سعد جاسمذات مساء تموزي ساخن، غادرنا الى فردوس الابدية الشاعر الجنوبي حسين عبد اللطيف، وكان ذلك في مساء الخميس العاشر من تموز 2014، حيث رحل حسين عن مدينته البصرة التي لم يسبق له ان فارقها إلّا نادراً، وقد عاش فيها مع عائلته الطيّبة رغم قسوة الظروف الحياتية .

والشاعر حسين عبد اللطيف من مواليد العام 1945، وكان من شعراء البصرة النبلاء المعروفين بالخُلق العالي والطيبة والابداع . وكان يُشار اليه بالتميز والفرادة والتواضع والسمو.

 ان التجربة الشعرية لحسين تمتد على مدى اكثر من اربعين عاماً وكان واحداً من الشعراء الطموحين والمثابرين الذين يتطلعون الى تجارب الشعراء الاخرين والى مستقبلهم من خلال تفاعلهم مع الوسط الشعري ونتاجات الشعراء المميزين فيه على الرغم من المعاناة في النشر، وقد قال عن ذلك :

1829  حسين عبد اللطيف 1 (اتيت في ذيل الستينيات وحييت بداية السبعينيات، ان الجيل العراقي السبعيني قد تأثر بمنجز ومعطيات الشاعر سعدي يوسف اكثر من أي شاعر اخر.وفهمت تقنية الاسباني لوركا وأخذت ابذل الصور في شعري على هذا المنحى). لقد كانت لحسين مكانته الشعرية المتميزة بين زملائه الشعراء. وكان يعشق الشعر ويعتبره كل شيء في حياته، حيث قال عنه(الشعر كل شيء بالنسبة لي، استطيع من خلال ما اكتبه ان اعبّر عن ما اريد وأتحدث عما اريد في كل الامور، ولكل شعر جمالياته وأبنيته وأساليبه الخاصة وانا اكتب شعر التفعيلة وقصيدة النثر).

وكان عبد اللطيف قد اصدر خمسة دواوين ونشر العديد من القصائد، وقد صدر ديوانه الأول (على الطرقات ارقب المارة ) عام 1977 . فيما صدر ديوانه الثاني (نار القطرب) -بغداد 1995، ونال الجائزة الاولى كافضل نتاج شعري عراقي من قبل وزارة الثقافة والاعلام انذاك، وله كذلك (امير من اور) من اصدارات اتحاد الادباء والكتاب فرع البصرة، وديوان(لم يعد يجدي النظر) وكتابه الشعري (بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلقالق ميتة)

1829  حسين عبد اللطيف 2 - متوالية هايكو-وزارة الثقافة -بغداد2012)، و(بابلو نيرودا كتاب التساؤلات - حسين عبد اللطيف كتاب الاجابات: ترجمة واعداد (سحر أحمد) وصدر عن دار أزمنة العام 2014 .وهذه النتاجات يستمدها كما قال: (من القراءة الكبيرة على امد السنين والمتابعة للشعراء ذوي الخبرة، ومن التجارب التي عانيتها وعشتها، وانا لااكتب كثيراً، بل انا شاعر غير مقلد ففي كل دواويني تجد نزعة التجريد فانا انحو مناحي اخرى لتطوير شعري).

ومما يدعو للحزن والفجيعة ان عبد اللطيف - شأنه شأن الكثير من ادباء وفناني بلاد الرافدين - كان قد عاش حياة مشوبة بالمرارة والمعاناة والمتاعب والحاجة والشظف . وقد كانت معاناته قد تعالت وازدادت وجعاً خاصة بعد اصابته بمرض السكري الذي راح ينهش جسده النحيل ويهدده كل يوم بالفناء والغياب .

 وقد اصبحت قصيدته عكازته وقدمه الثالثة بعد ان بُترتْ قدمه جرّاء السكري الخبيث . واللافت في حال حسين انه ورغم كل عذاباته ومتاعبه بقي يعيش فسحة من الامل، وكذلك بقي مخلصاً لمشروعه الشعري ولم يكن يكترث كثيراً للمرض الخبيث ولا للموت القاسي الذي كان يتربص به، ثم فجأة اسكتَ قلبه الرهيف مثل طائر جنوبي ناصع .

1829  حسين عبد اللطيف 3

حسين عبد اللطيف: لروحك البيضاء تراتيل ملائكة الشعر والحب والنقاء، وستبقى خالداً في اعماق احبائك المبدعين الحقيقيين مثلك ايها الشاعر النقي الذي كانَ (على الطرقات يرقب المارّة) من ابناء مدينته وأصدقائه البصريين الطيبين . 

 

  سعد جاسم

 

 

كاظم الموسويزارتنا الرفيقة أم أيمان، ثمينة ناجي يوسف، وجلسنا أياما وليالي نتذكر ونسجل عن حياة الرفيق الشهيد أبو علي، أبو إيمان، حسين الرضي، سلام عادل، (عمار) الأمين العام للحزب الشيوعي الذي أعدم وعذب بوحشية كشفت طبيعة جلاديه القتلة أثر اعتقاله يوم 02/19  بعد أحد عشر يوما من انقلاب 8 شباط/ فبراير عام 1963 والذي أعلن عن تصفيته في 6 آذار/ مارس من العام نفسه. أي بعد أسبوعين من التعذيب وتقطيع جسده. ونقل عن عضو لجنة منطقة بغداد للحزب الشيوعي، القاضي، الذي ضعف عند التعذيب واعترف عن رفاقه ومعرفته بالشهيد، جيء به أمامه، ليؤكّد شخصيته ولإرعابه أيضاً، قال أنه شاهده مهشم الأضلاع واليدين ومع ذلك لم يستطع مواجهته وكانت عيناه مدميتين، ونظراته حادة. كما روي غيره أنه قطّع أجزاء وفُقأت عيناه ولم يُسلم جسده لأحد. وكان الرفيق حسين سلطان، أبو علي، معنا يشاركنا في تجميع الذكريات ورواية ما عنده منها أو يضيف لها أو يدقق فيها.

كانت الفكرة أن نتعاون معا، بتكليف حزبي، في كتابة كتاب عن حياة الرفيق الشهيد، فهي تحتفظ بارشيف مهم، وكانت لدي حصيلة جيدة من المعلومات والشهادات، وكنت قد طبعت كراسا، عنونته، رجل المهمات الصعبة، ضاع في حرائق كردستان. والقيت عددا من المحاضرات عنه. وكانت لدي فكرة إعادة طبع الكتب والكراريس التي كانت قد صدرت في زمن قيادته للحزب، والتي كانت بقلمه أو بإرشاده وأفكاره وكتابة رفاق أو رفيق لها.( وأشرت لذلك في الصفحة الأخيرة من كتابي: الحركة العمالية في العراق، الذي صدر ببيروت عام 1996) وقد افلحنا قبل جريمة بشت آشان من إعادة طبع كراس، "ردّ على مفاهيم برجوازية قومية وتصفوية" الذي صدر عام 1957 بقرار وإلحاح من الرفيقين باقر إبراهيم وعبد الرزاق الصافي، عضوي المكتب السياسي وقتها، ولم نستطع إكمال ما كنت افكر به أو وضعته في خطّة العمل اللاحقة. من مثل "انتفاضة 1956 ومهامنا في الظرف الراهن" صدر عام (1957)، "الإصلاح الزراعي" نشر في عام (1961)، "وجهة نضالنا في الريف" في عام (1962)، وغيرها... ومازال بعضها لدي في طبعاته الأولى، شبه السرية، والتي تحتاج إلى جهد طباعي والتزام جديد بها.

سجلت الكثير من الحوارات والأحاديث، معها ومع الرفيق أبي علي، على أشرطة كاسيت، وحفظتها ليوم قريب. ولكن الأيام كالسفن والرياح، لم تجر كما يشتهي السفّان. فقد وصلتها أخبار عن اختلافي مع الحزب ووضعي على لائحة الخارجين عنه، المشاغبين المطرودين، وهي حزبية حتّى النخاع، لا تتحمل مثل هذه الأخبار، وكنا نتحدث هاتفياً كلّ أسبوع، وفي آخر مرة وصلتني دموعها عبر سماعة الهاتف ونحيبها وهي تردد لي أنّها كانت تريدني في موقع القيادة دائما وليس خارجها، فكيف وقد أبلغها مسؤول التنظيم في الخارج بذلك، وبالمناسبة لم أبلغ أنا حتّى بعد ذاك الاتّصال بفترة أشهر بأي قرار حزبي، ولا أوقفت عن مهامي الحزبية التنظيمية في الأكاديمية. وهذا الوضع يعكس النوايا والخطط المبيتة لمصير الحزب وآفاق عمله وتطوره. ماذا يمكنك أن تتصور حين تسمع مثل هذه الأخبار؟ مسؤول تنظيم الخارج كان عضو مكتب سياسي (وبروفيسور اقتصاد) يبلغ الرفيقة ثمينة عن فصلي من الحزب، قبل أن أبلغ بهذا القرار، واستمرّ بعملي ووجودي لفترة غير قليلة بعده، هل هذا حزب فهد وسلام عادل؟.

ومن طريف الأخبار والأحداث، إنَّ المسؤول الآخر، عضو لجنة مركزية مخضرم، كلف بالذهاب إلى صوفيا، لتصفية الحسابات، بديلا مناقضاً عن الرفيق أبي علي، اتّصل بي هاتفياً وطالبني بكتابة تقرير عن رفاق قياديين وبالأسماء، هم: باقر إبراهيم وعامر عبد الله وحسين سلطان وماجد عبد الرضا، واتّهامهم بتكتل حزبي والعمل على شقّ الحزب، وضحكت منه وقلت له هل هذا تبليغ حزبي، فأنا ما زلت في التنظيم ولم أبلغ بمثل هكذا تصريح خطير... لكنه أصرّ على الكتابة والإسراع فيها قبل أن يشملني معهم وأغلق الهاتف. حاولت الاتّصال به مرة واحدة ولم يرد وأهملته لما أعرفه عنه من تفاصيل كوميدية.

كانت منظمة الحزب تملك شقة في وسط مدينة صوفيا، لا أعرف مصدرها، ولكني أعرف أنّها للضيوف الزائرين والاجتماعات الحزبية والإسكان المؤقت لظروف خاصة، وقد استولى عليها المسؤول الجديد مباشرة ودون سؤال أو جواب. كما كان السفير اليمني الديمقراطي الرفيق محمّد حيدره، مسدوس، قد أفرغ سيارة فولغا برقمها الدبلوماسي لتنقلات الرفيق أبي علي، وكان يقودها حين الحاجة الرفيق ضياء وأخذت أنا بعض الوقت استخدامها معه. وألح عليها المسؤول الجديد، وحاول بشتى السبل الاستحواذ عليها، إلا أنه زاد غيظا حين علم  بإعادتها إلى السفارة بسرعة وتقديم الشكر للإخوة فيها، وقد حلّ سفير جديد، لم يختلف عن سابقه في علاقاته معنا، أشخاصا وحزبا. كما يبدو بتوصية من الرفاق في قيادة الحزب الاشتراكي والدولة في عدن، حينها. وفر لنا الكثير من المساعدات المهمة وسد حاجات ضرورية من بينها إصدار جوازات سفر لبعض ممن تسدّ الآفاق أمامهم من الرفاق الذي حاربهم ذاك المسؤول أو ذاك المكلّف بها. وكانت الرسائل التي يحملها الرفيق ليث الذي كان يعمل في السفارة كملحق إعلامي ومترجم، بتكليف من السفير تعبر عن مكنون المودة والحميمية التي كانت تربطنا، رفاقاً وحزباً وأفراداً، خلاف ما حصل مع من جاء بعدنا. ولا يمكن أن أنسى الحفل التكريمي، الذي أقامته السفارة اليمنية ومنظمة الحزب الاشتراكي، لتخرجي وتوديعي داخل الأكاديمية وكنت ممنوعا من الدخول إليها بقرار من أصحاب ذاك المسؤول الحزبي.

من المضحك أن حفلا أداره ذاك المسؤول وألقى فيه كلمة أكّد فيها على مناشدة قيادات الأحزاب السياسية، بما فيها الحزب الحاكم، حزب البعث العربي الاشتراكي، إلى التعاون والعمل المشترك، وكنت حاضرا وجالسا بين رفيقين ممثلين أو مسؤولين لمنظمتي حزبيهما، السوفييتي والفلسطيني، في بلغاريا، والتفتا إليّ مندهشين مما يتشدق به هذا المسؤول الشيوعي ويحارب أعضاء حزبه ويحرض عليهم بشتى السبل المسيئة لكلّ إنسان، دع عنك من يرغب أن يسمي نفسه مناضلا حزبيا.

قبل سفره من صوفيا إلى دمشق بقرار حزبي من سكرتير اللجنة المركزية للحزب عزيز محمد ودون أسباب مبررة وحتّى دون تبليغه بمؤتمر الحزب ولا بقراراته، أراد الرفيق أبو علي، وهو عضو اللجنة المركزية للحزب، توديع الرفاق في اللجنة المركزية للحزب المضيف، واتّصلنا بالرفيق المكلّف بالعلاقات، وكان قد درس اللغة العربية ببغداد، رحب بحرارة وسجل موعداً وذهبت مع الرفيق أبو علي وكانت جلسة رفاقية ولقاءً ودياً طابعها حزين، لا لتوديع الرفيق وحسب وإنَّما أيضاً لما حلّ بالحزب من تدهور عام وخشية الرفاق من نكسة أخرى تدفعه إلى خلف الأحداث المتصاعدة في الداخل العراقي. حضر رفيقان من اللجنة المركزية وثلاثة رفاق من لجنة العلاقات واستمرّ اللقاء التوديعي أكثر من ساعتين، سألوا كثيراً عن وضع الحزب بعد مؤتمره، وآفاق عمله، وأشاروا إلى أنّهم استمعوا قبل فترة لرفيق من المكتب السياسي قد زارهم وأطلعهم على آخر التطوّرات ولكنهم قلقون ومازالوا يتمنون للحزب أفضل مما هو عليه الآن.

كان هذا الرفيق هو عبد الرزاق الصافي، أبو مخلص، حيث أخبرني أحد الرفاق البلغار من لجنة العلاقات الحزبية بحضوره ورقم غرفته في فندق اللجنة المركزية وسط العاصمة، ذاكرا لي بأنَّه صديقي ويمكنني زيارته. فكرت بالأمر وفسرته إيجابيا، واتّصلت به ورحب باللقاء وذهبت على الموعد حاملا معي كتابا صدر حديثا عن دار التقدّم، بعنوان: مذكرات سفير في بلاد عربية، وأهديته له، وجرى حديثنا عن ذكريات العمل في الاعلام، في الجريدة وكردستان وتطورات الوضع السياسي في الوطن، ولما رأيت اللقاء اعتياديا، دعوته لغداء أو عشاء حسب وقته، فاعتذر مني قائلا إنّه لا يستطيع الخروج معي وأنا خارج الحزب، وكررت معه السؤال ذاته، لماذا لم تبلغوني بذلك إلى الآن، وتنشرون الخبر عند الآخرين، سواء من الأصدقاء أو الأشقاء. هل هذا عمل حزبي سليم؟.

ابتسم وقال لي أنت تنشر بيانا ضدّ الحزب وتروّج لبديل عن قيادة الحزب وترى هذا عملا حزبيا سليما، كيف يتم هذا العمل، وماذا تريد من الحزب بعد؟ وعرفت الرسالة والعنوان والقصة لم تنته بعد، ودعته بمودة وتركت أسئلة دون انتظار جواب منه، لماذا وصلنا الى هنا، ومن المسؤول؟ ..

وجدت صاحبي يضحك ويترنم بما قاله الإمام الشافعي:

دع الأيام تفعل ما تشاء ** وطب نفساً إذا حكم القضاء

ولا تجزع لحادثة الليالي ** فما لحوادث الدنيا بقاء

(***)

ولا حزن يدوم ولا سرور ** ولا بؤس عليك ولا رخاء

إذا ما كنت ذا قلب قنوع *** فأنت ومالك الدنيا سواء

ومن نزلت بساحته المنايا ** فلا أرض تقيه ولا سماء

وأرض الله واسعة ولكن ** إذا نزل القضا ضاق الفضاء

دع الأيام تغدر كلّ حين ** فما يغني عن الموت الدواء

***

كاظم الموسوي

 

 

قاسم المحبشيفي مثل هذا اليوم من شهر سبتمبر ٢٠٠٤م ناقشت أطروحة الدكتوراه الموسومة؛ فلسفة التاريخ في الفكر الغربي المعاصر؛ ارنولد توينبي موضوعًا) بإشراف الأستاذ الراحل مدني صالح في قسم الفلسفة بكلية آداب جامعة بغداد باب المعظم. ناقشتها بعد قرابة عام من الحرب الاجتياح الشامل للعراق في ظروف بالغة القسوة والتردي العربي العام. بعد سقوط بغداد فكرت وزارة التعليم العالي اليمنية في كيفية حل مشكلة المبتعثين للدراسة الأولية والعليا بين البلدان العربية ومنها مصر وسوريا والمغرب والجزائر وتونس والأردن وبعضهم تم توزيعهم على الجامعات اليمنية لاسيما طلبة الدراسات الجامعية الأولية. جاء توزيع ضمن عدد من الزملاء والزميلات في برنامج الدراسات العليا على جامعة دمشق كنا ١٣ طالب وطالبة اتذكر منهم الزميل حسن الرهوي فضل الربيعي وعبدالله المعلم والفيش والزميلة فاكهة جعفر التي التقيتها بالصدفة البحتة في بهو جامعة دمشق. كنا قلقون جدا من هذا الاضطراب. ذهبنا إلى جامعة دمشق وقدمنا الكشف واحالوا للكليات والأقسام العلمية المعنية. كنت الوحيد في تخصص الفلسفة وكان رئيس قسم الفلسفة بجامعة دمشق هو الأستاذ الدكتور أحمد نسيم برقاوي مشرفي العلمي في الماجستير وكنت سعديا بذلك. الدكتور أحمد رحب بي ومنحني مشكورا تأكيد بموافقة القسم على استيعابي في برنامج الدراسات العليا دكتوراه. غير أن نظام الجامعات بوصفها مؤسسات مستقلة لا يحتسب للطالب المدة التي أمضاها في جامعة أخرى. قيل لنا في ادارة جامعة دمشق عليكم التسجيل في البرنامج من أول وجديد. هذا الرد الاداري الصارم جعلنا في حيرة من أمرنا لا سيما نحن الذين قد امضينا ثلاثة سنوات في برنامج الدراسات العليا بالجامعات العراقية وبعض الزملاء كانوا على وشك المناقشة فضلا عن ما علمناه من زملائنا اليمنيين المبتعثين في الجامعة السورية من صعوبة وتعقيد روتينها الأداري والأكاديمي. جلسنا نضرب الأخماس بالاسداس لمدة شهر في فيحاء الشام دمشق.واثناءها كنا نتواصل مع زملائنا في بغداد ونسألهم عن كيفية الأحوال بعد أشهر من الاجتياح.

اتصلت بالأستاذ المشرف مدني صالح وتلك كانت المرة الوحيدة التي كلمني بها عبر الهاتف الأرضي بعد السلام والتحية اليمنية قال قال لي: شلونك قاسم؟ هل أنجزت الأطروحة؟ قلت له: كيف الوضع في القسم والكلية والجامعة؟ قال لي: عال العال.. تعال ناقش اطروحتك. كانت هذه المكالمة أشبه بنجدة من السماء وهي التي جعلتني اتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب، إذ قررت العودة إلى بغداد وأخبرت زملائي بقراري مستلهما ما قراته بالقرآن الكريم (لكل آجل كتاب، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ناقشت الأمر مع الزملاء واتفقنا بننا لسنا أفضل من ٢٥ مليون عراقي ومادام الجامعات شغالة هناك فجني تعرفه أفضل من أنسي ما تعرفه! حزمنا أمتعتنا وانشدنا لابد من بغداد وأن طال السفر. في مدة اقامتي بدمشق اغتنمت الفرصة وجمعت من تيسر من المصادر والمراجع المتصلة بموضوع اطروحتي وصادف حينما افتتاح معرض دمشق الدولي للكتاب. اشتريت حوالي ٧٥ كتابا في مختلف انساق المعرفة الأدبية والإنسانية والفلسفية تركت مالا احتاجه منها مع الزميل عبدالله الفيش وآخذت ما خف وزنه وغلاء ثمه المتصل بموضع بحثي. قطعت تذكرة على باص شركة براق الصحراء صعدت في مقعد قريب من السائق. كانت النقاشات بين الركاب محتدمة طوال مدة الرحلة عن معاوية والحسن والحسين والمهدي المنتظر وأهل العترة وآل البيات وسقوط نظام صدام واشياء واشياء كثيرة أخرى. كانت الصامت الوحيد في تلك الجلبة وحاولت أخفي هويتي. ولكن القاعد بجانبي سألني في منتصف تلك الليلة الظليمة من أين أنت يا معود؟ قلت له: من اليمن رد يا هلا بأهل اليمن؛ أنهم أرق قلوب وآلين أفئدة! وأضاف المهدي المنتظر سوف يطلع من اليمن! هو الحوثي عجّل الله فرجه! أحسست بحالة من الحصار والاختناق وتلعثمت ولا ادري ما اقول لمحدثي. قال لي: اش بيك معود ما تحكي.. أنت من اتباع علي أو معاوية؟ قلت له: علي ومعاوية من قريش وأنا من اليمن لا دخل لي بصراعاتهم .. وسألته؛ متى نصل بغداد؟ محاولا أن اتجاوز هذه الموقف الملغوم رد عليّ؛ بعدها طويلة.. ربما قطعنا نصف الطريق. بتلك الحيلة الاستفهامية البريئة حولت مجرى الحدث من القرن الأول الهجري إلى اللحظة الحاضرة. استجابت محدثي فتحت لي الباب للحدث عن العراق وعن تاريخ العراق العظيم منذ جلجامش وعشتار وأنت طالع.. حاولت أن اوصل له رسالة بأنني لست مهتم بالدين والسياسة.. فهمها وصمت.

بعد ٢٤ ساعة من السفر ببراق الصحراء وصلنا بغداد المدمرة. كان شارع السعدون مظلما والمدينة موحشة.

سكنت في فندق متواضع في السعدون وفي صباح اليوم التالي ذهبت أبحث عن الزملاء في عمارة الكهف على شارع أبو نواس. كان الزميل الدكتور حسن الرهوي والزميل الدكتور عباد السلامي قد سبقاني اليها. عمارة كبيرة تتعب وقف الكنسية المعمدانية. شروط السكن فيها ميسرة ولا خوف من الصراعات الطائفية. كان يحرس رجل مصري محترم أسمه رمضان على درجة عالية من الثقافة والرقي. كانت الزميلة فاكهة جعفر تسكن بها قبل الاجتياح وفضلت البقاء في دمشق وكانت شقتها معروضة للإيجار والمفتاح مع الدكتور حسن. تفاوضنا واشتريت منها الاثاث سكنت مع الزملاء كنا كلنا من اليمن قرابة عشرة طلاب في مختلف التخصصات.

هناك في الكهف كتبت اطروحتي على ضوء الفانوس واصوات الصواريخ التي كانت تستهدف المنطقة الخضراء على الضفة الاخرى من نهر دجلة.

بعد ستة أشهر في عمارة الكهف سافر معظم الزملاء فانتقلت مع الدكتور فضل الربيعي والدكتور عبدالله المعلم إلى شارع حيفأ إذ بات السكن في عمارة الكهف خطرا. وفي العمارات الهولندية ذات الطوابق ١٥ أمضينا الأشهر الأخيرة من رحلتنا البحثية في ظروف أمنية بالغة التهديد والخطر. إذ كنا نجد صعوبة في الوصول إلى الكلية لمقابلة المشرف في باب المعظم. انتقلت قبل يوم من المناقشة إلى الوزيرية شقة الزميل الدكتور عادل عوض الطاهر كما جاء في منشوري البارحة الذي كتبت بها تفاصيل ليلة ما قبل يوم المناقشة المصادف الثلاثاء ٢١ سبتمبر٢٠٠٤م ومن شروط الاطاريح والرسائل العلمية في بغداد أن تكتب آية قرآنية في مستهل الأطروحة وتلك كانت الآية: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) مسهم قلبكم وبعدكم واليكم. واصبحنا واصبح الملك لله.

 

ا. د. قاسم المحبشي

 

 

سوف عبيدهذه بغداد...

 من تحت جناحي الطائرة تبدو في الليل كوشي بساط متلألئ ...هذه هي بغداد الرشيد...بغداد دجلة وعيون المها بين الرصافة والجسر ...بغداد أبي نواس والتوحيدي...بغداد الكرخ ومقامات الهمذاني...كنت سارحا في صفحات الأدب حتى شعرت بأن الطائرة العراقية تحط بتماس لطيف على الأرض فطفق الركاب يصفّقون بحرارة تحية شكر وإعجاب بالقائد وأغلب الركاب شعراء وأدباء تونس والجزائر والمغرب وموريطانيا حتى قال أحدهم مازحا إنه لو سقطت الطائرة وهلك من فيها من الشعراء المغاربة لكتب بقية الشعراء العرب  ديوانا كاملا في رثائهم...!

هذه بغداد...

 حلم وتحقق أن أزور بلاد دجلة والفرات التي قرأت عنها منذ مطالعاتي الأولى وحدثنا عنها أستاذ التاريخ في معهد الصادقية سيدي  الهداوي الذي تخرج من كليتها فكان كثيرا ما يعرج بنا في الدرس للحديث عن ذكرياته في  بغداد فيصف لنا وصفا دقيقا شارع الرشيد وشارع المتنبي وحي الأعظمية حتى جعلنا نشتهي مختلف الحلويات البغدادية من كثرة ما حدثنا عن تفاصيل ذكرياته في العراق وهنا لابد من ذكر العلاقة الأدبية الوطيدة بين الأدباء التونسيين المعاصرين والعراق حيث أتمم كثير منهم دراسته الجامعية ونذكر على سبيل المثال أبا القاسم كرو والميداني بن صالح وعلي دَب الذي كان يجلس معنا أحيانا  بمقهى الكوليزي حيث أقبل علينا الأديب يوسف عبد العاطي ذات يوم من ربيع سنة 1984 وأعلمني أنه علم بدعوة عراقية لوفد من الشعراء والأدباء التونسيين وأن اِسمي من ببنهم فاِبتهجت اِبتهاجا كبيرا وكان اِستقبالنا بحفاوة كبيرة ناهيك أن سيارات فخمة خُصّصت لنا ضمن موكب تَحُفُّ به الدراجات النارية أوصلتنا إلى فندق الرشيد وهو أرقى فنادق العراق وكان رفيقي في الغرفة الصديق الشاعر محمد بن صالح الذي أتّفق معه في كثير من الأشياء ومنها تلك التفاصيل البسيطة...عدم التدخبن مثلا....

عندما أصبح الصباح نزلت إلى بهو الفندق ذي الصالات الواسعة والرّدهات الممتدّة بعضها يُفضي إلى بعض وإذا بجموع الشعراء والأدباء والصحافيين وقد جاءت من بلدان القارات الخمس تتبادل التحايا وكلمات التعارف وتلتقط الصّور مع بعضها وتتهادى الكتب بعدما يخطّ الشاعر والأديب على صفحاتها الأولى عبارات المودّة وقد عدت بعشرات الدواوين والكتب من مختلف البلدان التي بدوري أهديت شعراءها ما حملت في حقيبتي من نسخ من ديواني الأول ـ الأرض عطشى ـ والثاني ـ نوارة الملح ـ وقد رجعت ـ والحق يُقال ـ بأكثر ممّا حملت معي

هذه بغداد ...

عشرة أيّام بلياليها اِنقضت في لمح البصر بين جلسات للقراءات الشعرية وزيارات سياحية للمعالم والآثار ولبعض المدن من بينها بابل والنجف والموصل وسامراء وغيرها وكلّما وجدت سُويعات خارج البرمجة حَثثت الخطى أجوب شوارع بغداد وأحيائها وأتمشّى على جسورها وعند ضفاف دجلة عندما صادفت تمثال شهريار وشهرزاد فمكثت أكثر من ساعة أتأمّل من مختلف الجهات ذلك الإبداع الجميل الذي جعل من الصّنم الجامد كيانا مُعبّرا حتّى لكأنّي كنت حينذاك أسمع حكاية من حكايات شهرزاد بينما شهريار يتّكئ كالمسحور من كلامها وكم هي كثيرة المنحوتات  والتماثيل الجميلة في العراق الذي يٌعتبر من أوّل البلدان العربية  في الفنون التشكيلية الحديثة .

هذه هي البصرة...

حيث يلتقي في شطها دجلة والفرات وتتآلف الحضارات أيضا....هذه مدينة الجاحظ والخليل بن أحمد والسيّاب... كانت شمس الصباح قد لاحت من فوق نخيل مدينة البصرة بعد رحلة قطار الليل ولم أدر كيف وجدت نفسي وجهًا لوجه مع تمثال بدر شاكر السيّاب الذي نال منه الرّصاص والشّظايا في إحدى المواجهات الحربية بين العراق وإيران وهي الحرب التي ليتها لم تكن فقد كانت مآسي ودمارًا وكانت القوى الاِمبريالية هي المستفيدة الوحيدة منها وقد لاحظت أنّ عديد الشرفات والنوافذ تُسدل لافتاتٍ سوداء بأسماء شهداء عائلاتها...نعم كانت تلك الحرب تضحية بالأرواح وهدرًا للطاقات وذلك بسبب غياب العقل الرّشيد بين الجارين

 

التّمثالُ والخليجُ*

مِثلما يُيَمِّمُ بَاسِقُ النّخلِ

للشطّ سَعفَهُ

إنّك تُولّي للخليج ظهركَ

أيّها الشّاعرُ

شَبَهٌ بينكَ وبين النّخل اِنتصابًا

عندمَا أغمضتْ البَصْرةُ

جريدَها

هَوى في العينِ عُرجُونٌ

وفي الأزرق وراءَكَ

غَرِقَ سِربُ السّمكِ

 

في الجُذوع نرَى

الرّصاصَ في صَدركَ مضَى

كالنَّشيج

مِن شَناشِيل

اِبنةِ الجَلَبِي

 

ألا أيّها الواقفُ

اُخرُجْ من التّمثال

و اِخلعْ عنك لباسَ الحديدِ

لتجلسَ قارئًا على الزُوّار

كتابَكَ الذي في الجيبِ

 

وإذا الأوراقُ تطايرتْ

بأيِّ ذنبٍ

تلك المدرسةُ

هُدّمتْ؟ !

 

هل يا تُرى في المحفظةِ

قطعةُ حلوى ومقلمهْ

أم في المحفظة شَظيّةٌ

من قُنبلهْ؟!

 

وُقوفًا

واجمينَ نظلُّ

كاِنحباسِ الكلمةِ

الكلِمةُ شَفَةٌ

شِفاهُنا هواءٌ في خَواءٍ

وشَفتُكَ حديدْ

 

ألا أيّها الواقفُ

بين الموج والجريدْ

يُبَرقِشُكَ الرّملُ والملحُ

ينُوشُكَ الصّديدُ

لا تَغمِسْ ريشتكَ

في خليج المِحبرةِ

جُثَثٌ موجُهُ

وتحتَ الزّوارق

دمٌ

 

واقفٌ

يداهُ برغم الصّديدِ…يدانِ

تَجنيان بَلحًا

يداهُ في الحديدِ…يدانِ

تُسابحان طيرًا

تقُولان

سلامًا

سلامًا

متَى تعودُ للشّرق

شمسُهُ

الآفلهْ

*** 

 سُوف عبيد

.........................

*هو تمثال بدر شاكر السيّاب في البصرة

 

محمود محمد عليلا يمكن كتابة سيرة النهضة الثقافية والأكاديمية بجامعة الفيوم بجمهورية مصر العربية، دون الوقوف أمام اسم الأستاذ الدكتور إبراهيم محمد إبراهيم صقر (أستاذ بقسم الفلسفة الإسلامية المتفرغ بكلية الآداب جامعة الفيوم)  الفيلسوف الأكاديمي، الذي تعود ألا يضع أحدًا فوق النقد، لم يستثن ذاته من النقد، لعدم قدرته على إحداث التغيير، وعدم التفات السلطة إلى أمثاله من المفكرين، ولا تزال أطروحاته الفكرية تشغل بال العديد من المهمومين بحال العقل العربي، حتى اليوم.

لم يكن إبراهيم صقر ( مع حفظ الألقاب ) يُلقن طلبته النصوص الفلسفية، وإنما كان على التفكير الحر يحرضهم ويدربهم، فيبدأ محاضراته مخاطباً طلبته بالقول:" لا تعتقدوا أني أُعلمكم الفلسفة بمعنى المذاهب والمدارس والأفكار التي يزخر بها تاريخها، إنما أُعلمكم التفلسف، فكروا بأنفسكم، قفوا على أقدامكم».

ويعد إبراهيم صقر أحد الرواد القلائل في ميدان دراسات الفلسفة الإسلامية بمصر، وتعد أعماله مراجع رئيسية للباحثين في المشكلات الفلسفية، والاستشراق،وامتلك مهران قدرة هائلة في تحليل الفلسفة الخلقية عند فلاسفـة الإسلام، كما تمكن إبراهيم صقر من الفلسفة، من تاريخها ومادتها ومناهجها ومدارسها، وهو تمكنٌ لم يبلغه إلا القلة من الأكاديميين في عالمنا العربي، وعلى يديه تخرج العديد من أساتذة الفلسفة في مصر، ونجح فيما لم ينجح فيه إلا القلة أيضاً، وهو تلك البساطة الساحرة في لغته، البساطة العميقة، مهما بدا هذا التعبير منطوياً على مفارقةٍ ما.

كما يعد إبراهيم صقر واحدا من الرعيل الثالث لرواد الفكر الفلسفي الغربي في مصر في العصر الحاضر حيث تسلم الراية بمصر بما كتبه وبما حققه في ميادين الفلسفة الإسلامية، وكذلك بتخريجه لجيل كامل من الأجيال التي تولت الدراسات في التراث الفلسفي الغربي سواء بإشرافه علي أبحاثهم أو بالاشتراك في مناقشات أبحاثهم أو بمساعدتهم بالمشورة والنصح.

عاش إبراهيم صقر مؤمناً بقيمة العقل الإنساني، وقدرته علي مواجهة مشكلات الواقع رغم صعوبتها وشراستها . والعقل منحة من الله تعالي لكل البشر تماما مثل الوحي الذي يتنزل علي بعض المصطفين منهم، لذلك فإن التعارض الذي يفتعله البعض بين العقل والوحي، أو الفلسفة الحقة والشريعة : تعارض مصطنع، وغير حقيقي، ويكاد يكون لفظياً في معظم الأحيان . وما دام المصدر واحدا وهو الله، فمن المستبعد تماما أن يتعارض العقل مع الشرع .

قال عنه أستاذنا الدكتور عاطف العراقي :" بأنه من أبرز تلاميذه الذين درسوا المشكلات الفلسفية بأسلوب موضوعي هادئ، فلم يلجأ إلي اللغة الخطابية الإنشائية، كما لم يلجأ إلي المبالغة والتهويل، علي النحو الذي نجده عند أناس لا صلة بينهم وبين الروح الفلسفية، من قريب أو بعيد . لقد كان إبراهيم صقر ملتزماً بالتواضع ولم يكن كهؤلاء المصابين بنوع من تضخم الأنا" .

