جودت هوشيارميخائيل ارتسيباشيف (1878–1927) من انبغ أدباء روسيا، وأحد الكتّاب الأكثر شعبية في العصر الفضي للادب الروسي، ولكنه يكاد يكون مجهولاً اليوم في العالم العربي - ليس بين القراء فحسب، بل حتى لدى اهل الاختصاص - كالعديد من الادباء الروس المعروفين، الذين هاجروا من روسيا بعد ثورة اكتوبر 1917. وكانت الهجرة في عرف البلاشفة تعني الحكم بالاعدام الأدبي على الكاتب – ان صح التعبير- اي حظر نشر وتداول اعماله، وشطب اسمه اينما ورد في البحوث والدراسات، واسقاطه من الأدب الروسي تماما.

بعد عقود من الحظر والتجاهل والصمت، عاد ارتسيباشيف الى القاريء الروسي مع من عاد اليه من الكتّاب والشعراء الروس الكبار المضطهدين: نيكولاي غوميلوف (زوج الشاعرة آنّا أخماتوفا)، اوسيب ماندلشتام، اسحاق بابل،بوريس بيلنياك، مارينا تسفيتايفا، آنّا أخماتوفا، أندريه بلاتونوف وعشرات غيرهم من الأدباء المعدومين أو المضطهدين أو المحظورين في العهد السوفيتي.

الآن يمكننا ان نقرأ مؤلفات ارتسيباشيف، التي تصدر في طبعات متلاحقة منذ تفكك الاتحاد السوفيتي وحتى اليوم. ونطلع على منجزه الابداعي، وعالمه الروحي.

من هو ارتسيباشيف؟ وهل الموضوعات التي عالجها، والافكار التي طرحها في مؤلفاته ما تزال تحتفظ بقيمتها الفكرية والفنية؟. وهل هي قريبة منا ومن عصرنا الراهن؟ وما هي اهم خصائص اعماله الادبية، التي كانت مثار جدل صاخب داخل روسيا، وخارجها، خلال الربع الأول من القرن العشرين؟

من هو ارتسيباشيف؟

ولد ارتسيباشيف في 5 نوفمبرعام 1878 في بلدة (ارخيتر) التابعة لمحافظة خاركوف الاوكرانية، في عائلة من صغار النبلاء، و كان والده ضابطا في الجيش القيصري، ووالدته ربة بيت بولندية الأصل.

كان ارتسيباشيف محظوظا بان يولد ويعيش طفولته ومراهقته في منطقة هادئة، رائعة الجمال، والتي وصفها في اعماله الادبية وصف عاشق متيّم بسحر الطبيعة الخلابة فيها، حيث المساحات الخضراء والغابات ونهر (فورسكلا). درس ارتسيباشيف خمس سنوات في المدرسة الثانوية (جمناسيوم) في ارخيتر، وفصلا دراسيا واحدا في مدرسة الفنون التشكيلية في خاركوف (1897 – 1898)، وحاول الالتحاق باكاديمية الفنون في بطرسبورغ العاصمة، ولكن تم رفض طلبه لعدم حصوله على الشهادة الثانوية.

في عام 1897، اقدم ارتسيباشيف على محاولة انتحار باطلاق النار على نفسه. وكان لهذا الحادث المأساوي تأثير كبير في كتاباته المستقبلية، وفي ادراكه لهموم الجيل الجديد، ولمعنى الحياة.

ويقول الفنان يفغيني اغافونوف في مذكراته عن صديقه وزميله في الدراسة ارتسيباشيف: "كانت محاولة الأنتحار بسبب دراما عائلية مؤلمة. وحالته حرجة، وميئوس منها تقريبًا، فقد تغلغل الضماد عميقا افي الجرح مما ادى الى التهابه. وكانت ثمة مخاوف من تسمم الدم، ولكنه نجا من الموت بإعجوبة ".

ويضيف اغافونوف فائلاً: " تعرّفت على ارتسيباشيف شخصيا عام 1897 في مدرسة خاركوف للفنون التشكيلية. كان مظهر الطالب الجديد مميزاً: فتى ضعيف البنية، شاحب الوجه، محدودب الظهر، طويل الشعر، ذو لحية سوداء، ويرتدي دائماً قميصا اسود. وكان أشبه بجثة متحركة ".

 ومنذ ذلك الحين كان ارتسيباشيف مريضاً طوال حياته، ولم يعد ذلك الشاب الحالم، بل اصبح شخصا منطويا على ذاته. وفي ما بعد كتب في سيرته الذاتية يقول: " كنت في التاسعة عشر من عمري عندما يئست من الحياة، وحاولت الانتحار باطلاق النارعلى نفسي، ولكن جرحي التئم بعد ثلاثة اشهر.ونهضتُ وقررتُ ان لا اطلق النار على نفسي مرة اخرى مهما كان السبب.

قضى ارتسيباشيف في مدرسة الفنون فصلا دراسياً واحداً، أثبت خلاله أنه طالب موهوب ومتفوق. ومع ذلك، كان وحيداً تماماً، وميالاً الى العزلة وصموتا، ربما بسبب الصمم، الذي أصيب به منذ طفولته.

حياته الأدبية

بدأ أرتسيباشيف حياته الأدبية في عام 1894 بنشر مقالات في الصحف المحلية بمدينة خاركوف. وفي 27 يناير 1895 نشر قصته الاولى في صحيفة " يوزني كراي " عن انتحار تلميذ مدرسة ثانوية. وفي القصة، وصف رهيب لمشاعر التلميذ بأدق تفاصيلها لحظة الانتحار. يقول ارتسيباشيف في سيرته الذاتية متهكماً على نفسه:

" في طفولتي كنت أريد أن أكون صيادًا، لكني لم اكن أمانع أن أكون ضابطًا، ثم حلمتُ، لفترة طويلة جدًا أن أصبح فنانًا، بيد انّي أصبحت كاتبا بشكل غير متوقع. حدث ذلك لأن إحدى الصحف في خاركوف دفعت لي ثمانية روبلات لقاء قصة قصيرة، اشتريت بها اصباغًا للرسم، ثمّ اردت الحصول على المزيد من المال، فواصلت الكتابة، وعند ذلك بدا لي الرسم مملاً، فتحولت الى الأدب.

انتقل ارتسيباشيف عام 1998 من خاركوف الى العاصمة بطرسبورغ. واخذ ينشر مقالات نقدية، وملاحظات عن المعارض الفنية المقامة في العاصمة، وقصصا مرحة، ورسوما كاريكاتيرية في بعض المجلات الثقافية.

تزوج ارتسيباشيف في السنة ذاتها من فتاة طويلة القامة، قصيرة الشعر، وصموت. كانت تبدو وكأنها تراقب زوجها طوال الوقت، وقد انجبا طفلا في عام 1899 سمّياه بوريس. ولكن هذا الزواج لم يدم سوى ثلاث سنوات حيث انفصلا عن بعضهما بسبب اختلاف شخصيتيهما ومنذ عام 1902 تفرغ ارتسيباشيف للأدب تماماً.

القصة الأولى (الجادة) التي اعتبرها آرتشيباشيف بداية لمسيرته الإبداعية هي "باشا تومانوف". كتبها في عام 1901 وارسلها إلى إحدى المجلات الادبية المرموقة، وهي مجلة "روسكي بوغاتستفا "، ولكن الرقابة رفضت نشرها، ورأت النور بعد ذلك بعامين في مجلة أخرى هي، "اوبرزفانيا". بحلول هذا الوقت،كان الكاتب الشاب قد نشر العديد من القصص القصيرة،منها " كوبريان " و " حامل الراية " و" الضحك " المنشورة عام 1902 وغيرها، التي جمعها ونشرها في كتاب من مجلدين صدرا بين عامي 1904-1905 في بطرسبورغ. وقد لفتت هذه المجموعة نظرالأوساط الأدبية في روسيا، ورحبت كبريات المجلات الادبية بظهور اسم جديد مثير للاهتمام في الأدب الروسي. كما اعتبرت روايته " موت لاندي " (1904) بمثابة حدث ادبي مهم. ومع ذلك، كان عدد قليل من الناس يعرفون ان للكاتب مخطوطة رواية أخرى بعنوان " سانين" جاهزة للنشر منذ عام 1902 وستثير عند نشرها ضجة أدبية كبرى..

رواية "سانين"

نشرت لأول مرة في مجلة "سوفريميني مير" بعددها الصادر في سبتمبر 1907. واقبل القرّاء الروس عليها اقبالا عظيما، واعتبرها معظم النقّاد ذروة اعمال الكاتب، في حين ندد بها عدد من النقاد والقراء المتزمتين الذين اتهموا الكاتب بالترويج للعدمية والاباحية. ولفتت الرواية انظار الأوساط الأدبية في العديد من بلدان العالم المتقدم، وسرعان ما ترجمت الى عشرات اللغات الاجنبية بما فيها اليابانية.

كانت حبكة الرواية وافكار المؤلف مثيرة الى درجة انها تسببت في رفع دعاوى قضائية ضد ناشر الترجمة قي المانيا، وضد مترجم الرواية في المجر.وتمت مصادرة الطبعة الثانية من الرواية في روسيا. وفي نهاية المطاف تم الأفراج عن الكتاب وتبرئة المتهمين بالترويج للاباحية - وهذه التهمة تبدو اليوم مضحكة لو قارنا بعض المشاهد الايروتيكية لرواية " سانين " مع ما تصدر اليوم في الشرق والغرب من روايات جنسية فاضحة - وتجدر الاشارة الى ان الكاتب المصري الراحل ابراهيم عبدالقادر المازني قد ترجم رواية " سانين " الى العربية نقلا عن الانجليزية ونشرها تحت عنوان " سانين أوابن الطبيعة " عام 1922، ولكن البعض اتهم المازني بالإنتحال، وانه كتب رواية " ابراهيم الكاتب " تقليدا لرواية " سانين، حيث تجد صدى آراء " سانين " واضحة في " ابراهيم الكاتب ". وهذه مسألة تستحق وقفة طويلة، لسنا بصددها الآن.

كانت رواية " سانين " تعبيرا عن آراء الكاتب وتجسيدا لشخصيته تجسيدا فنيا رفيعا. ويبدو ان " سانين " - وهو لقب البطل الرئيسي للرواية - قد حجب ارتسيباشيف، وكأن ارتسيباشيف ليس هو الذي كتب سانين، بل ان سانين هو الذي كتب ارتسيباشيف وخلقه على صورته ومثاله.

الفكرة الرئيسية للرواية هي ان كل انسان بحاجة الى تلبية احتياجاته ورغباته الطبيعية. ولا يمل بطل الرواية فلاديمير سانين من تكرار القول: " ان الرغبة هي كل شيء، والانسان يموت عندما تموت الرغبة في اعماقه. ومن يقتل رغباته انما يقتل نفسه ". يثمن سانين الشخصية الانسانية حسب قدرتها على تنمية الفرح والمتعة، ويرى إن من لا يعرف كيف يستمتع بالحياة، ويسعد الآخرين لا قيمة له..

انصار الكاتب قالوا ان سانين هو" بطل زمانه " حيث وجدوا فيه ملامح الفكر الحي وصدق تصوير الحياة، واسسوا جمعيات حملت اسم " السانينيون".

عبّرت الرواية بقوة عما نضج في المجتمع الروسي في اوائل القرن العشرين من احتجاج على جميع انواع القيود الاخلاقية والسياسية، وعلى المعتقدات والاغلال التي كانت تحد من حرية الانسان. ووجهت ضربة مؤثرة الى المعايير التقليدية لتقييم الشخصية الانسانية، والى الذين اعطوا الحق لانفسهم في اصدار احكام قطعية حول الخير والشر، وعما هو رفيع او وضيع، والى الأحكام المسبقة للنفاق الاجتماعي التي فرضت على الكتّاب والمفكرين على مدى قرون عديدة، ما يجوز وما لا يجوز اظهاره من خبايا النفس البشرية. وكانت تلك الاحكام تتجاهل حقيقة ان الانسان ليس تجسيدا لما هو مقدس ونقي وسام فقط، بل انه في الوقت نفسه يحمل في اعماقه الشر والخطيئة، حيث تتعايش الروح السامية مع الرغبات الجسدية.

ثم كتب ارتسيباشيف عدة روايات قصيرة لعل اهمها " بقعة دم " و" الموجة البشرية" و " العامل شيفروف " حيث يصوّر فيها الناس البسطاء الروس خلال التغيرات الاجتماعية والسياسية في البلاد.

وتناول الكاتب في اعماله اللاحقة موضوعا ساخنا في المجتمع الروسي، له صلة بسيرته الذاتية. وهو موضوع الانتحار. وكان اهم هذه الاعمال، رواية بعنوان " عند الخط الاخير"(1912)، التي تعكس اليأس والاحباط وخيبة امل الناس في الشعارات الثورية، وتعطشهم للسلام، والتنوير الروحي، عقب الأحداث الدموية التي رافقت الثورة الروسية الأولى عام 1905.

اما رواية " امرأة واقفة في الوسط " فقد اثارت ايضا جدلاً حامياً بين القراء عموما والنقّاد والكتّاب على وجه الخصوص. كانت الآراء كالعادة متباينة وأحياناً متناقضة. قال البعض انها رواية تفضح المرأة، وقال آخرون انها عن دناءة الرجال وبؤسهم الروحي، وملحمة محزنة عن ضعف النساء. وانهيار الافكار الرومانسية النبيلة عن الحب.

موضوع المرأة لم يقتصر على هذه الرواية، بل عالجه الكاتب في العديد من رواياته وقصصه القصيرة، لعل اهمها " السعادة " و"المنتقم" و " قصة حب امرأة صغيرة " و" الغيرة ".

اثبت أرتسيباشيف في هذه الأعمال جدارته العالية ككاتب رفيع المستوى. وقال بعض النقاد أن ارتسيباشيف هو (مونيه) الأدب الروسي. ومونيه كما نعلم هو رائد المدرسة الانطباعية في الرسم.ثمة في اعمال ارتسيباشيف: الضؤ والهواء، والورود والزهور، ونضارة الالوان، و الشمس الساطعة، خالقة الحياة، الشمس التي تحوّل الطبيعة الى عالم من الالوان.

ارتسيباشيف كاتبا مسرحيا وسينمائيا

كتب ارتسيباشيف العديد من المسرحيات وسيناريوهات الافلام السينمائية. فقد حققت المسرحية الاولى التي كتبها عام 1913 وهي " الغيرة " نجاحا هائلا، وفي العام التالي تم انتاج فيلم سينمائي مستوحاة من هذه المسرحية. وتوالت مسرحياته " الحرب " (1914)، "قانون الوحشية " (1915) و" الاعداء " (1916). و" الشيطان" (1925)، التي بشجب فيها سفك الدماء. وكتب سيناريو فيلم " الروح " الذي شهد اقبالا واسعا، الا ان الرقابة سرعان ما منعت الاستمرار في عرضه. ومن سيناريوهات الأفلام التي كتبها ارتسيباشيف، " يوميات الاغواء"، و " عار الفجور"، و" المنتقم"، و" الخط الأخير ".

ارتسيباشيف والبلاشفة

ما كان مقبولاً ورائجا من اعمال ارتسيباشيف في العهد القيصري، لم يعد كذلك بعد ثورة اكتوبر1917. فقد بدأت الأفكار الفلسفية لاعماله الأدبية تتناقض مع الخط الأيديولوجي والسياسي للبلاشفة، الذين اتهموا الكاتب ببث روح التشاؤم والانحطاط في الأدب. ووصفوا اعماله بانها غير اخلاقية، وان أفكار المؤلف تسبب أضراراً اجتماعية لا يمكن إصلاحها.

عارض آرتسيباشيف النظام البلشفي. ولم يقبل التكيّف مع الوضع السياسي والاجتماعي الجديد، ورفض ان يكتب ما لا يشكل خطرا عليه. وسرعان ما تم حظر مؤلفاته داخل روسيا، كالعديد من الكتاب المعروفين الذين رفضوا الخصوع لإملاءات البلاشفة. وبعد ست سنوات من حظر أعماله وتضييق الخناق عليه، اضطر الى الهجرة الى بولندا وطن والدته. وكان معروفا على نطاق واسع لدى الجمهور البولندي من خلال أعماله الروائية والمسرحية المترجمة الى البولندية، واصبح شخصية معروفة في الاوساط الثقافية البولندية وفي المجتمع المخملي في وارشو. وأصدر ارتسيباشيف فور استقراره في وارشو - بالتعاون مع كتّاب روس مهاجرين آخرين - صحيفة " من اجل الحرية ". وكانت لسلسلة مقالاته المناهضة للنظام البلشفي صداها الكبير لدى المهاجرين الروس في بولندا وفي البلدان الاوروبية عموما.

توفى ارتسيباشيف في الثالث من آذار عام 1927 بمرض السل المزمن الذي اصيب به منذ فترة طويلة. ولما كان الكاتب محظوراً في الاتحاد السوفيتي، فقد نشرت مجلة " اغنيوك " - وكانت اوسع المجلات السوفيتية انتشاراً - خبر وفاته على النحو التالي: " مات في المهجر ميخائيل بتروفيتش ارتسيباشيف. ومن غير المرجح أن يحزن أي قاريء روسي لوفاة هذا الكاتب الروسي االمعروف في زمن ما ". ولكن الحقيقة هي ان الأوساط الأدبية الروسية تلقت خبر وفاة الكاتب بحزن بالغ، وحتى الكتاّب الذين كانوا ينتقدون ارتسيباشيف قبل الثورة، عبروا عن حزنهم العميق لرحيله، وفي مقدمتهم مكسيم غوركي، وأشادوا به ككاتب كبير وموهوب. ورغم الأجواء القمعية السائدة في البلاد، اقام عدد من الأدباء الروس المعروفين حفلا تأبينيا للكاتب الراحل. وأصدرت احدى دور النشر الخاصة مختارات من أعماله الروائية والقصصية في ثلاثة مجلدات.

ارتسيباشيف كاتب اجتاز امتحان الزمن. وهو يحتل اليوم مكانة رفيعة بين كتاب العصر الفضي في الأدب الروسي.

