كشفت عن حقد أعمى لقومية صغيرة عمياء.

ثالثاً: الصراع الدموي بين الأجنحة الكردية المسلحة.

ومن الممكن الانطلاق والاتفاق مع الفكرة أو الاستنتاج الذي توصل إليه عزيز شريف عندما اعتبر سياسة الحزب في هذه القضية سلوكا انتحاريا، نحر كوادر الحزب وأنصاره. وبالتالي، فإن قيادة الحزب هي المسئولة عن كل ذلك.

اضافة لذلك، إن حركة الانصار لم تكن طوعية. كما أنها كانت في بداياتها أقرب إلى أوهام ثورية رومانسية (من جانب القواعد). ومع ذلك كانت إلزامية في بدايتها لإجبار القواعد "المشاكسة" للانخراط والاشتراك في معارك خاسرة بالضرورة، أي لاستهلاكها وقتلها والحصول على "شرف قيادة " "حزب الشهداء". وفي مرحلة معينة كانت تمثل نوعا من العقوبة. لهذا تحول الوهم الثوري الرومانسي بعد الهزيمة إلى خيبة أمل قاتلة.

واستمر هذا الخلل البنيوي في المؤتمر الوطني الرابع للحزب الشيوعي عام 1985. وبالأخص ما يتعلق منه بالصراع الفكري السياسي حول تقدير الوضع السياسي في العراق وحوله. فقد كان من أسباب هذه النتائج هو ضعف الحركة الاجتماعية الجماهيرية. وللالتفاف على هذا المفهوم كان لابد من حركة الانصار. بينما كان ينبغي أن تقتصر على منظمة اقليم كردستان للحزب الشيوعي. وأن لا يكون الحزب مطية لمنظمة الإقليم. وأن لا يكون فريسة الجلاليين والبرزانيين. وقد وصف عزيز شريف هذه الحالة بصورة سليمة عندما قال، بأن لحزب الشيوعي وضع رقبته بين عجلات الحركات الكردية المسلحة. فقد كانت قيادة الحزب الشيوعي في تلك المرحلة قيادة مستكردة وتتصف بقدر كبير من الصلف والانحطاط الأخلاقي والعقلي. واقترفت جريمة بشعة بحق الشيوعيين العراقيين. ونعثر على الكثير من الوقائع التي تظهر كيف وضعت رقاب الحزب وأتباعه بين عجلات الحركات الكردية المسلحة. مع انه كان شريكا لعزيز محمد في اتخاذ قرار إعادة حركة الأنصار، عندما كانا معاً في موسكو! أما النتيجة النهائية لحركة الانصار فقد كانت خسائر كبيرة، وخيبة أمل جيل الوهم الثوري الذي سار خلف قيادة غير جديرة. بمعنى سقوط الوهم القائل بإمكانية إسقاط سلطة البعث، بينما كانت هناك الكثير من الأسباب التي تجعل من هذه المهمة امرا مستحيلا آنذاك. ولعل الأسباب التي جرت الإشارة إليها كافية بهذا الصدد. بينما كانت هناك عوامل إقليمية ودولية تقف بقوة ضد التغير الجيوسياسي في المنطقة، وبالاخص بعد الثورة الإسلامية في ايران.

وقد كانت معركة بشتاشان ونتائجها السلبية القاهرة على الحزب الشيوعي قد أدت إلى انهيار حركة الأنصار والكفاح المسلح في عام 1988. وترافق ذلك مع وقف إطلاق النار في الحرب العراقية الإيرانية. ذلك يعني إن نشوء وانهيار حركة الأنصار كان مرتبطا بالحرب العراقية الإيرانية. وهناك الكثير من الشواهد التي تدل على كيفية ضغط إيران على مواقف الحزب الشيوعي. فبعد احتلال القوات الإيرانية لميناء الفاو العراقي، اصدر الحزب الشيوعي بياناً من دمشق لم تتقبله إيران. مما جرى التضييق على دخول وخروج الحزب الشيوعي إلى ومن إيران. مما اضطر قيادة الحزب الشيوعي العراقي من إصدار بيان ثاني من كردستان العراق بما يلبي الضغوط الإيرانية.

الحرب العراقية الإيرانية ونتئجها: أوهام ورغبات!

بغض النظر عن الأسباب الفعلية العلنية والمستترة وراء نشوء الحرب الإيرانية العراقية، كان ينبغي للحزب اتخاذ دعوة الوقف الفوري للحرب وحل النزاع سلمياً. والمساهمة في قيادة نضال سياسي عراقي إقليمي دولي لوقف الحرب فورا. إضافة إلى إدانة اندلاع الحرب واستمرارها، وكذلك شجب تصدير الثورة الى الخارج. والأهم من ذلك أن يجري العمل من اجل إنهاء الفترة الانتقالية وحكم مجلس قيادة الثورة، الذي طال كثيراً بصورة لا مبرر لها، أي العمل من اجل دولة دستورية قانونية، وليس الانهماك في مشروع اجنبي من حيث الجوهر وانتهازي من حيث الوسيلة، أي العمل من اجل "حركة أنصار" في منطقة موبوءة بالعداء للحزب الشيوعي وقواعده العربية.

الحرب العراقية الكويتية

كانت الحرب العراقية الكويتية استمرارا للحرب العراقية الإيرانية. إضافة إلى ما فيها من أسباب تتعلق بتاريخ العراق ورقعته الجغرافية، والأسباب الجيوسياسة لمطالبة العراق بضم الكويت. وبالقابل وجود الأسباب الجيوسياسة لمعارضة هذا الضم. فقد طالب وسعى الملك غازي بضم الكويت. بينما عارضت بريطانية آنذاك هذه السياسة، والتي انتهت بمقتل غازي. ونفس الشيئ كان الحال بالنسبة لسياسة عبد الكريم قاسم بهذا الصدد والتي انتهت بتلاقي المعارضة الكولونيالية والقومية الناصرية والسلطات التقليدية في الخليج ضدها. وانتهت هذه الأزمة بمقتل عبد الكريم قاسم أيضا. وقد لاقى صدام حسين نفس المصير بأثر محاولته ضم الكويت من جديد إلى العراق، باعتباره احد محافظاته.

لقد قام صدام حسين بغزو الكويت في الثاني من آب عام 1990. وتعرضت سياسته إلى تجميع معارضة دولية كبيرة بقيادة امريكية والتي انتهت مرحلتها الأولى في ما اطلق عليه (عاصفة الصحراء)، التي انتهت بالهزيمة العسكرية للجيش العراقي، والهزيمة السياسية للسلطة الصدامية.

لقد كانت سياسة صدام الدكتاتورية مغامرة تاريخية كبيرة، مبنية على حسابات خاطئة. فقد وقفت الدكتاتورية الصدامية آنذاك أمام خيارين، الأول: ابتزاز أنظمة الخليج على نحو دائم، وضم الكويت بصورة تدريجية من اجل إلحاقه تدريجياً بالعراق دون ضجة. والخيار الثاني هو غزو الجزيرة العربية بأجمعها. ومن ثم ربطها باليمن والأردن وفلسطين، مع ما يمكن أن يلاقيه من دعم شعبي عربي للعراق. لقد أراد صدام أن يكون بسمارك العرب، وصانع وحدة عربية بطريقة بسماركية. لكنها تعرضت للفشل. وفي عام 1991، بعد هزيمة الجيش العراقي بأثر "عاصفة الصحراء" بدأت الانتفاضة الشعبانية التي جرى القضاء عليها بسرعة.

وقد كان وراء القضاء عليها عدة أسباب وأهداف وأطراف مشاركة. فقد كان ما يسمى باجتماع "خيمة صفوان" منطلق القضاء على الانتفاضة بعد سماح الولايات المتحدة آنذاك إطلاق القوات العراقية المحتجزة من اجل قمع الانتفاضة العراقية. ومن نتائج ذلك هو إنهاك العراق دولة وشعب. ثم استمرار الحصار والعدوان الأمريكي في إنهاك وتدمير العراق إلى أن اصبح لقمة سائغة لعدوان "الصدمة والرعب" الأمريكي عام 2003. وإيران التي لم تكن مستعدة لانهيار الدولة العراقية عام 1991، بينما أصبحت اكثر استعدادا لقبول هذه النتيجة عام 2003. بينما تصرفت الأطراف الكردية المسلحة وفق التوجيهات الأمريكية عام 1991. أولا بعدم المشاركة في دخول بغداد، والشيئ نقسه ينطبق على تصرفها عام 2003 . بمعنى الاختلاف الظاهري في السلوك والاندماج الكامل بالمشروع الأمريكي. وكان لإيران هنا سلوك يتوافق مع مصالحها الخاصة. بينما ظل الأكراد مطية التوجيهات الأمريكية. وفي كلتا الحالتين دفعت الدولة العراقية والشعب العراقي ثمنا باهظا. والنتيجة الأكبر والأوسع أثرا على مصير العراق ومساره اللاحق يقوم في تعرضه لهزيمة تاريخية شاملة وجدت انعكاسها الأولى في تشديد الحصار المطلق عليه ومن ثم خنق كل ما فيه بصورة تدريجية انتهت بغزوه عام 2003. وفي كل تلك المرحلة ما بين 1991 و2003 كان الهدف المعلن لقيادة الحزب الشيوعي هو إسقاط النظام. بينما لم يملك هو أية امكانية على الاطلاق لتنفيذ هذا الشعار. وبهذا كان هذا الشعار أكثر خدمة لأطراف أجنبية أخرى. بينما كان الأمر يفترض الدفاع عن العراق عبر رفع شعار رفض الحصار والدعوة لإنهائه، والدعوة لإنهاء حكم مجلس قيادة الثورة. بينما كان سلوك قيادة الحزب يكشف عن تمازج الخيانة والغباء السياسي في قيادته، ومن ثم تبريرها وتسويقها للحرب والعدوان والحصار.

العدوان الامريكي واحتلال العراق

منذ عام 2000 بدأت مرحلة جديدة على النطاق العالمي تتطابق مع "أمركة" العالم بقوة السلاح. فبعد انهيار وزوال الاتحاد السوفيتي، أخذت الولايات المتحدة تبلور استراتيجية عدوانية تجاه العالم ككل. وهي استراتيجية أخذ بالالتزام بها الحزب الجمهوري ومنظري الاستراتيجية الأمريكية الجديدة.

وكان العراق في صلب هذه الاستراتيجية. وهي مواقف وخطط كانت موجودة ومتبلورة قبل الحادي عشر من أيلول عام 2000. وبدأت بزيارة ديك جيني نائب الرئيس الأمريكي وجورج بوش الابن للسعودية في تموز عام 2000، حيث نوقشت آنذاك فكرة احتلال العراق. وبالتالي، يمكننا القول، بأن العدوان الأمريكي على العراق كان بداية لعدوان أمريكي على العالم. وإن فشل العدوان الأمريكي في العراق كان وما يزال فشلا للعدوان الأمريكي على العالم.

لقد كان غزو العراق هدفا استراتيجيا أمريكيا هاما وخطيرا يعادل معنى "أمركة" العالم بقوة السلاح. وإذا كانت هذه الخطة لم يجر تنفيذها قبل أحداث نيويورك عام 2001 ، فإنه جرى استغلال هذه الحادثة ذريعة إضافية للغزو. وكشفت وسوف تكشف "الحرب السرية" على العراق كل حيثيات هذه الظاهرة مع مرور الزمن. فقد كان هناك تحضيرا سياسيا وعسكريا لغزو العراق. وتكشف مراسلات توني بلير مع جورج بوش الأهداف الحقيقية من غزو واحتلال العراق. فوفقاً لتوني بلير فإن الهدف الحقيقي من غزو واحتلال العراق هو إقامة نظام عالمي جديد بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي. وتوظيف هجمات الحادي عشر من أيلول لعام 2001 لهذا الهدف. في حين نرى لاحقا اعتراف توني بلير المبكر بالمأزق العراقي. وطالب بإجراءات فورية لمواجهة هذا المأزق الذي لم يكن متوقعاً له نفسه ولجورج بوش الابن.

وقد شاركت في الحرب مختلف القوى العالمية (أمريكا وبريطانيا) والإقليمية (السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت و"إسرائيل") والمحلية الداخلية العراقية. ولكل مصالحه وغاياته. لكن النتيجة الأساسية لكل ذلك هو دفع العراق ثمن المغامرة الصدامية والدكتاتورية البعثية، وتحلل المجتمع، وارتزاق الأحزاب "العراقية" وخياناتها. ولعل دور المؤتمر الوطني العراقي واحمد الحلبي في غزو واحتلال العراق نموذجا لدور الخونة واللصوص والانتهازية في الحرب السرية والعلنية ضد العراق. فقد كانت كمية الخيانة في "النخب السياسية" هائلا جدا. وتعرض الكثير منهم لاغتيالات بعد بلوغ الولايات المتحدة مآربها الأولية في الغزو. إذ جرى قتل عبد المجيد الخويي ومحمد باقر الحكيم. وكان عبد المجيد الخوئي عميلا للمخابرات الأمريكية وفقاً لمقابلة مع احمد الجلبي.كما كان لمحمد باقر الحكيم علاقات مع الدوائر الإيرانية المختلفة. وما بعد احتلال العراق كان الدور السري لإيران يفوق الدور الأمريكي.(يتبع....).

 

يوسف محمد طه

 

الانقلابات العسكرية وتعطيل المسار التاريخي للدولة العراقية

لقد كان لظاهرة الانقلابات العسكرية وقعها وأثرها، ومن ثم أدوارها وأهدافها المختلفة في حياة الدول، لكنها تتوحد في الخروج على قواعد النظام الديمقراطي والشرعي. فلكل منها ظروف وأدوار وأهداف خاصة ومتباينة نسبيا في أمريكا اللاتينية والعالم العربي والباكستان وغيرها من الدول.

فمن الناحية التاريخية كانت الانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية فاتحة هذه الظاهرة على الصعيد الدولي. واتسعت لاحقاً لتشمل العديد من البلدان. وكانت الانقلابات العسكرية في أمريكا اللاتينية جزء من استراتيجية وتكتيك الولايات المتحدة في اخضاع القارة اللاتينية لسيطرتها.

أما في العراق وسوريا ومصر فقد كانت ضد الحياة السياسية الديمقراطية. وكان هذا سبب أساسي لانتكاساتها وأزماتها المختلفة. إذ لم تكن جميع هذه الانقلابات العسكرية تهدف إلى إقامة حياة سياسية ديمقراطية. ومن ثم تعمل على اجازة مختلف الأحزاب السياسية وإنهاء الفترة الانتقالية بأسرع ما يمكن عبر القيام بانتخابات حرة تحضر لجمعية تأسيسية من اجل بناء دولة دستورية قانونية. وقد اتسمت كل الانقلابات العسكرية بعملها بالدستور المؤقت والفترة الانتقالية المفتوحة. بحيث حولت المؤقت إلى دائم، بل أبدي! والاستثناء النموذجي الوحيد في الانقلابات العسكرية هو ما حدث في البرتغال عام 1974.

وفي العراق أصبح الانقلاب العسكري بعد الاطاحة بالملكية (وهو أيضا بأثر انقلاب عسكري فتح بدوره الطريق لهذا النمط في التحولات السياسية) النموذج السائد والفعال في الانتقال إلى السلطة والتحكم بها. ولعل الانقلاب الذي قاده حزب البعث العربي الاشتراكي عام 1963 و1968 النموذج الأكثر "كمالا" لهذا النوع من انتقال السلطة والتحكم بها. والمميز له انه جرى بأثر تحالف حزب البعث وعمله مع السفارات الأجنبية وشركات النفط وجمال عبد الناصر من اجل إجهاض الجمهورية ونظامها السياسي الجديد. وهو انقلاب يتحمل مسؤولية الأساسية كل من عبد الكريم قاسم وقيادة الحزب الشيوعي. وليس مصادفة ان تكون أول أعمال هذا الانقلاب القضاء على عبد الكريم قاسم وقيادات الحزب الشيوعي. إذ جرى اعتقال سلام عادل في العشرين من شباط واستشهد بعد أربعة أيام من التعذيب الوحشي. وكذلك جرى اعتقال وقتل جمال الحيدري ومحمد صالح العبلي في الحادي والعشرين من تموز لنفس العام.

غير أن الانقلاب الدموي لحزب البعث المتحالف مع مراكز القوى الامبريالية آنذاك (بريطانيا والولايات المتحدة) لم يمر، كما يقال، مرور الكرام! إذ جرت مواجهته بصورة اجتماعية من جانب الجماهير، وبصورة فردية وجماعية من جانب اعضاء الحزب ومؤازريه وليس من جانب قيادة الحزب المتبقية. ولعل حركة وانتفاضة معسكر الرشيد في الثالث من تموز لنفس العام (1963) بقيادة البطل الشهيد حسن سريع النموذج الأكثر تجسيدا ورفعة لذلك. ولهذا قيل "حسن حي ومثلك لا يموت". ولا يغير من طبيعة الحكم عليه تعرضه للهزيمة.

إن السبب الرئيسي لإخفاق حركة حسن سريع يعود إلى انهيار احد الجنود المكلفين بالاستيلاء على الإذاعة من اجل إذاعة البيان الأول. وتوجه عبد السلام عارف على دبابة رئيس العرفاء المنهار بعد الاستفادة من كلمة السرّ التي سلمها للانقلابين. مما سهل عليهم السيطرة على معسكر الرشيد. وهناك روايات مختلفة بهذا الخصوص. فهناك من يعتبر إن إخفاق الحركة يعود إلى عدم تنسيقها مع الحزب. وهو رأي منافق ومختلق وكاذب ومظلل. وذلك لأن حركة حسن سريع طلبت التعاون والمساندة من تنظيمات الفرات الأوسط وفقاً لمذكرات عدنان عباس. كما لم تستطع تأمين الصلة مع الحيدري. أما أولئك الذين ينتحبون في المدرسة الحزبية في موسكو والذين يعتبرون أنفسهم القيادة المرتقبة، فقد كانوا جميعهم عناصر تتسم بقدر هائل من الانحطاط المعنوي والأخلاقي والسياسي. وفيهم يمكن البحث عن كوارث الحزب اللاحقة.

ولعل اجتماع براغ الذي "انتخب" اسوء شخصية في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي سكرتيراً له هو نتيجة منطقية لهذه الروح الخربة. فقد اعاد هذا الاجتماع الاعتبار لأعضاء الكتلة الرباعية بدلاً من طردهم باعتبارهم يتحملون مسؤولية شل إرادة الحزب. أما المجموعة التي حضرت لاجتماع براغ فهم كل من عزيز محمد وباقر ابراهيم وعامر عبد الله وبهاء الدين نوري وناصر عبود وحسين سلطان ونزيه الدليمي وآرا خاجودور وصالح دكلة وثابت حبيب العاني. وأقر الاجتماع صيغة وضعها عامر عبد الله وباقر ابراهيم. وعندما نتأمل الأشخاص الذين حظروا وشاركوا في مؤتمر براغ يرى هذا الخليط العجيب، الذي يعكس مع ذلك عدم مبدئية الحاضرين جميعاً دون استثناء. الأمر الذي ترتب عليه لاحقا نتائج سلبية مدمرة لم يخرج الحزب منها وعليها لحد الآن. لقد كشفت حركة حسن سريع إلى أي مدى كانت قوة الحزب الشيوعي، وكذلك إلى أي مدى شل التكتل الرباعي إرادة الحزب، ومن ثم كم كان مسئولاً عن انتكاسة الحزب الشيوعي نفسه. فقد امتلك حسن سريع الشاب البالغ من العمر آنذاك خمسة وعشرون عاما الجرأة والشجاعة في ظروف جداً صعبة وقاسية، لم تمتلكها القيادة "الرسمية" للحزب الشيوعي. إذ تمكن بما يقل عن مائتي عسكري من احتلال معسكر الرشيد واعتقال حازم جواد وزير الداخلية وطالب شبيب وزير الخارجية ومنذر الونداوي قائد الحرس القومي.

ويذكر عدنان عباس في مذكراته إن ثوار حركة الثالث من تموز بقيادة البطل الشهيد حسن سريع طلبت التعاون والمساندة من قبل تنظيمات الفرات، والتي كانت على استعداد لدعم الثوار. أما ثابت حبيب العاني فقد أكد على أن الحركة خير شاهد على الطاقة الثورية التي تختزنها جماهير الشعب العراقي، والتي شكلت تحدياً شجاعاً ومظهراً من مظاهر معارضة ردة شباط. كما كانت هناك تحركات في كتائب الدبابات الثالثة والرابعة في معسكر ابو غريب. أما أسباب إخفاقها فيعود بنظر العاني إلى كل من افتقارها للتخطيط الدقيق، وأنها حدثت في وقت غير ملائم، إذ انها جرت بعد الضربات الشديدة للحزب الشيوعي، وان من تبقى من قيادة الحزب لم يستطع المشاركة في الحركة لغياب الصلة.

لقد ركزت حركة حسن سريع على السجن رقم واحد، حيث كان فيه عدد كبير من الضباط. وهو مؤشر على قوة الحزب الشيوعي العراقي الفعلية في الجيش العراقي بصورة عامة وفي صفوف الضباط بشكل خاص. وهذه إدانة إضافية للتكتل الرباعي الغارق في نزاعه الضيق والأناني مع سلام عادل. أما ما يسمى بالعجالة في حركة حسن سريع، فإنها ليست دقيقة، وذلك لأن الحركة عرفت بأن الانقلابين كانوا يخططون لنقل سجناء السجن رقم واحد يوم الخامس من تموز عام 1963. بمعنى أنها تسرعت من اجل انقاذ الضباط ومن ثم اشراكهم في انقاذ الثورة من رذائل الانقلابيين. وليس غريبا أن تكون هذه الحركة قد اثارت الرعب في صفوف الحكم الانقلابي. وفي الوقت نفسه أدت هذه الحركة، كإحدى سلبياتها، إلى التسريع بالكشف عن جمال الحيدري ومحمد صالح العبلي وعبد الجبار وهبي وإعدامهم.

وبأثر ذلك ظهر ما اطلق عليه لاحقا اسم "قطار الموت"، بوصفه احد أشنع الجرائم التي اقترفها عملاء الثامن من شباط عام 1963على أثر فشل حركة حسن سريع. حيث جرى نقل أكثر من مائة شيوعي معتقل في سجن معسكر الرشيد إلى السماوة في قطار من عربات الشحن الحديدية في شهر تموز. وهو شهر يتميز في العراق بارتفاع درجة الحرارة إلى اقصى درجة. مما عرض المعتقلين لخطر الموت. وقد استشهد فعلاً عدداً منهم.

إن جريمة "قطار الموت" كانت وما تزال وينبغي أن تبقى مادة حية للإلهام الفكري والسياسي والأدبي والفني والسينمائي. (يتبع....).

***

يوسف محمد طه

 

محمد الدعميلم أخفِ سروري لحظة تسلمي الأمر الجامعي بتعييني رئيساً لقسم اللغة الإنكليزية بكلية التربية للبنات عام 1999، فهذا الموقع التربوي يشرف المرء، ويترك آثاراً طيبة في نفوس مئات الطالبات الدارسات في القسم المعني، بيد أني ما لبثت أن اكتشفت أني قد دخلت بهذا التعيين حقل ألغام، لا يمكن للمرء الخروج منه سالماً، نظراً لأن هذا القسم الدراسي كان مزدوجاً: (1) القسم الرسمي الأصلي؛ (2) القسم الظل.

أما القسم الأول، فقد تمرست على إدارة مثيل له بكلية اللغات ـ جامعة بغداد قبيل بضعة أعوام من تسلمي العمل بهذا القسم “البناتي” الجديد. وقد اكتشفت بسرعة خاطفة أنني قد عينت رئيساً لقسمين: الأول هو القسم الرسمي، ويحتوي على مئات الطالبات؛ أما القسم الظل، فلا تدرس فيه سوى بضع طالبات من أسر أقارب وأفراد حمايات الرئيس السابق صدام حسين، وكما اسلفت، كانت تلك التجربة أشبه باختبار اجتياز حقل ألغام، يصعب الخروج منه بسلام دون فقدان أحد الأطراف أو معاناة الإعاقة المستديمة.

أما قصة القسم الثاني “الظل”، فتعود الى بضع سنوات سبقت تعييني أعلاه، إذ رغبت كبرى بنات الرئيس السابق صدام حسين بالالتحاق بدراسة اللغة الإنكليزية وآدابها، بعد أن أكملت الدراسة الثانوية، لذا، فقد تأسس هذا القسم بطالبة واحدة فقط؛ وهي طالبة يصعب حضورها صفوف الدراسة مع عامة الطالبات في الكلية؛ وعليه اضطر هذا القسم العلمي ذو الطالبة الواحدة الى إرسال الأستاذات “من الإناث” فقط لتدريس هذه الطالبة المفردة في صف دراسي خاص أطلق عليه اسم “الصف الخاص” داخل مجمع القصر الجمهوري بكرادة مريم في بغداد.

إلا أن ذلك لم يدم طويلاً، إذ جرفت قوة جذب القسم الجديد جميع بنات أقارب الرئيس السابق من المتنفذين والموظفين في “ديوان رئاسة الجمهورية”، زيادة على بنات أفراد حمايته الخاصة، نظراً لأن أغلبهن ينتمين الى أسرة الرئيس نفسها “بنات أعمام وأخوال، من بين آخرين)”.

وقد أتاحت هذه التجربة لكاتب هذه المقالة فرصة الاطلاع عن كثب على طرائق السلطة نحو المواطنين، ليس على النحو القاسي أو مستديم التدمير، وإنما على النحو الذي يضطر المرء فيه الى المناورة والحركة السريعة الحذرة والتمويه؛ لتجنب أي احتكاك بهؤلاء المسؤولين القساة “من الحلقة المحيطة القريبة من الرئيس”، وذلك من خلال تحول رئاسة هذا القسم العلمي الى شيء اشبه ما يكون ببرامج “طلبات المستمعين”: فآباء وأعمام وأخوال الطالبات جميعاً هم من محظيي الرئيس المقربين، وهم لا يتأخرون في تلبية اي رغبة لبناتهم اللائي يداومن في صفوفهن الخاصة بالقسم الظل، لذا لم أكن أتفاجأ بزيارات خاطفة من قبل هؤلاء المتنفذين طلباً للكتب الدراسية مجاناً أو رجاءً بنقل إحدى الأستاذات، عن طريق إعفائها من التدريس في الصف الخاص، ذلك الصف الذي صار صفاً مزدحماً بعد تسلمي لشرف إدارة القسم، أضف إلى ما تقدم، اضطرار المرء للإجابة عن اية استفسارات أو إيضاحات مطلوبة غالباً ما لا تقدمها الطالبة بنفسها، وإنما تطلب من والدها المتنفذ طلبها مني مباشرة “العقيد فلان والمدير العام فلتان، والمستشار الرئاسي علاّن، وهكذا”، وبذلك، كان النجاح في هذه المهمة ليس بحليفي لأنه اشبه بالمشي على زجاج مهشم ممدود على صفيح ساخن.

عليه، كنت شديد الحذر شخصياً، زيادة على توصية جميع الزميلات المشاركات في التدريس بالصف الخاص بالحذر وعدم التمادي في التحديق على الطالبات، نظراً لوجود عدد كبير من بنات المسؤولين من الوزراء وقادة الدوائر الأمنية، من اللائي لا يترددن في إخبار آبائهن عن كل صغيرة وكبيرة قد تحدث داخل الصف الدراسي الخاص، أو اثناء سير التدريس.

وقد بذلت أقصى جهودي للــ”تحرر” من رئاسة هذا القسم، وهذه ليست بالمهمة الهينة لأن “هؤلاء”، إن شعروا برغبتك بالتخلص من هذه المهمة “الوطنية والقومية”، فانهم لا يتأخرون في إنزال أقصى العقوبات بي، حتى إن تطلب الأمر اصطناع تهمة كاذبة.

وهكذا تواصل عملي المضني هذا حتى سنحت فرصة إفلاتي من هذه المهمة “بوصفي ذي الرئاستين”، إذ استفزت إحدى المدرسات المبتدئات واحدة من طالبات “نخبة” الصف الخاص، عندما طلبت منها إغلاق دفترها الامتحاني أثناء المراقبة في قاعة الامتحانات: إذ أقامت هذه الطالبة الدنيا ولم تقعدها: “من هي هذه المدرسة؟”، “عليك بفصلها أو طردها من الخدمة فوراً”، زد على ذلك ما كرره لي المهاتفون”من الجهات الخاصة” على أسماعي من كلمات نابية ضد المدرسة المعنية التي تجرأت على طلب الالتزام بالتعليمات والضوابط الامتحانية، من طالبة الصف الخاص ذاتها.

وهكذا، وبعد مرور بضعة أيام، استدعاني عميد الكلية “وكان هو كذلك من أقارب الرئيس” للاستفسار وللمداولة بحضور عدد كبير من المشرفين على “الصف الخاص”، فيما أقدمت عليه المدرسة المسكينة من إجراء، وإذا كنت قد بررت ودافعت عن هذه المدرسة الشابة لحمايتها وقتذاك، فاني لم أكن أتوقع أمرا جامعيا ثانيا باعفائي من رئاسة هذا القسم، وتعيين شخص آخر ليحل محلي.

ولكن برغم ما اعتراني من سعادة وحبور يوم تسلمي كتاب الإعفاء، كان يتوجب عليّ “تمثيل” دور الحزين والمنزعج مما حدث، كي أحظى بخروج آمن من رئاسة ماكان يسمى بــــ”الصف الخاص”.

 

أ.د. محمد الدعمي

كاتب وباحث أكاديمي عراقي

 

الحزب الشيوعي وعبد الكريم قاسم: اسباب ونتائج الخلاف والصراع

لقد استفز مطلب مشاركة الحزب الشيوعي بالحكم عبد الكريم قاسم. وهو مطلب مشروع بحد ذاته. وبالتالي، كيف كان يمكن توقع موقفه من شعار إسقاطه؟ فقد كان لهذه القضية أبعادا ومداخلات عديدة متشابكة تتعلق بموقف التيار القاسمي من السلطة والجماهير، وموقف التيار القومي وإمكانية تحالفه مع التيار القاسمي، وموقف مرجعية النجف من استلام الحزب الشيوعي للحكم في العراق، وموقف إيران وتركيا والسعودية والأردن، وموقف القوى الإمبريالية وشركات النفط.

بعبارة اخرى، لقد كان لهذه اللقضية أبعاد عديدة. غير أن الأمور قد جرت بطريقة أخرى. وإذا كان بإمكان زمرة مغامرة من القضاء على الحكم الوطني المتذبذب والتحكم بالسلطة من خلال انقلابات عديدة داخلها لعقود طويلة من الزمن، فإن الحلول كانت فيما يبدو أسهل بكثير بالنسبة للحزب الشيوعي العراقي لو أن قادته كانت تتمتع بإرادة مستقلة وحازمة ومتنورة بمشروع وطني يتخطى خلل ونواقص الحكم القاسمي.

لقد تخوف قادة الحزب بعد الهزيمة التاريخية عام 1963، وبالأخص بعد عام 1967، مما اسموه بالحرب الأهلية المحتملة. وهو تخوف يعكس خوف القادة من مواجهة التحديات المصيرية آنذاك وليس مخاوف الواقع كما هو. فقيمة الحزب الثوري، بل كل حزب سياسي، تقوم أولا وقبل كل شيئ في شكيمة الإرادة والعمل بمعاييرها من أجل تحقيق مشروعه السياسي التاريخي. فحتى في حال احتمال نشوب حرب أهلية، فإن من المتوقع أيضا أن تكون نتائجها لصالح الحزب والشعب. فهي أفضل من مجزرة شباط لعام 1963 التي اختارت فيها قوى الردة تفجيرها في وقت وظرف ملائم لها. فقد كان بإمكان الحزب الشيوعي أن يطالب بإنهاء المرحلة الانتقالية وكتابة الدستور الدائم، وكذلك الاستعداد لكل التطورات والاحتمالات. إلا أن إرادة الحزب نتيجة وضعه القيادي والموقف السوفيتي حالت دون ذلك. مما أدى إلى أن يدفع الحزب والعراق ثمناً باهضاً. فعندما نتأمل الواقع وأحداثه ومجرياته وقواه الفاعلة نتوصل إلى أن تلك الفترة كانت من أفضل الفترات في تاريخ الحزب لاستلام الحكم. وعند تحليلها بعمق نجد فيها أيضا الكثير من المخاطر. كما أن فيها الكثير من الإمكانيات الناجحة. وفن وعلم اختيار القرار الذي يراعي مختلف الأطراف والظروف والأسباب والنتائج والاحتمالات ضروري جداً.