ولد إبراهيم صقر في الرابع والعشرين من شهر ديسمبر لعام 1954م، في محافظة القاهرة، حيث حصل علي ليسانس أداب من قسم الفلسفة بكلية الآداب – جامعة القاهرة – بتقدير جيد جدا دور مايو 1977م، ثم ماجستير الآداب فى الفلسفة الإسلامية من كلية الآداب – جامعة القاهرة بتقدير ممتاز عام 1986 وموضوع الرسالة:" المصادر اليونانية فى فلسفة ابن سيناء الإلهية"، ثم دكتوراه الفلسفة فى الآداب بمرتبة الشرف الأولى من كلية أداب سوهاج – جامعة أسيوط عام 1991م وموضوع الرسالة: "مشكلة السببية وعلاقتها بوجود العالم عند فلاسفة الإسلام".

عُين إبراهيم صقر مدرساً مساعداً بقسم الفلسفة بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة – فرع الفيوم فى الفترة من 14/6/1990 وحتى 26/3/1991، ثم عمل مدرساً بذات القسم بالكلية اعتبارا من 27/3/1991 وحتى 24/10/2001، ثم عمل أستاذ مساعد بذات القسم بالكلية اعتبارا 25/10/1995 وحتى 27/2/2001، كما عمل أستاذا بذات القسم بالكلية اعتبارا من 28/2/2001 وحتى تاريخه، ثم عين قائم بعمل وكيل الكلية لشئون التعليم والطلاب وحتى 7/10/2003، كما عين وكيل للكلية لشئون التعليم والطلاب وحتى 7/10/2003.، ثم عين عميداً لكلية دار العلوم – جامعة القاهرة – فرع الفيوم وحتى 7/10/2006م، وفي 9 بتاريخ 2005م أصدر السيد الأستاذ الدكتور جلال مصطفى السعيد رئيس جامعة الفيوم قراراً لسيادته بالعمل عميداً لكلية دار العلوم – جامعة الفيوم – لحين استكمال مدة العمادة فى 7/10/2006م.

استطاع الفيلسوف المصري، على مدار حياته، أن يقدم للمكتبة العربية تراثًا ثريًا، سواء من جهة مؤلفاته كتاب الفلسفة الخلقية عند فلاسفة الإسلام – القاهرة 1994م، و كتاب دراسات منطقية عند فلاسفة الإسلام – القاهرة 1994م.، كتاب دراسات فى علم الكلام – القاهرة 1995م، مشكلات فلسفية تصدير د/ عاطف العراقى – القاهرة 1997م.، النفس الإنسانية بين الفناء والبقاء عند مفكرى الإسلام – القاهرة 1998م، قضية التأويل عند ابن رشد – القاهرة 1999م، الإستشراق والفلسفة الإسلامية بين التجديد والتبديد – القاهرة 2000م، ل إلى الفلسفة الإسلامية – القاهرة2000م، محاضرات فى الفلسفة العامة دار العلم بالفيوم 2003م، حى بن يقظان بين الثوابت الدينية والنظريات الفلسفية مكتبة دار العلم بالفيوم 2004م، محاضرات فى التصوف الإسلامى دار العلم بالفيوم 2005م,

علاوة علي العديد من الدراسات والبحوث التي ألقاها في مؤتمرات عديدة منها : بحث عن الإنسان عند الدكتور ذكى نجيب محمود تقدم به فى المؤتمر العلمي الأول المنعقدة بالكلية 1995م، بحث عن مشكلة الحرية عند الشيخ محمد عبده تقدم به فى المؤتمر العلمي الثانى بالكلية عام 1997م، بحث عن الفلسفة السياسية عند ابن رشد تقدم به إلى المؤتمر العلمي عن ابن رشد تحت إشراف المجلس الأعلى للثقافة – بمصر 2002م.، شارك فى المؤتمر العالمي للفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة تحت عنوان ابن رشد (نهاية قرن وبداية قرن) فى الفترة من 11-14 مايو 2002م، شارك فى المؤتمر العالمى لابن رشد المنعقد بكلية الأداب – جامعة عين شمس عام 1999-2000م، شارك فى المؤتمر الرابع المنعقد بالكلية تحت عنوان "المعارضات وجدلية المعرفة" – نوفمبر 2000م، مقرر عام للمؤتمر العلمى الخامس للكلية تحت عنوان "الثوابت الثقافية والمتغيرات الحضارية" فى نوفمبر 2002م، رئيسا للمؤتمر العلمى السادس للكلية تحت عنوان "الفكر الإسلامى فى القرنين الثامن والتاسع الهجريين – بين التجديد والتقليد – نظرة توظيفية للتراث الإسلامى فى العصر الحاضر" فى الفترة من 13-14 مارس 2004م، رئيسا للمؤتمر العلمى الثامن للكلية تحت عنوان "العلوم العربية واستشراف المستقبل نحو رؤية علمية منهجية حديثة" فى الفترة من 13-14 مارس 2006م.

أما عن مقالاته فنذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : نيروزية ابن سينا - مجلة الدراسات العربية والإسلامية العدد الخامس العشر عام 1995م، فكرة الألوهية عند الإمام محمد عبده ضمن الكتاب التذكاري للإمام محمد عبده إصدار المجلس الأعلى للثقافة، الأخلاق عند ابن سينا ضمن الكتاب التذكارى للدكتور توفيق الطويل إصدار المجلس الأعلى للثقافة، الإلهيات عند الإمام محمد عبده حولية دار العلوم العدد الثامن عشر 1994م، دراسة عن "خير الدين النساج" موسوعة إعلام الفكر الإنسانى إصدار المجلس الأعلى للثقافة، دراسة عن بعض الشخصيات ضمن موسوعة إعلام الفكر الفلسفى العربى إصدار الشركة المصرية العالمية للنشر "لونج مان"، الاستشراق عند د/ عاطف العراقى ضمن الكتاب التذكارى للدكتور عاطف العراقى القاهرة 2002م، موقف ابن رشد من ابن حزم فى تهافت التهافت 2001م، الدين والوحى والإسلام عند الشيخ مصطفى عبدالرزاق بحث نشر فى الكتاب التذكارى للشيخ مصطفى عبدالرزاق (المجلس الأعلى للثقافة).

إن قيمة الدكتور إبراهيم صقر لا تكمن في عدد الدراسات التي كتبها ولا المقالات والبحوث التي سطرها قلمه الرائع قلمه الرائع، وإنما تكمن قيمته الحقيقية  بوصفه مفكرا رفيع المستوي وصاحب رؤية صوفية تنويرية؛ ليس هذا فحسب بل إنه يدافع عنها بكل ما أوتي من قوة في كل دراساته الجادة الرصينة، وفي كل مشكلة تناولها، وكل شخصية عرض لها، وكل قضية فكرية أو مجتمعية تصدي لها ودافع عنها في كل فترة من فترات حياته .

امتاز أسلوبه بالدقة العلمية المتناهية والرصانة التي لا يمتلك معها قارئ مؤلفاته إلا اليقظة والانتباه لما عرض أمامه من أفكار وآراء ومذاهب درسها مفكرنا بعناية فائقة ويعرض لها في أقصر وأدق عبارة ممكنة، كما التزم إبراهيم  صقر في منهج أفكاره بمنهج عقلي صارم، وإن كان ملفوفا بغلالة روحية رقيقة، فهو يري أن المثل الأعلى للتفلسف وللآراء الفلسفية الناصعة هو أرسطو فيلسوف اليونان الأشهر، ممزوجا برؤية دينية ترفض كل ما يتعارض مع الدين خاصة في موضوع إنكار العلم الإلهي والمعجزات . إنه يحدد بنفسه مذهبه الفلسفي بأنه المذهب الذي يؤمن بالعقل ولكنه المذهب العقلي المعتدل، ويؤمن أيضا بالوجود ويقدر تعقله عليه، سبق أفلاطون إلي بعض لمحات منه، ولكن أرسطو هو زعيمه الأول الذي استخلص معانيه الأساسية ومبادئه المنطقية والميتافيزيقية وصاغ تعريفاتها واستخرج نتائجها، وأن الفلاسفة الإسلاميين؛ وبخاصة ابن سينا وابن رشد قد أسهموا فيه باللسان العربي المبين . فنحن نعود إلي هؤلاء جميعا ونؤيد شروحهم ونبين تهافت الذين حادوا عنها من الفلاسفة المحدثين.

إنه يؤمن إذن بذلك العقل الذي وضع أسسه كلا من أفلاطون وأرسطو وابن سينا وابن رشد، والذي حاد عنه بعض الفلاسفة المحدثين، ويحاول الرد علي دعواهم بأن العلم قد نسخ كل تلك الآراء ليؤكد بأن الحق مكنون في القديم الذي نبعثه.

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الأستاذ الدكتور إبراهيم صقر بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر فلسفي وعالم لغوي، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطولها وعرضها لخدمة الفلسفة واللغة والثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمه من جهود .

تحيةً لأخي وصديقي الدكتور إبراهيم صقر الذي لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنسانى رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً متألقاً راضياً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

كاظم الموسويأيام وأشهر متواصلة عشناها في البلوك الرابع والأكاديمية عموماً. طلبة الدراسات العليا مكثوا أكثر من ثلاث سنوات، متواصلة... ومرّ عليهم طلاب دورات تثقيفية قصيرة، أو صيفية، سكنوا في البلوكات الأخرى، وكان المطعم - البار مكاناً مناسباً للقاءات والأحاديث وأحياناً السهر مع الطلاب الجدد، أو المتواصلين، وأحيانا تبرمج برامج فنية وغنانية وتبرز مواهب ومفاجئات.

في طول الفترة، في أكثر الأحيان، رغم تجدد الرفاق بحكم فترات دراستهم، تتكوّن صداقات جميلة فيها، وتعرف النفوس خلالها، وتزداد معرفة الناس. كنت قد كتبت لافتة بخط جميل فوق طاولتي في مكتبي الدراسي في شقة السكن، عبارة لن تنسى للشاعر التقدّمي التركي ناظم حكمت تقول: "ثروتي في هذه الدنيا صداقاتي". وهذه حكمتي في تلك الأيام. وبين الصداقات الجديدة تولدت علاقات إنسانية طبيعية. فهناك عدد من الزميلات البلغاريات، ومن جنسيات أخرى يدرسن معنا، ويعيشن مثلنا في ظروف الدراسة والسكن والحياة اليومية الجارية في البلوك والمجمع الأكاديمي. وقد حصلت علاقات بينهن وبين أغلب عزابنا وحتّى بعض المتزوجين، الفرادى القادمين بدون زوجاتهم إلى الدراسة، وهناك زملاء متزوجون ومعهم زوجاتهم، فأذكر مثلا الرفيق أحمد من فلسطين وزوجته وابنته، والرفيق محمّد من اليمن الديمقراطي حينها وزوجته البلغارية وابنته أيضاً، كما هناك آخرون لم نحتك بهم مباشرة، ولكن يبقى السلام بيننا ويؤدي بالإشارة من بعيد.

في هذه العلاقات الإنسانية حصلت قصص كثيرة، منها طبيعي وعادي ومنها أبعد قليلا. فكرت مرة أن اغوص فيها وأعيد تدوينها وأسردها رواية بعنوان: البلوك الرابع. فمازالت شخصياتها تدق في ذاكرتي رغم مرور سنين طويلة، وعبور مياه كثيرة تحت جسور الحياة والتنقلات والتغيرات والتبدلات، وقد يغور بعض منها أو يتسرب من الذاكرة مع مرور الزمن. ولكنها ظلت كذلك، في فصولها ودراميتها وذروتها وموجاتها، ربما يأتي زمنها أو تظل كأمثالها من المشاريع التي خططتها ولم أنجزها بعد.

من أجمل اللقاءات ما كان يحصل دون تخطيط مسبق، أو بشكل عفوي، حيث كان الإخوة من اليمن من المبادرين دوما في هذه اللقاءات. فجأة تجدهم مجتمعين في زاوية ما من الحدائق الخضراء، يتوسطهم عازف العود، والغناء الطرب من مختلف المغنين المعروفين، ومنها طبعا الأغاني اليمنية. ومع الطرب والتجمع تبدأ أفكار أخرى، شواء لحم ومشروبات مختلفة، تتقدمها حبات بيرة، كما يطلق عليها الإخوة اليمنيون.

برنامجي اليومي يبدأ صباحا بهرولة قصيرة أو تمارين رياضية خفيفة ومن ثمّ أخذ حماما سريعا وبعده أعدّ الفطور من الأطعمة الموجودة في الثلاجة، الأجبان والحليب والمربيات والخبز الأسمر والزيتون وربما بعض خضروات. وبعد أنْ أهيئ القهوة أبدا أو استعدّ للقراءة والبحث، في الكتب والمراجع والصحف وما تيسر منها وتذكر ما يتطلب السؤال عنه عند الرفاق أو الأصدقاء والتحضير للقاء بالأستاذ المشرف والنقاش معه أو مع الرفاق الآخرين حول تطوّر البحث ومستجداته أو التوسع في المصادر له ودعمه بما هو جديد عليه، غير منشور سابقاً، أو في ثنايا الوثائق والمراجع والصحف اليومية والحزبية منها طبعاً. حتّى الظهر أو ما بعده افكر بالغداء ومكانه، في السكن أو في مطعم الأكاديمية أو خارجها، والعودة من جديد إلى مكتبي، حيث أبدأ بسماع الأخبار من الراديو أو التلفزيون، وقراءة سريعة لما وصلني من صحف أو رسائل إخبارية، والاستمرار بعدها بما مخطط له سلفا، حتّى الشعور بالتعب فاتّجه إلى الاستراحة وتوفير راحة حسب ظروفها ومكانها وتنوعها في العلاقات والصداقات.

كلّ نهاية أسبوع، في يومي السبت والأحد، العطلة أو الإجازة الرسمية، هناك برامج منوعة، مشتركة ومنفردة، سهرات وحفلات، مطاعم وكازينوات، خارج المجمع الأكاديمي، في وسط العاصمة أو في منتجعاتها السياحية، والجبال التي تحيط بها والغابات التي تكسوها، وما لذ وطاب حسب الامزجة والمناسبات والعلاقات والصلات. كان الرفيق الراحل أبو دنيا، (ماجد عبد الرضا) يدرس معنا ويسكن خارج السكن الجامعي، يتصل بي ويوعدني في مكان من تلك الأمكنة التي أصبحنا زبائنها من كثرة ترددنا إليها، حتّى أصبح العاملون فيها يعرفون طلباتنا من الأكل والشرب، وحتّى المكان كانوا يحجزونه لنا باستمرار. كنت مسرورا في تلك الجلسات والتمتع بها، استمرارا للعلاقات التي بدأت في عملنا في قسم الشؤون العربية والدولية في جريدة "طريق الشعب" العلنية، والسفرات التي كان ينظمها القسم ويشترك في كلّ رحلة أغلب العاملين في القسم وجيرانه أو المحبين مثلنا لتغيير الأجواء وزيارة أماكن مختلفة قريبة من بغداد، يمكن أن تتم الرحلة إليها خلال يوم واحد. وكانت هذه الفعاليات والنشاطات شهرية أو كلّ أسبوعين أحيانا.

كنت أحب جبل "فيتوشا" القريب من مجمعنا، أكثر من غيره، وأحيانا كنت مع الرفيق الراحل أبو علي (حسين سلطان) ننظم استراحتنا وتحرّكنا إليه صباحا مبكرا والعودة منه قبل غروب الشمس وزوال الضوء. نتمشى بهدوء ونتوقف في محطات فيه، حتّى قمته ونعود منها كذلك. من الطريف أنَّ الرفيق أبو علي يجهز يوم الجمعة وجبات طعامنا، وأكثر المرات كانت الدولمة والبرياني، والشاي وملحقاته، نحملها في حقائب على أكتافنا، وقد تتعبنا بعض الشيء، ويقول لي عاتبا عند العودة: اكلنا كثيرا اليوم، كيف تمّ هذا، ولماذا لم تحذرني؟، السنا نريد الرشاقة؟ تخفيف وزننا وكروشنا التي تتهدل أمامنا؟ وننغمر بضحك وطرائف من تجارب حياتية سابقة، خاصة في فترات الاستراحة في شواطئ فارنا، أو سوتشي أو مصحات كارلوفيفاري أو غيرها... ونعمل شايا أخضر لنهضم ما أنقضّينا عليه في محطات الجبل، ونعود إلى برامج العمل اليومية والاستعداد لمتطلباتها الجديدة.

أغلب مساءات يوم الأحد نقضيه في مسيرات مشي من وسط العاصمة عبر شارع المشي المشجر والمزدان بنافورات المياه التي تضيف رونقا وإمتاعا له، وصولا إلى برج البانوراما، والمقهى الذي في قمته، والتي نستراح فيها أو نكمل يومنا في مطعم قريب قبل أن نرجع في الحافلة الأخيرة.

مرة جاءني رفيق برسالة مفتوحة معنونة لي وعلى عنواني البريدي من الرفيق أبو خوله، (باقر إبراهيم) من طهران، واستغربت من الرفيق الذي أوصلها لي ولماذا مفتوحة، فبرر بأنَّه فتحها بالخطأ، ووجدها في صندوق بريده، ولما أريته عنواني عليها صحيحاً وكاملا، هزّ بكتفيه وترك الرسالة بيدي ودمي يفور في جسدي، ولأني أعلم أن بعض الحزبيين يمارسون مثل هذا الدور الحقير، ويتشرفون به ويشرّفون على ضوئه في أغلب الأحيان. قرأت الرسالة المختصرة بعد التحيّة والسلام من طهران... "وصلنا بسلامة ولا نعرف بعد توجهنا سأعلمك لاحقاً، سلامي للجميع". وغرقت بالضحك على الذي فتحها وتخيل الكثير قبل أن يقرأها، وكيف سيحصل على ترقية حزبية من ورائها ولما خاب أمله أودعها عند الذي حملها لي وترك له التصرف. وبغباء أوصلها كما هي، كان بإمكانه لصقها مثلا، وإيجاد سبب لوصولها إليه، إلا إذا كان هو وجماعته يريدون إيصال رسالة أخرى غير الورقية التي حملها، رسالة تقول لي أنت تحت مراقبتنا وأن شكوكا عندنا حول علاقاتك مع بعض الرفاق (أبو خوله وجماعته)! الذين هم أيضاً في دائرة المغضوب عليهم وعليك. ليست هذه الأعمال الخسيسة جديدة، ولا غريبة أيضاً، ولهذا لم تعدّ الثقة كما كانت، ولا احترام الادعياء بالتحزب وادّعاء الحرص على الحزب من قبلهم، كملكية خاصة بهم، قائمة منذ تلك الأيام إذا لم يكن قبلها. والبقاء كان بالتأسي بالأغلبية التي جاءت إلى الحزب، بقناعة وإدراك مصيرها ومستقبلها، وقضت عمرها من أجل أهداف الحزب وبرامجه وأنظمته، دون أن تفكّر يوما، كما يفعل هؤلاء، لمصلحة ذاتية أو انتفاع شخصي أو عمل يضر بمسيرة الحزب ويهمل دماء شهدائه وإخلاص مناضليه الحقيقيين.

حصلت على رقم صندوق البريد في المجمع الذي وصلت الرسالة المذكورة عليه من رفيقة عراقية أنهت دراستها وغادرت البلاد كلها، وكان الحصول عليه ليس سهلا لمحدودية عدد الصناديق، وكثرة الطلاب، ولهذا يتوارث الرفاق تأجير رقم الصندوق لضمان وصول الرسائل ورغم ذلك حصل ما حصل، في ذلك الزمان وذلك المكان. وربما لا تأمن على سلامتك أيضاً، فالذين تربوا على مثل هذا السلوك لا يعدم عندهم ارتكاب ما لا يخطر بالبال منهم ومن أمثالهم. ويبقون يطلق على مفردهم: مناضل حزبي، شيوعي أو يساري أو ما شابه. وحين تنتقده وتدينه يقولون لك إنَّك تستهدف الحزب، وحين تردهم بما قام به اعضاؤهم الحزبيون يقولون لك هذا تصرف فردي من رفيق، يمكن حلّه.

كتب الرفيق أبو علي (حسين سلطان) في رسالة داخلية إلى قيادة الحزب وطلب قراءتها في مؤتمر الحزب الذي لم يدع له وهو عضو لجنة مركزية، أنَّ الثقة بيننا مثل الزجاج، إذا كسرتموه لم يعدّ يسيرا عليكم إعادته كما كان، وهذه قضية بدأتموها أنتم وعليكم إثبات موقفكم منها أوّلا وأساساً.

وقف صاحبي مردداً كلمات مضيئة للإمام علي:

* إن كان لا بدّ من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الأخلاق، ومحامد الأفعال.

* لقد فات ما فات وذهب ما ذهب.

* من لم يثق لم يوثق به.

* أوضع العلم ما وقف على اللسان، وارفعه ما ظهر في الجوارح والأركان.

* ليس كلّ مكتوم يسوغ إظهاره لك، ولا كلّ معلوم يجوز أن تعلمه غيرك.

 

كاظم الموسوي

 

 

تذكر لنا كتب التراث وكتب التاريخ الحديثة وحتى الكتب المدرسية بان البصرة مدينة عراقية قديمة مشهورة شيدها عتبة بن غزوان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب سنة 14 وقيل 15هـ عند ملتقى نهري دجلة والفرات. ويعرف ملتقاهما بشط العرب. وقيل أن سبب تسميتها بالبصرة هو أن عتبة بن غزوان كتب إلى الخليفة عمر يستأذنه في تمصيرها ووصفها لهُ بقولهِ: (إني أرى أرضًا كثيرة القضة في طرف البر إلى الريف ودونها مناقع فيها ماء وفيها قصباء). فقال عمر بن الخطاب: (هذه أرض بصرة قريبة من المشارب والمراعي والمحتطب). ومعنى البصرة في اللغة العربية الأرض الغليظة الصلبة ذات الحجارة الصلبة. وقد اعتبرت تلك الكتب البصرة اول مدينة بناها المسلمون خارج الجزيرة العربية . ولكن هل هذه المعلومة صحيحة ؟ هل حقا بنى عتبة ابن غزوان البصرة ؟ هل اسم البصرة عربي او فارسي ام انه اسم عراقي أصيل؟

نأتي أولا الى الاسم " البصرة " . بالنسبة للمؤرخين العرب فهم يصرون على ان اسم البصرة مأخوذ من اللغة العربية ولا يذهبون في تحريهم للأسماء أبعد من الفتح الإسلامي العربي . ولا يتداول الاسم إلا بالمعنى "الحِجارة الغليظة"، أو "الحِجارة الرخوة المائلة للبياض". وأن العرب أطلقوا عليها هذا الاسم “لأنه كان فيها حجارة رخوة، والبَصْرة الحِجارة الرخوة تضرب إلى البياض، فإذا حذفوا الهاء قالوا: بِصْر بكسر الباء” في حين تؤكد الاثار السومرية والبابلية المكتشفة على ان اسم البصرة اسم آرامي، كما يذكر الكاتب يعقوب سركيس مؤلف كتاب "مباحث عراقية" حيث بين ان اسم  (بَصْرة) آرامية واصلها "بصرياثا " وقد ورد هذا الاسم في الاثار السومرية والآشورية والكلمة الاصلية هي "بيث بصرياثا" وتعني بالآرامية "بيت الأكواخ" , وبعد حذف الألف من كلمة ( باصريي أو باصرا) تصبح الكلمة (بصرة) , وهنالك معنى آخر لكلمة (بصرياثا) أي القناة أو (بيث صريا ) وتعني الشق أو الصدع , ويذكر المستشرق ماسينيون في كتابه (خطط البصرة بغداد) الى أن الكثير من الحواضر العراقية قد احتفظت باسمائها الآرامية مثل: بعقوبا , ديالى , بقسايا , عكبرا , باصيدا , بعشيقا , برطلا كوُثا , باجرحي , باحسرا .  و يجدر التنويه هنا الى أن مؤرخوا العهود الإسلامية حاولوا تقريب الكثير من التسميات الى اللغة الفارسية كونهم على اطلاع عليها بعكس اللغة الارامية لذلك فقد عمدوا الى تسمية كل كلمة لايعرفونها بانها "فارسية " او " اعجمية " لجهلهم بها، وقد اطلقوا على اهل العراق الأصليين اسم " النبط " وعلى اللغة الآراميةاو (لغة النبط) فلم يكن لهم علما بها لما شهدته من إضمحلال، ناهيك عن العامل الإجتماعي والنفسي لمتداوليها، وهم يقبعون درجة أدنى في السلم الإجتماعي.  ومكثت الآرامية شحيحة التداول لدى بعض الجماعات المنعزلة، كما ان كلمة (أعجمي) .

وما أصاب اسم البصرة أصاب كذلك اسم مدينة " الابلة" اول منطقة نزلها المسلمون في العراق والتي ادعى المورخون العرب انه فارسي فحين يؤكد الأستاذ طة باقر والأبله هي المرسى الواقع في البصرة

اصل اسم "الابلة " هو بابلي "ابلو" التي تعني البوابة الكبيرة بفعل كونها بوابة العراق على البحر.

تاريخيا فان اقدم الاثار التي اشارت الى البصرة هو نقش يعود الى عهد الملك الاَشوري "سنحاريب" ذكر فيه موضع " باب سالميتي " على رأس الخليج العربي ، ويبدو ان الموضع كان ميناءاً مهماً ، ويرى أحد الباحثين ان هذا الموضع في موضع قريب من الموضع الذي اتخذت فيه مدينة البصرة. وقد سكن الكلدانيون في البصرة في عهد نبوخذنصر وأَطلقوا عليها اسمَ تَدمُر، أو تردم، أو تردن، وحُوِّرَ هذا الاسم إلى طَريدون في زمن الإغريق بعد غزوِ الإسكندر المَقدونيّ، وحين وقعَتْ جميعُ المُدن العراقيّة تَحت قَبضة الفُرس في عَهد المَلك كُورش سنة 538 ق.م، سُمّيت البصرة «دهشتا باد أردشير»، وممّا يُؤكّد ذلك، المُخلّفات الأثريّة التي عُثِر عليها في البصرة، التي تَعودُ إلى العهد الكلدانيّ والفارسيّ، فقد عُثر في جبل سنام -جنوب غرب البصرة- على يواقيتَ صغيرةٍ، عليها نُقوشٌ كلدانيّةٌ وفارسيّةٌ.

.وقد ذكر التاريخ عدد من المدن والموانىء المهمة ذات الاهمية التجارية كانت ضمن حدود مدينة البصرة ومنها "طريدون وتقع على مقربة من تلاقي نهري دجلة والفرات ومصبهما في الخليج العربي حيث كان يشكلان مجريان منفصلان يصب كل منهما منفصلا عن الاخر في الخليج العربي وبينهما موضع طريدون. وهو الميناء الذي نزلت فيه قوات "الاسكندر المقدوني" بقيادة "نيرخوس " في 326 قبل الميلاد على فم الفرات وهو المركز التجاري التي تنقل بحراً من المر واللبان وغيرها من المنتجات العطرية الخاصة بالجزيرة العربية . ومن الموانيء التي ذكرها التاريخ في منطقة البصرة ميناء "فورات" الذي كان تابعا لمملكة ميسان وتقع على نهر دجلة ويرى عدد من الباحثين ان فورات هي مدينة البصرة الحالية ، وتظهر اهمية فورات التجارية في انها ميناء تنطلق منه خطوط تجارية بحرية ونهرية وبرية وأهمها الطريق البحري الذي يربط مدينة كراكس وميناء فورات والثاني يربط مدينة فورات بمدينة سلوقيا ، عند نهر دجلة عند منطقة عرب جبور الحالية في بغداد ، اما الطريق الثالث يربط مدينة فورات بمدينة بابل عند نهر الفرات . وفي العهد الروماني حافظت البصرة على اهميتها التجارية فكانت اَنذاك في المراكز المهمة لمملكة ميسان وقد تطورت العلاقات الرومانية الميسانية اثر تحول الطرق التجارية من ساحل البحر الاحمر الشرقي في بادية الشام شمال سوريا

تعتبر مدينة أن مدينة "كراكس سباسينو" بحسب التسمية اليونانية أو (خيابر) وتعني الاسوار اشهر مدينة بنيت في منطقة البصرة ، وقد أنشأها الاسكندر المقدوني سنة 324 ق م، وغالبية الآراء كانت تشير الى أن المدينة تقع قرب مدينة المحمرة وفي الناحية المعروفة اليوم باسم " ناحية النشوة"، وقد زارها الامبراطور الروماني تراجان سنة 116 ق.م . وموقعها الحالي ما يسمى محليا بـ"المقلوبة" شرق مدينة البصرة، فقد ابحر " الإسكندر المقدوني "جنوبا في إحدى رحلاته في نهر ديز من مدينة سوسة الحدودية بين إيران والعراق ،مدينة "الشوش " حاليا في عام 324 ق.م ووصل إلى نقطة التقاء نهر ديز بنهر دجلة. في ذلك الوقت،وهكذا تأسست المدينة على نهر دجلة ويعتقد ان هذه المدينة قد أعيد بناؤها مرتين الأولى من قبل أنتيوكوس الرابع ‏وقد عرفت حينها باسم أنطاكية في عام ‏166 ق.م، والثانية عام 141 ق.م  لتصبح بعد ذلك عاصمة مملكة ميسان في جنوب العراق وإحدى أكبر المراكز ‏التجارية، حيث قامت بتبادل البضائع مع الهند وتدمر والبتراء وما بعدها مع روما نفسها.‏ كما تجدر الإشارة إلى ان بعض الباحثين يعتقدون ان الاسم ‎ ‎مشتق من الكلمة الآرامية‎  "كارخا " التي تعني القلعة. تقع بقايا المدينة المفقودة على بعد حوالي 40 كم شمال البصرة. حيث ترتفع الأسوار إلى أربعة أمتار فوق السهل، التي تم الكشف عنها مع استكمال استكشاف الحصون وعلى فترات منتظمة من أعمال التنقيب الجارية، كما اتضح من عمليات التنقيب المسار القديم لنهر ديز ا. ويقدر أن بقايا المدينة تنتشر على مساحة حوالي خمسة كيلومترات مربعة. وقد استمرت كاراكس عاصمة مملكة ميسان لمدة 282 سنة ، وكانت عاصمة متعددة الأعراق والأديان يسودها الاستقرار السياسي والأقتصادي لحين اندحار الفرثيين واقامة الأمبراطورية الساسانية على يد " اردشير " الساساني وأحتلاله مملكة ميسان وعاصمتها كاراكس مابين 221 ـــ 222 م ، وغير أسمها الى " أسترآباد ــ اردشير " ، ولكن بالرغم من هذا استمرت تسميتها بـ " كاراكس " حتى مطلع القرن الخامس الميلادي .هناك أيضا مواقع أثرية أخرى كتلال حرير والتلال القريبة من الأهوار، وتصل إلى نحو مئة وعشرين موقعا أثريا

وقد اكد البلاذري ان المنطقة كانت تعرف باسم البصرة قبل وصول عتبة بن غزوان وجنوده فقد ذكر قالوا: كان سويد بن قطبة الذهلي، وبعضهم يقول قطبة بْن قتادة يغير في ناحية الخريبة منَ البصرة عَلَى العجم كما كان المثنى بْن حارثة الشيباني يغير بناحية الحيرة، فلما قدم خَالِد بْن الوليد البصرة يريد الكوفة سنة اثنتي عشرة أعانه عَلَى حرب أهل الأبلة وخلف سويدا، ويقال أن خالدا لم يسر منَ البصرة حَتَّى فتح الخريبة وكانت مسلحة للأعاجم فقتل وسبى وخلف بها رجلا من بني سَعْد بْن بكر بْن هوازن يقال له شريح بْن عَامِر، ويقال  نه أتى نهر المرأة ففتح القصر صلحا صالحه عنه النوشجان بن جسنسما والمرأة صاحبة القصر كامن دار بنت نرسى وهي ابنة عم النوشجان، وإنما سميت المرأة لأن أَبَا موسى الأشعري كان نزل بها فزودته خبيصا فجعل يقول: أطعمونا من دقيق المرأة، وكان مُحَمَّد بْن عُمَر الواقدي ينكر أن يكون خَالِد بْن الوليد أتى البصرة حين فرغ منَ أمر أهل اليمامة والبحرين ويقول:قدم المدينة ثُمَّ سار منها إِلَى العراق عَلَى طريق فيد والثعلبية والله أعلم ،قَالُوا ، فلما بلغ عُمَر بْن الخطاب خبر سويد بْن قطبة وما يصنع بالبصرة رأى أن يوليها رجلا من قبله، فولاها عتبة بْن غزوان بْن جابر ابن وهب بْن نسيب أحد بني مازن بْن مَنْصُور بْن عكرمة بْن خصفة وهو حليف بني نوفل بْن عَبْد مناف، وكان منَ المهاجرين الأولين، وقال له:أن الحيرة قَدْ فتحت وقتل عظيم منَ العجم يعني مهران ووطئت خيل المسلمين أرض بابل فصر إِلَى ناحية البصرة وأشغل من هناك من أهل الأهواز وفارس وميسان عن إمداد إخوانهم عَلَى إخوانك، فأتاها عتبة وانضم إليه سويد بْن قطبة ومن معه من بكر بْن وائل وبني تميم، وكانت بالبصرة سبع دساكر اثنتان بالخريبة واثنتان بالزابوقة، وثلاث في موضع دار الأزد اليوم، ففرق عتبة أصحابه فيها ونزل هُوَ بالخريبة وكانت مسلحة للأعاجم ففتحها خَالِد بْن الوليد فخلت منهم وكتب عتبة إِلَى عُمَر يعلمه نزوله وأصحابه بحيث نزلوا، فكتب إليه يأمره بأن ينزلهم موضعا قريبا منَ الماء والمرعى فأقبل إِلَى موضع البصرة، قَالَ أَبُو مخنف وكانت ذات حصى وحجارة سود فقيل أنها بصرة، وقيل أنهم إنما سموها بصرة لرخاوة أرضها". من هذا يتضح ان المنطقة كانت معروفة باسم "البصرة " الارامي قبل وصول جيوش المسلمين . كما ان المنطقة كانت مأهولة بالسكان وموزعين على سبع "دساكر" أي "قرى"

نتيجة لحاجة الجيوش القادمة من الجزيرة الى أماكن امنة للاستراحة أو معسكرات سكنية للجنود المحاربـين لتخدم عدة جوانب، فهي تكون حصونا لعوائل المقاتلين لحمايتهم وأماكن استراحة للجنود في فترات الهدنة ولمعالجة المصابين وقضاء فترة النقاهة بعيداً عن الخطوط الأمامية الخطرة والمتحركة دائماً، كما يستطيع أن يترك بها المقاتل زوجته أو ما يحصل عليه من الغنائم كي لا تعيق حركته أثناء القتال. كل هذه الأسباب وغيرها فقد اتخذ عتبة بن غزوان من قرية " الخريبة" والتي كانت سابقا مدينة تعرف باسم "الفورات" كما ذكرنا سابقا وتحولت الى "مسلحة" أي معسكر للفرس واتخذها معسكرا . ومما شجعه على اختيار ذلك الموقع هي قربها من الصحراء وهي الامتداد الطبيعي للدولة الناشئة . فقد ذكر تميم بن قيس قال: " كنا مع عتبة بن غزوان فلما انتهى البر وراء منابت القصب قال: ليست هذه منازل العرب، فنزل الخريبة، ومر عتبة بموضع المربد فوجد الكَدّانَ (الحجارة الرخوة النخرة) الغليظ فقال: هذه البصرة ونزلوها باسم الله»، وتم بناؤها لتكون معسكراً مؤقتاً، ولم تتحول لتكون معسكراً ثابتاً ثم مدينة إلا بعد عام 17هـ، ويؤكد البلاذري هذا بقوله: " وبنى عتبة دار الإمارة دون المسجد في الرحبة التي يقال لها اليوم رحبة بني هاشم، وكانت تسمى الدَّهناء، وفيها السجن والديوان، فكانوا إذا غزوا نزعوا ذلك القصب وحزموه" .