 

 د. جودت هوشيار

 

 

 

داود السلمانلو أن أحد المحاضرين، في محاضرة عامة، ووسط حضور كبير، أفتتح محاضرته بكلمة أن الله ليس بموجود، لهب في وجهه عشرات الحضور، هبة رجل واحد، من دون أن يمهلوه حتى يجر انفاسه ويكمل جملته التي افتتحها بهذه الجملة التي نفت وجود خالق اسمه الله. هذا هو ضيق الافق، والتدين الاعمى، المتسرع الذي يطلق الاحكام على الناس جزافا من دون روية وتمحيص، ولا حتى اعطاء القائل هنيهة من الوقت.

سورين كيركغارد أطلق عبارته هذه على مسامع الملأ من الناس، بل وسجلها في كتبه، واصبح الناس تقرأها بكرة واصيلا. كيركغارد رفض عبارة "أن الله موجود" وقال لا يجوز أن نقول الله موجود، لأن عبارة موجود هي فقط تنطبق على الانسان لا على الله، بل الصحيح أن نقول أن الله كائن، اذ أن الله متى لم يكن غير موجود حتى نقول عنه أنه موجود. وجود الله ينبغي أن يدرك وجوديا، ومن المستحيل إثبات هذا الوجود بأية براهين تنتمي إلى ميدان الماهيات؛ فهو يفصل بكل قوة بين الايمان والعقل. لذلك فقد اعبر بعض الكتاب أن كيركغارد كان يبغض العقل بغضا شديدا، ليس باعتبار العقل عقلا، بل أن العقل لا يمكن أن يتوصل الى اثبات الله. وكيركغارد لا يلجأ مطلقًا إلى البراهين العقلية على وجود الله، فهذه البراهين تدل في نظره على نوع من الشك والارتياب، فهو ها هنا مثل بسكال و اوغسطين وتوما التكويني وجاكوب بوهمه، فهو يؤمن بالكشف كأساس للاعتقاد في وجود الله، وهذه صفة من صفاة المتصوفة.

فهو احب الله حبًا مختلفًا، وفهم أن الذي يحب يجب أن يضحي من اجل من يحب، والا كيف نثبت أننا فعلا احببنا وذبنا هياما بمعشوقنا؟، في التضحية مثلا؟، إذن هي التضحية، ولابد من التضحية لكي تكون هي الشاهد وبغيرها ستكون محبتنا ناقصة، محبة مجرد ادعاء ندعيه. اليس ابراهيم حين أحب الله، والله طلب منه دليلا على محبته، اوحى له أن يذبح ولده اكراما له، ودليلا ساطعا على ما يقول. ابراهيم بالفعل اتل ابنه للجبين ووضع السكين نحر ولده، ولما تأكد الله من ابراهيم أنه لا يخالف طلب حبيبه أمره أن يعدل عن فعل الذبح. وكيركغارد اراد أيضا أن يقدم شيئا يضحي به لحبيبه، فكان لا يمتلك غير خطيبته، التي مضى على خطبته لها سنة كاملة وهي لم تزعل بانتظاره، لكنها تراه شارد الذهن مشوه الفكر، وكم من مرة طلبت منه أن يصارحها بما يشكو منه، لعلها تساعده بشيء تستطيع أن تقدمه له، لكنه كان يقابلها بالصمت واللامبالاة، ليس أنه كان يبغضها بل كان يحبها، ويكن لها المودة والعرفان، بوقوفها معه في محنته التي يمر بها. (كانت ريجينا في السادسة عشر عندما خطبها کیرکغارد الذي يكبرها بعشر سنوات). وظل يراجع نفسه مرات وكرات، حتى قرر أخيرا أن يفسخ الخطوبة ويتركها تقرر مصيرها بنفسها. وهكذا ضحى بخطيبته  كما ضحى ابراهيم بولده وكاد أن يذبحه. وقال عنها مقولته " هي اختارت الحياة وأنا اخترت الالم".

شعور كيركغارد بالذنب هو الذي اورده هذا المورد، وراد أن يزيح شبه ذلك الذنب عن كاهله، حتى وأن كان الذنب هو ليس ذنبه، انما الذنب الذي اذنبه والده، رغم أن والده هو الذي علمه التدين. والده كان قد شتم الله فعاقبه الله بأن امات اولاده جميعا، واحدا تلو الآخر، ثم لحقت بهم زوجته؛ فما كان من والده الا أن يتزوج الخادمة وهو بعمر ستة وخمسين سنة، فكان يقول عن نفسه أنه ولد شيخا.

ولد الفيلسوف الدانماركي، كيركغارد، في كوبنهاجن عاصمة الدانمارك، (۱۸۱۳م) وهو الطفل السابع في أسرة بورجوازية ميسورة الحال. كتب على الأسرة أن تحمل على كاهلها خطيئة، وأن يسلط عليها عقاب من الله! ولقد كتب عليها أن تزول، أن تمحوها يد الله القوية. هكذا كان يفكر كيركغارد.

عاش طفولة فريدة من نوعها، اذ لم يعرف هذه المرحلة من عمره وعدّ منذ البداية شيخاً كبيراً، وكانت هذه الطفولة المسنة سبباً للكآبة العميقة التي خيمت على حياته منذ مولده حتى وفاته، تأثر بالتربية الدينية المتزمتة التي تلقاها من أبيه، والتي اتسمت بالتقوى والخوف من الله وبالريبية إزاء العالم، فحياته تضمنت مجاهدة دائبة ليجد حقيقة نفسه ووجوده وشخصيته، وعلى الرغم من أنه توفى وهو في الثانية والأربعين إلا أن إنتاجه الضخم، والموضوعات التي تطرق إليها، تجعله من صفوة المفكرين والقلة الذين عاشوا فكرهم.

اشتد بغضه للكهنة، اعتبرهم أنه بعيدين كل البعد عن الله، وراح يحاربهم من خلال نشر المقالات التي تدينهم و أوصفتهم بأنهم قد ابتعدوا عن الدين المسيحي الحق، وقال عنهم أنهم خالفوا تعاليم الكتاب المقدس ورموه وراء ظهورهم. فدين الكنيسة ورجالاتها آنذاك هم ليسوا على التدين المسيحي. وما اشبه اليوم بعصر كيركغارد وما يمر به كثير من معممي المسلمين الذين ابتعدوا عن نهج القرآن ونهج النبي معا، حيث لازال البعض منهم يروج للخرافات ويستغل الناس بالدين. كأنهم لا يدركون أن الدين معناه: عقد علاقة وطيدة مع الله، والبعض كذلك جعل نفسه الناطق الرسمي باسم الاله.

وقد اعتبر الكهنة طغاة، وأن من يقف ازائهم ثم يقتل على يديهم فهو شهيد، شهيد لقوله الحق وعدم سكوته امام جبروتهم؛ لذلك كان يقول: "الطاغية يموت وحكمه ينتهي، يموت الشهيد، وتبدأ فترة حكمه". ورغم كون كيركغارد مسيحيا شديد الإخلاص، ولكنه كان ثائرًا في الوقت نفسه ثورة روحية عارمة ترفض الجمود، وتتمرد على التقاليد، فكان من الطبيعي أن تؤدي به آراؤه إلى التصادم مع الكنيسة الرسمية بوصفها مؤسسة جامدة، كما كان يعبّر.

هذا، وتركزت فلسفة كيركغارد على الانسان باعتباره فرد، ودعا الى تحريره من ربق عبوديته من الافكار المتطرفة، والخصوص الافكار الدينية المغلوطة، وهذا المبدأ الذي انعكس على حياته من خلال والده الذي كان شديد التدين، حتى وصل به الى العنف في تدينه. واعتبر كيركغارد أن اهم ما في الانسان هو وجوده، وأن وجوده سابق لماهيته، فعبارة "وجود" هو اول من اطلقها، وصارت فيما بعد تعرف باسمه، وهو بهذا اصبح ابا الوجودية؛ هذه الفلسفة التي سار على نهجها كبار الفلاسفة المحدثين، امثال مارتن هايدجر وكارل ياسبرز وجان بول سارتر والبير كامو. وبصورة عامة تمحورت القضايا التي طرحها كيركغارد بالتفكير الفلسفي بموضوعية، كالحب، الإيمان، المفارقة، الضمير، القلق، اليأس، الموت، وغير ذلك مما يعتمل في أعماق النفس البشرية. والحياة عنده تجري في ثلاث اتجاهات أو مدارج هي: المدرج الجمالي، والمدرج الأخلاقي، والمدرج الديني، ولعل الاخير هو ما ركز عليه كيركغارد اكثر من سواه. تردده في المدرج الأخلاقي بإحجامه عن الزواج الذي يعد استقرارًا في حياة الواجب والالتزامات الاجتماعية، هذه المراحل لا يمكن أن توضع في قوالب عقلية أو تفرض بطريقة منطقية. وما اشبه هذا المنطق التي نطق به الفيلسوف الكبير ايمانويل كانت.

ومؤلفات كيركغارد كلها حوار مع النفس، أو مونولوج داخلي طويل، والتوتر هو السمة الأساسية الأولى في فكره وحياته على السواء، وهي سمة يصطبغ بها موقفه من الله. اذ اكتشف أن التعمق في فهم الخطيئة يقودنا إلى الله، وإلى الصفح والمغفرة؛ وهذه الاخيرة هي التي يجب أن ينشدها الفرد، وهي ادوات بل طرق تقوده للراحة النفسية. وهو بهذا كأنه يناغم ابن عربي المعروف بالشيخ الاكبر، أي شيخ متصوفة المسلمين.

وبعد صراعه المرير مع الحياة ومع الكنيسة معا، انهارت قواه ولم يعد يتحمل هذه المحن والخطوب، فبينما هو يسير في أحد شوارع كوبنهاغن سقط مغشيا عليه فنُقل الى المشفى، فمات من ساعته، وذلك في الحادي عشر من تشرين الثاني عام 1855. لكنه ترك ارثا فكريا ثراً هو لليوم منهل السالكين طرق المعرفة.

 

داود السلمان

 

 

قاسم حسين صالحالهدف الرئيس لكل حزب سياسي هو الوصول الى السلطة.. فلماذا لم يستطع الحزب الشيوعي العراقي الوصول الى السلطة برغم انه رفع من يوم تأسيسه قبل 86 عاما شعار (وطن حر وشعب سعيد)؟!.

بدءا ، انا كنت شيوعيا وسجنت سنتين لأنني رفضت طلب رئيس المجلس العرفي العسكري الأول (شمس الدين عبد الله) سبّ الحزب الشيوعي العراقي، برغم علمي انني لو فعلت لما سجنت اسوة بمئة وأحد عشر من رفاقي سبّوا الحزب قبلي واطلق سراحهم!.

وكانت للحزب فضيلة الوفاء ان ارسل وفدا زارني في شقتي بشارع حيفا بعد(2003)عارضا عليّ العودة الى صفوفه، واعتذرت.. (اننا ادينا دورنا وضحينا من أجل وطن حر وشعب سعيد.. وما بعد بالحيل كوه)، وظلت علاقتي بالحزب علاقة محبة واتواصل معه في اقامة محاضرات وندوات، واحظى بالتكريم من قياداته.

اقول هذا كي لا يؤخذ ما ساقوله على أنني كذا وكذا، لأن لدى كثيرين.. شهية قضم سمعة الآخر.

بدايات التفكير

 كنت في الستينات مسؤول خط الفلاحين في قضاء الشطرة.وكنت اتنقل بين القرى على دراجتي الحمراء (بايسكل) أعقد في فضاءاتها ندوات واجتماعات حزبية. ومن طرائف ما كان يحصل، ان مؤذن القرية صاح (الله اكبر الله أكبر) معلنا آذان المغرب ونحن في اجتماع حزبي، فأستأذن مني الفلاح (عذافه):

-  رفيق .. ممكن أصلّي؟

قلت له: تفضل

وكان بيننا فلاح ملحد بالفطرة اسمه (جبار).. نظر لعذافة وقال:

-  انت ما تكلي شلون شيوعي

التفت نحوي عذافة وقد حمل عباءته ليصلي:

-  وليش الشيوعي لازم ما يصلي؟.. جاوبني ابن شيخ حسين حتى مناه انطي الوجه لهلي.

كنت انا ابن (شيخ حسين)، رجل الدين الذي علمني اصلي واصوم وعمري عشر سنين، لدرجة انني كنت حين أسجد.. أطيل السجود وأبكي.

-  اخذ راحتك رفيق عذافة.. صلّي وراح ننتظرك.

 وتحول موضوع اجتماع الخلية الى الشيوعية والدين، فأوضحت لهم ان الحزب يترك لك الحرية في ان تؤمن او تلحد.. واستشهدت بآية من القرآن (ومن شاء منكم فليؤمن ومن شاء فليكفر).. وكنت يومها ما زلت أصلّي وأصوم وأحفظ عددا من سور القرآن عن ظهر قلب.

 كنّا جميعا(كوادر الحزب) في الفكر.. سواء، أعني كنّا في عقولنا أشبه بركّاب قطّار.. تتولى القيادة مهمة التفكير عنّا كما يتولى سائق القطار مهمة السياقة.. واذا كان لبعضنا رأي عليه ان (ينفّذ.. ثم يناقش).

 ويومها كنت الوسيط بين الحزب وعزيز السيد جاسم، وكانت تصلني من القيادة رسائل ملفوفة صغيرة مثل (جكارة لف مبرومة تمام) لأوصلها له حيث كان يسكن ناحية النصر(سوق الغازيه) التي تبعد عشرة كيلومتر عن الشطرة.. فهمت بعدها انها كانت بداية خلاف مع الحزب، سنفرد له ولها مقالة خاصة.

 تلك هي كانت بداية لتفكير لاحق.. (ليش الحزب ما استلم سلطة).. وجدت لها اجابتين مختلفتين في سهراتنا بالقلعة الخامسة (*)، واحدة من مكرم الطالباني خلاصتها.. أن استيلاء الحزب على السلطة كان سهلا جدا لكن الوضع العربي لا يسمح، والثانية لمظفر النواب خلاصتها ان الحزب كان يتلقى أوامره من الحزب الشيوعي السوفيي، والثالثة اكتشفتها بعد سنين!.. خلاصتها: ان اميركا والاتحاد السوفييتي وبريطانيا وفرنسا تقاسمت النفوذ في الشرق الأوسط بموجب تفاهمات، بينها ان لا تتولى قوى اليسار الحكم في العراق، وتقدير الحزب الشيوعي ان غالبية العراقيين تخشى أن تعمل القوى العلمانية ضد الدين اذا استلمت السلطة ، وانها ستشوه تقاليد وقيما اخلاقية ومقدسات وطقوسا تؤدي الى حرب أهلية تطيح بسلطة الحزب وتقضي على وجوده، وثالثة تتمثل بمعارضة قادة عسكريين كبار بتغليبهم لقيم عسكرية واعتبار الاستيلاء على السطة خيانة للزعيم عبد الكريم قاسم وغدرا به.

 ولقد اثبتت الأحداث فيما بعد أن القوى اليسارية والأحزاب الشيوعية في العالم العربي، مع أنها الأكثر في التضحيات البشرية، لم يعد لها الرصيد الجماهيري الذي كانت تتمتع به في خمسينيات وستينيات القرن الماضي لسببين رئيسين،

ألأول، تعرّض أقوى حزبين شيوعيين في العالم العربي، العراقي و السوداني، الى كارثتين تم فيهما تصفية قياداته وكواداره الفاعلة، نجم عنهما انكسار نفسي خفت فيه أمل جماهير واسعة كانت ترى في هذه الأحزاب.. المنقذ والمخّلص.

والثاني، انقسام القوى اليسارية والتقدمية على نفسها ، وتحكّم (تضخّم الأنا) في قيادات فصائلها الذي حال دون توحّدها، افضى الى اضعاف نفوذها ومحدودية التأييد لها في الانتخابات العامة، لسبب سيكولوجي يعتمل في ذات الناخب العربي ، هو ان القوى التي لا تستطيع ان تصل الى صيغة توافقية فيما بينها لا يمكن لها ان تبني وتقود دولة.

*

 (*) كنا في غرفة (اصلها مخزن ملابس) تضم كلاّ من مكرم الطالباني، والمقدم عبد النبي قائد قوات المظليين، ومدير الخطوط الجوية العراقية، وصباح خيري شقيق زكي خيري، وأنا.. الذي كنت أصغرهم ومسؤولهم امام ادارة سجن بغداد المركزي.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

 

محمود محمد علييعد التعليم من أهم الاستراتيجيات القومية الكبرى في حياة الشعوب المتقدمة والنامية، فقد برزت الأهمية الحيوية للتعليم في تحقيق استقرار الشعوب وأمنها ورفاهيتها، وتقدمها نتيجة للدور الذي يقوم به من خلال المساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فالتعليم هو مصدر إنماء القوى العاملة التي تعمل على إنجاح خطط التنمية وتحقيق أهدافها. وتواجه المؤسسات التعليمية بصفة عامة العديد من التحديات، مما دعت الحاجة لإعادة النظر في أساليب التطوير والتخطيط لها، ومن أهم ملامح التطوير الحديثة، إدارة الجودة، وتخفيض العمالة، وإعادة الهيكلة، والتخطيط الاستراتيجي.. وهلم جرا.