فما هو يا ترى موقف مختلف القوى الداخلية والخارجية في حال استلام الشيوعيين للحكم في العراق خلال أعوام 1959-1960؟ وما هي خطط الشيوعيين في مواجهة مختلف المؤامرات ضد الجمهورية؟ وما هي مواقفهم وآرائهم تجاه مختلف احتمالات التطورات العراقية؟

كان الوضع العراقي آنذاك يفرض ويتطلب من الحزب اليقظة والحذر والاستعداد لمختلف الاحتمالات. بمعنى انه كان يتطلب الحصول على معلومات أمنية واستخبارية. وكان الحزب قادرا آنذاك بالفعل على توفيرها. كما كانت تتوفر إمكانية وجود قوة حزبية مسلحة على الأقل في بغداد لمواجهة مختلف الاحتمالات ولصيانة إمكانيات الحزب الهائلة. إضافة إلى الاستعداد الحزبي في مختلف المحافظات العراقية تجاه مختلف التطورات والاحتمالات التي كان يحملها الوضع العراقي. بينما جرى إهمال إمكانيات الحزب الهائلة التي كانت حصيلتها الكارثة الكبرى لعام 1963. لم تكن هذه النتيجة الكارثية معزولة عن تأثر الصراع الداخلي في الحزب الشيوعي حول خططه في مواجهة مختلف تطورات الوضع العراقي.

إن ما حدث في العراق من سقوط مريع للجمهورية يتحمله بصورة كبيرة موقف عبد الكريم قاسم. إضافة إلى الحالة السياسية القانونية والدستورية. ففي حال إرساء أسس الدولة الدستورية القانونية كان بإمكان الانتخابات أن تؤدي لحالة ووضع دستوري قانوني للحزب الشيوعي في الحكم والدولة. ومن ثم ينهي فردية عبد الكريم قاسم في الحكم.

وفي كلتا الحالتين اليمينية واليسارية في الحزب الشيوعي كانت هناك خلفية فكرية سياسية خاصة بكل منهما. فقد كانت قيادات الحزب في مختلف المراحل تفتقد للخلفية الفكرية النظرية والعملية التاريخية الواسعة. وهذا ما ينعكس في فهمها ومواقفها. لقد اخفقت قيادة الحزب الشيوعي في تنظيم أمكانياتها الكبيرة لمواجهة مختلف التطورات والاحتمالات العديدة في مسار العملية السياسية في العراق. وكان أحد اكثر الشعارات دويا في سماء العراق السياسية يقول "ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة" (أي لا يمكن لمؤامرة أن تنجح وحبال المشانق بيد الشعب). لكن الأحداث أظهرت انه لا حبال ولا خطة لمواجهة أية مؤامرة. وبالتالي لم يكن هذا الشعار أكثر من عبارة مخدّرة للوعي الاجتماعي السياسي. إذ كشفت الأحداث انه لا وجود لأية خطة في مواجهة المؤامرات.

فمنذ أواخر شهر أيار عام 1959 أخذ الحزب يتخذ مواقف لينة تجاه عبد الكريم قاسم. في حين كان عبد الكريم قاسم يرسم خطته للمستقبل. في حين اخذت إمكانيات الردة بالنمو، بينما كان الحزب يفقد الجرأة على المواجهة. وهي مقدمات الهزيمة. فوفقاً لحنا بطاطو كان عبد الكريم قاسم يعتقد أن تصفية الشيوعيين هي مقدمة تصفيته من قبل "القوميين". وإن دفع الشيوعيين نحو التشدد يمكن أن يؤدي إلى إسقاطه. وكانت أحداث كركوك ايام الرابع عشر- السادس عشر من تموز عام 1959 جريمة كردية ضد التركمان باسم الشيوعيين. وقد كان ذلك اول استغلال كردي للحزب الشيوعي العراقي لأهداف قومية ضيقة. كما أنها أول جريمة يقترفها الأكراد تحت واجهة الحزب الشيوعي العراقي. في حين تخاذلت قيادة الحزب وانقسمت في مواقفها من جريمة الأكراد بحق التركمان تحت عباءة الحزب الشيوعي العراقي.

ووجد المسار الجديد في تطور الأحداث في العراق آنذاك انعكاسه في نتائج الاجتماع الكامل للجنة المركزية في تموز عام 1959. ويمكن تلخيص نتائج هذا الاجتماع بما يلي:

- تشجع عبد الكريم قاسم في الاستمرار في نهجه المعادي للحزب الشيوعي، اعتقادا منه بأن ضغطه على الحزب له جدواه. ومن ثم لابد من الاستمرار في هذا النهج وتوسيعه.

- قتل روح الجرأة عند الرفاق وأنصارهم في مواجهة معاداة الشيوعيين.

- إصابة الحزب بالتردد. ومن ثم كان خطوة في مسار التراجع الذي انتهى بانكساره وهزيمته التاريخية عام 1963.

وفيما يبدو أن سلام عادل أصيب بالتردد نتيجة الصراع مع التكتل الرباعي. فبعد رفض عبد الكريم قاسم مشاركة الحزب في الحكم كان يجب طرح مسالة ضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية والدستور المؤقت. بمعنى العمل من اجل تنظيم الحياة السياسية الحزبية تحضيراً لانتخاب جمعية تأسيسية تسن دستور دائم للبلاد. بينما كان عبد الكريم قاسم يرفض مشاركة الحزب في الحكم، كما رفض إنهاء المرحلة الانتقالية وتنظيم الحياة السياسية الحزبية الديمقراطية بإجازة الأحزاب السياسية. وعندما تكلم عن هذه القضايا في وقت لاحق، فقد تبين انه لم يكن جاداً. وأنه كان يهدف لكسب الوقت والتحضير لخطوات لاحقة.

وقد تناول كل من عزيز سباهي وجاسم الحلواني في دراستهما عن (عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي) إشكالية العوائق الأيديولوجية القائمة أمام إمكانية البديل السياسي في تلك المرحلة. حيث نراهما يعتبران المواقف الأيديولوجية للحركة الشيوعية العالمية المعارضة لتلك البدائل الممكنة والضرورية هي نتاج فهم قاصر، أو أنها نتيجة تعميمات غير صحيحة. أما في الواقع، فإن ضعف الإمكانيات الفكرية والسياسية لدى قيادات الحزب إلى جانب التكتل الرباعي هي الأسباب الأساسية التي عرقلت وأعاقت وحطمت إمكانية البديل آنذاك.

وليس مصادفة أن يقول دالاس عن زمن 1959، بأن العراق أخطر ما في عالم اليوم وذلك بسبب النفوذ الهائل للحزب الشيوعي. وضمن هذا السياق يمكن القول، بأن نجاح اغتيال عبد الكريم قاسم كان يمكن أن يؤدي إلى تسلم الحزب الشيوعي العراقي للسلطة. الأمر الذي يشير إلى غباء من خطط لاغتياله الفاشل. فقد كان الحزب الشيوعي قوة ضاربة في الجيش وبالأخص في الفرقة الأولى المسئولة عن البصرة والناصرية والديوانية. وكذلك في الفرقة الثانية والثالثة والرابعة. كما انه كان يتمتع بهيمنة شبه تامة في القوة الجوية، إضافة إلى قوته الحاسمة بين الجماهير وفي المقاومة الشعبية وفي قاعدته الحزبية. وضمن هذا السياق يمكننا الوصول إلى استنتاج دقيق يقول، بأن كفّ القوى الداخلية والخارجية المعادية للجمهورية والثورة عن اغتيال عبد الكريم قاسم والانتقال الى أسلوب المؤامرة الانقلابية يعكس حنكة القوى الامبريالية (الأمريكية بشكل خاص). فعندما يصرح رئيس المخابرات الأمريكية عن أن العراق هو البلد الأخطر آنذاك، فذلك يعني بأن الانقلاب الذي جرى عام 1963 بمخطط امريكي وبريطاني (شركات النفط البريطانية بشكل خاص) كان يدرك خطورة الاغتيال الفردي للزعيم عبد الكريم. وذلك لأن قتله الفردي سيؤدي بالضرورة، كما أشرت أعلاه، إلى انتقال الحكم للشيوعيين. من هنا أصبح الانقلاب الكامل بقتل شخصيات الجمهورية والثورة والشيوعيين هو الأسلوب الوحيد للقضاء على النظام الجمهوري وقواه الحية آنذاك.

لهذا يمكن فهم قول آلن دالاس مدير المخابرات المركزية الأمريكية في وصفه للوضع في العراق في منتصف عام 1959 بأنه أخطر ما في عالم اليوم. كما يشير حنا بطاطو في كتابه إلى أن عبد الكريم قاسم قد شاهد وتوصل إلى أن الحزب الشيوعي هو بديله الفعلي والجاهز في حال نجاح محاولة اغتياله. وهذا كان واضحاً بالنسبة للجميع. وكان هذا أيضا سبباً في تأجيل محاولة اغتيال قاسم أكثر من مرة. وذلك لأن من كان يخطط لاغتياله توصل إلى تقدير دقيق عن أن مقتل الزعيم يصب في مصلحة الحزب الشيوعي.

أما عبد الكريم قاسم فقد اخذ بمواجهة الحزب الشيوعي بصورة واضحة عندما رفض طلب إجازة الحزب الشيوعي. ففي كانون الثاني عام 1960 جرى رفض إجازة الحزب الشيوعي ضمن خطة شخصية لعبد الكريم قاسم نفسه. انه بدأ يلعب بالنار في ظل وقت كانت ملامح الموت البطيء تختبئ في كل جوانح قادة الحزب الشيوعي. بينما كانت إجازته وإجازة كل الأحزاب السياسية مهمة وطنية خالصة من اجل تأسيس حياة سياسية ديمقراطية. ومن ثم انتخاب جمعية تأسيسية لسن دستور دائم للبلاد. مع ما كان يترتب عليها من صنع دولة دستورية قانونية تصون الجمهورية وعبد الكريم قاسم نفسه والحزب الشيوعي والشعب العراقي. وبالتالي كان بإمكانها اختصار أو شبه إلغاء لمآسي العراق اللاحقة. كما كان بإمكانها تقديم نموذج متميز في العالم العربي آنذاك. إلا أن عبد الكريم قاسم لم يكن جاداً في ذلك. وإنما كان يهدف لكسب مزيد من الوقت لإيجاد مخرج ما. لكنه اخطأ في ذلك ففشل. إذ لا وقت كان يمكن توفيره آنذاك. فعدم إجازة الأحزاب السياسية والقيام بانتخابات لجمعية تأسيسية تؤسس لدولة دستورية قانونية قد أدى إلى استمرار الوضع المتأزم كما هو حتى انهيار وهزيمة عبد الكريم قاسم والجمهورية. وبذلك ذهب هدراً الوقت الذي أراد عبد الكريم قاسم كسبه. مما يظهر عجزه عن إيجاد مخرج وفقاً لرؤيته وأهدافه الشخصية. ففضل الاستسلام لعبد السلام عارف على المقاومة وتسليح الشعب. لكن الغريب كيف طاوعه في ذلك عباس المهداوي وطه الشيخ احمد وغيرهم من الضباط الشجعان في ذلك الوقت؟ وانتهت مسيرة عبد الكريم قاسم بهذا الصدد بمسرحية سمجة أجاز فيها بعض الأحزاب السياسية، بينما منع منها أهم وأكبر حزب سياسي عراقي وهو الحزب الشيوعي. وهي مفارقة عجيبة وغريبة. لكنها واقعية ومخزية! إنها تعكس عنجهية عبد الكريم قاسم وتنكره للواقع وإنكاره إياه. الأمر الذي يشير إلى أن عبد الكريم قاسم لم يكن يفكر بإنهاء المرحلة الانتقالية وتسليم السلطة للشعب. لأن ذلك كان يؤدي بالضرورة حينذاك إلى فوز الحزب الشيوعي ومن ثم وصوله إلى الحكم بطريقة شرعية وديمقراطية.(يتبع....)

***

يوسف محمد طه

 

الإرادة السياسية وإشكالية القيادة في الحزب

لقد تطرقت في الحلقة السابقة إلى اشكالية الإرادة والقيادة والأقلية، من خلال التركيز على فكرة الإرادة واهميتها، بل جوهريتها بالنسبة للكفاح السياسي من اجل بلوغ الأهداف المعلنة للحزب السياسي. وفيما لو طبقنا هذه الفكرة النظرية العامة على واقع العراق وضمن سياق الرؤية التقيمية لتاريخ الحزب الشيوعي، فإننا نلاحظ ارتباط حالة المد والجزر الفعلي في تأثيره على مجرى الأحداث بما يمكن دعوته بقوة الإرادة السياسية أو ضعفها في قياداته.

يكشف الاستعراض الظاهري والسريع لهذه الحالة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي عن صدق هذه الفرضية، التي لم تعد مجرد قاعدة أو مبدأ لتفسير الماضي، بل وذات قيمة كبرى بالنسبة لاستخلاص العبرة السياسية تجاه المستقبل. فقد نشأ الحزب الشيوعي وتوسع تأثيره خلال فترة وجيزة نسبيا. إذ استطاع قيادة احدى الوثبات التاريخية الكبرى في تاريخ العراق الجديد عام 1948، أي بعد حوالي أربعة عشر عاما من تأسيسه عام 1934. وبأثرها استطاع اسقاط معاهدة جائرة وحكومة صالح جبر. وهو إنجاز كبير يعبّر عن حقائق جديدة. وفي مقدمتها هو عدم وصول التلوث إلى قيادات الحزب، كما سيحدث لاحقا في ما يسمى بالتكتل الرباعي أو قيادة عزيز محمد للحزب بعد 1980. فقد كانت هذه المرحلة الأخيرة برهانا ساطعا على غياب الإرادة السياسية الفاعلة بمعايير الفكرة الاجتماعية والوطنية التي جعلت فيما مضى من الحزب الشيوعي القوة الأكثر تأثيرا وفاعلية في الحياة السياسية والاجتماعية للعراق على مدار عقود. بينما سعت قيادة عزيز محمد للحزب بنقل كامل قواه وتأثيره لخدمة مآرب قومية ضيقة لقومية صغيرة. الأمر الذي أتاح لعزيز محمد وزمرته من توظيف إمكانيات الحزب لهذه النوازع (القومية الكردية).

لقد نشط الحزب الشيوعي العراقي ضمن ديناميكية اجتماعية سياسية وثقافية كبيرة، وضمن تطورات عاصفة على المستوى الإقليمي والعربي والعالمي. فقد كان ينشط في العراق تيارات وأحزاب وقوى عديدة، متناقضة ومتنافسة، وفي كلها كانت تعمل على تنشيط الحيوية الفاعلة في الحياة السياسية العراقية. إذ نعثر فيه على حركات وطنية واجتماعية مؤثرة مثل "جمعية الإصلاح الشعبي" و"عصبة مكافحة الصهيونية" وأصحاب "جريدة الأهالي" وحزب التقدم، وبالمقابل رجال العهد الملكي مثل فيصل الأول والملك غازي والوصي عبد الإله وفيصل الثاني وعبد الرحمن الكيلاني، إضافة إلى وزرائه مثل نوري السعيد وجعفر العسكري وعبد المحسن السعدون وياسين الهاشمي وبكر صدقي ورشيد عالي الكيلاني. وما يقابلها من شخصيات وطنية وفكرية مثل جعفر ابو التمن وعبد الفتاح إبراهيم وكامل الجادرجي وغيرهم.

وعلى الصعيد الإقليمي نرى انعكاس هذا الصراع في تأسيس الاتحاد الهاشمي بين العراق والأردن عام 1958 بوصفه رداً على الجمهورية العربية المتحدة لعام 1958 بين مصر وسوريا. ولم يكن كل هذا التشويش السياسي في الواقع سوى انعكاس لخلل النظم السياسية وعقائدها ورؤيتها للواقع والمستقبل ومضمون المصالح. فإذا كان الاتحاد الهاشمي هو رد على الاتحاد العربي المصري السوري، فإن المساعي السورية آنذاك كانت محكومة بتخوفها من القوة الصاعدة للشيوعيين في سوريا. بمعنى خشية البعث السوري من تقدم الشيوعيين هو الذي دفعهم للوحدة. كما إن للنظام الناصري بواعثه الخاصة. مما أدى إلى انحلال هذه الواحدة سريعا. كما كانت دعوة حزب البعث في العراق للوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة محكومة بالخوف من قوة الشيوعيين في العراق آنذاك. بعبارة أخرى، إن كل هذه المواقف السياسية كانت محددة بغايات حزبية ضيقة وأنانية. بمعنى طرح فكرة الوحدة للاختباء خلف جمال عبد الناصر في مواجهة نفوذ الشيوعيين. كل ذلك أدى إلى النتيجة المعروفة عن انهيار الجمهورية العربية المتحدة عام 1961. وبموازاة ذلك ظلت جامعة الدول العربية مصابة بالعجز التام فيما يتعلق بأي مشروع وحدوي أيا كان مستواه. وهو مرضها العضال المزمن الذي لازمها لحد الآن. بمعنى أن وجودها الفعلي هو موت سريري دائم.

أما داخل العراق فقد كانت تتراكم شحنة العداء ضد النظام الملكي. وظهرت آنذاك للمرة الأولى حركة الضباط الأحرار التي اشترك فيها الكثير من رجال الجيش، إلا أنها لم تكن موحدة في رؤيتها للمستقبل وطبيعة النظام السياسي وكثير غيرها ما يؤهلها للاستمرار بوصفها قوة سياسية. ومع ذلك أدت إلى انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958. وتحول هذا الانقلاب الى ثورة، لكنها ثورة ناقصة ومغدورة.

لقد بقي النظام السياسي العراقي يعاني بعد انتصار ثورة تموز من خلل داخلي ظهر بصورة جلية في حالة ازدواجية السلطة. وقد أدى هذا الخلل إلى الإطاحة بها من قبل زمرة صغيرة وعابرة ومغامرة. وقد كان لهذا الخلل سببه السياسي والاجتماعي الغائر في التاريخ السياسي الحديث للعراق. وهو يكشف عما أسميته بقيمة الإرادة بالنسبة للتطور التاريخي. فقد كانت الحركة الجماهيرية في العراق بحالة نمو مستمر ومتصاعد كما نراها في وثبة كانون أول عام 1948، وانتفاضة عام 1952، وانتفاضة 1956. وكانت تمتلك إمكانيات نمو كبيرة لأسباب داخلية وخارجية. وإن نموها كان بإمكانه ان يسقط النظام الملكي وينهي الاحتلال البريطاني للعراق ويجري تحولات عميقة في مختلف المجالات الداخلية والخارجية. ويحقق ثورة كاملة.

كما كان بإمكان الحزب الشيوعي أن يكمل النصف الثاني لثورة تموز. إلا إن الخلل القيادي في الحزب حال دون تحقيق ثورة كاملة. وهو السبب القائم وراء الإخفاق في تحول انقلاب تموز إلى ثورة كاملة يصعب الغدر بها. كما أن انقلاب تموز لعام 1958 أو الثورة الناقصة لم يكن ضروريا لإنجاز تحولات عميقة في العراق. بل على العكس أظهرت ثورة تموز الناقصة أيضاً عما كان يكمن فيها من ضرر هائل بالنسبة للعراق وشعبه وحركته الاجتماعية السياسية.

إن السمات المتناقضة للانقلابات العسكرية في مصر وسوريا والعراق جلية. انها ساهمت في إثارة تطورات مختلفة وبالقدر نفسه أجهضت تطورات أخرى. وبمجملها كانت هذه الانقلابات مناهضة للديمقراطية، ومرتع للأزمات والهزائم والانتكاسات. فقد كانت التطورات السياسية الداخلية في هذه البلدان تمتلك إمكانيات كبيرة لتحقيق تحولات عميقة في مختلف المجالات الداخلية والخارجية. لكن هذه الانقلابات أجهضت مسيرة التحولات الجذرية والعميقة التي كان يمكن بلوغها بطرق سياسية. ولا يغير من ذلك شيئا مظاهر عداءها للاستعمار. وبأثر هذه الانقلابات تراجعت الحياة السياسية الحزبية في هذه البلدان. وظهر قادة الانقلاب وكأنهم آباء مالكون للشعوب في تقرير مصيرها. وحكموا بالدساتير المؤقتة وبعقليات سياسية غير ناضجة.

 فقد كان انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 أو ثورة تموز الناقصة نصف انتصار لتحالف الشعب ضد الاستعمار وشركات النفط والإقطاع. ومن ثم كان ينبغي لهذا الانقلاب أن يتعمق أكثر خصوصاً في ما يتعلق بقضية السلطة. بمعنى انه كان من الضروري أن تصبح تعبيرا عن تحالف شعبي، لا أن تستمر كسلطة انقلاب عسكري خالص، كما لو انه هدفه الوحيد هو الوصول إلى السلطة.

فمن الناحية الواقعية والتاريخية آنذاك كان الحزب الشيوعي العراقي أكبر قوة سياسية في العراق. الأمر الذي أدخله بالضرورة في تنافس وصراع مع عبد الكريم قاسم الذي برز كزعيم وطني بعد الثورة. غير أن الدفاع عن الثورة ومسارها ظل الباعث الأعمق في سلوك الحزب الشيوعي تجاه السلطة الوطنية لعبد الكريم قاسم.

لقد واجه العراق وسلطته الوطنية الجديدة معارضة متنوعة الأشكال والمستويات، داخلية وإقليمية وعالمية. فقد وقف حزب البعث العراقي وجمال عبد الناصر موقفا معارضا للحكم القاسمي. وسعى كل منهما بطريقته الخاصة لفرض قيادة ناصر والجمهورية العربية المتحدة على العراق، في وقت كان الشعب السوري ومختلف قواه يعانون من هذه الجمهورية.

إن محاولة فرض التنظيم القومي للناصرية أيضاً في العراق لم تأت بثمارها. بل على العكس أنها أدت إلى نتائج عكسية. وقد نظر الشيوعيون إلى أهداف الاتحاد الفوري ووقوف حزب البعث العراقي وراءه مجرد شعار طوباوي، خصوصاً بعد فشل وحدة الجمهورية العربية المتحدة. لقد كان العجز الفعلي لحزب البعث أمام الشيوعيين هو السبب الأساسي لرفع هذا الشعار. لكن محاولة سد هذا العجز بأساليب وتوجه خاطىء وغير عملي قد أدت لاحقا إلى نتائج كارثية بما في ذلك بالنسبة لفكرة الوحدة وحزب البعث نفسه. فقد أدى إلى انشقاق الحزب إلى تيارين متصارعين في سوريا والعراق. وفشل حزب البعث نفسه في تحقيق وحدته الحزبية والسياسية ولاحقا القومية (بين العراق وسوريا عندما كان كلاهما في هرم السلطة). كل ذلك يكشف إما عن زيف الإدعاء وإما العجز الفعلي في إنجاز هذه المهمة. وإذا كان الأمر كذلك فكيف يا ترى يمكن تحقيق وحدة العرب في ظل تباين واختلاف ظروفهم الداخلية والخارجية. وعموما كانت النتيجة وما تزال بهذا الصدد تشير إلى فشل العرب في اقامة وحدتهم القومية أو حتى أبسط نماذج الاتحاد والتضامن والجمعية. كما عجزوا وفشلوا في مواجهتهم للصهيونية وبقايا الكولونياليات القديمة والإمبريالية الامريكية. بل نرى على العكس اشتداد مظاهر التفكك والخلاف والصراع بما في ذلك الدموي كما رأيناه على مثال العراق وسوريا، واستمراره القذر في الحرب السعودية الاماراتية على اليمن. إننا نقف أمام مفارقة تمثل بحد ذاتها نموذجا للرذيلة المطلقة في سلوك السعودية والإمارات تجاه اليمن. فالسعودية أسد على أطفال اليمن وعبد وضيع أمام امريكا ونعامة أمام الكيان اللقيط "اسرائيل".

كل ذلك يكشف عن طبيعة التحولات والمخاطر التي كانت كامنة في مواجهة إشكاليات الحلول الوطنية والقومية في العراق. وفيما يخص الحزب الشيوعي العراقي فقد نجح في تكوين حركة شعبية جماهيرية واسعة جداً في العراق ومن ثم نتائجها الإقليمية الكبيرة. غير انه فشل في إقامة نظام سياسي دستوري قانوني في العراق. انه فشل في حماية الجمهورية، كما فشل في حماية نفسه، وبالتالي فشله في حماية الشعب. ولم يكن ذلك معزولا عن المحاولات العديدة والهائلة لضرب وتحطيم الحركة الجماهيرية للحزب الشيوعي. فقد كان ذلك هو الهدف الذي اجتمعت حوله قوى عديدة ومختلفة. واتخذ هذا التدخل والصراع بعدا عالميا أيضا. فقد كان الموقف السوفيتي ضد التدخل العسكري الأمريكي في العراق في تموز عام 1958. لكنه اتخذ لاحقا أشكالا عديدة، ولعل أهم نتائجه هو انقلاب الثامن من شباط عام 1963.

لقد مر عراق ما بعد انقلاب تموز بعوائق ومشاكل عديدة وصاخبة من حيث تأثيرها المباشر وغير المباشر على مسار الحركة الاجتماعية السياسية ومصير الأحزاب السياسية بمن فيها الحزب الشيوعي العراقي. فعندما نتأمل، على الأقل من حيث مجرى الأحداث وجردها، تتبين خارطة أو مسار هذه الأحداث. فبأثر المقاومة الشعبية للخطط المعادية للسلطة الوطنية قدم عبد الكريم قاسم في شهر آب من عام 1958 بتجريد عبد السلام عارف من مناصبه المختلفة. حيث جرى تجريده من منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة في الثاني عشر من أيلول عام 1958 ومن منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية في الثلاثين من نفس الشهر والعام. ومن ثم تعيينه سفيراً للعراق في بون، بل واعتقاله في الرابع من تشرين أول عام 1958 لعودته غير المأذون بها إلى بغداد. ومحاكمته لاحقا وصدور عقوبة الإعدام بحقه مع توصية بالرحمة به في الخامس من شباط عام 1959.

كما قامت المقاومة الشعبية، بأثر أحداث الموصل في آذار 1959 التي كانت ترفع في شعاراتها مضمون الدعوة الى توحيد أعداء الزعيم عبد قاسم والشيوعيين. لكن القضاء على تمرد الشواف في الموصل قد أدى إلى نتائج تتعارض مع المسار المنطقي الضروري بالنسبة لتوحيد المقاومة والدفاع عن الجمهورية والحكم الوطني. فبأثر هزيمة القوى المعادية للجمهورية والحكم الوطني ومسيرة الأول من أيار عام 1959 الكبرى، نرى الرفض الحاسم لعبد الكريم قاسم لفكرة مشاركة الحزب الشيوعي في الحكم. وهو رفض لم يكن مبرر على الاطلاق. ولم يكتف بذلك، بل استمر بهذا النهج الذي من نتائجه كان انقلاب الثامن من شباط الدموي.

فقد دعت الجماهير، والشيوعيون بشكل خاص، عبد الكريم قاسم إلى تسليحها من أجل الدفاع عن الجمهورية وعنه أيضاً. لكن الزعيم ظل يحكم بفترة انتقالية مفتوحة، طالت أكثر مما كان ينبغي أو ضروري. وظلت هذه المرحلة الانتقالية سارية حتى القضاء عليه، أي البقاء والحكم في ظل غياب دستور دائم.

لقد أثار هذا الواقع أمام الحزب الشيوعي، كما هو الحال عند غيره، إشكالية السلطة والموقف منها. فإذا كان أعداء عبد الكريم قاسم متوحدون وبلا جدل أو خلل في سعيهم للقضاء عليه، فإن الأمر كان مختلفا بالنسبة للشيوعيين. لكنه سؤال أخذ بالظهور واحتل موقعه المناسب في المواقف الحزبية السياسية واختلاف وصراع قواه. بمعنى انعدام الوحدة والصرامة في اتخاذ موقف عملي واحد. وإذا كانت هناك روايات عن دور السوفييت في تراجع الحزب عن المشاركة في الحكم، فما بالك يا ترى في الموقف من اسقاط حكومة عبد الكريم قاسم والقضاء عليه؟ وعادة ما يجري تفسير الموقف السوفيتي آنذاك بأسباب عديدة عراقية وعربية ودولية. ويحتوي كتاب حنا بطاطو في أجزائه الثلاثة عن العراق عن تلك الفترة الكثير ما يمكن تسليط الضوء على هذه القضية.

ففيما يتعلق بشخصية عبد الكريم قاسم وسياسته، فقد كانت هناك مخاوف من إمكانية تغير تحالفاته الدولية. فقد طرح آنذاك سياسة الحياد. كما أن الحكومة البريطانية بدأت بمغازلته. في حين كان خطابه في كنيسة مار يوسف عام 1959 يتسم بنزوع هجومي شديد ضد الشيوعيين. كل ذلك قد دفع إلى الأمام مهمة تحديد موقف الحزب الشيوعي من شخصية عبد الكريم قاسم ومن قضية السلطة. وبما انهما مترابطان، من هنا أصبحت القضية واحدة، بمعنى إن ازالته من السلطة يعني إعادة ترميم النظام السياسي وتحديد آفاقه، كما إن الحصول على السلطة سوف يضع بالضرورة إشكاليات العراق جميعها أمام مهمة النظر فيها بمعايير الموقف الاستراتجي. بينما كانت كافة هذه الأمور والجوانب والأسئلة، إن لم تكن خارج الاهتمام النظري والسياسي العملي للحزب الشيوعي، فإنها على الأقل لم تشغل باله بقدر ما كانت تشغله قضية السلطة. وهذه بدورها كانت محل تجاذب واختلاف. فقد كان سلام عادل وجمال الحيدري إلى جانب ضرورة استلام السلطة وإزاحة عبد الكريم قاسم، بينما وقف كل من عامر عبد الله وزكي خيري وبهاء الدين نوري وحسين ابو العيس بالضد من ذلك. وعندما وضع عامر عبد الله سؤاله بعد فوات الأوان، لماذا لم يستلم التيار الداعي لإزاحة عبد الكريم قاسم استلام الحكم، فإنه يبدو تجاهل أو يتجاهل موقف التكتل الرباعي الذي شل إرادة الحزب آنذاك بصدد هذه القضية، أي التكتل الذي كان هو أحد عناصره الأساسية. بمعنى نسيانه مواقفه التي شلت إرادة الحزب وأصابته بالتردد. وبالمقابل يمكن مواجهته بالسؤال التالي: لماذا وكيف أيد عامر عبد الله فكرة وشعار "العمل الحاسم" عام 1965؟ وهل بإمكانه ان يحدثنا عن كيفية تأييده لشعار "العمل الحاسم"؟ (يتبع....).

***

يوسف محمد طه

 

الحزب الشيوعي العراقي: إشكالية القادة والإرادة والأقلية1

السؤال الجوهري الذي يتبادر إلى الذهن هو هل أن هناك جدوى وإمكانية لإعادة تقييم تاريخ الحزب الشيوعي العراقي من أجل المستقبل؟ وبالتالي، هل هناك إمكانية فعلية ومستقبلية لحزب شيوعي مكافح من اجل الحقوق الطبقية للكادحين والثورة الاشتراكية والشيوعية؟ وهل الحزب الشيوعي العراقي الراهن هو حزب شيوعي بالمعنى الكلاسيكي للفكرة الشيوعية والعملية؟

لكل حزب سياسي تاريخه الخاص ومن ثم مآثره وآثاره، نجاحه وخسارته، انتصاره وهزيمته، آفاقه المفتوحة أو المنغلقة. وبالتالي لكل حزب أسبابه الخاصة في كل هذه العملية الدرامية. فما هو السبب الجوهري القائم وراء ما تعرض له الحزب من فوز وهزيمة في مسار التاريخي الفعلي.

إن السبب الأساسي في اعتقادي هو التشوه الفعلي في قيادة الحزب، الذي جعل من قوى قومية وعرقية ودينية ومذهبية أقلية التمكن من قيادته. فقد كان صعود الحزب التاريخي منذ نشوئه حتى ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 وما بعدها مرتبط أساسا بهيمنة القوى الاجتماعية والفكرية والثقافية للجنوب والوسط العراقي، أي مصدر ومنبع ومرتع الحركة الشيوعية في العراق. وحالما جرى تغير هذه المعادلة، من خلال احتلال الأقليات في الحزب، حينذاك بدأت الهزائم. وهي ظاهرة لا علاقة لها في حالة العراق بالأكراد أو التركمان أو النصارى أو السنّة وغيرهم بهذه العملية ونتائجها، بقدر ما انها ترتبط بظاهرة هيمنة الأقلية أيا كان مصدرها ومحتواها. وهي أقرب ما تكون إلى قانون ثابت حالما نتأمل تاريخ الحركات اليسارية والشيوعية في كل مكان تعرضت فيه للهزيمة، ونجاحها في حال عدم تعرضها لهذا الخلل. بعبارة أخرى، إن إشكاليات الهزائم في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي ترتبط بوقوعه في ظل ظروف مزرية بين التعريب الوطني العراقي والتكريد العرقي. فهي الطاحونة الخفية التي طحنت قواه وكشفت عن طبيعة الخطأ التاريخي في مساره الفعلي.

لقد كانت تلك القضية ذات أهمية منذ البدايات الأولى لتأسيس الحزب. بل وما قبل ذلك عندما نضعها ضمن سياق الصيرورة التاريخية للحركة الشيوعية وشعاراتها المحلية الخاصة. فبالنسبة للعراق وضعت من قبل الكومنترن مهمة تعريب الماركسية والشيوعية. وكما ينقل لنا حنا بطاطو، فإن الكومنترن كان يوصي بتعريب الحزب الشيوعي العراقي. وبغض النظر عن أن بعض شخصياته التأسيسية الأولى من أصول اقلية مثل فهد وبعض الشخصيات اليهودية، إلا أن القوى الجارفة والعامة ما قبل فهد ومعه وبعده كانت من عرب الجنوب والوسط. وهكذا ظل الأمر حتى بداية دخول بعض الأكراد في الحزب. ومع ذلك لم تستفحل ظاهرة تكريد الحزب إلا على أيدي عزيز محمد وكريم أحمد، أي في مرحلة الهزيمة والهزائم.