مما تقدم يتبين ان القول بان البصرة بناها "عتبة ابن غزوان " هو قول يخالف الحقيقة التاريخية بان المنطقة كانت مأهولة قبل وصوله بل ان معسكره الذي اتخذه في منطقة الخريبة لم يصبح مدينه الا بعد وفاته سنة 17 هجرية . كما يتبين ان اسم البصرة ليس عربيا ولا فارسيا بل هو اسم عراقي ارامي قديم جدا . وقد وجدت في هذه المنطقة أي منطقة البصرة مدن كبيرة ومزدهرة قبل الميلاد ومازالت اثارها موجوده ولكن السياسة هي التي حالت دون شيوع التاريخ الحقيقي لمدينة البصرة انسجاما مع الأفكار القومية التي حاولت نسب كل ما موجود في العراق لقومية واحدة .

 

زهير جمعة المالكي

 

 

صالح الطائيمنذ مراحل وعينا الأولى، وبدايات اهتمامنا بالقراءة؛ وموضوع الترجمة يشغل بالنا ويجلب انتباهنا، حتى أننا كنا لا نشتري الكتاب المُتَرْجَم إلا بعد أن نعرف المُتَرْجِم لأن مترجمين بعينهم تمكنوا من التأثير فينا بأسلوب تعاملهم الدقيق مع الموضوع المُترجَم. ثم اكتشفنا بعد أن اشتد ساعدنا ونمت فينا ملكة التمحيص أن ليس وحدنا من اهتم بذلك، وأن ثقافات العالم بطبيعتها تقوم على مبدأ الاختلاف، ليس في أنماطها البنائية فحسب وإنما حتى في تحليلها للخبرات الإنسانية؛ التي تختلف من جغرافية لأخرى، بل تختلف في الجغرافية الواحدة نفسها أحيانا، فهناك مسافة شاسعة بين لغات وثقافات الشعوب تخلق نوعا من الحواجز التي تعيق الفهم وتمنع التواصل المشترك، والانسان مهما ارتقى ومهما تقدم يبقى ناقص المدارك إذا لم يطلع على مكامن الغيرية ومنابع الهوية الأخرى، التي تتيح له المقارنة مثلما تتيح له الانتفاع والربح المعنوي، فالآخر بكل انتماءاته هو واحة معرفية أخرى تنمى مدارك من ينهل من رياضها، ولا يكتمل الجمال إذا لم تتناسق أجزاؤه بالمعنى.

ولا يمكن للعالم أن يشعر بالحميمية تجاه الآخر إذا لم يفهمه من حيث الكلية والعموم نظرا للتداخل الإشكالي والمفاهيمي المعقد الذي يكتنف الثقافات المنحدرة من أصول وانواع واثنيات مختلفة منحتها فرصة التحكم بالمنعرج الثقافي الكوني.

ولا أعتقد أن ممارسة أخرى غير الترجمة لها قدرة الربط والتوصيل بين أطراف المعادلات الإشكالية القائمة التي ولدتها الثقافات بصورها وأشكالها النمطية المتنوعة، فالترجمة هي المرآة التي تعكس الصورة الأخرى، لتزيل طقوس فوبيا الغيرية عن كاهل العقل، وهي القادرة على أن تعمل وفق مواصفاتها الخاصة على خلق أواصر فكرية مشتركة لها قدرة استيعاب الآخر في حيز معين من مجمل ممارساته الفكرية، ولذا اهتم الإنسان منذ بواكير ثقافته الأولى بالترجمة بشكلها البدائي الذي كان مقتصرا على الإشارات والرسوم والمحاكاة بالحركة، لتتحول بعد ذلك إلى الفعل المحصور بين نصين مكتوبين: النص المصدر ـ والنص الهدف، حيث تولت الترجمة عملية تحويل النص المصدر من لغته المكتوب بها إلى اللغة الأخرى ليصبح في متناول اقواما آخرين.

والترجمة أنواع عديدة منها: ترجمة فورية، وشفوية، وكتابية، ونصية، وتحريرية، وسماعية. وهي بكل أنواعها عملية نقل لحديثٍ أو قولٍ مكتوب بلغته الأصلية ليصبح مفهوما لدى متحدثين بلغة أخرى، وبذلك تعتبر الترجمة بمعناها الواسع عملية تشييع فكر وحضارة وثقافة شعب تتيح لشعب آخر فهمه والتمتع بجماله.

1796  د. علي عبد الاميرومع أن الترجمة تعتبر فناً مستقلاً بذاته يعتمد على الإبداع والحس الأدبي والثراء اللغوي، والقدرة على تقريب الثقافات، وخلق التواصل بين البشر، والافادة من خبرات الآخرين وتجاربهم، إلا أنها بقيت تدور في أطر محدودة، لا يجيدها إلا القلة ممن أتيحت لهم الفرص، أو أمروا بذلك، أو ألجأتهم ظروف عملهم على ذلك.

نجد على سبيل المثال أن عرب الجاهلية عرفوا الترجمة ومارسوها، لأنهم كانوا يرتحلون للتجارة صيفًا وشتاء ويتعاملون مع الفرس والبيزنطيين. وبعد البعثة ولاسيما في الطور المدني اهتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالترجمة كثيرا، فمع أن المؤرخين ذهبوا إلى أن الترجمة لم تعرف إلا في العصر العباسي الأول مع حركة التعريب التي أطلقها المأمون، إلا أن الواقع أثبت أن الترجمة حظيت بعناية الإسلام في زمن البعثة ولاسيما بعد الهجرة إلى المدينة المنورة، وقد جاء في الأثر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر زيد بن ثابت بتعلم لغة يهود المدينة العبرية، فتعلمها في خمسة عشر يوما فقط، وكان يقرأُ لرسول الله كتبَهم إذا كتبوا إليه، ويجيب عنها. بل وتعلم أكثر من لغة بأمر رسول الله منها السريانية والفارسية والحبشية والرومية والقبطية، وأصبح المترجم الرسمي لرسول الله.

فضلا عن ذلك استوجب دخول أعداد غفيرة من الأعاجم إلى الإسلام وتواجدهم في المدينة أن يتعلموا اللغة العربية ليفهموا نصوص الكتاب والسنة، وأن يتعلم العرب بعض لغاتهم لكي يبادلهم الحديث. وبعد عصر البعثة اهتم المسلمون الأوائل بالترجمة بعد توسع الفتوح ودخول الموالي والجواري والسراري والقيان والإماء إلى دولة الإسلام، وكان الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان قد أمر بتعريب دواوين الدولة وعلى نهجه سار خلفاء أمويون آخرون منهم ولده الوليد ابنه، حيث ترجمت كتب العلوم والتاريخ والأدب من اللغات الإغريقية والسريانية والبيزنطية.

أما في زمن الدولة العباسية فقد أخذت الترجمة مدى واسعا ولاسيما في القرن الثالث الهجري بعد إنشاء بيت الحكمة. ولم تتوقف الترجمة منذ ذلك الحين حتى قال قائلهم وهو صفي الدين الحلي: "كل لسان في الحقيقة إنسان"، وهو القول الذي تحول إلى مثل دارج: "كل لسان بإنسان".

علميا تقسم الترجمة حسب "جورج ستاينر (George Steiner)‏ إلى ثلاثة أقسام:

ـ الترجمة الحرفية أو الترجمة المباشرة: التي تتم عن طريق ترجمة الألفاظ أو النصوص من لغة إلى أخرى حرفيا، وتسمى أيضا الترجمة التقنية لأنها تستخدم عادة لترجمة النصوص القانونية والعلمية والتقنية.

ـ الترجمة الحرة أو الدلالية: وهي تسمح للمترجم بالتعبير بحرية عن الفكرة المراد ترجمتها ويكون حسب أستاذ الترجمة بجامعة سري "بيتر نيو مارك" (Peter Newmark)‏ ولاؤها الأصلي للنص المصدر بما فيه من تركيبات نحوية ولغوية. وتستخدم الترجمة الدلالية عادة عندما يكون المترجم ملزما بعدم التغيير في النص المصدر، وذلك عندما يكون الكلام أو النص المراد ترجمته على مستوى عال من الأهمية، منها على سبيل المثال ترجمة القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى.

ـ الترجمة الأمينة: وهي على رأي "جورج زيناتي" المفكر اللبناني الذي اشتهر بترجماته لفيلسوف تفكيك السلطة الفرنسي "ميشيل فوكو" ترجمة الانفتاح وإعادة الصياغة مع الالتزام بالفكرة الأصلية وعدم المساس بروحها، وتستخدم عادة في الترجمة الأدبية.

وللترجمة الأدبية خصوصية بالغة الأهمية تجعلها من أكثر أنواع الترجمة صعوبة لأن المترجم مُطالب لا بنقل معانٍ من لُغة إلى أخرى فحسب، فذلك عمل الترجمة الحرفية، وإنما هو مسؤول عن وصف مشاعر وأحاسيس المؤلف الأصلي واستنساخ صور أدبية عالية مقاربة للأصل. وهي ترجمة احترافية تهتم بالمعنى العام للنص الصادر والتعبير عنه بجمل وكلمات منتقاة بعناية تكون مماثلةً في المعنى والصورة لما ورد في أصل النص.

ومتى ما كان المترجم صاحب ملكات ابداعية ضمن مجال تخصصه الدقيق تصبح الترجمة لعبة إبداع وتألق، فالأديب القاص والروائي يكون عادة أفضل من غيره في ترجمة القصص والروايات الأجنبية طالما أنه يعرف أصول اللعبة ويمارسها، ويمتلك أدوات الكتابة في هذا الصنف من الأدب، وكلما كان الأديب متميزا بأسلوبه في الكتابة وفي ثقافته وإلمامه باللغة الأجنبية التي يترجم منها إلى العربية تتاح للقارئ فرصة التمتع بالقراءة؛ وكأنه يقرأ باللغة الأصلية التي كُتب بها العمل. فإذا امتلك المترجم ثقافة نقدية وكانت له ملكة النقد كقيمة مضافة لملكاته الأخرى تكاد أعماله المتَرْجَمة أن تكون غاية في الإبداع.

والدكتور علي عبد الأمير صالح واحد من هذا الصنف المميز بالذات، فهو قاص وروائي وناقد ومترجم (من الإنكليزية إلى العربية)، ولذا أبدع في أعمال الترجمة الأدبية التي قام بها.

والدكتور علي من مواليد الكوت/ محافظة واسط / العراق ، سنة 1955، وهو خريج كلية طب الأسنان /جامعة بغداد، سنة 1978. كانت بداياته مع القصة القصيرة، ونشر أول قصة قصيرة بقلمه في مجلة (الطليعة الأدبية) في آب 1975 وكانت بعنوان "أجساد الشهداء". وقبل أن ينهي دراسة طب الأسنان نشر أول قصة قصيرة مترجمة في مجلة (صوت الطلبة) في أيلول 1977. حملتْ عنوان " الطلب الأخير"، وهي من تأليف الكاتب الروسي ألكسندر  فامبيلوف. ثم أهلته مميزاته العلمية والأدبية ليترأس اتحاد الأدباء والكتاب في محافظة واسط بين حزيران 2003 وآذار 2005، وليصبح خلالها عضو المجلس المركزي للاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق في دورته الأولى بعد سنة 2003.

التميز الذي حظي به الدكتور علي أهله للحصول على كثير من الجوائز المهمة ومنها: جائزة وزارة الثقافة العراقية سنة 2000 عن ترجمته لرواية "طبل من صفيح" للكاتب غونتر غراس. وجائزة الإبداع بدورتها الأولى سنة 2009 / وزارة الثقافة العراقية / عن روايته "خميلة الأجنة ". والجائزة الثالثة في حقل النقد الأدبي في مسابقة دار الشؤون الثقافية العامة لسنة  2009 ، عن دراسته الموسومة "رواية  الضلع؛ تعدد الأساليب وكسر التابوات"، عن رواية " الضلع " للكاتب العراقي حميد العقابي. وجائزة الإبداع العراقي لسنة 2017 في حقل الترجمة، عن ترجمته لرواية "راوي مراكش" للكاتب الهندي الأميركي جويديب روي  باتاجاريا.

مع هذه البدايات الإبداعية المبكرة ما كان للدكتور علي أن يركن إلى الهدوء ويشغل نفسه بين المستشفى والعيادة الخاصة والعائلة، ولذا خصص جزءً مهما من وقته للكتابة والتأليف، ووقتا لقراءة الروايات والقصص الأجنبية المكتوبة باللغة الانكليزية. فولج عالمي التأليف والترجمة الاحترافية في بواكير حياته لتتسع رقعة انجازاته فتشمل في جنبة التأليف والإبداع الشخصي الذاتي:

1 - الهولندي الطائر / قصص / دمشق 2000 . (اتحاد الكتاب العرب)

  2 - خميلة الأجنة / رواية / بيروت 2008 . (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)

3 ـ أرابيسك / رواية / عمّان 2009 . (دار أزمنة)

4 -يمامة الرسام / قصص / بيروت 2010 . (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)

5 - ثقافة واسط: الماضي والحاضر، جزءان / دمشق 2017 (دار تموز للدراسات والنشر والتوزيع)

6 - العوالم الثلاثة: تجربتي في الكتابة والترجمة والنقد/ دمشق 2018 (دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع) 

اما في الفرع الثاني، أقصد فرع الترجمة من الانكليزية إلى العربية، فقد كانت للدكتور علي إسهامات رائعة في رفد الساحة الأدبية العراقية بكم رائع من الروايات العالمية التي ما كان متاحا للقارئ الاطلاع عليها لولا الجهد الذي بذله في ترجمتها، فأنتج:

1 - حفلة القنبلة / رواية / غراهام غرين / بغداد 1989. (دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد)

2 - طبل من صفيح / رواية / غونتر غراس / بغداد 2000. (دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد)

3 - قط وفأر / رواية / غونتر غراس / ط 1 2001. (دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد)؛ ط2، دمشق 2010 (دار الينابيع)

4 - قل لي كم مضى على رحيل القطار/ رواية / جيمس بولدوين/ القاهرة 2003.  (المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، رقم الإصدار 671)

5 - دلتا فينوس/ رواية / أناييس نن/ دمشق 2007. (دار المدى للثقافة والنشر)

6 ـ جبل السحر/ رواية / توماس مان / ط 1/  2007. (دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد)، ط2، الجبل السحري/ بيروت 2010. (منشورات الجمل)

7- بريدا/ رواية / باولو كويلو/ دمشق 2009. (دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع)، دمشق

8 -حدائق النصوص/ نقد/ مجموعة كتاب/ دمشق 2009. (دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع)، دمشق

9 - السبت/ رواية / إيان مكيوان/ دمشق 2010. (دار الينابيع)، دمشق

  10 - البحيرة / رواية / ياسوناري كاواباتا / دمشق 2010. (دار الينابيع)، دمشق

  11 - سيرة ذاتية مبكرة / يفجيني يفتوشنكو / ط 1 دمشق  2011. (دار رند للطباعة والنشر والتوزيع)، ط2 بغداد 2013 (دار الشؤون الثقافية العامة)

  12 -عزيزي غابرييل/ رواية / هالفدان و. فريهو/ بيروت 2010. (الدار العربية للعلوم/ ناشرون)

  13 - المليونير المتشرد/ رواية / فيكاس سواراب/ بيروت 2010. (الدار العربية للعلوم/ ناشرون)

  14 - نساء في الأدب / حوارات مع 20 كاتبة عالمية / بيروت 2011. (المؤسسة العربية للدراسات والنشر)

  15 - خيول مرقطة وقصص أخرى/ مجموعة من الكتاب/ دمشق 2011. (دار رند للطباعة والنشر والتوزيع) 

16- قوانين الحب الأربعون/ رواية / إليف شفق/ دمشق 2014. (دار الأمل الجديدة)

  17ـ أشياء كنتُ ساكتة عنها/ ذكريات / آذر نفيسي/ بيروت 2014. (منشورات الجمل)

  18- فنان الاختفاء/ ثلاث روايات قصيرة/ أنيتا ديساي/ الكويت 2014. (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب/ سلسلة إبداعات عالمية ، رقم الإصدار 401)، الكويت

 19- جنرالات صدام – وجهات نظر عن الحرب العراقية الإيرانية/ محللون عسكريون/ بيروت 2015. (منشورات الجمل)، بيروت

 20 - جمهورية الخيال: أميركا في ثلاثة كتب/ آذر نفيسي/ بيروت 2016  (منشورات الجمل)، بيروت. 

 21 - راوي مراكش/ رواية / جويديب روي – باتاجاريا / الكويت 2016 (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب / سلسلة إبداعات عالمية ، رقم الإصدار 415)

 22- أشرطة تسجيل صدام/ تاريخ – سياسة / كيفن أم . وودز وآخرون/ بيروت 2017. (منشورات الجمل)

  23 - قابيل/ رواية / جوزيه ساراماغو / بيروت 2017. (منشورات الجمل)

 24- ترويض الخيال/ حوارات مع 15 كاتباً وكاتبة من العالم / دمشق 2017. (دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع)

 25- الأميرة باري/ رواية/ هوانع سوك – يونغ / بيروت 2017. (الدار العربية للعلوم / ناشرون)

26 – لا تقولوا إننا لا نملك شيئاً/ رواية / مادلين ثين/ بيروت 2018 . (دار المدى للثقافة والنشر)

27 – المطيرجي/ رواية / إيلي عمير/ بيروت 2018. (منشورات الجمل)

28 – العمى/ رواية / جوزيه ساراماغو/ بيروت 2018. (منشورات الجمل).

29 – فريدا: سيرة حياة فريدا كاهلو / هايدن هيريرا/ بيروت 2019 / دار المدى

30 – قبل أن نزور الإلهة (رواية)/  شيترا  بانرجي ديـﭭاكاروني/ الكويت 2019/  (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب/ سلسلة إبداعات عالمية، رقم الإصدار 430)

31 – في أمريكا (رواية)/ سوزان سونتاج / بيروت 2019/ دار المدى

32 – نادني الأمريكي (مذكرات)/ عبدي نور إفتين/ بيروت 2020/ دار المدى

33 – أمس واليوم وغداً: حياتي (مذكرات)/ صوفيا لورين/ بيروت 2020 / دار المدى.

وبين الترجمة والتأليف وممارسة مهنة طب الأسنان والاهتمام بالعائلة وباقي العلاقات الاجتماعية، كان الأديب الواسطي الدكتور علي عبد الأمير صالح؛ ولا زال نموذجاً للإنسان الاجتماعي الواعي النبه البسيط، يوزع يومه لإشباع هذه الحاجات والرغبات والالتزامات، ويقتطع منه سويعات لحضور المناسبات الأدبية التي يقيمها اتحاد الأدباء في المحافظة والمركز، أو التي تقيمها الجهات التي تهتم بالثقافة والأدب، ليكون واحداً من ألمع أدباء واسط وأكثرهم عطاء.

 

صالح الطائي

 

يسري عبد الغنيسعى المصريون القدماء إلى اتخاذ كافة التدابير اللازمة التي تكفل حماية المقابر من السرقة فلم تكن مقابر المصريين القدماء مجرد أماكن لدفن الموتى بقدر ما كانت "قصورا أبدية"، ينعم فيها المتوفى بحياة جديدة في العالم الآخر، بعد رحلة قضاها في عالم الأحياء لسنوات على الأرض أعد نفسه فيها ماديا وأخلاقيا للفوز بحياة أبدية أكثر أمنا في "حقول السلام".

اعتقد المصري قديما أن جسد المتوفى تدب فيه روحه، عائدة إليه في مقبرته، ليبدأ رحلة جديدة في العالم الآخر. لذا سعى المصريون إلى اتخاذ كافة التدابير اللازمة والمحكمة التي تكفل حماية المقابر من السرقة، مع ترهيب اللصوص بعبارات التحذير والنصوص الدينية الرادعة حفاظا على أثاث المقبرة الجنائزي من السلب والنهب، حتى يُكتب لصاحبها الخلود.

وعلى الرغم من حرص المصريين الشديد على توفير كافة الاستحكامات الأمنية، لم تسلم مقابر الملوك من جرائم السرقة، باستثناء مقبرة الملك الشاب توت عنخ آمون التي غابت عنها أعين لصوص مصر القديمة، لتكشف بجلاء عن روعة ما كانت عليه مقابر الملوك والملكات، وحجم الثراء الفني والإبداعي الذي شهدته عصور إمبراطورية الدولة الحديثة، بحسب التقسيم التاريخي لعصور مصر القديمة.

وتبارى المصريون في غرس قيم وتعاليم أخلاقية تعلي من شأن عدم انتهاك حرمة المقابر أو العبث بها وبمحتوياتها تجنبا لانتقام الآلهة، كما ورد في نص من تعاليم الملك خيتي الرابع لابنه مريكارع من الأسرة العاشرة يقول له:

"لا تضر منشأة الغير، اقطع الأحجار من المحاجر، وشيّد مقبرتك بما قطعته يدك من أحجار".

وأكد هذا المبدأ نقش آخر ورد في نصوص مقبرة القاضي "حتب مري آخت" في عهد الملك "ني وسر رع" من الأسرة الخامسة يقول فيه إنه:

"بناها من أملاكه دون أن يغتصب شيئا من الآخرين، وفي مكان ظاهر حيث لم تكن هناك مقبرة أخرى، وأولئك الذين سيدخلون إليها ويمسونها بسوء سيحاكمون أمام الإله العظيم".

كما دأب أصحاب المقابر على نقش عبارات ترهيب تتوعد كل من تسول له نفسه انتهاك حرمتها، كنقوش ظهرت في عصر الأسرتين الخامسة والسادسة تحذر اللص بأنه: "سيُحاكم على فعله أمام الإله الكبير".

ونقش آخر على مقبرة كبير كهنة الملك منكاورع يقول:

"كل من يحب الملك والإله أنوبيس الذي يسمو فوق جبله، لا يأتي بأذى لمحتويات هذا القبر".

لماذا كان يضع المصريون أثاثا وأمتعة دنيوية في مقابر موتاهم؟

اعتقد المصري القديم أن الإنسان يعيش حياة واحدة على الأرض، وحياة أخرى بعد الموت، بعد محاسبته على أعماله أمام "ميزان العدل"، فاعتقد منذ عصور الدولة القديمة تحديدا أن بإمكانه الحصول على الجزاء والنعيم الأبدي اعتمادا على الجانب المادي المتمثل في امتلاكه السلطة والثروة، وأن جودة الأثاث المادي الموضوع إلى جانبه في المقبرة يضمن له حسن الجزاء، فحرص على أن يأخذ معه كل متعلقاته من حياته الأولى، ليستخدمها في حياته الثانية.

وتشهد مقابر عصور ما قبل التاريخ على وجود بعض الطعام والشراب والقطع الفخارية إلى جانب المتوفى، مع بعض الحلي البسيطة. وفي ظل تنامي نفوذ الدولة اقتصاديا، وارتفاع مستوى المعيشة في المجتمع في عصور لاحقة، حوت المقابر أثاثا من أفخر الأنواع وتماثيل بمختلف الأحجام، إلى جانب الحلي الفاخرة المصنوعة من الذهب، والأحجار الكريمة، والمعادن النفيسة، فباتت مطمعا سخيا للصوص ذلك الوقت.

ويرجع انتشار سرقة المقابر في مصر القديمة إلى فساد الجهاز الحكومي، وانهيار منظومة "الحقيقة والعدالة" التي جسدتها الإلهة "ماعت"، ربة العدل التي حفظت الفكر المصري من الفساد الأخلاقي والديني. كما تراجع الوازع الديني على مستوى الطبقة الشعبية بعد أن رصد البسطاء فساد الكهنة وتكالبهم على نهب ثروات المعابد، بل وصل الأمر إلى حد اشتراك بعض الكهنة في سرقات المقابر، كما ورد في بردية "هاريس" المحفوظة في المتحف البريطاني.

وكان للأزمات الاقتصادية التي عصفت بالشعب المصري عقب انهيار نفوذ الدولة القديمة مبلغ الأثر في اضطراب الأحوال الاجتماعية. كما شهد النصف الثاني من حكم الأسرة العشرين تراجع في قيمة النحاس المصري، وأصبحت خزانة الدولة عاجزة عن الوفاء بمستحقات بعض العمال، فانتشرت السرقات.

وترى كلير لالويت، أستاذة الأدب المصري القديم بجامعة باريس-سوربون، أنه "توجد أزمنة تصبح فيها حاجة المرء إلى التصدي للبؤس وإلى البقاء على قيد الحياة شغله الشاغل وأقوى بكثير من السنن المقدسة، ليبرز مشهد محزن جدا للضياع المادي والأخلاقي في بلد بات يؤخذ على ملوكه الضعف وتراجع النفوذ".

أشهر السرقات

ويرصد تاريخ مصر القديم بدايات مبكرة لسرقة مقابر الملوك، عندما أشار إلى تشييد الملك سنفرو، مؤسس الأسرة الرابعة، مقبرة لزوجته الملكة "حتب حرس" إلى جوار هرمه الذي شيده في منطقة دهشور، فاعتدى اللصوص على مقبرتها في عهد ابنها الملك خوفو، الذي لم يجد حيلة سوى نقل أثاث مقبرة والدته سرا إلى منطقة الجيزة، وحفر بئر جنوب هرمه لإخفاء الأثاث. وحافظ الكهنة من وقتها على طقس لعنة لصوص المقبرة حتى نهاية عصر الدولة القديمة.

وحفظت نصوص برديات مصرية قديمة، مثل بردية "إبوت" و"هاريس" و "أمهرست"، تفاصيل عمليات سطو من بينها مقبرة في نهاية عهد الملك رعمسيس التاسع، ومحاولة البعض سرقة مقابر ملكية في البر الغربي لمدينة طيبة، مثل مقبرة "سخم رع- شدتاوي- سوبك إم ساف"، من ملوك الأسرة ال17، ومقبرة الملكة "إيزيس" زوجة الملك رعمسيس الثالث.

وتتلخص قصة نهب مقبرة "سخم رع" أن أحداثها وقعت في عهد الملك رعمسيس التاسع، عندما أبلغ "بورعا"، أمير البر الغربي لمدينة طيبة، رئيس الشرطة عن سرقة مقابر ملكية في المنطقة. وعلى الفور، شكل عمدة المدينة الوزير "خعمواست" وساقي الفرعون "نسآمون" لجنة تحقيقات لفحص المقابر المبلغ عن سرقتها، وعددها عشر مقابر.

وخلصت لجنة التحقيق إلى حدوث اعتداء بالفعل على مقبرة "سخم رع"، وتوصلت الشرطة إلى الجناة، من بينهم شخص يدعى "أمنبنفر"، عامل بناء في معبد آمون-رع. وسجلت النصوص المصرية القديمة محضرا لاستجوابه غير منقوص مفعما بالحيوية، نورد مقتطفا منه نقلا عن الترجمة الفرنسية للعالم فرانسوا دوما في كتابه "حضارة مصر الفرعونية"، إذ يقول اللص:

"توجهنا كعادتنا لسرقة المقابر، ووجدنا هرم سخم-رع-شدتاوي، ابن رع سوبك إم ساف، وكان هذا الهرم لا يشبه شيئا على الإطلاق، من أهرام ومقابر النبلاء التي اعتدنا سرقتها، أخذنا معنا أدواتنا النحاسية ودخلنا عبر ممر داخل هرم هذا الملك ومن خلال أكثر أجزائه عمقا... وعثرنا على زوجته الملكة (نبخعس) موجودة إلى جواره". 

"وجدنا الملكة ترقد على نحو مماثل وفتحنا التوابيت حيث كانا قد سجيّا، ووجدنا مع المومياء المهيبة لهذا الملك خنجرا، وحول رقبته الكثير من التمائم والحلي الذهبية، ويغطيه قناعه الذهبي، والمومياء المهيبة مغطاة بكاملها بالذهب وتوابيتها مزدانة بالذهب والفضة في الداخل والخارج، ومرصعة بالأحجار الكريمة. جمعنا الذهب الذي وجدناه فوق هذه المومياء المهيبة، وأيضا ذهب التمائم والحلي التي حول رقبته وذهب التوابيت التي كان يرقد فيها. كما وجدنا الملكة على نفس الحال، فجمعنا أيضا كل ما وجدناه فوقها وأشعلنا النار في التوابيت...".

لم تكن سرقة المقابر عملا مارسه المصريون وحدهم، بل تذكر نصوص أخرى مشاركة أجانب في سرقات، مثل قضية رجل يدعى "بيكامن" أتُهم بالسرقة، وأجريت معه تحقيقات واعترف بجريمته. كما تذكر النصوص تبرئة رجل مصري يدعى "دجاي"، اتُهم زورا بسرقة مقابر، وأثبتت التحقيقات براءته من التهمة.

وتشير بردية "ماير" إلى واقعة سرقة مقبرة الملك رعمسيس السادس، إذ أدى خلاف اللصوص على اقتسام الغنيمة إلى افتضاح أمرهم.

ومنذ عهد الملك رعمسيس العاشر، جُرد الملك من لقب "الإله الطيب" الذي كان لصيقا به، في دلالة على سوء الأحوال وتراجع الثقة واضطراب سلطة الملوك.

أخلاقيات  ...!!!!

ركز اللصوص على سرقات مقابر الملوك تحديدا، نظرا لتمتع هؤلاء الملوك، بحسب الفكر العقائدي المصري القديم، بحق الحياة في العالم الآخر بصحبة الإله في مملكته السماوية، ومن ثم كان لابد من تجهيز مقابرهم بكل نفيس يليق بهذه المكانة السماوية. وحفظ لنا الأدب المصري القديم نصوصا تشير إلى هذه الفلسفة كهذا المقتطف:

"أيها الواحد الطاهر، تربع على عرشك في سفينة رع، واسبح في السماء، وعش أنت هذه الحياة الطيبة التي يحياها رب الأفق".

وظلت الأخلاق "وقود" حياة المصري قديما حتى ينعم بالبراءة والطُهر في العالم الآخر، فألزمت العقائد الدينية الجميع على حد سواء بالبرهنة على أهليتهم لهذا النعيم الأبدي، حتى الملوك. وهذا ما عبّر عنه الأدب المصري القديم طبقا لبردية نافيل، في الفصل 125 من نصوص كتاب "الخروج إلى النهار"، المعروف اصطلاحا باسم "كتاب الموتى"، وفقا للترجمة الفرنسية للعالم بول بارجيه، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ليون، للنص المصري القديم:

"لم أرتكب ظلما بحق البشر، لم أسئ معاملة الناس، لم أرتكب خطايا في ساحة الحقيقة، لم أسع لمعرفة المحظور، لم أرتكب شرا، لم أبدأ يومي برشوة من الناس الذين يعملون لدي، ولم يرد اسمي عند رئيس العبيد، لم أسب الإله، لم أبخس الفقير رزقه، لم أقترف ما هو مشين لللآلهة، لم اجعل عبدا يعصي سيده، لم أسبب ألما، لم أتسبب في جوع أحد، لم أتسبب في بكاء أحد، لم أقتل..... إلى آخر ما يطلق عليه باعترافات البراءة.

ويبرهن النص على حرص المصري على إعلان البراءة أخلاقيا من منطلق شعوره بالمسؤولية، ورفض كل ما يتعارض مع القانون وينتهك الفضائل تجنبا للجزاء الإلهي، وحافزا لتجنب عقوبات فرضها المجتمع، تفاوتت شدتها بحسب حجم الجريمة المرتكبة وحجم الضرر الواقع على المجتمع منها، لتكريس مبدأ الاستقامة.

وفُرضت عقوبات قاسية على سرقة المقابر كجزاء رادع لنهب ما كانت تحويه من كنوز. ويذكر الملك سيتي الأول أنه أمر بعقوبة قاسية بحق من يسرق ممتلكات مؤسسة دينية بقطع الأنف والأذنين، وأن يعمل في فلاحة الأرض التابعة للدولة، وهو ما أطلق عليه المصري القديم "الخدمة العقابية".

وسواء كانت طبيعة السرقة لمقابر أو ممتلكات دينية أو شخصية، أكد الأدب المصري منذ آلاف السنين على مبدأ الالتزام بالفضيلة في مناحي الحياة، من خلال تعاليم توارثتها أجيال في مسعى للحفاظ على سلوك الفرد في المجتمع كأفضل سبيل لمكافحة الجرائم، لاسيما السرقات، عندما أعلن المصري أمام ميزان أعماله في العالم الآخر قائلا :"لم أسرق، لم تكن ثروتي عظيمة إلا من ملكي الخاص، ولم أسرق هبات المعبد".

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

محمود محمد عليعرفت الأستاذ الدكتور مجدي عبد الحافظ عندما عُين سيادته مدرساً للفلسفة الحديث والمعاصرة في نفس السنة التي عُينت فيها أنا مدرساً للمنطق وفلسفة العلم بجامعة حلوان في عام 1995م ، ومجدي عبد الحافظ (مع حفظ الألقاب) باحث مدقق، وأستاذ عالم، أكاديمي يجيد المحاضرة والمناظرة والجدل العلمي والاقناع المنطقي، وصاحب نص عميق بسيط واضح؛ وهو من رملائي الباحثين المتميزين الذين أحب أن أقرأ لهم أو أسمعهم حين يكتبون أو يحاضرون، وهو وإن كان أكبر مني بسنوات قليله فهو من جيلي الذي احترمه وأهابه.

علاوة علي أنه يمثل أحد أساتذة الفلسفة الغربية الذين استطاعوا من خلال بحوثهم ومؤلفاتهم في الفلسفة الحديثة والمعاصرة أن ينقل البحث في دراستها من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

ويهمنا هنا أن نشير إلي بعض الملامح الأساسية في كتابة الدكتور مجدي عبد الحافظ الفلسفية التي تعطي بعض المؤشرات في تفكيره موقفه الفلسفي العام، وأول هذه الملامح هو فهمه للفلسفة من أنه يجعل منها فاعلية دائمة تجاه الواقع والتاريخ والإنسان وهذه الملامح هي: التفاؤل بالغ والإنسان والتاريخ والحوار البشري، فالحوار هو ارتفاع بالحديث البشري إلي مستوي الخلاف الفكري بحثا عن الحقيقة، والخلاف الفكري لا يعني بالضرورة التشاجر ولا يعني البغضاء أو العداء، والحوار البشري هو محاولة للارتفاع بالتنوع والاختلاف إلي إطار مشترك من الوحدة وهو ضبط لإيقاع الحركة والنشاط الواقعي، وتجمع وبلورة للخبرات الحية وهو فرز اما هو صحيح سديد عما هو فاسد معوج، إنه جوهر أسلحة الإنسان للوصول إلي الحقيقة، حقيقته، وحقيقة الوجود من حوله . وأخيرا النقد ؛ والنقد هنا ليس بالمعني الأدبي ولكنه النقد الفلسفي الكانطي ؛ وكأن لسان حالة حال الدكتور أحمد مستجير الذي عرف نفسه قائلا "أنا في الحق موزع بين شاطئين كلاهما خصب وثري، أجلس على شاطئ وأستعذب التأمل في الآخر.. وأعرف أن الفن أنا، والعلم نحن، ذبت في الـ نحن وأحن إلى الأنا، وأعرف أن الفن هو القلق وأن العلم هو الطمأنينة؛ فأنا مطمئن أرنو إلى القلق".