وإذا كان لمشروع التعليم هذه الأهمية، وهو الأساس في توجيه أبناء الأمة وبناتهم فلابد له من رجال لديهم التأهيل العلمي الكامل والخبرة التامة والعقول المستوعبة لواجبات المربي ومهامه في قيادة العملية التعليمية حتي تحقق هذه الرسالة السامية أهدافها النبيلة؛ ومن هؤلاء الرجال الأستاذ الدكتور عادل رسمي حماد على النجدي- أستاذ المناهج وطرق تدريس الدراسات الاجتماعية وعميد كلية التربية بجامعة أسيوط بجمهورية مصر العربية (والذي أشرف بالكتابة عنه هنا في هذا المقال)؛ والذي يعد بحق، أحد الرموز المصرية التي أثرت التعليم التربوي بجامعة أسيوط الزاهرة، حيث عاش حياته من أجل أن يصبح التعليم التربوي والتخطيط الاستراتيجي الركيزة الأساسية لتحقيق التقدم والرخاء للمجتمع، وفي كل تجاربه التربوية ومؤلفاته ودراساته الميدانية، كان ينطلق من رؤيته الخاصة لطبيعة المجتمع، وحراكه اليومي وتطلعه للمستقبل، في إطار ميراثه الحضاري والإنساني، فمزج في دراسته بين دوائر الاجتماع والتاريخ والتربية، وبنزعة إنسانية ظلت سمة ملازمة له، انحاز إلى هموم المواطن البسيط (مثل سائر أساتذته بجامعة أسيوط )، وعاش طيلة حياته يدعو إلي الإلمام بكل ما هو جديد في التدريس ووضعه موضع التنفيذ في العمل التربوي؛ ولا سيما إن العالم يشهد قفزات نوعية وكمية في مجالات الحياة جميعها، وإن البقاء علي الاستراتيجيات والأساليب التقليدية في التدريس سيزيد الهوة بيننا وبين بلدان العالم المتقدم.

والدكتور عادل رسمي هو واحداً من الأساتذة التي تفخر بهم جامعة أسيوط الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في المناهج وطرق تدريس العلوم الاجتماعية من مجرد التعريف العام بهما، أو الحديث الخطابي عنهما – إلي مستوي دراستهما دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلى أبعد حد: فالمنهج لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

وهو قمة في التواضع، فهو الإنسان الخلوق بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها لجامعة أسيوط الزاهرة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل بحوثه التربوية تمثل المنارة التي يهتدي بها الباحثون في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

وحتي لا ينسينا الحديث الجميل عن عادل رسمي (مع حفظ الألقاب) فاسمح لي عزيزي القارئ أن أقدم لك نبذة عن سيرته الذاتية .. عادل رسمي هو من مواليد  10 / 12 / 1972 م، حصل علي ليسانس الآداب والتربية من قسم التاريخ بكلية التربية – جامعة أسيوط، 1994 بتقدير عام جيد جداً مع مرتبة الشرف، وحصل علي الماجستير في التربية مناهج وطرق تدريس الدراسات الاجتماعية " تاريخ "  1998 بتقدير عام ممتاز، ثم حصل دكتوراه "الفلسفة" في التربية (مناهج وطرق تدريس الدراسات الاجتماعية " تاريخ " ) 2001، .. تدرج في عمله بالجامعة ؛ حيث نال درجة أستاذ مساعد عام 2007م، كما حصل علي درجة الاستاذية في عام 2012 م .. ثم أخذ يتدرج في المناصب الإدارية إلي أن صار عميداً لكلية التربية بالقرار الجمهوري رقم 78 لسنة 2015 وذلك ابتداء من 18- 2- 2015 وحتى الآن في فترتين متتاليتين.. وخلال تلك الفترة استطاع أن ينجز انجازات كثيرة ؛ نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : تحويل قسم تربية الطفل الى كلية رياض الأطفال بجامعة أسيوط، وإنشاء مركز تعليم الكبار بجامعة أسيوط كثالث مركز لتعليم الكبار على مستوى الجامعات المصرية، وتطبيق نظام التوقيع الكترونى لجميع العاملين بالكلية لتكون الكلية الأولى على مستوى جامعة أسيوط، وإعداد لائحة دراسات عليا جديدة بنظام الساعات المعتمدة بها تخصصات لم تكن موجودة من قبل وفريدة على مستوى الجامعات المصرية، وتطوير البنية التحتية من قاعات تدريس، والحصول على درع الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد كأول كلية تربية معتمدة على مستوى الجمهورية، وتفعيل كثير من البرامج الخاصة فى التربية الخاصة لطلاب الدراسات العليا فى تخصصات تربوية كثيرة .. كما أسهم في إنشاء أول برنامج لإعداد معلمي العلوم والرياضيات باللغة الانجليزية كأول برنامج بجامعات صعيد مصر وبرنامج إعداد معلم مدارس المتفرقين في العلوم والرياضيات والتكنولوجيا كأول برنامج بالجامعات المصرية. كما توجد له إسهامات كبيره في خدمة المجتمع؛ ومن ضمتها انشاء مركز تعليم الكبار، والذي ساهم في محو أمية 5400 مواطن بأسيوط خلال العام الحالي.. علاوة علي اختياره مراجع خارجي ورئيس فرق مراجعة بالهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد.. كذلك أسهم في اعتماد كليات التربية بعين شمس والمنيا والدراسات الإنسانية "بنات جامعة الازهر"، وغيرها من الكليات... علاوة علي الكثير من الإنجازات التي يطول حصرها هنا في هذا المقال.

وقد قدم عادل رسمي عدداً كبيراً الكتب والمراجع العلمية ؛ نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر :رسالته في الماجستير وكانت بعنوان "أثر استخدام نموذج جانييه لتدريس المفاهيم على التحصيل في الدراسات الاجتماعية وتنمية التفكير الاستدلالي لدى تلاميذ الصف الثاني الإعدادي" من كلية التربية – جامعة أسيوط 1998 م .. وفيها حاول عادل رسمي الإجابة عن أثر استخدام نموذج جانييه لتدريس المفاهيم في تدريس مفاهيم وحدتي خريطة الوطن العربي الطبيعية والسياسية وظهور مقرر الدراسات الاجتماعية بالصف الثاني الإعدادي وانعكاساته على تحصيل التلاميذ وما أثر استخدام نموذج جانييه لتدريس المفاهيم على تنمية التفكير الاستدلالي لدى تلاميـذ الصف الثاني الإعدادي... وللإجابة على هذين السؤالين قام عادل رسمي بتحليل محتوى وحدتى الدراسة لتحديد المفاهيم المتضمنة بهما وعرضها على السادة المحكمين للوصول إلى القائمة النهائية لمفاهيم الوحدتين، ثم قام بتحديد الدلالة اللفظية لكل مفهوم من مفاهيم الوحدتين بالرجوع إلى الكتب المتخصصة وآراء المحكمين، وفى ضوء ذلك تم إعداد دليل للمعلم لتدريس مفاهيم وحدتي الدراسة فى ضوء نموذج جانييه لتدريس المفاهيم، ثم قام عادل رسمي بإعداد اختبار تحصيلي فى مفاهيم الوحدتين واختبار للتفكير الاستدلالي وعرضهما على السادة المحكمين وإجراء التجربة الاستطلاعية لكل منهما للتأكد من ثبات وصدق وزمن ومعامل سهولة وصعوبة مفردات كل اختبار، بعد ذلك قام عادل رسمي بتطبيق اختباري التحصيل والتفكير الاستدلالي على مجموعتى الدراسة قبليا، ثم درس المجموعة الضابطة مفاهيم الوحدتين باستخدام الطريقة التقليدية – تقديم وتعريف المفهوم – بينما درست المجموعة التجريبية مفاهيم الوحدتين باستخدام نموذج جانييه لتدريس المفاهيم، بعد ذلك تم إجراء التطبيق البعدى لاختباري التحصيل والتفكير الاستدلالي وتم استخدام الأساليب الإحصائية المناسبة لمقارنة الفروق بين متوسطات درجات تلاميذ المجموعتين ودلالتها الإحصائية، وقد توصلت الدراسة إلى أن استخدام نموذج جانييه فى تدريس مفاهيم وحدتي الدراسة قد أسهم فى تنمية تحصيل التلاميذ للمفاهيم والتفكير الاستدلالي لدى المجموعة التجريبية وبفروق دلالة إحصائياً عن المجموعة الضابطة.

أما رسالته في الدكتوراه فكانت بعنوان" برنامج مقترح في الدراسات الاجتماعية لتنمية مفهوم المواطنة لدى تلاميذ المرحلة الإعدادية" من كلية التربية – جامعة أسيوط 2001م ..وفي الرسالة حاول عادل رسمي الإجابة عن السؤال الرئيسي التالي: ما أثر برنامج مقترح في الدراسات الاجتماعية لتنمية مفهوم المواطنة لدى تلاميذ المرحلة الإعدادية؟ الطرق والأساليب: الإجابة عن هذا السؤال الرئيسي قام عادل رسمي بإعداد بوضع تصور مقترح لتفعيل دور المدرسة الإعدادية في تنمية قيم المواطنة للمجتمع المصري، حيث توصل في النهاية إلي وضع معيار بأبعاد مفهوم المواطنة يقوم علي فكرة أن التربية من أجل المواطنة هي الهدف المحوري للتربية السياسية وتعني مساعدة الناشئين والشباب علي استيعاب الواقع والتفاعل مع إشكالياته بطريقة موضوعية ناقدة بما يتيح لهم اتجاهاً إيجابياً نحو المشاركة، إضافة إلي حسن رعاية النخبة منهم وإعدادهم للقيادة، وتمثل المدارس الإعدادية إحدي المدارس التعليمية المتميزة وذلك لكونها تمثل دعامة لتنمية المهارات اللازمة للمواطنة الحقة.

كما قدم عادل رسمي عدداً كبيراً من البحوث العلمية المنشورة فى مجلات ومؤتمرات داخل وخارج مصر بلغت أكثر من 17 بحث فردي أو بالاشتراك مع باحثين آخرين؛ ولاشك أنه في تلك البحوث برزت شخصية عادل رسمي بوصفه واحداً من عشاق فلسفة المناهج وطرق تدريس العلوم الاجتماعية؛ وبالأخص التاريخ فهو من المؤمنين بأن مادة التاريخ تعد من أكثر المواد أهمية لما يقع عليها من مسؤولية إعداد وبناء أفراد المجتمع، فهي اكتسبت أهميتها من خلال ما تحققه من وظائف عديدة لبناء المواطن عقلياً ووجدانياً تعود عليه بالنفع، ويختص منهج التاريخ في نظره بدراسة الحاضر وجذوره في الماضي القريب والبعيد؛ حيث يتبع قصة الفرد ونشاته وتطوره وعلاقاته ومشكلاته وتطورها مما يوضح جذور الحاضر الذي نعيش فيه ويحدد اتجاهات المستقبل، فهو يسجل أحداث الماضي في تسلسلها وتعاقبها، ولكنه لا يقف عند مجرد تسجيل هذه الأحداث، ولكنه يظهر الترابط بين الأحداث وعلاقة السببية بينها، ويفسر التطور الذي طرأ في حياة الأمم والمجتمعات والحضارات المختلفة وبين كيف حدث هذا التطور ولماذا حدث، استنتج عادل رسمي من ذلك أن دراسة التاريخ تؤدي إلي بناء القدرة علي التحليل والنقد وبناء شخصية الفرد فتجعله مواطناً إيجابياً صالحاً في المجتمع.. وقد اتضح ذلك من خلال بحثه "فاعلية وحدة مقترحة في مقرر التاريخ في ضوء أبعاد ثورة 25 يناير فى تنمية الانتماء الوطني لدى تلاميذ الصف الأول الثانوي".. (مشترك مع د. شيماء مكى محمد).

ويضيف عادل رسمي أن دراسة التاريخ ليست مجرد دراسة للماضي وأنها دراسة تستهدف الماضي وموازنته للحاضر حتي يضمن جذور المستقبل؛ حيث يري في بحثه عن" فاعلية وحدة تاريخية مطورة في ضوء أبعاد التربية المستقبلية لتنمية مهارات استشراف المستقبل والوعي بالقضايا المستقبلية لدي تلاميذ المرحلة الإعداديـة (مشترك مع د. محمود كمال علي معبد ود. جمال حسن السيد إبراهيم)؛ أن التفكير في المستقبل في هذا العصر يأخذ حيزاً كبيراً من اهتمام الناس، ويحمل من الخوف والتردد أكثر ما يحمل من البشائر والآمال. وإذا كانت أبعاد الزمان الثلاثة تُعد كائناً موضوعياً واحداً، يتواصل فيه الماضي والمستقبل عبر ديناميكية الحاضر، فأصبح الإعداد للمستقبل هدفاً استراتيجياً للتربية الحديثة.

أما في بحثه عن" الرضا المهني لدى معلمي الدراسات الاجتماعية بالمرحلة الابتدائية في مصر في ضوء تطبيق استراتيجيتي التقويم الشامل والتعلم النشط"، فقد كشف لنا علي رسمي لأول مرة عن  معرفة درجة الرضا المهني لدى معلمي الدراسات الاجتماعية بالمرحلة الابتدائية في مصر في ضوء تطبيق استراتيجية التعلم النشط ببعض مدارس المرحلة الابتدائية وتعميم تطبيق استراتيجية التقويم  الشامل بالمرحلة الابتدائية.. وتوصلت الدراسة إلي وجود مجموعة من الصعوبات التي تواجه معلمي الدراسات الاجتماعية في تطبيق استراتيجيتي التقويم الشامل والتعلم النشط، مما يؤدى إلي انخفاض درجة الرضا المهني لدى المعلمين مجموعة الدراسة، بحيث كان أداؤهم في مقياس الرضا المهني ضعيفا؛ مما يؤكد أن الصعوبات التي يواجهها المعلمون في تطبيق هذه الاستراتيجيات الحديثة تؤثر في رضاهم المهني..

أما بحثه وعنوانه "فاعلية برنامج مقترح في الجغرافيا الطبية لطلاب المرحلة الثانوية في تنمية بعض مهارات الوقاية الصحة الجغرافية والوعي البيئي لديهم (مشترك مع أ. د أحمد زارع )؛ حيث يقول: تعد الجغرافيا الطبية أحد فروع الجغرافيا التي ظهرت في السنوات الخرة القليلة الماضية والتي تهتم بدراسة العلاقة بين الإنسان وبيئته الجغرافية، وتظهر هذه العلاقة في أجل صورها في أمراض الإنسان ومشكلاته الصحية، لذا تمثل الجغرافيا الطبية فرعاً أساسياً من فروع الجغرافيا التطبيقية، وهي تختص بدراسة التوزيع الجغرافي للأمراض، وإبراز العلاقة بينها وبين عناصر البيئة الطبيعية والبشرية، وتقويم آثارها السلبية علي حياة الإنسان، وعلي أحواله المعيشية والاقتصادية، وعلي قدراته المختلفة، والبحث عن أساليب مكافحتها والوقاية منها، ومدي توفر الخدمات الطبية اللازمة لعلاجها، ورفع المستوي الصحي العام للمجتمعات البشرية.

ويطول بنا الحديث وفي النهاية لا نملك إلا أن نقول بأننا لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل جهود الأستاذ الدكتور عادل رسمي في المناهج وطرق تدريس العلوم الاجتماعية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر تربوي، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطولها وعرضها لخدمة المناهج وطرق تدريس العلوم الاجتماعية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمه من جهود ونتمني له التوفيق والسداد .

فتحيةً أخرى مني لأخي وصديقي الأستاذ الدكتور عادل رسمي الذي لم تجزبه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ، وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل تاريخ المناهج وطرق تدريس العلوم الاجتماعية من بوابة واسعة متفرداً.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

داود السلمانمقدمة: الطموحات لا تقف عند حد، والانسان بطبعه دائم البحث لما يروم الارتقاء به نحو افق معرفي، ليحقق تلك الطموحات، وخصوصًا الانسان الذي يجد في نفسه وفي شخصيته ثمة موهبة تحفزها لنيل تلك الطموحات. لكن احياناً هناك معوقات تقف عائقا لتحول بينه وبين ما يريد وما يرغب، احيانا تكون من تلك المعوقات معوق الفقر. والفقر بطبيعة الحال عامل فعال في الامر بحسب علماء الاجتماع، واحيانا آخر تأتي امور عرضية تقلع أو تذلل من تلك المعوقات وتردم اعماقها، فتنتشل الانسان وتنقله نقلة نوعية، وهذه نادراً ما تأتي المرء، حيث تقلع من امامه غيوم العوز، فيستطيع أن يشق طريقه ويحقق ما كان يصبو اليه.

ففيخته، يظهر أنه من هذا النوع، أعني اجاد عليه القدر بنوع من الاجادة، وفاض عليه من كرمه، أو دعونا نقول ربما هي الصدفة وقد تعبت الصدفة دورها، على ما سنوضح ذلك في الاسطر التالية.

ولد فيخته عام 1762 بألمانيا من أسرة متواضعة دعته إلى أن يعمل في صباه بمعمل للنسيج ثم في رعاء البقر، وكان يواكب دروسا دينيّة في هذه الفترة. وقد ظهر نبوغه، وبان ذكاؤه منذ الصغر. اما ابيه فكان فلاحا بسيطا لا يمتهن غير هذه المهنة؛ لكنه انجب فيما بعد ابنا -اصبح فيما بعد - لامعا في الاوساط العلمية والثقافية (فيخته).

البدايات

كان فيخته يتردد الى الكنسية لسماع عظات الاحد فيحفظها عن ظهر قلب، وهذا هو الذي نوهنا عليه بداية الحديث عنه. إذ كان فيخته يمتاز بذكاء وفطنة، السبب الذي دعا أحد الاثرياء من وجوه البلدة أن يلتفت الى موهبة ذلك الصبي، فتعهّد بالتكفل بنفقات تعلّمه، خصوصا وأن الرجل عرف عنه ميوله الدينية. فلم يحالف فيخته الحظ ولم ينصفه القدر، حيث توفى كافله وفيخته في طور الدراسة، فنال ما نال من ضنك نفقات الدراسة، لكنه حاول أن يتخطى عتبة ذلك الضنك ليواصل دراسته الجامعية، وكانت حول اللاهوت، حيث تلقى دروسا في تاريخ الأديان وفقه اللغة والفلسفة.

وعند تخرجه عيُن أستاذا في اللاهوت بجامعة إيينا الا أن افكاره لم تنل اعجاب الجميع خصوصا الدينيين، ومنهم رجال السلطة والكهنة، اذ حالوا بينه وبين افكاره، فنال منهم الضيق. كان فيخته قد طالع كتب ايمانويل كانت، فدرسها دراسة موضوعية، حتى تأثر ببعضها خصوصا ما يخص الميتافيزيقا وحول القضايا الدينية الاخرى، فكتب بحثا بعنوان "محاولة في نقد كل وحي" وقد استوحاها من افكار كانت، حتى عرضها على كانت فستحسنها الرجل، فنشر الكتاب غفلا عن اسم المؤلف وكان الجميع يعتقد أنه لكانت. ثم أخذت كتبه تنشر تباع، حتى اتُهم بالإلحاد وكثر حوله الضجيج.