إن الجذر الأعمق لإشكاليات الحزب الشيوعي، بما في ذلك العراقي، تكمن فيما وراء الظواهر التي جرى التطرق إليها. الأمر الذي يستلزم إعادة النظر بمفهوم الحزب الشيوعي نفسه، بوصفها المهمة النظرية التي يتوقف على حقيقة فهمها إدراك طبيعة المسار التاريخي للحزب الشيوعي العراقي وما تعرض له من هزائم قاتلة. 

فمن الناحية النظرية المجردة والعامة إن الحزب الشيوعي هو منظم الطبقة العاملة من أجل الثورة الاشتراكية وبناء الشيوعية، بوصفها بديلا نافيا وشاملا للرأسمالية. وقد كانت تلك الفكرة العامة عند ماركس ولحد ما عند لينين. وتكشف التجارب التاريخية للأحزاب الشيوعية بأن التوازن الحقيقي والمعتدل في شخصية وسلوك الحزب الشيوعي الماركسي تتوقف على تعادل الإرادة الذاتية والظروف الموضوعية. وعلى هذا التعادل أو التوازن تتوقف إمكانيات ونوعية وآفاق التغيير الفعلية.

فقد كانت أغلب إن لم يكن جميع الأحزاب الشيوعية التي تشكلت بعد ثورة اكتوبر في روسيا وتسلم الحزب اللينيني (البلاشفة) السلطة، نسخا متنوعة ومختلفة من حيث القوة والأصالة لهذه الطبعة الأولية. ومع صعود الستالينية أصبح أغلب هذه الأحزاب مطبوع بها بوعي أو بدون وعي. وجذر القضية هنا يقوم في أن الستالينية ليست نتاجا واعيا وأصيلا ضمن سياق المفهوم السليم للحزب الشيوعي الماركسي. فقد كان ماركس أكبر شارح وناقد للرأسمالية. إلا أن الرأسمالية أظهرت قدرة أكبر بكثير مما كان ماركس يتصوره. بينما نشأت وتطور اللينينية وحزبها السياسي في ظل ظروف تاريخية واجتماعية واقتصادية وثقافية أخرى تختلف عما كان عليه الأمر زمن ماركس من جهة، والحالة الأوربية من جهة أخرى.

لقد جعلت اللينينية من الحزب قوة ما فوق تاريخية. وفي المجال الاجتماعي السياسي جعلت منه بديلاً للطبقة العاملة نفسها. بل اعتبرت الحزب هو "عقل وضمير الطبقة العاملة". الأمر الذي جعلها بالضرورة قوة إرادوية خالصة. بمعنى تغليب الإرادة على الظروف الموضوعية. فالحزب الشيوعي اللينيني أكثر إرادة من الحزب الشيوعي الماركسي. وهذا هو الجذر السياسي الفاعل وراء ظهور الستالينية في الأحزاب الشيوعية اللينينية. وقد كان تأثيرها فاعلا بدرجات وأشكال مختلفة ومتنوعة. لكنه تأثير قائم وفاعل. وقد كانت الستالينيبة بهذا المعنى استيعابا مشوها لفكرة الإرادة اللينينة. غير أن سيادتها وتغلغلها في النسيج النظري للفكرة الشيوعية الصاعدة على النطاق العالمي جعلها أيديولوجية مقبولة. لقد انتهك ستالين المبادئ والرؤية والفكرة اللينينية عن الإرادة والحزب. ومنه تعلمت الأحزاب الشيوعية الناشئة وطبقوها بأثر أسباب ولأهداف مختلفة تبعاً لظروفهم ومساعيهم وغاياتهم المحددة.

يختلف تقدير ماركس السياسي واستنتاجاته عن تقدير لينين السياسي واستنتاجاته. فقد كان الحزب الشيوعي عند ماركس يختلف من حيث البنية والتركيب والدور والوظيفة عن الحزب الشيوعي عند لينين. الحزب الشيوعي عند لينين أكثر إرادوية مما عند ماركس. وضمن هذا السياق يمكن فهم الحوافز والقوة القائمة وراء انقلاب اكتوبر عام 1917. بعبارة أخرى، لقد كانت ثورة اكتوبر، رغم الظروف الموضوعية، هي بالدرجة الأولى نتاج فكرة الإرادة السياسية اللينينية. وقد كانت تلك إرادة تاريخية جبارة. وعليها سارت احزاب لها دورها التاريخي الكبير مثل الحزب الشيوعي الصيني والفيتنامي والكوبي. وقد اثبتوا براعة وتجانسا في هذا الميدان رغم كل الثقل الهائل الذي واجهوه من جانب القوى الامبريالية الكبرى آنذاك ولحد الآن، أي على خلاف الحزب الشيوعي السوفيتي وأحزاب أوربا الشرقية الشيوعية. التي ابتعدت عن روح البلاشفة الثورية وفكرة الإرادة اللينينية. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن أسباب أخرى كثيرة لعل أهمها هنا هو نجاح الإصلاح الاجتماعي في أوربا الغربية المجاورة لأوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي. كل ذلك يكشف عن انه لا الثورة الاشتراكية ودكتاتورية البروليتارية بالمفهوم الماركسي قد انتصرت في أوربا الغربية، ولا الثورة الاشتراكية ودكتاتورية البروليتارية بالمفهوم اللينيني قد تحققت في أضعف حلقات الرأسمالية العالمية. وبالمقابل نرى واقع القدرة الهائلة على التكيف والتطور من جانب الرأسمالية العالمية. إذ استطاعت بمعنى ما ايجاد أساليب وطرق جديدة بعيدة تجاوزت التقديرات والاستنتاجات الماركسية أو اللينينية.

غير أن ذلك لا يعني ضياع أو خطأ الحصيلة النظرية للماركسية واللينينة فيما يتعلق بالرأسمالية وآفاق مسارها التاريخي. لقد تغيرت الظروف ومن ثم ينبغي للرؤية النقدية والسياسية الواقعية أن تتغير بالشكل الذي يجعلها قادرة على مواجهة وتحدي الوقع بما يتناسب مع إمكاناتها الفعلية المحكومة بدورها بالقيم العليا لفكرة الإنسانية والعقلانية الكامنة في الماركسية واللينينية.

فالوضع العالمي الجديد للرأسمالية يصنع إمكانيات واحتمالات متعددة. واستطاعت الرأسمالية العالمية تجاوز الكثير من الفرضيات السياسية والتاريخية للماركسية واللينينية، فضلاً عن تجاوزها للكثير من التيارات الماركسية الجزئية من ماوية وتروتسكية وجيفارية وأمثالها. كما استطاعت الرأسمالية العالمية إعادة الكثير من الدول والشعوب التي تمردت عليها إلى حظيرتها من جديد. وبالتالي فإن التحولات الكبرى في مختلف الميادين وعلى كافة المستويات تجري اساسا ضمن نظام رأسمالي عالمي ومحكومة في الأغلب بالمراكز الرأسمالية.

غير أن ذلك لا يعني استحكام الهيمنة المطلقة للرأسمالية ومراكزها القديمة والجديدة، انطلاقا من أن الرأسمالية نفسها تبقى في نهاية المطاف مرحلة من مراحل التطور التاريخي للأمم. كما أنها، شأن كل نظام اجتماعي اقتصادي سياسي، لم ولن تنف الإمكانيات الكامنة في الإرادة الإنسانية للبحث عن بدائل أفضل.(يتبع.....)

 

يوسف محمد طه

.....................

1- ان الرؤية المتكاملة عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي تفترض المراجعة والتقييم والنقد المتعدد الجوانب والمستويات منذ تأسيسه وحتى اليوم. مما يتطلب بدوره القيام بتشكيل لجنة علمية وفكرية وسياسية متخصصة، تعرض نتائج ما تتوصل إليه على مؤتمر حزبي مخصص لهذا الغرض. وعلى هذه الخلفية فقط يمكن صياغة رؤية استراتيجية مستقبلية لانتشال العراق من المأزق التاريخي الذي وقع فيه، منذ ثورة الرابع عشر من تموز ولحد الآن.

 

لقد توفي يوسف اليوم. لهذا لا يمكنني إرسال المقال إليه وهو على فراش الموت لكي يرى ما كتبه. إلا أن ذلك لا يعيق نشر كل ما كتبه بهذا الصدد. لاسيما وأن كل ما فيه عميق الارتباط الوجداني والعقلي بالمصالح الكبرى للعراق والعالم العربي. فقد أرسل لي قصاصة (الكترونية) قبل موته بيوم يقترح فيها تعديل العملية السياسية في العراق وضرورة بلورتها في مقال أو برنامج سياسي. ولا غرابة في الأمر، فقد كانت تلك هي شخصيته على الدوام. وأملي في أن الموت يحاصر روحه الهائجة ويعطي لها الهدوء والسكينة. على أمل أن تأخذ الأجيال اللاحقة هذه المهمة على عاتقها. فللعراق والعالم العربي أهله على الدوام.

ميثم الجنابي

***

بداية الهزيمة التاريخية للحزب

لقد كانت بداية الهزائم السياسية الكبرى والصغرى مرتبطة بأسباب عديدة اجتماعية وبنيوية وثقافية واقتصادية وسياسية. لكنها في الوقت نفسه كانت أيضا جزء من تعمق التجربة السياسية. ومع ذلك كانت تحتوي على عناصر بنيوية ملازمة للخلل الجوهري الذي سيكشف عن نفسه للمرة الأولى بصورة قوية بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958. حزب جماهيري هائل والأقوى في العراق آنذاك ويقابله قادة بلا إرادة مستقلة ولا جرأة ولا شجاعة. لاسيما وأنها صفات ينبغي ان تكون عضوية وجوهرية في الشخصية القيادية. ووجد ذلك انعكاسه التاريخي الأكبر في تعرض الحزب عام 1963 إلى هزيمة تبين لاحقا بأنها هزيمة تاريخية قصمت عموده الفقري، بحيث لم يستطع الإفاقة منها لعدة عقود وحتى اليوم.

إن تعرض الأحزاب السياسية لصدمات وهزائم مريرة حوادث طبيعية ولا يمكن التحرر منها بصورة كلية ومطلقة. غير أن الأهم من ذلك هو كيفية الصمود وتذليل الهزيمة.

فما الذي جرى بعد عام 1963 على مستوى القيادة الشخصية وبرامج البدائل؟ إن البديل الأول والأكبر آنذاك كشف في وقت لاحق عن خوائه وطابعه التخريبي الشامل. لقد ابتدأ ببديل في مجال القيادة هو الأكثر سخافة وتفاهة في تاريخ الحزب بتولية عزيز محمد القيادة والتي استمرت من عام 1964 حتى 1993، أي كل تلك المرحلة المفصلية التي جعلت من الحزب قوة خائرة ومتحللة وآيلة إلى الدمار الذاتي والانحلال شبه التام. 

وبدأ ذلك باجتماع براغ للجنة المركزية، التي جرى فيه انتخاب عزيز محمد سكرتيراً للجنة المركزية. وهو قرار "نموذجي" للخطأ والخطيئة دفع الحزب ثمنا باهظا له فيما مضى وحتى الآن ولفترة مستقبلية قد تطول أو تقصر ما لم يجر القضاء التام على هذا النوع والنمط من القيادة الحزبية. ولم يكن ذلك معزولا عن الطبيعة "الشريرة" القائمة في نفسية وذهنية قيادات الخط الأول الممثلة الفعلية للمؤامرة والمغامرة من اجل السلطة الضيقة والمبتورة عوضا ان يكون سلوكها محكوما بفكرة الدفاع عن المصالح الاجتماعية والوطنية. فقد كان "انتخاب" عزيز محمد نتاج مناورة مؤامرة قام بها عامر عبد الله وبهاء الدين نوري. وهو أمر يكشف عن التقاليد الانتخابية في الحزب آنذاك، ولحد الآن. انها مجرد استمرار لتقاليد عتيقة ميتة ومن ثم مليئة بقيح الفردية الأنانية الضيقة وحب "الزعامة" التافه، والذي كشف المسار اللاحق عما فيها من كمون يقترب من معنى الجريمة والخيانة الفعلية.

لقد كان عزيز محمد "الوسطي والتوفيقي" مجرد خدعة سياسية تكشف بلادة "الأذكياء" من قيادة الحزب آنذاك الذين اعتقدوا بأنهم يتعاملون مع دمية يمكن التحكم بها، أي دون أن يدركوا بأن التقاليد الشيوعية القديمة والحالية لا علاقة لها بالذكاء والكفاءة، بل هي محكومة بقوة "المركز" و"الموقع". وذلك لأن نمط "القيادة" مبني على اساس علاقة التابع بالمتبوع والسيد بالمسيود والعبد بمالك العبيد! من هنا يمكن لأكثر الناس بلادة وغباء وانعدام للكفاءة ان يكون "قائدا فذا" يحكم الجميع بما في ذلك بمعايير البلادة!

وليس مصادفة أن يتحول عزيز محمد في مجرى الصراع والخبرة إلى بهلوان وداهية في آن واحد. فبعد ان عاد بهاء الدين نوري ومهدي الحافظ في تشرين الثاني عام 1964 إلى العراق، أي بعد ما يسمى "بخط آب" عندما كان عمر الشيخ المسئول الحزبي الأول بالوكالة. وعندما جرى اعتقاله في أواخر كانون الأول أصبح بهاء الدين نوري المسئول الحزبي الأول. وقد تحول هذا التقاليد الذي اتبعه عزيز محمد إلى نمط ونهج متواصل وسائد في تعاقب الأكراد على قيادة الحزب. حيث بات مصدر "المركز" والقوة" بيد الأكراد كما نراه على نماذج عزيز محمد وكريم احمد وعمر الشيخ وبهاء الدين نوري. ولاحقا سوف تستفحل بصورة يصعب تفسيرها بمعايير الانتماء الصادق أو الكفاءة والاحتراف والمعرفة.

لم يستمر خط آب لعام 1964، على الاقل من الناحية الظاهرية فترة طويلة. إذ جرت محاولة تصحيحه عام 1965 والتي قادها آنذاك عامر عبد الله. لقد كانت تلك أقرب ما تكون إلى محاولة التكفير عن الذنوب السابقة. حيث جرى اجتماع الهيئة القيادية في بغداد في الثامن عشر من نيسان عام 1965 والذي استمر لأربعة أيام، حيث اقرت فيه وثيقة "العمل الحاسم". لكنها محاولة لم تخل من تقلبات وتراجع يمكن العثور على مختلف حيثياتها في ما اورده حنا بطاطو عن تفاصيل مراسلات مركز بغداد مع مركز براغ حول "العمل الحاسم".

إن هذا التذبذب مرتبط اولا وقبل كل شيئ بعدم نضوج القيادة السياسية والفكرية للحزب، وهيمنة الأقلية والاطرافية في مركز الحزب، ونفسية الهزيمة، وضعف البنية الاجتماعية للعراق ككل. ولعل تذبذب الحزب في سياسته العملية المبنية في أغلبها على رد الفعل وليس على اساس رؤية استراتجية بعيدة المدى وقدرة تكتيكية مناسبة هو دليل على ذلك. لهذا نرى انعدام المبادئ الثابتة والقواعد المتغيرة. من هنا تطرف القيادة باتجاه "اليسار الثوري" عندما يكون هناك تراجع في المد الجماهيري، وبالمقابل تراجع صوب "اليمين" عندما يكون هناك نهوض جماهيري!

وهذا كله ليس فقط نتاج ضعف إمكانيات التقدير السياسي عند "أطفال الشيوعيين"، بل والطبيعة الرخوية للقيادة المشبعة بتقاليد الرثة الاجتماعية. من هنا كان الاهتمام الأكبر فيما يمكن دعوته بلعبة القيادة، كما لو أن العملية السياسية المعقدة التي كان يمر بها العراق، يمكن حلها على اساس لعبة المسترخين على وثائر التضحيات الجسام للمجتمع، في غرفة الشطرنج الحزبية. ومن الممكن التدليل على ذلك في ما تورده مذكرات القادة الحزبيين آنذاك. إذ يشير بهاء الدين نوري، على سبيل المثال، في مذكراته عن أن منظمة اقليم كردستان للحزب الشيوعي كانت أكبر منظمات الحزب الشيوعي عام 1966. وفي نفس العام يعود عزيز محمد ليصبح سكرتير اللجنة المركزية لبغداد. وبالمقابل ينتقل بهاء الدين نوري لقيادة منظمة اقليم كردستان. وأخذ عزيز محمد بتأييد اتجاه "العمل الحاسم" في مرحلة عارف، بعد ان كان يرفضه في رسائل براغ لعام 1965، كما نقل لي ذلك باقر إبراهيم في أحد احاديثه الشخصية معي. وفي عام 1967 يجري اجتماع اللجنة المركزية في بغداد بقيادة عزيز محمد، وبأثره يجري رفع عزيز الحاج إلى عضو المكتب السياسي. وفي صيف نفس العام يغادر عزيز محمد العراق، وعوضا عنه يصبح زكي خيري في قيادة الحزب بالوكالة. وبأثرها يعود بهاء الدين نوري إلى بغداد، بينما يصبح كريم احمد في رئاسة قيادة منظمة الإقليم.

وبعد هزيمة حزيران عام 1967 يرفع عامر عبد الله شعار "حكومة دفاع وطني". ويجري استكمالها بانشقاق أيلول من نفس العام بقيادة عزيز الحاج. وقد كان آنذاك من أعضاء المكتب السياسي في بغداد كل من زكي خيري وبهاء الدين نوري وعزيز الحاج نفسه. حيث يأخذ عزيز الحاج باعتقال بهاء الدين نوري وزكي خيري حسب رواية بهاء الدين نوري نفسه في مذكراته. وجرى عقد الاجتماع الطارئ للجنة المركزية في الثالث من تشرين أول عام 1967 في بغداد بغياب زكي خيري، الذي كان آنذاك معتقلا لدى عزيز الحاج كما جرت الإشارة إليه أعلاه. وفي نفس العام يجري عقد الكونفرنس الحزبي الثالث في نهاية كانون أول، حيث يجري فيه اقرار تجديد قيادة عزيز محمد للحزب. وبأثر انقلاب تموز عام 1968 وطبيعة الظروف والأسباب الداخلية والخارجية القائمة وراءه يأخذ توجه الحزب الشيوعي من جديد نحو "العمل الحاسم".

إننا نقف هنا أمام مراهقة سياسية لم تنضج في تاريخ الحزبي وقياداته في مجرى أشد المراحل دموية وديناميكية. الأمر الذي يجعلنا قادرين على افتراض مستوى إدراك القادة الجدد للانقلاب (البعثي) لعام 1968 لطبيعة الحزب وقادته. ويمكن رؤية ذلك في الطريقة الجديدة لمواجهة الحزب الشيوعي. حيث بدأت مرحلة ما يمكن دعوته باحتواء الشيوعيين بدلاً من البطش بهم كما كان الحال في الماضي (منذ انقلاب الثامن من شباط عام 1963). فقد كان آنذاك عبد الرزاق النايف مدير الاستخبارات العسكرية ورجل المخابرات البريطانية. بينما كان إبراهيم الداوود آمر لواء الحرس الجمهوري ورجل المخابرات الأمريكية. وبالمقابل ظهر موقفان في قيادة الحزب الشيوعي تجاه سلطة البعث الثانية، تيار رافض لهذه السلطة، وآخر يدعو للتريث وينتظر تطور الأحداث. ووجد ذلك انعكاسه في المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي في أيلول عام 1970 ونتائجه وقراراته. والحصيلة هي موقف توفيقي بين التيارين. ونرى هذه الملامح أيضا في الموقف من الجبهة الوطنية، حيث كان التصويت في الاجتماع الطارئ للجنة المركزية في تموز عام 1973 بخصوص إقرار الجبهة الوطنية هو الفوز بأغلبية ثمان أصوات مقابل سبعة معارضة.

أما الأحداث اللاحقة فقد سارت بمسارها الدرامي والدموي والمجهول بقدر واحد. ففي البداية حدث انهيار الحركة الكردية المسلحة في آذار 1975 بعد اتفاقية الجزائر بين صدام حسين وشاه إيران. وفي عام 1976 جرى انعقاد المؤتمر الوطني الثالث للحزب الشيوعي في بغداد. وفي آيار 1978 بدء تفكك وانهيار الجبهة الوطنية بأثر إعدام واحد وثلاثين شخصا من اعضاء الحزب الشيوعي وأنصاره بذريعة كاذبة.

لم يكن سلوك السلطة البعثية (وصدام بالأخص) عشوائيا، بل كان قرار مبنيا على اساس استراتيجية تفكيك الجبهة الوطنية وسحق الحزب الشيوعي في وقت وظروف اعتقد حزب البعث وقادته آنذاك، بأنه الاكثر ملائمة للقيام به من اجل الانفراد المطلق بالسلطة. غير أن التطور اللاحق أظهر كم كانت الجبهة الوطنية حاجة ضرورية للشعب والعراق. ولم يدفع الشعب والعراق ثمن ذلك القرار، بل وحزب البعث وصدام نفسه، سواء في مجرى الحروب الدائمة والحصار ونهايته في الغزو الامريكي. والنتيجة هي اعدام صدام والبعث، عبر تقنين "اجتثاثه" أو  اعدامه السياسي والأخلاقي التاريخي والمستقبلي.

وحالما نعود إلى تلك الفترة وتقييمها بمعايير السلوك السياسي التكتيكي للحزب، فإن الشيئ الأول والظاهر للعيان هو أن الحزب لم يكن يمتلك ولم يتقن اسلوب وتكتيك الانسحاب المنظم. لقد جرى كل ذلك آنذاك بصورة عشوائية حيث ترك اعضاء الحزب وجماهيره فريسة "للخلاص" الفردي والهروب الهائج. وقد كان من الممكن تخفيف وتخفيض كمية الخسائر فيما لو كان للحزب رؤية عملية بصدد كيفية التراجع. أما قرار "الذهاب" إلى كردستان من اجل اسقاط السلطة فقد كان يحتوي بقدر واحد على رؤية وهمية  لا علاقة لها بالواقع وإمكاناته من جهة، وأسلوبا لتفريغ أية إمكانية نقدية لسياسة الحزب زمن "الجبهة الوطنية" وما تلاها من أحداث. فقد كان قرار الذهاب إلى كردستان قرارا "كرديا" لا علاقة له بإمكانية المواجهة الفعلية ضد السلطة الدكتاتورية الآخذة في التكامل. وذلك لأنه تم ليس من خلال دراسة الواقع وإشكالاته وآفاقه وحالة الحزب وإمكاناته الفعلية، بل باتفاق شخصي وفردي جرى في لقاء عزيز محمد مع بهاء الدين نوري في موسكو في عام 1987 وفقاً لمذكرات بهاء الدين نوري نفسه.

 تكشف هذه الحالة النموذجية عن الأثر السلبي الجلي للتركيبة القومية في قيادة الحزب. لقد كانت مظاهرها ونتائجها تتصف بقدر هائل من التخريب. واستفحلت هذه الظاهرة لكي تصبح قضية جوهرية في الجدل الظاهر والمستتر ومن ثم تستقطب الطاقات في اتجاه لا علاقة له بطبيعة الحزب الشيوعي وأيديولوجيته وفلسفته وغاياته. غير أن الواقع فرض هذه "الفريضة الغائبة" والقائلة، بأن المسار الطبيعي والضروري للأحزاب الاجتماعية الكبرى ينبغي ان تعتمد على الفئات والطبقات الاجتماعية القادرة على مدّها بالقوى والطاقة. وفي حالة العراق لم يكن بإمكان اية قوى تقديمها غير قوى الوسط والجنوب العراقي. ولعل الأحداث الدامية بما في ذلك في ظروف العراق الحالية بعد الاحتلال قد جعلت من هذه النتيجة أقرب ما تكون إلى بديهة سياسية.

ففي اجتماع اللجنة المركزية لعام 1990، طرحت للمرة الأولى مهمة مراعاة التركيب القومي في قيادة الحزب. ووفقاً لمذكرات بهاء الدين نوري، فقد جرى انتخاب حميد مجيد موسى باعتبارها خطوة في تخليص الحزب من سياسة التكريد الغبية. وهي خطوة اتخذت تحت ضغط الخروج شبه الجماعي للكوادر الحزبية العربية من الحزب الشيوعي. لقد بات الحزب كردياً، أي ليس شيوعيا بالمعنى الدقيق للكلمة. بل لا يمكنه أن يكون كذلك. بحيث لم يعد هناك أي مبرر لبقاء الشيوعيين العرب في حزب شيوعي مستكرد. وجرت الموافقة على قيادة حميد مجيد موسى للحزب في المؤتمر الخامس عام 1993. مع أن ذلك لم يغير شيئا. فقد استمر الخط التنازلي للهزيمة، وذلك بسبب تسوس الحزب الذي جرى اساسا لتكريده وتحويله إلى تابع ذليل للأحزاب الكردية القومية (العرقية والاثنية). وهي حالة فريدة في تاريخ الحركة الشيوعية العالمية! وليس مصادفة أن تكون فترة الحزب ما بين 1980 وعام 2017، أي ما بعد انهيار الجبة الوطنية وانحسار الدور التاريخي للحزب وحتى الظروف الحالية هي سنوات العجاف والجرائم والخيانة الوطنية. فقد كانت تلك مرحلة القيادة الباهتة لعزيز محمد ولاحقا لحميد مجيد موسى، أو حميد البياتي كما كان يسمى سابقاً. وبالتالي، فإن الإبقاء على الاسم دون اللقب كان يحوي في اعماقه على خجل مبطن وسياسة مستمرة لما سبق.

لقد ارتكب عزيز محمد وحميد البياني جرائم كبرى بحق الحزب الشيوعي. واتسم سلوكهم بوعي او دون وعي بمواقف تتسم بالخيانة وليس بأخطاء سياسية يمينية أو يسارية. أما السبب الجوهري لما اسميته بالسنوات العجاف فيرتبط بالشعار الاستراتيجي الخاطئ للقيادة آنذاك. فقد كان شعار وإستراتيجية الحزب حينذاك تقوم على اساس إسقاط النظام البعثي في ظل ظروف غير ملائمة وإمكانات محدودة وضعيفة وهشة، أي ليست واقعية على الاطلاق. وبالتالي تحول الى شعار وإستراتيجية كم الأفواه النقدية عبر احراجها بمهمات "الذهاب لكردستان" من اجل اسقاط الدكتاتورية! وهي مهمة لا تختلف كثيرا فيما لو جرى مطالبة رفاق الحزب بإسقاط السلطة من خلال تجميعهم في جزيرة سوقطرة اليمينة! لقد كانت قوة النظام الدكتاتوري هائلة للغاية. بينما كان الشمال العراقي لا علاقة جوهرية له بالعراق، كما لم يكن اكثر من جبال ومغارات للأحاديث الحزبية واللغو السياسي الفارغ وأكل البرغل! فالتجربة التاريخية اللاحقة سواء من حيث مجرياتها ونتائجها كشفت عن ان اسقاط نظام البعث الصدامي كان بحاجة إلى قوة هائلة. ولم يستطع القيام بها، على الأقل من الناحية العسكرية، سوى التحشيد الامريكي الهائل وتجميع قوى "التحالف الدولي"، أي مراكز الكولونيالية القديمة تحت غشاء "ديقراطي" مهلهل. لكنه ناجح. ذلك يعني أن سياسة الحزب السابقة في الصراع العسكري مع النظام لم تكن أكثر من محرقة استراتجية وسياسة زج بها قوى الحزب وأنصاره العربية أولا وقبل كل شيئ. أما قيادة رائد فهمي، بدأ من المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي المنعقد في كانون اول عام 2016 فقد كانت من حيث دوافعها وأساليبها وغاياتا استمرارا لما سبق. إذ بقى حميد مجيد موسى البياتي السكرتير الفعلي. بمعنى قيادة خنيث لمجموعة خنثى. الأمر الذي يضع مهمة الاجابة على السؤال المتعلق بكيفية تقدم رائد فهمي وجاسم الحلفي من مزبلة عزيز محمد وحميد البياتي. فضلاً عن ان جاسم الحلفي مازال مخلب كردي مغروز في جسد الحزب الشيوعي. ومع ذلك تبقى إمكانية الواقع تحتوي على كافة الاحتمالات. الأمر الذي يشرعن السؤال المتعلق عما إذا كان بإمكان الحزب الشيوعي ان يتعافى، وعما إذا كان ذلك ممكنا وضروريا؟

 لقد استمعت لمحاضرة رائد فهمي في الجالية العراقية في مالمو/ السويد في التاسع عشر من تشرين أول عام 2018. وفيها يمكن تلمس وجود رؤية سياسية ناضجة نسبيا وتحتمل إمكانية التطوير. لكن من الضروري التوكيد هنا على ان هذا التحول الإيجابي أو النبتة الأولية أو البذرة القابلة للنمو تبقى في نهاية المطاف نتاج الضغط الخارجي للواقع وأنصار الحزب أكثر مما هي إعادة نظر نقدية وبنيوية عميقة لتاريخ الحزب وتأمل المستقبل. بعبارة اخرى،يمكن لهذه الضغوط أن تستمر. وبالتالي تفرض تطوراتها المختلفة. غير أن هذا يتطلب التخلص من كل النتائج التي ترتبت على الأخطاء السابقة. وخصوصاً الموقف من الاحتلال الأمريكي للعراق. فهل رائد فهمي ورفاقه على قدر هذه المسؤولية والمهمة؟ إن الإجابة على هذا السؤال متروك لأحداث الحاضر ومجريات المستقبل. وهي امور وجوانب تثير التشاؤم أكثر من التفاؤل. وذلك لإننا نقف في الواقع أمام استمرار حميد مجيد موسى سكرتيرا فعليا للحزب الشيوعي. وهو الشيئ الذي يضع علامات استفهام عديدة أخرى. فضلاً عن انه يجري الحديث عن إمكانية عودته مرة ثانية سكرتيراً للحزب الشيوعي. بمعنى استنساخ تجارب الديمقراطية الصورية، أي المزيفة. وخطورة هذه الظاهرة تقوم في أن جميع المعلومات المتوفرة عن شخصية حميد مجيد موسى كانت من الناحية الفعلية تشير إلى انه السكرتير الفعلي للحزب. بمعنى تخفيه خلف رائد فهمي. وبالتالي، فإن رائد فهمي هو مجرد واجهة أو ألعوبة بيد حميد مجيد موسى. وهذا يعني أن مزبلة عزيز محمد مازالت تحكم الحزب الشيوعي العراقي. إلا أن العمل السياسي العلني ولأسباب عديدة اخرى، لن يسمح فيما يبدو، أو كاحتمال أكبر ان تتحكم مزبلة عزيز محمد بالحزب الشيوعي العراقي لفترة طويلة قادمة!! إذ للعمل السياسي العلني روافعه في تصحيح الحياة الحزبية الداخلية لمختلف الأحزاب. كما يمكن للعمل السياسي العلني تصحيح الحياة الداخلية لمختلف الأحزاب السياسية الموجودة حاليا. وبغض النظر عن الإمكانية الإيجابية الكامنة فيما اسميته بالنبتة المحتملة لتطور وازدهار قوة الحزب من جديد، فإنها لا يمكن أن تكون نبتة الاشتراكية والشيوعية أو لأجلهما. (يتبع....)

***

يوسف محمد طه

 

استمرار العمل القيادي الفردي

لقد جرى تسليم قيادة الحزب إلى كريم أحمد بعد اعتقال بهاء الدين نوري في نيسان عام 1953. في حين جرى تسليم القيادة إلى حميد عثمان بعد هروبه من السجن. لقد استلم هؤلاء الثلاثة (الأكراد) قيادة الحزب خارج سياق الثقل الفعلي لقاعدة الحزب وهي الجنوب والوسط وبغداد. وكان كل منهم يورث قيادة الحزب للآخر في حالة غريبة وشاذة. وتجدر الاشارة هنا، استباقا للأحداث اللاحقة، إلى أن حميد عثمان انتهى في نهاية المطاف في حضن مصطفى البرزاني، وكريم أحمد بطل هزيمة وجريمة بشتاشان، الذي كان على الدوام ثنائي لعزيز محمد.

كان الموقف الاستراتيجي في وثائق المؤتمر الأول للحزب عام 1945 يدعو الى "إقامة حكومة وطنية ديمقراطية". بينما رفعت انتفاضة تشرين عام 1952 شعار إسقاط الملكية وإقامة الجمهورية. وقد كانت تلك الفترة زمن الاعتقال والسجن لأغلب قيادات الحزب وشخصياته. فقد جرى آنذاك اعتقال عزيز محمد وحبسه في سجن بغداد. وكان في سجن "نقرة السلمان" كل من سلام عادل وزكي خيري وعزيز الحاج وآرا خاجودور وعمر الشيخ وحميد عثمان. حينذاك ظهرت مجموعة من المطبوعات السياسية مثل "الجمهورية الشعبية" في سجن نقرة السلمان، التي كان المسئول عنها القائد الحزبي الأول ومؤسسها ورئيسها حميد عثمان. ويقال إن سلام عادل هو من كتب نشيدها الوطني. كما ظهرت في تلك الفترة "راية الشغيلة" التي اسسها جمال الحيدري بعد هروبه من سجن بغداد عام 1953. وقد انتمى إليها آنذاك كل من عزيز محمد ونافع يونس وغيرهم. وحينذاك أصبح بهاء الدين نوري المسئول الحزبي الأول في السجن. وقام بحل "الجمهورية الشعبية" باعتبارها فكرة يسارية صبيانية. ولم تخل تلك الأيام من صراع خفي بين حميد عثمان وبهاء الدين نوري. لكن الأمور تغيرت نسبيا بعد استلام سلام عادل لقيادة الحزب ما بين اعوام 1955 حتى اعدامه عام 1963.