تلك هي الصورة العامة للرجل والسياق الذي قدم فيه فكره وكتاباته، كما قدم لتلاميذه أيضاً درساً لا ينسي، وهو أن الأستاذ ليس هو من يجيب الطالب بمعلومات جاهزة لديه، بل هو من يرشده إلي المنهج العلمي الذي يصل به إلي المعرفة ويحدد مصادر موضوع بحثه، ولم تختلف هذه الصورة منذ عام 1995م حين بدأت حياته العلمية بجامعة حلوان وحتي انتقاله إلي جامعة الكويت معرفة دقيقة بموضوعه ؛ لغة علمية محددة، حجة دقيقة، رحابة صدر، قدرة علي التعليم والتوجيه .

علاوة علي أنه كان قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

وحتي لا ينسينا الحديث الجميل عن مجدي عبد الحافظ فاسمح لي عزيزي القارئ أن أقدم لك نبذة عن سيرته الذاتية فنقول : ولد مجدي عبد الحافظ  من مواليد محافظة القاهرة في الثامن من نوفمبر 1953، حيث حصل ليسانس الآداب في الفلسفة من جامعة القاهرة، عام 1976، ثم دبلوم الجامعة لنهاية السنة التمهيدية للمرحلة الثالثة في الفلسفة المعاصرة من جامعة باريس، عام 1981، ثم دبلوم الدراسات المتعمقة في الفلسفة المعاصرة من جامعة باريس السوربون، عام 1982، ثم دبلوم الدراسات العليا من جامعة باريس، عام 1987، ثم دكتوراه في العلوم الإنسانية من جامعة باريس، عام 1991، وبعد ذلك مُنح درجة أستاذ مساعد في عام 2000م، وبعدها تمكن من الحصول علي رتبة الأستاذية في عام 2007م .

عمل مجدي عبد الحافظ ببعض المعاهد الفرنسية وأستاذاً زائراً بجامعة جيل فيرن بيكاردي، أميان بفرنسا، كما حاضر في جامعة عين شمس وكلية التربية بجامعة حلوان ؛ كما كان عضواً في العديد من اللجان العلمية المتخصصة مثل : اللجنة القومية لتطوير التعليم في مصر، واللجنة القومية لتطوير التعليم في مصر، والجمعية الفلسفية المصرية، وجمعية الدراسات الشرقية بفرنسا، ولجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة.

علاوة علي مشاركته في الكثير من المؤتمرات الدولية والنحلية نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر:

-  الندوة الدولية الثالثة لقسم الاجتماع بجامعة القاهرة، عام 1996.

-  المؤتمر الدولى حول " صرع الحضارات أم حوار الثقافات "، عام 1997.

-  الوعى السياسى في مصر فيما بين عام 1795 وعام 1805، القاهرة، عام 1993.

- الفرد وعصر الاستنارة في مصر ندوة الفرد والمجتمع في عالم البحر المتوسط الإسلام .

ومجدي عبد الحافظ له العديد من المؤلفات منها : كتب وأبحاث وترجمات: الكتب ومنها: موسوعة عصر التنوير بالاشتراك، القاهرة، عام 1992، وحوار الحضارات أو صراع الثقافات بالاشتراك، القاهرة، عام 1997، و قراءات في الفكر المعاصر: على هامش الألفية الثالثة، عام 1998، و سلامة موسى بين النهضة والتطور، بيروت، عام 1999، ومصر في مائة كلمة.. الأبحاث ومنها علي سبيل المثال لا الحصر: الاشتراكية والفكر المصرى الحديث، القاهرة، عام 1992.، وفلسفة التطور ودراسات عربية تطبيقية على اللغة، القاهرة، عام 1997.، والحداثة وما بعد الحداثة في الفكر الفرنسى المعاصر، الجزائر، عام 2002... الترجمات ومنها مثلاً :  وكارل بوبر، جون كوندرى، وصبرى السوربونى، الثورة المصرية، عام 2003.، وأرنست رينان، جمال الدين الافغانى .

وفي هذه الكتابات كشف لنا مجدي عبد الحافظ علي أنه واحدا من أهم الشخصيات المصرية التي أثرت الفر العربي المعاصر ؛ حيث إنه كان مهتماً بقضايا الوطن والأمة مهموماً بنهضتها المأمولة، كما قدم لنا رؤئ جديدة ووجهة نظر خاصة فيما يتعلق بالميتافيزيقا والعلم والمصير الإنساني، وتميزت مناقشاته في كتبه وأبحاثه بعقلانية موضوعية لا تلوي عنق النص أو تتعارض معه، وبنزعة عقلانية منفتحة تتميز بالمرونة وعدم الانغلاق أو الإدعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة، كنا تميز أيضاً برؤية فلسفية ملتزمة : تؤكد التسامح، والحوار، والتعددية، وتفسح المجال للآخر، والتي تؤكد لنا بحق أنه مفكر رصين، قوي الروح، سديد الرأي، عميق الفكر، واسع الثقافة والمعرفة .

كما يعد مجدي عبد الحافظ أحد أساطين العقلانية المنفتحة، الذين لم يتخلوا عن ثقتهم بالعقل، وعن التشديد على ضرورة سيادة الحوار العقلاني في حل الإشكاليات العالقة، على الرغم من الأزمات التي عصفت بالتفكير الفلسفي والعلمي وبالقيم الثقافية والأخلاقية في زمانه.

وهكذا عمل مجدي عبد الحافظ علي خلق نظرية جديدة واتجاه فلسفي عربي خالص يقوم علي إعادة بناء تراثنا القديم علي ضوء حاجات العصر ومتطلباته، يراعي التمايز الكلي بين  الحضارات والتنظير المباشر لواقعنا من أجل خلق ثقافة وطنية تمتد جذورها في تراثنا القديم الذي مازال حيا في شعور جماهير الأمة، وما زال يوجه سلوكها، ويحدد  تصوراتها للعالم، ويحدد يقيمها من أجل خلق أيديولوجية وطنية... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

نبيل عودةوصلت موسكو عام 1968، وقضيت سنتين في معهد العلوم الاجتماعية، المعروف اكثر بالمعهد الشيوعي.

تعرفت في المعهد على شخصيات شيوعية مختلفة خاصة من العراق ولبنان وسوريا، واكثر شخصية لفتت انتباهي المرحوم الدكتور حسين مروة، الذي كان يعد اطروحته لنيل شهادة الدكتوراة عن موضوع "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ". حضر أيضا في عام 1969 الشاعر محمود درويش، وكنا نعقد حلقات كثيرة، عن مختلف قضايا الثقافة العربية والأدب العربي والواقع السياسي، واذكر حديث للدكتور حسين مروة عن محمود درويش بوصفة انه ابرز شاعر عربي في القرن العشرين.

طبعا كانت لقاءات يومية وأحاديث ثرية كثيرة، لكني مهما انسى، لا انسى ما رواه حسين مروة عن حادثة جرت مع الرائع مارون عبود.

جاء أديب عربي (للأسف نسيت اسمه) الى لبنان وتفاصح وهو يلقى خطابة من على المنصة، بانه لو لم يكن لبنان "لما جا " (يقصد لما جاء) وكررها "لما جا"   " لما جا " مرات عديدة.. فتململ مارون عبود بكرسيه وكان يجلس بالصف الأول، ولم يتحمل ذلك القول، وصاح به وهو بمقعده: "لطي" " لطي" "لطي " (يعني لطيزي) فانفجر الحضور بالضحك الشديد واسود وجه الأديب.

سئل مارون عبود بعد الندوة كيف قلت له لطيزي لطيزي وهو ضيف لبنان؟  فأجاب بالعكس قلت له لطي  لطي  لطي واعني  لطيف لطيف لطيف مختصرة مثل قوله "لما جا لما جا لما جا" أي اختصرت الحرف الأخير كما فعل حضرته  - طبعا مارون عبود اختصر حرفين!!

2 - درس في الأخلاق الشيوعية

أواخر عام 1969زرنا أذربيجان لمدة شهر كامل، للاطلاع على ما أنجزته الاشتراكية لشعوب الشرق. طبيعة أذربيجان ساحرة خاصة مناطقها الجبلية، وشاطئ بحر قزوين وعاصمتها باكو، وخاصة المدينة العائمة التي بنيت داخل البحر من اجل استخراج النفط.

أخذونا إلى كولوخوز نسيت اسمه، تفاجأت ان الشوارع الداخلية أزفت من الزفت. شوارع ترابية تصبح وحولا في الشتاء. لديهم نادٍ لا بأس به، عبارة عن قاعة مقامة من حيطان باطون جاهز، الأهمّ ان الفتيات اللواتي كن في استقبالنا يخطفن العقل، خاصة عقول ومشاعر شباب في العشرين كما كنا، طبعا رقصنا، تعانقنا وقبلنا. تواعدنا لليوم التالي لنعمل معهن (طبعا مع آهل الكولوخوز) في سبت العمل الشيوعي التطوعي، وهو تقليد بدأ بعد الثورة، يشارك بالعمل كل المواطنين القادرين على العمل خاصة في الحقول، بيوم عمل تطوعي.

كان يوم عمل في ارض الكولوخوز، وهناك تناولنا طعامنا على الأغلب وجبة معدة من لحم الخيل كما قيل لنا. عصرا كان لنا اجتماع سياسي في النادي. كُلِّفت بالحديث باسم وفد رفاق الحزب الشيوعي الإسرائيلي. كان معنا رفاق أتراك ورفاق من أمريكا اللاتينية. كلهم ألقوا خطابات تافهة وشعارات تافهة. هاجموا الاستعمار "ونعلوا أبو أبوه" وضربوه بالنعل حتى كل لسانهم. وطبعا  مدحوا النظام الاشتراكي الذي أحدث نهضة عظيمة لأبناء الشرق باتت حلما لشعوبهم.

كان أمين عام الحزب الشيوعي في اذربيجان الرفيق علييف (صار رئيسا لأذربيجان بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وورثه ابنه برئاسة أذربيجان) يجلس على المنصة، عندما يصفق تضج القاعة بالتصفيق. شعرت أني في سيرك، او مسرحية هزلية، الحضور لا يعرفون عما يدور الحديث، لا يعرفون ما هو الواقع التركي، لا يعرفون ما هي الحال في أمريكا اللاتينية ولا يعرفون معاناة الشعب الفلسطيني واحتلال فلسطين كلها وأراض عربية أخرى.

جاء دوري للحديث. قررت ان ألغي خطابي الجاهز عن فلسطين والصهيونية والاستعمار والعدوان .. الخ وأن أتحدث مباشرة عن انطباعاتي. تحدثت عن اذربيجان التي تنهض وتتطور وهذه حقيقة، عن زيارتنا للصخور السوداء – جزيرة صناعية لاستخراج النفط من بحر قزوين، والصخور السوداء هو اسم تلك المدينة العائمة  في قلب البحر لاستخراج النفط ،يسكنها 5 آلاف إنسان فيها مطاعم ومسارح وسينما. تحدثت عن طبيعة بلادهم الجميلة وتمنيت ان أزور كولوخوزهم مرة أخرى وان تكون قد شُقّت لديهم طرقٌ حديثة. شكرتهم على الضيافة، وعلى "اعتناء" صبايا الكولوخوز بنا وعن الأمسية الرائعة التي قضيناها في ضيافتهم، وعن استعدادنا لتلبية دعوتهم لسبت عمل شيوعي جديد وتركت الامبريالية والصهيونية في حالهم وهتفت بحياة الاتحاد السوفييتي!!

لم اعرف ان كلمتي ستثير غضب الزعيم علييف، ويشتكي على خطابي غير الشيوعي وغير الثوري لإدارة المعهد، وان تصرفي لم يخدم الأهداف الشيوعية!!

عدنا بالطائرة الى موسكو. في اليوم التالي طلبت لاجتماع مع مسؤول في إدارة المعهد. انتقد تصرفي غير الشيوعي، وأنذرت بأني قد أطرد من المعهد. صديقي أستاذ الاقتصاد السياسي نصحني بعد ان حدثته بما جرى، ان اكتب انتقادا ذاتيا وامدح النظام الشيوعي والاتحاد السوفييتي وأوكد أني ارتكبت خطأ كبيرا لن يتكرر. فكتبته وترجم للروسية وقدمته للإدارة شارحا ان قصدي لم يكن ان انتقد أي قصور، بل اشدت بتطور أذربيجان وجمال البلاد وكرم الشعب الأذربيجاني المتمسك بنظامه الاشتراكي، وكنا سعداء جدا لمشاركتنا في سبت العمل التطوعي – الشيوعي. وكلمات هي شعارات تنفع لخطب الكنائس وهكذا صفحت الادارة عن زلتي الخطيرة. فيما بعد ابلغوا الرفيق صليبا خميس بجريمتي، الذي كان ممثلا للحزب الشيوعي في مجلة قضايا السلم والاشتراكية ومقرها براغ وكان يتردد على المعهد بين فترة وأخرى سألني ضاحكا عما فعلت، فحدثته ونصحني الا اكرر "زعرنتي" لأن عقولهم ضيقة.

كانت زوجته الرفيقة آرنا خميس، تدرس معنا في نفس المعهد واولاده يدرسون في المدارس السوفييتية كما أذكر. لأنهم غادروا تشيكوسلوفاكيا بعد الغزو السوفييتي واسقاط نظام الكسندر دوبتشيك عام 1968.

3 - فنانات عاصرن الرفيق لينين في النوادي الليلية!!

من الطرائف الساخرة للواقع السوفييتي التي كان يتبادلها الناس في موسكو، حكاية عدم نجاح النوادي الليلية السوفييتية. فقط قلة من المواطنون السوفييت يحضرون للنوادي الليلية رغم قاعاتها الرحبة وطعامها الجيد. برامجها الفنية لا تشد المواطن. اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بحثت الموضوع، اتخذت قرارات هامة لتنشيط النوادي الليلية حتى لا يقول الغرب ان الاتحاد السوفييتي متخلّف عن باريس وفييّنا ولندن وبرلين ونيويورك في النوادي الليلية.

رغم ان القرارات المتخذة نفّذت إلا ان عدد المترددين على النوادي تراجع!!

عقد اجتماع طارئ جديد لقادة الدولة والحزب. قدم التقرير وزير الثقافة، قال ان الموضوع غير مفهوم، على عكس الغرب الذي يشغل صبايا صغيرات يظهرن مفاتنهن فقط فتمتلئ نواديه لمشاهدة الفن الساقط، عروض أقرب للجنس الإباحي، نحن أحضرنا للنوادي الليلية مغنيات وراقصات لهن تاريخ مجيد في الثورة الاشتراكية، بعضهن عاصرن الرفيق لينين، عينّا لهنّ مساعدات لتساعدَهُنّ في الوصول إلى النوادي بسبب جيلهن المتقدم، بل وزودناهنّ بكراسٍ متحركة وسيارات نقل خاصة ورغم ذلك ساء الوضع ولم يتحسّن!!

طلبنا من أطباء علم النفس وعلم الاجتماع دراسة هذه الظاهرة المستهجنة وغير الشيوعية. لكنهم لم يقدموا أي حجة مقبولة، كل ما قالوه ان نجرب استبدال الفنانات العجائز بفنانات شابات، وبعدها سنعرف إذا كان للغرب الاستعماري يد بهذه الظاهرة المعادية للشيوعية!!

وقال وزير الثقافة: نحن أصحاب مبادئ ولن نتنازل ونقلد الغرب الرأسمالي الذي يستغل الشابات الفنانات في نواديه الليلية!!

4 - ثقوب في الثوب الماركسي

عشت فترة طويلة من الحوار الذاتي ومحاولة إغلاق الثقوب في قرص الجبنة السوفييتي. رأيت ان الثقوب تزداد اتساعا. إيماني بجوهر الماركسية الإنساني لم يتزعزع، هل هو تأثير الانتماء لحركة شيوعية منذ بداية وعيي؟ نشأتُ على فكرة أني شيوعي دون ان أعي ماذا تعني الشيوعية، وأوقفت دراستي في هندسة الميكانيكيات في التخنيون بحيفا لأدرس الفلسفة والاقتصاد الماركسيَّين. لم أكن أتخيل نفسي بدون معرفة ووعي نظري وفلسفي كامل. كان بيت والدي مقرا للنشاط السياسي والاجتماعات الشعبية في مواسم الانتخابات منذ أيام عصبة التحرر الوطني الفلسطيني (الحزب الشيوعي الفلسطيني العربي)، فكيف لي ان أفكر بوجود قصور في الفكر الذي سحرني قبل ان أدرسه؟ اعرف القيادات الطلائعية التي قدمت عمرها في خدمة شعبها، اختاروا حياة النضال الصعبة، ذاقوا طعم السجون والنفي والفقر؟ هل يمكن ان يكونوا على خطأ؟

مع تقدمي في الدراسة وخاصة في موضوع الفلسفة، بدأت أشبك الخيوط.

رأيت في البداية ان الخطأ ليس في الفكر والتأسيس النظري بل في جهاز الدولة الذي لا شيء ماركسي فيه، وفي الجمود العقائدي الذي يحصر نفسه بماركسية ستالينية، دون فهم التحولات الجذرية العاصفة في النظام الرأسمالي، في الاقتصاد، في المجتمع، في تطور النظام الديمقراطي، تطور حقوق الإنسان، تطور مستوى الحياة، عدم صحة نظرية لينين ان "الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية"، سقوط نظرية البروليتاريا والحتمية التاريخية عن الصراع البروليتاري ضد الرأسمالية وانتصار البروليتاريا المؤكد لتبني النظام الاشتراكي. كانت قناعتي ان البروليتاريا هي ظاهرة أوروبية لم تنتشر في أي مكان آخر خارج أوروبا، وانها ظاهرة مؤقته تلاشت في أواسط القرن العشرين.

معلم الاقتصاد قال لي ردا على استفساري عن ظاهرة البروليتاريا انه سعيد لأني أفكر بشكل حر. ولم يقل لي رأيه!!

5 - الدولة الرأسمالية لبناء النظام الاشتراكي

ماركس لم يطرح رؤية او نظرية للدولة الاشتراكية تتجاوز دولة الكومونة (كومونة باريس)، حكومة عمالية يُنتخب مندوبيها بالاقتراع العام ويمكن اسقاطهم بسحب الثقة منهم. أجورهم هي نفس أجور العمال وحسب ذاكرتي كان رأي ماركس حذف إصطلاح الدولة. الكومونة الباريسية كانت ظاهرة في مدينة واحدة وليس في كل فرنسا. هذا الشكل الجديد من الحكم كانت بيده السلطة التشريعية والتنفيذية، لم يحاول ماركس ان يكتشف أشكال جديدة لتنظيم ما يعرف ب "الدولة الاشتراكية" في المستقبل. ولينين لم يقد نظرية عن مفهوم الدولة الاشتراكية.

إذن ماركس لم يقدم أي رؤية لمفهوم الدولة في النظام الاشتراكي من رؤيته ان الدولة في طريقها للاضمحلال بعد سقوط البرجوازية. لكن ماذا سيحل مكانها كإدارة لمجتمع؟

الماركسية علمتنا ان الدولة هي جهاز للعنف الطبقي، بعد انتصار الطبقة العاملة وقمع أو تصفية الطبقات القديمة، تنتهي ضرورة العنف الطبقي، بالتالي تنتهي ضرورة الدولة. فيما بعد طور السوفييت (لينين) نظرية ان بقاء الدولة هي ضرورة لقمع البرجوازية العالمية. أي ظلت الدولة بدون تغيير بعد الثورة الاشتراكية، واقع الدولة الاشتراكية التي عرفناها كانت أسوأ من مثيلتها البرجوازية بغياب أي مفهوم ديمقراطي، قمع حرية الرأي وحق الاختلاف، الحزب (او زعيمه) هو المفكر والمقرر، لا قيمة للفرد (البرسيونال) القيمة للجماعة (شكليا فقط، عمليا لا قيمة إلا للقيادات العليا، شيء شبيه بالسلفية الدينية، الشيوخ يفتون، وغرابة أفكارهم التي لا تليق حتى بالعصر الحجري هي الصراط المستقيم). للمواطن خيار "ديمقراطي" وحيد ان يصوّت لنفس الحزب.. لنفس الشخصيات، لنفس النظام، لنفس الفساد ولنفس طبقة الحكم المتسلطة.

لينين رأى الأمر من زاوية مختلفة عن ماركس، مجالها ليس هنا الآن، إنما بودّي التأكيد ان الماركسية افتقدت للمعرفة النظرية لمفهوم الدول الاشتراكية، وما طبّق عمليا هو مفهوم الدولة السائد في العالم البرجوازي بإضافة شعارات وتبريرات فارغة من المضمون... الدولة الاشتراكية كانت أكثر قمعا ليس للبرجوازية العالمية، إنما لشعبها ولطبقتها العاملة!!

هذا الواقع انعكس بشكل سلبي ومؤلم في المجتمع الاشتراكي من تمييز وفجوات اجتماعية – اقتصادية بحيث تشكلت طبقة سائدة قمعية بمستوى لا يخجل إي نظام قمعي استبدادي فاسد!!

عندما صعد غورباتشوف توسّمت خيرا، رأيت بغورباتشوف ما حاول ان يكشفه لي بصمت أستاذُ الاقتصاد السياسي. لكن يبدو ان الثقوب أصبحت أكبر من كمية الجبنة.

رغم ذلك كان الحلم بمجتمع عادل ونظام مساواة إنساني، أكبر من الواقع المؤلم الذي شاهدناه وبرّرناه بشكل صبياني متعصّب ومنغلق عن رؤية الحقائق. عندما انهار الاتحاد السوفييتي قال قائد حزبي مرموق في إسرائيل ان "السوفييت كانوا يكذبون علينا ونحن كنا نكذب عليكم، لأننا اعتقدنا ان هذا لمصلحة الجماهير!!"

أي ان اليسار الماركسي كان يمارس الكذب على جماهيره ويكذب على ماركس وهو في قبره؟!

6 - البروليتاري مديرا للبنك ..

بدأت اشك بكل مفهوم نظرية صراع الطبقات، كنت على قناعة من تحول النضال الطبقي من نضال تناحري إلى نضال حقوقي واجتماعي. أصلا لم تقم أي ثورة على قاعدة الصراع الطبقي. فهمي النظري حول تفكك نظرية الحتمية التاريخية، استغرقني وقتا طويلا لأخرج من مربعها. تبين ان الرأسمالية الجشعة تعرف كيف تطور دولها علميا، تكنولوجيا، إداريا وثقافيا وحقوقيا، وحققت ثروة هائلة تجاوزت النظام الاشتراكي، اشترت فيها الطبقة العاملة إذا صح هذا التعبير. لم يعد العامل رجل المطرقة، لم يعد الفلاح رجل المنجل، أصبح العامل مدير بنك، مدير شركة، طبيب، مهندس، باحث علوم وتقنيات، مختصا بالهايتك، محاضرا جامعيا، هل تنطبق صفة "البروليتاري" عليه؟ هل هم مستعدون لصراع طبقي تناحري؟ بعض "البروليتاريين" يربحون أكثر من أصحاب بعض المصانع. الفلاح أصبح مجهزا تكنولوجيا بكل ما يحتاجه لتطوير زراعته وجني محصولاته، الزراعة أصبحت صناعة متطورة بينما الاتحاد السوفييتي والأحزاب الشيوعية ما زالوا يخيطون بالمسلة العتيقة. ما شاهدته في الكولوخوزات والسوفوخوزات مذل ومثير للألم والقلق على مصير الاشتراكية. كوسيجين رئيس الحكومة في ذلك الوقت (1970) طرح إصلاحا ثوريا للصناعة وأيضا الزراعة على أساس توزيع الأرض على الفلاحين وليس الملكية الجماعية والعمل الجماعي. رفض مشروعه بحجة ان الغرب سيتهم الاتحاد السوفييتي بالعودة إلى الرأسمالية في الصناعة والزراعة مما يعني فشل الاشتراكية. ثبتت صحة أفكار كوسيجين في تطبيقها في هنغاريا التي أحدثت قفزة زراعية هائلة ولم تطبق في الاتحاد السوفييتي لأنها تتناقض مع نصوص غبية ألصقت بالماركسية وبتفكير سلفي لم يستوعب ان الفلسفة، مهما كانت عبقرية، ليست مقولات دينية ثابتة. للأسف لم أستطع ترجمة مشاعري إلى مواقف ورؤية نظرية جديدة إلا بعد ان رأيت انهيار وتفكك حزبي الشيوعي في إسرائيل، القيادة الحزبية التي لم تعد تكليفا ومسؤولية، بل أصبحت مخترة ومكسبا شخصيا... وتحول التنظيم إلى تنظيم شخصاني!!

قدمت استقالتي عام 1992 متأخرا ونادما لأني لم انسحب قبل عقدين، الحزب بدأ يفقد تنظيمه وقدرته على تنفيذ قراراته، والأخطر إصابة الحركة الشيوعية كلها بظاهرة الجمود العقائدي، والشلل عن تطوير النظرية الماركسية بما يتلاءم مع التغيرات العاصفة في عالمنا وخاصة في مكانة النظام الرأسمالي والتغيرات الجوهرية التي غيرت الكثير من الأفكار القديمة حوله. لا انكر ان من يعرفوا بتيار "الماركسية الغربية" طرحوا أفكارا هامة لكنهم اتهموا بالتحريفية، ولم تقم الحركة الشيوعية بفحص للعمق لطروحاتهم ونقاشها بعقلانية وليس برفض اعمى وتعصب لمقولات بات واضحا ان التاريخ يتجاوزها.

صرنا حزبيا في حارة "كل مين ايده اله"!!

7 - آية الله الرفيق بريجنيف

أخبار الصحافة السوفيتية دائما قديمة، نشر الأخبار يتأخر بسبب الرقابة القوية على الصحافة وضرورة تزييف الحقائق للشعب السوفييتي. عملية تضليل مبرمجة لا تفسير آخر لها. أصبح لدي شك كبير بكل المعطيات الرسمية التي تنشر. صحافة الاتحاد السوفييتي لها صوت واحد ولون واحد، مجندة تثير امتعاض القارئ السوفييتي وسخريته. هذا ساهم بخلق الطرائف التي تسخر من واقع الاعلام.

من أجمل تلك الطرف ان المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي قلق جدا لأن "البي بي سي" و"صوت أمريكا" والوكالات الأجنبية تنشر أحداث سوفيتية قبل ان يقر نشرها وصيغتها المكتب السياسي للحزب. الرفيق بريجنيف (كان الأمين العام للحزب الشيوعي، عمليا أعلى سلطة في الدولة، يمكن القول "آية الله الرفيق بريجينيف") دعا إلى اجتماع أعلن فيه ان "أحد أعضاء المكتب السياسي يتجسس لحساب البي بي سي وينقل أخبارنا قبل ان تنشرها صحافتنا".

من هو الجاسوس يا رفاق؟ كان الصمت شاملا. قال "لن نغادر الاجتماع قبل ان نكشف عن الجاسوس". حاول البعض ان يقول ان الجاسوس ربما من هيئات حزبية أدنى؟ رفض بريجنيف الأمر. سوسولوف شعر بأن مثانته لم تعد تتحمل الضغط. طلب الإذن للخروج إلى الحمام. بالطبع هناك حدث جديد ستذهب يا سوسولوف لتبليغ الغرب والإذاعة البريطانية به. فتشوا الحمامات. لم يجدوا وسيلة اتصال بالامبريالية، عملها سوسولوف ببنطاله. عجوز آخر من قادة الحزب شعر أيضا ان الوضع بات حرجا، لم يجرؤ على طلب الإذن، أفلتها في بنطاله بتأني، هكذا مضى الوقت والرفاق العواجيز أعضاء المكتب السياسي يرطبون بناطيلهم، خوفا من اتهامهم بالعلاقة مع الإعلام الامبريالي!!

بريجنيف شعر ان المسالة لدية أيضا أصبحت غير محمولة، قال لهم "يا رفاق يبدو ان الجاسوس ليس من المكتب السياسي الاجتماع انتهى". رد سوسولوف بغضب "هل ستذهب لإبلاغ الغرب عن آخر أخبارنا؟" طبعا الأكثرية مع سوسولوف بسبب البنطلونات التي رطبتها مثانتهم. بريجنيف حاول ان يقنعهم ان الجاسوس قد يكون حقا من هيئة أدنى. "أبدا يجب ان ننتظر "!! أصروا. الضيق وصل أقصاه لدى الرفيق بريجنيف، فجأة حضرت مساعدته الليلية تحمل له وعاء لتفريغ البول.

سألها باستغراب "كيف عرفت أني بحاجة للتبويل؟" ردت المساعدة "أيها الرفيق بريجنيف قبل قليل سمعت خبرا من البي بي سي يقول ان الرفيق بريجنيف في اجتماع مغلق وانه بحاجة ماسة ليبول!!"

 

نبيل عودة

.........................

يوميات نصراوي: تسجيلات من دفتري الخاص

 

 

كلما ذكرت بغداد في أي كتاب او مرجع تاريخي يقال ان من بنى مدينة بغداد هو الحاكم العباسي الثاني عبد الله ابن محمد ابن علي ابن عبدالله ابن عباس وابتدء ببنائها عام 762 وانتهى من البناء عام 764 ميلادية واتخذها عاصمة للدولة العباسية لحين سقوطها على يد المغول . لقد تكررت هذه القصة في جميع المراجع التي نقرأها حتى أصبحت حقيقة ثابته لا تقبل الجدال حتى أصبحت بغداد تسمى مدينة المنصور . والسؤال هنا ماذا يقول التاريخ في ذلك ؟

للإجابة علي هذا السؤال نرجع الى سنة 750 ميلادي عندما تم القضاء على الحكم الاموي في دمشق على يد احفاد عبد الله ابن عباس ابن عم رسول الله وتولى الحكم " أبو العباس السفاح " الذي اتخذ من الكوفة عاصمة له باعتبارها مركز انصار ال البيت في مقابل دمشق عاصمة الامويين ولكن ميل اهل الكوفة الى الفرع العلوي من ال البيت دعا ال العباس الى الانتقال الى الانبار الأقرب الى مدينة الحميمة في الأردن التي نشأوا فيها وانطلقوا منها في ثورتهم . بعد وفاة أبو العباس السفاح وتولي أبو جعغر الحكم . وبعد ثورة الراونديين وثورة ذو النفس الزكية قرر البحث عن مكان يكون بعيدا عن الشام وذو موقع حصين من الكوفة . بناء على نصيحة من القساوسة النسطوريين تم اختيار موقع العاصمة الجديدة في منطقة " بغداد " .

تؤكد سجلات التاريخ ان الاسم القديم لبغداد اسمٌ آراميٌّ ظهرَ في الآثارِ المسماريّةِ، والبابليّةِ بصيغةِ كتابتِه الأصليّة (بغددو، وبكددو، وبكدود) وقد ذكرت هذه المنطقة باسم " بجدادا " في لوح يرجع تاريخه يعود إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد . وفي لوح اخر يعود تاريخه إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد ورد اسم "بجدادو ". ورد في وثيقة تاريخية يرقى عهدها إلى سنة 728 قبل الميلاد إبان حكم الملك الآشوري تجلات فلا سر الثالث (745 ـ 727 ق. م) اسم "بغدادو" . وفي لغة أهل بابل الاسم مكون من قسمين اوله يعني البستان أو الجنينة، أما جزء اسمها الثاني داد فيعني الحبيب، حيث يصبح معنى بغداد هو جنينة الحبيب وصديقه وبستان. وهذه السجلات تنفي ما حاول البعض الصاقه باسم بغداد من ان اصله فارسي ومعناه "عطية الله" ، لكن الأستاذ الدكتور عبد الرزاق الحسني يؤكد أن اللفظة ليست فارسية بل هي آرامية تفيد معنى باب الإله أو باب الضان أو دار الغزل، فهي بل دودو أو بكدادا أو بيث كدادا . كما أُطلِق على بغدادَ قديماً عدّة أسماء أخرى منها "الروحاءُ " بسببِ انفتاحِ مجرى نهرِ دجلةَ المارّ في المدينةِ، وارتياحِ مجراه فيها؛ نتيجة لانبساطِ أرضِها. كما سميت كذلك باسم "الزوراءُ " بسبب ازورارِ (الميل، والانحراف) أبوابِها الخارجيّةِ عن الداخليّة .

اما الاكتشافات الاثارية فقد أظهرت ان موقع "بغداد " كان جزء من ممالك تاريخية مازالت اثارها موجوده في بغداد اشهرها "مملكة اشنونا " وعاصمتها مدينة "اشنونا" في المنطقة المحصورة بين نهر ديالى ونهر دجلة . تأسست هذه المملكة في مدينة أشنونا (تل أسمر حالياً) في موقع يتوسط ممالك أكد وعيلام وآشور، وتأثرت بالثقافات السومرية والاكدية والآشورية والعيلامية، وكانت هذه المنطقة من أغنى الأقاليم التابعة لبلاد أكد، ثم تبعت سلالة أور الثالثة، ثم انفصلت عنها في فترة حكم آخر ملوكها (ابي سين) في حدود 2028ق.م، واتخذت أشنونا بعد أن استقلت عن أور تقويماً خاصاً بها، وأصبح الإله (تشباك) كبير آلهة أشنونا، وتلقب ملوك أشنونا بلقب (عبد تشباك) بدلاً من (عبد ملك أور)، وحلت اللغة الأكدية محل اللغة السومرية في الكتابات الرسمية، كل هذا كان دليلاً عن الانفصال التام عن أور، والاستقلال بمملكة أشنونا، وأخذوا يتوسعون في رقعة حكمهم، ويعد (بلالاما) من أشهر ملوك أشنونا، حلت بعده فترة مظلمة في أشنونا إذ تبعت لنفوذ ايسن، ثم وقعت تحت سلطة كيش، إلى أن تمكن الملك (ابق ادد) من الاستقلال بمملكة أشنونا في حدود (1850ق.م)، وخلفه ابنه (نرام سين) الذي مد نفوذه إلى الفرات الأوسط غرباً، وإلى مدينة آشور وسهل أربيل شمالاً، ولقب نفسه (ملك آشور)، ويرجح أن يكون (نرام سين) ملك أشنونا هو نفسه (نرام سين) الذي ذكر في إثباتات الملوك الآشوريين، وكان (ضلي سين) آخر ملوك أشنونا حيث سقطت هذه السلالة على يد حمورابي في عام 1761ق.م.