وفي بدايات فيخته كان هدفه هو تبسيط فلسفة كانت وتوضيحها، ومن ثم استخراج منها نظريات وفق ما يرتئيه هو، لكن الامر تطور بعد ذلك ليغوص في قضايا اخرى، ربما هو اعتبرها اهم من ذلك ومنها موضوع الحرية، وموضوع الركيزة على نشر العلم، وكان يشيد بسلفه من العظماء، حتى أنه كان يقول: "كل ما هو عظيم وكل ما هو حسن وجميل في عصرنا هذا يرجع كله الى أن رجال الماضي النبلاء الاقوياء قد ضحوا من اجل المبادئ والافكار بجميع مباهج الحياة".

كتابات ثورية

وكان في كتابات فخته يُشمّ منها رائحة الثورة، وانها ولداعية بحرية الفكر والصحافة خاصة وفهمت على أنّ فيها مسّا بالنظام القائم ودعوة إلى الانقلاب عليه، وكان هذا سببا كافيا لفصله من الجامعة، وفي تلك المرحلة طرأ تغيير عميق على فكره، فقد تحوّل عن نزعته العقلانيّة الحضوريّة المقترنة بيعقوبيّة سياسيّة إلى روحانيّة متعالية وتأليهيّة، وعلى الصعيد السياسي انضمّ إلى الرجعيّة المناوئة لفرنسا وللنزعة اليعقوبيّة، وأرسى أسس القوميّة الألمانيّة.

اثناء ذلك كانت له خطيبة طال الامد وهو لم يقترن بها، حتى اخيرا تم له الزواج منها ليستقر عاطفيا، ويشتري لهما دارا من نقود زوجته، وكان قرار زواجه مخالفا لمبدأ كانت في قضية الزواج. واخيرا طرقت بابه يد النجاح قبل أن يطرق بابه هو، والسبب يعود الى طبيعة القوة بفكره وبعمق كتابته التي اصبحت كشرارة تلهب حماسة المتحررين والساعين للتحرر معا. وحينما كان الفرنسيون قد قاموا باحتلال برلين، فهب فخته يخطب في الشعب الالماني يستنهض هممه: «لقد وقفت الحرب المسلحة مؤقتًا، والمطلوب الآن الجهاد في ميدان الأخلاق والأفكار، يجب العمل على إيجاد جيل قوي يهدف إلى عظائم الأمور ويضحي بنفسه في سبيلها، إن ألمانيا أنجبت لوثير وكانت، وأنتم وحدكم أيها الألمان، من بين جميع الشعوب الحديثة، حاصلون على جرثومة التقدم الإنساني بأظهر ما تكون، فإذا هلكتم هلكت معكم الإنسانية جمعاء».

ومما دعا حماسه ودعمه للثورة أنه حفز زوجته أن تشارك في الحرب لتداوي الجرحى، فأصيبت اثناء ذلك بحمى معدية، فماتت هي ثم الحقها هو بعد اقل من عام.

القضايا التي طرحها

طرح فيخته كثير من القضايا الفلسفية "وتعد نظرية العلم التي أسسها فيخته المنطلق الأساسي لجميع أفكاره ونظرياته الأخرى، إذ يؤكد وجود مذهب كلي متكامل داخل العقل الإنساني، ومن دون هذا المذهب لن تكون هناك معرفة أبداً، فمن خلال المعرفة الكلية يمكن الوصول إلى التفسير الكلي للكون. والفلسفة هي الوحيدة القادرة على الوصول إلى التفسير الكلي للكون. إن العلم هو الكلي، ويقتضي أن يؤسس على مبادئ أساسية يقينية يقوم فيما بينها ارتباط محكم؛ لأن طابع العلم هو اليقين الشامل المنتظم في جميع أجزائه".

وهكذا عُرفت كتابات فيخته، وآراءه الجريئة، في جميع الاوساط الثقافية على انها ثورة بحد ذاتها، وفلسفة مثالية في الوقت نفسه، تدعو للرفع من شأن الانسان على أنله قيمة، وقيمة حقيقية، وللعقل الدور الفاعل. "وقد مثّلت مساهمات فيخته في الثورة تبريراً قانونياً لها باسم مبادئ العقل، وأداته الحكم الملكي المطلق باسم حرية الفكر، ودعت فلسفته السياسية لإنكار جميع الامتيازات «الكهنة - الإقطاع - النبلاء»؛ باسم العدالة الاجتماعية، فالمصير الإنساني عند فيخته ليس مسألة فردية، إنما هي مسألة مجتمعية حيث يكمن مصير الإنسان في علاقته مع النوع الإنساني كله، فقدر الإنسان هو العيش في مجتمع. بالعلم وحده يمكن تأسيس المجتمع الإنساني، ومعرفة المبادئ الأساسية وهدف الحياة وحاجات الناس مما يساعد على تقدم النوع الإنساني، وبالعلم وحده يمكن أيضاً تأسيس نظام سياسي ملائم للأخلاق المؤسسة على الدين".

فلسفته:

كان أهم ما في فلسفة فيخته هو اهتمامه بالعلم وطوير قواعده والرفع من شأنه، والتأكيد على الحرية وللسمو بقيمة الانسان، وموضوع الارادة. إذن "الفرض المحوري لفيشته هو أن فاعلية الإرادة الحرة للذات هي جوهر الفلسفة، فيمكن للذات فهم العالم بطريقة موضوعية، لكن لا يمكن أن تكون هي نفسها موضوعًا.. فإن الذات حرة الإرادة يجب ألَّا تُقيَّد بأي شيء خارج عنها؛ فلو كانت قابلةً للتفسير من خلال ما يقيِّدها لَكانت مجرد موضوعٍ تحدِّده القوانين الطبيعية. ويمكن تصوُّر الذوات البشرية مجرد روبوتات شديدة التعقيد، ومع ذلك.. فقدرة الذوات على «التأمُّل» هي التي تؤكِّد على أن هذا لا يمكن أن يكون واقعَ الأمر؛ فما يمكننا من التأمُّل في معرفتنا وفعلنا ليس أية علة من النوع الذي نقابله في الطبيعة، بل حريتنا. ومن ثَمَّ، تنطوي «الأنا» التي يمكنها التأمُّل على شيء «مطلَق»، غير مقيَّد بأي شيء خارج ذاته. وفي التأمل، يُظهِر الذاتي جزءًا من «نفسه» في شيء موضوعي، لكنه لا يفعل ذلك مدفوعًا بشيء موضوعي. والموقف الذي يقرِّر فيه المرء أن يكون ناقدًا لنفسه يمكن أن يوحي بالمراد هنا، فالمرء بفعله ذلك «يردع» نفسه من أجل إعلاء قيمة الدلالة الموضوعية لما يتحتم عليه فعله، وبعبارة فيشته، فإنه يُنظَر إلى العملية الأساسية على أنها «الأنا المطلق» الذي لا ينطوي على شيء يعتمد على شيء غيره، مقسمًا نفسه ومؤسِّسًا بذلك العلاقة بين الذاتي والموضوعي، الأنا واللاأنا". (أندرو بووي، الفلسفة الالمانية، ص 38).

 

داود السلمان

 

 

ضياء نافعفيريسايف قبل كل شئ اديب وطبيب في آن واحد. ولد في روسيا الامبراطورية عام 1867، وعاصر كل احداثها الكبيرة مثل الحرب الروسية – اليابانية (وشارك فيها كطبيب عسكري ولديه رواية قصيرة بعنوان – في الحرب اليابانية) والحرب العالمية الاولى (شارك فيها كطبيب عسكري ايضا)، وتوفي في روسيا السوفيتية عام 1945، اذ انه رفض الهجرة من روسيا كما فعل معظم المثقفين الروس بعد ثورة اكتوبر 1917، ولهذا، فانه عاصر ايضا كل احداث روسيا السوفيتية مثل ثورة اكتوبر والحرب العالمية الثانية ونهايتها، اذ انه توفي في حزيران 1945، اي بعد شهر من الانتصار على الهتلرية، وفي كل مسيرته الطويلة هذه كان طبيبا واديبا معا، وفي هذه الثنائية الغريبة (ان صح التعبير) تكمن احدى صفات التميّز لدى فيريسايف، اذ ان تشيخوف مثلا كان ايضا طبيبا واديبا معا، الا انه تفرّغ للادب وترك الطب واقعيا، اما فيريسايف فقد مارس عمله في كلا المجالين معا، ومن الطريف ان نشير هنا، ان فيريسايف (وهو ابن طبيب بارز في حينه بمدينة تولا الروسية ومؤسس مستشفى فيها) التحق في الجامعة لدراسة الادب اولا، وبعد ان انهى دراسته تلك، عاد والتحق في الجامعة من جديد لدراسة الطب، وانهى ايضا دراسته هناك، وهكذا اصبح فيريسايف يمتلك اختصاصين - الادب والطب، وبقي هكذا طوال حياته متنقلا بينهما، وموحّدا لهما ايضا، وتوجد الان مستشفى بموسكو تسمى مستشفى فيريسايف، ويوجد تمثال للكاتب فيريسايف في مدينته تولا، تم افتتاحه عام 1958 .

لن نتوقف في مقالتنا هذه عند مهنة الطب طبعا، بل نريد فقط ان نتحدث بايجاز عن فيريسايف الاديب، كي نرسم صورة قلمية له للقارئ العربي، الذي يعرف عنه القليل جدا ليس الا. قبل كل شئ يجب القول، ان فيريسايف الاديب متعدد المواهب جدا، فهو قاص وروائي وكاتب مسرحي ومترجم وناقد ادبي وباحث وكاتب مذكرات وكاتب مؤلفات وثائقية (وهي كتب تعتمد ترتيب الوثائق فقط وصولا الى رسم صورة قلمية متكاملة لشخصية شهيرة – ما)، وفي كل نشاطاته الادبية والفكرية الواسعة والمتنوعة هذه كان واقعيا وموضوعيا ويستند في كتاباته وبحوثه ودراساته دائما الى مصادر دقيقة واصيلة لا تقبل الشك، وكل هذا طبعا هو تأثير مباشر لمهنة الطب، اذ لا يمكن للطبيب الا ان يكون واقعيا في نظرته الى كل شئ حوله، فالطبيب يفحص اولا ثم يشخّص المرض ثم يحدد العلاج، وهذا ما فعله فيريسايف واقعيا في ادبه الابداعي .

  لنستعرض قليلا نشاطات فيريسايف الابداعية . فقد كان ينشر ومنذ عام 1887 قصصا قصيرة، وآخر نتاجاته في هذا المجال صدر عام 1945 بعنوان – قصص غير مختلقة عن الماضي، ولديه حوالي عشر روايات قصيرة، اما مساهماته في الكتابة المسرحية، فقد نشر مسرحيتين، واحدة منها بالاشتراك مع الكاتب الشهير بولغاكوف بعنوان – الايام الاخيرة، وقد صدرت عام 1935، وهو مترجم للشعر  الاغريقي القديم، وقد زار اليونان من اجل هذا، وأصدر ديوانا خاصا يحتوي على ترجماته من الشعر الاغريقي القديم وحاز عام 1919 على جائزة بوشكين على هذا الديوان، ولازالت ترجمات فيريسايف الشعرية تطبع، ويعاد طبعها في روسيا لحد الان،

 وتوجد لديه مجموعة من كتب المذكرات، منها – (مذكرات طبيب) والتي أثارت ردود فعل كبيرة عندما نشرها، اذ انها تعدّ صورة فنية وسيكولوجية عميقة لفلسفة مهنة الطبيب، و(في سنوات الشباب)، و(السنوات الطلابية)، و(مذكرات أدبية)، اما في مجال النقد الادبي، فيوجد عنده كتاب صادر عام 1910 عن دستويفسكي وتولستوي، وتوجد لديه ثلاثة كتب ضخمة يصنّفها النقاد تحت تسمية – وثائقيات، وتعتمد – كما ذكرنا أعلاه – على ترتيب الوثائق فقط وربطها مع بعض حسب تسلسلها الزمني، وهذا الاسلوب بالكتابة يحتاج الى معرفة معمقة جدا بالموضوع، ولأن فيريسايف كتب عن اديبين كبيرين في تاريخ الادب الروسي، فان هذه الكتب تعتبر الان كتابات في النقد الادبي، واصبحت هذه الكتب مصادر اساسية لكل من يريد ان يكتب عن هذين الاديبين، والكتب هذه هي – بوشكين في الحياة (1925 – 1926)، غوغول في الحياة (1933)، ورفاق بوشكين (1937) . لقد نشرت مقالة خاصة حول كتاب فيريسايف عن غوغول في الحياة بعنوان –  غوغول بقلم فيريسايف، واخطط لاحقا لكتابة مقالة حول فيريسايف وبوشكين، اذ ان الكتابين عن بوشكين تستحقان التأمل، وتستحقان تقديمهما للقارئ العربي بلا شك.

الكاتب الروسي فيريسايف ينتظر المترجمين العرب والباحثين العرب ....

 

أ.د. ضياء نافع

 

منير لطفيضمن رهانات البشر التي تبلغ في كثرتها عدد الرؤوس والأنفاس، ويصل فيها البعض إلى هدفه فيفوز بالتاج، أو يطيش سهمُه فيكتفي من الغنيمة بالإياب؛ راهن الطبيب الأديب أحمد خالد توفيق في قلمه على فئة الشباب بحسبانهم البناة الحقيقيون للحاضر والمستقبل، فخصّهم بكتابات لاءمت روحَهم التوّاقة إلى السرعة والتشويق والإثارة والمغامرة والتجديد والخيال، واحتضنهم بودّ أينما التقاهم في النوادي أو الشوارع أو المنتديات، وتحدّث بلسانهم كمَن يعايشهم لحظة بلحظة، وثبَت على رهانه فلم يتخطّاه رغم محاولة البعض زحْزحته ذات اليمين وذات الشمال، وذلك على مدار عمره الأدبي البالغ ربع قرن (1993-2018م)، فأصاب هدفَه وكسب رهانَه؛ حتى نصّبه قطاعٌ واسع الطيْف من الشباب أبًا روحيّا لهم ولقّبوه بالعرّاب، ثمّ بكوه يوم رحيله بحرْقة ولوْعة ضمن جنازة شبابيّة حاشدة مهيبة، ثمّ حقّقوا له أمنيتَه بأن يُكتب على قبره (جعل الشباب يقرأون)، فزيّنوا القبر بيافطة تحمل نفس العبارة، وأقرّوا له بالفضل فيما هو أبعد من ذلك، إذ جعلهم يكتبون ويُبدعون.

وكما كان ذكيًّا في اصطفائه لشريحة الشباب؛ على اعتبار أنّ المجتمع العربي مجتمعٌ فتِيّ يستحوذ فيه الشباب على القطعة الأكبر من الكعكة السكّانية، وبحسبانهم أكثر الفئات نزوعًا إلى فعل القراءة. وكان عبقريّا حين حاك بقلمه شِباكًا تناسب صيْده الذي قال عنه أنه يحتفظ في قلبه المجهَد بأسرار ألف شاب لم يكن أحد منهم يحكي لوالده ما استودعه إيّاه.. فإنّه على المستوى الشخصي قد اتّسم بسمات نبيلة زادتْه قبولًا فوق قبولا؛ إذْ كان صاحب مواقف ومبادئ احترمها فيه الجميع، وكان في الأدب رائدًا لا يكْذب أهله؛ فلم يجبن أمام السلطة ويدفن رأسه في الرمال كالنّعام، ولم يَحِد عن تَبنِّيه لِما أسْماه بالأدب النظيف، وكتب –كما قال- وفي ذهنه قول العلّام الحكيم: "فأمّا الزبد فيذهب جُفاء وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" ، وعشق –على حدّ قوله-  الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنّه يكره الادّعاء ويفعل أكثر ممّا يتكلّم. وعندما وصله مِن قارئ رسالةً تخبره أنّ بعض أصدقائه بدأوا يدخّنون تقليدًا لبطله اسماعيل رفعت الذي يدخّن كحافلة نقل عام؛ استاء كثيرا وحال بين البطل والتدخين.  

 كما غلب عليه طابع البساطة والتواضع، وكَره التحذْلق والتنظير الفارغ، وقدّم نفسه على أنه إنسان عادي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، حتى إنّه لم يتحمّس للقب العرّاب الذي أُطلق عليه؛ معلِّلًا ذلك بأنه يضع على عاتقه مسؤولية شديدة ويَفترض له صورة مثالية وهميّة لا يملكها. وعندما فازت روايتُه (إيكاروس) بجائزة أفضل رواية عربية في معرض الشارقة للكتاب عام 2016م، لم يدّعِ أنه فلْتة زمانه وأعجوبة عصره، بل اعتبرها لحظة نادرة تَوافَق فيها الحظُّ مع الجوْدة، وأكَّد بتواضُع على أنّ الفوز لا يدلّ على الجودة كما أنّ الخسارة لا تدلّ على الضعف. ولطالما ردّد أنه يرى البطولة في الظلّ، ويهوَى دور المخرج لا الممثِّل والملحِّن لا المغنّي..ومعلوم أنّ الصغار لا يتواضعون.