كان سلام عادل بديلاً لحميد عثمان. وبعد انتصار ثورة تموز عام 1958 كان في اعضاء المكتب السياسي كل من بهاء الدين نوري وجمال الحيدري وعامر عبد الله، الذي كان في درجة صديق، أي حتى ليس عضوا بسيطا، قبل خمس سنوات من انتمائه للحزب كما ينقل بهاء الدين نوري في مذكراته. أما بهاء الدين نوري فقد بقي على رأس لجنة التنظيم المركزي منذ أيلول 1958 حتى تشرين أول عام 1960. حيث غادر العراق للاتحاد السوفيتي.

إن الأمر الجلي كما تكشفه الأحداث والرؤية النقدية المعاصرة هو أن الكادر القيادي والتنظيمي للحزب آنذاك لم يكن بإمكانه استيعاب المد الجماهيري المتصاعد ومواجهة مختلف التطورات الفعلية والمحتملة. ومع ذلك جرى اتخاذ بعض الإجراءات التنظيمية والسياسية لمواجهة تلك الحالة. فقد خلت حكومة عبد الكريم قاسم في البداية من مشاركة الحزب الشيوعي. ولازمت تلك المرحلة نشاط حزب البعث الارهابي والاغتيالات السياسية. وهو حال لم يكن معروفا ومألوفا في تقاليد العمل السياسي في العراق. كما انحازت عناصر كثيرة من الأجهزة الموروثة من العهد الملكي للقوى المعادية للشيوعية. ومن الأخطاء الكبرى والجوهرية للحزب آنذاك انه لم يعمل على ردع هذا النشاطات والتجاوزات التي كانت تحدث ضده. وكان بإمكانه أن يفعل ذلك. مما سهل استمرار التجاوزات بحقه.

كما تجدر الإشارة هنا إلى تفكك جبهة الاتحاد الوطني. ولم يجر البحث والعمل على انشاء بديل لها يعمل بمعايير الإدراك الواقعي لطبيعة المرحلة الجديدة في العراق. ومن الأسباب الرئيسية لهذا الاخفاق تجدر الإشارة إلى ما يمكن دعوته بطبيعة البنية والرؤية السياسية لقيادات الحزب والتدخل الاجنبي (السوفيتي) في تحديد مسار الرؤية العملية للحزب تجاه السلطة وبدائلها في العراق آنذاك.

فقد كان زكي خيري وأبو العيس وعبد القادر إسماعيل أول من انظمّوا إلى اللجنة المركزية. وجرى ترفيع زكي خيري وأبو العيس لعضوية المكتب السياسي. وفي عام 1959 جرى ضم عزيز محمد للمكتب السياسي. حيث طالب السوفييت في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي من الحزب الشيوعي العراقي الإشادة بعبد الكريم قاسم في كلمته أمام المؤتمر. وفي نفس العام حدث تمرد عبد الوهاب الشواف في الموصل. كما لعب جمال عبد الناصر دورا مهما في تشويه العملية السياسية في العراق.

تبنى المكتب السياسي في اليوم التالي بعد تمرد الشواف مهمة المشاركة في الحكم، كمقدمة لاستلام السلطة. إلا أن السوفييت انتقدوا موقف الحزب الشيوعي العراقي مما اضطره للتراجع عن مطلب المشاركة في الحكم، وفقاً لمذكرات بهاء الدين نوري.

وقد تكون المعلومات التي اوردها ثابت حبيب العاني في مذكراته الأكثر أهمية من اجل رؤية القوة الفعلية للحزب في الجيش آنذاك وما ترتب عليها من مواقف مختلفة أدت في نهاية المطاف إلى انقلاب شباط الدموي عام 1963.

فقد كانت قوة الحزب الشيوعي في الجيش العراقي مقارنة بغيرهم كما يلي: الشيوعيون في المرتبة الأولى، ثم يليهم الإخوان المسلمون، ثم القوميون والبعثيون وأخيرا القاسميون.

وحدث الاجتماع الأول بين سلام عادل وثابت حبيب العاني لمناقشة قضية "الاستيلاء على السلطة وإسقاط عبد الكريم قاسم" في الخامس من تموز عام 1959. وكان رد المكتب السياسي في حزيران 1961 على اقتراح اللجنة العسكرية مخيبا للآمال.

استغرق رد المكتب السياسي على اقتراح اللجنة العسكرية للحزب حوالي سنتين وفقاً لمذكرات ثابت حبيب العاني! وهو أمر مثير للغاية. ومن ثم يستدعي التوضيح والتفسير. واعتبر باقر ابراهيم أن موقف ثابت حبيب العاني كان مع التكتل الرباعي، الذي كان يضم كل من بهاء الدين نوري وعامر عبد الله ومحمد حسن ابو العيس وزكي خيري. اما رواية مهدي السعيد عن موقف ثابت حبيب العاني، فإنها تختلف تماماً عن رواية ثابت حبيب العاني نفسه بصدد موقفه من قضية الاستيلاء على السلطة. اما عطشان ضيول الإيزرجاوي  فهو شخصية لها قصتها الخاصة، بحيث تستدعي بحد ذاتها التحقيق وكشف ملابسات حياته واغتياله. لاسيما وانه شخصية هامة، ومن هنا بالتالي ضرورة اعادة تحقيقها.

وضمن هذا السياق تجدر الاشارة إلى أن جلال الأوقاتي من بين أوائل من قال بأن "عبد كريم قاسم سوف يدمرنا ويدمر نفسه". ومن ثم ليس عفوياً أو مستغرباً أن تبدأ ساعة الصفر لانقلابيي الثامن من شباط الدموي عام 1963 باغتيال جلال الأوقاتي.

لقد أرعبت انتكاسة الرابع عشر من تموز جماهير الحزب الشيوعي ومختلف القوى الداخلية والخارجية المعادية للحزب الشيوعي بمن فيهم عبد الكريم قاسم. فقد كانت سلطة الانقلاب العسكري الفردية (ثورة تموز) أساس وسبب انتكاسة الانقلاب أو الثورة نفسها. فقد كان بهاء الدين نوري، على سبيل المثال، يرى أن الوضع كان يمكن أن يكون أفضل فيما لو نجحت محاولة اغتيال قاسم في السابع والعشرين من تشرين أول عام 1959. فقد كان سلام عادل في المدرسة الحزبية في موسكو بعد رئاسته لوفد إلى الاتحاد السوفيتي. وقد كانت الإقامة هناك شكل من أشكال إبعاده عن القيادة التي دبّرها زكي خيري، حسب مذكرات بهاء الدين نوري.

لقد رجع سلام عادل إلى العراق في نفس العام (1959). وحسب رواية بهاء الدين نوري حول التكتل الرباعي الذي دخل فيه كل من بهاء الدين نوري نفسه وزكي خيري وعامر عبد الله وحسين ابو العيس، يتبين بأن الوضع القيادي للحزب الشيوعي العراقي في تلك الفترة لم يرتق بأكمله إلى مستوى الخيار والاحتمالات الممكنة. كما تكشف المادة التاريخية والوثائقية للحياة الحزبية الداخلية بأن الطلبة الشيوعيين كانوا أكثر معرفة في مجال النظرية من قيادة الحزب الشيوعي الرسمية. ولا غرابة بالتالي أن يمر الحزب في مرحلة ما يسمى "بالشيوعيين الأطفال". كما يمكن الاستنتاج بأن قيادات الحزب الشيوعي كانت السبب الرئيسي في انتكاسات الشيوعيين.

إلا أن الذي انقذ الحزب الشيوعي، رغم مفارقة الظاهرة، هو صمود الأفراد المخلصين في الحزب واستشهادهم في أحلك ظروف المواجهة الفعلية للأنظمة القمعية. وليس مصادفة أن يجري اطلاق وصف "حزب الشهداء" عليه كما لو انه يحاكي تاريخ الشهادة المميز لتاريخ العراق في جنوبه ووسطه منذ بدايات المواجهة الأخلاقية والسياسية لشراسة الحكم القمعي والإرهاب الأموي. فللتاريخ مدرسته وعبرته ومأثرته الخفية، والجلية في مصائر افراده وجماعاته. وقد ارتقت اسماء فهد وحازم وصارم وسلام عادل وجمال الحيدري وصفاء الحافظ وصباح الدرة وغيرهم من شهداء الحزب الشيوعي، إلى مصاف النماذج الرفيعة والممثلة لحقيقة الحزب الشيوعي ونضاله من اجل المبادئ الاجتماعية والسياسية والوطنية. وأصبحوا بالتالي أقرب ما يكون إلى جذوره وأشجاره وأعمدته الراسخة.

إننا نقف هنا أمام لوحتين أو تيارين، الأول هو التيار الثوري المخلص والمفعم بروح العمل والاستعداد للتضحية من اجل المصالح الوطنية والاجتماعية العليا كما نراه في كل تلك الشخصيات والجماعات التي مرت بدهاليز السجون والتعذيب. ولكل منهم قصته الخاصة، وبمجموعها هي حكاية البطولة والرومانسية الواقعية والثورة المغدورة. بمن فيهم أبطال العمل السري الذين اجتازوه بكل شجاعة وشارك فيه ليس اعضاء الحزب فقط، بل والآباء والأمهات والأخوة والأخوات والأقارب والأصدقاء. فهو التيار ومكوناته التي تشكل السرّ الفعلي لاستمرار الحزب وتواصله. والتيار الثاني سبيكة من المؤامرة والجبن والخيانة المعجونة بمراهقة سياسية وطفولة حزبية وجهل معرفي وشبه امية ثقافية. وقد كان هؤلاء في أغلبهم من الأكراد مثل حميد عثمان وبهاء الدين نوري وعزيز محمد وكريم احمد. "قادة" حزبيون يفتقرون لأبسط المؤهلات القيادية، وعاجزون عن إدراك وحل المشكلات الكبرى اللتي يواجهها الحزب. وبالتالي، فإن ضعف الحزب الشيوعي العراقي وتعرضه إلى خسائر بشرية هائلة وهزائم سياسية كبرى ينبع أولا وقبل كل شيئ من ضعف قياداته. فهي على العموم شخصيات ليست ذات كفاءة لتولي القيادة الفعلية للصراع السياسي على المستوى الاجتماعي والوطني. وقد تكون جريمة وخيانة التكتل الرباعي المؤلف من عامر عبد الله وزكي خيري وبهاء الدين نوري وحسين ابو العيس النموذج الكلاسيكي لهذه الظاهرة. فهم يتحملون مسؤولية خاصة في انتكاسة الثامن من شباط عام 1963. لقد ادى سلوكهم الجبان والخائن تجاه استلام السلطة إلى زج العراق على امتداد عقود ولحد الآن في تخريب شبه شامل للدولة والمجتمع والنظام السياسي. كما انهم يتحملون مسؤولية اغلب التضحيات والخسائر الرهيبة التي تعرض لها العراق بما في ذلك ما يجري حاليا بأثر الاحتلال الامريكي وصعود نخب من نفس الطينة، أي طينة الخراب والخيانة.

ومع أن التاريخ لا يعرف كلمة "لو" غير أن التقييم النقدي يفترض رسم معالم الاحتمال الممكن فيما لو جرت الأمور بطريقة أخرى. لاسيما وانه كان من الممكن أن يجري بطريقة أخرى مغايرة. والمقصود من وراء ذلك هو الكشف عن الجريمة التاريخية والفعلية والكبرى التي اقترفها هؤلاء الأربعة بحق الحزب الشيوعي العراقي وشعب العراق والعراق. ومن ثم يستحقون أكبر إدانة وعقوبة. إذ كان يجب طردهم من الحزب ومحاكمتهم بجريمة الخيانة الكبرى للحزب والشعب. لا أن يستمروا في مواقعهم الحزبية. هذه الزمرة الجبانة شلت عمل الحزب وروح المبادرة والتصدي في وقت كان الحزب في تصاعد ومد وجماهيري هائل. ومن ثم قتلت روح الحزب والجماهير مرتين. مرة ضد الحزب. ومرة ضد الجماهير. وإن استمرارها في النشاط الحزبي كان جريمة وخيانة أكبر من جريمة وخيانة هذه الزمرة. كل ذلك يشير إلى أن استمرار هذه الزمرة في نشاطها الحزبي يعكس نوعية الوضع القيادي للحزب الشيوعي العراقي وإلى أي مدى كان يتسم بالانحطاط والجبن والذيلية والتردد. فلا عجب ان تظهر قيادة عزيز محمد ولاحقا حميد مجيد موسى اللذين يمثلان الصيغة "الكاملة" للانحطاط.

لقد مرت جريمة الثامن من شباط لعام 1963 مرور الكرام. ولم تجر محاسبة ومحاكمة حقيقية لقادة هذه الزمرة الجبانة والخائنة. لاسيما وأن سلوكها كان من حيث دوافعه الأساسية يتسم بقدر كبير وأساسي من المصالح الشخصية الضيقة. وهي مصالح نفسية لا علاقة لها بالفكرة السياسية والاجتماعية والوطنية، أي بالاجتهاد السياسي. إذ كان كل منهم يعتقد بصورة جازمة بأنه الأولى والأجدر بقيادة الحزب من سلام عادل. فقد كان ثابت حبيب العاني نموذجا لفقدان الجرأة ومن ثم المشاركة في تحمل مسئولية ما جرى على خلاف ما جاء في مذكراته عن اجتماع براغ عام 1965. اذ ينقل حنا بطاطو قول ثابت حبيب العاني كيف انه فقد الجرأة ومن ثم يحمل نفسه هذا النقص الذي قضم إمكانية الانتصار في تلك المرحلة الهامة من تاريخ العراق.

إن فقدان الجرأة على الانتصار كانت المقدمة الفعلية للهزيمة والانكسار في الثامن من شباط لعام 1963.  أما ما سطّره ثابت حبيب العاني في مذكراته لاحقا، فإنها تختلف عما جاء في كتاب حنا بطاطو! لكن من المسئول عن هذا الاختلاف؟ ثابت حبيب العاني أم دار الرواد التابعة للحزب الشيوعي العراقي التي نشرت مذكراته؟ والشيئ نفسه يمكن قوله عن ضياع أو اختفاء مذكرات عامر عبد الله. وليس معروفا لحد الآن من هو المسئول عن ذلك. وهذا بدوره يشير إلى إشكالية فكرية وسياسية مهمة. فقادة الحزب الشيوعي جميعا بدون استثناء لم يكتبوا غير مذكرات، أي حكايات وروايات يقدر عليها كل امرئ، بما ذلك الأمي في حال العثور على من يدّون حكايته الشفوية. بمعنى أن يكتب عن حياته وملابساتها ولقاءاته وأحاديثه وقصصه بالطريقة التي تحلو له. غير انه لا أحد بينهم ترك لنا مبحثا أو دراسة واقعية وعلمية ونقدية للتاريخ السياسي للحزب. فسيادة المذكرات دليل على خواء الرؤية العقلية والنقدية والتحليلية والتوليفية. إنها مجرد أكياس يرمي كل منهم فيه ما في جعبته. من هنا ركاكتها واحتمال عدم دقتها. إنها في أفضل الأحوال وثائق يمكن اعتمادها ولكن بعد تمحيصها واختبارها على محك الواقع والتاريخ وأحداثه، والأهم من ذلك نتائجه. (يتبع......)

***

يوسف محمد طه

.......................

1- كان عطشان ضيول الأيزرجاوي أحد الشيوعيين العسكريين الذين امتازوا بالجرأة والشجاعة والإقدام، لذلك كان محبوباً من قبل الضباط والجنود. أُلقي القبض عليه وأودع السجن، حيث تعرض لتعذيب قاس على يد شرطة بهجت العطية مدير التحقيقات الجنائية. وكان سلام عادل يعتمد عليه كثيراً، وكان محسوباً على توجهه الثوري. وحين اصطدم الزعيم عبد الكريم قاسم بالشيوعيين كان سلام عادل وجمال الحيدري وعطشان ضيول مع فكرة إزاحة الزعيم من السلطة وإبعاده عن الحكم. أما الأحكام التي يطلقها ثابت حبيب العاني عنه فإنها تتسم بالنزعة النفسية التي لا تخلو من روح التشفي والانتقام. ويمكن اعتبار موقفه من عبد الكريم قاسم وإبعاده عن السلطة الأكثر تجانسا من جميع القيادات الشيوعية آنذاك في العراق. اغتيل عطشان في المانيا الديمقراطية وما زال مقتله غامضا ولم يجري التحري عنه وفيه.

 

الحزب الشيوعي العراقي وتقييم تجاربه النظرية والعملية

لقد كان الحزب الشيوعي احدى القوى السياسية الفاعلة والمؤثرة في توسيع وتعميق الوعي السياسي العراقي الوطني والاجتماعي. وتمرس في مجرى اكثر من عقدين من الزمن في المرحلة الملكية، التي جعلت منه بعد ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 القوة السياسية الأكبر في العراق.

إن دراسة وتحليل تاريخ الحزب الشيوعي العراقي يفترض استناده إلى رؤية تاريخية واقعية دقيقة لكي يجري تلافي ما هو مميز للحزب من غلبة التحليل الطبقي السياسي على التحليل السياسي الدستوري القانوني. فالأخير غائب تماماً في التحليل والممارسة المميزة للحزب الشيوعي العراقي. بينما هي قضية عضوية أو بنيوية. وفيما لو يمكننا الحكم على مجمل مسيرته ضمن سياق هذه القضية، فإنه قد خسر في نهاية المطاف كل من الطريق الثوري والراديكالي والليبرالي.

والسؤال الأكثر عملية، الذي يبرز ضمن هذا السياق هو هل أن الحزب الشيوعي العراقي حزب الطبقة العاملة العراقية الهادف لبناء الاشتراكية والشيوعية؟ أم هو حزب التحرر الوطني من الاستعمار البريطاني ونظامه الملكي التابع؟ أم هو حزب ليبرالي لإقامة دولة دستورية قانونية؟ أم هو حزب جامع لكل هذه النوازع؟

وعندما نتأمل تجربته العملية على مدار عقود مديدة، فإن النتيجة الجلية تقوم في انه كان ضائعا بينها جميعا. وقد كان هذا الجانب الفكري المنهجي أحد الأسباب الرئيسية لإخفاقاته شبه الدائمة.

فمن الناحية الاجتماعية والتاريخية الثقافية كانت اغلب الشخصيات الماركسية والشيوعية من جنوب العراق ووسطه، كما نراه على مثال حسين الرحال ومحمود احمد السيد وزكي خيري وعبد القادر إسماعيل ويوسف إسماعيل وغالي زويد وعاصم فليح وقاسم حسن وعباس الكرباس وجميل توما ونوري روفاييل وعبد الله مسعود وعلي شكر  وعبد تمر وغيرهم.

فمن الوقائع والحقائق التاريخية بهذا الصدد هو أن الحركة الشيوعية العراقية قد تراكمت وتشكلت بصورة هيئة سياسية في البصرة والناصرية. ففي عام 1927 جرى تجميع وتأسيس الجماعة الماركسية الأولى في البصرة. وكان بين صفوفها عبد الحميد الخطيب وزكريا الياس وسامي نادر مصطفى وعبد الوهاب محمود. وبعدها بعام (1928) تشكلت مجموعة أخرى في الناصرية تكونت من يوسف سلمان وغالي زويد واحمد جمال الدين. حيث صدر عنها منشوراً كتبه يوسف سلمان (فهد،) بعنوان (يا عمال وفلاحي البلاد العربية اتحدوا). طبع بهيئة منشور عام 1932 موقعا باسم الحزب الشيوعي العراقي.

ومن ثم كانت الولادة الفعلية للحزب الشيوعي في جنوب العراق كما هو واضح مما سبق. وأقيم الكونفرنس الأول للحزب الشيوعي في آذار عام 1944 في بيت علي شكر في الشالجية. بينما جرى المؤتمر الأول للحزب في آذار 1945 قي دار يهودا صدّيق في الكرخ. وقد كانت القيادة الأولية والتأسيسية للحزب من الجنوب أيضا بشخصية يوسف سلمان يوسف (فهد). فقد كانت  مقدرة فهد السياسية والتنظيمية تفوق قدرات الآخرين بصورة كبيرة جدا. الأمر الذي اعطى له إمكانية القيادة الفاعلة والمهيمنة على الآخرين. وهي حالة أدت إلى نتائج سلبية أيضا ظهرت للمرة الأولى عام 1946 وما تلاها لاحقا، بما في ذلك قبل وبعد ثورة 1958. ومن الممكن الاشارة هنا إلى كل من (رابطة الشيوعيين العراقيين) بقيادة داود الصايغ، و(اللجنة الوطنية الثورية بقيادة) زكي خيري فهي مؤشرات على حب الزعامة بأثر التأثير الخفي والغير المباشر للتقاليد التي جرى غرسها بأثر الهيمنة شبه المطلقة لسلمان يوسف (فهد)، أو تكونت بطريقة عادية في ظل البنية الاجتماعية البسيطة والأبوية في العراق آنذاك. كما أن من الممكن رؤيتها في كل تاريخ الحزب وبنيته التنظيمية التي تتميز بالخضوع شبه التام للقيادة أيا كان مستواها المعرفي والتنظيمي والسياسي والذهني والأخلاقي.

 فبعد اعتقال فهد في كانون ثاني عام 1947 تحولت قيادة الحزب الى يهودا صديق. غير انه كان من الصعب آنذاك للأغلبية استساغة هذه القيادة. بينما طالب فهد من السجن أن يتولى مالك سيف قيادة الحزب. وترتب على ذلك انتقال مالك سيف من البصرة إلى بغداد لقيادة الحزب الشيوعي.

لقد ماطل يهودا صدّيق في تسليم قيادة الحزب لمالك سيف. لكن وثبة كانون الثاني 1948 غيرت مسار الأمور. وكما ينقل حنا بطاطو، فإن فهد طالب بتكليف كامل قزنجي للتحضير لوثبة 1948. وقد كان الشيوعيون بالفعل القوة الأساسية للوثبة. وبهذا تكون هذه الوثبة أيضا أول اختبار كبير للحزب الشيوعي، إذ وضعته من الناحية الفعلية على هرم الأحزاب السياسية. بعبارة أخرى، إنها رفعته إلى مصاف القوة السياسية الأكثر فاعلية وقوة في العراق. وفي الوقت نفسه، وضعته أمام مجابهة القمع من جانب السلطة. فقد اصيب يهودا صدّيق ومالك سيف بالانهيار المعنوي والسياسي بأثر ارهاب السلطة الملكية. وجرى استكمال هذه العملية بإعادة محاكمة قادة الحزب آنذاك (فهد وحازم وصارم) أمام محكمة عسكرية في العاشر من شباط عام 1949 ثم إعدامهم في الرابع عشر والخامس عشر على التوالي من نفس العام. واستكملت هذه المرحلة المتناقضة من صعود الحركة الثورية والهجوم المضاد في ظاهر كبرى متلازمة آنذاك مثل أحداث فلسطين وتقسيمها، والأحكام العرفية، وضرب الحركة الوطنية العراقية، وإعدام فهد قائد الحزب منذ تأسيسه عام 1934.

لقد أدت قيادة فهد للحزب إلى وضع أسس الإمكانيات اللاحقة الكبرى في التاريخ السياسي للحزب والحركة الاجتماعية والوطنية العراقية ككل. لقد كانت عوناً في سد فراغ القيادة السياسية. فقد اعانت شخصيته ما قام به الحزب عشية انتصار ثورة تموز 1958. كما أعانت ذخيرة جيل السبعينيات من الشيوعيين الحزب لحين تتوفر ظروف وإمكانية تصحيح مساره ومواقفه الخاطئة. ولعل أهمها هو ايقافها ظاهرة وعملية تكريد الحزب الشيوعي من قبل اشخاص مؤثرين آنذاك. مع أنها مهمة مستحيلة التحقيق. وكذلك توظيف وتوريط الحزب في مواقف سياسية خاطئة وغير وطنية، أو نحره بين عجلات القوى الكردية المسلحة، كما يقول عزيز شريف.

فمن الناحية الفعلية افتقدت أغلب هذه القيادات السياسية إلى الكفاءة النظرية والعملية. فقد كان كل من حميد عثمان وبهاء الدين نوري يفتقدون لأبسط مقومات القدرة الفكرية والسياسية والتنظيمية لسد الفراغ الذي انتجه إعدام فهد. وفي الوقت نفسه كان التطور الاجتماعي والثقافي في العراق يفوق إمكانياتهم بدرجة يصعب وصفها.

والسؤال المترتب على ذلك هو كما يلي: كيف كان من الممكن سد هذه الثغرة الواسعة جداً بين إمكانيات قيادية محدودة وتطور اجتماعي سياسي كبير ونمو سياسي للحزب الشيوعي؟

إن المسار الفعلي للحزب الشيوعي العراقي بهذا الصدد يكشف عن أن مرحلة ما بعد فهد انتجت شخصيات حزبية وليست سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة. أما بمعايير الفكرة السياسية الرفيعة فإننا نقف أمام ما يمكن دعوته بفترة الشيوعيون الأطفال. وأن قادته الجدد هم صبية ومراهقين. ويمكن رؤية أهم ملامحها آنذاك في ثلاث ظواهر وهي ظهور هيئات غير مفوضة؛ وانشقاقات عديدة كما جرت في تشرين ثاني عام 1948 وحزيران  1948؛ وكثرة الأكراد في اللجان غير المفوضة.

ففي مجرى قيادة حميد عثمان للحزب، كما يقول بهاء الدين نوري في مذكراته، جرى تحطيم خمس مراكز قيادية، إضافة إلى إعدام قادة الحزب الثلاث (فهد وحاز وصارم) ما بين تشرين أول 1948 وحزيران 1949. وبقي المركز الحزبي السادس بقيادة بهاء الدين نوري بتوصية من حميد عثمان قائد المركز الخامس للحزب. يقول بهاء الدين نوري انه كان يفتقد لأية خطة متعلقة بالنشاط السياسي أو العمل التنظيمي. وهنا يظهر السؤال التالي: من الذي وضع حميد عثمان في المركز القيادي الخامس؟ ومن هم قادة المراكز الأربعة الذين سبقوه؟ لماذا اختار حميد عثمان بهاء الدين نوري لقيادة المركز الحزبي؟

كل ذلك أدى إلى فقدان الحزب لقيادة سياسية لفترة طويلة. ويذكر بهاء الدين نوري انه شكّل لجنة مركزية بعد تحطم اللجنة المركزية التي جرى تشكيلها في المؤتمر الأول للحزب عام 1945 والتي كانت تضم ناصر عبود وصادق جعفر الفلاحي وكريم احمد ومحمد شبر وسليم الجلبي وكاكا فلاح. بينما غابت هذه الأسماء كلها في جداول اللجنة المركزية التي شكلها بهاء الدين نوري، وفقاً لحنا بطاطو. كما أن بطاطو نفسه لا يتوقف طويلا عند هذه الفترة. أما مذكرات بهاء الدين نوري عن هذه الفترة فمبتورة أو ناقصة. كما لم يجر تغطية هذه الفترة من جانب أي طرف آخر في الحزب. فهي فترة تتسم بالغموض وإنعدام معلومات مفصلة عنها.  (يتبع...)

****

يوسف محمد طه

 

تقييم تاريخي لنشوء العراق الحديث وبنيته السياسية

 شكلت حقبة الاحتلالين البريطاني والأميركي للعراق مائة عام، كانت مليئة بالتحولات العالمية والإقليمية والعربية والعراقية. ونظراً لدور الحزب الشيوعي العراقي في تاريخ العراق، من هنا أهمية تقييمه التاريخي بما يتناسب مع المرحلة الأولى في تاريخ العراق الحديث، والتي تختلف اختلافا جذرياً عما هو مميز للمرحلة الثانية، أي ما بعد الاحتلال البريطاني والأمريكي. والغاية من وراء ذلك استشراف إمكانية البديل الواقعي للعملية السياسية الحالية المترتبة على الاحتلال الامريكي ونتائجه. بمعنى كيفية اعادة بناء العملية السياسية على أسس جديدة.

 إن احد الطرق الفعلية لإنهاء جميع نتائج الاحتلال الأمريكي للعراق تقوم في إعادة بناء عملية سياسية قادرة على القيام بهذه المهمة وانجازها. أما الطريق الآخر لإنهاء كل نتائج الاحتلال الأمريكي للعراق فيمكنه ان يكون عبر إسقاط كل العملية السياسية الراهنة، وإقامة بديل وطني ديمقراطي سياسي. كما ان هناك إمكانيات وطرق أخرى أوسع وأشمل، مثل ما يمكنه ان يكون نتاجا للتطور والتحولات الإقليمية.

ان استعراض وتحليل التطورات العراقية والإقليمية والعربية والعالمية التي جرت في غضون مائة مهمة شاقة وصعبة جداً، تستدعي جهداً جماعياً. وبما ان هذا الجهد لم يتوفر أو لم يحدث لحن الآن، من هنا قيمة الاجتهاد الفردي بهذا الصدد، على امل اشتراك أولئك الذين تشكل قضايا العراق الوطنية الكبرى مضمون وغاية همومهم الفكرية والسياسية.

فالفكر السياسي العراقي الحالي وبالأخص من جانب اليسار، لم يعمل لحد الآن على بلورة خطة عمل جماعية. وما نراه هو مجرد آراء ومواقف وتعليقات حول قضايا الساعة واليوم. بينما المهمة تقوم في بلورة رؤية حول مختلف الإشكاليات الكبرى التي مر بها العراق ويمر بها حاليا وما يكمن في آفاقه المستقبلية. باختصار، إن المهمة تقوم في دراسة ونقد الماضي والحاضر والمستقبل. والعمل الجماعي من جانب قوى اليسار ضروريا من اجل التمهيد لعقد مؤتمر تأسيسي عام يقر وثيقة تقيميية لنشاط الشيوعيين منذ التأسيس ولغاية اليوم، وكذلك بيان سياسي حول الوضع الدولي والإقليمي والعراقي. وكذلك برنامج وطني ونظام داخلي. وبموازاته العمل على تشكيل هيئة الرابطة الفكرية العلمية العراقية، بوصفه تنظيما فكريا علميا يستهدف التقييم التاريخي للعراق وآفاقه. بمعنى هيئة غير حزبية إطلاقاً. وتقوم خطة عمل هذه الهيئة باشتراك كل من هو قادر بهذا الصدد بما يتوافق ويستجيب لرغباته وإمكانياته في دراسة هذا الجانب أو ذاك من جوانب القضايا المثارة. واستكمالها بالمناقشة العامة لمختلف الوثائق التي تم الانتهاء من إعدادها، تمهيداً لعرضها في المؤتمر العام لإقرارها بصورتها النهائية.

وما لا شك فيه إن هذه الأشياء كانت وما تزال أمنية ورغبة وحاجة الكثيرين. إلا انها لم تتحقق بشكلها الجماعي الضروري، بمعنى مهمة استثمار كل قوى اليسار بشكل عام والشيوعي بشكل خاص من جانب مختلف اجياله. لذا اضطررت خوض غمار هذه المهمة الضرورية بصورة فردية، عسى وان يجري استكمالها بهذه الطريقة او تلك لاحقاً.

إن احدى نتائج الحرب العالميّة الأولى هي ظهور العالم العربي الجديد وصعود أو نشوء مختلف دوله على انقاض الامبراطورية العثمانية. بمعنى تلازم هذه العملية الظاهرية (الحرب الإمبريالية الأولى) والمستترة (معاهدة سايكس بيكو). و"وعد بلفور".