ومن اهم المواقع التي بناها الاشنونيين موقع "شادوبوم" التي تعرف اليوم باسم "تل حرمل " وهي جزء من المنطقة المعروفة اليوم باسم "بغداد الجديدة" حيث كانت هذه المدينة محاطة بسور منيع، وفي الوسط معبد كبير تحفّ به بيوت السكن وبعض المباني التي كانت مراكز دراسية علمية مهمة . ومعنى اسمها القديم "شادوبوم" هو ديوان الحساب أو بيت المال والذي يشير إلى أهمية هذا الموقع كمركز إداري ومالي في مملكة إشنونة.

وأقدم استيطان سكني للمدينة كان في عهد الإمبراطورية الأكدية وعهد سلالة أور الثالثة الحاكمة (3250-2115 ق. م)، ولقد عظم شأن مدينة شادوبوم في منتصف العصر البابلي القديم قبل حوالي 3800 عام. ولقد عثر على مجموعة من المباني المشيدة باللبن والطين ومن بينها ستة معابد فيها معبد كبير بني على طراز المعابد البابلية الجنوبية، وكان على جانبي المعبد وعلى جانبي المدخل إلى الحجرة الواقعة في الوسط تمثالين لأسدين مصنوعة من الفخار.

كانت هذه المدينة عبارة عن معهد علمي كبير عثر فيه على أكثر من ثلاثة آلاف رقيم طيني مكتوب بالمسمارية، وآثار كثيرة أخرى، احتوت تلك الرقم على قوائم بأسماء المدن والجبال والأشجار والحيوانات، ومعاجم باللغة السومرية والاكدية، واهمها قاطبة كانت الرقيم التي احتوت على المسائل الرياضية والجبرية والهندسية، وفيها الرقيم المعروف الذي احتوى على النظرية الهندسية التي عرفت فيما بعد بـ «نظرية فيثاغورس»، وأخرى بنظرية «اقليدس» في حل المسائل الهندسية بالطرق الجبرية، وهي جميعاً اقدم من فيثاغورس واقليدس بألف عام على الأقل .كما عثر في هذا الموقع على رقيم الطين الرياضية التي احتوت على المتواليات العددية بارقام كبيرة جداً. وعثر كذلك في هذه المدينة على رقيم احتوى على قوانين مهمة جداً عرفت بـ «قوانين مملكة اشنونا»، التي سبقت قوانين حمورابي بنحو قرن ونصف قرن من السنين.

لقد أكتشف موقع هذه المستوطنة التاريخية عالم الآثار العراقي طه باقر في الفترة من عام 1945 حتى عام 1963، حيث اكتشف فيه نحو 2000 رقم طيني، وفي عامي 1997 و 1998 عمل في تل حرمل فريق أثري من جامعة بغداد والمعهد الأثري الألماني بقيادة پيتر ميگلوس وليث حسين.

وعثر في الموقع على نسخة من قانون مملكة اشنونا الذي يعود إلى أوائل العصر البابلي القديم في حدود عام 1900 - 1850 قبل الميلاد.

قانون اشنونا أو قانون بلالاما نحو عام 1930 قبل الميلاد و هذا القانون اقدم من قانون حمورابي بحوالي نصف قرن من الزمن ، و بلالاما هو ملك لمملكة إشنونا ، وعثر على قانون إشنونا في لوحين من الطين في حفريات آثار تل حرمل من قبل عالم الآثار طه باقر.ولم يكتشف علماء الآثار سوى إحدى وستين مادة فقط من مواد هذا القانون.ولم يكتشف علماء الآثار سوى إحدى وستين مادة فقط من مواد هذا القانون، ويظهر من دراسة هذه المواد أن مشرعها كان قد أهتم ببعض المسائل الاجتماعية ومن ذلك وضع حد أدنى لأجور العمال وتسعير بعض السلع وتقسيم المجتمع إلى طبقات فقد وردت في هذه القوانين أول إشارة إلى تقسيم المجتمع العراقي القديم إلى طبقات ثلاث: الأحرار والمسكينوم والعبيد. بالقرب من "شادوبوم " ، تم اكتشاف مدينة "بنايا" في المنطقة المعروفة حاليا باسم "تل محمد " وهي أيضا جزء من منطقة "بغداد الجديده" . ظلت دولة أشنونا قائمة إلى أن ضمّها حمورابي إلى دولته الكبرى عام 1761 ق.م.

وهناك موقع تاريخي اخر على موقع مايسمى حاليا "قناة الجيش " يسمى "تل الضباعي " ويشتمل الموقع على مجمعات سكنية متعددة تعود إلى عهد الإمبراطورية الأكدية وجد في أحدها معابد ومباني عثر فيها على مجموعة من الرقم الطينية كتب عليها مسائل رياضية ترجع تأريخها إلى عهد أحد ملوك مملكة إشنونة الذي كان معاصرا للملك البابلي حمورابي قبل حوالي 17 قرنا . كذلك تم اكتشاف مدينه أخرى تسمى " توتوب " المعروفه اليوم باسم "تل خفاجي" شرق بغداد الحالية وتحتوي على "المعبد البيضوي" .

وبعد وفاة الاسكندر المقدوني في بابل بعد عودته من الهند أستقل سلوقس نيكاتور بالجزء الشرقي من إمبراطورية الاسكندر بعد ان شب الخلاف بين قادته الثلاثة، وقد امتدت الدولة السلوقية من الشام وشملت العراق وإيران وأرمينيا وآسيا الصغرى حتى الهند، وقد استمرت مدينة بابل بمكانتها الكبيرة كعاصمة للدولة الناشئة لبضع سنوات، ثم ارتأى سلوقس نيكاتور أن يبني له عاصمة جديدة تكون رمزا لإمبراطوريته، فاختار المكان الذي يتوسط مملكته قرب ميناء قديم عرفه اليونانيون هو ميناء أوبـيـس على نهر دجلة (جنوب مدينة بغداد قرب مدينة المحمودية اليوم) فأسس مدينة سلوقيا التي أطلق عليها هذا الاسم نسبة للامبراطور سلوقس. وبعد انتقاله الى مدينة انطاكيا بقيت "سلوقيا " (في الموقع القريب من بغداد الحالية) عاصمة شتوية للمملكة.

بعد قيام الفريثيون باسقاط الدولة السلوقية عام (139 ق.م) بنى الملك الفريثي مـثريدات الـثّاني عاصمة جـديـدة هي طـيـسفون، وفي عام 224 م، أصبحت طيسفون عاصمة الـّدولة الـسّاسانية الشتوية. وظّلت كذلك حتّى الفتح الإسلامي بعد معركة القادسية عـام 636 م. الّذي أسقط آخر ملوكهـم يزدجرد الـثّـالـث. قام العرب ببناء مدينة المدائن على انقاض طيسفون وتعرف الان باسم "سلمان باك " . عـثـر المنقبون على آثار سلوقيا في عـشرينيات الـقـرن الـعـشـريـن خـلال بـحثهم عن مدينة أوبيس . وقـد بدأت التّنقيبات الأمريكية الّتي أشرف عليها وترمان من جامعة ميشغان الذي استمر بالعمل من عام 1927حتى عام 1932. ثمّ نقّب فـي سلوقـيا "هـوبكنس عام 1936- 1937. ثم قامت جامعة تورينو الإيطالية بتنقيبات في الموقع من 1964 إلى 1968، ومن 1985 إلى 1989. وتم العثور على اهم أجزاء مدينة سلوقيا في المنطقة التي تعرف اليوم بـ (تلّ عمر) والذي يقع في المنطقة المعروفة اليوم باسم " عرب جبور " .

مع دخول المسيحية الى العراق قام العراقيون ببناء الأديرة في كل الأنحاء ومنها التي بنيت في منطقة بغداد ، دير (أشموني) قرب بغداد ودير (الزّندورد) الواقع في منطقة المربعة في الرصافة في شرق بغداد ودير (دُرتا) غربي بغداد ودير (سابور) غربي دجلة، ودير (سمالو) ودير (الثعالب) قرب بغداد عند منطقة الحارثية في الكرخ، ودير (مديان) على نهر كرخايا (الخير اليوم) في كرخ بغداد، وكذلك (دير مار جرجيس) قرب بغداد،  ودير (كليليشوع) المجاور لمقبرة الشيخ الصوفي معروف الكرخي في الكرخ و(دير سمالا) الواقعة في منطقة الشماسية (الأعظمية اليوم) ودير (باشهرا ) بين بغداد وسامراء(معناها بيت أو مدينة القمر)، ودير(السهٌوسي)،  ودير (مارفثيون) و(دير سرجيس) قرب سامراء،ودير (العاقول) بين المدائن والنعمانية . ولكن اشهر تلك الاديرة كان دير براثا في بغداد، على جانب الكرخ في منطقة الشالجية ضمن المحلة رقم 403 ضمن التصنيف الجديد لأمانة بغداد حاليا، على مقربة من العطيفية وعلى مسافة جنوبية ليست بعيدة عن مدينة الكاظمية.وتؤكد العديد من المصادر أن (براثَا قرية قديمة كانت في موضعها الحالي قبل إنشاء مدينة بغداد، واسم بَرَاثَا من اللغة الآرامية (برثيا) ومعناه: الخارج، ولهذا الموضع شهرة قبل الإسلام واشتهر في العهد العباسي أيضاً لوقوع الجامع فيه، وأن القرية أندمجت في بغداد، وأن الجامع هدم في عهد المقتدر العباسي (295- 320) تعصباً ثم أعيد بناؤه في زمن الخليفة الراضي سنة 329، وأقيمت فيه الخطبة الى ما بعد سنة 450، ثم قطعت منه وخرب. والظاهر أنه بقيت بقاياه ألى أواخر القرن السابع الهجري وجاوزته) ويقول ياقوت الحموي المتوفي سنة 629عن بَرَاثَا ما يأتي: محلة في طرف بغداد في قبلة الكرخ وجنوبي باب محول. وكان لها جامع مفرد تصلي فيه الشيعة وقد خرب عن اخره، وكذلك المحلة لم يبق لها أثر. فأما الجامع فأدركت أنا بقايا من حيطانه) ،الاسم الأول (براثا) كما تؤكد المصادر التاريخية هو في الأصل اسم باني الدير في المكان نفسه ومعنى براثا بالسريانية (ابن العجائب) وفي اللغة العربية تعني (الأرض الرخوة الحمراء)،

قام العديد من المؤرخين العرب بذكر مدينة بغداد في صدر الإسلام فقد ذكرالبلاذري  بغداد قائلا: "وكانت بغداد قديمة فمصرها أمير المؤمنين"، أي أنها كانت موقعا صغيرا فجعلها مدينة. كما أن أحمد اليعقوبي قال فيها: " ولم تكن بغداد مدينة في الأيام المتقدمة، أعني أيام الاكاسرة والأعاجم، وإنما كانت قرية من قرى طسوج بادويا" وهذا يعني أن تلك القرية كانت تسمى بغداد قبل أن يحتل الفرس العراق. وقد تحدث الهمداني عنها قائلا" وكانت بغداد قديمة، فمصرها أبو جعفر المنصور. وكانت بغداد سوقا يقصدها تجار الصين بتجارتهم فيربحوا الربح الواسع.". كما أن الطبري يذكر هجوم "خالد بن الوليد" على بغداد" أغار على سوق بـغداد… وانه وجه المثنى فأغـار على سوق فيها جمع لقضاعة وبكر."

كما أن ابن رسته يذكر بغداد قائلا: " بغداد أسم موضع كانت في تلك البقعة.. في الدهر القديم، وهي أرض بابل .." .والخطيب البغدادي يروي لنا عن طريق الشيخ أبي بكر الذي قال" والمحفوظ أن هذا الاسم ـ بغداد كما يعرف به الموضع قديما". من المؤرخين الأجانب ذكرها "جاك ريسلر" بقوله " وكانت بغداد مدينة قديمة بابلية على الشاطئ الغربي من نهر دجلة" في حين يقول أوليري: "ان بغداد مدينة عريقة في القدم ، كانت تعرف زمن البابليين ببغداد".

وتقول دائرة المعارف الإسلامية إن كُتَّاب العرب أجمعوا على أن المنصور لم يُشيِّد بغداد في إقليم خالي من السكان، وذكروا بياناً كاملاً بأسماء محلات في الجاهلية أخذت تندمج تدريجياً في العاصمة العباسية فيما بعد، وكانت بغداد أهم هذه الأماكن، وهي قرية نصرانية من أعمال بادوريا (بادوريا كلمة سريانية بيث ديار أو دارا معناها مكان السكن أو الصراع) وهي كورة على الضفة اليسرى لدجلة تشمل الكرخ والأراضي جنوب نهر السراة وهو فرع من قناة نهر عيسى الذي يفصل بادوريا غن قطربل، ويجب أن نبحث عن معظم المحلات القديمة مثل براثا وحي الحربية الذي يضم قريتي الخطابية والشرفانية التي كان جُلَّ سكانها من النصارى الآراميين في الجانب الغربي للمدينة أي الكرخ التي تعني في الآرامية المدينة، ولا شك أن معظم أديرة النصارى التي ازدهرت في بغداد إبان العهد الساساني .وفضلاً عما ذكرنا من المناطق المسيحية كان هناك مناطق وقرى أخرى مثل قرية درتا: دورتا ومعناها الدائرة أو الحافة وتقع مما يلي قطربل ويقول عبد الحق إن كان فيها دير للنصارى (دير درتا) (مراصد الاطلاع ، سونايا: معناها الممقوت أو المشوَّه، يقع في أطرافها الدير العتيق (مار فثيون)، براثا: المسكونة، البرية، أو البعيدة، بنورا–بناورا: بيت النار، قطيعة النصارى التي كان فيها كنيسة مار توما السريانية الأرثوذكسية ودير الأخوات العذراى وكنيسة للسريان النساطرة حيث كان الجاثليق يوحنا بن عيسى من هذه المنطقة وأخوه خذاهي الأعرج كاهن كنيسة السريان النساطرة، قطفتا: القطافة، وتعني كثرة البساتين، مجاورة لمقبرة دير كليليشوع، وكذلك كان هناك في بغداد القديمة قرى ومناطق مسيحية مثل الوردانية والعتيقة وورثالا وغيرها.

عندما أراد أبو جعفر بناء عاصمة ملكة كما يذكر الخطيب البغدادي في كتابه “تاريخ بغداد” بأنه تم استخدام حوالي 162 ألف حجر أساس في بناء الثلث الأول من الحائط، واستخدام 150 ألف أخرى لبناء الثلث الثاني، بينما استُخدِم 140 ألف حجر لبناء ما تبقى من الحائط، وقد تم ربطها ببعضها بواسطة حزم من القصب؛ أمّا الحائط الخارجي فقد كان ارتفاعه حوالي 25م، وبنيت عليه أسوار بمنصات، وبُني خندق عميق حوله. بلغ قطر مركز المدينة حوالي 2000م، وقد تم تخصيصه لقصور أبناء الخليفة، ولسكن الموظفين في البلاط والخدم، والمطابخ الخاصة بالخليفة، وكانت هناك أماكن مخصصة للحرس والخيالة، وتم بناء الجامع الكبير، وقصر البوابة الذهبية الخاص بالخليلة، إضافة إلى المكاتب والمؤسسات الحكومية . ولم يطلق أبو جعفر على مدينته اسم " بغداد " او الزوراء بل اطلق عليها اسم "دار السلام " وهي كانت عبارة عن حصن كبير يضم قصور الحاكم وعائلته وتفاصيل الدولة من قواد ووزراء وكان قصره قد بني على اثار مقبرة العصر الفرثي.

حاليا لايوجد في بغداد أي اثر يعود الى أبو جعفر حتى مدينته المدورة اختفت تحت مياه دجلة . اذا لماذا ظهرت هذه الخرافة التي تؤكد على ان أبو جعفر هو الذي بنى بغداد ؟ ولماذا تم ابراز دور أبو جعفر بهذه الطريقة ؟ والجواب بسيط جدا " السياسة " فقد حاول " القومجية " الذين تحكموا بمصير العراق حوالي مائة عام قد عمدوا الى طمس المعالم الاثارية للعراق وإبراز أي قصة تشير الى دور عربي حتى ولو على حساب الحقيقة والأمانة العملية والتاريخية .

 

زهير جمعة المالكي

 

جودت هوشياراستهل الرئيس الفرنسي إيمانوئيل ماكرون زيارته الأخيرة الى لبنان بزيارة الفنانة الكبيرة فيروز، وتقليدها وسام جوقة الشرف، وهي أعلى وسام في فرنسا، على خلاف الرؤساء الآخرين،الذين لا يخطر ببالهم زيارة أي فنان أو كاتب أو عالم شهير لدي زيارتهم للبلدان الأجنبية.

وقد اثبت ماكرون انه جدير بالمجد الفني والأدبي الفرنسي، فهو يولي اهتماما كبيرا بالأدب والمسرح والموسيقى، وكان يحلم في شبابه أن يكون كاتبا، حتى انه كتب رواية طويلة من (300) صفحة عندما كان في السادسة عشر من عمره. ضاعت مخطوطة الرواية ولكن ماكرون لم يتغيّر، حتى بعد وصوله الى سدة الرئاسة في فرنسا. فقد ظل قارئا نهما للروائع الأدبية، ويبدو أنه مفتون بروايات فيودور دوستويفسكي، ولا يتوانى - حتى في مؤتمراته الصحفية المشتركة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين – عن تضمين تصريحاته مقتطفات من روايات الكاتب الروسي العظيم.

يقول ماكرون في كتابه “ثورة” الذي صدر في نوفمبر 2016 عشية الحملة الإنتخابية في فرنسا: “اننا نشارك روسيا في القارة الاوروبية، وفي التأريخ والأدب، فقد عاش تورغينيف في فرنسا، وأحبّ بوشكين بلدنا، وكان لتولستوي وتشيخوف تأثير كبير فيالأدب الفرنسي .”.

حقا لقد عاش الكاتب الروسي الكبير إيفان تورغينيف (1818 – 1883) الجزء الأكبر من حياته الأبداعية في فرنسا، وكانت تربطه علاقات صداقة وثيقة بأهم الكتّاب الفرنسيين وفي مقدمتهم غوستاف فلوبير.وكان تورغينيف يحيط الكاتب – المبتدئ في ذلك الحين - جي دي موباسان برعايته ولا يبخل عليه بنصائحه الأدبية الثمينة. وقد اهدى موباسان روايته الأولى “ الحياة “ الى تورغينيف.

أما أمير الشعراء الروس الكساندر بوشكين ( 1799-1837) فانه كان يكتب رسائله في العادة باللغة الفرنسية. وثمة في الأصل الروسي لرواية ليف تولستوي “ الحرب والسلام “ صفحات كثيرة مكتوبة باللغة الفرنسية لأنها هي التي كانت سائدة في صالونات المجتمع المخملي الروسي في العهد القيصري. كما ان اللغة الفرنسية كانت اللغة الأجنبية الرئيسية في المراحل الدراسية كافة، حتى ان الكاتب الروسي الشهير اسحاق بابل (1894 - 1939) كتب اولى اعماله الأدبية باللغة الفرنسية.

الوشائج الثقافية بين فرنسا وروسيا قديمة وتمتد جذورها الى عدة قرون حيث بدأت في عهد القيصر اسكندر الاكبر وظلت قوية ووثيقة حتى يومنا هذا.

الاعمال الادبية الفرنسية كانت وما زالت تترجم اولا باول الى اللغة الروسية. وبالمقابل فان رحلة عمالقة الأدب الروسي (بوشكين، غوغول، تولستوي، دوستويفسكي، تشيخوف، بونين) الى القاريء الأوروبي، كانت تبدأ من فرنسا في العادة، حيث تترجم على نطاق واسع الى الفرنسية قبل اللغات الأوروبية الأخرى.

وخلال زيارة ماكرون الى روسيا عام 2018، قال في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، :” أعتقد أنه يجب علينا أن نحدد، كما قال دوستويفسكي، الأرضية الحقيقية للمصالحة لجميع التناقضات الأوروبية”.

واضاف ماكرون :” عام 2018 هو عام اللغة والأدب، الذي حل محل السياحة الثقافية في عام 2017. وانتم تعلمون ان العام الماضي كان ناجحا للغاية بفضل مجموعة لوحات (شوكين) المعروضة في باريس، ومجموعة اللوحات الفنية من متحف اللوفر،التي عرضت في موسكو. غدا سنتحدث عن (بيتيبا)، الذي يصفه البعض بأنه فرنسي، ويصفه البعض الآخر بأنه روسي. إنه في الواقع فرنسي ومن مرسيليا، وقد منحته روسيا ثقة كبيرة، حيث اسهم على نحو ملموس في تطوير الباليه الروسي“.

تجدر الإشارة هنا الى أن سيرجي ايفانوفيتش شوكين (1854 – 1936) ثري روسي من العهد القيصري كان في غاية الذكاء، ويتحرى - خلال زياراته المتكررة الى باريس - عن الفنانين الشباب الواعدين، ويقتني لوحاتهم الحداثية الرائعة من شتى الاتجاهات الفنية. بعد ثورة 1917 وتأميم قصره الباذخ، والأستيلاء على مجموعة لوحاته النادرة، لجأ شوكين الى فرنسا وعاش فيها حتى وفاته، حيث دفن في احد مقابر باريس. وقد اصبحت مجموعته الأساس لمجموعات اللوحات الفرنسية الحداثية في متحف ايرميتاج في سانت بطرسبورغ ومتحف بوشكين الفني في موسكو.

اما فيكتور ماريوس ألفونس بتيبا (1818 – 1910)، فهو راقص باليه، ومعلم ومصمم رقصات باليه، فرنسي الجنسية، ويعد معلم الباليه الأكثر تأثيرا في تطور هذا الفن الرفيع.

وفي مستهل زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى فرنسا عام 2019 عقد الرئيسان مؤتمرا صحفيا مشتركا، وقد ذكّر ماكرون ضيفه الروسي والصحفيين بفقرة من رواية “المراهق“ دوستويفسكي التي يشير فيها الكاتب العظيم الى ما يميز الانسان الروسي عن الفرنسي او الالماني وهذا التمايز – حسب دوستويفسكي – يكمن في ان الانسان الروسي كلما كان روسيا اكثر اصبح اوروبيا اكثر. وان سمات الانسان الروسي تتجلى على نحو كامل عندما يعتاد على الثقافات الاوروبية الاخرى، على النقيض من ممثلي شعوب أوروبا الغربية، الذين يتم الكشف عن إمكاناتهم من خلال الهوية.

وقد اشار ماكرون في مناسبات عديدة اخرى الى أقوال كتّاب روس آخرين منهم فلاديمير نابوكوف، والكساندر سولجنيتسين. وكتب ماكرون ذات مرة في صفحته الشخصية على موقع “ فيسبوك “ كلمة باللغة الروسية موجهة الى الشعب الروسي.

في العام الماضي منح ماكرون وسام جوقة الشرف الى الكاتب الفرنسي الشهير ميشال اولبيك خلال حفل اقيم لهذا الغرض. وكان من بين الحضور، الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، والكاتب الفرنسي المعروف فردريك بيجبدير. واشار ماكرون في كلمته التي القاها خلال الحفل الى ان روايات اولبيك تدل على انه كاتب رومانسي في عالم أصبح مادياً. واضاف ماكرون، ان اعمال اولبيك ليست تشاؤمية، بل مليئة بالأمل بمستقبل أفضل.

ماكرون يتابع عن كثب المشهد الثقافي الفرنسي،حتى في ظروف العزل الاجتماعي بسبب جائحة كورونا وقد عقد قبل حوالي شهرين اجتماعا ضم كبار الشخصيات الثقافية وقال ماكرون عقب اللقاء: “سنقدم الدعم اللازم الى الفنانين والكتّاب والمخرجين والعاملين في المسرح. واصاف قائلا : “نحتاج الى احياء المراكز الابداعية وعودة الجمهور”.

 

جودت هوشيار - موسكو

 

كاظم شمهوديعتبر طه باقر من اوائل علماء الآثار في العراق ومن الاوائل الذين قرأوا الالواح الطينية السومرية وترجم ملحمة كلكامش وقاد فرق التنقيب لمديرية الآثار العراقية منذ سنة 1945 الى سنة 1949 حيث كشف خلال هذه الفترة اكثر من الفي لوح  قديم من حضارة بلاد الرافدين  ..

ولد الاستاذ طه باقر في مدينة الحلة ( بابل )عام 1912 وهو من اسرة كريمة اتصفت بالعلم والبحث والتدريس ومن سادة بني هاشم، تخرج من الثانوية عام 1931—بتفوق وكان واحد من الاربعة الاوائل الفائزين  في العراق، وقد اختير كأحد الطلاب لدراسة علم الآثار في شيكاغو في الولايات المتحدة . وبعد انهاء دراسته التي استمرت اربعة سنوات عاد الى العراق وعين في مديرية الآثار ثم مدير للمتحف العراقي عام 1945 ثم  مديرا للآثار العامة في العراق .. ويذكر انه عندما عاد من الخارج  استقبله اهل الحلة بالافرح والورود وحملوا سيارته على الاكتاف ...

1789  ملحمة كلكامشقام طه باقر بترجمة ملحمة كلكامش وهي اول الترجمات العربية ولكنها كانت مأخوذه من اللغتين الانكليزية والالمانية اي مترجمة عنها، غير ان باقر استطاع من ترجمة اللوح الحادي عشر من السومرية والاكدية الى العربية بشكل مباشر، لكن السؤال الذي يتبادر الى الذهن لماذا لم يقم باقر  بترجمة كل الملحمة من النص  السومري او الاكدي الى العربية ؟ يذكر ان السبب في ذلك يعود الى ان  النصوص متفرقة الى عشرات الكسر الصغيرة والتي تحتاج الى كادر متخصص لهذه المهمة الصعبة ... بينما نجد ان علماء الآثار الاجانب الذين اموا العراق قد استطاعوا من حل رموز الخط المسماري منذ منتصف القرن التاسع عشر، وحملوا معهم آلاف الالواح الطينية وكسرها الى متاحفهم .

و يذكر ان الترجمات  الاجنبية الاولى لملحمة كلكامش كانت قد اعتمدت على تحرير النص وليس قراءة سطوره حسب النص بمعنى انهم عملوا على ترجمة مضون النص .

و يضاف الى ذلك فقد قام باقر بتأليف عدد كبير من الكتب القيمة عن تاريخ بلاد الرافدين ومن اشهرها هو كتاب – مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة -1973 حيث يعتبر من اهم ما كتب عن تاريخ حضارة وادي الرافدين وكان باقر ينوي اصداره بجزئين ولكنه لم يكمل الثاني فتوفى عام 1984 . كما اشرف على مجلة سومر الاثرية فترة طويلة من الزمن .

1786  زقورة أور

مضايقات واستفزازات:

تعرض الاستاذ طه باقر الى اشد المحن والمآسي اثناء عمله العلمي والتدريسي  في جامعة بغداد في زمن البعثيين ولكنه اصر على مواصلة بحوثه العلمية كاستاذ اكاديمي مستقل . ففي عام 1963 وبعد سقوط عبد الكريم قاسم اعتقل باقر وفصل عن وظيفته  بعدما  قضى   كل حياته في التنقيب والتدريس والبحث عن ماضي بلاد النهرين وحل رموز الكتابات المسمارية وترجمة وفهم نصوصها حيث كان اول عراقي اصيل يقوم بذلك العمل . ثم اضطر الى الهجرة الى ليبيا للعمل في التدريس هناك، بعد ذلك دعي الى العودة الى العراق، ولكنه اشترط الا يكلف بمنصب رسمي سياسي غير التدريس في الجامعة .

1786  زقورة أور

كما تعرض الى النقد والشتم من قبل المتطفلين على الثقافة ومن ازلام النظام البعثي السابق، الذين لم يعرفوا مكانة باقر وكتبه  وتألقه في علم الآثار،  ربما كان ذلك حسدا منهم او نتيجة لتصحيحه لكتب بعض علماء الآثار الاجانب الذين كانت ترجماتهم ضعيفة ومتناقضة، ولكن بمرور الايام اثبت طه باقر اعلميته  واحقيته و ريادته في علم الآثار  من خلال كتبه الفريدة والدقيقة في دراستها لتاريخ بلاد الرافدين . ومن جملة ما كشفه  باقر ذلك الختم الاسطواني السومري الذي يحمل معادلة رياضية، وقد تكلم باقر عن ذلك في مقابلة تلفزيونية مسجلة على شريط طوله حوالي دقيقة واحدة وهو كل ما تبقى من شريط طويل قد تعرض للحرق بعد سقوط النظام عام 2003 .

1787  طه باقر وعبد الكريم قاسم

و يذكر ان عدم الاهتمام بمكانة باقر وتعرضه لشتى المضايقات قد  دفعته الى القول (الم يكن من الافضل لو اني قبلت ذلك العرض من جامعة شيكاغو للعمل فيها بعد انتهاء دراستي) .كان باقر كامل الولاء لبلده ووطنه وهو رجل عالم ومفكر تقدمي  رغم تعرضه لصنوف العسر في المعيشة، حيث بقى في ولاء تام الى الطبقة الكادحة ولم يطيق العيش تحت اي راية حزبية او مذهبية كانت  ، بل كان  همه الاول هو كعالم واستاذ  اكاديمي يخدم بلده وشعبه، وهو يقول (نحن العراقيون علينا ان نكتشف تاريخنا بجهدنا ودماغنا الذي نحمله). الله يرحم استاذ العراق طه باقر  ويرحم كل علماء ومفكري العراق وشهدائهم .

 

د. كاظم شمهود

 

عبد الحسين شعبان"ليت لي رقبة كرقبة البعير كي أزن الكلام قبل النطق به"

الإمام علي

"آني أريد أموت يمّ أهلي"... هذا ما ظلّ الرفيق حسين سلطان يردّده على مدى أشهر قبل أن يتّخذ قراره بالعودة إلى بغداد العام 1989. لم أنسَ هذه الجملة التي بقيت ترّن في أذني لسنوات طويلة، وكلما تذكرت " أبو علي" تقفز تلك العبارة إلى ذهني، ولعلّه كان يستعيدها حين تداهمه نوبة ربو مفاجئة ، حادة ولئيمة، بحيث تتقطّع أنفاسه، فيخرج البخّاخ  من جيبه على عجل ليرش جرعتين في فمه أو ثلاث أحياناً، ليتحرك الدم في وجهه، فيستعيد مرحه ويضحك من كل قلبه وكأنه طفل بريء، ليخاطب من حوله " مثل خنجر الصُلبي يتحلحل وما يطيح"، أي أنه ما زال يعيش على الرغم من تدهور وضعه الصحي.

في إحدى المرات خاطبني وكان بحالة حزن شديد وبتشاؤم كبير على غير عادته، قائلاً: هذا جزائي وليس ثوابي، فبعد 51 عاماً من عضويتي المستمرة بالحزب الشيوعي العراقي أُترك هكذا لأواجه مصيري وكأنني جئت مستطرقاً، وضرب مثلاً  شعبياً قائلاً" مثل الجمل يحمل الذهب ويأكل العاقول"، وكرّر كلامه: إنني  لا أبحث عن ثواب ، لكن أن يتم تركي  تائهاً في هذه الغربة اللعينة  وبلا معين، فذلك أمر لا أرتضيه حتى للأعداء، فكيف بي وأنا قدّمت كل حياتي وعائلتي دون منّة أو ادعاء، مثلي مثل العديد من الرفاق، وإذا بي أعامل بهذه الطريقة المهينة واللّاأخلاقية، وأنا في وضع صحي بائس ولا أعرف كم تبقّى لي من الأشهر أو الأيام لكي أغادركم إلى " الرفيق الأعلى" لذلك "أريد أن أموت يمّ أهلي" .

وأضاف حسين سلطان: " لولا د. محمد جواد فارس في دمشق ومراجعاتي المستمرة له وتأمين الدواء والعناية من جانبه وكذلك د. سمير السعدون في براغ ، لكنت انتهيت في هذا المنفى في غرفة رطبة وأوضاع لا أحسد عليها ، فحتى زوّاري حين كنت في الشام يتحرجون من زيارتي لأسباب تعرفها". أشحت عنه نظري كي لا يرى مدى تأثري، وانشغلت بطلب الحساب من النادل في إحدى المقاهي التي جلسنا فيها لنشرب الشاي ، لكنني بقيت أسمع صوته ونشيج صدره ونفسه الصاعد والنازل ولون وجهه الممتقع، فهذا الرجل الأبي، الجسور، الشجاع، كنّا نستمد منه العزم والمضاء، فكيف وهو على هذه الحال.

كرّر ذلك أمام أكثر من رفيق وتساءل بمرارة: هل حقاً نحن الشيوعيون جُبِلنا من طينة أخرى كما كنّا نردّد ؟ إذاً من أين جاءت القسوة والكراهية لتطغى علينا؟ وكيف يقبل الرفيق عزيز محمد، وهو رفيق عمر، مثل تلك الممارسات أم أن كبيرهم علّمهم السحر؟ وهل يعقل أن السبب هو أن لدينا وجهات نظر مخالفة لما هو سائد فتتم معاقبتنا والانتقام منّا في أوضاع الغربة والعوز والفاقة والشيخوخة والمرض والبعد عن بيئتنا ومحيطنا وعوائلنا؟

جدير بالذكر أن حسين سلطان حوسب في بلغاريا وتم إخراجه منها بطلب موجّه إلى الحزب الشيوعي البلغاري، واستدعي إلى دمشق دون مهمة محددة سوى " الموت انتظاراً" كما كان يقول. وكانت انتقاداته قد أخذت تزداد قبيل وبُعيد المؤتمر الرابع، ولاسيّما في الموقف من الحرب العراقية - الإيرانية، إذ كان ضد أي ممالئة لإيران، وقد سبق له أن شخّص ظاهرة " التكريد" التي كتب فيها عدة رسائل إلى إدارة الحزب، منذ العام 1970 وارتباطاً مع المؤتمر الثاني، وجاءت إحدى رسائله بعنوان "تكريد الحزب الشيوعي العراقي عمل ضار مبعثه نظرة قومية وحيدة الطرف"  وكان قصده كما يقول "وضع الحقيقة أمامهم عارية لا لبس فيها ولا غموض" وهو ما ذكره الرفيق باقر ابراهيم في مذكراته الموسومة " مذكرات باقر ابراهيم"، دار الطليعة، بيروت، 1996، وكذلك ما عرضه نجله خالد حسين سلطان بعنوان "أوراق من حياة شيوعي: حسين سلطان صبّي،" 1920-1992، دار كنعان، (الناشر مؤسسة عيبال – نيقوسيا /قبرص) دمشق، 2007،  ولا ينبغي أن يُفهم موقف حسين سلطان وكأنه موقف من الشعب الكردي وحقوقه العادلة والمشروعة، بقدر كونه موقفاً من رفاق ضيّقي الأفق داخل الحزب الشيوعي كما قال لي حين سألته عن تفسير موقفه.

كنتُ قد التقيته في صوفيا قبل لقائي به في الشام، حيث كان يعيش في المدرسة الحزبية، حين كنت ضيفاً على وزارة الإعلام البلغارية، واستمعت حينها إلى وجهات نظره وملاحظاته القديمة والجديدة، بشأن قضايا التحالف وتفويت الفرص والحرب العراقية - الإيرانية والعلاقات الرفاقية. وفي لقاء جمعنا مع عامر عبدالله في الشام عرض حسين سلطان وجهات نظره وبسطها بطريقته المقنعة باقتراح بعض البدائل كأمر انتقالي لمواجهة الإذلال والاستفراد.