ويبدو أنه لُوحق كثيرا بالسؤال عن العلاقة بين الطبّ والأدب؟ فجلّاها كما لم يجلِّيها أحدٌ قبله، بعدما صكّ مصطلح متلازمة الطب والأدب؛ وذكر أنّ الطبّ أفاده حين فتح له الكثير من أبواب الأدب المغلقة لأنّ المجتمع يعتقد أنّ ما يقوله الطبيب هو حكمة مقطّرة، وأشار إلى أنّ الطب والأدب يتقاطعان في كوْنهما يهتمّان بالإنسان ويتطلّبان دقّة الملاحظة. أمّا عن الجمع بينهما، فأكّد على أنها عملية صعبة تقتضي نوعا من الصراع، خاصة أنّ الطبَّ جذّاب؛ يمنحك مظلّة مالية تسمح لك بالاستقلال، ويخيّرك بين الصمت عندما تريد وبين انتقاء الظرف الذي تتكلّم فيه. وفي الوقت الذي تفرَّغ فيه بعض الأطبّاء للأدب، فإنّه -وباستثناء العيادة الخاصّة التي تخلّى عنها- فضّل الجمع بين الحسْنَيين (الطبّ والأدب)؛ لأنّ هذا يحفظ له توازنه النفسي؛ فعندما يتلقّى ضربات في معرفته الطبيّة يواسي نفسه بأنه أديب، وعندما يهزمه الأدب يعزّي نفسه بأنه طبيب. وهو في هذا ليس نادما على اختياره، رغم ما جرّه عليه من معاناة ومصاعب جمّة.

ولعلّ بقاءه على تماس مع الطبّ كان سببا في صياغته لما يُعرف بالأدب الطبي؛ وهو الأدب الذي يتضمّن في ثناياه معلومات طبيّة دقيقة، موظَّفة توظيفا جيّدا ضمان السياق، ولا تصدر إلّا عن طبيب حاذق ملمّ ومطّلع، وهذا أوضح ما يكون في سلسلته الروائية سفاري وبطلها الطبيب علاء عبد العظيم. وهي واحدة تُضاف لها سلسلة ما وراء الطبيعة وسلسلة فانتازيا، ضمّنهم أعماله القصصية التي تخصّصت في أدب الرعب وأدب الخيال العلمي. إضافة إلى سلسلة رابعة استغلّ فيها مهارة إلمامه باللغة الإنجليزية؛ فترجم واختصر عددا من الروايات العالمية الشهيرة، وجاءت تحت عنوان روايات عالمية للجيب. فضلا عن مقالاته التي نثرها في الصحف والمجلّات والمواقع الإلكترونية وعالج فيها موضوعات اجتماعية، وكذلك رواياته التي ذاع منها رواية (يوتوبيا) فتُرجمت إلى عدّة لغات.

ولا يَخجل هنا من البوْح بأنّ بواكير أعماله (أسطورة مصاص الدماء) التي قدّمها إلى المؤسّسة العربيّة الحديثة للنشر، قد تلقّت صفعة الرفض مع مرتبة الشرف، ووصُفت بأنها ركيكة ومفكَّكة وغامضة، حتى بات قاب قوسين أو أدنى من اعتزال الأدب، لولا اللجنة الثانية التي شُكِّلت لإعادة النظر فأجازت العمل وأثْنت عليه. وفي هذا يقرّ بالفضل لرئيس اللجنة، وهو الطبيب الأديب نبيل فاروق (1956-)؛ الذي تخرّج في كلية طبّ طنطا عام 1980م، واعتزل المهنة في عام 1991م، وتفرّغ للكتابة في الأدب البوليسي وأدب الخيال العلمي عبر سلاسل قصص صغيرة للجيب أشهرها رجل المستحيل وملف المستقبل وكوكتيل 2000 وزهور وروايات عالمية للجيب، ومِن ورائها نال جائزة الدولة التشجيعية في أدب الخيال العلمي عام 2008م.

ومع أنّ الشهرة تسكن العواصم والشمس عنها لا تغيب؛ إلّا أنه لم يغادر مسقط رأسه مدينة طنطا التي وُلد بها عام 1962م وتخرّج في جامعتها عام 1985م و تحصّل منها على درجة الدكتوراه عام 1997م وعمل بها أستاذا جامعيا؛ مبرّرا ذلك بأنّ طنطا بلدة صغيرة يعرف مفاتيحها ويستطيع أن يحتويها، بعكس القاهرة التي أَطلق عليها وصْف مدينة الأضواء والأشباح، وارْتآها صاخبة معادِية لمَن تَجاوزوا الأربعين. والواقع أنها لا تُلائم سجيّته التي تفرّ من الزحام وتعشق الوحدة، إلى درجة أنه لا يمانع من العيش في سجن شريطة أن يكون أولاده حوله.. هذا لا يعني أنه من النوع الوحشيّ الذي لا يألَف ولا يُؤلَف، بل هو بشهادة مُقرَّبيه ومُتعاملِيه: مهذّبٌ كطفل مبتسمٌ كزهْر ساخرٌ كفيلسوف، وبشهاد ة كتابه (زغازيغ): يتمتّع بخفة ظلّ وصفاء عقل وعذوبة روح وجميل أحدوثة.

ولأنّ الأطبّاء أكثر حساسية تجاه الأمراض، لا سيّما تلك التي تصيب مضغة الجسم ونَواته؛ فقد عاش منذ بدء معاناته مع مرض القلب في عام 2011م، بنفسيّة المسافر الذي أغلق الحقيبة وطوى الجريدة وصافح المودّعين ووضع قدمه على سلّم الرحيل، خاصة بعد تعرُّضه لطارئ الارتجاف البطيْني وتَوقُّف القلب أكثر من مرّة، واضطراره لتركيب جهازٍ منظّم لضربات قلبه الطائشة، أفلح حينها في إنقاذه من براثن الهلاك، وأخفق في الثاني من أبريل عام 2018م  داخل مستشفى الدمرداش الجامعي وبين أيدي كبار أطباء القلب فيه، ليودّع الدنيا عن عمر قصير كروايات الجيب، إذ لم يجاوز الخامسة والخمسين حتى عانق الموت الذي قال عنه: "لا أخاف الموت..أخاف أن أموت قبل أن أحيا".

جديرٌ بالذكر أنّ تخصّصه الطبي الذي مارسه وسوّق له في ثنايا أدبه ضمْن وجبة ثقافية دسمة، هو طبّ المناطق الحارّة، الذي ينتمي إلى الطبّ الباطني، ويُسند إليه علاج الأمراض السائدة في المناطق ذات الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية والواقعة حول خط الاستواء وما دونه، ومنها الملاريا والتيفوس والطاعون والحمّى الصفراء وداء الفيل وغيرها. وهو بالمناسبة التخصّص الذي ينتمي إليه أيضا أحمد علي الجارم (1928-)؛ أستاذ الطب بجامعة القاهرة، وعضو مجمع اللغة العربية، والحائز على جائزة الدولة في العلوم الطبيّة، والقيِّم على تراث أبيه شاعر العروبة علي الجارم. وخرج من عباءته كذلك الرئيس النيبالي السابق رام باران ياداف (1948-) الذي درس الطبّ في الهند ولكن استهوتْه السياسة؛ فتقلّد الأمانة العامة لحزب المؤتمر النيبالي، ونال عضويّة البرلمان، وتولّى حقيبة وزارة الصحة، قبل أن يفوز بالرئاسة على حساب مرشّح الحزب الشيوعي في عام 2008م، ويصبح أوّل رئيس للجمهورية بعد زوال الملكيّة التي حكمت البلاد زهاء قرنيْن ونصف (1768-2007م).     

***

بقلم د. منير لطفي - مصر

طبيب وكاتب

 

محمود محمد علينعم يموت الجسد، يفني، ولكن يبقي النشيد الحر محلقاً في شماريخ زهرة اللوز الصغيرة والمتجددة كأنها العنقاء التي لا تموت .. نعم قد يتوقف النبض الذاهب نحو شرايين أنهكها الزمن، ولكن نبض التحليق الحر في فضاء الكون أبداً لا يموت.. قصدت أن أبدأ مقالي بتلك الكلمات لأقول لك عزيزي القارئ :- لقد فقدت مصر والعالم الإسلامي أول أمس - الأربعاء الماضي الموافق 31 مارس 2020م، أستاذي ومعلمي الأستاذ الدكتور محمود حمدي زقزوق - أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف وعضو هيئة كبار العلماء ووزير الأوقاف الأسبق، عن عمر يناهز الـ89 عاما، تاركا سمعة وسيرة عطرة ستخلّده في قلوب من عرفوه.

والدكتور زقزوق يعد واحدًا من كبار العلماء الذين وهبوا حياتهم للعلم وقضاء حاجات الناس ومن كان له باع كبير في الحوار بين الأديان ومحاولة إنقاذ العالم من براثن الحروب والخراب والدمار بفكره الوسطي المعتدل، كما كان من الذين ساهموا بإخلاص في بيت العائلة المصرية ومحاولات الصلح التي يقوم بها الأزهر الشريف بين أبناء الوطن بنسيجه الاجتماعي الواحد.

قال عنه الأستاذ الدكتور طة حبيشي بأنه: "عصفور من الشرق ذهب إلي الغرب ثم التقط ثمار الغرب وعاد بها إلي الشرق مرة أخري وهو يجسد صورة الأزهري الحق كما ينبغي أن يكون، فهذا الرجل أثري الحياة الثقافية في مصر والعالم العربي والإسلامي بجدارة".. وقال عنه المستشار محمد عبد السلام (مستشار فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب):" .. فهذا الرجل أثري الحياة الثقافية في مصر والعالم العربي والإسلامي بجدارة .. فقد استطاع أن يجمع بين الأصالة والمعاصرة في أبهي صورها .. وشخصيته المتفردة هي جديرة بأن تكون محل بحث لطلاب الماجستير والدكتوراه يتناول فيها جوانب الحياة العلمية والثقافية والفلسفية التي عبرت من الشرق إلي الغرب ثم عادت من الغرب إلي الشرق.. وقال عنه الأستاذ الدكتور محمد السيد الجليند (أستاذ الفلسفة بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة):" أزهري نشأ وتربي ونهل من ثقافة الأزهر الأصلية في حياته العلمية كالبا ومبتعثا ومعلما".. وقال عنه الأستاذ رجائي عطية (نقيب المحامين المصريين):".. كان محمود زقزوق ملئ السمع والبصر ومضت الأعوام وبقي وزيراً للأوقاف يحمل محفظتها 15 عام تمثل في نظري العصر الذهبي لوزارة الأوقاف وأيضا للدعوة الإسلامية التي كانت تنهض بها آنذاك وزارة الأوقاف .. وقال عنه شيخ الأزهر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب فقال : لله والتاريخ  أشهد أنكم كنتم الإنسان المترفع عن كل الصغائر والعالم الكبير الشديد التواضع .. جميع المناصب العلمية والحكومية التي تقلدتموها هي التي سعت إليك، وأشهد أنك لم تسع إليها.. وقال عنه الدكتور أبو لبابة الطاهر صالح (رئيس جامعة الزيتونة السابق) :" الدكتور محمود زقزوق سيبقي علامة فارقة للثقافة العربية الإسلامية لا في مصر وحدها وإنما في العالم الإسلامي والعرب معا، واعتقد أنه يندر أن يوجد مثقف في عالمنا العربي لا يعرف الدكتور محمود زقزوق، فهو يعرفه بكتاباته المتنوعة، ويعرفه بأصوله الإسلامية العميقة، ويعرفه بإخلاصه وأكبر دليل علي اعتداله في نلك الفترة الطويلة التي تقلد فيها وزيرا للأوقاف".

وقد قامت هيئة كبار العلماء المسلمين بعمل فيلم وثائقي عنه يرصد أبرز المحطات في حياته، حيث تحدثت عن اسهاماته وإنجازاته ويمكن أن منه جانبا مما بالدكتور زقزوق وخاصة في مرحلة صباه؛ ففي تمام الساعة الثانية بعد ظهر يوم 27 من شهر ديسمبر عام 1933، وفي قرية " الضهرية " التابعة لمركز "شربين" لمحافظة الدقهلية، ولد الطفل النابغة محمود حمدي زقزوق .. اختطف الموت والده وهو لا يزال في السابعة من عمره، فعوضه الله عن حرمانه من الأبوة بأخيه الأكبر الذي كان له نعم الأخ والأب؛ حيث أولاه رعايته وأحاطه بعطفه واهتمامه وسهر علي الاعتناء بتربيته وتعليمه.. وقد خيره أخوه الأكبر بين الالتحاق بمدرسة الزرقا الابتدائية وبين المعهد الديني في دمياط، فأختار أن يكون أزهريا .. بدأ زقزوق نبوغه الفكري وهو ابن 17 عاما عبر صحيفة أسبوعية نشر فيها بعضاً من المحاولات الشعرية والقصصية كما كتب في البريد الأدبي لمجلة الرسالة والتي كان يصدرها الأديب المعروف أحمد حسن الزيات رحمه الله .. بعد حصوله علي شهادة الثانوية عام 1955 التحق بقسم الفلسفة بكلية اللغة العربية عام 1956 وفي نفس هذا العام كان العدوان الثلاثي علي مصر .. فكان زقزوق أحد متطوعي الأزهر في الحرس الوطني للدفاع عن الوطن .. أسعده الخط خلال هذا التوقيت أن يستمع إلي الأساتذة مثل عباس محمود العقاد وأحمد حسن الزيات وبنت الشاطئ الدكتورة عائشة عبد الرحمن والدكتور محمد البهي، والذي كان للأخير الأثر الأكبر في توجيه مشواره العلمي فنهض زقزوق لدراسة اللغة الألمانية إعجاباً بأستاذه البهي الحاصل علي الدكتوراه في ألمانيا، وكان ذلك نقطة تحول في حياته الوظيفية والدراسية فيما بعد.

وبعد أن فرغ محمود حمدي زقزوق من دراسته الجامعية، أعلن الأزهر عن إيفاد 5 من دارسي اللغة الألمانية إلي ألمانيا، فكان زقزوق الأول علي تلك المسابقة وسافر إلي ألمانيا عام 1962 واختار الأستاذ "راينهار لاوت" - ليكون مشرفا علي رسالة الدكتوراه، وبعد بحث وتفكير، انتهي إلي اختيار موضوع الشك المنهجي لدي كل من ديكارت والغزالي، وكانت تلك أطروحته التي قارن فيها بين ديكارت الذي يعرف بأنه أبو الفلسفة الحديثة والغزالي الذي ظلمه بعض أهله واعتبروه صوفياً هادماً للفلسفة  بكتابه تهافت الفلاسفة، وقد أثبت الدكتور زقزوق بالنصوص القاطعة التطابق بين المنهج الفلسفي أو الشك المنهجي لدي كل من الغزالي وديكارت، وهذه النظرية كما يقول الدكتور محمد السيد الجليند : "ظن البعض أنها من ابتكار الفيلسوف ديكارت والفضل يرجع إلي محمود حمدي زقزوق في أنه أوقفنا علي مصدر هذه النظرية عند ديكارت، فلقد سمعت هذا بأذني منه شخصياً وهو يطالع في مكتبات برلين ووجد كتاب المنقذ من الضلال للإمام الغزالي مخطوط ووجد مكتوبا عليه بخط ديكارت أن هذا الكتاب مفيد وينبغي أن نستفيد منه" ..

وأثناء تواجده في ألمانيا للدراسة وفي منتصف تلك المدة تزوج محمود حمدي زقزوق من زميلة ألمانية كانت تدرس معه الماجستير، ولم يطلب منها تغيير ديانتها المسيحية كشرط للزواج، ولكنها فاجأته عام 1972م برغبتها في اعتناق الإسلام، وذلك بعد أن قرأت كثيراً عن الإسلام وصلته بالأديان الأخرى وتلبية لرغبتها ذهب معها حينذاك إلي مشيخة الأزهر وأشهرت إسلامها ووقع شيخ الأزهر حينذاك الدكتور عبد الحليم محمود علي وثيقة إشهار إسلامها .

بعد عودته من ألمانيا وفي عام 1969 أعلنت كلية دار العلوم عن حاجتها عن وظيفة لمدرس في الفلسفة الإسلامية، كما أعلنت كلية أصول الدين عن نفس الطلب وتقدم بأوراقه إلي الكليتين، وتم ترشيحه بالفعل إلي الوظيفتين، وكان عليه أن يختار وبعد استشارة أستاذه الدكتور محمد البهي أبَى  محمود حمدي زقزوق مرة ثانية إلا أن يكون أزهرياً.. فأصبح زقزوق مدرساً في كلية أصول الدين، فكان خير معلم لتلاميذه يغرس فيهم الطاقات، ويزرع فيهم الطموح.. كما عمل أستاذ مساعد - عام 1974، وعمل أستاذ - عام 1979، ثم وكيلاً لكلية أصول الدين بالقاهرة ورئيس قسم الفلسفة والعقيدة (1978- 1980).. كما عين زقزوق، عميداً لكلية أصول الدين بجامعة الأزهر في الفترة من عام (1987 وحتى 1989)، ومن عام (1991 حتى 1995).. وخلال الحياة الوظيفية في كلية أصول الدين تمت إعارته لجامعة طرابلس لمدة 4 أعوام ومثلها من الأعوام في كلية الشريعة بجامعة قطر وفي خلالها سافر إلي تونس للمشاركة في أعمال اللجنة العلمية لترقية اعضاء هيئة التدريس في جامعة الزيتونة. ثم نائبًا لرئيس جامعة الأزهر - عام 1995، إلى أن تم تعينه وزيرًا للأوقاف عام 1996.، كما تم اختياره عضوا بهيئة كبار العلماء، ورئيسا للجنة الحوار بالأزهر وأمينا عاما لبيت العائلة المصرية.

كما شارك الدكتور زقزوق في العديد من المؤتمرات الدولية الهامة منها المؤتمر الدولي للعلاقات الثقافية في مدينة بون بألمانيا عام 1980، والمؤتمر السنوي للجمعية الدولية لتاريخ الأديان بجامعة هامبورغ بألمانيا عام 1988، مؤتمر دار حضارات العالم في برلين بألمانيا عن الاتجاهات الإسلامية المعاصرة عام 1991، ومؤتمر مركز أبحاث الحوار(حريصا)- لبنان عام 1995.. واختير الراحل في العديد من الهيئات الكبرى في مصر؛ ومنها عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف، وعضو المجلس الأعلى للأزهر، وعضو اتحاد الكتاب، كما تم اختياره رئيسا لمجلس إدارة الجمعية الفلسفية المصرية، ومقررا للجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة في قسم العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، وعضو مجلس الأمناء بالجامعة الألمانية بمصر.