والسؤال الأول الذي يبرز بأثر كل هذه العملية الدرامية هو لماذا جرى تأسيس ممالك وليس جمهوريات بعد احتلال وتقسيم العالم العربي؟ ممالك ليس لها أسس مادية. من هنا اصطناع قاعدتها المادية، لكنها مع ذلك لم تصمد طويلا. كما لم تتمكن من تطوير أسس تكوينها الذاتي. فقد اندلعت الثورات بصورة مبكرة في مصر عام 1919، والعراق عام 1920، وفي سوريا عام 1925 ضد الهيمنة الإمبريالية. كما نلاحظها في مختلف البلدان العربية مثل ثورة عبد القادر الجزائري في الجزائر، وعمر المختار في ليبيا، وعز الدين القسام في فلسطين. وفيما يخص العراق، يبرز السؤال التالي: لماذا لم يجر رفض تنصيب فيصل الأول الحجازي ملكاً على العراق؟

 لقد تحركت الدوائر الإمبريالية وبسرعة في مخططاتها الاستعمارية ضد العالم العربي، في وعد بلفور وزرع الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي من أجل شل حركته ووحدته. إن زرع الكيان الصهيوني في هذه البقعة، فلسطين، من العالم العربي كان يسعى لبلوغ أهداف جيوسياسية كبرى ضد العالم العربي، في فصل مشرقه عن مغربه. وأثبتت التطورات اللاحقة وأظهرت ذلك بكل وضوح. كما ان سايكس بيكو كانت تقسيما هندسيا بارعا لتشتيت العالم العربي وعرقلة إعادة وحدته، بل وإدخال مختلف وحداته في صراعات جانبية عديدة ومختلفة كما جرى ذلك لاحقاً. إلا أن العرب لم يستكينوا وواجهوا المخططات الإمبريالية بانتفاضات شعبية بصورة مبكرة. في مصر والعراق وسوريا وليبيا وفلسطين والجزائر. وكلما تطور كفاح العرب من اجل التحرر والتقدم والديمقراطية، كلما شحذت الإمبريالية من وسائلها وأدواتها في مواجهة العرب وتقدمهم بوسائل جديدة ومبتكرة. وقد مر كفاح العرب في مراحل متعددة، واتخذ أشكال عديدة ومتنوعة، فضلاً عن اصطفاف داخلي وخارجي متعدد نتيجة متغيرات عديدة، داخلية وخارجية، اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية. ويقف العرب اليوم في مجرى تحول عالمي كبير، تشترك فيه مختلف الشعوب في كفاح عالمي واعي، بل هو أكبر تحول واعي عالمي في تاريخ البشرية. والسبب الأكبر لهذه الظاهرة مرتبط بتكون منظومة عالمية جديدة لها صفاتها الخاصة.

 

"ثورة" اللاشريف حسين اللاعربية: سايكس بيكو ووعد بلفور

  لقد اسهم اللاشريف حسين بن علي وأبنائه في تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو. وكان سلوكهم يتصف بسذاجة وغباء لا نظير له. حيث وفروا الغطاء "العربي" المهلهل للسياسات البريطانية في العالم العربي. كما كان لهذه العائلة دورها الخياني في تنفيذ وعد بلفور. وينطبق هذا على كامل دورها في التطورات العربية بشكل عام والفلسطينية بشكل خاص. لقد وضع اللاشريف حسين وأبنائه كل بيضهم في السلة البريطانية بطريقة غبية وساذجة وتفتقد لأبسط مقومات الحصافة السياسية. كما لم يعرفوا المناورة حتى مع اسيادهم البريطانيون في كل مسيرتهم. هذه الأسرة الكريهة التي لم تستطع تثبيت قدمها في سوريا، وأسقطت لاحقاً في العراق، مازالت تحكم بلداً عربياً واحداً هو الأردن.

لقد كان الهدف الاستراتيجي البريطاني من احتلال العراق، هو تأمين مختلف الطرق للهند درة التاج البريطاني، في إطار صراع القوى الرأسمالية الدولية آنذاك على مناطق النفوذ في العالم، وبالأخص مع فرنسا وروسيا وألمانيا. فقد كانت هناك طريقتان للاستعمار البريطاني من اجل بلوغ غاياته وهما الطريق الهندي والطريق المصري.

فقد اعلنت بريطانيا وفرنسا وروسيا الحرب على الدولة العثمانية تشرين الثاني 1914 وجرى احتلال بغداد في الحادي عشر من آذار عام 1917. وبلغت ضحايا بريطانيا في احتلال العراق ما يقارب المائة الف رجل. أما النفقات المالية فقد بلغت مائتي مليون جنيه. وأكبر انكسار بريطاني في مجرى احتلال العراق حدث في معركة الكوت، حيث بلغ عدد الأسرى البريطانيين 13309 ما بين ضابط وجندي. واعتبرت تلك هزيمة شنيعة للمدرسة الهندية للاستعمار البريطاني. وأثارت هزيمة الكوت في بريطانيا نقاشات وإجراءات خاصة لتلافي هذا الانكسار. وكان للدعم الامريكي دوراً كبيراً في تلافي اخطاء الإمبراطورية البريطانية في كيفية مواجهة ألمانيا في الغرب والشرق. أما الأسباب الحقيقية للاحتلال البريطاني للعراق فقد كان مرتبطا بموقعه الجغرافي والنفط. وجرى الاحتلال البريطاني للعراق بعد ثلاثة قرون من النشاط التجاري والدبلوماسي. وبعد نقاشات سياسية وعسكرية بريطانية وضعت فيها الخطط العسكرية والسياسية لاحتلال العراق، قبل ان تندلع الحرب العالمية الأولى بفترة طويلة. وكان مبدأ ولسن (1918) عن حق تقرير المصير الخروج الامريكي الأول صوب الخارج.

وكان من الصعب آنذاك بالنسبة للعرب الحصول على استقلال حقيقي. إذ لم تكن فكرة ووثيقة الانتداب سوى الاسم المستعار للاستعمار. حيث جرى بلورة ثلاثة أنواع من الانتداب على يد عصبة الأمم في الثامن والعشرين من حزيران عام 1919، إلا أنها تعرضت لاحقا للفشل وانهارت في عام 1945، أي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

فقد كانت عصبة الأمم ثمرة إنكليزية فرنسية أمريكية، بخلاف هيئة الأمم المتحدة، التي اشترك الاتحاد السوفيتي في تكوينها. وبذلك اختلفت الأهداف فيما بينهما. وتعزز دور الأمم المتحدة مع ازدياد الدول المستقلة نتيجة انتصارات حركات التحرر في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

وقد جرى اختيار الملكية الدستورية شكلا للحكم في سوريا ولبنان وفلسطين والعراق، من جانب الدول الاستعمارية. وجرى اقرارها في مؤتمر سان ريمو في الخامس والعشرين من أيار عام 1920. وما ان أعلنت مقررات مؤتمر سان ريمو الاستعمارية، والتي خالفت كل وعود بريطانيا وفرنسا، حتى ثارت ثائرة العرب. وقبلها كان البلاشفة قد فضحوا اتفاقية سايكس بيكو.

واجه العراقيون الانتداب البريطاني بانتفاضة كبرى اطلق عليها لاحقا عبارة ثورة العشرين. فقد كانت هذه الثورة موجهة في آن واحد ضد الاحتلال البريطاني وسلطة خونة دستور الاحتلال. وقد جرى لاحقا الغدر بثورة العشرين وبالأخص من جانب مرجعية النجف في موقفها من الدولة والسلطة.

لقد كانت انتفاضة العشرين أول ثورة عراقية. كما انها كانت الثورة الأولى المغدورة نتيجة قلة الوعي بأهمية السلطة والدولة في الفكر السياسي لمرجعية النجف. ومع هذا كانت ثورة العشرين بداية حقيقية لتبلور روح وطنية جديدة في الوعي السياسي العراقي. إذ كانت الخطوة الأولى على هذا الطريق الوطني، والذي أخذ يتبلور بصورة سريعة في مجرى الأحداث والتطورات اللاحقة. وأصبح عامل داخلي فعال في التطور السياسي العراقي. وكلما يأخذ الوعي الوطني العراقي بالتبلور، كلما كانت المتغيرات العراقية أوسع وأعمق وأدق.

لقد كانت الأسباب الأولية والظاهرية لثورة العشرين ونتائجها تكمن في إخلاف بريطانيا وفرنسا بوعودهما من تحرير العراق، وبإعلانها وضع العراق وفلسطين تحت سلطة الانتداب البريطاني، وسوريا ولبنان تحت سلطة الانتداب الفرنسي. وكانت تلك الشرارة في اندلاع الانتفاضة في العراق ولاحقاً في سوريا وفلسطين.

لقد غابت المرجعية الشيعية وقادة الانتفاضة العامة وكذلك قيادات انتفاضة "الطوب أحسن لو مكواري" عن المساهمة المباشرة في صنع سلطة الدولة العراقية الحديثة. وكان لهذا الغياب الأثر الكبير في طبيعة وكيفية التطورات العراقية اللاحقة. وقد حصد نتائج انتفاضة العشرين كل من فيصل بن الحسين وعبد الرحمن الكيلاني ومن بعدهم نوري السعيد.

لماذا أنشأت سلطة فيصل بن الحسين وعبد الرحمن النقيب ونوري السعيد؟ وأين كان الخلل في تكوين الجيش العراقي؟ وأين كان قادة ثورة العشرين في تكوين السلطة العراقية الجديدة؟

إن الخلل في تكوين الجيش العراقي هو نتيجة الخطأ في تكوين سلطة فيصل بن الحسين وعبد الرحمن الكيلاني ونوري السعيد. فقد جاؤوا جميعهم من خارج سياق ثورة العشرين، التي كانت يجب ان تنشأ سلطتها ومن ثم تحديد تطور العراق القادم بما يستجيب لأهدافها وقواها. لقد تم اختطاف انتفاضة العشرين. وكان لبريطانيا دور في هذا الاختطاف. فقد كانت السلطة الجديدة في العراق من المخلفات العثمانية بثوب عربي مهلهل. وبالتالي فإن هذا الخلل والاختطاف الذي نتج عنه، انعكس على مختلف التطورات اللاحقة. وعندما توفرت إمكانية معالجة هذا الخلل في ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، جرى اجهاضها مرة ثانية.

فقد كانت الحكومة المؤقتة احد نتائج ثورة العشرين، والتي جرى تشكيلها برئاسة عبد الرحمن الكيلاني لتقرير شكل الحكم الذي يلائم العراق. وتشكلت في الخامس والعشرين من تشرين اول عام 1920. وكانت تحت هيمنة برسي كوكس الحاكم العام الجديد في العراق.

 جاء البريطانيون بفيصل بن الحسين الذي فقد عرشه في سوريا بأثر حادثة ميسلون في الخامس والعشرين من تموز عام 1920 من اجل تشكيل حكومة عربية مؤقتة في العراق. ووصل فيصل بن الحسين بغداد في التاسع والعشرين من حزيران عام 1921. وعلى اثرها اجتمعت الحكومة المؤقتة وأعلنت فيصل بن الحسين ملكاً على العراق، على أن تكون حكومته "حكومة دستورية برلمانية ديمقراطية يحكمها القانون". هكذا قيل كذباً. وعلى اثرها جرى استفتاء شعبي أقر فيصل بن الحسين ملكاً على العراق. وتم بعد ذلك تتويجه ملكاً في الثالث والعشرين من آب عام 1921.

لقد كان هذا الاستقلال شكليا. ففي الظاهر كان حكما وطنيا عراقيا، بينما كان في الواقع خاضعا للحكم البريطاني. وبعدها جرى حل الحكومة المؤقتة وشكلت حكومة جديدة برئاسة عبد الرحمن الكيلاني، التي فاوضت الحكومة البريطانية على معاهدة تنظم العلاقة بين الطرفين. وتم التوصل إلى معاهدة في العاشر من تشرين الاول عام 1922. وبعدها دخل العراق عصبة الأمم في الثالث من تشرين اول عام 1932. حينذاك جرى إلغاء الانتداب البريطاني رسمياً.

الحالة السياسية القلقة في العراق الملكي

كيف واجه فيصل الأول (1922-1933) معضلة أو إشكالية السلطة والمجتمع والتغيير؟ اننا نعثر عليها في ما نشره هو بهذا الصدد. لكن الأمر الجلي هنا هو ضعف السلطة في العهد الملكي. إذ لم تستطع سلطة النظام الملكي الهيمنة على المجتمع. وكان لضعف السلطة الملكية نتائج عديدة.

لقد كانت إمكانيات السلطة الملكية تجاه المجتمع تتسم بالضعف الكمي والنوعي. فقد كان، على سبيل المثال، ما يقارب مائة الف بندقية لدى الشعب، مقابل 15 الف بندقية لدى سلطات الدولة. هكذا كان الوضع عشية تكوين الدولة العراقية الحديثة.

التحديث يتطلب تطوير حماية الدولة لمشاريعها. وهذا يتطلب بدوره تطوير إمكانيات الجيش والشرطة. فالجيش هو العمود الفقري لتكوين الدولة. وقد انخرط الجيش العراقي بصورة مبكرة في النشاط السياسي. ومفارقة الظاهرة تقوم في أن تطوير امكانيات الدولة (الجيش والشرطة) والمجتمع قد أدى إلى الاصطدام بسلطة الملك وحاشيته. مع ما ترتب عليه من صراع بينهما.

اخذت التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والعسكرية خلال هذه الفترة تتقدم، ومن ثم أدت إلى نتاج متضاربة، أثرت بدورها على مجرى الصراع وتحولاته. ففي زمن الملك غازي (1934-19329) نلاحظ ظهور وتطور الاتجاه العروبي في الدولة. فقد اخذ الجيش بالنمو بعد تنظيم الخدمة الالزامي أو التجنيد الإجباري عام 1934. كما اخذت تتسع وتتطور شبكات السكك الحديد وطرق المواصلات. ومن ثم تطور صلات وترابط العراق الداخلية والخارجية. وأدى مقتل الملك غازي إلى تولي الحكم عبد الإله (1939-1953). وفي مجرى هذه الحقبة حدثت انقلابات في الجيش مثل انقلاب بكر صدقي عام 1936 وحركة مايس (حركة رشيد عالي الكيلاني 1941) ثم حرب الثلاثين يوم وانقلاب المواقف والمشاعر.

لم يكن الاهتمام الضعيف بالجيش من جانب السلطة الهاشمية معزولا عن جملة أسباب من بينها ضعف روح العروبة. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن نفسية وعقلية العائلة الغريبة عن العراق وتقاليد الخيانة الكامن فيها. فقد تحالفت السلطة الهاشمية مع القوات البريطانية ضد الجيش والشعب. مما أدى إلى تعمق تحالفها وتبعيتها لبريطانيا والعشائر والإقطاع. في حين أدى التطور الملموس في العراق إلى توسيع وتعميق مدى الصراع الاجتماعي والسياسي. مع ما لازمه من تغير في الاصطفاف السياسي. ونلحظ ذلك في وثبة كانون عام 1948، وانتفاضة 1952 و 1956. الأمر الذي دفع بالعائلة المالكة إلى توسيع وتمتين العلاقة ببريطانيا والنظام الاقطاعي العشائري. كل ذلك كان يكشف عن أن الملكية باتت عامل تخلف اجتماعي ورجعي. (يتبع.....)

****

يوسف محمد طه

 

مادونا عسكر"أليس من المدهشات أنّ مظاهر الباطل أقدر في الإقناع أحياناً من مظاهر الحقّ؟" (مي زيادة)

من المدهشات أنّه تمّ الاهتمام المكثّف بسيرة حياة ميّ زيادة العاطفيّة، وربّما المتخيّل، أو ربّما المزوّر، أو بتعبير أفضل المشكوك فيه. ومن المدهشات أنّه بالاطلاع الجدّيّ على مسيرة ميّ الأدبيّة نلقى امرأة قضت حياتها في الكتابة باللّغة العربيّة، وبلغات أخرى، والبحث وبناء الفكر والتّرجمة والمناقشات الثّقافيّة والأدبيّة. وكلّ أديب يعلم جيّداً أنّ الكتابة الجادّة تفترض وقتاً وجهداً شاقّاً وبحثاً دؤوباً ومخزوناً معرفيّاً، ما يعني أنّ ميّاً لم يكن لديها الوقت لتلك العلاقات الغراميّة المروّجة، حتّى وإن تمّ الاستدلال إلى هذه الحالات العاطفيّة من خلال رسائلها. إلّا أنّه تمّ التّركيز على هذه الرسائل بما يتناسب والمراهقات الفكريّة الّتي ما زالت في طور النّموّ، ويحلو لمن كرّسوا الوقت هباء لهذه الرّسائل أن يجتذب القارئ بتحليلات سخيفة عن أديبة قضت عمرها في الكتابة.

ومن المدهشات كذلك، أنّه لا يتمّ التّركيز على مراسلات ميّ الثّقافيّة الّتي يرد ذكرها في كتاب ضخم جمعته وحققّته وقدّمته المستشرقة الألمانيّة أنتيا زيغلر، الّذي ضمّ أكثر من مئة وسبعين عملاً للأديبة مي زيادة، ما بين مقالة ومحاضرة وقصّة قصيرة وقصيدة منثورة وخاطرة  وقصص للأطفال. وهي من مختلف الدّوريّات والكتب، وباللّغات العربيّة والإنكليزيّة والفرنسيّة والإيطاليّة. وتذكر المستشرقة أنتيا زيغلر في مقدّمة الكتاب أنّها أدرجت الصّياغتين الإنكليزيّة والإيطاليّة في هذه المجموعة، لأنّهما توثّقان أنّ ميّ زيادة كانت معروفة بكتاباتها حتّى في البلاد الأوروبيّة، وبين أوساط أوسع من القرّاء، وأنّ صيتها جاوز جماعة المستشرقين الغربيّين ممّن كانت على صلة معهم، والزّوار الأجانب لصالونها، خلافاً للوصف المعتاد عنها في الكتب. كما تذكر أنّ ميّاً قدّمت لكتاب بقلم الدّكتور يعقوب صرّوف "فصول في التّاريخ الطّبيعي من مملكتي النّبات والحيوان" الصّادر عام 1931. على أنّه لم يكن مألوفاً في ذلك العصر أن تقدّم امرأة لكتاب رجل، بل على العكس، فالكاتبات هنّ اللّاتي كنّ بحاجة إلى تقديم ما يشبه خطاب توصية بقلم رجل حتّى يتضمّن عدداً محترماً من القرّاء لمؤلّفاتهن. (مقدّمة كتابات منسيّة للمستشرقة أنتيا زيغلر، دار نوفل، بيروت، ط1، 2009).

كيف يمكن الإغفال عن أديبة بهذا الحجم، تمتلك من الثّقافة ما لم تمتلكه إلّا نساء قليلات في زمنها وربّما في الزّمان الحاضر. وتقتني من المعرفة ما يفتقده أغلب من يدّعون أنّهم أدباء وأديبات. إنّ امرأة بحجم ميّ زيادة، كانت أقرب ما يكون إلى المرأة الإلهة في الأزمنة ما قبل التّصوّر التّوراتيّ عن المرأة، في تلك الأزمنة الّتي كانت فيها المرأة مقدّسة، وإلهة مانحة للحياة. والحياة لا تقتصر على إنجاب الأطفال، وإنّما يتمدّد معناها لتشمل الحياة ككلّ، فكريّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً وعلائقيّاً.

امرأة أديبة بحجم ميّ زيادة أثرت البناء الفكريّ والاهتمام بتنوير العقول؛ لذلك شكّل صالونها الأدبيّ حركة أدبيّة لا بدّ من أنّها أثّرت في الأدب العربيّ. وفي هذا الصّالون الأدبيّ الّذي اجتمع فيه كبار الأدباء والمثقّفين والمثقّفات العرب والأجانب ناقشت ميّ فكريّاً وأدبيّاً، وليس كما يظهر في بعض التّحليلات أنّ صالونها لم يرتده إلّا الرّجال، ناقشت مي المثقّفين، كما المثقّفات، ولعلّها عدّت المثقّفين الرّجال أنداداً، ونظرت إليهم كرجال فكر. وأمّا هم، وفي غالب الظّنّ، آثروا اللّقاء بالأنثى في ميّ وحسب. وإلّا فلماذا لا نجد رأياً أو ملاحظة أو نقداً أو تقريراً عن بعض هذه النّقاشات؟ فجُلّ ما نقرأه أنّ بعض الأدباء كانوا ينتظرون يوم الثّلاثاء؛ ليرتادوا إلى صالون ميّ الجميلة والمثقّفة واللّبقة. لقد اجتمعت ميّ بأندادها كامرأة الأزمنة الغابرة، المرأة المقدّسة بفكرها وعلمها ومعرفتها، وتصرّفت معهم على هذا الأساس دون أن تعي في ذاتها هذه القداسة الأنثويّة. فعلى ما يبدو اختبرت ميّ هذه القداسة الأنثويّة لا عن وعي كامل، وإلّا لما كان حالها في نهاية المطاف هو الحال الّتي آلت إليها من إهمال وعدم تقديرها حق قدرها، التقدير اللّائق بها كامرأة مثقّفة، وليس كأنثى جميلة يحوم حولها الكثير من الفَراش، ولكن للأسف، هي من احترقت، وسلم البقيّة.

وبالعودة إلى الإطار الزّمنيّ لحياة ميّ الّتي تفرّدت بين نساء عصرها اللّواتي كنّ غير قادرات على التّعبير والانفتاح بحكم التّقاليد البالية، نفهم سبب نظرة الأدباء لها وسعيهم  لصداقتها، ولكن ما لا نفهمه هذه العنجهيّة والكبرياء الّذي جعل من بعض هؤلاء الأدباء أن يغضّوا النّظر عن أدبها. وربّما نفهم بالنّظر إلى واقع كلّ زمن نظر فيه الرّجل إلى المرأة أنّها أنثى وحسب، ولا يُنظر إليها إلّا للتّقرّب منها ولا يُهتمُّ لما تقدّم إلّا بهدف مصادقتها. ولست أعمّم، وإنّما في الغالب هذه هي الحال، وهذا ما يمكن استنتاجه من واقع ما زالت فيه المرأة مستبعدة حتّى وإن ظهر بعض ممّن يشيدون بقيمة المرأة وعملها وهم نادرون جدّاً. تلتفت ميّ زيادة إلى هذه الحالة الملتبسة الّتي يخلقها الرّجال بوعي زائف ومزيّف بقولها: "من ظريف النّكات في الثّناء على المرأة الذّكيّة قولهم (إنّها تجاري الرّجال). ولماذا لا تكون مجارية نفسها الّتي تكتشفها كلّ يوم؟".

امرأة بحجم ميّ، امرأة إلهة، لا يمكن أن تفهم الحبّ كما يفهمه كثيرون على أنّه عاطفة. هي تفهمه انطلاقاً من معرفتها وثقافتها. تقول ميّ: "المرأة حبّ، والرّجل فكر."، ولئن كانت المرأة حبّاً، فهي لا تستدعي الحالة العاطفيّة، وإنّما تحيا الحبّ بمعناه الألوهيّ في حركة حياتيّة شاملة. ما لا يستطيع الرّجل أن يفهمه غالباً، لأنّه يبحث في المرأة عن الأنثى الخاضعة، لا عن المرأة النّدّ والمكافئ والنّظير. يبحث عن الأنثى الّتي ترضي غروره لا عن المرأة الحياة والاحتواء. وما يؤكّد أنّ ميّ لم تكن تعي هذه المرأة الإلهة الكامنة فيها انسحبت إلى ميولها العاطفيّة. ما نستدلّ عليه في جزء من رسالتها إلى العقّاد: "لا تحسب أنّني أتهالك بالغيرة من جبران، فإنّه في نيويورك لم يرني، ولعلّه لن يراني، كما أنّي لم أره إلاَّ في تلك الصّور الّتي تنشرها الصّحف، ولكنّ طبيعة الأنثى يلذّ لها أن يتغاير فيها الرّجال، وتشعر بالازدهاء حين تراهم يتنافسون عليها.. أليس كذلك؟ معذرة فقد أردت أن أحتفي بهذه الغيرة، لا لأضايقك، ولكن لأزداد شعوراً بأنّ لي مكاناً في نفسك، أهنّي بها نفسي، وأمُتّع بها وجداني." ويبدو من هذا الاعتراف الصّادق الّتي باحت به ميّ ببساطة ودون مواربة، أنّ ميّاً ملاك نظيف لا يخفي مشاعره، ولا يحجب دوافعه. ميّ امرأة نظيفة من داخلها حدّ البساطة الّتي منعتها من إدراك الدّسائس المحاكة لها.  تقول ميّ: "أنا امرأة قضيت حياتي بين قلمي وأدواتي وكتبي ودراساتي، وقد انصرفت بكلّ تفكيري إلى المثل الأعلى، وهذه الحياة  أي المثالية التي حييتها جعلتني أجهل ما في هذا البشر من دسائس."، وفي هذا القول إشارات كثيرة إلى شخصيّة ميّ وداخلها العميق. إنّ من يحيا في عالم المثل، عالم الفكر يصبو إلى كلّ ما هو مرتقٍ عن الواقع، ولعلّ الخطأ يكون في عدم لمس الواقع والابتعاد عن اختباره بحقّ وإدراك خباياه وبعض النّوايا السّيّئة. إنّ ملائكيّة ميّ حالت دون لمس هذا الواقع. فكانت وهي المفكّرة والأديبة والممتلكة المعرفة بسيطة في عمقها، تتعامل مع الآخر وكأنّه يرافقها في عالم الفكر.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

لقد صدّرت فرنسا للعالم المعرفة والقانون والاحتلال والنبيذ والدم وعدم المغفرة ، فالثورة الفرنسية التي قامت في القرن التاسع عشر كانت من أعنف الثورات وأشرسها وأكثرها قسوة . فقد انتهجت فرنسا منهجا مختلفا عن غيرها من الدول وقتلت لافوازية من دون محاكمة إذ قال القاضي يومها " الثورة ليست بحاجة للعلماء " وقدمت نابليون باني مجد فرنسا للمحاكمة كما عاقبت الجنرال بيتان الذي انتصر على الألمان في الحرب العالمية الأولى وقدمته للمحاكمة في نهاية الحرب العالمية الثانية .

يحكى أنه في عام 1945 خرج رجمحمد عبد الكريم يوسفل عجوز يبلغ من العمر التاسعة والثمانين بعكازه من المحكمة العسكرية في باريس تحت حراسة مشددة . لقد أطلقت المحكمة عليه " حكم الإعدام" وخفف الحكم للسجن المؤبد في جزيرة نائية على الشاطئ الفرنسي المطل على الأطلسي. وقد شهدت قلعة جزيرة " أيو "حضور السجين التسعيني لتغلق عليه الأبواب للأبد .

كانت قلعة الجزيرة إحدى قلاع العصور الوسطى المهجورة إلى أن عمّرها قدم الجنرال بيتان ليعيدها إلى الذاكرة بعد أن نسيها التاريخ . وكان العجوز يمشي كل صباح على سور القلعة بحجارته السوداء وكأنه شبح آت من أعماق القرون ليعيش وحدته النائية وسط نسيان الناس رغم أنه منذ عهد قريب كان رجل فرنسا الكبير. وينسى الناس الرجل ومجده إلى أن يحضر ملك الموت بعد خمس سنوات ليذكر الناس أن الجنرال بيتان هنا وينقسمون بين مؤيد ومعارض لما حدث للرجل من مأساة . فمن هو الجنرال بيتان هذا وما الخدمات التي قدمها لفرنسا؟

ولد الجنرال بيتان عام 1856 م وانضم إلى صفوف الجيش الفرنسي وبقي مغمورا حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 وبعد دخول فرنسا الحرب قفز اسمه إلى الواجهة وصار ألمع ضباط الجيش الفرنسي خاصة بعد المعجزة التي حققها في معركة فردان عام 1916 وإيقاف تقدم الجيش الألماني نحو باريس . كانت باريس قاب قوسين أو أدنى من السقوط بيد الألمان خلال السنوات الأولى من الحرب العالمية وقد حُفرت الخنادق والخنادق المضادة وصارت أمطار الشتاء هي الحد الفاصل بين المتحاربين وكان إشعال لفافة تبغ كافٍ بأن ينقل صاحبها إلى العالم الآخر.

بدأ الألمان عام 1916 بهجوم عام على الجبهة الغربية بقيادة ولي العهد الألماني وكان الهدف الوصول إلى باريس خلال ساعات . كان محور الهجوم متركزا على مدينة فردان . وقد كُلف الجنرال بيتان بالدفاع عن المدينة وإيقاف الغزو الألماني فأعاد تنظيم القوات بسرعة ووزع المدفعية وجهز نظام الإمداد بالذخيرة والعتاد وأقام جداراً بشرياً من العسكر المدججين بالسلاح في المنطقة . لقد استمرت المعركة حوالي ثمانية أشهر حدث خلالها مجزرة بشرية هي الأقسى في التاريخ الفرنسي راح ضحيتها حوالي نصف مليون قتيل ونصف مليون جريح من الطرفين. لكن الجنرال بيتان انتصر في النهاية ونجح في صد الهجوم الألماني وصار بيتان البطل القومي الفرنسي الذي لا يشق له غبار . ثم سمي البطل القومي رئيسا للأركان في الجيش الفرنسي فأعاد تنظيم القوات خلال فترة قصيرة وشن هجوما على الألمان وكان الجيش يومها بقيادة الجنرال فوش انتهى بانتصار الحلفاء على الألمان وأجبروهم على توقيع معاهدة انتهاء الحرب في عام 1918.

كللت فرنسا جنرالها المنتصر بالغار وسمته " ماريشال فرنسا" وعينته نائب رئيس مجلس الحرب والمفتش العام للجيش والقوات المسلحة .

وتمضي خمس وعشرون سنة والرجل في السلطة الفرنسية ...

بدأت الحرب العالمية الثانية ، وتنهار الجبهة الفرنسية ويدخل الألمان باريس عام 1940 م وكان بيتان يومها نائبا لرئيس حكومة رينو الفرنسية فطلب الألمان منه أن يؤلف حكومة نظرا لشعبيته الواسعة . كان الألمان يفتشون عن معادل جيد لهزيمة فردان القاسية وفي عام 1940 ألف الحكومة وفق الطلب الألماني وأرسل للأمة الفرنسية نداء الاستسلام . قال بقلب حزين " أقول لكم اليوم أوقفوا القتال. " ثم وقع اتفاقية الهدنة فاجتمع مجلس النواب الفرنسي في فيشي وعينوا بيتان رئيسا للدولة الفرنسية . في هذه الأثناء كان الجنرال ديغول في بريطانيا ينادي الفرنسيين ويطلب منهم المقاومة ضد الاحتلال الألماني وقال " لقد خسرت فرنسا معركة ولم تخسر الحرب" . حاول بيتان التواصل مع ديغول ولكن لم تنجح المحاولات .

في أيلول عام 1944 م وبعد تحرير باريس أعلنت حكومة فرنسا الحرة برئاسة ديجول إلغاء دولة بيتان الفرنسية رسميًا مع كل قوانينها وتشريعاتها وتعرض العديد من أعضاء حكومة فيشي الفرنسية للاعتقال والسجن بتهمة الخيانة وهرب “بيير لافال” إلى ألمانيا ومن ثم في النمسا ولكن ألقي القبض عليه لاحقا وأعيد إلى فرنسا، حيث حوكم وأعدم عام 1945، أما “فيليب بيتان” فقد نقل إلى بلدة بلفور ثم أخذ قسرًا إلى شتوتجارت في ألمانيا تحت الحجر وفي أبريل 1945 نجح في السفر إلى سويسرا فبعث إليه ديجول ببرقية يرجوه أن يظل في منفاه الاختياري ولا يعود للمحاكمة نظرًا لبطولته في معركة “فردان” لكن بيتان رفض الاستماع إلى نصيحة ديجول وعاد إلى فرنسا طواعية برغبته ليقُدم للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى وحكم عليه بالإعدام لتعاونه مع الألمان، ولكن تدخل ديجول وخفض العقوبة إلى السجن الانفرادي المؤبد إلى أن توفى بيتان في المعتقل في عام 1951 عن 95 عامًا.

بدأت مأساة بيتان في أنه حاول أن يكون تكتيكيا مع الألمان وأن يبقي جسور التواصل مفتوحة على مصرعيها مع المقاومة الفرنسية للاحتلال. كان هدف بيتان الحقيقي من وراء ذلك هو المحافظة على وحدة الأراضي الفرنسية . خاطب الفرنسيين قائلا عقب لقاء له بالفوهرر الألماني :" كنت في السابق أخاطبكم كأب ، اليوم أخاطبكم كقائد. اتبعوني وضعوا ثقتكم في فرنسا للأبد . " حاول بيتان التواصل مرة ثانية مع ديغول ورفض التعاون العسكري مع ألمانيا وتعاون مع فرانكو ملك اسبانيا ورتب الأوراق مع سفير الولايات المتحدة قبل دخولها الحرب ورغب في تسليم السلطة للجنرال ديغول فاعتقلته السلطات الألمانية ونفته إلى سيغماريغن وبقي هناك إلى أن استردته قوات الحلفاء . ورغم ذلك وفي غمرة النشوة بالانتصار قدمت فرنسا الشيخ التسعيني للمحاكمة وحكمت عليه بالإعدام وكأن فرنسا كانت تعدم فيه مبدأ مهادنة العدو ومبدأ التعاون مع العدو ومبدأ مفاوضة العدو رغم الخدمات الجليلة التي قدمها لمجد فرنسا . وقد خفف الحكم عليه بالسجن المؤبد .

اليوم فرنسا تقف حائرة أما هذا السؤال المعلق : هل يستحق الجنرال بيتان من فرنسا هذه المعاملة ؟

في أيار 1966 م وخلال الاحتفال بمرور خمسين عاماً على معركة فردان (1916) قال شارل ديغول : "لسوء الحظ وفي خضم أحداث مفرطة وفي أواخر حياته ، قاد التقدم في العمر الماريشال بيتان إلى فشل ذميم ، والشهرة التي حازها في فردان قبل خمسة وعشرين عاماً واحتفظ بها بقيادته الجيش الفرنسي إلى النصر لا يمكن الطعن بها أو تجاهلها من قبل الدولة".