وبادر أبو عبدالله الذي كانت قد نضجت لديه الفكرة  حينها للاتصال بالسلطات اليمنية التي وفرت جوازات سفر خاصة لعدد من الرفاق بينهم حسين سلطان وعدنان عباس(الذي غادر كردستان عبر إيران وصولاً إلى أفغانستان ومنها إلى موسكو) وزكي خيري، إضافة إلى راتب شهري لكل منهم (جرى قطعه لاحقاً بضغط من الطرف الآخر، كما قال اليمنيون لعامر عبدالله)، وكان أن حصل قبل ذلك على دعم من إحدى المنظمات الفلسطينية كما ذكر باقر ابراهيم، وقرّر الجميع التوجه إلى براغ والتحرك من هناك، خصوصاً بالتحرّر من مخاوف الإيقاع بهم في الشام.

وكانت الجوازات الدبلوماسية والخاصة (جوازات خدمة) تمنح حق الإقامة لمدة 6 أشهر لكل حامل لها، ويمكن تجديدها بالخروج والدخول مرّة ثانية؛ وكان باقر ابراهيم قد وصل إلى براغ في الوقت نفسه الذي وصل فيه حسين سلطان وعامر عبدالله . أما آرا خاجادور فقد كان يعيش في براغ أيضاً بعد تجربة الأنصار، حيث بدأت علاقته تتدهور مع إدارة الحزب، وفي براغ أيضاً كان يعيش ماجد عبد الرضا من مطلع العام 1988؛ وجرت لقاءات متعددة بما فيها فتح قناة مع السلطة عشية وبُعيد مبادرة مكرم الطالباني ، ولقائه بعزيز محمد وجلال الطالباني، إضافة إلى لقائه مع نوري عبد الرزاق وعامر عبدالله ، لكن تلك المحاولات لم تتمخض عن شيء، بل عمّقت الخلافات بين الفرق المختلفة وزادتها، تباعداً مع إدارة الحزب التي تشددت في موقفها ففصلت حسين سلطان وباقر ابراهيم ونوري عبد الرزاق وعدنان عباس وناصر عبود، وفشلت محاولات رأب الصدع والتوجه الموحّد لمواجهة الأزمة واتخاذ موقف موحد إزاء التطورات التي حصلت في البلاد بعد انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية.

وفي براغ وجدت حسين سلطان لأول مرة متشائماً ومحبطاً، خصوصاً بتردي العلاقات الرفاقية ، وهو الوجه الاجتماعي المحبوب، وكنت أتساءل مع نفسي ماذا لو تعرّض عزيز محمد إلى نفس ما تعرّض له حسين سلطان ، فكيف سيتصرّف؟ علماً بأن حسين سلطان ظلّ متماسكاً ويتعامل بثقة ورباطة جأش.

قال لي حسين سلطان: لقد عارض عزيز محمد الخط السياسي لإدارة بهاء الدين نوري ومعه نخبة حزبية في السجن وخارجه وفي مقدمتها الشهيد جمال الحيدري، واعتبرنا الخط السياسي السائد متياسراً ومتطرفاً بلغة تلك الأيام، وعبّرنا عن اجتهادنا لاحقاً بتشكيل مجموعة أطلقنا عليها مجموعة " راية الشغيلة"، حيث عمل معها حسين سلطان المسؤول حينها عن اللجنة المحلية في النجف ، وظلّ على وجهات نظره حتى بعد الاتفاق مع قيادة سلام عادل، وإنْ اندمج فيها .

وكان الحزب قد انقسم حينها، خصوصاً بعد إجراءات الطرد،التي اتخذت بحق عدد من الرفاق منهم جمال الحيدري وعبد السلام الناصري وعبد الرزاق الصافي، إضافة إلى "عزيز محمد - مخلص "، فكيف يسمح  الرفيق أبو سعود لنفسه أن يرتكب نفس ما اتهم به خصومه؟  قال ذلك حسين سلطان بألم: كيف له أن يُقدم على طردنا ونحن حتى الآن أعلنا عن رأينا في السياسة وبعض قضايا  التنظيم والعلاقات الرفاقية؟.

كان حسين سلطان يردّد لقد جئت إلى الحزب في العام 1938 وحصلت على العضوية في مطلع الأربعينات، ولم أقرأ لا كتاب رأس المال ولا مؤلفات لينين ، فقد تم إقناعي ببساطة عبر الأخلاق، وهذا ما كسبنا الناس به وفي الدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، وإذا تراجعنا عن ذلك، فماذا سيبقى لنا، خصوصاً حين نتجاوز على حقوق بعضنا البعض ونتعامل بقسوة وكراهية ونحمل الضغائن والأحقاد في قلوبنا؟ وكما ذكرت في مطالعتي الموسومة " مقهى ورواد ومدينة - ذاكرة المكان ونستولوجيا التاريخ"(الحوار المتمدن ، 27/1/2012)، فإنه كان يستعيد بعض المواقف بمرارة وألم، وإن ظلّ فخوراً بانتمائه، لكن الزمن والمرض أخذا منه الكثير.

في أحد الأيام دعانا حسين سلطان إلى الغداء في منزله الذي يسكن فيه مع عدنان عباس (أبو تانيا) في براغ التي وصلتها، وقال لديّ أمر مهم أريد أن آخذ رأيكم فيه: وأتذكر أن من الحاضرين كان : أحمد كريم وماجد عبد الرضا وعامر عبدالله وعباس عبيدش وعصام الحافظ الزند وكاتب السطور ولست متأكداً من حضور خالد السلام ، إضافة إلى عدنان عباس وصاحب الدعوة أبو علي.

وبدأ الحديث عن رغبته في العودة إلى العراق وقال بالحرف الواحد: إنه يئس من الانتظار وأن وضعه الصحي يتدهور وهو يريد أن يموت في العراق على حد تعبيره، ويطلب رأينا قبل أن يتخذ قراره الخاص، علماً بأنه كان قد توصل إلى قناعة هي أن وجوده أصبح بلا جدوى، وأردف القول: إذا تم الضغط عليّ فإنني سأبلغ الجهات المعنية أنني لا أرغب بالعمل السياسي  دون عودة جماعتي، ووفقاً لصيغة جديدة وقانونية للتعاون الوطني واتخاذ إجراءات إيجابية تساعد على ذلك، سواءً عودة الجبهة الوطنية أو أي شكل مماثل لها، وإلاّ فإنه سيتحمل المسؤولية، وإنْ استطاع أن يفتح كوّة صغيرة، فالأمر سيكون إيجابياً، وإلاّ فإنه سيكون ملازماً بيته وبعيداً عن أي نشاط سياسي وسيتحمل نتائج موقفه.

وكان الحاضرون جميعهم تقريباً قد أبدوا تأييدهم بدرجات متفاوتة لعودته، وأبلغنا أبو علي أن باقر ابراهيم يؤيد عودته وأنه متفق معه وأنه استمزج الرأي عبر أحمد كريم مع مهدي الحافظ ونوري عبد الرزاق، فأيّدا ذلك.

وكنت قد أبديت رأيي المتحفظ بخصوص عودة الرفيق أبو علي بالطريقة إيّاها، وقلت أن الظروف لا تسمح بعودة آمنة لكي يستطيع الحزب أن يلعب دوره اللاحق،  وقلقي أن تستثمر السلطات العودة الفردية، لكي تمارس ضغوطاً أكبر على الرفاق بدلاً من الاعتراف بهم ككيان أو مجموعة سياسية مختلفة معها، علماً بأنني أعتبر العودة الفردية غير مشجعة  لتحقيق انفراج سياسي فعلي، غير أن السلطة زادت في حملاتها القمعية، بعد انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية حسبما تقول المعلومات.

وأضفت إلى ذلك وعدنان عباس وعصام الحافظ الزند يتذكران : لا بدّ من شيء واضح، وإعلان صريح من جانب الحكومة  بالرغبة في الانفتاح ومشاركة الآخرين، ناهيكم عن اتخاذ خطوات ملموسة بإطلاق سراح المعتقلين وفتح حوار جدي لتسوية المسألة الكردية  وإعادة المهجرين وتعويضهم والشروع للانتقال للحياة الدستورية، والأهم العمل الجدي  لإعادة بناء ما خرّبته الحرب في إطار عملية تنمية شاملة، وهذا كان برنامجنا الذي طرحناه في آب (أغسطس)1988 وقد ضمّناه في البيان الذي كتبناه باسم المنبر بُعيد انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية 8/8/1988 وورد لاحقاً في البلاتفورم الذي صدر بعد الاجتماع الموسع.

قال حسين سلطان: ليس لديّ أي وهم من أن السلطة ستستقبلني بالأحضان، وإذا ما تعرضت لأي ضغط، فضربة واحدة (سطرة كما عبرّ عنها) تكفي لأن ألفظ أنفاسي، وإذا كان الضغط ودياً، فسأقول أنا مستعد للعمل شرط أن يأتي رفاقي، وهؤلاء لا بدّ من توفير مستلزمات عودتهم بإحداث انفراج سياسي وإيقاف التعقبات القانونية ضدهم، وعدى ذلك فأنا معتزل في بيتي. وعلينا أن ندرك الظروف القاسية، ولاسيّما الصحية للرفيق أبو علي، الذي اتخذ مثل هذا القرار.

شعرت بحزن شديد وأنا أفارقه، فحسين سلطان بالنسبة لي مثل والدي، عرفته وأنا طفل ثم فتى، وأتذكّر أن أم علي رزقت بمولود في أواسط الخمسينات (أحد بناتها أو أولادها- ربما خالد أو بشرى)، وكان بيته في منطقة شبه ريفية في الطارات (على طرف الشواطئ في النجف) وطبخت والدتي ما يُعرف بالعصيدة (الحلاوة) وحملتها إلى " منزل" أبو علي مع رفاق عمي شوقي شعبان والشهيد محمد موسى ورحيم الحبوبي وعبد الزهرة الحلو وعبد الرضا فياض، وأتذكر أنهم لم يرغبوا في الإفصاح عن الشخص الذي نزوره، فبعضهم قال أنه الحجي والآخر الشيخ وثالث خاطبه أبو علي، وأتذكر أنهم تنادوا لجمع ما لديهم لتقديم هدية فاستعانوا بوالد الفتى وأحد الأقارب وخال رحيم الحبوبي، وهكذا تجمّع مبلغ من المال دسّه محمد موسى كهدية تحت وسادة الطفل (مقهى ورواد ومدينة).

ما يزال ذلك اللقاء عالقاً بذهني وصورة أبو علي بالعقال والكوفية التي عرفته فيها لأول مرّة في انتخابات العام 1954 داعماً لترشيح الشيخ الجليل محمد الشبيبي (والد الشهيد حسين الشبيبي) وهو يتحرك في المحافل ليخرج من بيت قريب من بيتنا إلى حيث الاجتماعات وعلى الرغم من أنه كان مسؤولاً لراية الشغيلة ، لكنه أقنع الطرف الآخر بأن المرشّحين الشبيبي ود. خليل جميل هما مرشحان مدعومان من جانب الحركة الشيوعية، إضافة إلى مرشحي الجبهة الوطنية الآخرين (محمد رضا السيد سلمان)، وأتذكّر أن مرافق الشبيبي حينها كان  الشيخ وهاب شعبان الخادم في حضرة الإمام علي وكان الدكتور محمد رضا الطريحي طبيب الأسنان المعروف يصطحبه بسيارته إلى الكوفة ليلتقي بالناس ويحييهم ويعرض برنامجه الانتخابي، ولعل تلك الصورة الطفلية ظلّت عالقة بذهني، بما فيها من رومانسية وتحدٍّ.

أحببت في حسين سلطان  مرحه وسخريته ونكاته وحكاياته الشعبية وقدرته على الاقتناع، وكنت أتعجب كيف يقنع الآخرين وأستطيع القول أن ثلاث قضايا اجتمعت في شخصه وهي الحقيقة والحق والصدقية مثلما أقدّر فيه شجاعته اللّامحدودة وكرمه لدرجة السخاء وإخلاصه الصادق، وهي لو غابت عن أي مناضل، فلا قيمة لما يعرفه من الكتب أو عدد السنوات التي قضاها في السجن أو المواقع التي وصل إليها. ومثل هذه الأمور سمعتها من الآخرين بحق حسين سلطان ويعترف بها الخصوم قبل الأصدقاء والرفاق "والفضل ما شهدت به الأعداء".

قال لي الصديق محمد دبدب عضو لجنة بغداد للجبهة الوطنية، كان الممثلان عن الحزب الشيوعي في لجنة بغداد هما د.صباح الدرة (الذي اختفى قسرياً منذ شباط /فبراير/1980 ولم يُعرف له أثر حتى الآن ولم يجل مصيره) وحسين سلطان ، وغالباً ما كنّا نختلف ، لكن ما إن يتدخل حسين سلطان حتى نقتنع بوجهة نظره لأنه يحاول أن يطرح ما قاله رفيقه الدرة بلغة أخرى وبأسلوب شعبي مع أمثلة كثيرة: يلطم لطم شمهودة أو يثرد ويّه الكبار وياكل ويّه الصغار ، ثم يحيل المسألة بعد تفكيكها إلى مفردات عمومية نتفق عليها، حتى وإن كان اختلافنا حاداً ويقول دبدب أن حكمت العزاوي نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية السابق، قال له يا أخي هذا الرجل يقنعنا حتى وإن لم نقتنع ، لأنه إنسان صادق وواضح

وحسب هابرماز الصدق حقيقة والحقيقة حق ، وكان هابرماز قد تحدّث عن الفعل التواصلي للمعرفة النظرية، وهو السعي بالتوصل إلى التفاهم والاحتكام ضمنياً إلى معايير متفق عليها، وليس أصدق من معيار الصدق والحقيقة وهما يجسدان الحق.

وقال لي الصديق منذر المطلك (مدير مكتب الرئيس البكر وسفير لاحقاً) في لقاء بعمان وأمام آخرين: لديكم درر ومناضلين كنّا نتمنى أن يكون لدينا مثلهم أمثال حسين سلطان وثابت حبيب العاني، وهؤلاء أبطال حقيقيون وعليكم أن تنصبوا لهم التماثيل لا أن تعرضوهم لما تعرّضوا إليه، وروى لي قصة اعتقال ثابت حبيب العاني وعتبه على الرفيق عزيز محمد الذي ظلّت علاقته به مستمرة، وكان آخر اتصال بينهما كما أخبرني هو زيارته له في إربيل مع أحد القيادات الكردية (قبل وفاة الرفيق أبو سعود بنحو ثلاث سنوات) وكان أن استغل هذه الزيارة ليستعيد معه قصة ثابت حبيب العاني وصموده وما تعرض إليه من ظلم وتنكيل.

والحكاية باختصار تقول أن المطلك هو الذي أوصل أبو حسان إلى الكرادة قرب حسينية عبد الرسول علي وكان منزل شقيقه " الحجي" قريباً من ذلك، ولكن سيارات ناظم كزار كانت تقتفي أثرهم، وحين نزل أبو حسان من السيارة وغادر المطلك، توجّه إليه  مجموعة من رجال الأمن وكمموا فمه ونقلوه إلى إحدى السيارات، وحين علم المطلك من كاظم فرهود بذلك، ذهب إلى الرئيس أحمد حسن البكر الذي كان مديراً لمكتبه وهو زوج ابنته أيضاً، وقال له بالحرف الواحد: أقتلُ نفسي إن لم يتم إطلاق سراحه، لأن ذلك سيعتبر توطؤاً من جانبي، وقد سبق لي أن رويت هذه القصة وتفريعاتها في كتابي الموسوم "عامر عبدالله - النار ومرارة الأمل " دار ميزوبوتيميا، بغداد ، 2014 ، ومناسبات أخرى.

وقال لي المطلك : خاطبت أبو سعود في آخر مرّة زرته فيها بأربيل بصحبة أحد القيادات الكردية: كنت أعرف الكثير من بيوتكم، خلال تلك الفترة وكانت علاقتي وطيدة مع آرا وحسين سلطان وصادق جعفر الفلاحي وكاظم فرهود وصالح دكلة ونوري عبد الرزاق وآخرين، وكانت تصلني ملاحظات أبو خولة "باقر ابراهيم" عن الانتهاكات والتجاوزات خلال فترة الجبهة الوطنية عن طريق مهدي الحافظ، وبدوري أقوم بتسليمها للبكر. ولذلك كنت أنتظر إنصافاً منكم.

كما روى لي كيف اعتقل حسين سلطان ومهدي عبدالكريم وعبد الأمير سعيد وعبد الوهاب طاهر وعبد الأمير عباس (أبو شلال) وسلام نجل حسين سلطان، وذلك في أواخر العام 1968 وآخرين بعد خروجهم من اجتماع في مدينة الثورة ، وقام هو بإطلاق سراحهم عبر الرئيس البكر. وهي قصة سمعتها مع ملابساتها من الرفيق بهاء الدين نوري ومن حسين سلطان أيضاً.

كما روى لي كيف اعتقله ناظم كزار، حيث اتصل به ليبلغه أن إحدى الشخصيات الكردية التي توسط لها الشيوعيون واسمه نجيب بابان وهو محام وعضو هيئة تحرير التآخي، قد تقرر إخلاء سبيله؛ وكان منذر المطلك قد طلب منه ذلك بناء على تدخل من جانب البكر: وقال كزار للمطلك عبر الهاتف :  عليك المجيء لاستلامه، وبعد أن ذهب المطلك إلى مديرية الأمن العامة لاستلامه اعتقله ناظم كزار بالمؤامرة المعروفة يوم 30 حزيران (يونيو) 1973، في حين كان هو يستعد للتوجه إلى المطار لاستقبال عمّه البكر كما يقول، وكان الرئيس البكر حينها قادماً من صوفيا، ولولا تأخر الطائرة وارتباك مجموعة التنفيذ، لكان كزار قد تمكن من تنفيذ خطته القاضية بقتل البكر وصدام حسين الذي كان سيأتي لاستقباله وعدد من القيادات الحزبية. وفي أكثر من مرة كان المطلك يردد حين لقائه بعزيز محمد وعدد من الشيوعيين: كدت أن أعدم بسببكم وبسبب أصدقائكم .

وأعاد على مسمعي لأكثر من مرّة أنه حاول ومن باب الصداقة مع حسين سلطان أن يقدّم له مساعدة بسيطة حوالي 10000 كرون (200 دولار) عندما كان في براغ وحلف بأغلظ الأيمان وبالصداقة على أن يأخذها كدين في ذمته، وبعد نقاش وإلحاح ،ولكي لا يزعل المطلك، تناول أبو علي المبلغ وأخذ منه 100 كرون (دولاران) للتمالح كما قال وأعاد المبلغ إلى مكانه، وهكذا اقتنع المطلك؛ وقد روى هذه الحادثة للرفيق عزيز محمد الذي أشاد بأبو علي ونزاهته وإخلاصه وثقته بنفسه.

سألني أبو سعود في إحدى المرات كيف هو حال صديقك "أبا محمد" وأين حلّ به الدهر؟ والمقصود هو صاحب الحكيم ، قلت له ما زال في الشام، وانتهزتها فرصة فقلت له لا يمكن أن ندوّن سجل الشيوعية في كردستان ونشاطها وحركيتها دون أن نتناول مسيرة جمال الحيدري، بل وآل الحيدري: صالح وممتاز وجمشيد وسيرة بهاء الدين نوري وعزيز محمد، وإذا ذكرت حركة الأنصار فلا يمكن إلّا أن تتناول سيرة "ملازم خضر" الفريق نعمان سهيل التميمي، أما عن مفكري الحزب فلا تستطيع إلّا أن تذكر عامر عبدالله، ويرتبط اسم الحركة النسوية بالدكتورة نزيهة الدليمي والشباب والطلاب باسم نوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ وآخرين.

أما في النجف، والفرات الأوسط عموماً، فلا بدّ أن تأتي على سيرة صاحب الحكيم وحسين سلطان، فقد أسسا ومعهما عدنان عباس وآخرون تنظيمات حزبية في المدينة والريف  وترك هؤلاء أثراً طيباً لا يمكن أن يُنسى. قلت ذلك من باب النقد المملّح لما تعرّضوا له من تنكيل ومحاولات إساءة وتشويه من جانب ثلة من إدارة الحزب اندفعت في التحضير للمؤتمر الرابع وما بعده.

وذكرتُ معلومة سمعها الرفيق عزيز محمد لأول مرّة وهي أن الرفيق جمال الحيدري كان قد زار النجف في أواسط الخمسينات، ولأن النجفيين يعتزون بالإمام علي، ويعتبرون مرقده امتيازاً لهم، فإنهم يرغبون أن يُطلعوا من يزور النجف على المرقد لما له من رمزية، وقد نُظمت زيارة خاصة (سرّية) للحيدري بعد أن ارتدى "الكشيدة" للتنكر (الطربوش الملفوف من وسطه الأسفل بالقماشة الخضراء وهي غالباً ما يعتمره السادة في حضرة الإمام علي وبيت  الحكيم منهم) حيث دخل الحضرة الحيدرية وطاف فيها وكان بحماية خاصة وعن بُعد، وهو ما ذكره الرفيق صاحب الحكيم لكاتب السطور الذي أشرف على العملية بمساعدة شقيقه السيد سلمان الحكيم  خادم الروضة الحيدرية ، وبالطبع  فقد كانت الزيارة  برغبة وطلب من الحيدري الذي ظلّ شغوفاً بها، وغالباً ما تحدث مغامرات ومفارقات في ظروف العمل السري، ولكنها من النوع المحبب.

وإذا كان ثمة من يأخذ على حسين سلطان قناعته بالجبهة الوطنية ودفاعه عن التحالف، فهذه مثّلت الرأي السائد في إدارة الحزب حتى لمن لم يصوّت عليها في البداية، كما هو زكي خيري مثلاً، لكنها حين أصبحت واقعاً عاد واندفع في الدفاع عنها، وكان سيف العقوبات مسلطاً على من يعارضها في الداخل والخارج، وكان المسؤولون  يحرصون  على تدوين فقرة ختامية " لا توجد آراء مخالفة"، وهناك قصصاً عديدة ومثيرة رواها العديد من الرفاق من باب النقد والنقد الذاتي للأساليب البيروقراطية التي استخدمت إزاء " حرية التعبير".

لم يكن أبو علي وحده من ندّد بحركة خان النص واعتبرها جزءًا من التحرك الرجعي حينذاك، فتلك قناعاته ولم يتخلّ عنها أو يدعي عكسها حين تغيّرت الظروف، وهو ما يؤكد بعده عن التأثيرات الطائفية المترسّبة، بل هناك من بالغ بالدعوة ليس لإعدام عدد من المشاركين فيها، فما قيمة 8 أو حتى 80 شخصاً إزاء المحافظة على المنجزات التقدمية وحماية الجبهة والتحالف من التآمر الرجعي المشبوه، كما كانت التبريرات والمزايدات التي كان هناك من يتبارى بها بمبالغة ورطانة مستفزّة ، وشدّدت جريدة الحزب المركزية "طريق الشعب" حينها دعوتها للمزيد من الحزم الثوري ضد القوى الرجعية المتآمرة، والغريب في ذلك أنه بعد انقضاء التحالف أخذ البعض يتملّق للقوى الدينية  بعد الاحتلال، التي قيل أنها وراء حركة خان النص الرجعية المشبوهة كما كان يقول قبل ذلك.

والأمر ينطبق على حملنا السلاح ضد الحركة الكردية في العام 1974 وتنديدنا بقيادتها ذات التوجه العشائري وارتباطاتها  المشبوهة كما كانت الماكينة الحزبية تردّد تقرباً من قيادة حزب البعث، ثم حين دارت الدوائر أخذنا نمجدها ونمجد قياداتها على نحو مطلوب وغير مطلوب، متناسين ما  حصل في مذبحة بشتاشان العام 1983 وقبلها ما حصل بإعدام 12 رفيقاً كانوا عائدين من الدراسة في الخارج، ولم يخفِ حسين سلطان وجهات نظره بخصوص ما حصل، وكان صريحاً وواضحاً وواثقاً من نفسه حين يقول: لقد أضعنا الفرصة تلو الفرصة بانتظار فرصة قد لا تأتي: بانتظار غودو.

كان حسين سلطان  واقعياً في السياسة دون تنظير وهو صاحب رأي ببساطة شديدة ،  وما كان في قلبه يظهر على لسانه، فما يقتنع به يقوله بإخلاص دون أي ميل للتزلف أو المحاباة أو الممالئة . لم ينتظر أين يكون مركز الثقل ليؤيده، وهو الأمر الذي سار عليه الغلاة والمتلونين حسب تعبير عامر عبدالله ، الذين كانوا الأكثر تطرفاً في تأييد الجبهة الوطنية والدفاع عن البعث ثم انتقلوا إلى الضفة الأخرى، ولم يتورعوا في التشهير وإلصاق التهم بخصومهم بطريقة رخيصة أحياناً، من خلال الإساءة والأكاذيب.

لقد عاد حسين سلطان كما عاد آخرون؛ لم يزعم أنه ذهب للمواجهة، قال ببساطة: أريد أموت يمّ أهلي، وهو ما أجبت به الرفيق أبو سعود، الذي كان يطري عليه، وإن كان قد استمع إلى مطالعتي، لكن الأمر قد قضي، وكان قد مضى على رحيل حسين سلطان نحو 15 عاماً، وآخر ما سمعته من كلام في ذلك اللقاء مع عزيز محمد  وكرّره أكثر من مرّة :لقد خسرناه.

نعم لقد خسرنا حسين سلطان ، وأكتب ذلك للاستعبار والاستبصار، وليس لاستعادة التاريخ، بل للإفادة من دروسه، فذكّر إن نفعت الذكرى، (سورة الأعلى ، الآية 9).

يتبع

 

عبد الحسين شعبان

 

يسري عبد الغنيكان ذلك في عام 1798 م، حيث كانت الثورة الفرنسية تسير في طريقها، وفي غضون سنوات قلائل، كان ثمة ما ينم عن أنه ستقوم دكتاتورية غير عادية إلى حد بعيد، وكانت حكومة المديرين، التي تضم جماعة من الرجال الرسميين غير الأكفاء الذين يكونون الحكومة الفرنسية، يضيق بها الشعب الفرنسي .

ولقد تلفتت كل الأعين لترمق نجمًا صاعدًا، قائدًا شابًا رائعًا سوف يضفي اسمه ذات يوم العظمة والدمار على فرنسا، ذالكم هو نابليون بونابرت .

كان مولده في (كورسيكا) عام 1769 م، وكان ضئيل الجسم، طوله حوالي 165 سنتيمترًا، ولكن سرعان ما ظهرت قدرته على اكتساح الرفاق، وعلى إلهام التابعين، وإثارة حمية المرؤوسين، ولقد أصبح جنرالاً بعد سلسلة من الترقيات السريعة، لكن المركز العسكري المتفوق لم يكن بأية حال يعادل ما لديه من طموح، لأنه وقبل كل شيء كانت لديه ثقة بنفسه، وبقدرة تفوق حد الخيال، وقد جعلت شخصيته الأمة الفرنسية كلها تشاركه نفس الثقة .

وفي عام 1798 م، كان نابليون في الثامنة والعشرين من عمره، وبعد بعض الانتصارات الحربية الباهرة في إيطاليا، دخل مع جيشه باريس العاصمة الفرنسية دخول المنتصرين، ولم يكن الترحيب الطبيعي التلقائي الذي لاقاه الغازي الشاب يتعارض كثيرًا مع اللامبالاة وعدم الاكتراث اللذين كانا يبديهما الشعب الفرنسي لحكومته، وكان لا بد أن يكون لذلك أثره على حكومة المديرين، وعلى نابليون .

كانت فتوحات نابليون آنئذ في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وفي إيطاليا، وفي النمسا، أما عدو فرنسا اللدود فكانت إنجلترا، ولقد آمن نابليون بأنه يستطيع سحق إنجلترا ببناء فرنسا كقوة بحرية، وبدا أن مصر توفر الموقع المثالي الذي يمكن منه أن يتحدى الجنرال / نابليون الإنجليز، الذين كانوا

لكن نابليون لم يقد جيشه خلال أرض مصر الخصيبة بسبب الإستراتيجية وحدها، بل إن هناك سببين آخرين : أحدهما أن فكرة الامتداد الشرقي لفرنسا كانت قد استبدت به، ولقد أثار خياله حلم الإمبراطورية التي تمتد من البندقية الإيطالية إلى الهند، وبلاد الفراعنة والأهرام على طول ضفاف النيل .

أما السبب الآخر فلم يكن يعود إليه، ولكن إلى الحكومة الفرنسية، فلقد تنبهت حكومة المديرين إلى خطورة الشعبية التي اكتسبها نابليون، وأحست بأن خطره عليهم سيقل في مصر عما إذا كان في فرنسا، وهكذا غادر نابليون فرنسا انطلاقًا من ميناء طولون الفرنسي لاحتلال مصر، فسطر صحيفة جديدة في تاريخ كل من البلدين .

اتخذ نابليون استعداداته بالعناية والطاقة القديرة التي ميزته طوال حياته، فلقد كان يتحكم ويشرف على الإجراءات التنفيذية في تنظيم الأسلحة، والذخيرة، والمؤن، والسفن، والجنود، والمال، كما أنه كان يسيطر على الجهاز الحربي الذي أرسل آنذاك الجيش من إيطاليا ليدخل باريس، ثم يرحل إلى ميناء جنوا الإيطالي وميناء طولون الفرنسي .

لكن ذلك كان أكثر من مجرد مغامرة حربية، فلقد قدر لها أن تكون حملة تاريخية وعلمية عظيمة، لذلك دعا نابليون العلماء، والأثريين، والمتخصصين في الدراسات المصرية، والمؤرخين لينضموا إلى أسطوله، وما أن حان شهر مايو عام 1798 م، حتى كان كل شيء على أهبة الاستعداد، فأقلعت 300 سفينة شحن تحرسها 13 سفينة حربية إلى مصر، وعليها 45 ألف جندي .

وبسبب سرعة هذه الاستعدادات، لم تفطن للأمر أجهزة الاستخبارات الإنجليزية، ولقد احتفظ بهدف الأسطول سرًا، وما كانت إنجلترا تتوقع الهجوم إلا عليها هي، وعلى مستعمراتها في البحر المتوسط مثل جبل طارق، وهكذا عبر الفرنسيون البحر الأبيض المتوسط دون أن يشاهدوا شراعًا لسفينة معادية، وفي التاسع من شهر يونيو، احتلت جزيرة مالطة بالكامل، وتركت بها حامية، وبحلول التاسع والعشرين من شهر يونيو، كان الجنرال نابليون في مصر .

أما الأعداء الذين قدر عليه أن يواجههم، فكانوا المماليك، كانوا جماعة من العسكريين من سلالة شعب محارب يعيشون في مصر منذ القرن الثالث عشر الميلادي، ولقد كانوا الحكام الفعليين لمصر، بالرغم من أن مصر كانت تحت الحكم التركي اسميًا .

تم الاستيلاء على مدينة الإسكندرية، واحتلت بلا صعوبة، ولكن معركة دامية نشبت في القاهرة بين الفرنسيين وستة آلاف من المماليك، واحتدم نضال ضار طوال اليوم، تحت ظلال الأهرام العظيمة، ولما خرج نابليون منتصرًا على المماليك، ركز على الاحتلال الكامل للبلاد، وإعادة تنظيمها من كل الجوانب .

وفي لحظة الانتصار تلك وصلت أنباء مزعجة، فلقد تم تدمير الأسطول الفرنسي المنتظر عن طريق هجوم إنجليزي مفاجئ بقيادة الجنرال / نلسن (معركة أبي قير البحرية بالقرب من الإسكندرية)، ولم يعد في مقدور الجيش الفرنسي العودة إلى بلاده سالمًا حتى لو أراد ذلك .

لقد أحرز نابليون النصر على المماليك في كل مكان بمصر، ولكنه لم يكن أبدًا غازيًا قاسيًا، فلقد تظاهر باحترام ديانة المواطنين المصريين الذي كانوا يدينون بالإسلام، وحرم على جيشه شرب الخمر، أو القيام بتصرفات أو سلوكيات تتنافى مع أخلاقيات الإسلام، وشرع بنفسه في استنباط اللوائح والقوانين نحو حكومة أفضل .

لكن ذلك ما كان ليدوم، فالمرض كان ينخر في جيشه، وكانت الأخبار تصل من فرنسا بالهزائم المتوالية في إيطاليا، وهولندا، والنمسا، لذلك قرر نابليون العودة لبلاده، وترك الجنرال / كليبر قائدًا للجيش في مصر، والذي قتله الشاب السوري الذي كان يدرس في الأزهر / سليمان الحلبي، ولقد كانت مخاطرته بنفسه عظيمة، لكنه تجنب وقوعه في أسر الإنجليز، وعاد إلى فرنسا بطلاً .

ولا شك أنه ربما كانت الحملة الفرنسية على مصر والشام فاشلة من وجهات نظر عديدة، لكن نابليون عاد وقد ذاع صيته، وبلغ ذروة المجد، فهو لم يقهر بعد، ومن هنا نمت أسطورة بأنه الرجل الذي لا يقهر Invincible ، من اللفظ اللاتيني Vincere ، بمعنى يهزم .

والرجل الآخر الوحيد في التاريخ الحديث، رجل الأقدار الذي لا يقهر، كان (أدولف هتلر)، الزعيم الألماني النازي، وهذا يوحي بأن مثل هذه الأساطير خطيرة على الشعب الذي يخلقها، وعلى الرجل الذي يخلقون منه الأسطورة، ولكن هذا لا يمنع من دراسة هؤلاء الأفذاذ والتعلم منهم قدر الطاقة والإمكان .

إن أكثر النتائج أهمية لإنجازات نابليون بونابرت في مصر، هي أن البلاد جميعها قد تم رسم خرائط تفصيلية لها لأول مرة على يد الجغرافيين الفرنسيين، بالإضافة إلى ذلك، فقد تم الحصول على الكثير من المعلومات عن حضارة قدماء المصريين، فلقد اكتشف حجر رشيد الموجود الآن بالمتحف البريطاني، والذي قام الأسطول الإنجليزي بسرقته من إحدى السفن الفرنسية التي كانت بدورها قد استولت عليه بعد اكتشافه وفك طلاسمه، وكان ذلك في موقعة أبي قير البحرية، التي هزم فيها الأسطول الفرنسي شر هزيمة .

وحجر رشيد الذي فك طلاسمه العلامة الفرنسي / شامبليون، هو عبارة عن عمود من الجرانيت يحمل كتابة باللغات اليونانية، والقبطية، والهيروغليفية المصرية،ولقد ساعد هذا الحجر الباحثين في حل الكثير من الغموض لترجمة الرموز الغريبة، والإشارات المسماة بالهيروغليفية .

كما درس علماء الحياة أو البيولوجيون من علماء الحملة أنواع السمك في نهر النيل، ولأول مرة استقصيت وبحثت طريقة الحياة التي يحياها الشعب المصري بأكمله دراسة علمية، ولعل كتاب (وصف مصر)  ذلك السفر الضخم الذي وضعه علماء الحملة أكبر وثيقة دالة على الجهد الذي بذلوه في هذا الصدد .