وله العديد من المؤلفات الهامة نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : المنهج الفلسفى بين الغزالى وديكارت، الكويت، عام 1983، الإسلام في تصورات الغرب، القاهرة، عام 1987، مقدمة في علم الأخلاق، القاهرة، عام 1993، دراسات في الفلسفة الحديثة، القاهرة، عام 1993، تمهيد للفلسفة، القاهرة، عام 1994، مقدمة في الفلسفة الإسلامية، الإسلام في مرآة الفكر الغربى، القاهرة، عام 1994، الدين والحضارة، القاهرة، عام 1996، الدين والفلسفة والتنوير، القاهرة، عام 1996... وهلم جرا.

وحصل الراحل على عدة جوائز والأوسمة؛ منها جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية من المجلس الأعلى للثقافة- عام 1997، وكان الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء المصري، نيابة عن الرئيس عبدالفتاح السيسى، كرم عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، الدكتور محمود حمدى زقزوق، المفكر الإسلامى، ووزير الأوقاف الأسبق، فى نهاية يناير الماضى، بمؤتمر تجديد الفكر الدينى الذى عقده الأزهر الشريف، تقديرًا لجهوده فى تجديد الفكر الإسلامي، وتعزيز السِّلم، ونشر سماحة الإسلام. وقرر الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف المصري إطلاق اسم الدكتور محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقاف الأسبق، على قاعة المحاضرات والتدريب الرئيسية بمسجد النور المعروفة بـ "قاعة الوزير"، تقديرًا لجهوده العلمية وجهوده في خدمة الدعوة.

وعلي مدار هذه السنوات عرف عن الوزير الفيلسوف أنه لا يجابي أو يجامل في الحق، فهو يتمتع بالموضوعية التي ينبغي أن تكون، وهو لا يعرف القصور أو الإهمال .. لا يكل ولا يمل .. قد شمر عن ساعديه لتطوير العمل في وزارة الأوقاف لما يجعلها أقدر علي النهوض بمسؤوليتها من أجل خير الإسلام والمسلمين مقرراً الارتقاء بالمستوي الأدبي والعلمي للأئمة وصقل معارفهم وتزويد المساجد بالمكتبات لإفادة الدعاة والباحثين مقدما إصدار دائرة المعارف الإسلامية من خلال اصدار موسوعات متخصصة في في 16 مجالا، مثل موسوعة الفرق والمذاهب في العالم الإسلامي، وموسوعة أعلام الفكر الإسلامي، وموسوعة الحضارة الإسلامية، وموسوعة التصوف الإسلامي، وموسوعة في علم الكلام ... وعلم جرا.

وفي نهاية حديثي لا أملك إلا أن أقول.. لقد رحل أستاذنا الدكتور محمود حمدي زقزوق تاركاً وراءه فراغاً هائلاً وحزناً وافتقاداً .. فهل الأمل أن نجد من يملأ هذا الفراغ ويعوض الافتقاد .. لا نملك إلا التفاؤل.. رحم الله فقيدنا الغالي والصبر والسلوان لأسرته وتلاميذه .. وإنا لله وإنا إليه راجعون !.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

  

 ضياء نافعكنّا في ذلك الحين طلبة في جامعة موسكو، عندما تم الاعلان في الاتحاد السوفيتي عام 1960 عن تأسيس جامعة جديدة في موسكو تسمى جامعة الصداقة بين الشعوب، وفهمنا، ان هذه الجامعة كانت خاصة فقط لطلبة بلدان آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، وانها تهدف الى اعداد كوادرعلمية في مختلف الاختصاصات لتلك البلدان، التي حصلت على استقلالها في الفترة الاخيرة، البلدان التي كانت تسمى (النامية) عندئذ، وكلمة النامية هي مفردة مؤدّبة ومحسّنة لكلمة (المتأخرة) طبعا، وهي البلدان التي كانت تندرج ضمن (العالم الثالث) كما كانوا يسمّوه في ذلك الزمان (ولا يزال هذا التعبير سائدا لحد الان  مع الاسف)، وهو تعبيردقيق جدا يعني، ان هذه البلدان بعيدة جدا عن العالمين الاول والثاني (ولم يخطر ببالنا آنذاك من هي بلدان العالم الاول ومن هي بلدان العالم الثاني!!)، وفهمنا ايضا،ان الطلبة الذين سيدرسون فيها  يجب ان يكونوا من انصار ومؤيدي تلك الاحزاب السياسية التي تقف ضد سياسة الغرب وتؤيد اقامة وتوسيع العلاقات المختلفة مع الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي في بلدانهم بشكل او بآخر. وعلمنا ايضا، ان القبول في هذه الجامعة يتم عن طريق المنظمات الاجتماعية مثل النقابات والاتحادات ...الخ وليس عن طريق الاتفاقات الدولية العامة كما كان يجري تنظيم العلاقات الثقافية بين الدول، وباختصار، فان  جامعة الصداقة بين الشعوب كانت منذ بدايتها ذات طبيعة سياسية واضحة المعالم، وهذا هو الخطأ التاريخي الجسيم، الذي ارتكبته الجهات السوفيتية عند تأسيسها لتلك الجامعة، اذ ان الجامعة، اي جامعة، هي مؤسسة اكاديمية تخضع لضوابط علمية محددة وصارمة فبل كل شئ وليس لضوابط سياسية ابدا، وتلك ضوابط علمية معترف بها في كل بلدان العالم،ونحن (شاهدنا !) في العراق، ما الذي فعلته السياسة عندما (اقتحمت !) الجامعات العراقية وخرّبت الضوابط العلمية وتقاليدها الممتازة، التي كانت سائدة فيها منذ تأسيس كلياتها المتفرقة في النصف الاول من القرن العشرين . ولكن يجب القول الان، ان  انطباعاتي عن الجامعة الروسية هذه اصبحت عتيقة جدا وترتبط بعصر انتهى فعلا، اذ ان جامعة الصداقة بين الشعوب في الوقت الحاضر قد تخلّصت بالتدريج من ذلك الخطأ الجسيم، ومن هذه المفاهيم السياسية الضيقة (رغم ان هذه العملية المعقدة قد استغرقت فترة طويلة زمنيا)، وهكذا اصبحت هذه الجامعة في زماننا الان واحدة من الجامعات الروسية المرموقة جدا، رغم كل القيل والقال هنا وهناك، وما اكثر تلك الاقاويل التي سمعناها بعد عودتنا الى العراق، وما أغرب الحكايات التي حاكتها ونشرتها القوى السياسية العراقية االمعادية للاتحاد السوفيتي سياسيا ضد هذه الجامعة المتفردة في بنيتها ونظامها، واروي هنا مثلا واحدا من تلك الثرثرات الغريبة التي سمعتها شخصيا مرة، ومن احد المسؤولين العراقيين والذي كان يسميها جامعة لومومبا، والذي تحدّث وبكل ثقة قائلا، ان هذه الجامعة تبعث طائرة سوفيتية خاصة الى افريقيا، ويقف الطيار في باب تلك الطائرة بالمطار الافريقي ويصيح – موسكو موسكو (على طريقة سيارات النفرات في علاوي الحلة آنذاك)، وهكذا يهرع الشباب الافريقي الى الطائرة، وعندما يتم اشغال كل مقاعدها، واستخدم هذا المسؤول كلمة (تقبط)، تقلع الطائرة من المطار الافريقي وتعود الى موسكو، حيث تلتحق هذه المجموعة بجامعة لومومبا، وتمنح هذه الجامعة بعد عدة سنوات شهادات عليا للجميع، حسب ما تقتضيه (القنطرات !!) .

لم اكن قريبا من اوساط هذه الجامعة في الستينيات، ولم اتعامل معها في تلك الفترة، ولكني كنت أعرف معلومة شبه علنية تقريبا، مثل كل الطلبة العراقيين في موسكو بشكل عام، والمعلومة هذه تقول، ان الحزب الشيوعي العراقي كان مسؤولا عن قبول الطلبة العراقيين في تلك الجامعة، وقد سمعت مرة من أحد الزملاء الذين أثق جدا بما يقول، ان الحزب الشيوعي العراقي أرسل من العراق المرحوم د. عبد الزهرة العيفاري ليكون طالبا في تلك الجامعة باسم الحزب الشيوعي العراقي، وقد وصل فعلا الى موسكو والتحق بهذه الجامعة، ثم اصبح ايضا مسؤولا عن عملية القبول في تلك الجامعة بالنسبة للعراقيين . والمرحوم العيفاري درس في جامعة الصداقة وتخرج فيها، ثم عاد الى العراق، ثم رجع لاكمال الدراسة العليا في تلك الجامعة، وبعد حصوله على درجة الكانديدات (دكتوراه فلسفة) تم تعينه في نفس كليّته، وهناك استطاع ان يحصل على شهادة دكتوراه علوم (دوكتور ناووك) وهي اعلى شهادة علمية في روسيا، واستمر بالتدريس هناك وحاز على درجة بروفيسور . وتوفي في موسكو قبل فترة قصيرة وتم دفنه هناك، وهو واحد من اوائل الطلبة العراقيين، الذين لم يرجعوا الى العراق بعد انهاء دراستهم، والذين قرروا البقاء في الاتحاد السوفيتي والاستقرار فيه والعمل في مؤسساته وضمن ضوابطه الادارية السائدة، ويستحق العيفاري - بلا شك - ان نتوقف أكثر عند مسيرته الطويلة في موسكو، ونروي قصته المتشعبة .

جامعة الصداقة الان تسمى رسميا – الجامعة الروسية للصداقة بين الشعوب، ويدرس فيها مئات الطلبة الروس جنبا لجنب مع الطلبة الاجانب، وتعدّ واحدة من ابرز الجامعات الروسية المعاصرة ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

قاسم حسين صالحيرى باحثون أن أصل (كذبة نيسان) يعود الى تقليد أوروبي قائم على المزاح بإطلاق الشائعات أو الأكاذيب، لأن فصل الربيع يبدأ في نيسان ومع الربيع يحلو للناس ‏المداعبة والمرح.. فاستلطفوها وصارت عادة المزاح مع ‏الأصدقاء وذوي القربى في ذلك اليوم رائجة في فرنسا ومنها انتشرت إلى البلدان الأوروبية.. وصار الكذب فيها مباحاً في هذا اليوم لدى شعوبها باستثناء الشعبين الاسباني لكونه يوماً مقدساً دينياً، والألماني لأنه يوافق يوم ميلاد الزعيم الألماني (بسمارك). وفي بريطانيا، وشعبها من اشهر شعوب العالم كذباً في اول نيسان، حمل ‏البريد عام (1860) إلى مئات من سكان لندن بطاقات مختومة بأختام مزوّرة تحمل دعوة إلى مشاهدة الحفلة السنوية "لغسل الأسود البيض" في برج لندن، فسارع جمهور غفير ‏من السذج إلى برج لندن لمشاهدة الحفلة المزعومة.

اما الرواية العربية،وفقاً للصديق الدكتور هاني الحديثي، فتعزوها  الى سقوط الأندلس حين فر المسلمون الى أعالي الجبال مختبئين بها من جيوش الإسبان، فتم إيصال كذبة لهم أن السفن المغربية ترسو على شواطئ البحر لنقلهم،وصدّق هؤلاء فنزلوا الى السواحل وهناك كانت الجيوش بانتظارهم لتوقع اكبر مجزرة بالتأريخ بحقهم يوم واحد نيسان..

 في العراق، كنا قد تابعنا كذبة نيسان في عام 2016 فوجدنا أنها كانت تكشف عن حاجات ودوافع سيكولوجية تعبّر عن شخصية الفرد العراقي..بعضها مقالب طريفة لاسيما بين أصدقاء شباب (ينصبون) على احدهم، غالباً ما تكون عاطفية، كأن يقلد أحدهم صوت فتاة تبدي له إعجابها به وولعها فيه.. فيصدّق، ويطلب منها اللقاء، فيأتي الى المكان الذي فيه من حاكوا له المقلب!. وتوزعت أغلب (كذبات نيسان) العراقية حينذاك، بين مقالب تحمل أخباراً مفزعة (شدّ حيلك اخي..ترى الوالد انطاك عمره، أو..اخوك..دعمته سيارة وأخذوه للمستشفى، أو اسرع يمعود..ترى صار حريق بمنطقتكم...)، وأخرى سياسية تحمل أيضاً خبر موت من يكرهون، أو مفارقات لا تحصل مهما يكون!.

في العام (2018) ذكرت (الرشيد نيوز) أن أبرز ما تداوله العراقيون في يوم (1 نيسان): (خبر زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى طهران، عقب تظاهرات شهدتها بغداد ضد زيارة ابن سلمان إلى العاصمة. بينما كتب الأستاذ في علم النفس قاسم حسين صالح، في هذا اليوم أن محطة CNN العالمية نشرت خبراً عاجلاً ينص على إصدار الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً للسفارة الأميركية في بغداد برفع الكتل الكونكريتية المحيطة بالمنطقة الخضراء).

 ولم تخل مشاركة العراقيين في (كذبة نيسان) من الطرفات، بينها أن صاحب مكتبة ودار نشر المعقدين فارس الكامل، نشر على صفحته الشخصية في موقع فيسبوك، رسالة درامية محبوكة عن خبر اعتزاله مهنة النشر وبيع الكتب، ذيّلها باعتذار إلى أصدقائه ممن قرأوا الرسالة لأنها "كذبة نيسان".

  وما لا ينتبه له كثيرون، أن نيسان كذّب على العراقيين كثيراً، بدءاً من عام 2003 (مستثنين ميلاد الرئيس القائد في 28 نيسان)، فحين تم تشكيل مجلس الحكم، ظن العراقيون أن هؤلاء السياسيين سيعملون لخدمة العراق، وانكشفت الكذبة بعد سنة في كتاب بريمر (عام في العراق) بقوله إن الشيعة جاءوا يطالبون بحقوقهم وكذا فعل السنّة والكرد، ولم يطالب أحد بحقوق العراقيين.

ومن كذبات نيسان في نسختها العراقية، أن قادة اغلبية الأحزاب في العراق يصفون احزابهم بأنها سياسية، فيما هي تنظيمات دينية مذهبية واثنية لا تمتلك برامج وطنية بقدر ما تهمها مصالحها لدرجة أن المحاصصة عندنا كسرت الرقم القياسي في عدد الوزارات بين بلدان العالم قياساً بعدد السكان، ليتقاسموا فيما بينهم ثروة البلد عبر حكومات ما شهد العراق في تأريخه أفسد وأفشل منها.

ومن كذبات نيسان العراقية تأكيد النائب علي العلاق في مداخلته بجلسة البرلمان (الاثنين 28 آذار 2016) بأن "السيد العبادي مستعد أن يعلن غداً حكومة تكنوقراط مستقلة، إن وافقت الكتل السياسية"، وعلقنا في حينه بأن تشكيل كابينة جديدة مطعّمة بتكنوقراط..ممكن.. لكن أن يُقال أن المحاصصة انتهت في العراق بأمان..فتلك أقوى كذبات الأول من نيسان!

ومن كذبات نيسان عام(2019) رفع شعار (الأغلبية السياسية للقضاء على المحاصصة والطائفية) فيما اثبتت الأحداث بأنه لا يمكن لزعيم طائفي أن يكون ديمقراطياً، لأنه يؤمن بأن طائفته فوق الجميع وأن مرجعيته لها تعلو على مرجعيته للناس والوطن.

 ومن كذبات نيسان عام (2020) أن السيد نوري المالكي دعى الى تلبية مطالب متظاهري انتفاضة (ثورة) تشرين ،ويعرف ان اهم مطالبهم هو (محاكمة الفاسدين)،ويعرف ويعرفون انه هو الذي تستّر على الفاسدين بتصريحه علنا:(لديّ ملفات للفساد لو كشفتها لأنقلب عاليها سافلها).

 وكانت اشهر كذبة اعلامية عراقية حدثت قبل يوم من واحد نيسان (2020) ان الأمام علي كان قد تنبأ بـ(كورونا) في نهج البلاغة ،مستشهدا بابيات شعرية، فسلقه العراقيون بألسنة غلاظ وكأنهم في نيسان ايضا لا يكذبون!، ولا كأن رجل دين معمم ونائب برلماني لم يكذب حين اعلن في خطبته ( من دخل الأيمان قلبه لن يصاب بكرونا)!..ولا تقولوا (ان هذا معتقد) لأنه كان يعرف ان رجال دين كبار اصيبوا بوكوفيد 19. ولا قول الدكتور حسين الشهرستاني، ان عالما امريكيا اراد ان يصبح مسلما بعد ان قرأ القرآن، ولما سألهم ماذا عندكم بعد..اعطوه نهج البلاغة،فلما فرغ منه قال آسف، سأبقى على المسيحية لأن نهج البلاغة اكثر تاثيرا من القرآن.

  وتبقى أقبح وأوجع هذه الكذبات في نسختها العراقية، يوم هزج العراقيون بساحة الفردوس معتبرين التاسع من نيسان 2003، يوم (التحرير) تبيّن لهم بعدها أنه كان بداية لمرحلة تاريخية من الضحايا والفواجع والتدمير، قابلة للتمديد في مستقبل ليس لهم فيه حق تقرير المصير.!

 

 أ. د. قاسم حسين صالح

1 نيسان 2020

 

 

 عصمت نصار(1) مارون عبود: كثيرون أولئك التنويريين العرب الذين أضاءوا حياتنا العقلية فى شتى دروب الثقافة، ومع اعتراف بعضنا بفضلهم إلا أن معظمنا لم يعمل على إحياء رسالتهم، ولم يسر على ضربهم وتركناهم وحكمتهم فى دائرة الظل. نعم أهملناهم رغم احتياجنا لإرشاداتهم النابعة من وعيهم ودربتهم ودرايتهم بمعالجة العديد من المشكلات التى ما زالت تعيننا فى حياتنا المعاصرة.