وبعد أربعين عاماً، حذا الرئيس الأسبق جاك شيراك بالجنرال ديغول فقال: "لقد كان الرجل قادراً على اتخاذ قرارات من شأنها أن تؤدي إلى النصر. سيبقى هو المنتصر في فردان. هذا الرجل هو فيليب بيتان. للأسف، في حزيران 1940، وخلال أواخر حياته ، غطى نفس الرجل مجده باختيار الهدنة (مع ألمانيا) وصمة عار هي العمالة".

وقبل ذلك كان الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران قد أكد على "التناقضات" التي تنطوي عليها شخصية الماريشال بيتان ، وكان قبل أيام قليلة على كلامه ذاك قد زار، مثله في ذلك مثل ديغول وجيسكار ديستان، قبر بيتان ووضع عليه الزهور. وعندما سئل عن هذه البادرة أجاب: "أنا أفهم عواطفهم (اليهود). نحن هنا أمام حالة نموذجية من تناقضات التاريخ التي تضعنا بدورنا في تناقضات لا يمكن احتمالها فعلاً. ولكننا لن نستطيع تمزيق الصفحات التي كتب عليها تاريخ أعظم معركة عرفتها وانتصرت فيها فرنسا ولا أن ننتزع من تاريخ فرنسا أولئك الذي شاركوا وقادوا معركة فردان قبل 25 عاماً من أكبر عملية اعتقال عرفها يهود فرنسا. إنه عار لا يمكن أبداً محوه من تاريخ بلدنا. لكن مجد فردان، المجد الذي دفع ثمنه كثير من الدماء والمآسي لا يمكن نسيانه، ولا قدامى المحاربين ولا عار 1942. هذا تناقض أساسي".

أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فقد أثار عاصفةً من الجدل يوم 7 تشرين الثاني 2018 حين وصف الماريشال الفرنسي فيليب بيتان بـ"الجندي العظيم" وذلك خلال احتفال تنظمه فرنسا لمناسبة توقيع هدنة كومبين التي تؤرّخ لنهاية الحرب العالمية الأولى وانتصار فرنسا وحلفائها على ألمانيا.

وقال ماكرون خلال الحفل الذي أقيم في مدينة شارفيل- ميزيير قرب الحدود مع بلجيكا تكريماً للعسكريين الذي خاضوا الحرب العالمية الأولى "لقد نظرت دائماً تاريخ بلدنا بشكل مباشر ومن المشروع تماماً أن نُشيد بالقادة الذين قادوا الجيش أيضاً نحو النصر"، وبينهم بطبيعة الحال فيليب بيتان الذي تعامل خلال الحرب العالمية الثانية مع الاحتلال النازي وكان على رأس حكومة فيشي التي ساهمت في نقل يهود فرنسا إلى المحارق النازية. وتابع ماكرون "أنا لا أقوم باختزالات قصيرة لكنني لا أخفي أي صفحة من التاريخ . كان الماريشال بيتان جندياً عظيماً خلال الحرب العالمية الأولى ثم اعتمد خيارات قاتلة خلال الحرب العالمية الثانية . هذا واقع بلدنا (...) لكن الحياة السياسية مثل الطبيعة البشرية تكون أحياناً أكثر تعقيداً مما نود أن نؤمن به".

أتراها تغفر فرنسا لقائدها الكبير؟

لست متأكدا في ظل الضغط الإسرائيلي الحالي على حكومة باريس والتحكم بمفاصل صنع القرار .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

 

عبد الحسين شعبان

حين نقرأ للشاعر الكردي العراقي شيركو بيكه س الذي رحل عن دنيانا الفانية يوم 4 آب (أغسطس) العام 2013 عن عمر ناهز الـ 73 عاماً، نتوقّف طويلاً عند علاماته الفارقة التي وضعها على طريق الشعر والجمال، فبيكه س لم يكن يكتب شعراً فحسب، بل إنه يتنفس الشعر ويعيشه بكل كيانه وروحه، في المرئي واللّامرئي وفي الممكن والمستحيل.

بلغته الباذخة الأنيقة وجملته المكثفة يأخذنا بعيداً إلى تلك الجبال البيضاء والصباحات المعطّرة والينابيع والنهيرات والأشجار والأزهار والحقول والنجوم والليل والقمر والآمال والأحلام والحرّية والمحبة.

I

استمعتُ إلى بيكه س قبل أن أبدأ بقراءته وذلك في سطح منزل الصديق طارق الدليمي في إحدى الأماسي الدمشقية الجميلة، التي كان يضيفنا فيها في منزله العامر، والذي كان بمثابة منتدى أدبي وثقافي وفكري وسياسي بكل معنى الكلمة، وكان اللقاء بحضور هادي العلوي ومحمد عبد الطائي (أبو يوسف) وجمعة الحلفي، ولا أتذكّر إن كان صديقاً آخر. وسماع الشعر ليس مثل قراءته، ولاسيّما الشعر الحديث، ومع ذلك كانت دهشتي شديدة، لذلك حرصت على اقتناء مجموعته التي صدرت عن دار الأهالي في دمشق (في النصف الثاني من الثمانينات) والموسومة “مرايا صغيرة”، والتي قام هو بترجمتها إلى اللغة العربية كما أخبرني، فاحتفظت القصائد بروحها وألقها وكأنها مكتوبة بلغتها الأصلية. وأعتقد أنها أول مجموعة له تُتَرجم إلى العربية، وتوالت صدور ترجمات مجموعاته لاحقاً ” ساعات من قصب” و” 2000 كلمة لعام 2000″ و”سفر الروائح” (ترجمة آزاد البرزنجي) و” إناء الألوان” ونشر له في دمشق والقاهرة مختارات من شعره. وكانت مرجعيته بعد اللغة الكردية، اللغة العربية كما يقول، ومن خلالها تعرّف إلى الآداب والثقافة العالمية، وكان قد قرأ لجبران خليل جبران وبدر شاكر السيّاب. كما قام بترجمة بعض قصائده (مروان علي – هولندا /أمستردام). وجئت على ذكر بيكه س بإعجاب مرتين: الأولى- حين كتبت عن “بغداد عاصمة الثقافة العربية” في صحيفة الخليج (الإماراتية) ، في 10/4/ 2013 وكان هو يقاوم السرطان في منفاه السويدي حيث استسلم أخيراً وحيداً وبهدوء للقدر الغاشم بعد رحلة مضنية، وحيث ” لا أحد”، وهو ترجمة لاسمه الكردي بيكه س، والثانية- بعد وفاته حين دعيت لإلقاء محاضرة في براغ فاخترت الحديث عن ” براغ وثمّة عشق” وذلك في العام 2016 لأن العشق هو تلك الرحلة التي تأخذك من نفسك إلى نفسك حسب جلال الدين الرومي، وسيكون أوضح بلا تفسيرات، وفقاً لابن عربي. وامتاز شعر بيكه س بالخصوصية الكردية صوراً وموضوعات ودلالات، لكنه بانفتاح ملحوظ على التجارب العربية والعالمية، متطلعاً إلى عالم أرحب بفضاء إنساني، فتوحّدت عنده كردستان بالحرية والحب بالخير، والجمال بالأمل ، والحلم بالنضال، فشارك قوى شعبه في كفاحه منذ يفاعته وسار على درب والده فائق بيكه س الذي كان شاعراً ومناضلاً في الآن، حيث انخرط في انتفاضة 6 أيلول/سبتمبر 1930 وسجن على أثرها، ثم أبعد إلى مدينة الحلّة في العام 1937 وقد توفّي في العام 1948 وكتب عنه الشاعر الكبير الجواهري قصيدة رثاء يقول فيها: ” أنت الجميع وأنت الأحد ” في إشارة إلى اسمه الذي يعني “لا أحد” أو “الغريب”. ولد شيركو في مدينة السليمانية في 2 أيار/ مايو/ 1940 وهو الآخر سيُنفى إلى هيت في محافظة الأنبار (الرمادي) (غرب العراق)، حيث أحبّ اللغة العربية، ولكن تعلقه بلغته الكردية ومحبّته لها اكتسبه من والدته من خلال القصص والحكايات الشعبية التي كانت ترويها له، وأحبّ كردستان التي تنقّل في العديد من مدنها وقراها وقصباتها وجبالها ووديانها، فاتسع أفقه .

II

التحق شيركو بالثورة الكردية في العام 1965 وعمل في مجال الإعلام وبعد اتفاقية 11 آذار/مارس 1970 بين الحركة الكردية والحكومة العراقية نشط في مجال اتحاد الأدباء الكرد، وصاغ مع مجموعة من زملائه من المبدعين بيان المرصد “بيان روانكه” العام 1970 الذي مثّل توجهاً جديداً للحداثة الشعرية الكردية على غرار “البيان الشعري” الذي وقّعه 4 شعراء والذي عبّر فيه فاضل العزاوي عن رؤيته اللاحقة في كتابه ” جيل الستينات – الروح الحية” 1997 كما جسّد رؤية سامي مهدي التي حاول إبرازها في كتابه “الموجة الصاخبة – شعر الستينات في العراق “1994. وكان “بيان الرؤية الجديدة” قد ضم مجموعة فنانين في مقدمتهم ضياء العزاوي ورافع الناصري، وهو جزء من الدعوة للحداثة الفنية، مثلما كان البيان الشعري دعوة للحداثة الشعرية والأدبية وتجديد اللغة، ولم أكن قد اطلعت على بيان المرصد “روانكه” في حينها، لكنني قرأت عنه في السنوات الأخيرة، فوجدته وجهاً آخر للبيانين الآنفي الذكر، الأمر الذي يعني نضوج حركة تجديد شعرية وإبداعية وثقافية في عموم العراق، ومنها كردستان. وقد شهد العراق في فترة الستينات حراكاً جديداً لروح جديدة وإبداع جديد مثلما مثّل رؤية تساؤلية نقدية لما هو قائم، وهذه الرؤية تفاعلت مع موجة عالمية، لاسيّما في فرنسا خصوصاً والغرب عموماً، وإرهاصات داخلية، عكست حساسية فردية جديدة، حين جرت محاولات للخروج من القوالب الجامدة والتمرّد على الكليشيهات القديمة. وقد ترافق ذلك مع خيبات ونكسات سياسية، فلم تعد النظرة الواحدية المتزمّتة والبعد الآيديولوجي يتحكّم بالحياة السياسية والثقافية، مثلما لم يعد الإيقاع المنفرد مقبولاً، وأصبح التطلّع للانفتاح وتجاوز الساكن والراكد والتقليدي مسألة تنسجم مع التطور وروح الموجة الجديدة الصاخبة التي عرفتها الستينات. وفي هذه الأجواء حاول شيركو بناء لغته الخاصة وهويّته المتميزة وصوته المنفرد وتدريجياً أخذ يتجاوز الآيديولوجي الذي أطلقنا عليه ” الواقعية الاشتراكية” استناداً إلى “نظرية جدانوف” ومسطرتها الصارمة، نحو الأفق الإنساني الواسع والعقلانية الواعية. وأستطيع القول إن شيركو يعتبر أحد روّاد القصيدة الكردية الحديثة بعد عبدالله كوران ، بل إنه الأكثر تمرّداً على نمط القصيدة الكلاسيكية .

III

حين تجدد القتال بين الحكومة والحركة الكردية في العام 1974 التحق شيركو للمرة الثانية بالحركة الكردية المسلحة وعمل في الإذاعة الكردية وفي حقل الإعلام، وإثر اتفاقية الجزائر المبرمة في 6 آذار/مارس 1975 بين الرئيس صدام حسين وشاه إيران محمد رضا بهلوي وبتهيئة ووساطة من الرئيس الجزائري هوّاري بومدين ووزير خارجيته آنذاك عبد العزيز بوتفليقة، عاد شيركو إلى السليمانية، فتم إبعاده إلى هيت كما جرت الإشارة، وبقي في الإقامة الجبرية ثلاث سنوات، لكنه عاد إلى السليمانية والتحق مجدّداً بالثورة الكردية في نهاية العام 1984 وهي المرّة الثالثة التي يلتحق فيها بالبيشمركة . تجذّرت تجربته الشعرية والحياتية وكان عالم الشعر بكل ما فيه من رهافة وحساسية يملأ روحه، بل هيمن على عقله وكيانه:

الرائحة طريقي وبوصلتي

تأخذ بيدي

تحدّرت من جبين ذلك الجبل قطرات الندى

فاحت من الحقيقة رائحة الإله

خرج الشيطان من أحشاء الحجيم

وفاحت من الجحيم رائحة الكذب

شحذ ” قابيل ” كراهيته

وفاحت من الحرب رائحة الموت

لعلّ توق شيركو إلى الحرية وكراهيته للحرب والموت جعلته يتشبّث أكثر بالحياة بكل ما فيها من عنفوان وحيوية، وكانت قصيدته صوراً دفّاقة بأفق بعيد، تسافر مثل الريح، وتطير بلا أجنحة فوق أشجار البلوط وتعبر الشلالات الفضية والسماوات الزرقاء. كان يكتب قصيدته بريشة ملونة مثل ربيع كردستان، فتغدو مزهرة تحت ضوء الشمس الذهبية، بل تستطيع أن تسمع لحنها الداخلي وكأنه مونولوج سري، وأنت تقرأ حروفها فتدلّك على حكايا كثيرة وترشدك إلى خبايا كبيرة وتأخذك بعيداً في دروب أليفة، فشيركو يكتب بلغة القمر بكل ما فيه من أسرار ليفجّر طاقات النفس البشرية ، مثلما يكتب بلغة الوردة بكل ما فيها من عطر وشفافية ونعومة، ويكتب بلغة الثلج بكل ما فيه من صفاء ونقاء وبياض، ويكتب بلغة المطر فيبلل روحه الظمآنة إلى الحرية ويكتب بلغة النار ليُدفئ داخله بشعاع الأمل، ويكتب بلغة الطيور ليغرّد في الصباحات الندّية، ويكتب بلغة الأشجار فيسمو عالياً، ويكتب بلغة الجبل حيث الشموخ والرفعة والمستقبل. شيركو بيكه س لا يكترث بالفواجع والآلام وحتى بالموت الذي يراه ماثلاً باستمرار، يحاوره ويزوغ عنه مرّات ومرّات، لكنه مستعد لاستقباله أيضاً.

ها هو موتي يزورني كل ليلة مرّة أو اثنتين

يتكئ على أحلامي

هوذا موتي ظلٌّ لي

يحصي كل يوم خطوي

يفتش بين أوراقي

باحثاً عن آخر عنوان لي

IV

في لقائنا الأول في العام 1987 في دمشق كما أشرت كان ينتظر السفر إلى إيطاليا ليكون ضيفاً على لجنة حقوق الإنسان في فلورنسا، ومن هناك ذهب إلى السويد حيث تقدّم بطلب اللجوء السياسي. وفي السويد تم منحه جائزة توفولسكي الأدبية، وسافر إلى الولايات المتحدة للقاء عائلته (والدته وأخته)، ولكنه بعد انتفاضة آذار (مارس) 1991 عاد إلى كردستان، وفي أول انتخابات لها في العام 1992 بعد انسحاب الإدارة الحكومية وفرض “الملاذ الآمن”، رشّح نفسه بصفته مستقلاً وكان قد أسّس قائمة باسم الخضر، واختير أول وزير للثقافة في كردستان، وكان في الوقت نفسه يترأس مؤسسة سردم ويصدر مجلة باسم العصر. في أول لقاء يستقبلني فيه بعد استيزاره في إربيل العام 1992 قلت له ماذا أناديك : الوزير الشاعر أم الشاعر الوزير؟ قال إنني شاعر وكفى، أما الوزارة فهي عابرة، وحين يمضي كل شيء لن يبقى سوى الشعر .. أليس كذلك كاك حسين؟ وأضاف حين تحتدم الأمور في اجتماعات مجلس الوزراء، أمسك ورقة وأخربش عليها أو أشرد في عالمي الخاص ومشروعي الثقافي والفكري وأفكّر في لقاء مع نفسي حيث تختمر القصيدة طازجة وشهيّة مثل خبز التنور. لم يمكث في الوزارة طويلاً، فتمرّد على الرتابة والنمطية واستقال من منصبه بعد عام ونيّف واعداً نفسه ألا يتورط مرة أخرى بالتنطع لأية مسؤولية حكومية خارج حقل الإبداع والثقافة ، خصوصاً حين احتدم المشهد الذي زاده اندلاع المعارك الكردية – الكردية فضاعف ذلك من غربته وإحباطه وقنوطه. كان بيكه س يحمل الكثير من الهموم والأحزان ، حتى ضحكته كانت تحمل ثقل سنوات القهر والعذاب والترحال والنفي، لكن روحه كانت صافية ونفسه مشرقة وأحلامه وردية.

أصغيت إلى نبض الأرض

فحدثني عن حبهما ، هو والمطر

أصغيت إلى نبض الماء

فحدثني عن حبهما، هو والنبع

أصغيت إلى نبض الشجر

فحدثني عن حبهما، هو والورق

وحين أصغيت إلى نبض القلب

فحدثني عن الحرّية

V

امتازت قصيدة شيركو بالتكثيف والإيجاز، وكان قد سبقه إلى ذلك بلند الحيدري الشاعر الكردي الذي كتب بالعربية والذي كانت لغته هو الآخر “مقتصدة”، فشعره شعر صور على حد تعبير الناقد جبرا ابراهيم جبرا، الذي أسماه صاحب القصيدة البرقية “التلغرافية”، فهو يكتب بتكثيف شديد ويعرف المدى الذي يريد الوصول إليه، كذلك كانت قصيدة شيركو الكثيرة الدلالة والواضحة الصورة، وإن كتب قصائد ملحمية مثل ” سفر الروائح” و” إناء الألوان” و” الكرسي”، لكن قصيدته المكثفة والموجزة كانت تصويراً لواقع متناقض ومعقّد يحاول أن يعطيه رمزية وإيحاء وبُعداً درامياً شديد التأثير. وقد ترجمت قصائده إلى العربية وإلى عدد من اللغات العالمية بينها الإنكليزية والفرنسية والألمانية وغيرها، وبقدر اقتصاده بقصائده فقد تجد فيها حبكة درامية لحكايات صغيرة، وامتازت بالبساطة بقدر عمقها ودلالاتها، وكانت قصيدته عبارة عن لوحة متعدّدة بألوان الفرح والحزن، ونصّه مفتوحاً في فضاء شاسع، وكل ذلك في إطار إنساني، فقد حاول أن يؤنسن الأشياء ويضخّها في صور حيّة وناطقة مثل نوروز كردستان التي تزهو به في فصل الربيع. تغنّى بيكه س بالعراق وبالأخوة العربية- الكردية وكان منشغلاً بالهمّ الفلسطيني في الوقت ذاته وتعكس قصائده تلك الروابط المتينة:

 استطاع شعاع أن يفلت من قبضة سنّارة

هرب…

وفي الطريق تعثّر بناي

فوقع وأدمى رأسه

ثم نهض

التفت

فرأى باب غرفة ” كنفاني” مفتوحاً دخل مع الدم

وحين أشعلت “أم سعد” قنديل الغرفة

تضرّجت الحكايات

بلون الرمّان

كان شيركو يسمع صوت الغابات ويقرأ الأمواج ويسافر مع الريح ويلاحق الشعاع، كل ذلك وكأنه شيفرة غامضة هو وحده الذي يفك رموزها السحرية القابعة في الأعماق، لأنه يعرف سرّ الكلمة وحقيقة العشق، مثلما يعرف زيف الواقع ووهمه، لهذا عاش محتفياً بالحياة، لأنه يريد أن يجلس عرش القصيدة.

تذهب حلبجة إلى بغداد

تنظر إلى سدارتي القبانجي وعلي الوردي

 بجناح المقام ونبراس الفكر

تحلّقان كالفاختة

على القبّة الزرقاء والشناشيل

وتنثران السرور

تذهب حلبجة إلى بغداد

تمرّ بالشورجة

يتعطّر جسدها بعبق الهيل والقرفة والمسك

تحيط بها قبلات الفيلين

وبعد هنيهة

تستحيل القبل إلى نحل

وقامة حلبجة إلى خلية عسل

تأتي الحرية لتوزّع العسل على الجميع.

لقد ربح شيركو الشعر حتى وإن خسر كل شيء، لكن ذلك يكفيه لأنه ربح الريح والحياة والحركة.

الريح تنحني للخريف

الخريف ينحني للعاشق

باحترام

العاشق للعشق

العشق للخيال

والخيال لي

وأنا للشعر

رحل شيركو محمولاً بقلوب المحبّات والمحبين وعارفي قدر الشعر ومقامه، وقد ظلّ في سلوكه في الوطن والمنفى لصيقاً بالناس وهمومهم وفي الثقافة والسياسة والمرأة كان حضارياً وأنيقاً ومكتنزاً بالحب والجمال والخير.

وقد دفن في بارك الحرية في مدينة السليمانية مسقط رأسه.

 

عبد الحسين شعبان

 

صادق السامرائيعبد الخالق السامرائي شاب عراقي عربي من ناحية القلعة التي تبعد بضعة كليومترات عن مدينة سامراء على الضفة الغربية من نهر دجلة، وهي قلعة فكرية فنية أوجدت رموزا لامعة في ميادين الفن والإعلام والثقافة والمعارف الأخرى.

وكان إسم عبد الخالق السامرائي يتردد في وسائل الإعلام، فكنا نحسبه نجما ساطعا في سماء وجودنا العراقي، وكان لإسمه حضور في وعينا الجمعي، إذ نراه مثلا وقدوة ثقافية أخلاقية فكرية ورمزا للقوة والعزة والكرامة، وكانت ملامحه ذات تأثيرات قيادية ويمتلك كاريزما النبوغ والتألق والإشعاع الفكري والقيمي والأخلاقي.

وكنا صبيةً نتحدث عنه بإعجاب، وفجأة إنطفأ وغاب عن الظهور في وسائل الإعلام، وتبين أنه أصبح قيد الإقامة الجبرية ، فعمّ الخوف والتوجس والحيرة حولنا، وما أشيع في حينها إشتراكه في مؤامرة .

ومضت الأيام ودارت السنون وإذا بنا نصحو على إعدامه في 1979، بذريعة مشاركته بمؤامرة أخرى، وهو رهن الإقامة الجبرية أو السجن الإنعزالي.

ولا يزال إسمه يتردد ويُكتب عنه وكأنه لغز محير، وحالة عراقية أصيلة لا يمكنها أن تغيب أو يُسدل عليها ستار النسيان.

ومن المفيد أن نقرأ الأحداث بمنظار نفسي، لكي نتعرف على ديناميكيتها ودوافعها وما تهدف إليه، وأكتب عنه اليوم لأنني كنت أظنه كبيرا في العمر لما كنا نسمع عن تميزه بالزهد، وبأنه درويش الحزب والمتصوف المنقطع عن الدنيا، والغارق في الفكر والثقافة والتنوير الفكري والمعرفي الذي غاص فيه، وأصبح رمزا ملهما ومؤثرا عجيبا في القيادة والريادة ورسم الخطط ووضع البرامج الستراتيجية، والتقديرات الموضوعية وما يجب أن تكون عليه السياسة وآليات التعامل مع القوى الكبرى.

وعندما عرفت بأنه من مواليد 1940 توقفت متأملا، أن يتمكن شاب دون الثلاثين من تسنم مراكز قيادية مهمة ومؤثرة، وأن يكون له وقع كبير وإرادة سائدة روحيا ونفسيا وفكريا وأخلاقيا على مَن هم أضعاف عمره وتجربته، فهذا يعني شيئا آخر ويشير إلى موهبة قيادية نادرة لا تتكرر.

فالرجل قد تم إعدامه وهو في عمر 39 وما سنحت له فرصة التفاعل العملي العلني مع السياسة والقيادة إلا لأقل من خمسة سنوات، وبعدها أودع في غياهب السجون.

ففي عام 1968 كان عمره 28 سنة وهو القيادي المؤثر ذو الرأي الفصل والطروحات التنويرية الرائدة والشخصية المحبوبة، والقدوة في العمل الحزبي والسياسي، والروح الساعية نحو وجود إنساني أفضل وأروع، وكانت صورة العراق الواعدة ذات بريق وتوهج في دنياه.

ويبدو أننا أمام كينونة قيادية فذة وظاهرة فكرية ثقافية إنسانية موسوعية الخصال عالمية التطلعات وكونية الرؤى والتصورات، وكانت هذه الطاقات الكامنة فيه تشعشع حوله وتؤثر بالآخرين من معاصريه، حتى بلغ قدرات التفاعل الأسمى مع قادة الدنيا في زمانه، بما قام به من زيارات للدول العالمية والعربية.

فقد كان نبوغا إدراكيا معبّرا عن الإنبثاق العقلي والمعرفي الغير مسبوق، والذي بشّر بولادات حضارية أصيلة، فقد أوجدت الثورة الثقافية التي قادها جيلا مؤهلا للإنطلاق والتدفق الإبداعي الفائق، والعازم على صناعة نهضة منيرة متوافقة وجوهر ما فيه من القدرات الإبداعية، وكان مرشحا ليكون قائد الركب التنويري الفياض الأفكار والرؤى والتطلعات، ولهذا تعاظم التوجه نحو محقه وخنقه وتدميره، فعملت على القضاء عليه آلتا السلطة والحرب، ليخسر العراق والعرب والإنسانية فرصة حضارية لن تتكرر بسهولة.

فهذه القدرة الألمعية حُرم العراق منها وتحقق طمرها وطغيان ظاهرة أخرى مناقضة لها، أودت بالواقع العراقي والعربي إلى ما هو عليه، فقد خسرت تلك الحالة المتقاطعة معها وطنها وذاتها وموضوعها، وإنتهت إلى ما لا يخطر على بال من مصير.

ولا يُعرف هل أن من سوء حظ البلاد والعباد أن تكون ظاهرة عبدالخالق السامرائي قد بانت في غير زمانها، وأوجدت من يناهضها ويرديها، أم أن سوء حظ الرجل الذي كسبَ قاتله وقاتل حزبه ووطنه.

ويُقال والعهدة على الراوي أن والد عبد الخالق - ويبدو أن فراسته أوحت له بأن ولده سيكون ضحية غدر صاحبه - قد خاطب قاتله يوما، وقال له: أخشى أن ينتهي عبد الخالق على يدك، وكان جوابه: كيف تقول ذلك ياعمي وهو أكثر من أخي!!

لكن الظاهرة الألمعية قد إنتهت ببضعة رصاصات، والسبب أن التوافق ما بين الحالتين لا يمكنه أن يتحقق، ولا بد لأحدهما أن يلغي الآخر، فتم إنهاء عبد الخالق السامرائي، وبذلك تم مصادرة الحزب وتناسي العراق الذي تحوّل إلى فدية للفهم الأعوج للمبادئ التي هيمنت على الحكم.

وقد جمعتني المصادفات بلقاءات مع مَن يعرفونه وكانوا في غاية الإعجاب به، وبعضهم يراه روح الحزب الفكرية والأخلاقية، إذ كان في غاية الزهد والتواضع وكأنه راهب يتعبد في محراب الفكر والثقافة، ويمتلك طاقة مؤثرة في المكان الذي يحل فيه، وكان أعضاء القيادات يخشعون لحضوره ويستقون من فكره، وكأن كلامه نصوص إستشرافية تستحضر المستقبل بمفرداته وعناصره، ولديه كاريزما مؤثرة ومتميزة.

فالرجل كان موهبة قيادية وظاهرة تأريخية نبغت ولم تسنح لها فرصة التعبير الأمثل عمّا فيها من الطاقات الحضارية الرائدة.

وهكذا تلد الأمم قادتها وتنطلق في مشوارها التفاعلي فوق التراب، ومن غير القادة المفكرين الأفذاذ لا يمكن للمجتمعات أن تتحقق وتكون، لأن البشر بحاجة إلى قدوة ومنار ومشعل يبصّره بخارطة دروب الرقاء والنماء، ولا يوجد مجتمع في الدنيا قد تحقق من غير قائد موهوب.

وكم من القادة الألبّاء يولدون في مجتمعنا لكنهم يُطمرون ويُمحقون ويُلاقون مصير عبد الخالق السامرائي، ويتولى الأمر الجهلة والأميون وأصحاب النفوس السيئة والعقول المعطلة، وتلك مصيبة أمة ومحنة أوطان تعادي قادتها الحقيقيين، وتحتضن الذين يسومونها سوء المصير.

ويمكن القول أن العراق قد حُرم من طاقة قيادية تنويرية باعثة لقدرات الأجيال ومحررة للعناصر الحضارية الأصيلة، وأقدمت القوة ذات النوازع الفردية والنرجسية والقصيرة النظر على خطوة إنتحارية مروعة فأهلكتها وهَلكتْ بعدها، لأنها قد قتلت حزبها ووطنها وقيمها وأخلاقها، وداست على المبادئ والشعارات، فأوجدت حالة تسعى إلى التشظي والإنتهاء.

فالقتل قد تحقق لأن الإرادة الفردية لا ترغب بمنافس أو نظير، كما أنها لا تسمح بمَن يتفوق عليها بقدراته القيادية والثقافية والتأثيرية، وخصوصا كمثله الذي تجتمع فيه معظم الخواص والعناصر القيادية التأريخية القادرة على نقل المجتمع إلى آفاق علوية، وهذا من أهم أسباب قتله.

كما أن الشك العظيم الذي كان يعصف بدنيا تلك القوة أوجبَ عليها التخلص من أية قوة أو شخصية تتوسم فيها بعض القدرة على القيادة والنبوغ، ولهذا تم إبادة شخصيات ذات قيمة قيادية عالية ومؤثرة في رسم خارطة الحياة الأرقى والأفضل.

ومن المؤكد أن الرجل لم يكن له دور بأي نشاط مناهض للسلطة القائمة آنذاك، وكانت له فلسفته التي توجب التكاتف حول قيادة يمكنها الوصول إلى الأهداف المرجوة.

لكن الأنا المتضخمة والنرجسية المتعاظمة والسايكوباثية المتفاقمة والجهل العميم، أوجبت ما أوجبته من قرارات وسلوكيات في جوهرها ضد فاعلها وليست معه.

فتم القضاء عليه وعلى غيره معه لتأهيل الساحة للحرب وللتفرد والإستبداد العنيف، والإمعان بتأكيد الرؤى والتصورات الذاتية بعيدا عن المشورة والتفاعل القيادي الواعي المعاصر النبيه، ولهذا وصل السلوك إلى خاتمته النكداء.

فالذي يقتل رفاق مسيرته ويطوّق نفسه بأضاليل حاشيته، ونوازع نفسه المفلوتة العمياء، إنما يقوم بعمل إنتحاري، سيقضي عليه حتما عندما تتراكم العوامل والقوى الموضوعية التي أوجدها، وعززها بتكرار سلوكه الطاغي المانع لأي رأي سديد، فعندما قتله قتل نفسه والحزب وباء بفعلته بعد حين.

ومن المعروف أن الثورات تأكل رجالها، ولا توجد ثورة لم يتماحق قادتها ويتفرد بالسلطة أو القوة والقرار فرد واحد، وهذه حالة سلوكية بشرية عامة وتعتمد على المواصفات الشخصية والظروف الموضوعية التي تتفاعل لتدفع بأحدهم إلى المقدمة، وتوَفّر له الآليات للقضاء على الذين كانوا معه وتفاعلوا من أجل إنجاح الثورة.

ولهذا فأن الثورات ذات أجندات تعطيلية وإرادات تدميرية بواسطتها تقضي على نفسها وتنهي رموزها وقيمها في المجتمع الذي قامت فيه، فالثورات فقاعات سلوكية تنتفخ وتنفجر ولكل منها عمره الذي يقضيه ويموت حتما، وهي ذات أعمار قصيرة لا يمكنها أن تتجاوز معدل عمر إنسان في عصرها.

ولا يمكن لثورة أن تنجوَ من هذا القانون وما يتسبب به من مصائر مشؤومة وظالمة، وبسببه لا تستطيع أي ثورة أن تدوم وتتطور إلى مداها، لأن هذا القانون قوة شد وجذب تسقطها في مهاوي الإنتهاء الحتمي الأليم، ويجردها من القوى الإيجابية الفاعلة في صناعة الثورة، وما إنتهت إليه الحالة لا تخرج عن إرادته الصارمة.

وعندما نتساءل لماذا يتحقق ذلك، سنعرف بأن السلطة والثورة لا يلتقيان، فالسلطة غابية الطباع ولا تقبل بلغة غير لغة القوة والإفتراس والإستحواذ، والثورة ذات آليات فكرية وثقافية وفلسفية ومبدئية ربما لا تتصل بالواقع المتوحش الذي تكون فيه، وقادتها الحقيقيون كالحمل الوديع الذي لا بد له أن يكون فريسة ذات يوم لأسود الكراسي المتحفزة المتوجسة.

فالسلطة تئِد الثورة والثوار وتمحق القوة التي تراها ذات أثر.

والخلاصة أنه كان يمثل صيرورة إنبثاقية عراقية فكرية ثقافية نفسية وروحية أرادت أن تُفاعل عناصرها وتعطي أكلها، لكنها إنطمرت تحت قوائم كرسي السلطة الطاغي الشديد وإبتلعتها الحروب، وبالإجهاز عليها تم الإنقضاض على العراق والوجود العربي، فتكالبت الخطوب.

ويبدو أنه كان رأس الثورة ومفكرها وربما فيلسوفها، فبحضوره كانت ثورة مستنيرة، وبقتله أصبحت بلا رأس، فتاهت وتخبطت وإنتهت.