ولقد ذاع في إنجلترا بعد خروج الحملة الفرنسية من مصر، طراز جديد من الأثاث سمي (العودة من مصر)، كما زخرفت المقاعد، والمناضد، و دبابيس الزينة (البروشات)، والملابس، والمنسوجات بتصميمات منقولة من الطرز المصرية .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

 

عبد الحسين شعبانتمهيد: فاجأني الدكتور جورج جبور المستشار السابق للرئيس حافظ الأسد والمفكر وصاحب المبادرات والمشاريع الحقوقية المتنوّعة، حين أهداني كتابه الأخير "مذكرات إلى رئيس مجلس الوزراء السوري 1990-1998" مذيّلاً بالإهداء التالي " الصديق العزيز القديم المفكر الدكتور عبد الحسين شعبان حفظه الله: يكتسب هذا الكتاب أهمية إضافية، لأنه يدعم ترشيحك  لجائزة نوبل للسلام"، وكما قال أن واحداً من أصقاع الدنيا البعيدة طلب تأييده للحصول على جائزة نوبل، ولكن شتّان بين من يطلب الولاية وبين من يرشحه آخرون وهو معرض عنها، كما يقول.

وكان الوزير د. عصام نعمان وسماحة الشيخ حسين شحادة ود جورج جبور وبحماسة من الكاتب والباحث  سركيس أبو زيد قد أعلنوا عن ترشيحي لجائزة نوبل للسلام على هامش ندوة ناقشت كتابي " الإمام الحسني البغدادي - مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن" التأمت في بيروت (منتدى تحولات - مركز الألف)، وذلك تقديراً لجهودي في مجال الدفاع عن الحقوق والحريات ونشر ثقافة التسامح والسلم واللّاعنف وقيم حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم العربي وعلى الصعيد العالمي، وظلّ سركيس أبو زيد يلاحقني بضرورة تشكيل لجنة لاستكمال المستلزمات الضرورية وتأمين الشروط الفنية للتقدّم لنيل الجائزة، وكان آخرها اللقاء في إهدن،  حيث طلب خريطة طريق للتحرّك بمعزل عني وعن تحفّظي على الفكرة ذاتها والجائزة ككل، لأسباب موضوعية وذاتية.

ولعلّ هذا الاستطراد لإهداء جبور له علاقة بالفقرة التي دوّنها كإهداء للكتاب الذي أقوم بتقريظه، وقد سبق أن قدمت مطالعة استذكارية عنه عند تكريمه في بيروت لبلوغه الثمانين بكلمة عنونتها : جورج  جبور : دخل القصر الجمهوري بكتاب وخرج منه بكتاب، وهي قصة لها دلالاتها، خصوصاً وأن شخصاً مثله يمتلك مؤهلات عديدة ولغات عديدة  ومنتج أفكار وصاحب مبادرات ومشاريع كثيرة وكتب متنوّعة حاول أن يضخّها من خلال الدولة وهو ما يستحق الوقوف عنده والبحث فيه  كوسيلة لخدمة وطنه وأمته، وحسناً فعل بنشره هذا الكتاب الذي احتوى مذكرات رسمية بينه وبين رئيس الوزراء وعدد من الجهات الدولية والإقليمية، تلك التي تعكس حرصه من جهة وتنظيمه من جهة ثانية ودقته من جهة ثالثة ورغبته في إطلاع القارئ على مسارات الدولة من أعلى مستوياتها من جهة رابعة.

ارتبطت مع جورج جبور بصداقة خاصة أساسها الكتب، وزمالة متميزة مظلتها الفكر، ورفقة حميمة أفقها مشاريع ومبادرات، وصحبة متواصلة عنوانها الكلمة، ولعلّ تلك أجمل الصداقات وأوثقها وأعزّ الزمالات وأرقاها، وأفضل الرفقات وأعمقها، خصوصاً بالتكامل والتفاعل وليس بالمنافسة والتفاضل، لاسيّما إذا اتّسمت بمودّة واحترام وعلاقة عائلية مديدة، وكم ظلّت والدتي نجاة شعبان تتذكّر حين عاشت بالشام لبضعة أشهر قبل أن استقدمها  إلى لندن، عدد المرّات التي اتصل بها ليسأل عن أحوالها وأحوال من معها (أختي سميرة وزوجها وأولادها) والمرّات التي زارهم فيها وصندوق التفاح الذي حمله إليهم في حي المزّة - الشيخ سعد حيث بقي المنزل بعهدتي لأكثر من 17 عاماً حتى بعد مغادرتي دمشق لسنوات عديدة.

قال لي جبور مرّة في أواخر الثمانينات ليس بالضرورة أن ننجح أنا وأنت، فأنا حاولت أن أبث فكري من خلال الدولة ومؤسساتها وأنت حاولت أن تضخ فكرك من خارجها وفي نقدها، وإنْ كانت الدولة صماء أحياناً، وكان جوابي إن كل شيء يحصل بالتراكم حتى وإن كان ببطء شديد وغير منظور غالباً، لكن التأثير والتغيير يحتاج إلى تنوير دائم وتواصل وتدرّج وزمن وهو ما أصبحت أميل إليه أكثر من السابق .

II

صورة المفكر

جورج جبور ليس مفكراً متعالياً يجلس في برج عاجي حتى وإن كان في أعلى المواقع، بل هو مفكر حركي ربط الفكرة بالممارسة (البراكسيس) والغاية بالوسيلة فلا غاية شريفة دون وسيلة شريفة ولا غاية نبيلة وعادلة بوسائل خسيسة وظالمة ، لأن الوسيلة جزء من الغاية، وإذا كانت الوسائل ملموسة ومنظورة ، فالغايات بعيدة ومتخيّلة أحياناً، لذلك اقتضى مثل هذا التلازم بين الغاية والوسيلة ، وحسب المهاتما غاندي ، فالوسيلة إلى الغاية مثل البذرة إلى الشجرة لا يمكن الفصل بينهما، لأنهما يرتبطان بوثاق عضوي يصعب فكّه أو تقطيعه.

وجورج جبور مفكر رؤيوي واستشرافي  وهو ما لمسته خلال علاقتنا التي تمتد إلى نحو أربعة عقود من الزمان، خصوصاً خلال عملنا في إطار منظمة حقوقية لثلاث سنوات  ومن حضورنا ومشاركتنا في ندوات ومؤتمرات وورش عمل في الشام وبيروت والقاهرة وعمان والخليج  وفينا وطهران وديربن (جنوب أفريقيا)  وغيرها، وكذلك ما تابعته لكل ما كتبه خلال هذه الفترة، ناهيك عن مطارحاتنا المستمرة المباشرة والكتابية  ، وهو ما عبّرت عنه في أكثر من مناسبة ونص مثلما ساهم هو الآخر في الكتابة عني بمناسبة تكريمي في القاهرة ونيلي جائزة أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي ( العام 2003) حين وصفني " بالصادق الأمين" وفي تكريمي بتونس قال جورج جبور : شعبان: اسم مشرّف في سوريا (2016).

وسأترك موضوع المبادرة المشتركة بُعيد الأزمة السورية ووجهها الآخر ما تبنّاه مركز دراسات الوحدة العربية إلى مناسبة أخرى، حيث يطول الحديث فيها. 

III

القرار 3379

كنّا المبادرين إلى تأسيس " اللجنة العربية لدعم قرار الأمم المتحدة 3379"  وقد اختير " رئيساً" لها وتم اختياري "أميناً عاماً" للجنة، والحديث عن القرار هو حديث ذو شجون ، وهو القرار الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية وكان قد صدر في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 1975  عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وكان نصراً عربياً كبيراً بلا أدنى شك على المستوى الدبلوماسي والقانوني والحقوقي والدولي، فضلاً عن المستوى السياسي والإعلامي ، لكن العرب الذين حصلوا عليه بلا جهد كبير ظلّوا يقدّمون خطوة ويؤخرون أخرى حتى حصل المحذور.

لقد عدّ المراقبون والدبلوماسيون والمحللون السياسيون الكبار على المستوى العالمي  القرار ضربة موجعة للصهيونية العقيدة السياسية لإسرائيل والتي تشكّك بشرعية وجودها القانوني والأخلاقي ، وحين استفاقت الحركة الصهيونية من هول تلك الصدمة التي ترافقت مع طائفة من القرارات لصالح الشعب العربي الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره ودعماً لممثله الوحيد والشرعي  منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت .ف) ، حرّكت ماكنتها الإعلامية والسياسية والمالية والفنية والدبلوماسية لتنظيم حملة مضادة لإلغاء القرار والتشكيك بمحتواه.

وشملت الحملة الصهيونية كورت فالدهايم الأمين العام للأمم المتحدة  وقتها، خصوصاً حين ترشيحه لرئاسة النمسا في العام 1986،وعلى الرغم من شراسة الحملة ضدّه بزعم ماضيه النازي (لخدمته العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية)، لكنه فاز في الانتخابات ليمكث في كرسي الرئاسة لغاية العام 1992؛ وكان قد وقّع على إلغاء قرار الأمم المتحدة 3379  نحو 800 شخصية سياسية بينهم رؤساء دول سابقين ووزراء وشخصيات عامة  وثقافية وفنية وإعلامية  ومالية وكان هذا في العام 1986.

وفي العام ذاته دعانا اتحاد الصحافيين والكتاب الفلسطينيين الذي منحني عضوية شرف لعملي المتواصل لدعم القضية الفلسطينية إلى ندوة حول "الوجود العسكري الإمبريالي في الشرق الأوسط" انعقدت في مقر اتحاد الكتاب العرب (بالمزّة)، وقدّم كل من موقعه اقتراحاً بتشكيل هيأة للدفاع عن القرار، وكنت قد نشرت نص القرار في كتابي "الصهيونية المعاصرة والقانون الدولي" ، دار الجليل، دمشق، 1984، وبعد بضعة أيام التقينا جورج جبور وكاتب السطور لنضع اللمسات الأولى على انبثاق هذه اللجنة التي ضمّت شخصيات مرموقة دعوناها للاجتماع بينها: انعام رعد (لبنان) وناجي علوش (فلسطين) وسعيد سيف (عبد الرحمن النعيمي) (البحرين) وسعدالله مزرعاني (لبنان) وعبد الفتاح ادريس وغطاس أبو عيطه وعبد الهادي النشاش وصابر محي الدين وغازي حسين (فلسطين)،  إضافة إلى جورج جبور (الرئيس - سوريا) وعبد الحسين شعبان (الأمين العام- العراق)   وأجرت اللجنة اتصالات مصرية وأردنية ومغاربية وخليجية لتوسيع شبكتها مع مراعاة القوانين والأنظمة النافذة في كل بلد.

وفي حينها التقينا عدداً من القيادات الفلسطينية والعربية والسورية واستقبلنا نائب أمين سر القطر لحزب البعث عبدالله الأحمر، كما كان لي شرف مخاطبة الرئيس السوري حافظ الأسد، والطلب منه الإيعاز إلى الوفد السوري لتبنّي مشروع قرار يصدر عن المؤتمر الإسلامي المنعقد في الكويت (1987) والقاضي بإدانة الصهيونية واعتبارها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري وقد صدر فعلاً عن المؤتمر وبالنص المقترح من طرفنا، وذلك توافقاً مع القرار 3379 واعتراضاً على الحملة الصهيونية لإعدامه، وهو ما جرى بالفعل في 16 كانون الثاني (يناير) 1991، وذلك بعد تغييرات حصلت في ميزان القوى الدولي وانحلال الكتلة الاشتراكية وتصدّع الحد الأدنى من التضامن العربي بسبب غزو القوات العراقية للكويت في 2 آب (أغسطس) 1990.

وقد استمرت اللجنة في عملها وتغيّر اسمها إلى " اللجنة العربية لمناهضة الصهيونية والعنصرية" برئاسة إنعام رعد ، لكن الأوضاع العربية والدولية أضعفت  من نشاطاتها، الأمر الذي جرت محاولات عديدة لإعادة الحياة إليها بصيغتها القديمة أو بصيغ جديدة كان من دعاتها إضافة إلى جورج جبور وكاتب السطور، أحمد بهاء الدين شعبان  وحلمي شعراوي من مصر وعدد من الشخصيات في الأردن ولبنان والخليج والمغرب العربي، وهو ما تزداد الحاجة إليه اليوم أكثر من السابق بسبب المشاريع الامبريالية المشبوهة، ابتداءً من صفقة القرن وتمهيداتها سايكس - بيكو جديدة ومروراً بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس وإهداء الإدارة الأمريكية الجولان السوري إلى «إسرائيل» بزعم الأمر الواقع ، إضافة إلى محاولة «إسرائيل» إعادة احتلال الضفة الغربية ووضع اليد على غور الأردن وشمال البحر الميت، ناهيك عن حصار غزة المستمر منذ العام 2007 والعدوان المتكرر عليها.

جدير بالذكر أن المؤتمر القومي العربي اتخذ قراراً في حزيران (يونيو) 2018 (الدورة 29) يدعو فيه لإحياء قرار الأمم المتحدة 3379 اعتماداً على أن قانون الهويّة اليهودية لـ "إسرائيل" الذي اتخذه الكنيست بما يكسب محاولة الإحياء أهمية جديدة للوقوف ضد نظام الأبرتايد.

VI

فاروق الشرع وبثينة شعبان

لقد اعتبرنا جورج جبور وكاتب السطور أن قضية القرار 3379  تشكل ركناً مهماً من أركان مكافحة الصهيونية ، باعتبارها عقيدة رجعية وعنصرية بالمطلق، والأمر لا علاقة له بالموقف من اليهود واليهودية ، علماً بأننا كنّا نشدّد أن الصراع مع الصهيونية لا علاقة له بالدين والأديان، وإنما هو صراع ضد آيديولوجية الاستيطان واغتصاب الأراضي وتشريد الشعب الفلسطيني وإجلائه من دياره، والصهيونية فكرة سياسية بالأساس حتى وإن حاولت الاستناد إلى خلفية لاهوتية ، لكن الصراع معها ينبغي أن يكون على أساس سياسي وقانوني وحقوقي أولاً وقبل كل شيء.

ولم يوفّر جورج جبور مناسبة إلّا وجاء بها على هذا القرار وحتى حين قرّض كتابيْ فاروق الشرع (نائب رئيس الجمهورية العربية السورية الأسبق ووزير الخارجية الأسبق  وكتاب الدكتورة بثينة شعبان (المترجم عن الإنكليزية ) الوزيرة السابقة والمستشارة الحالية للرئيس بشار الأسد) وهما كتابان مهمان اقتنص الفرصة ليتحدّث عن القرار 3379 (المستقبل العربي ، العدد 439، سبتمبر ،2015) مشيراً إلى أنه ورد ذكره مرتين في كتاب الشرع، وخصوصاً حين تبدّل موقف الاتحاد السوفييتي من تأييد قرار الأمم المتحدة إلى تأييد إلغائه (ص 150) حيث تبين كما يذكر الشرع أن الضغوط الأمريكية "الإسرائيلية" لا تقف عند حدود المهاجرين السوفييت، بل تتجاوزها إلى حدود الضغط لإلغاء القرار 3379.

أما كتاب بثينة شعبان فيرد ذكر القرار  بالنص والعنوان مرّة واحدة (خلال زيارة الرئيس حافظ الأسد في 13 آذار/مارس1991)  ولقائه مع بيكر وتلميح الأخير إلى إجراءات بناء الثقة بإشارته إلى "إلغاء" القرار 3379، لكن ذلك لم يحرز أي تقدم (ص 46)، ولكن ما ورد ما يشير إلى القرار دون ذكر اسمه أكثر من مرّة في كتاب شعبان ، باعتباره قرار الأمم المتحدة الذي دمغ الصهيونية بالعنصرية واعتبرها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري.

V

يسيل من قلمه عطر العروبة

قد يستغرب القارئ حين يقرأ في كتاب جبور مذكرات موجهة منه إلى رئيس الوزراء ومن رئيس الوزراء إليه مخاطبات رسمية مختلفة وهي تمثّل جزءًا من عمله لوظيفي والإداري، بعد نقله من رئاسة الجمهورية إلى رئاسة الوزراء، ولكن ما إن يتوغّل في قراءة النصوص سيكتشف أن المذكرات ذات قيمة ليست لصاحبها فحسب كجزء من تاريخه الشخصي، بل لأنها تخص الحياة العامة والمواقف الرسمية للدولة منها، وهي مكتوبة بقلم مثقف يسيل من حبره عطر العروبة ورؤية مفكر مدني وسلمي ومجتهد وحقوقي مؤمن بقيم التسامح والحوار والتواصل الحضاري، دون إهمال الجوانب القانونية والأكاديمية بنظر الاعتبار ، إضافة إلى التزامه الوطني في متابعة القضايا صغيرها وكبيرها لوضعها أمام أصحاب القرار،

أولاً  بهدف تجسير الفجوة بينهم وبين المفكرين والباحثين؛

وثانياً رفع مسؤولية المثقف والباحث والمفكر ، لاسيّما حين يحتل موقعاً إدارياً في الدولة ليعبّر عن رجحان نظره ويقدّم المقترحات ويبسط أفكاره ليختار منها صاحب القرار أو على الأقل ليستأنس بها، سواء أخذ بها أم لم يأخذ،  ومن هو أجدر من جورج جبور بذلك،

وثالثاً ما تعكسه المذكرات من صدقية وتوثيق وحرارة قلب وبرودة عقل أيضاً، وبهذا المعنى فهي مذكرات تاريخية ، ينبغي أن تُقرأ بسياقها التاريخي وأن تؤخذ منها العبرة والدلالة والفائدة.

ورابعا حرص المثقف على أن يتمتع بقدر من الاستقلالية حين يعكس وجهات نظره لصاحب القرار، وقد يرضى عليه أو يغضب، لكنه بكل الأحوال يريد أن يمارس دوره ويتمتع بحقه وعليه أن يختار ما هو مناسب من لغة المخاطبة ليس باستخدام لغة التفوق والأستاذية، مثلما ليس باستخدام لغة الخنوع والتملّق، بل باحترام الحدود والنظر إلى الموقع والتراتب بمسؤولية.

المذكرات توثيق دقيق ليس لما قام به جورج جبور فحسب، بل للدولة السورية بأعلى مستوياتها وأرفع مراتبها الإدارية، ناهيك عن المخاطبات مع جهات ومنظمات وهيئات دولية، كلّها يعرضها جبور أمام صاحب القرار ويقدّم معها رؤيته، وهي تصلح أن تدرّس في المعاهد الإدارية والسياسية لعلاقة الموظف بمرؤوسيه ، لاسيّما الاحتفاظ بقدر من الاستقلالية والاجتهاد من جهة، وبقدر من المسؤولية والانضباط من جهة أخرى.

وحين نقرأ النصوص التي مضى على بعضها ثلاث عقود من الزمان نلاحظ كم كان جبور مكافحاً ومنافحاً يحاول أن يجد فرصة لخدمة بلده والأمة العربية من خلال عمله الوظيفي والإداري الذي يطعمه دائماً بفكره التنويري الحداثي المتطوّر.

موضوع أساسي آخر شغل جبور في مذكراته الإدارية وهو موضوع فكري بالأساس حين ربط قضية فلسطين بحقوق الإنسان، ولاسيّما حين يسلط الضوء على جهوده وجهود نخبة متميّزة ومشتركة بموضوع القرار 3379.

ماري روبنسون وديربن

وأتذكر يوم حضرنا إلى مؤتمر ديربن (جنوب أفريقيا) العام 2001، كان جبور قد حضر ضمن الوفد العربي السوري الرسمي برئاسة فاروق الشرع، وكنت قد حضرت ضمن وفد عربي للمجتمع المدني حيث كنت عضواً في اللجنة التحضيرية له، وشاركت في مؤتمر عمان الأول الذي اقترحت فيه "وضع عنصرية الصهيونية" ضمن جدول الأعمال والقرار 3379، وهو ما دعانا لإقناع طهران بقبول اجتماع تحضره المنظمات غير الحكومية لكي لا تُدعى إليه «إسرائيل» ، وإلّا فإن المؤتمر سينعقد في النيبال وحينها ستكون «إسرائيل» حاضرة، وكان سبب تحفظ طهران خشيتها من استغلال بعض المعارضين ، فضلاً عن ظهور النساء بما يخالف القوانين والأنظمة المتبعة بما فيها الحجاب .

وكان لي شرف إلقاء كلمة المنطقة العربية  باسم 13 منظمة عربية، بينها اتحاد المحامين العرب ومنظمة التضامن الأفرو آسيوي، أشرت فيها إلى قضيتين عنصريتين تشغلان عالمنا العربي: عنصرية الصهيونية وقرار الأمم المتحدة 3379 الذي أُلغي، والحصار الدولي الجائر المفروض على العراق (حسبما يسمح الوقت/ 5 دقائق وكان قد تحدث في الجلسة ذاتها مندوب كل من الصين واليابان والهند وجنوب شرقي آسيا، إضافة إلى كلمتنا) ونجحنا في أن يصدر مؤتمر طهران قراراً لـ إدانة للصهيونية باعتبارها "شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري".

جدير بالذكر أن الأمم المتحدة رفضت في البداية عقد اجتماع عربي واقترحت أن يحضر عرب آسيا في الاجتماعات الآسيوية وعرب أفريقيا في الاجتماعات الأفريقية ، لكننا نجحنا وبضغوط عديدة بإقناع السيّدة ماري روبنسون  رئيسة إيرلندا السابقة ومفوضية حقوق الإنسان حينها على تخصيص اجتماع عربي بتمويل محدود لكي تطرح عنصرية الصهيونية.

مع أوجار

ونسقنا جورج جبور ومحمد أوجار وزير حقوق الإنسان المغربي والعدل لاحقاً عن الجانب الرسمي وأنا ومجموعة المنظمات غير الحكومية عن المجتمع المدني، حيث كنّا قد صغنا قراراً يتضمن إدانة «إسرائيل» ودمغ ممارساتها بالعنصرية والتمييز العنصري، وأيدته ثلاثة آلاف منظمة غير حكومية وبدعم خاص من جنوب أفريقيا دولة ومجتمعاً مدنياً، الأمر الذي كان هزيمة حقيقية للصهيونية، ولقي ذلك ترحيب عمر موسى  الأمين العام لجامعة الدول العربية، إضافة إلى الوفود العربية الرسمية، وسط صدمة وسخط الولايات المتحدة و«إسرائيل» وبعض المتواطئين معها بمن فيهم إحدى موظفات الأمم المتحدة الكبار، التي اكتشفنا وجود شقيقتها مع الوفد الإسرائيلي، وهو موضوع سأتناوله في وقت لاحق. وكنت قد كتبت مقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 272، تشرين الأول /اكتوبر/2001 الموسومة " مؤتمر ديربن - نصف انتصار أو نصف هزيمة؟" وألقيت حينها محاضرات حول الموضوع في دمشق وصنعاء والمنامة والقاهرة، واستقبلني جورج حبش حينها ونايف حواتمة، وقدّما شكرهما من خلالي إلى المجتمع المدني العربي لما تحقق في ديربن.

مبادرات لا تنضب

أستطيع القول بثقة ودون مجاملة لصديقي جورج جبور:

لم أجد شخصاً في موقع المسؤولية مثل جورج جبور انشغل بالقضايا العامة ليس كإداري فحسب، بل لشعوره بواجبه الفكري ومن موقعه خاطب رؤساء دول ووزراء وسفراء ومنظمات دولية وهيئات دينية فيما يتعلق بالقضايا العربية منها: مخاطبته للبابا الذي لم يأتِ الجولان في خطابه مقترحاً جهداً دبلوماسياً سورياً مع قداسته بهذا الشأن (5/2/1990)واقترح  جبور أن تمنح جامعة دمشق شهادة الدكتوراه الفخرية لكل من:

1- عبد السلام الباكستاني (الحائز على جائزة نوبل)

2- نيلسون مانديلا بطل شعب جنوب أفريقيا والعالم في مناهضة الفصل العنصري.

3- موشاكوجي الياباني (رئيس جامعة الأمم المتحدة والرئيس السابق لجمعية علماء السياسة) (24/2/1990)

ونبّه لخطر الهجرة اليهودية إلى فلسطين ولا قانونية قانون العودة "الإسرائيلي" 27/3/1990، وطلب الحصول على أسماء الدول التي ستغيّر تصويتها إزاء القرار 3379 من الموافقة إلى المعارضة 1/4/1990، وهو ما كنت قد كتبت فيه رسالة إلى الأخ أبو عمار (ياسر عرفات) (عبر السفير الفلسطيني سميح عبد الفتاح - أبو هشام)  وتلقيت رداً منه، وكنت قد نشرت مقالة في مجلة شؤون فلسطينية التي تصدر في قبرص بعنوان: العام 1990 ومصير القرار 3379.

وكان جورج جبور قد أرسل رسالة باسمه يوم 14/4/1990 يهنئ فيها الشاذلي القليبي الأمين العام لجامعة الدول العربية على إبلاغ سفراء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي 11/4/1990 عدم جواز إلغاء القرار طالما أن الأسباب التي دعت إلى صدوره ما تزال باقية، علماً بأن نحو 20 برلماناً أوروبياً اتخذ قراراً بإلغاء القرار 3379، وكان برلمان باناما قد أعلن أن القرار 3379 يناقض ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان (مذكرة بتاريخ 18/3/1991).

الكونت برنادوت

ومن اقتراحاته اعتبار يوم 17 أيلول (سبتمبر) يوماً عالمياً لإدانة الإرهاب الدولي ، وهو اليوم الذي اغتيل فيه الكونت فولك برنادوت الوسيط الدولي بشأن فلسطين وهو شخصية سويدية تم اغتيالها في 17/9/1948.

وكان قد قدّم مقترحاً جدّده لاحقاً وطوّره من وضع مقرر خاص بالاستعمار الاستيطاني إلى مؤسسة متخصصة للدراسة المقارنة للاستعمار الاستيطاني (25/2/1992)، وكان قد اقترح إنشاء هيئة معنية بحقوق الإنسان في سوريا عشية مؤتمر فيينا الدولي لحقوق الإنسان (حزيران/يونيو/1993) ، علماً بأن الدولة السورية رشحته في العام 1987 لشغل منصب مدير حقوق الإنسان في اليونسكو. وينبه لاحتمال إقامة الفاتيكان علاقات مع إسرائيل (27/11/1993).

حلف الفضول

ومن المواضيع التي انشغل بها د. جبور وشاطرته جزء من هذا الانشغال " حلف الفضول"  وكتبت عنه في جريدة الحياة اللندنية ، كما خصصت له مبحثاً خاصاً في كتابي " الإسلام وحقوق الإنسان" العام 2001 و"فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي: الثقافة والدولة العام 2005" وأشدت بمبادرة جبور ورياديته ويذكر جبور  في مذكرة 17/7/1996 أنه قابل العديد من المعنيين بقضايا حقوق الإنسان لإقناعهم بالاحتفال بذكرى حلف الفضول لمرور 1400 عام عليه، وقد أرسل رسالة ووصله جوابها إلى د. عدنان بدران (مدير عام اليونسكو بالوكالة). وقد استعاد جبور بعض ذكرياته واتصالاته  المبكّرة مع سيرجيو ديميلو منذ العام 2002 ومراسلاته بشأن حلف الفضول ، وكان ديميلو قد عيّن ممثلاً خاصاً للأمين العام للأمم المتحدة في العراق بعد الاحتلال، ولكنه قتل في تفجير إرهابي في 19 آب /أغسطس/2003.

وقدم جبور كما تشير المذكرات اقتراحين بمناسبة زيارة مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية   إلى المنطقة ، الأول- استذكار مؤتمر بال (مرور 100 عام عليه) والثاني الإعداد لندوة دولية حول الإرهاب الدولي لمناسبة مرور 50 عاماً على اغتيال برنادوت) وتاريخ المذكرة 9/8/1997.

وفي الصفحات من 237 ولغاية 256 يكتب نصاً عن الذكريات والمذكرات وهي خلاصة عمله في مجلس الوزراء لنحو عشرة أعوام، فيتحدث عن فكرة كتابه بالإنجليزية الذي تناول فيه فكرة الاستعمار الاستيطاني لما كان يجري في روسيا الجنوبية ونظام الأبرتايد في جنوب أفريقيا، وربما كان هذا الكتاب هو الذي أوصله إلى القصر الجمهوري، وصدر الكتاب عن مركز الأبحاث الفلسطينية في بيروت وجامعة الخرطوم (1970)، ويقول أن الرئيس حافظ الأسد طلب تلخيصاً لكتابه هذا، وقد كان قد تقرر إصداره من "مؤسسة دراسات الاستعمار الإستيطاني المقارن في العالم" وكرّر المقترح في أواسط العام 2019 إلى الرئيس د. بشار الأسد.

ومثل متابعته لموضوع الاستعمار الاستيطاني كانت حماسته للقرار 3379 وللجمعية العربية للعلوم السياسية التي كان رئيساً للجنتها التحضيرية في الثمانينات ولحلف الفضول والاعتذار عن وعد بلفور من جانب بريطانيا ولتأسيس مؤسسة لدراسات الوحدة العربية، وذلك قبل قيام مركز دراسات الوحدة العربية.

دراسات الوحدة العربية

وكان قد صدر قرار برقم 38 من الرئيس حافظ الأسد بهذا الخصوص في 12/4/1973 ويضع هذا القرار على صفحة الغلاف الأخيرة والقاضي بمهمة دراسة إمكانية إنشاء " مركز بحوث ودراسات عربية لتوضيح وتعميق فكرة الوحدة العربية" وربطه بوزارة التعليم العالم أو جامعة دمشق وقد ورد  في القرار اسم جورج جبور منفرداً في حين ضمت اللجنة رئيس مكتب الدراسات والثقافة والإعداد في القيادة القومية ووزير التعليم العالم ووزير التربية. وحين أسس د. خير الدين حسيب " مركز دراسات الوحدة العربية" مع نخبة متميّزة من المنشغلين بالقضايا العربية العامة، كان جورج جبور أول من دعم الفكرة وتعاون مع المركز ورفع مذكرات إيجابية عنه إلى الجهات المسؤولة.

مع الرئيس حافظ الأسد

وقبل أن أختتم هذه المطالعة أود أن ألفت الانتباه إلى مسألة مهمة وهي ما تضمنه خطاب الرئيس حافظ الأسد في مؤتمر قمة دول عدم الانحياز في الجزائر (أيلول /سبتمبر/ 1973) من إشارة إلى رسالة ثيودور هيرتزل  الأب الروحي للحركة الصهيونية إلى سيسيل رودس  أعتى الاستعماريين الذين عانت منه أفريقيا، والتي يقول فيها أنه يود أن يقوم في فلسطين ما قام به رودس بالذات في أفريقيا، وكانت تلك الاستعارة كما يقول جبور قد أشعرته بالوحدة الفكرية مع الرئيس، حيث أتاحت له عملية إعداد الخطاب ليس التعرّف بشكل أفضل على الرئيس من خلال جلستين مسائيتين ليومين متتاليين دامتا 12 ساعة ، وإنما المناقشة المطولة معه حول إسرائيل باعتبارها روديسيا الآسيوية. وقد أثارت هذه الإشارة ضجة في المؤتمر لاسيّما من جانب قادة أفريقيا باتجاه تغيير النظر إلى دور " إسرائيل" . (ص 246)

وخلاصة ما يدوّنه جبور طموح يستند إلى  عودة سوريا لمكانتها وتجاوز المرحلة الصعبة وذلك بالدفاع عن فلسطين وعن الوحدة العربية، فالعرب أبناء اللغة الواحدة يمكن أن يكونوا معاً بما يضمن لهم مصالحهم المشتركة (ص 255).

 

عبد الحسين شعبان

 

 

محمود محمد علي"الفلسفة والعلم"

ذكر في المقال السابق إلي أنه في الخامس عشر من يناير من عام 1950 غيب الموت عالم الفيزياء المصري الشهير الدكتور علي مصطفي مشرفة والذي لقب بأينشتين العرب، والذي كان أول من كتب أبحاثاً بالعربية للتعريف بالذرة والقنبلة الذرية، وكان لوفاته في سن الحادية والخمسين أن تطرح أسئلة ما زالت أصداؤها مستمرة حتي اليوم، ما إذا كانت تلك الوفاة طبيعية، أم أن أيادي خفية قد تدخلت لتتسبب في تلك الوفاة .. ولكن كتاب " دكتور علي مصطفي مشرفة: ثروة خسرها العالم" من تأليف شقيقه الدكتور عطية مشرفة ينفي تماما هذه الأقاويل ويؤكد أنه مات علي فراشه.

وهنا في هذا المقال أود أن أكشف عن حقيقة مهمة تتعلق بالدكتور مشرفة، وهو إيمانه الشديد بأن الفلسفة والعلم أثران من آثار العقل البشري ؛ حيث يقول :" أولاهما ترجع إلي عصور نشأة المدينة ذاتها، وإذاً فهي جديرة بجلال السن ووقار النضوج . وأما العلم فوليد الفلسفة ورضيع ثدييها . ولو أنني سئلت أن أحدد تاريخ ميلاد  العلم علي وجه التحقيق لتحاشيت الإجابة علي السؤال، ولكننا لا نكون بعيدين عن الواقع كثيراً إذا نحن اعتبرناه في النصف الأول من القرن السادس عشر .

وليس معني هذا كما يقول علي مصطفي مشرفة أن العلم لم يكن له وجود قبل هذا التاريخ ؛ فقد كان موجوداً ولكن كجنين يتداخل في كيان الفلسفة بلا شخصية منفردة ولا حقوق سياسية ولا روح مستقلة . ومن المهم أن نلحظ كما يقول علي مصطفي مشرفة في دراسة تطورات هذا الطفل – لا سيما الأولي منها – أنه ولد ثأئراً علي أمه، فولادته ذاتها كانت خروجاً علي الآراء والتعاليم الفلسفية في عصره . كان ولداً عاقاً لا يخضع لما يريد أن يمليه  عليه من هم أرشد منه واحكم بل ظن أنه أخبر وأعرف شأن الصبية إذا امتلأوا حيوية وصحة.

كانت الفلسفة كما يقول علي مصطفي مشرفة عجوزاً تميل إلي التأمل الداخلي بعيدة عن الحياة العلمية بل شر من ذلك كانت لها آراء ثابتة عن هذه الحياة العملية، وكانت نستشيط غضباً وحدة، بل وتنزل عذابها ونقمتها علي كل من تجرأ  بالتشكك في هذه الآراء.  فهل نعجب إذاً لثورة العلم علي هذه الشمطاء القاسية.

وأحدثت ثورة العلم كما يقول علي مصطفي مشرفة انقلاباً أدي إلي استتباب نظام جديد في مملكة التفكير البشري، فقامت حكومة جديدة، وعلي أساس دستور جديد، فمن ذلك الوقت، انتهي أمد التأمل الداخلي والتشريع المبني علي التفكير في حجر مقفلة؛ إذ ما معني أن يحجب المرء عن نفسه علم الحقيقة، لكي يتأمل في حقيقة العلم؟!.