أجل أنادى بإحياء سنن أهل الفضل من قادتنا، وأعلام نهضتنا الذين نجحوا فى إخراجنا من طور العزلة الحضارية والجمود والتعصب والتخلف فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر - ووضعونا على أول طريق المدنية الحافل بأنوار التسامح والحرية والفلسفة والعلم والعدالة الاجتماعية. غير أننا جنحنا عنه فعدنا أسوأ مما كنا عليه فتقدمنا إلى الخلف ندك بأيدينا كل ما بنيناه، ودفعتنا حماقتنا إلى تحطيم ثوابتنا وجميل أخلاقياتنا وجليل عوائدنا، فتمردنا على مشخصاتنا فزادنا ذلك انحطاطًا. ومن ثم كان لزامًا علينا إعادة البناء لانتقاء النافع من هويتنا لنحييه، وإحصاء الضار لنتخلص منه ومن طريقنا نخليه.

واليوم أحدثكم عن نموذج فريد فى ثقافتنا العربية، مفكر وأديب وشاعر جمع كل أزاهير الحب والمودة والتسامح من فوق قمم جبال الشام، وغرسها منمقة فى جل أقواله وكتاباته، ثم عصرها فأضحت ترياقًا شافيًا من الأحقاد والصراعات السياسية والفتن الطائفية - لمن يرتشفها - قابل خصومه بالود، وجابه قادحيه ومنكريه بجميل الرد، فاستحق وسام التسامح الذى لم ينله فى حياته بل نقدّمه له اليوم وفاءً وبرًا واعترافًا بجميل لا يُنكر.

هو المعلم والصحفي والخطيب والناقد والمؤرخ «مارون حنا الخورى يوحنا عبود» (١٨٨٦-١٩٦٢م)، نشأ فى كنف أسرة مسيحية لبنانية متدينة غير أنه رغب عن دراسة اللاهوت وسجن ذهنه المتوقد بين تفاسير اصحاحات الكتاب المقدس، وراح ينهل من كل أروقة الأدب والفلسفة والعلم قدر طاقته.

جمع فى أفكاره بين الأصالة والمعاصرة، ورغب فى نقداته عن لغة الهجوم والشجب والطعن والقدح وفضّل عليها أسلوب الحوار والتقويم العلمي والحجج البرهانية والاقتراحات الإصلاحية الواقعية.

أجاد السريانية وهضم فى صباه أمهات الكتب اللغوية والأدبية العربية. جمع الكثير من مآثر العرب ومناقب علمائهم وترجم عن الفرنسية العديد من أقوال الفلاسفة والمبدعين المستنيرين، ومن أقواله الناقدة للتقليد والمحفزة للتجديد «أخشى على كتابنا الناشئين من تأثير همنجواى وسارتر، فإنهم يضيعون فى فضائهما الغريب .. والأدب العربى عندى انعكاس لمظهر حياتي، فكيف يمكننا أن نوفق بين جونا الخاص وجو الغرباء عنا. وأخاف أن يصيبنا ما أصاب الغراب الذى حاول أن يقلد الحجل (وهو طائر يشبه السمان)، فما نجح بتقليده بل نسى مشيته»،

ومن أقواله فى إصلاح التعليم «أشعر ويا للأسف أن التعليم صار واسطة بعد أن كان غاية ... والدليل هذه الشهادات الغالية اسمًا الرخيصة فعلاً - كنا نتعلم لنعرف واليوم يتعلمون ليحملوا شهادة، ويحصلوا على لقب علمي». حفظ المزامير وآمن بجوهر المسيحية، ولم يمنعه ذلك من الاستماع للقرآن مجّودًا ومرتلاً وتدبر آياته ومدح سنة النبي والإشادة بتعاليمه. اتخذ من الصحافة والتدريس فى المدارس والمعاهد سبيلاً لنشر فلسفته فى الوطنية والتسامح الملى بحرية البوح والتضامن الاجتماعي.

وظل طيلة حياته مؤمنًا بأن المخالفين فى الفكر والعقيدة - وإن كانوا قلة - لهم نفس الحقوق التى ينعم بها الكثرة، وأن المواطنة لا ينبغي أن تؤسس على العصبية العرقية أو الحمية الدينية بل على الألفة والحب ووحدة العوائد والمنافع العامة وحسن الجوار؛ كما بيّن أن خطاب السماء لم يتنزل على البشر لشقائهم وغرس الأحقاد فى قلوبهم بل لإسعادهم وتراحمهم وإيمانهم بأن الله هو المحبة وأن رسله وإن تباينت كتبهم؛ فإن مضمونها واحد ألا وهو حُسن المعاملة، وأن الإحسان مقدم على العمل بالأركان، وأن أجراس الكنائس، ومآذن الجوامع لا طائل منها إذا لم تفش السلام والرحمة ومكارم الأخلاق فى قلوب وسلوك وأعمال المنتمين إليها.

تأثر بـ (أفلاطون، والجاحظ، وأحمد فارس الشدياق، وأناتول فرانس) ومع ذلك كان له أسلوبه الرصين فى السرد ونهجه المتميز فى النقد الساخر والإصلاح، تشهد به مؤلفاته التى تجاوزت الستين. وليس أدل على تصالح الرجل مع نفسه من شهادة معاصريه الذين أكدوا أنه كان صاحب فلسفة يعيشها ويدافع عنها، وكان دائم التحذير من خطر الفتنة الطائفية على سوريا ولبنان، لذا لم يتحرّج من أفراد عائلته الكهنة الذين أمضوا حياتهم فى خدمة الكنيسة المارونية من أن يسمى ابنه الأوسط محمد وابنته الصغرى فاطمة إجلالاً واحترامًا للنبي المصطفى، وإعلانًا عن برّه واحترامه للشيعة بمختلف طوائفهم والدروز، وكأنه أراد أن يجعل من بيته وعائلته أنموذجًا للمواطنة التى لا يحيا فيها إلا من آمن بدستور الحب. ولما سُئل عن علة ذلك، قال: «نكاية فى الطائفيين». وكيف لا وهو القائل عن حكمة الإيمان: صلوا من أجل الرب فهو أصل كل محبة، الذى علمنا التضحية من أجل الآخرين فصلوا من أجل برّهم وإسعادهم. ومن أقوال حفيده وليد عبود عن تدين جده «إنه مع رجال الدين المناضلين ضد السلطات الغاصبة على أنواعها، لا مع رجال الدين الخانعين، الخاضعين، المتآمرين مع السلطة المدنية على الرعية. إنه مع المسيحية الحق، مع اشتراكية المسيح، لا مع تحويل الكهنوت وسيلة للإثراء والصعود الاجتماعي والاقتصادي والمادي».

وما أحوجنا الآن لأمثال مارون عبود لتعليم الطوائف المتناحرة فى شتى أنحاء العالم العربى أصول الإيمان وفلسفة الحب.

تُرى .. هل يستحق هذا الرجل وسام التسامح؟

(2) نظمي لوقا جرجس:

لا نكاد نلمح من بين الفلاسفة الغربيين من هو أعمق من الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (١٦٣٢ - ١٧٠٤م) فى ربطه بين الحقيقة النسقية - التى تؤكدها التجربة المباشرة ولا يعيبها الإضراب والتناقض. والتسامح - باعتباره الدرب المعرفي الأخلاقي للوصول لليقين - والعقلانية والموضوعية والحدس الواعي غير المتحيز، وقوة الإيمان المستمد من قناعات الأنا بأن الله محبة، وأن شرائعه هداية وتهذيب وإفشاء للسلام وتراحم بين الناس.

أما فى ثقافتنا المصرية المعاصرة؛ فلا يمكننا تجاهل الفيلسوف نظمى لوقا سفير المحبة الأرثوذكسية فى الفكر الإسلامي المعاصر؛ ذلك المصباح الذى يجب علينا إخراجه من دائرة الظل ووضعه فى ذروة ثقافتنا التى أعياها العنف وضللها الجاهلون وأقعدها عن المصالحة بين الدين والعلم، فباتت بين كفى الرحى التعصب والارتياب.

هو الأديب والشاعر والفيلسوف المصرى نظمى لوقا جرجس (١٩٢٠-١٩٨٧ م)، وُلد بدمنهور فى كنف عائلة مسيحية أرثوذكسية، نشأ نشأة دينية، وفى صباه تردد على مساجد مدينة السويس، وجلس فى حلقات العلم لاستيعاب التراث العربى الإسلامي فحفظ القرآن فى التاسعة من عمره والعديد من الأحاديث، رغبة منه فى التعرف على الدين الإسلامي عن قرب. ومع ذلك لم يترك المسيحية لأنه أدرك أن ليس هناك فارقًا بين الشريعتين من حيث الجوهر وثوابت المعتقدات والمقاصد والغايات. وقد أتم دراسته الثانوية فى الإسكندرية ثم انتقل للقاهرة فالتحق بكلية الآداب جامعة القاهرة وتخرج فيها عام ١٩٤٠م.

ولعلّ عشقه للدراسات النفسية والاجتماعية والفلسفية هو الذى مكنه من الوصول إلى هذه الحقيقة؛ فقد درب ذهنه على استيعاب الأفكار المتباينة والربط بينها فى نسقية تزيل ما يعتليها من اضطراب وتناقض، كما أدرك أن دراسة اللاهوت المسيحي عن طريق دروس الأحد التقليدية لا يوصل الذهن إلى اليقين الإيماني، بل البحث عن الحقيقة الروحية بمنأى عن الجمود والتعصب، ومن أشهر أقواله فى هذا السياق: «لئن كنت أنصفت الإسلام ـ فى كتاباتي؛ فليس ذلك من منطلق التخلي عن مسيحيتي بل من منطلق الإخلاص لها والتمسك بجوهرها وأخلاقياتها» ... «وإذا كان جوهر جميع الأديان السماوية هو التوحيد؛ فإنّ القرآن الكريم لا يدع شائبة من ريب فى مسألة وحدانية الله، وقد أفصح عن ذلك فى سورة الإخلاص التى عبّرت عن جوهر الله الأحد الفرد الصمد»، الأمر الذى لا يتعارض مع حقيقة المسيحية فـ «لم يرد على لسان المسيح فى أقواله الواردة فى بشارات حوارييه (الأناجيل) إشارة إلى ألوهية المسيح، بل كان يدعو نفسه على الدوام (بابن الإنسان)، وأما البنوة لله عز وجل فما ورد لها ذكر إلا على سبيل المجاز المطلق وبمعنى يشمل البشر كافة، حين أوصى أن تكون صلاة الناس إلى الله بادئة بقولهم: (يا أبانا الذى فى السماء)».

وقد أراد بذلك التأويل نفى تهمة الشرك التى ألصقها الجهلاء بالمسيحية أولئك الذين زعموا أن المسيحيين يعبدون ثلاثة أقانيم ويعتقدون بأن المسيح ابن الله على شاكلة البشر: «لا بد من رد الناس إلى بساطة الاعتقاد، ولا بد من نفى اللبس وشوائب الريب عن العقيدة المسيحية، وهو التوحيد مطلق التوحيد» ... «الدين لسواد الناس وما كان الدين للمجادلة الذهنية. وإنما هو نبراس الهداية للكافة»، ويضيف «لا بدّ للدين أن يثبت قلوب الناس بالطمأنينة إلى عناية الله بالخلق، وإلى قدرته، وإلى سلطانه المطلق على الكون كله، فقرّر القرآن فى عزم وحسم أن (الله خالق كل شيء)، (وكان الله على كل شيء قديرا)».

كما ناشد المسلمين وذكرهم بأن العقيدة الإسلامية تنأى عن التعصب والعنف أو إيذاء المخالفين، وانطلاقًا من ذلك فهى لا تضمر الشر إلى أحد وتوأمّن الجيران وتآخى بين جميع البشر ولا تفاضل بينهم إلا بالتقوى.

حصل على الدكتوراه فى الفلسفة، وعمل مدرسًا فى معهد المعلمين بالقاهرة، ثم كلية الآداب جامعة عين شمس. وراح يرغب تلاميذه فى دراسة الفلسفة باعتبارها طوق النجاة من الخرافة والنزعات الإلحادية والنظريات المادية، ومن أقواله فى هذا السياق: «البحث الموضوعي فى نشاط العقل لا بد أن يوصلنا إلى حتمية وجود الألوهية، وذلك لأن للعقل أعداء كثيرون من الجنسيين والماديين».

أمّا عشقه للرسول - صلى الله عليه وسلم - فذلك من الأمور التى كانت سببا مباشرا فى شهرته وذيوع أخباره، إذ كتب عام ١٩٥٩م كتابًا بعنوان (محمد الرسالة والرسول)، صرح فى مقدمته بتلك الرابطة الروحية التى ربطت بينه وسيرة المصطفى منذ صباه، وأنه لم يمدح النبي ولم يثن على دينه تملقًا أو مداهنة، بل لعظم رسالته المتممة لمكارم الأخلاق، مؤكدا أن أصول النقد والإنصاف تقضى بإعطاء كل ذي حق حقه من أهل الفضل والبر والإحسان، فيقول: «لست أنكر أن بواعث كثيرة فى صباي قرّبت بيني وبين هذا الرسول، وليس فى نيتي أن أنكر هذا الحب أو أتنكر له، بل إني لأشرف به وأحمد له بوادره وعقباه».

ولم تقف كتابات "نظمى لوقا" عند هذا الحد، بل تخطت ذلك إلى الدفاع عن الإسلام ضد هجمات غلاة المستشرقين والمتعصبين.

ظل طيلة حياته مؤمناً بأن جبلة الشعب المصرى تختلف عن سائر الشعوب من حيث التسامح الخلقي، وطيبة الطباع، وميله للألفة والعشرة والتعاون والتعاطف، وعزوفه عن العنف والشجار وغلظة القلب، أضف إلى ذلك شخصية المصرى المرحة وتفاؤله الدائم وسخريته من الأحداث، وإبداعه لفلسفة الممكن التى تحوّل كل الصعوبات بل والمستحيلات إلى إبداعات ومبتكرات؛ لذلك كله كان نظمى لوقا دائم تحذير المصريين من الفتن والمؤامرات التى ترمى إلى الإيقاع بين المسلمين والمسيحيين وإفساد ما بينهم من مودة وحب وتراحم، وقد سخّر قلمه لتنبيه العقول وإرشاد الأذهان لخطر الفتنة الطائفية على المجتمع المصري.

وحسبي أن أهمس فى أذن أولئك الذين يغرسون بذور الفرقة والفتن فى أحاديثهم التليفزيونية وكتاباتهم الصحفية من المتعصبين الذين لا يقدرون مسئولية الكلمة، ولا سيما فى ميدان العاطفة الدينية. أقول لهم انصتوا واستوعبوا رسالة هذا الفيلسوف، ثم قلدوه وسام المحبّة العاقلة.

(3) رشيد سليم الخوري:

لم يطرد أفلاطون من مدينته كل الشعراء، بل أولئك الذين زيفوا الوعى وغلّبوا الشهوة على العقل ونقلوا أخبارًا كاذبة عن الآلهة. وعلى النقيض من ذلك، نجده ينظر إلى المصلحين منهم بإجلال واحترام، ويعلى من شأن أقلامهم الملهمة، تلك التى ترشد الناس إلى مواطن الجمال والجلال فى الكون، وتحثهم على التضحية من أجل الوطن، وتذكرهم بأمجاد الأبطال والحكماء والعلماء والمصلحين.

وأحسب شاعرنا من الذين حرص أفلاطون على وجودهم فى طليعة قادة الفكر المستنيرين.

هو الشاعر والصحفي القروى رشيد سليم طنوس الخورى (١٨٨٧-١٩٨٤م)، الملقب بـ «قديس الوطنية العربية»، «شاعر القومية والإنسانية»، أما أشهر ألقابه فهو «الشاعر القروي»، وقد أراد أحد النقاد ذمه بهذا اللقب فأضحى نعتًا يفتخر به صاحبه. ولد فى قرية البربارة فى لبنان، تعلم فى صيدا والتحق بمدرسة الفنون الأمريكية ببيروت، ومنها إلى الكلية السورية الإنجيلية هناك، غير أن ضيق ذات اليد حرمه من إتمام دراسته الجامعية، فراح يعلم الصبية فى المدارس الأولية، وجمع عشرات الكتب العلمية والتاريخية والأدبية وعكف عليها حتى ثقف ذاته.

وفى عام ١٩١٣ رحل إلى البرازيل، فاشتغل بالتجارة من بائع أقمشة متجول إلى صاحب وكالة تجارية، بالإضافة إلى تعليمه اللغة العربية لغير الناطقين بها، واشتغل كذلك بالصحافة ورأس تحرير مجلة «الرابطة» وعضوية العصبة الأندلسية فى سان باولو ورئاستها بعد ذلك، ثم عاد إلى الوطن عام ١٩٥٨.

أمّا شعره الذى راح ينشده منذ نعومة أظافره؛ فقد وجهه إلى عدة قضايا أهمها القومية والوطنية والوحدة العربية والحملة على الصهيونية والماسونية والمطامع الاستعمارية الغربية، ثم الطائفية وكل أشكال التعصب، أضف إلى ذلك مناهضة الاحتلال اليهودي لفلسطين ومساندة الكفاح الفلسطيني، ومن أشهر قصائده التى ألقاها احتجاجًا على وعد بلفور الغاصب:

عد من تشاء بما تشاء فإنما .. دعواه خاسرة ووعدك أخسرُ

فلقد نفوز ونحن أضعف أمة .. وتؤوب مغلوبًـا وأنـت الأقـدرُ

فلكم وقـى متواضعًـا إطراقـه .. وكبـا بفضــل ردائـه المتكــبرُ

يا مصدر الكذب الذى ما بعده .. كذبٌ، تعالى الحق عما تنشرُ

....

يا عُربُ، والثاراتُ قد خُلقت لكم .. اليوم تفتخر العلا أن تثأروا

يدعوك شعبك يا صلاح الدين قم.. تأبى المروءة أن تنام ويسهروا

نسى الصليبيـــون ما علّمتهم .. قبل الرحيـل، فعُد إليهم يذكروا

للسلم نحن كما علمتِ وللوغى .. منا المسيح أتى، ومنا عنتــرُ

تجنى على وطن المسيح مدمرًا .. وتذيع أنـك فى البــلاد معمّرُ

....