وما يؤكد ذلك أن بوجوده تحققت إنجازات نهضوية ومعرفية، وبغيابه سادت الدمارات والتداعيات المروعة، التي أوصلت البلاد إلى ما آلت إليه من سوء الأحوال.

وإن ما فيك سيرديك، ولا موهوب يتحقق بغير زمانه، ولن يجود بمثله الزمان إلا بعد أن يحالف الحظ أجيالا قادمة.

وهكذا فعبد الخالق السامرائي ظاهرة أومضت، ولايزال لنورها أثر في النفوس والقلوب والرؤى، ولو أنها أشرقت لبعثت الحياة العربية من جوهر بذورها الحضارية!!

 

د- صادق السامرائي

...........................

* ما تقدم إقتراب من زاوية سلوكية نفسية بحتة .

 

محمود محمد عليما زلت أؤمن، بل ربما أكثر من أي وقت مضي، بأن تاريخ الفلسفة افتقر لأصوات نسوية استطعن أن يخترقن القلاع الفكرية المشيّدة بإحكام من قبل الوعي الذكوري المتغطرس، بل تكاد تخلو القواميس المعرّفة بالفلاسفة من أسماء فيلسوفات سجّلن حضورهن على نحو متشظّي عبر محطات تاريخ الفلسفة. وقد تهاطلت العديد من الأسئلة اللاّسعة على هذا الإقصاء المتعمّد، إن لم نقل الممنهج للمرأة في أن تكون وجه آخر للمعرفة الممكنة حول قضايا أنطولوجية وأخلاقية ومعرفية تمّس الإنسان، هذا الكائن ذو الطبيعة المزدوجة.

وقد يعود ذلك إلى ''الصورة التي رسمها أرسطو'' للمرأة،، وأثر ذلك على التراث العربي- الإسلامي، إذ وجدنا بكيفية أو أخرى الإمام أبو حامد الغزالي يعرض ''بعض الحقائق الاجتماعية السائدة التي تحط من قيمة المرأة وقدرها، مستنداً إلى أحاديث متواترة يصعب الأخذ بصحة معظمها''، ويظهر هذا أيضا عند قراءة قواميس الفلسفة والفلاسفة وموسوعاتهم، سواء تلك التي أعلنت عن تقدميتها أو تلك التي قامت على أساس الفهم بغرض تجاوز الفكر الدوغمائي والجدلي، إذ نكتشف منذ الوهلة الأولى ذلك الوجود التراجيدي للمرأة كذات مفكرة، وكأن تاء التأنيث ثقيلة على مفهوم ''الفيلسوف''، مع أنّها لا تحمل بالمشروع الفلسفي، بل تصنعه وترسم آفاقه المستقبلية.

ولكن بفضل الجهود الإصلاحية والتي جاءت مع ثورة 23 يوليو 1952م، فُتحت أبواب العلم الموصدة في وجوه البنات فاجتزن المراحل إلي التعليم العالي في وقت وجيز، فدخلت أفواجاً من الفتيات حرم الجامعة، وميادين العمل، والصالونات الفكرية، واخترقت المرأة بجدارة عالم الصحافة وعوالم أخري بعد جهد جهيد، وبعد غياب حضاري مزري أضر بوضع الأمة بأسرها وبمنظومتها القيمية الصانعة لمجريات التاريخ.

في تلك المرحلة برز اسم "آمنة محمد نصير"، أستاذة العقيدة والفلسفة وعضو مجلس النواب المصري الحالي، تلك المرآة الصعيدية التي برزت في مجالات عديدة وميادين متنوعة ساهمت في فتح نوافذ فكرية جديدة لا يخطئها صاحب بصيرة ؛ فهي فيلسوفة عربية إسلامية لها مكانة ثقافية بارزة في وقتنا الحالي؛ فقد ساهمت بمقالاتها وكتبها ومحاضراتها في حماية الشباب والشابات المسلمين من التيارات المنحرفة، وجمعت بين ثقافتين القديمة والحديثة، وتحدثت عن قضايا المجتمع والحرية واللغة والأخلاق، ودعمت إلي أن يتلاقى العرب عند نصوص كتابهم المنزل، يلتقون به أدبا وفنا كما التقوا دينا وعقيدة .

واسم آمنة نصير يسبقه العديد من الألقاب التي تختصر تاريخًا طويلًا من العطاء في مجال الدعوة الإسلامية، وطريقًا مختلفًا سلكته صاحبة الوجه الإعلامي المعروف، فمنذ مولدها فى قرية «موشا» بمحافظة أسيوط بجمهورية مصر العربية عام 1948 اختارت التمرد على الحياة العادية، والمصير الذى ينتظر مثيلاتها من الفتيات الصعيديات، فكانت أول طفلة فى القرية تكمل تعليمها بعد أن أنهت سنوات التعليم الإلزامي، وفي هذا تقول بصريح العبارة وبلا خجل : واجهت والدى لإكمال تعليمي بعدما رفض طلبي وناظر المدرسة كان له دور كبير فى إكمال دراستي... وعم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان له دور هام في إكمال دراستي بمدارس "أمريكان كوليدج"... والشيخ أحمد حسن الباقورى كان له دور كبير في التحاقي بالأزهر رغم تخرجي من مدارس تبشيرية .

نعم التحقت آمنة نصير" بالمدارس الأمريكية فى أسيوط عام 1954، ثم شاءت عناية الله أن تدخل كلية بنات عين شمس قسم الفلسفة وعلم النفس والاجتماع عام 1386هـ/ 1966م، وتصبح من الفتيات المتفوقات وتواصل دراستها فتنجح في الحصول على درجة الماجستير في موضوع عن (أبي الفرج ابن الجوزي.. آراؤه الكلامية والأخلاقية) ثم تنجح بجدارة في الحصول علي درجة الدكتوراه عن دراساتها (محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في مباحث العقيدة) تحت إشراف أستاذها الدكتور محمد رشاد سالم؛ وظلت  تتدرج في المناصب الجامعية حتي وصلت إلي منصب عميدة كلية الدراسات الإسلامية جامعة الأزهر، وذلك علي الرغم من أنها لم تكن أزهرية أصلاً .

علاوة علي أنها وافرة الإنتاج الإبداعي، حيث أنتجت تراثاً زكياً وفكراً زاخراً، إذ يربو عدد كتبها علي أكثر من ثلاثين كتاباً تناثرت فيها الكثير من الأفكار والقضايا الفلسفية والدينية في موضوعات حساسة وحيوية للغاية، مما يدل على فكرها الحر المستنير، وثقافتها العالية، ودورها المؤثر في الحياة الفكرية والعلمية، ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر: أضواء وحقائق عن البابية والبهائية والقاديانية، دور الأخلاق في بناء الإنسان، مباحث في علوم العقيدة –دراسة علمية في المسألة اليهودية، إنسانية الإنسان في الإسلام، المفهوم الحضاري للإسلام في الحرب والسلام، دور الأندلس في النهضة الأوربية في ميدان الفلسفة، والمحكم والمتشابه كلا من عند الله،، المنهج الموضوعي لابن الجوزي في نقده للتصوف، ومفهوم الجماعة المسلمة عند ابن عبد الوهاب، والمرأة المسلمة بين عدل التشريع وواقع التطبيق، وحكمة الإسلام في تعدد الزوجات، موقف الشريعة الإسلامية من حماية البيئة، والمنهج الإسلامي المتوازن عقيدة وشريعة، العبادة الشيطانية وجذورها التاريخية، دراسة علمية لأصالة الفلسفة الإسلامية في المشرق والمغرب العربي، دراسة علمية لمدارس الفرق الكلامية، قراءة علمية لبعض عقائد التيارات المعاصرة، قراءة علمية في أوراق التفسير، ضع المرأة ودورها في التنمية حقوق المرأة المسلمة بين الجمود الفكري والمفهوم الحضاري، التكوين العلمي والثقافي للمرأة في ظل الشريعة الإسلامية، حوار الحضارات من أجل الإنسان تواصلا لا صدام، الجانب العقيدي وفلسفة العلم...وهلم جرا.

والدكتورة آمنة نصير بحكم نشأتها وبيئتها الريفية كما قلت فيلسوفة وأديبة ومؤرخة، ومحققة، وأستاذة جيل نادر المثال، فلقد تميزت من بين أقرانها بجمعها النادر بين الدراسة العميقة للفلسفة الإسلامية وعلوم الإسلام وعلوم العربية، وكان تحليلها للنصوص الإسلامية أنموذجاً جيد في خدمة النص، وتذليل ما فيه من غموض وتصحيح ما اعتوره من تصحيح أو تحريف، وبالتالي فهي تمثل بحق رائدة نسائية في تحليل النصوص الدينية. يضاف إلي هذا أنها امرأة، فهي تستطيع أن تتفهم نفسية المرأة بحكم جنسها ؛ حيث تمثل آمنة نصير التيار المتنور الذي يطالب بالنهوض بحال المرأة المصرية في الحياة العامة.

أما في حياتها العملية والعلمية، فتقلدت "آمنة نصير " مناصب عديدة سواء داخليًا وخارجيًا، حيث تولت عمادة كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر في الإسكندرية، كما عملت كأستاذ زائر في جامعة ليدن بهولندا، وفي الأكاديمية الإسلامية بالنمسا، إضافة إلى منصبها كأستاذ للفلسفة الإسلامية والعقيدة بجامعة الأزهر، ومتخصصة في علم الكلام والمذاهب والعقائد، وعضو بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

وقد لُقبت آمنة نصير برائدة الداعيات"، نظراً لكونها صاحبة آراء واجتهادات في معظم القضايا والمشكلات التي تمس المجتمع العربي والإسلامي، كما لديها رؤية واضحة تجاه العديد من القضايا الإسلامية على الساحة، ومنها المرأة وفتاوى الفضائيات، وقضايا الفقر، والرحم البديل، والطب المساعد، ولها كان لها اتجاه واضح في تفنيد الحجج ودرء الشبهات التي يحاول الغرب إلصاقها بالإسلام بشتى الطرق، ومن أهمها تعدد الزوجات في الإسلام، والقول بأن الإسلام دين دموي انتشر بحد السيف؛ وهنا نجد آمنة نصير قد عالجت قضية تعدد الزوجات في الإسلام في كتابها "حكمة الإسلام في تعدد الزوجات" والذي أوضحت من خلاله أن التعدد كان موجودا قبل الإسلام، ولكنه كان بلا قيود أو ضوابط، إلى أن جاء الإسلام ووضع له عدداً من الضوابط الأخلاقية والاجتماعية، وذلك لعلاج النفوس الإنسانية وصيانة المجتمع الإسلامي.

هذا وقد ساهمت آمنة نصير بالتدريس ووضع المناهج العلمية لكلية التربية والآداب بالرياض بالمملكة العربية السعودية1391-1394هـ/1971-1974م، وكلية الآداب من1400-1404هـ/ 1980–1984م، ومكثت زائرة بمكة المكرمة لوضع المناهج والإشراف على الرسائل العلمية لكلية التربية سنة 1400هـ/ 1980م، وسافرت بتكليف من وزارة التعليم العالي إلى جامعة ليدن بهولندا لبيان حقيقة الإسلام في بعض القضايا، علاوة على قيامها بتطوير وتنظيم كلية الدراسات الإسلامية، فرع الإسكندرية منذ عام 1410هـ/ 1990م وحتى الآن.

كما أنها تتمتع بنشاطات علمية وثقافية وإدارية في مجالات عديدة مما يدل على خبرتها الواسعة، ووقوفها على حقائق الأمور، علاوة علي تمتعها أيضاً بنشاط فكري دؤوب يتحلى بالمنهجية والأداء المتميز، ويتجلى ذلك في المشاركة الدؤوبة والملموسة في كثير من المؤتمرات داخل مصر وخارجها، وعلى سبيل المثال مؤتمر (الأندلس ملتقى عوالم ثلاث) عام 1992م في أسبانيا، وقد شاركت فيه بالورقة التي تناولت (دور الفلسفة الإسلامية في اليقظة الأوروبية).

يضاف إلى ذلك أن آمنة نصير كانت سفيرة للإسلام في المحافل الدولية، لما لديها من القدرة على الإقناع ومخاطبة الآخر والمجادلة بالحسنى والموضوعية في معالجة القضايا الشائكة ولنظرتها المعتدلة دون إفراط أو تفريط، وقد تمثل ذلك جليا في مشاركتها في العديد من المؤتمرات والندوات الدولية، مثل مؤتمر " هل الأديان هي التي أدت إلى الصراع بين البشر؟" بسويسرا في الفترة من 20 إلى 25-4-1425هـ/ 8 إلى 13-6-2004م، والذي شاركت فيه ببحثها عن "علاقة الإسلام بالأديان الأخرى"، والمؤتمر العالمي السنوي للحوار في فرانكفورت. وجاءت مشاركتها في المؤتمر العام التاسع عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة تحت عنوان "مشكلات العالم الإسلامي وعلاجها في ظل العولمة" عام 2007م.

وعن مواقفها المشهودة على المستوى الدولي خاصة فيما يتعلق بالدعوة إلى الإباحية والإجهاض وممارسة الجنس بطرائق غير مشروعة؛ فقد أعلنت رفضها جملة وتفصيلا لوثيقة عالم جدير بالأطفال، التي سعت الجمعية العامة للأمم المتحدة لإقرارها خلال مؤتمر الطفل الذي عقد في الفترة من 26 إلى 28-2-1423هـ/ 8 إلى 10-5-2002م.

في عام 2015 قررت آمنة نصير خوض السباق البرلماني عن قائمة "في حب مصر" قطاع شمال ووسط وجنوب الصعيد، ونجحت مع القائمة، وفي البرلمان أصبحت رئيسًا لمجلس النواب لـ"حين انتخاب رئيس"، بينما أكدت هي نفسها، أنها أُبلغت بـ"شكل غير رسمي"، بتوليها رئاسة البرلمان، لحين انتخاب رئيس جديد للمجلس، لتصبح بذلك أول امرأة في تاريخ مصر، تتولى رئاسة البرلمان.

وليس هذا فقط بل كانت آمنة نصير تدلي بآرائها في مجلس النواب في قضايا مهمة وحساسة تتعلق بعلوم الدين والشرع، وفي قضايا مختلفة أخري، ما جعل الأمانة العامة لمجلس النواب، تختارها لترأس الجلسة الإجرائية للمجلس، لتعد السيدة الأولى التي ترأس الجلسة الأولى في تاريخ البرلمان، وهي الآن تشغل عضوية لجنة العلاقات الخارجية بالمجلس.

إضافة إلى ذلك تحاول آمنة نصير في مؤلفها "المفهوم الحضاري للإسلام في الحرب والسلام" الرد على الشبهات التي تعترض الإسلام؛ ومنها أن الإسلام دين دموي، لا يعرف مكانة للإنسان، ولا يهتم بالإنسانية، وبينت بالدليل القاطع والبرهان الساطع، أن الإسلام دين متحضر ودين سلام، وليس ديناً عدوانياً، ولا ديناً دموياً، انتشر بحد السيف، كما يزعم الغرب؛ فوصايا الخلفاء الراشدين للمحاربين، كانت من قبيل: لا تجهزوا على جريح، ولا تتعقبوا هاربا، ولا تقطعوا شجرة، ولا تذبحوا ذبيحة لإتلافها، ولا تطاردوا عجوزا...، وحينئذ يسبق الإسلام جميع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان في احترام هذه الحقوق ومعها حقوق الحيوان، والجرحى، والأسرى بصورة لا تعرفها البشرية، إضافة إلى أن الحرب في الإسلام غير مباحة إلا بعد المكاتبات والمراسلات والدخول في الدعوة إلى الدين، ولا تأتي الحرب إلا بعد وقوع العدوان.

أما عن التوجهات والمسلمات الفكرية لدى آمنة نصير فيتقدمها إيمانها العميق بعمل المرأة في مجال الدعوة، على أن تتمتع في إطار ذلك بالعديد من المقومات، من أهمها أن تكون على بصيرة بما تدعو إليه، وأن تكون على دراية تامة ووعي بعلوم القرآن الكريم، والسيرة النبوية، وأن تكون قدوة لغيرها من المسلمات من خلال تحليها بالأخلاق الإسلامية وأدبها؛  وتمشياً مع الدور السياسي للمرأة في العهد النبوي والذي تم بلورته في بيعة النساء لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة، والتي تعد وثيقة للحقوق السياسية للمرأة في الإسلام، ودستوراً عقدياً على مستوى رفيع من الممارسة الفعلية، إضافة إلى بيعة العقبة الثانية وقيام أصحابها من أهل يثرب بحماية النبي صلى الله عليه وسلم، وقيام المرأة بدورها في هذه البيعة في البناء السياسي للدولة الإسلامية قولاً وفعلاً، دافعت آمنة نصير عن الحقوق السياسية للمرأة مشاركة وممارسة، ونادت بضرورة إعطائها حقوقها في ذلك المجال لتساهم بقوة في عملية التنمية، وهذا ما تجلى بصورة فكرية في مؤلفها "المرأة الإسلامية بين عدل التشريع وسوء التطبيق".

إضافة إلى ذلك كانت آمنة نصير لها الفضل في تصحيح الكثير من المفاهيم المغلوطة إزاء صورة المرأة في الإسلام؛  حيث كانت من أنصار منع النقاب في المنشآت الدراسية، وقالت إنه "فريضة يهودية"، وذلك حين أقرت جامعة القاهرة، في أكتوبر 2015 حظر إلقاء عضوات هيئة التدريس بالجامعة، محاضرات وهنّ منتقبات، كما راعت "آمنة" نصير، المرأة المطلقة في أزمتها النفسية، حيث شددت على خروجها إلى العمل أثناء فترة "العدة" عقب الطلاق لتجاوز أزمتها بسرعة.

وثمة أخلاقيات إنسانية كثيرة ذات أهمية بالغة يمكن استنباطها من كتابات ومعالجات آمنة نصير وتصلح لتشكيل شخصية مسلمة ذات رؤية واضحة، ووجهة حميدة، وأعمال مفيدة ؛ فلقد أمنت آمنة نصير بقيمة العلم فلا تكتمل الشخصية إلا بالعلم، ونور العلم يمنح الإنسان الضياء، ولقد قدمت عصارة عمرها لإعلاء راية العلم فضحت من أجله وانتهزت كل مناسبة لتقرير أهمية العلم للجنسين معاً في زمن حرمت فيه المرأة من ضياء العلم، إنها تري أن الكفر بالعلم أو بالدين انتحار، وأن عظمة العلم وتناغمه مع الدين هو الأساس لإسعاد البشر.

والإرادة قرينة العلم لهذا أكدت آمنة نصير علي حرية الإرادة، فهي من أهم سمات شخصية الإنسان، ولولاها لما استطاع حمل الأمانة، وتحدد آمنة نصير بجلاء مفهوم الإرادة بأنها مشيئة واختيار، وتذهب إلي أن الإرادة الإنسانية مرتبطة بالعلم والعمل وكلها ضد العقلية الغيبية المعطلة للأسباب ومن المؤسف أن التواكل لصق بالشخصية الإسلامية فجعلها ضعيفة مهزوزة .

ومن الصور المشوهة للدين إهمال الحياة وعدم التمتع بمباهجها، ولذلك نجد آمنة نصير تدعونا للتجمل لا للتبرج، وذلك حين اكتفت بإعلاء شأن الستر والعفاف دون الخوض في الجزئيات المتعلقة بلباس المرأة، فلم تهتم آمنة نصير بالمرأة كجسد علي حساب رسالتها كما فعل الكثيرون بل اهتمت بها كرسالة وفكر وحرية وعطاء وحق في الاختيار وتحمل المسؤولية وبناء الأسرة والمجتمع .

وإذا أردنا تحديداً موقف آمنة نصير من قضايا المرأة إجمالاً – وهي قضية ما زالت مفتوحة للنقاش الموضوعي – فلابد من الإشارة إلي تلك الاستنتاجات المتناقضة في حقيقة هذا الأمر ؛ حيث كان البعض يظن أنها متزمتة تجاه قضية تحرير المرأة والبعض وضعها في صفوف المتحررات، والحق أنها كانت ذات علاقات شخصية جيدة مع الجميع، وهذا لم يمنعها من نقد هؤلاء وهؤلاء نقدا قاسيا وكان موقفها نابعا من ثقافتها العربية الإسلامية وكانت تنتقد ما تراه باطلا وفق قناعاتها وفي إطار منهجها البحثي المستقل دون مواربة .

وكانت آمنة نصير من  أشد الداعمين والمفكرين في قضية المرأة بعد الطلاق، نظرا لما يقوم به بعض الأزواج من التنكيل بزوجاتهم، حيث يقوم البعض بحرمان زوجته من حقوقها المالية بعض الطلاق، تاركا أسرته لظروف الحياة، حيث أشادت بالوثيقة الخاصة بتوفير ودعم حقوق المرأة المالية بعد الزواج، متسائلة عن طريقة تطبيق تلك الفكرة ومصدر تمويلها، وأضافت "أمنية نصير" أن تلك الوثيقة تحتاج لدراسة كبيرة لحماية تطبيقها على أرض الواقع في المستقبل.

ولم تكتف أمنه نصير بذلك بل طالبت بسن قانون في مجلس النواب المصري، وهذا القانون سمي "مكافأة نهاية الخدمة للمرأة بعد الطلاق"؛ خاصة بعد أن وجدت آمنة نصير المرآة المطلقة في الشارع تبكي بشدة بعد أن زوجها طلقها وتركها في الشارع بعد زواج استمر أعوام طويلة وقال لها إن مدة خدمتك قد انتهت في هذا البيت وطردها، وذلك كان قبل دخولها البرلمان بعام وشهرين.

وطالبت أمنه نصير رجال القانون والقضاء ضرورة أن يعدوا قانوناً يحمي هذا النوع من النساء اللاتي أفنوا حياتهن في خدمة أزواجهن دون أي مقابل. واقترحت نص المادة على أن يكون على النحو التالي "إذا طلق الزوج الزوجة بعد خمس سنوات يحق للزوجة أخذ 5 % من دخل الزوج، وإذا كان الطلاق بعد 10 سنوات تأخذ الزوجة 10% من دخل الزوج". وأوضحت أستاذ العقيدة والفلسفة، أن هذا المقترح لاقى ترحيبا كبيراً من الجمعيات الأهلية، وبعد دخولها البرلمان واقتراح مشروع القانون، خرج إلى نطاق العامة.

وكانت آمنة نصير لا تخجل من القول بأن "معارك قضايا المرأة أخذت من قلمي وعمري ووقتي وسنين حياتي الكثير والكثير"، معربة عن أملها في أن تكلل هذه الجهود بالنجاح؛ من خلال دورها الذي تلعبه كنائبة برلمانية.

تحية طيبة للدكتور آمنة نصير التي كانت وما تزال تمثل لنا نموذجاً فذاً للفيلسوفة ذات المعية الفقهية والتي نجحت في أن تعرف كيف تتعامل مع العالم المحيط بها وتسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام ؛ حيث يحاول الكثيرون فيه أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لآمنة نصير تلك المرأة العظيمة التي لم تغيرها السلطة، ولم يجذبها النفوذ، ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف تبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

بشار الزبيديوالتجاذب بين الإمبراطوريتين الإسلامية والفرنجية.

- صحيفة (دي فيلت) الألمانية

- ترجمة: بشار الزبيدي

كان شارلمان أول أوروبي يدخل في حوار مع المسلمين الذين أرادوا غزو أوروبا. شريك الحوار الإسلامي لشارلمان كان الخليفة العباسي في بغداد هارون الرشيد الذي أهدى الحاكم المسيحي شارلمان فيل في عام 797. كان مُرسل الهدية يهوديًا اسمه إسحاق، حيث رافق أول بعثة فرنجية إلى بغداد كمترجم وعاد وحيدًا من هناك فيما توفيا مبعوثان آخران أرسلهما شارلمان وهما عائدان في طريقهما من الشرق للغرب، بسبب صعوبات الرحلة الطويلة. ووصل الفيل أبو العباس هدية هارون لشارل مان بآمان مع رفيقه اليهودي إلى مدينة آخن، وعاش حتى عام 810 قبل أن يفارق الحياة أي قبل وفاة هارون الرشيد بسنة.

كان حاكم بغداد يجسد النقطة العليا للسلالة العباسية في الخلافة في بغداد، في حين أن حاكم الفرنجة لم يمثل فقط روعة فترة الإمبراطورية الكارولنجية، بل كان يعتبر أيضاً "مؤسس أوروبا". يتفق المؤرخون على أن هارون الرشيد وشارلمان كانا أهم الرجال في عصرهم، مثل أهمية الإمبراطوريتين اللتين يمثلانهما: الإمبراطورية العباسية والإمبراطورية الفرنجية.

مثلما تم تقسيم المسيحية في زمن شارلمان إلى شرق وغرب روما، كان العالم الإسلامي يتكون أيضاً من مركزين إسلاميين عدائيين: بغداد في الشرق وقرطبة في الغرب. كان تقسيم المسيحية سياسيًا وكنسيًا قد تم على قدم المساواة: في نهاية القرن الرابع، كانت الإمبراطورية الرومانية مقسمة إلى غرب روما مع القسطنطينية وروما الغربية وعاصمتها روما. لقد تبنى شارلمان سياسة سلام تجاه بغداد وسياسة دفاع ضد قرطبة. بالمعطيات الحديثة، يُمكن وصف سياسة شارلمان بأنها سياسة توازن. لكن الأمر الأكثر أهمية هو حقيقة أن شارلمان أسس أوروبا عبر مواجهة إيجابية وسلبية مع الإسلام.

يقول المؤرخ الفرنسي أندريه كلوت، أن "البحر المتوسط" كان بمثابة أهم منطقة في العالم في ذلك الوقت، لأنه كان فيه مركز الأحداث الإسلامية والمسيحية. آخذاً هذه الحقيقة بعين الاعتبار ويضيف بأن "إمبراطور الغرب وخليفة بغداد كانا ركيزتي العالم" – ولذا كان العالم هو البحر الأبيض المتوسط. ويضيف أعتقد أن البحر المتوسط لا يزال مركز السياسة العالمية. وصحيح أن عالم الإسلام كان يمتد من جنوب شرق آسيا إلى أوروبا (حيث يعيش 15 مليون مسلم) إلى الولايات المتحدة (مع عشرات الملايين من المسلمين)، لكن هذه المناطق كان مركزها دائمًا هو البحر الأبيض المتوسط. تبعا لذلك، تواصلت العلاقات الغربية الإسلامية، من أجل الخير والشر، وما زال التركيز على هذه "المنطقة العالمية" حتى يومنا هذا.

1109 مارشال

هذه الحقيقة التاريخية تبين اليوم أهمية شارلمان وأهمية سياسته لأوروبا في التعامل مع العالم الإسلامي. كانت العلاقات بين شارلمان وهارون والقوى العالمية التي يمثلونها ذات طبيعة معقدة للغاية، إنها توضح التنقل بين التهديد والتجاذب والتعايش السلمي والمواجهة. كان ذلك هو النمط الأساسي في العلاقة بين أوروبا المسيحية والشرق الإسلامي. في ضوء ذلك، يمكن اعتبار هدية هارون الرشيد الرمزية لمنافسه الغربي المتمثلة بالفيل أبو العباس، إيماءة سلام إسلامية للمسيحية، وأيضًا مؤشر واضح على أهمية الحضارة الإسلامية وتفوقها في ذلك الوقت.

لقد جرت اتصالات مباشرة بين هارون الرشيد وشارلمان. جاءت هذه المبادرة قبل عام 800 من قبل ملك الفرنجة. لكن لم يأت ذلك للتحالف السياسي المفترض بين الاثنين. لذلك لا يمكن الحديث عن "محور آخن - بغداد" الإسلامي، على الرغم من أن ظهور مثل هذا التحالف بين شارلمان وهارون الرشيد كان من الممكن أن يدخل في المنطق التاريخي، لأن كلا الحاكمين كان لهما نفس الخصوم، الذين تم تعريفهم سياسياً وليس دينياً. ومن جهة كان البيزنطيون هم اعداء بغداد وآخن في نفس الوقت، لأن كل من الخليفة في بغداد والملك الفرنجي كانا يريدان اخضاع القسطنطينية وضمها لمجال نفوذهم. على الجانب الآخر كانت إسبانيا الإسلامية، قد وقعت تحت حكم إمبراطورية عبد الرحمن الأول الأموي المنشقة إقليميا عن بغداد العباسية. كانت الأندلس كقوة إسلامية عظيمة، تمثل تهديدًا للمسيحيين الفرانكونيين وتحديًا للإمبراطورية العباسية. في النهاية، استمد الخليفة في بغداد شرعيته من حقيقة أنه كان الإمام الوحيد لجميع المسلمين، وقد تم تحدي هذا الادعاء من قبل حاكم إسبانيا الإسلامية. كان هارون الرشيد آنذاك أقوى خليفة إسلامي على الإطلاق. لكنه فشل في محاولاته للاستيلاء على القسطنطينية، كما فشل كارل ضد قرطبة. يبدو أن كلا الحكامين أدركا أنهما فقط قادران على موازنة أعدائهم الإسلاميين والمسيحيين في قرطبة والقسطنطينية. لا يمكن أن تسترشد السياسة العالمية بالانتماءات الدينية، آنذاك وحتى الآن، على الرغم من أن أهمية الدين باعتباره هوية حضارية لا يمكن إهمالها.

وإذا كان اسم هارون الرشيد واتصالاته مع الحاكم الفرنجي في العصور الوسطى الألمانية البارزة غائبة تماماً في الوسائط الإعلامية لنهاية القرن العشرين، عندها يمكن للمرء أن يفترض مزيجًا من الغطرسة الأوروبية والجهل في العلوم التاريخية الألمانية. وفقًا لوجهة النظر العالمية هذه، لا يزال التاريخ الإسلامي ليس له تصنيف تاريخي، وبالتالي لا مكان له في العلوم التاريخية.

من ناحية أخرى، توصل هنري بيرين إلى استنتاج في الثلاثينيات من القرن العشرين مفادها أنه وراء سقوط روما وصعود الإمبراطورية الفرنجية في آخن في الوقت الذي وقفت فيه جرمانيا أمام التوسّع الإسلامي في منطقة البحر الأبيض المتوسط. كان هناك حجة لبيرين تقول: "Sans Mahomet pas de Charlemagne". (بدون محمد لا وجود لشارلمان). يرى بيرين بأن هناك علاقة وثيقة بين الإسلام وميلاد الغرب في العصور الوسطى. وفي عصر الهجرة الإسلامية إلى أوروبا، كان هناك حاجة للحفاظ على الهوية الأوروبية وإعادة تعريفها، وبهذا المعنى، فإن أهمية شارلمان وإحياء أطروحة بيرين هي في غاية الأهمية.

بالنسبة للمسلمين، الجهاد هو وسيلة لنشر الإسلام. هذا المصطلح لا يعني "الحرب المقدسة" بل يعني الجهد. لأن الجهاد يمكن أن يتم بسلام، على سبيل المثال من خلال الهجرة، أي عن طريق تبعات الهجرة. ولكن في عصر شارلمان، كان الجهاد في إسبانيا الإسلامية يمثل الحرب. ومن بين آثاره التاريخية ظهور شارلمان باعتباره "أب أوروبا". لم يكن ذلك "الملك القوي" ذو اللسان الحديدي فحسب، بل وأيضا لاحقاً كان إمبراطور يتمتع بسلطة عظيمة، ليحقق بذلك وحدة أوروبا الشمالية لأول مرة. كان شارلمان أيضًا أول أوروبي يمتلك إستراتيجية للتعامل مع جيرانه المتوسطيين على البحر المتوسط، من خلال وقف تغلغل المسلمين في أوروبا، وكذلك بدء حوار سلام مع الإسلام.

ومع ذلك، كان للدولة الكارولنجية عدو آخر، هو البيزنطية المسيحية. بذل كارل كل ما في وسعه لدعم أوروبا الغربية المسيحية المحددة حديثًا، بما في ذلك بيزنطة. إن حقيقة أنه كان مسيحياً وليس مجرد سياسي يتمتع بالسلطة بدت واضحة في علاقته مع هارون الرشيد. من خلال هذا الاتصال، سعى شارل ليس فقط لتوازن القوى بين بيزنطة المسيحية وقرطبة الإسلامية، ولكن أيضًا للوصول إلى المؤمنين من مجتمعه في المواقع المسيحية في القدس. على عكس الصليبيين، حاول تحقيق هذا الهدف بالوسائل السلمية. فقد ساعده بذلك ايضاً الفيل الذي أهداه له هارون الرشيد، والذي عرضه في الكنيسة الايفانجيلية عام 802 في قصره الإمبراطوري في آخن. كان الفيل الموهوب رمزًا للحوار الإسلامي المسيحي، ولم يدهش الفيل السينودسيون في فرانكيا فحسب، بل أقنعهم أيضاً بخطط الإمبراطور.