كان شعار الحزب الجديد كما يقول علي مصطفي مشرفة ( شاهد أولاً) فأسرار الطبيعة تعرف من الطبيعة بالاستجواب المباشر، وإذا هي أبدت امتناعاً، أو تعلثماً، اخترعت الآلات والأجهزة اللازمة لجبرها علي الاعتراف.

لقد لقي رواد هذه الحركة، كما يقول علي مصطفي مشرفة نجاحاً مشجعاً فكوبرنيك (1473-1543) وتانجوبر (1546-1601م)، وكبلر (1571-1630م)، وجاليلي (1564-1642م) قام كل منهم بنصيبه في تنمية المعرفة الجديدة، واختراع الأخير منهم تلسكوبه، لكي يتطلع البشر إلي أعماق الفضاء، ويروا عالمين آخرين، ثم جاء الانتصار تلو الانتصار، فجيوش العلم، قد نظمت فصارت لا تغلب وكلنا خبيرون بقصص فتوحاتهم وأحاديث نصرهم.

سأترك الجيوش المنصورة كما يقول علي مصطفي مشرفة في تقدمها، وأتحول لحظة إلي دراسة خطة قتالهم، فهذه الخطة، كانت إلي عهد قريب، تمتاز بوضوحها ودقتها، وهي تعرف بالطريقة العلمية، وهي شيئاً كالآتي : كل باحث علمي بعد أن يختار طائفة من الظواهر الطبيعية، ليبحثها عليه أن يجري عدداً من المشاهدات كثيراً علي قدر استطاعته في ظروف متفاوتة علي قدر الإمكان، وعليه بعد هذا كما يقول علي مصطفي مشرفة أن يدون نتائج هذه المشاهدات بقدر ما يستطيع من الدقة والوضوح، وأن يصف ظروف كل مشاهدة وصفاً مضبوطاً، وبهذه الطريقة يحصل العلم علي مادته، أو معلوماته الأولية، ويستحسن أن تكون هذه المعلومات الأولية علي صورة أعداد ؛ أي أن تكون كمية، وكلما أمكن ذلك كما يقول علي مصطفي مشرفة قيل أن المعلوم هو قياس مضبوط ؛ إلا أنه في كثير من فروع العلم لا يتيسر التعبير بالأعداد فتستعمل عبارات لفظية معيارية، بدلاً من الأعداد، وهي ما يسميه كما يقول علي مصطفي مشرفة المصطلحات العلمية هذه المادة الأولية من أعداد ومصطلحات تصير غذاء للتفكير البشري يحاول أن يؤلف من مختلفها ومتفرقها وحدة متماسكة تقابل وحدة الحقيقة الخارجية، أو العالم الوقعي . هذا العالم كما يقول علي مصطفي مشرفة،هو إذن آلة عظيمة نابضة تعمل طبقاً لقوانين ثابتة ووظيفة العلم هي خلق صورة مضبوطة لهذه الآلة في العقل البشري هذه الصورة، أو هذا الأنموذج، يجب أن يكون ديناميكياً، لا كاللعب الرخيصة الاستاتيكية، التي يلهو بها بعض صغار الأطفال، بل كالأصناف الغالية منها تصغر وتنفخ في حركتها، ولذا كان من الضروري كما يقول علي مصطفي مشرفة الكشف عن القوانين التي تضبط حركة الآلة، وبذلك صار الوصول إلي معرفة هذه القوانين الطبيعية، كما تسمي أول هم للعلم وسائر القراء خبيرون بهذه القوانين، فقانون مثلاَ كما يقول علي مصطفي مشرفة يضبط تصرف الغازات، وقانون الجاذبية العالمية يتحكم في حركات الكواكب، والنجوم، وقوانين الوراثة، يفترض أنها تنظم انتقال الصفات والمميزات من السلف إلي الخلف .

وعملية محاولة الوصول إلي صوغ القوانين الطبيعية في كنهها كما يقول علي مصطفي مشرفة عملية تفكير بحت، فالعقل البشري بإعماله الفكر في معلومات العلم الأولية، يجد انتظامات تظهر له من درسها؛ ففي العلوم الأكثر ضبطاً كالطبيعيات، والفلك، يكون الطريق كما يقول علي مصطفي مشرفة عادة من المعلومات المتفرقة إلي القوانين المصوغة طويلاً ووعراً، ويقتضي استعمال رموز معقدة، وإجراء عمليات فكرية صعبة . إلا أننا كما يقول علي مصطفي مشرفة نضع ثقتنا في القوة البشرية المفكرة وتنقاد انقيادا أعمي لمنطق الفكر، وفي الواقع لا يكاد يكون أمامنا سبيل آخر، فإذا خاننا كما يقول علي مصطفي مشرفة منطق الفكر وجب علينا أن نعيش في مستشفيات المجاذيب .

ومن حسن الحظ أن منطق الفكر كما يقول علي مصطفي مشرفة لا يخوننا وقوانين الطبيعية التي يصوغها الفكر ليست هذياناً ولا هلوسة، فإننا نستطيع كما يقول علي مصطفي مشرفة أن نحكمها بمحك الحقيقة فنستدل علي صلابتها وماديتها، أو إذا نحن كما يقول علي مصطفي مشرفة وجدنا فيها عيباً، فإن ذلك إنما يكون راجعاً إلي نقص أو خطأ في معلوماتنا الأولية يرينا منطق الفكر كيف نتحاشي أثره فنصوغ القوانين مرة أخري خالية  مما يشوبها وهكذا يزداد  همنا كما يقول علي مصطفي مشرفة للطبيعة ازدياداً متواصلاً ويزداد  أنموذجنا شبهاً بالشئ الحقيقي، وإذا كنا نستطيع كما يقول علي مصطفي مشرفة صنع الأنموذج فلماذا لا نجرب أيدينا وعقولنا في صنع الشئ ذاته .. أليس الرق كما يقول علي مصطفي مشرفة فرقاً في مقياس الرسم ليس إلا ؟ هكذا تتحول المعرفة إلي قدرة علي تكييف الطبيعة طبقاً لإرادتنا كما يقول علي مصطفي مشرفة فانتصار العقل علي المادة محقق والزمن وحده كفيل بمجيئ الحكم المطلق للإنسان.

ربما ظهر مما تقدم أنني كما يقول علي مصطفي مشرفة أحاول السخرية بكل من الفلسفة والعلم فبعد أن صورت الفلسفة في صورة عجوز لا تقدر علي شئ، إذا بي أجعل العلم طفلاً ..  وبظن نفسه قادراً علي كل شئ أو بعبارة اخري كما يقول علي مصطفي مشرفة أنني في محاولتي أن أقف موقف العدالة نحو كل من الفلسفة والعلم، إنما نجحت في أن لا أكون عادلاً نحو أيهما، وجوابي كما يقول علي مصطفي مشرفة علي ذلك أنني لا أتكلم عن الفلسفة والعلم، بل عن فلسفة القرون الوسطي وعلم القرن التاسع عشر، فكلنا عرضة لأن نمر في حياتنا بمراحل نكون فيها إما متصلبين في الرأي نملي الحقيقة إملاءً أو ممتلئين شعوراً بأهميتنا وقدرتنا، وما دمنا نجتاز هذه المراحل إلي غيرها نكون أوقع وأكثر اتزاناً منها، فإن المراحل الأولي التي نجتازها كما يقول علي مصطفي مشرفة تكون قد قامت بقسطها في التطور الطبيعي لارتقائنا.

ففلسفة وعلم اليوم  لا هما متصلبان ولا هما متعجرفان  كما يقول علي مصطفي مشرفة والعلم  علي وجه الخصوص – هو الوحيد بينهما الذي استطيع كما يقول علي مصطفي مشرفة أن أتكلم عنه بشئ من التحقق – يمتاز في طوره الحالي شئ من الوداعة والحياء وعدم الرغبة في الإجابة إلي أي سؤال يوجه إليه تعلو وجهه الحيرة وتظهر عليه علامات  الحيرة وعدم الثقة بالنفس، فطفل القرن التاسع عشر الممتلئ إعجابا كما يقول علي مصطفي مشرفة بنفسه وثقة بالنجاح  قد أصابته صدمات متتالية في أوائل القرن الحالي ( ويقصد القرن العشرين)  جعلته خجولاً حماساً .. وهنا يقول علي مصطفي مشرفة ولا أريد هنا أن أصف هذه الصدمات التي هي في الواقع خطوات في تقدم المعرفة البشرية يرجع الفضل فيها إلي أينشتين وماكس بلانك ولوي دي بروليه وسواهم، ولكنني كما يقول علي مصطفي مشرفة سأكتفي بالإشارة إلي بعض النتائج الفلسفية لهذه الصدمات . فمن المعلوم كما يقول علي مصطفي مشرفة أن الزمان والمكان وعلاقة كل منهما بالوجود من المسائل التي شغلت بال الفلاسفة من قديم الزمن، ومن التعاريف المشهورة للوجود الخارجي البقاء في الزمان والمكان وأيا كانت الاختلافات بين الفلاسفة إلي أواخر القرن الماضي في معني الوجود ومميزاته فلا أطن كما يقول علي مصطفي مشرفة أن هذه الاختلافات قد ظهر فيها عنصر اختلاط بالزمن بالمكان حتي أوائل القرن العشرين . ففكرة الزمان وفكرة الماكن كانتا كما يقول علي مصطفي مشرفة تدخلان في تركيب فكرة الوجود، ولكن بحيث تكون كلتاهما مستقلة عن أختها ثم يجتمعان دون أن يختلطا . فمثلاً لا أظن كما يقول علي مصطفي مشرفة أنه كان هناك ريب في ذهن فلاسفة القرون الماضية في أن تتابع حاثين بالذات من حيث أسبقية أحدهما علي الآخر، فالزمان مسألة تحقيقية لا يجوز أن يختلف فيها اثنان كما يقول علي مصطفي مشرفة.

فالعالم الخارجي كان كما يقول علي مصطفي مشرفة عبارة عن جملة صور لحظية تملآ كل صورة منها الفضاء بأسره هذه الصور تتلو الواحدة منها الأخري لحظة في لحظة من اللحظات، ثم من تتابعها يتألف كما يقول علي مصطفي مشرفة مجموع الحقائق الخارجية من أول الماضي إلي آخر المستقبل، ولم يكن هناك احتمال أن يختلف اثنان لي حقيقة صورة واحدة من الصور اللحظية ولا علي طريقة تتابع هذه الصور لحقيقة العالم . فاللحظة التي أكتب كما يقول علي مصطفي مشرفة فيها هذه الكلمة مثلاً كانت يعتبر شيئاً واقعاً يصح أن أعرفه كما يصح أن يعرفه الغير ولم يخطر بالبال أن ما يمكن أن أعرفه أنا عن هذه الحقيقة قد يختلف عما يمكن أن يعرفه الغير إذ لو سلم بهذا لأصبحت الحقيقة مسالة ظنية أو علي الأقل غير حقيقية ولضاع معني البحث في كنه الوجود.

من كل ما سبق يتضح لنا أن الدكتور علي مصطفي مشرفة كان عالماً قبل أن يكون مفكراً، وكان مفكراُ قبل أن يكون عالماُ، فاهتدي بفكره إلي نتائج عملية مهمة ؛ نذكر منها ذلك العلم الرياضي الذي يرتب الأمور علي بعضها ترتيباً لا يتطرق إلي بنائه مثقال ذرة من الشك، ذلك العلم الرياضي الذي أحكمت قواعده ورسخت مبادئه، ذلك  العلم الرياضي الذي ينطلق من المعطيات التي أمامه فيصل إلي النتائج بعد ان ينفذ من شباك المعضلات من حوله، ذلك العلم الرياضي الذي يفترض الفروض ويمضي به فإن خلص منه إلي النتيجة كان بها، وإلا بحث عن غيره وظل يبحث حتي يأتيه اليقين.

وحتي لا يطول بنا الحديث فإنني في نهاية هذا المقال لا أملك إلا أن أقول بأن الكلمات لا تستطيع أن توفي الدكتور مشرفة حقه، فتحية طيبة لهذا العالم الجليل الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للفيلسوف المبدع الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

.......................

المراجع

1- علي مصطفى مشرفة : الفلسفة والعلم، دراسات تربوية، رابطة التربية الحديثة، مج4 , ج 20، 1989.

2- د. محمد الجوادي : مُشرفة: سيرة حياة، دار الشروق، القاهرة، 1980.

 

 

يسري عبد الغنييعد المجمع العلمي المصري اعرق المؤسسات العلمية في مصر، إذ مر علي انشائه اكثر من مائتي عام.. أنشئ المجمع بالقاهرة في20 أغسطس1798 بقرار من نابليون بونابرت، وكان مقره في دار واحد من بكوات المماليك في القاهرة ثم تم نقله إلي الإسكندرية عام(1859) وأطلق عليه اسم المجمع العلمي المصري ثم عاد للقاهرة عام1880، وتضم الجمعية الجغرافية والمجمع العلمي المصري اللذان يقعان في شارع قصر العيني جزءا كبيرا من تاريخ مصر.

وكان الباعث علي إقامته سببين، العمل علي تقدم العلوم في مصر، وبحث ودراسة احداث مصر التاريخية ومرافقها الصناعية، وعواملها الطبيعية، فضلا عن ابداء الرأي حول استشارات قادة الحملة الفرنسية، وهذه الأسباب هي الظاهرة للعيان، ولكن كان الهدف هو دراسة مصر دراسة تفصيلية لبحث كيفية استغلالها لمصلحة المحتل الفرنسي، ونتج عن هذه الدراسة كتاب وصف مصر.

ويعد مبني المجمع العلمي مبني أثريا، لأنه تأسس عام سنة1880 بهدف العمل علي تقدم مصر العلمي ونشر العلم والمعرفة في مصر، ويضم المجمع مكتبة ضخمة بها نحو400.000 كتاب من أمهات الكتب، وينشر مجلة سنوية ومطبوعات خاصة، وكان للمجمع المصري أربع شعب هي: الرياضيات، والفيزياء، والاقتصاد السياسي، والأدب والفنون الجميلة، وفي عام1981 أجريت تعديلات علي الشعب، وأصبحت: الآداب والفنون الجميلة وعلم الآثار، والعلوم الفلسفية والسياسة، والفيزياء والرياضيات، والطب والزراعة والتاريخ الطبيعي.

وكان الدكتور سليمان حزين رئيس المجمع العلمي المصري الاسبق  قد تبني خطة لتطوير المجمع تقوم علي تسجيل مبناه الحالي الذي يعود الي اوائل القرن الحالي في عداد الآثار المصرية، وتسجيل مقتنياته النادرة، وترميم المبني، وتحديث مكتبته، كما قام برنار موريه الخبير الفرنسي المختص بترميم الآثار، بترميم مقر المعهد القديم، وهو منزل السناري الأثري بحي السيدة زينب ، وانتهي من المشروعين أخيرا.

أما الجمعية الجغرافية المصرية فهي صرح من صروح مصر الحديثة، فقد جاءت النشأة المبكرة للجمعية الجغرافية المصرية بالقاهرة مع الربع الأخير من القرن التاسع عشر(1875) عندما اصدر اسماعيل باشا خديو مصر في19 مايو1875 مرسوم بإنشاء الجمعية الجغرافية الخديوية في القاهرة.

وعام1875 في المؤتمر الجغرافي الدولي الثاني الذي نظمته الجمعية الجغرافية في باريس، وقد اشاد المؤتمر بتأسيس هذه الجمعية بمصر، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الجمعية الجغرافية المصرية عضوا مؤسسا في الاتحاد الدولي.

وكان أول موقع اختير لكي يصبح مقرا للجمعية الجغرافية عام1875 لا يعدو ان يكون مجرد قاعة في بيت محمد بك الدفتر دار (زوج الأميرة زينب هانم ابنة محمد علي باشا الكبير) وفي عام1952 انتقلت الجمعية إلي مقرها الحالي في شارع قصر العيني وهو مبني تاريخي يقع داخل سور يضم عددا من الأبنية السياسية والحكومية الفخمة التي توجد في قلب القاهرة ومن بينها مقار مجلس الشعب والشورى ووزارات الري والشئون الاجتماعية والنقل وبعض دواوين محافظة القاهرة.

وقد تم افتتاح هذا المقر يوم الجمعة الموافق3 إبريل سنة1925 حيث احتفل رسميا بالعيد الخمسين لإنشاء الجمعية الجغرافية الملكية المصرية، وحضرت هذا الحفل وفود الجمعيات الجغرافية المشاركة في المؤتمر الجغرافي الدولي الثاني عشر الذي احتضنته مصر لأول مرة وافتتحه الملك فؤاد الأول يوم الخميس2 إبريل سنة1925 في دار الأوبرا المصرية القديمة التي أنشأها الخديوي إسماعيل .

وقد ظل المجمع منذ خروج الفرنسيين مهملا، إلي أن نجح دكتور والن قنصل بريطانيا في مصر، في تأسيس الجمعية المصرية العلمية لتقوم بدوره، وأنشأ الدكتور هنري ايوت وهو انجليزي، و بريس دافين العالم الفرنسي في عام1842 الجمعية الأدبية المصرية لتقوم بنفس الهدف ، وفي6 مايو1856 أعلن محمد سعيد باشا والي مصر، إعادة تأسيس المجمع مرة اخري بالإسكندرية وأدمجت الجمعيتان السابقتان فيه، وضم المجمع العديد من أعضاء المجمع القديم، أبرزهم جومار الذي كان عضوا في لجنة الفنون و ماربيت و كوليج وغيرهم.

وبرز عدد كبير آخر من أعضاء المجمع علي مدي تاريخه في مختلف المجالات ومنهم جورج شواينفورت الرحالة المشهور المتخصص في العلوم الطبيعية ، و محمود الفلكي الأخصائي في علم الفلك ، و ماسبيرو المتخصص في التاريخ الفرعوني ، و علي مشرفة عالم الرياضيات والدكتور علي باشا إبراهيم و أحمد زكي باشا ، وأبرز أعضاء المجمع، الشيخ سلطان ألقاسمي حاكم الشارقة، والأمير خالد الفيصل ، وأصبح عدد أعضائه من الأوروبيين محدودا وخاصة الفرنسيين، ومنهم الدكتور فيليب لاوير ، وهو خبير فرنسي في الآثار يعيش في مصر منذ أربعين عاما، ودكتور جورج سكانلون وهو أستاذ أمريكي متخصص في العمارة الإسلامية، و الدكتور وارنركايزر وهو ألماني ويتبادل المجمع مجلته السنوية ومطبوعاته مع مائة وأربعين مؤسسة علمية دولية.

وتضم مكتبته أربعين ألف كتاب ، أبرزها أطلس عن فنون الهند القديمة وأطلس باسم مصر الدنيا والعليا مكتوب عام1752، وأطلس ألماني عن مصر واثيوبيا يعود للعام1842، و أطلس ليسوس وهو ليس له نظير في العالم وكان يمتلكه الأمير محمد علي ولي عهد مصر الأسبق، وقام مركز معلومات مجلس الوزراء المصري، بإدخال هذه المكتبة النادرة علي الحاسب الآلي.

والمجمع العلمي المصري يضم النسخة الأصلية لكتاب وصف مصر وهو عبارة عن20 مجلدا بعنوان وصف مصر أو مجموع الملاحظات والبحوث التي تمت في مصر خلال الحملة الفرنسية تمت كتابتها وتجميعها من قبل مائة وخمسين عالما وأكثر من ألفي متخصص ، من خيرة الفنانين والرسامين والتقنيين، الذين رافقوا القائد نابليون بونابرت أبان الحملة الفرنسية علي مصر1798 ـ1801 وتعد مجموعة وصف مصر أكبر وأشمل موسوعة للأراضي والآثار المصرية، لكونها اكبر مخطوطة يدوية اشتغلت عليها كتيبة من الدارسين والأكاديميين، الذين رافقوا نابليون.

ويحتوي علي أحد عشر مجلدا من الصور واللوحات ، وتسعة مجلدات من النصوص، من بينها مجلد خاص بالأطلس والخرائط، ويعتبر عملا بارزا، كان له الفضل الريادي في مجالات الدراسات المصرية علي وجه العموم، وهذه الأجزاء العشرة ترجمة كاملة قام بها الباحث المصري زهير الشايب بمجهوده الشخصي والمجلد الحادي عشر خاص باللوحات وهذا مايبرر حجمه الضخم.

وجاء17 ديسمبر 2011 يوم أسود حرق فيه الغوغاء والبلطجية والمأجورين هذا المجمع ---!!!!!

ظلت واحدة من النسخ الأصلية القليلة من الكتاب العظيم "وصف مصر" قابعة في مخازن المجمع العلمي بالقاهرة ربما لأكثر من مائتي سنة.

قليلون من المثقفين والمؤرخين هم من اهتموا بالإطلاع على المؤلف الضخم الذي وضعه علماء الحملة الفرنسية، وفيما عدا ذلك ربما لم يكن كثيرون من المصريين يعرفون أن الكتاب موجود في بلادهم من الأصل. 

ولكن بين عشية وضحاها حلت الكارثة، وارتفعت ألسنة اللهب تلتهم المجمع العلمي العتيق، وتلتهم في داخله تلك النسخة من كتاب وصف مصر.

ومن بين نحو 200 ألف من المجلدات القديمة والكتب النادرة والخرائط والبرديات على أرفف المجمع، أحس المصريون بالجزع لسماع النبأ المروع، وبدا وكأنهم استرجعوا فجأة ذكريات درس التاريخ في المدرسة الابتدائية، وكيف أمر نابليون بونابرت علماء حملته بالتجول في مصر من أقصاها إلى أقصاها وتدوين كل ما يرونه في مؤلف كبير هو وصف مصر.

فشل نابليون في تحقيق ما جاء من أجله بحملته عام 1798، وهو تأسيس إمبراطورية فرنسية مركزها مصر، ولكن القائد الفرنسي الشهير قد انبهر بمصر وكل ما شاهده فيها من مظاهر لحضارة عظيمة علاها التراب.

فلم ير نابليون في حياته بناءا أعظم من الأهرامات ولا أكثر هيبة وروعة من المعابد الفرعونية، وكان هناك التراث الإسلامي المغرق في الثراء وتمثل في العمارة الأيوبية والمملوكية والعثمانية، فضلا عن التنوع الطبيعي بين النهر والصحراء والدلتا والصعيد، والموروث الثقافي الأصيل والبالغ الارتباط بالأرض والناس.

أطلق نابليون العنان لعلمائه كي يكتبوا عن مصر، وكان منهم علماء الطب والهندسة والبناء والآثار والجغرافيا والاجتماع واللغة والتاريخ والتصوير وحتى الشعر والموسيقى واللغات، وساعدهم ما عثروا عليه في دور القاهرة وغيرها من المدن المصرية من وثائق وبرديات نجحوا في فك طلاسمها، ففتحت أمامهم مزيدا من الأسرار عن تاريخ البلد العربي الكبير.

ولم يكن ثمة عنوان لما كتبوه أدق من العنوان البسيط "وصف مصر".

وحتى عندما هزم نابليون في أبي قير كان حريصا على أن يحمل معه إلى فرنسا "مسودات" الكتاب الكبير.

وفي باريس جمع وزير الداخلية الفرنسي آنذاك، جان انطوان شبتال علماء الحملة لنشر كافة المواد العلمية والأدبية التي كتبوها ودرسوها أثناء تواجدهم بمصر، وشكلت لجنة من ثمانية أعضاء تولت جمع ونشر مواد الكتاب ، وكانت عبارة عن 10 مجلدات للوحات، منها 74 لوحة بالألوان، وأطلس خرائط، وأخيرًا، 9 مجلدات للدراسات المكتوبة ، وجمعت تلك المجلدات فى كتاب واحد يحمل اسم وصف مصر.

سرعان ما أصبح الكتاب في نسخته الفرنسية واحدا من عيون الثقافة العالمية في وقته، وزاد من قيمته أن النسخ التي طبعت منه ظلت قليلة خاصة نسخ الطبعة الأولى التي ظهرت في باريس عام 1809، وكانت في عشرين جزءا ، ثم ظهرت طبعة ثانية عرفت باسم الطبعة الملكية وكانت في عام 1821.

واضطلع كل من الكاتب المصري زهير الشايب وابنته مني زهير الشايب بترجمة الكتاب إلى العربية ترجمة متواضعة غير أمينة ولا جميلة ، وهي نفس الترجمة التي لا تزال -بكل أسف- معتمدة لجميع الطبعات العربية لكتاب وصف مصر.!

نعود إلى الحاضر، حيث قالوا:إن نسخة كتاب "وصف مصر"، التي احترقت في المجمع العلمي بشارع قصر العيني ليست هي النسخة الأصلية الوحيدة الموجودة في مصر.

وقالوا: إنه يوجد في مصر ثلاث نسخ أخرى أصلية لهذا الكتاب العظيم ، واحدة في دار الكتب والوثائق، والثانية في الجمعية الجغرافية بالقاهرة، والثالثة نسخة غير مكتملة موجودة في جامعة أسيوط، كما أعلن أن الترجمة الأصلية للكتاب موجودة أيضا

وفي خطوة تعكس إدراكا عميقا لقيمة المجمع العلمي الذي احترق ولقيمة الكتاب النفيس وصف مصر، أعلن أحد الأثرياء العرب، أنه سيتكفل بإعادة ترميم المجمع العلمي المصري كاملاً، وأن بحوزته بعض المخطوطات الأصلية مثل المجلة الدورية التي تعود إلى عام 1860 وكتاب "وصف مصر.

وقال  هذا الثري في تصريحات له : إن جميع نسخ الكتب الأصلية الموجودة في مكتبته مقدمة هدية منه للمجمع، حيث انه يملك مجموعة نادرة لا توجد إلا طرفه، كما أوضح أنه طلب من مصر وصفًا كاملاً للكتب التي احترقت وستقوم دار الوثائق المصرية بجرد لها حتى يتمكن من استرجاعها جميعًا.!!

عيد ترميم مبني المجمع العلمي المصري التاريخي الذي أصيب بأضرار بالغة بسبب الحريق الذي أتى عليه خلال ما يعرف في مصر بأحداث مجلس الوزراء في 17 من ديسمبر/كانون الأول2011.

واستغرقت عملية الترميم ثلاثة أشهر فقط وساهمت فيها بفاعلية الهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة المصرية.

واعادت عملية الترميم الشكل العام والطابع المعماري المميز لمبنى المجمع العلمي الذي يقع على تخوم ميدان التحرير. لكنها لم تستطع استعادة ما دمره الحريق من مخطوطات نادرة وكتب تراثية ترجع لأكثر من مائتي عام. وغالبية هذه المخطوطات يتناول فترة الحملة الفرنسية على مصر أواخر القرن السابع عشر.

وخلال مراسم إعادة افتتاح المجمع، قال رئيسه إن "هذا المكان يمثل ضمير وتراث الأمة المصرية ويخلد حقبا مميزة من تاريخها الحديث".

 

وكان المجمع قد أنشئ بقرار من قائد الحملة الفرنسية على مصر نابليون بونابرت في العام 1798 ليكون مقرا للبعثات العلمية المصاحبة للحملة التي واصلت العمل حتى بعد رحيل الحملة لإنجاز درة مقتنيات هذا المجمع.

ويعد كتاب وصف مصر، الذي وثق به علماء الحملة الفرنسية أوجه الحياة في مصر في هذه الفترة وما تحويه من ثروات طبيعية وعادات وتقاليد، من أهم مقتنيات المجمع.

ويتميز هذا الكتاب بوجود الكثير من الخرائط و الرسوم والمخطوطات التي تؤرخ لهذه الحقبة التاريخية . غير أن حريق المجمع التي تواكب مع أحداث الاحتجاج تسبب في احتراق هذا الكتاب النادر ، وهو ما وصف بالفاجعة التي أدمت قلب وعقل هذا الوطن .

وقالوا: إنه تم التغلب على أزمة فقدان كتاب وصف مصر التاريخي من خلال توفير نسخ ورقية من الكتاب في مشروع ضخم تم بالتعاون مع مكتبة الإسكندرية والمركز الثقافي الفرنسي ودار الكتب والوثائق القومية.!!

وقالوا: إن أي باحث يستطيع أن يطلع على المخطوطات والرسوم النادرة التي يحتويها هذا الكتاب من خلال الدخول على الصفحة الإلكترونية للمجمع أو لمكتبة الإسكندرية خلال ثوان.!!!!!

وأبدينا جميعا  حزننا العميق بسبب فقدان روح المكان التي كانت تشع من خلال رائحة الكتب و المجلدات والمخطوطات القديمة و المجمع يحوي أكثر من 25 ألف كتاب ومجلد بلغات مختلفة ".              

وطالبنا بـ"ضرورة عدم التهاون مع من تسببوا في كارثة حريق المجمع العلمي باعتباره حق للمجتمع لا يمكن التفريط فيه" . وقلنا إن الصرامة مع هؤلاء يضمن "عدم تكرار هذه المأساة في المستقبل".!!!!

ومازال حريق المجمع العلمي خلال أحداث مجلس الوزراء لغزا يحير السلطات المصرية التي أحالت القضية برمتها إلى القضاء، الذي يواصل نظر القضية المتهم فيها بعض البلطجية والعملاء والمأجورين من أدعياء الثورية لكن المحكمة قررت الإفراج عن جميع المتهمين في القضية ومن بينهم بعض الأحداث من الأطفال الصغار بضمان محل إقامتهم وهو ما يشير إلى عدم وجود أدلة قوية على إدانتهم في القضية التي هزت الرأي العام المصري على لشهور.

وكتبت بعض الصحف المصرية عن مساهمة منظمات وهيئات دولية في دعم دار الوثائق القومية بالمساعدات التقنية في عمليات ترميم المجمع العلمي، الذي يصل عدد الكتب التي يحويها حاليا 25 ألف كتاب ومجلد بلغات مختلفة.!!!

وقالوا إن هناك خطط طموحة لتطوير المجمع العلمي من خلال إقامة امتداد له بمدينة السادس من أكتوبر، حيث يتم التوسع في إقامة صالات العرض للكتب و المخطوطات النادرة فضلا عن توفير مساحات كبر للمخازن وإمكان الاحتفاظ بالكتب والمجلدات والوثائق النادرة التي تذخر بها الهيئات العلمية والثقافية المختلفة.!!!!!

كما أشاروا إلى "وجود خطة لتدريب بعض العاملين في المجمع على نظم الفهرسة الحديثة لإتاحة الكتب والمؤلفات المختلفة بسهولة للباحثين والعلماء والمترددين على المجمع العلمي من شتى دول العالم."!!!!!!

والمجمع العلمي المصري من أعرق المؤسسات العلمية في العالم حيث مر على إنشائه أكثر من مائتي عام ، وكانت مكتبته تضم أكثر من مائتي ألف كتاب ، أبرزها أطلس عن فنون الهند القديمة، وأطلس باسم مصر الدنيا والعليا، وأطلس ألماني عن مصر وأثيوبيا يعود للعام 1842.

ويضم المجمع أيضا أطلس ليسوس، الذي يوصف بأنه ليس له نظير في العالم وكان من مقتنيات الأمير محمد علي الصغير ولي العهد الأسبق.

ومن أهم المقتنيات التي استُحدثت؛ مكتبة العالم السوري دكتور هيثم الخياط ، وهو عضو بمجمع اللغة العربية بالقاهرة ودمشق والتي أهداها للمجمع. ويتجاوز عدد كتبها خمسة آلاف كتاب.

وأهدت أسرة الدكتور محمود حافظ الرئيس السابق للمجمع مكتبته الخاصة للمجمع. وأهدى بعض أساتذة الجامعات مجموعات من الكتب للمجمع، الذي تلقى أيضا بعض مطبوعات المعهد الفرنسي للآثار الشرقية.

 

بقلم / د . يسري عبد الغني

 

في أزمنة التحولات الثقافية تضطرب الكلمات والأشياء والمفاهيم والدلالات إذ يعاد تصنيف الناس والعلاقات والأفعال والقيم والزمان والمكان والحياة والموت والأرض والسماء وكل شيء تقريبا لا سيما في المجتمعات الأمية التي ران عليها الجهل منذ زمن طويل. وهذا هو ما شهدته المجتمعات العربية الإسلامية على مدى قرنيين من الزمن بنسب متفاوته وعبر مراحل مختلفة. وكما استيقظت مصر على اصوات مدافع نابليون كذلك البلدان العربية على اصوات ثورات التحرير الوطنية. اليمن في جنوب الجزيرة العربية كانت أخر من يعلم وأخر المستيقظين. ولدت في زمن الكفاح المسلح ضد الاستعمار الإنجليزية وعشنا مرحلة تحول جذري من المجتمع التقليدي للمجتمع الحديث. كان أبي رحمة الله عليه فلاحا وتاجرا بسيطًا. ذات يوم من سبعينيات القرن الماضي وجد أبي كتابة بالفحم الخشبي؛ وجدها على جدار بيتنا الخارج (تسقط الكمبرادورية والبرجوازية الكبيرة) كنت حينها في الصف الرابع أبتدائي. عاد أبي من صلاة الفجر بالمسجد وايقظني بسرعة وأخذني بكم قميصي إلى خارج البيت وأشار للعبارة المكتوبة في الجدار وطلب مني قراءتها. كنت في طور التهجي

حاولت قراءة الجملة (ت س ق ط .. وعجزت عن نطق (ال ك م ب ر ا د و رية) تلعثمت... كم بر دو يه ..فصرخ في وجهي ايش تقول يابني هذا كلام أنسي أو جني؟ هههههه فصفعني على خدي صفعة جعلتني أرى الحروف شياطين لكنني لم أبكي فالبكاء ليس من قيم الرجال فضلا عن علمي المسبق بموقف والدي القاسي إذ بكيت. ابتلعت ريقي وخيبتي وحزمت أمري على أن اتعلم قراءة الكلمات الكبيرة ومنذ ذلك الحين وأن شغوف في تمحيص المفاهيم المجردة وربما كان هذا هو الدافع الخفي الذي حفزني لدراسة الفلسفة. إذ وجدت أن الحاجة إلى إعادة تحديد وتعريف الكلمات التي نستعملها في دراساتنا الاجتماعية تزداد، لاسيما مع مفاهيم أو مصطلحات تلقفناها من سياقات ثقافية مغايرة، إذ أن المفاهيم لا توجد في فلك الأفكار ومدونات اللغات فحسب، بل هي كائنات تاريخية شديدة الارتباط بسياقاتها الاجتماعية الثقافية المشخصة، ولكل مفهوم مكان وزمان ولادة وسياق نمو وتجربة ممارسة وعلاقات قوة واستراتيجيات سلطة ورهانات معرفة ونظام خطاب ومدونة لغة وفضاء فكر وحساسية ثقافة وحقل تأويل وشفرة معنى وأفق دلالة.. الخ. ومنذ ذلك الحين وأنا إبحث في معاني المفاهيم الكثيرة التي منها : البروليتاريا والبرجوازية والثورة والجمهورية والأحزاب والايديولوجيات والتاريخ والعنف والطبقات والصراع الطبقي والعنف الثوري والأنتليجنسيا وغيرها من المفاهيم والمصطلحات الأخرى .عرفت المعاني والدلالات ولم أشاهد الماصدقات. رحمة الله عليك يا أبي عرفت المعنى فطلع غلط ودفعنا الثمن كلها من لحمنا ودمنا فاصبحنا وأصبح الملك لله في مهب العاصفة.

 

ا. د. قاسم المحبشي