إذا كان صحيحا أن الإسلام وتوسعه أصبحا تهديدا لأوروبا، وإذا كان صحيحاً أن شارلمان قد بنى قوته الإمبريالية كحامي للبابا ضد "جيرانه الأعداء"، فلماذا أهدى أكبر الخلفاء الإسلاميين في الإسلام الفيل للإمبراطور؟ هل السبب وراء ذلك هو البحث عن التجاذب المتبادل؟ أم هل تغيرت طبيعة التهديد؟ كيف يمكن للإمبراطور الغربي جذب انتباه الخليفة الإسلامي؟ كان لديهم أعداء مشتركون وقفوا في معسكرهم المفترض: بغداد وقرطبة على الجانب الإسلامي، وآخن وبيزنطة على الجانب المسيحي، بالإضافة إلى السياسة التي جاء بها البابا.

أراد هارون الرشيد توسيع الحكم الإسلامي في منطقة البحر الأبيض المتوسط وكان يحلم بحكم القسطنطينية. واعتبر كل من شارلمان وهارون الرشيد بيزنطة كعدو مشترك لهما. أضعفت الفتوحات الإسلامية روما بشكل أساسي لأنها أنهت تفوقها في البحر المتوسط، نتيجة لذلك، على حد تعبير المؤرخ برايس ليون، "لقد جعلوا من الممكن فتح جرمانيا الغربية.. التفوق العربي في البحر الأبيض المتوسط يعني في الواقع نهاية العالم القديم". أعاق غزو العرب العلاقة بين روما والبيزنطة عبر البحر، وبالتالي الوحدة المسيحية المتوجهة للبحر الأبيض المتوسط، والتي حولتها إلى بحر يهيمن عليه الإسلام العربي، إلى أن استبدل التوسع الإسلامي الأخير بالتوسع الأوروبي. وفي زمن شارلمان، لم يكن العالم مقسماً فقط إلى معسكر إسلامي ومسيحي. بدأت العلاقات الأوروبية الإسلامية بين شارل وهارون في النهاية، لأن كان هناك تعارضًا بين القوى المسيحية في روما وبيزنطة وبين القوى الإسلامية في بغداد وقرطبة.

يبدأ المؤرخ البلجيكي هنري بيرين في عمله الملحمي "Mahomet et Charlemagne"، بسرد الأحداث انطلاقا من الفتوحات الإسلامية في البحر الأبيض المتوسط. من الشرق، يتقدم المسلمون عبر البحر المتوسط، ومن الشمال تحاول القبائل الجرمانية غزو الإمبراطورية الرومانية منذ القرنين الرابع والخامس. مع وجود شارلمان وتتويجه كإمبراطور روماني، اكتمل تحول السلطة في الإمبراطورية الرومانية الغربية. تبدأ عملية أوربة أوروبا، أي التطور من الوضع الجغرافي إلى الوحدة الحضارية. يصف المؤرخ روبرت بارليت هذه العملية على النحو التالي: "إن أوربة أوروبا قد تبدو متناقضة في البداية.. هذا المصطلح بمثابة اختصار لتوضيح عدد من العمليات المعقدة.. أوروبا هي بناء.. كانت أوربة أوروبا في الواقع انتشار ثقافة معينة."

تابع بيرين عملية عزل العصور القديمة عن طريق العصور الوسطى الأوروبية. بالإضافة إلى ذلك، يجادل بشدة أن العصور القديمة الرومانية قد أُصيبت بجروح قاتلة بسبب الفتوحات العربية في القرنين السابع والثامن في منطقة البحر الأبيض المتوسط، التي مثلت مركز الحضارة العالمية، وكانت تُعَدّ بمثابة سواحل البحر المتوسط للرومانيين حتى ظهور الإسلام. يصف بروس ليون بوضوح أن الظروف قد تغيرت بشكل جذري هنا أيضًا، أن الغزاة الإسلاميين "غمروا البحر الأبيض المتوسط من ثلاث جهات وجعلوها" بحرًا إسلاميًا "، كما كتب المؤرخ العربي لاحقًا مجازيًا، لم يعد بإمكان المسيحيين إحضار اللوح الخشبي عن طريق الماء دون عوائق... كان تفوق العرب في البحر الأبيض المتوسط حقيقة واقعية في الربع الأخير من القرن 8. فقد دمر السمات الأساسية لعالم العصور الكلاسيكية القديم القائم على السيطرة على البحر الأبيض المتوسط بين مضيق البوسفور ومضيق جبل طارق ".

يشير ليون إلى الفكرة المركزية لبيرين: "لولا محمد، لما كان وجود شارلمان ممكناً ... كانت الإمبراطورية الكارولينجية، أو بالأحرى إمبراطورية شارلمان، هي أساس العصور الوسطى." تنطلق عملية تشكيل أوروبا كغرب مسيحي عندما يعبر الإسلام حدوده الجغرافية. هذه الفتوحات الإسلامية فقط هي التي تعزز صعود الكارولنجيين والمملكة الفرنجة إلى التفوق في أوروبا في العصور الوسطى، إلى حماة البابا، ومعه الغرب المسيحي. وفقًا لبيرين، يعتمد هذا التطور على أصول الحضارة الغربية في العصور الوسطى. نشاطر تحليلات برايس ليون وفرانشيسكو غابرييلي بخصوص أبحاث بيرين، فبالنظر إلى الأبحاث التاريخية الأخيرة، تحتاج بعض لهجات أطروحة بيرين إلى إعادة تعريف وتنقيح في تفاصيلها.

ومع ذلك،تعتبر أطروحة بيرين حل لم يعف عليه الزمن "للغز التاريخي حول نهاية عالم العصور القديمة وبداية العصور الوسطى " بأي حال من الأحوال. إن شارلمان والإسلام ليسا مجرد موضوع أكاديمي للوسطاء. قد يكون تصوير بيرين في بعض نقاط التصعيد، وفي حالات أخرى من التطبيع، كما في الحدود بين الجنوب والشرق، والتي يسيطر عليها الإسلاميون والشمال الغربي من البحر المتوسط الأوروبي المسيحي، لأنه كانت هناك بالتأكيد جسور وليس فقط جبهات. ومع ذلك، فإن هذا لا يغير من حقيقة أن تفسير إشارة بيرين إلى الانتقال من العصور الرومانية القديمة إلى الفترة الكارولنجية يمكن أيضًا أن يحظى بمكانة عالية لعلم الجغرافيا السياسية في البحر المتوسط في الانتقال إلى الألفية الثالثة. في النهاية، التاريخ هو المصدر الذي يمكننا من خلاله اكتساب الخبرة لمستقبل أفضل. لمناسبة تقديم جائزة شارلمان في بداية الألفية الجديدة، والتي يفترض أن يحظى فيها الإسلام وخاصة بالنسبة لأوروبا أهمية مركزية جديدة، ولذا يجب على الأوروبيين تصور واستذكار هذا التاريخ.

 

 

محمود محمد عليمن معين نهر النيل العذب نغرف وجهاً عربياً مضيئاً في سماء عالمنا العربي المعاصر، الذي خبت نجومه، وقلت شموسه، وتقلصت رموزه، ولكن الخير كل الخير في البقية الباقية من الرواد العظام الذين لا ينساهم التاريخ أبداً، ومن هؤلاء الرواد نحاول في هذا المقال أن نتطلع إلي نموذج نسائي نهتدي عبر طريقه، وشخصية استطاعت أن تحفر في صخور صماء منعت المرأة خلال فتراتها من حقها في تعلم اللغة الفرنسية واللاتينية، لتتجاوز هذا المنع وتصل بعلمها وتراثها الفكري مبلغ الرجال، تلك هي الدكتورة "زينب محمود الخضيري" (ابنة أستاذنا الكبير محمود الخضيري، وهو من هو في مجال الدراسات الفلسفية عامة، وابن سينا وديكارت علي وجه الخصوص)؛ فهى تلك الزهرة التي نمت فى صخرة، وتلك الفتاة التي استجمعت كل ميراث بيت العلم والثقافة فاتخذته منهاجاً، ثم باحثة فى الفلسفة الإسلامية وفلسفة العصور الوسطي، وكاتبة لا يشق لها غبار في كثير من الصحف، وعاشقة شفافة العاطفة، استطاعت أن تخطو بثبات نحو القمة لتصبح رائدة بعد أستاذها ومعلمها الأستاذ الدكتور إبراهيم بيومي مدكور (رحمه الله) رائدة الفضل العربي علي الفلاسفة اللاتين، حيث استطاعت زينب الخضيري المضي قدما في دراسة الفلسفة الإسلامية في ثوبها اللاتيني؛ حيث درست اللغتين- الفرنسية واللاتينية، وقرأت بتمعن فلاسفة العصور الوسطي، لتكون واحدة من أهم وأبرز الأساتذة المصريين الذين تمكنوا من التجديف عبر بحورها ذات الأمواج الصعبة، ولم تقف بطموحها الفكري عند هذا الحد، بل وقفت في وجه الحركات المسمومة التي حاربت الفلسفة الإسلامية (من أمثال أفكار رينان) وتصدت لها بكل صلابة وقوة.

تنتمي زينب محمود الخضري إلى رعيل المفكّرات العربيات اللواتي يُشهد لهنّ بالموهبة والكتابات النوعيّة في مجال الفلسفة منذ النصف الثاني من القرن العشرين، لقد قدّمت إنتاجاً قيّما متفرّداً في الفكر بشكل عام وفي الفلسفة الإسلامية وفلسفة العصور الوسطي وفلسفة التاريخ بشكل خاص. وكان من تجليّات التلاحُم بين شخصيتها وثقافتها من جهة وما تؤمن به وما تكتبه من جهة أخرى، أن أظهرت إبداعاً لافتاً يكشفُ عن مقدرة متميّزة. كانت الفلسفة مُلْهمة لها ومعيناً لا يَنْضب للتأليف والإبداع الفكري والترجمة إلى اللغة العربيّة، لقد أتقنت الكتابة بلغة الضادّ كما تمكّنتْ من عدّة لغات أجنبيّة تحدّثا وكتابة، فكان حصيلة ذلك تراثاً إنسانيّاً يستحقّ الاهْتمام.

وقد ولدت بالمنيل في 23 سبتمبر عام 1943 بمدينة القاهرة بجمهورية مصر العربية، وسافرت مع والداها الدكتور محمود الخضيري (الذي عينه الرئيس جمال عبد الناصر مستشاراً ثقافياً المصري ثم سفيرا لمصر بالفاتيكان) إلي إيطاليا لتدخل مدارس الليسية في مرحلة التعليم الابتدائي، والإعدادي، والثانوي، وعندما عادت أصرت أن تدخل كلية الآداب بقسم الفلسفة بجامعة القاهرة، وكانت الأولي علي دفعتها، حيث تم تعيينها معيدة بقسم الفلسفة، ثم مدرسا مساعدا، بعد أن حصلت علي درجة الماجستير في موضوع بعنوان " فلسفة التاريخ عند ابن خلدون "، ثم بعد ذلك عُينت مدرساً بعد أن حصلت أيضاً علي الدكتوراه في موضع بعنوان " أثر ابن رشد فى فلسفة العصور الوسطى"، وذلك تحت إشراف أستاذنا المرحوم الدكتور " يحيي هويدي"، ثم تدرجت في الترقيات حتي حصلت علي أستاذ مساعد وأستاذ في أواخر الثمانينات وبداية التسعينيات من القرن المنصرم.

وللدكتورة زينب محمود الخضيري مؤلفات عديدة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : لاهوت التاريخ عند القديس أوغسطين، وفلسفة التاريخ عند ابن خلدون، وأثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى، وابن سينا وتلاميذه اللاتين، ودراسة فلسفية لبعض الفرق الشيعية، وأبو حيان التوحيدي والبحث عن السعادة، ...الخ، علاوة علي مقالاتها الرائعة التي أثرت بها حياتنا الثقافية، ومن تلك المقالات نذكر : الاستشراق في الفلسفة، دراسة - الحياة.. الموت / البعث عند توفيق الحكيم، والفلسفة الإسلامية في مؤتمر الفلسفة في هلسنكي، واعترافات القديس أوغسطين، والدين في فكر توينبي، وأبو حيان التوحيدي والبحث عن السعادة...الخ.. علاوة علي ترجماتها الرائعة والتي من أهمها وأشهرها كتاب فى قلب الشرق : قراءة معاصرة لأعمال لويس ماسينون.

والدكتور زينب الخضيري من أشد المؤمنين بالفرنكوفونية ؛ حيث تري أن هناك تبادل ثقافي قوي ما بين الشرق والغرب، والغرب والشرق، وبالتالي فإنها تؤمن أنه في مجال الفكر الإنساني عبر عصوره المتلاحقة ثمة ظاهرة ضمن ظواهر عديدة تسترعى النظر وتجذب الانتباه، ألا وهى ظاهرة التأثير والتأثر القوي بين الأجيال المتعاقبة، بحيث يؤثر الجيل السابق في الجيل اللاحق، ويتأثر هذا بذلك تأثرا تتعدد أبعاده أحيانا وتختلف مجالاته وتتفاوت درجاته بين طرفى الظاهرة، أعنى بين المؤثر والمتأثر، فتارة يكون التأثير من جانب السابق في اللاحق تأثيراً قوياً عميقاً، وعلى درجة من الشمول، تكاد تذهب باستقلالية المتأثر وهويته العلمية، ومن ثم تظهر العلاقة بين الطرفين في صورة علاقة تابع بمتبوع ومقلد بمبدع، وتارة يكون التأثير ضعيفًا في درجته محدودًا في مجاله؛ بحيث يظل كل من الطرفين المؤثر والمتأثر محتفظًا بفردانيته، واستقلال نظرته وفكره، ومن ثم تتوارى معدلات التأثير، فلا تكاد تظهر .

وإن كان الأمر كذلك، فإن لهذه الظاهرة في نظر زينب الخضيري دلالات تسمح لها بالقول (من خلال كتاباتها) بأنها ظاهرة إيجابية مفيدة ومثمرة بدرجة تجعلنا نعدها عاملًا فاعلًا في تحقيق ما أنجزه الفكر الإنسانى من تطور وازدهار على أصعدته كلها ؛ وخاصة على الصعيدين : الثقافى والحضارى للشعوب، والأمم التى سجل لها التاريخ ضربًا أو أكثر من ضروب التقدم والازدهار .

ولعل من أهم الدلالات التي تحملها هذه الظاهرة في طياتها تأكيد فعاليات العقل الإنسانى، وطاقاته المتجددة، ومبادراته الخلاقة، وهو ما يخول لزينب الخضيري الإيمان، بأن "العقل قد أوتى من القوة ما يمكنه من أن يأتى أفعالاً على درجة من التباين تكشف عن تعدد طاقاته وتنوعها . فهو في مجالنا هذا يتأثر ويؤثر، وينفعل عن عقول، ويفعل في غيرها، ويأخذ ويعطى ويستقبل ويرسل، ويستوعب الماضى ويتمثله بوعى واقتدار دون أن يفقد وعيه بالواقع إلى حيث هو جزء منه، ثم يتجاوز ذلك إلى حيث المستقبل ورؤاه المستقبلية التى تؤثر بدرجة أو بأخرى في ذلك المستقبل".

ولذلك نجد زينب الخضيري تؤكد في كتابها عن أثر ابن رشد في العصور الوسطي، هو ضرورة القراءة ليس فقط لتأثير ابن رشد على الفلاسفة الغربيين في العصور الوسطى، بل لفلسفته هو أيضا. وفلسفته تتحدد عند متلقيه بموقفه من أرسطو، وابن رشد عندها هو حامل لواء العقلانية في العصور الوسطى، الذي كان عليه أن يتحمل وحده كل الهجوم الذي يثيره دائما في كل عصور ذلك الاتجاه الذي يضع العقيدة في المرتبة الأولى، ويجعل دور العقل في خدمة تلك العقيدة والدفاع عنها . لقد كان من الممكن فيما ترى زينب الخضيري أن تتجاهل العصور الوسطى المسيحية ابن رشد، إلا أنها أقبلت على قراءته واستقبلته باعتباره أعظم شراح أرسطو ؛ أي أن قراءة ابن رشد للمعلم الأول كانت "تأشيرة" دخول ابن رشد إلى أوروبا، وقد أعطيت له هذه "التأشيرة" لأنه فعل لأرسطو ما لم يفعله المؤلفون المسلمون إلا للقرآن (وذلك حسب قول د. أحمد عبد الحليم : زينب الخضيري واركيولوجيا القراءة ضمن أوراق فلسفية).

وتحدد لنا زينب الخضيري مصادر قراءتها أو الدراسات الممهدة لهذه القراءة أو قل بدقة القراءات الأولى، التي تواصلها وتخالفها تارة وتعدلها تارة وتتجاوزها تارة أخرى؛ حيث تذكر لنا زينب الخضيري قراءة أرنست رينان في كتابه "ابن رشد والرشدية" ومونك في كتابه "أمشاج من الفلسفة اليهودية والعربية"؛ ثم تقدم لنا الخضيري مبررات قراءتها وفي مقدمتها وأهمها هو أن استقبال وتلقي أوربا لفلسفة ابن رشد وبلوغها الذروة في القرن الثالث عشر في باريس أهم مرحلة في تاريخ الرشدية اللاتينية، "فهو يمثل العصر الذي حدثت فيه ما يشبه الصدمة للفكر المسيحي، تلك الهزة التي ساهمت إلى حد كبير في خلق الفكر المسيحي الفلسفي المنفصل عن الفكر اللاهوتي.

وبناءً على ذلك تحدد لنا زينب الخضيري كما يقول د. أحمد عبد الحليم مبررات اختيار الفلاسفة الذين شملتهم بقراءتها والقضايا الفلسفية موضوع هذه القراءة وهي: التوفيق بين الفلسفة والدين، ومشكلة العالم، ومشكلة النفس العاقلة عند كل من : البيرت الكبير، وتوما الأكويني، وسيجر دي برابانت، وموسى بن ميمون، وإسحق البلاغ. ومبررات اختيارها لألبرت الكبير كما يقول د. أحمد عبد الحليم هو أنه أول من أراد استيعاب أرسطو في علم اللاهوت المسيحي ومن هنا تأثر بالشارح الأعظم لتحقيق هذا الغرض . ولا تنفصل فلسفة الأكويني عن فلسفة البيرت الكبير فهي مكملة لها، وأثر ابن رشد في فكر الأكويني، ما يزال موضع خلاف بين الباحثين، ومن البداية تؤكد أن القديس توما لم يكن فيلسوفا، بل عالم لاهوت مخلص لديه، رأى كنوز الأرسطية يقدمها له ابن رشد فأخذ منها ما يخدم دينه ويفسره تفسيرا عقليا وهاجم ما يتعارض مع عقيدته، وهي ترى أنه على الرغم من اختلاف فكر فيلسوف قرطبة ومتفلسف المسيحية الأعظم تسللت حلول الرشدية للمشاكل المختلفة في فكر الأكويني.

وتحدد لنا قراءتها للاكويني بأن فلسفته بفضل تأثير ابن رشد كما يؤكد ماكسيم جورس في كتابه "ذروة الفكر في العصور الوسطى" تجاوزت النمط الفكري السائد وقت ذلك المتمثل في أعمال بونافنتور أو البيرت الكبير وموسى ابن ميمون فحقق بذلك اتجاهًا تجريبياً مادياً أرسطيا – رشديا.

وتظهر القراءة المركبة الجدلية في بيانها استقبال وتلقى سيجر دي برابانت "الذي يعتبره الجميع الفيلسوف الرشدي الصميم" متابعة التطور الذي طرأ على فلسفة سيجر نتيجة لتصاعد الضغط الديني الكبير في عصره وقد هدفت من دراسته تفسير ما إذا كان التغير الفكري الذي طرأ على فلسفته تغيراً حقيقياً أم تغيراً ظاهرياً دفعت إليه ظروف الحياة الفكرية التي سيطرت عليها الكنيسة.

ويتحدد إذن موقف فلاسفة اللاتين في العصر الوسيط من ابن رشد عبر محاولته تجاوز ما بين حقائق الدين وحقائق الفلسفة من تعارض واختلاف. لقد كانت مهمة المشائين على اختلاف أديانهم التوفيق بين أرسطو والعقيدة، وكان توفيق ابن رشد بينهما في قراءة زينب الخضيري يصلح للمسلمين كما يصلح للمسيحيين ولليهود، لذا فإن محاربة رجال الكنيسة في القرنين 13، 14 هذا التوفيق وتحريم كتب ابن رشد وقتل من يتمسك بقضاياه لم يكن سوى تعصباً من جانبهم فالدين لا يتعارض في القراءة التي تقدمها مع التوفيق الفلسفي الذي يحترم حقائق الأديان الأساسية .

نجد لدى زينب الخضيري معياراً رشدياً عقلانياً نقدياً كما يقول د. أحمد عبد الحليم تقدم على أساسه القراءات المختلفة الذي تتناولها وبناء على ذلك فإن قراءة اسحق البلاغ أقرب إلى نصوص ابن رشد من قراءة ابن ميمون الكلامية وقراءة سيجر دي برابانت الرشدي مختلفة عن قراءة توما الأكويني الأقرب إلى ابن سينا مني إلى ابن رشد.

وحتى تكتمل قراءة الخضيري للقراءات اللاتينية لفلاسفة المسيحية للفلسفة الإسلامية في العصور الوسطى تقدم قراءتها لفلسفة ابن سينا وتلاميذه اللاتين؛ حيث تشير زينب الخضيري ابتداء من الصفحة الأولي لكتابها إلي مشكلة هامة، كانت وما زالت موضع اهتمام كثير من الباحثين في الفلسفة السينوية، وهي مشكلة حقيقة الفلسفة الشرقية عند ابن سينا، بل إن زينب الخضيري قد بحثت في هذه المشكلة بحثا مستفيضا في أكثر فصول كتابها، وذلك لكي تبين أن بعض المفكرين الغربيين بعد ابن سينا لم يكن تأثرهم بابن سينا المتابع للفلسفة الأرسطية المشائية، بل كان منهم، كروجرز بيكون مثلا، من تأثر بالفلسفة الخاصة لابن سينا والتي لم يكن منها مجرد متابع لأرسطو، بل كانت له شخصيته الخاصة، ونقصد بتلك الفلسفة الخاصة، والفلسفة التي يطلق عليها ابن سينا، الفلسفة المشرقية .

بالإضافة إلي أن زينب الخضيري تريد من وراء ذلك، تصحيح بعض الأخطاء التي شاعت عند بعض المستشرقين ومن بينهم رينان والتي تتمثل في القول بأن الفلسفة العربية ما هي إلا الفلسفة اليونانية مكتوبة بحروف عربية تقول زينب الخضيري : دراستي هذه إثبات لخطأ رينان الذي شاع بين الباحثين بحيث بات كالمقولة العقلية وأعني بهذا الرأي كون الفلسفة الإسلامية ما هي إلا موسوعة الفلسفة اليونانية وقد كتبت بحروف عربية ؛ فها هو ابن سينا يعرض في فلسفته المشرقية عن الفلسفة اليونانية جملة، مُقلا من شأنها وإذا كان ثمة حرص علي إبراز مشائية ابن سينا، فلا بد أن يكون ثمة حرص مقابل من جانبنا نحن الباحثين العرب علي إبراز " مشرقية " ابن سينا، وأن نعني بتحقيق ونشر طبيعيات وإلهيات الفلسفة المشرقية ومخطوطاتها الموجودة في خزانة مكتبات تركيا تنتظر من يخرجها إلي النور".

ومهما يكن من الأمر فإن تقديم الحكمة المشرقية لا يمكن تقديم رأي قاطع حوله، وذلك كما أشارت زينب الخضيري، طالما أن هناك احتمالات بوجود أقسام للحكمة الطبيعية والإلهية من كتاب الحكمة المشرقية، لم تحقق بعد ولم يخرج إلي النور .

وإذا كانت زينب الخضيري قد حللت تحليلاً فلسفياً رائعاً أثر بعض فلاسفة العرب؛ وخاصة ابن سينا وابن رشد في بلورة العديد من الأفكار التي قال بها جيوم روخرني وتوما الأكويني وروجرز بيكون، فإنه كان من الأفضل الوقوف بطريقة أكثر تفصيلاً حول قضية التأثر والتأثير .

وأقول مع أستاذي الدكتور عاطف العراقي نظراً لأنه ليس من الضروري إذ وجدنا مجموعة من الأفكار قال بها أحد الفلاسفة، إرجاع هذه الأفكار إلي تأثره أو ثقله أفكاراً عن فلاسفة سبقوه، وقد نجد فكرة واحدة عند اثنين من الفلاسفة، ومع ذلك توصل كل فيلسوف منهما إليها بمفرده ودون التأثر بفكرة الفيلسوف السابق عليه . وكما أسرفنا في عقد مقارنات بين الغزالي وديفيد هيوم، بين الغزالي وديكارت، بين الغزالي وكانت، بين ابن سينا وديكارت. بين الغزالي وهيوم في مجال السببية، والغزالي وديكارت في مجال الشك، والغزالي وكانت في مجال النقد، وابن سينا وديكارت في مجال النفس، أو الكوجيتو الديكارتي : أنا أفكر فأنا موجود (أنظر: عاطف العراقي : ابن سينا وتلاميذه اللاتين ضمن عالم الكتاب).

هذا الإسراف في عقد المقارنات والتي لا نجد لأكثرها أي مبرر من المبررات، لا نجده في كتاب " ابن سينا وتلاميذه اللاتين للدكتورة زينب الخضيري، لقد ناقشت موضوع المقارنات بطريقة منطقية هادئة ورجعت في سبيل ذلك إلي حشد من الكتب العربية ومن الكتب غير العربية، وذلك إن دلنا علي شئ فإنما يدلنا علي حس فلسفي واضح عند زينب الخضيري. إنها قد تجنبت المبالغات والأسلوب الخطابي الإنشائي في دراستها لإمكانية أو احتمالية تأثر هذا الفيلسوف أو ذاك من فلاسفة الغرب في العصور الوسطي أو في عصر النهضة، بفيلسوف أو أكثر من فلاسفة العرب من أمثال ابن أو ابن رشد وليرجع القارئ العزيز لصفحات الكتاب وسيتبين له مدي دقة المؤلفة في حديثها عن موضوع التأثر والتأثير . إنها تضع الفروض والاحتمالات ولا تلجأ كما قلنا إلي لغة القطع، لغة الخطابة والبلاغة . إنها تلجأ إلي الحوار الهادئ مع نفسها تارة ومع القارئ تارة أخري . وكم نحن في أمس الحاجة إلي هذا الحوار وهذه المناقشة الموضوعية الهادئة وذلك بعد أن غلبت علي أكثر بحوثنا الفلسفية الحالية لغة الصوت العالي، لغة الصراخ، لغة الخطابة المنبرية، لغة الطبل، وإن كان طبلاً أجوف، ولكن أكثر لا يعلمون (وذلك حسب قول الدكتور عاطف العراقي في المقال السالف الذكر).

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور زينب الخضيري بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكرة مبدعة في الفلسفة، ونموذج متفرد لأستاذه جامعية نذرت حياتها بطولها وعرضها لخدمة الفلسفة والثقافة العربية، وأثرت حياتنا الفكرية بكل ما قدمته من جهود.

تحيةً مني للدكتورة زينب الخضيري التي لم تستهوها السلطة، ولم يجذبها النفوذ ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف تبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا في زينب الخضيري قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين" (كما قال أستاذي عاطف العراقي)، وأمد الله لنا في عمرها قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاها الله لنا إنسانة نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منها عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

 

1104 حكمت جميلفي الخارج وُجد علماء عراقيون تميزوا، وأبدعوا وساهموا في بناء صرح العلم والمعرفة العالمية، كان منهم عبد الجبار عبد الله، وفخري البزاز، وصالح جواد الوكيل. واليوم ينتشر أربعون من امثالهم في ارجاء أمريكا وبريطانيا وأوروبا وأستراليا، التقوا ضمن إطار "شبكة العلماء العراقيين في الخارج"، ليضعوا علومهم في خدمة وطنهم، ومن أجل توفير الخبرة، والدعم في مجال العلوم، والتكنولوجيا وفروع المعرفة الاخرى، باعتبارها جزءا حيويا من التنمية والتطوير في العراق، ولتبادل المعرفة وتدريب الاخصائيين والفنيين والخبراء.

اريد ان اتحدث عن عالم عراقي من هؤلاء الاعلام العراقيين اضطرته المآسي التي تسببها نظام البعث للهجرة من وطنه من دون ان يدير ظهره للوطن:

بروفسور حكمت جميل، تخرج من جامعة بغداد، كلية الطب عام 1962 وذهب الى جامعة لندن ليحصل على الماجستير في الطب المهني، ثم ليكمل دراسة الدكتوراه في مانشستر، المملكة المتحدة. عاد الى كلية الطب عام 1978 ليساهم في استحداث الدبلوم والماجستير والدكتوراه لدراسة الطب المهني في العراق، وفي تأسيس الجمعية العراقية للصحة والسلامة المهنية، وليمارس مهنة الطب في العيادة الاستشارية لجامعة بغداد، حيث كان اول طبيب عراقي مختص في امراض المهنة (Occupational medicine).

أصبح زميل كلية الجراحين الملكية في ايرلندة، وزميل كلية الأطباء الملكية الإنكليزية. اختير كأفضل عضو هيئة تدريس في جامعة بغداد عام 1993 إلا ان مجلس الجامعة رفض تكريمه. وبعد اختياره للمرة الثانية لهذا اللقب قام مجلس الجامعة بإلغاء اللقب جملة وتفصيلا من الجوائز التكريمية للجامعة. الدكتور حكمت جميل مقدم برنامج "سلامتك" الذي كان يذاع يوميا من إذاعة بغداد في الثمانينيات، وهو من ادخل "حزام الأمان" للعراق عام 1982. أصدر صحيفة "نداء السلامة" في نفس العام، ومجلة طب المجتمع التي لازالت تصدر من قبل الجامعة المستنصرية.

ترك العراق الى عمان عام 1996 بعد ملاحقات ومضايقات مستمرة من قبل النظام البعثي، ومنها اعتقاله بعد انقلاب 1963 وهو ضابط احتياط طبيب، ونقل بما يعرف بقطار الموت الى سجن نقرة السلمان، وحُكِم عليه بالسجن لسنة ونصف وأُطلق سراحه في عام 1965، وأوقف مرة عن العمل ووجهت له تهمة الخيانة العظمى، الا انه تمت تبرئته بعد التحقق من عدم صحة التهمة.

غادر عمان الى ميتشغان في الولايات المتحدة ليصبح محط اهتمام من قبل جامعة وين ستيت في ميتشغان بعمر يناهز 62 عاما، وليحتل في وقت لاحق كرسي البروفسورية في الجامعة ويصبح من أكثر اساتذتها إنتاجية واهتماما لشدة حماسه، فيكافأ بحصد الجوائز التقديرية، وجوائز التفوق، والمنح المالية في خلال سنين معدودة من العمل في الجامعة، ويصبح عضوا في أكثر من مجلس ولجنة حكومية على الصعيد الوطني الأمريكي، ليثبت في ذلك صحة قول الكاتب الإنكليزي الدوس هيكسلي: "يكمن سر العبقرية في تمكنك من نقل روح الطفل إلى سن الشيخوخة، مما يعني عدم فقد حماسك أبدًا".

نجح حكمت جميل في بناء تعاون بحثي مع منظمات المجتمع المحلي الأمريكي، والمؤسسات غير الربحية، والمعاهد الأكاديمية على المستوى الدولي وخاصة بين دول الشرق الأوسط، وتميزت دراساته البحثية حول الصحة العقلية لدى اللاجئين العراقيين، ودور الضغوطات الاجتماعية بعد النزوح بأهمية خاصة. نشر ما لا يقل عن مائتين من البحوث العلمية، وكتب ما لا يقل عن عشرين كتابا وفصلا، ثمانية من هذه الكتب لا زالت محط اهتمام التدريسيين في الجامعات العراقية.

كان خطيبا معرفيا بارعا دُعيَ من قبل مختلف المؤسسات الصحية والاجتماعية في انحاء العالم حيث قدَّم بأكثر من مائتين محاضرة علمية. كفاءة حكمت جميل جعلته يحظى بثقة وتقدير مؤسسات علمية عالمية مكنته من الحصول على أكثر من ستة ملايين دولار كتمويل للبحوث التي أجراها على الجالية العربية واللاجئين العراقيين في ميتشغان منذ عام 2000.

ورغم صعوبات انشاء المشاريع الجديدة وتفشي الفساد في العراق، أقدم حكمت على تحقيق حلمه لاستحداث كلية الصحة العامة في العراق فتقدم للحكومة العراقية عام 2011 بمشروعه وبالتنسيق مع جامعة وين ويست في ميتشغان، فزار العراق عدة مرات لتحقيق مشروعه، وبعد محادثات مضنية تم له الحصول على موافقة أولية في كانون الثاني 2013 حيث تبنت جامعة الكوفة المشروع، الا إن المشروع توقف في نيسان 2014 ولم يرى النور ليومنا هذا. ولا زال حكمت مؤمنا بأن العراق يمكنه ان يوفر إمكانيات هائلة لتحقيق هذا المشروع، ومشاريع صحية مجتمعية شريطة تبسيط الإجراءات ومنع الفساد وتوفير بيئة آمنة، لذلك تجده يحلم بدعوته من قبل السلطات العراقية ليطوي المسافة بين ميتشغان وبغداد وهو في عمر الرابعة والثمانين.

ألا يستحق هذا العالم الجليل والطبيب القدير ان نعبر له عن فخرنا وتقديرنا؟

 

أ. د. محمد الربيعي