صعد رشيد المنابر خطيبًا فى بلاد المهجر، وقد بلغت شهرته ذروتها على أثر قصائده وخطبه عن عظمة الإسلام ودور حضارة المسلمين فى نهضة الإنسانية وفضائل النبي وحكمة القرآن.

ومن أشعاره عن الوحدة الوطنية والتسامح الديني بين الإسلام والمسيحية:

يا قومُ هذا مسيــحيٌّ يذكّركم .. لا يُنهِض الشرقَ إلا حبُّنا الأخوي

فإن ذكرتم رسول الله تكرمــة .. فبلّغوه ســلام الشاعــر القــروي

وقد تصدر الشاعر القروى للكثير من القضايا العربية والإسلامية فذهب فى إحدى خطبه فى سان باولو فى عيد المولد النبوي: إلى أن حب المسلمين للنبي لا ينبغي أن يكون بكثرة الصلاة عليه شفاهة أو التغني بقصائد مدحه فى حفلات الذكر والمواسم الدينية، فحب النبي فعلا وسلوكا وليس غناء وطربا، فعلى كل مسلم أن يتخذ من سنة النبي وسيرته العطرة زادا ليعمُر قلبه بالإيمان والتسامح مع الأغيار وحب من شاركوه فى الحياة والجوار، وعلى كل مسيحي أيضا أن يتأمل رسالته التى لا تختلف فى عطرها وأنوارها وجوهرها وصلبها عما جاء به موسى وعيسى، وذلك لأن السراج واحد ومصابيح الإيمان تضاء بزيت رباني يدعو إلى وحدة الجنس البشرى والعدل بين الناس كافة، واقتلاع العنف والعصبية والمطامع البربرية من سلوكنا، فنصبح بذلك خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر «أيها المسلمون، يَنْسب أعداؤكم إلى دينكم كلَّ فِرْية، ودينُكم من بُهْتانهم براء. ولكنكم أنتم تصدِّقون الفِرْية بأعمالكم، وتقرُّونها بإهمالكم. دينُكم دينُ العِلْم، وأنتم الجاهلون. دينُكم دينُ التيسير، وأنتم المعسِّرون. دينُكم دينُ الحُسْنَى وأنتم المنفِّرون. دينُكم دينُ النصر، ولكنكم متخاذلون. دينُكم دينُ الزكاة، ولكنكم تبخلون ..

يا محمدُ يا نبيَّ اللهِ حقًا، يا فيلسوفَ الفلاسفةِ، وسلطانَ البلغاء. ويا مَجْدَ العرب والإنسانية، إنك لم تقتل الروحَ بشهواتِ الجسد، ولم تحتقر الجسدَ تعظيمًا للروح. فدينُك دينُ الفِطْرةِ السليمة، وإني موقِنٌ أن الإنسانية بعد أن يئست من كلِّ فلسفاتِها وعلومِها، وقنطت من مذاهب الحكماء جميعًا؛ سوف لا تجد مخرجًا من مأزقِها وراحةِ روحِها وصلاحِ أمرِها إلا بالارتماء بأحضان الإسلام».

وقد فطن الشاعر القروى إلى أن ما يعانيه الشوام فى سوريا ولبنان والأردن وفلسطين من جور وعنت وتعالٍ من الأتراك العثمانيين - فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر - ليس من الإسلام فى شيء، وذلك لأن التفاضل بين الناس فى الإسلام ليس باللون أو الجنس أو العرق، بل المفاضلة بينهم فى التقوى والورع والصدق فى محبة الله وطاعته، ومن ثم راح يبصر بنى قومه بأن سبيلهم لدفع ظلم الأتراك ومطامع الغزاة المستعمرين هو الوحدة والتآخي والجهاد فى صف واحد دفاعا عن عروبتهم ضد مؤامرات الصهيونية والحملات التغريبية التى ترمى لطمس هويتهم.

إذا حاولتَ رفعَ الضيم فاضرب

بسيف محمــدٍ واهجر يسوعـا!

أحبوا بعضكم بعضًا وُعظنا

بها ذئبًـا فمــا نجَّـت قطيعــا

والجدير بالإشارة فى هذا السياق، أن رشيد لم يكن هو الشاعر المسيحي الأوحد الذى مدح النبي فى القصائد وفى المنتديات الثقافية وعلى منابر الساسة فى بلاد الشام، ومنهم ميخائيل ويردى (١٨٦٨-١٩٤٥ م)، نقولا فياض (١٨٧١-١٩٣٠ م)، خليل مطران (١٩٧٢-١٩٤٩ م)، شلبي ملاط (١٨٧٥-١٩٦١ م)، أنيس الخورى المقدسي (١٨٨٠-١٨٧٧ م)، إلياس فرحات (١٨٩٣-١٩٧٦ م)، جورج سلستي (١٩٠٩-١٩٦٨ م).

وحقيق بي أن أؤكد أن أثر أولئك الشعراء فى الرأى العام لا يمكن إنكاره أو تجاهله، فقد نجحوا جميعا فى إيقاظ العقل الجمعى وتوعية الجمهور وتجييش المثقفين للإصلاح وإعادة البناء. وعليه لا مجال للمقارنة بين ما يتغنى به أبناؤنا اليوم من كلمات منحطة وصور متدنية ومقاصد عفنة، وما كان من أمر هؤلاء الشعراء وسامعيهم، فشاعرنا يستحق بجدارة وسام الشاعر المستنير.

ولسير الأعلام بقيّة

 

بقلم: د. عصمت نصار

 

محمود محمد عليالأمة التي ينشط فيها العقل ويتحرك فيها الفكر، أمة لا يخشي عليها من شئ، لأنها تكون حية حياة عقول أبنائها، متحركة بحركة أفكارهم. وفي مثل هذا المناخ الفكري السليم يختفي التعصب الأعمى وما يصاحبه من ضيق في الآفق وتحتجر في الفكر، ويحل محل ذلك التسامح واحترام وجهات نظر الآخرين، وافتراض حسن النية فيما يصدر عنهم من آراء وأفكار حتى فيما يتصل بأمور الدين؛ وهنا نشهد في واقعنا المعاصر عدداً من الأساتذة الاكاديميين الجاديين يقدمون لنا رؤي ومناهج من واقع خبراتهم للعديد من القضايا التي لا يستطيع المفكر والإنسان العربي المعاصر أن يغض الطرف عنها وفي مقدمتها : العقلانية، والحرية، وإعادة النظر في التاريخ والواقع، والمفاهيم اللامحدودة التي تمتلأ بها الثقافة العربية والفكر العربي المعاصر" .

ومن هذا النوع نذكر الأستاذ الدكتور "بهاء جلال السيد درويش"- أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة المتفرغ بكلية الآداب – جامعة المنيا بجمهورية مصر العربية، والذي أشرف بالكتابة عنه في هذه السطور، فهو يمثل واحداً من زملائنا المفكرين المصريين المعاصرين، الذين قدموا لنا منهج عقلاني تكاملي متفتح، ورؤية فلسفية ملتزمة : تؤكد التسامح، والحوار، والتعددية، وتفسح المجال للآخر.

وقديماً قال الكندي الفيلسوف (250 هـ) الفلسفة هي علم الأشياء بحقائقها، ويحتاج طالب العلم إلي ستة أشياء، حتي يكون فيلسوفاً، فإن قُصت لم يتم ؛ ذهن بارع، عشق لازم، صبر جميل، روع خال، فاتح مُفهم، مدة طويلة؛ وأحسب أن بهاء درويش (مع حفظ الألقاب) قد تحققت له وفيه هذه الشروط التي فرضها فيلسوف العرب، في دارس الفلسفة وطالبها .. إذا كان النبوغ هو المقدرة علي تحمل الجهد المستمر، علي حد قول تشارلز ديكنز ؛ فإن بإمكاننا القول إن بهاء درويش كان واحداً من النابغين المصريين الذين أضافوا كثيراً إلي الثقافة الإنسانية.

فبهاء درويش من الباحثين المتميزين الذين أحب أن أقرأ لهم أو أسمعهم حين يحاضرون .. منذ وقت قريب حضرت معه مؤتمراً بقسم الفلسفة بجامعة المنوفية دعاني إليه صديقي الأستاذ الدكتور "صلاح عثمان"، وجاءت الكلمة علي بهاء درويش ليلقي كلمته عن الفلسفة التطبيقية .. ادهشني حديثه وكلامه فهو من النوع الذي تلمحه علي المنصة في وقفة الحزم والعزم .. وقبالته الأفواج المرصوصة.. مشدودة الأحداق نحوه.. مرهفة الأسماع إليه .. ترقب ما يلفظ من قول .. كأنها بحر يزخر بالموت مسته عصا ساحر .. فأمسك عن الحركة بغتة .. وران عليه سكون عميم.. هنالك يبدأ حديثه وكلامه .. ناعم الصوت .. ثابت المقطع .. يرسل الكلمة تلو الكلمة .. والجملة بعد الجملة .. تتجاوب بها أرجاء الفضاء الفسيح .. فإذا هي تبلغ شغاف القلوب وتنفذ إلي مكامن الشعور .. ما أجله مشهد تنقل فيه بصرك بين الخطيب وجمهوره .. وقد استولت مهابة واكبار.. إنه في هذه الوقفة الجبارة .. في هذا السمت الأشم وهو مستسرل يجلجل بنبراته .. يروعك أول ما يروعك قسمات وجهه .. إذ تتشكل في طواعية معبرة وتأدية مصورة .. كل خلجه ترف علي محياه كأنما هي مرآة الكلمة التي ينطق بها لسانه .. وروح المعني الذي يريد الإعراب عنه .. فما هذه الخلجات التي تتعاقب علي صفحة وجهه إلا ترجمة حسية لتلك الكلمات التي تنبس بها شفتاه لا يعوزها البيان والإفصاح .. حسبك أن تراه  وتسمعه ..

بهاء درويش وإن كان أكبر مني بسنوات قليله فهو من جيلي الذي احترمه وأهابه .. فنشاطاته البحثية كثيرة ؛ خاصة في الندوات والمؤتمرات .. فلم أتمكن من أن ألاحقه بكل ورقة بحثية كتبها .. اسهاماته كثيرة ؛ فمثلا في سبتمبر 2007، تم تكليفه من هيئة اليونسكو، بمراجعة أكاديمية للترجمة العربية لكتاب " أخلاق البيئة والسياسة الدولية " الذي صدر باللغة الإنجليزية عن هيئة اليونسكو، وذلك قبل صدور هذه الترجمة العربية عن الهيئة نفسها.. وفي 12 – 14 فبراير 2008 شارك ضمن مجموعة خبراء من مختلف الأقطار العربية في وضع توصيات لتقنين استخدام الخلايا الجذعية في العلاج وفي البحث العلمي  وذلك  بترشيح من مكتب اليونسكو بالقاهرة.. وفي 8 – 16 سبتمبر 2008 تم اختياره عضوا ممثلا لجامعة قطر في لجنة تقييم المتقدمين  للحصول على تراخيص إنشاء مدارس مستقلة والتابعة للمجلس الأعلى للتعليم في قطر.. وفي 18 – 19 – مايو 2009، تمت دعوته ضمن مجموعة خبراء من مختلف الأقطار العربية لحضور اجتماع الخبراء العرب للنانوتكنولوجيا والأخلاق بالدوحة وذلك  بترشيح من مكتب اليونسكو بالقاهرة، باعتباري استشاري لهيئة اليونسكو في ميدان أخلاقيات العلم  البيولوجيا... وهلم جرا.

وحتي لا ينسينا الحديث الجميل عن بهاء درويش فاسمح لي عزيزي القارئ أن أقدم لك نبذة عن سيرته الذاتية .. بهاء درويش هو من مواليد 03  – 02 – 1959، حصل علي ليسانس فلسفة، 1980، كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، تقدير عام جيد جدا، ثم حصل درجة الماجستير في الفلسفة  فلسفة، 1987، تخصص (فلسفة حديثة ومعاصرة، كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، تقدير عام ممتاز)، ثم حصل بعد ذلك علي درجة  دكتوراه فى الفلسفة المعاصرة (من جامعة الإسكندرية 1995 بمرتبة الشرف الأولى مع توصية اللجنة بطبع الرسالة على نفقة الجامعة).. تدرج في عمله بالجامعة حيث حصل علي درجة أستاذ مساعد، فبراير 2003 حتى أغسطس 2010، وحصل علي الاستاذية في تخصص فلسفة حديثة ومعاصرة، أغسطس 2010.. ثم شاءت الأقدار بأن يكون أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة ( فبراير 2003 حتى يونيو 2004)، ثم أعُير بعد ذلك إلى كلية الآداب والعلوم – جامعة قطر ( في سبتمبر 2004 حتى يونيو 2012 )... وعندما عاد إلي أرض الوطن ترأس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة المنيا (من 27 يناير 2014 إلى 26 فبراير 2018)، ثم تقلد منصب وكيلا لكلية الآداب للدراسات العليا والبحوث ( من 27 فبراير 2018 حتى 30 يوليو 2018)، وكذلك تقلد بعد ذلك وكيلا لكلية الآداب لشؤون الطلاب ( من 31 يوليو 2018 حتى 31 يوليو 2019).. الخ..

من مؤلفات بهاء درويش علي سبيل المثال لا الحصر : كتاب في الفكر المعاصر، وكتاب التفسير الطبيعي المعاصر للوعي، وكتاب ألفريد جولس آير من الوضعية المنطقية إلى التحليل الفلسفي، وكتاب الهوية التصورية كأساس لنظرية المعنى بين القبول والرفض، وكتاب فلسفة اللغة عند دونالد دافدسن، وكتاب فلسفة نيقولاي هارتمان النظرية..الخ.

علاوة علي كثير من الأبحاث والدراسات ونذكر منها : الأسس الفلسفية لتحليلات حجر التاريخية، هل يمكن لضحى  التنوير عند حسن حنفي أن يرى شمسا؟"، مفهوم التحليل عند جورج ادوارد مور، مشروعية وحدود العلاج الوراثي، الوعي الذاتي عند إرنست توجندهات، المردود الفلسفي لأبحاث أبي زيد الأنثربولوجية، رفاعة الطهطاوي مترجما، مارتن هيدجر بين تحليلاته الأنطولوجية وممارساته السياسية، النزعة الوظيفية في فلسفة ويليم ليكان، أخلاقيات الميديا: دعاوي التنظير ومبررات التفعيل، تهافت ما بعد الاستعمارية: نحو مبادئ أخلاقية للتعامل مع المرأة والبيئة، الاختلاف سنة كونية تكتمل بالائتلاف: رؤية فلسفية، الليبرالية المصرية التي جسدتها ثورة 1919” ، حوارات تأسيسية حول علم الاستغراب، الدور المعاصر للمؤمن في مواجهة الإلحاد واللاأدرية، دافيد هيوم كممثل لمعضلة التنوير، المبادئ الأخلاقية الموجهة للاقتصاد الإسلامي، كيف نجعل من حراك يناير نواة مشروع تنويري؟ .. وهلم جرا..

وله ترجمات كثيرة من أهمها : كارل بوبر" الحياة بأسرها حلول لمشاكل. ترجمة عن الألمانية، ألفرد جولس آير "الفلسفة في القرن العشرين " دراسة و ترجمة عن الإنجليزية،  والاستعمارية والاستعمارية الجديدة" في "نحن وأزمنة الاستعمار: نقد المباني المعرفية للكولونيالية وما بعد الكولونيالية لكوفي أنكوما، العلم والدين بداية كل الأشياء. هل يمكن أن تكون هناك نظرية واحدة لكل الأشياء؟ لهانز كونج... الخ.

وبهاء درويش هو واحد من عشاق النسوية الإيكولوجية الذين يؤمنون بأنها تمثل تيار فلسفي له امتداداته في تاريخ الحركة النسائية العالمية، وتعتبر “فرنسوا دوبون Françoise d’Eaubonne” أول من استخدمت مصطلح ” النسوانية الإيكولوجية “L’ecofémimnisme” في كتابها المشهور «النسوانية أو الموت Le féminisme ou La mort » في عام 1974، من خلال تحليل أفكار”سيمون دو بوفوار”Simone De Beauvoir”،  حيث ربطت بين ما أطلقت عليه “فكرة الهيمنة الذكورية” بالهيمنة على الطبيعة، فالنسوانية البيئية غايتها الدفاع عن البيئة ومقاومة التلوث والتغيرات المناخية التي تسببها مختلف الانشطة الصناعية للإنسان، ونشأ هذا التوجه نتيجة الوعي بالمخاطر التي تعرضت إليها البيئة في المجتمعات  الصناعية .

ويتفق بهاء درويش بأن “الايكوفمنزم” قد بدأت كحركة سوسيو- سياسية معنية بقضايا اضطهاد المرأة والطبيعة في آن، لتتحول إثر ذلك الربط الموضوعي بين الحركتين (بيئية/نسوانية)، إلى حركة تحررية كبرى صارت تعنى بمناهضة كل ما يشي بالتفرقة أو الاضطهاد العرقي أو الجنسي  أو الطبقي أو البيئي.ّ

كما يتفق أيضا  وتشير الإيكولوجية النسوانية إلى مظلّة تغطي تنوعًا من المواقف التي تمتد جذورها إلى نظريات وممارسات نسوانية مختلفة، وأحيانًا متنافسة. وتعكس هذه المنظورات الإيكولوجية المختلفة منظورات (مثلاً، النسوانيات التحرريات أو الماركسية، والجذرية، والاشتراكية، والمضادة للكولونيالية). لكن على الرغم من التباينات بين النسويين/ات الإيكولوجيين/ات، فإنهم/ن يتفقن/ون على فرضية فلسفية أساسية، بـأن النسـاء أقـرب إلـى الطبـيعة من الرجال، بفضل طبيعتهن الأساسية، والتـزامهم/ن باستكشـاف العلاقـة بين النساء والطبيعة وبتطوير فلسفات نسوانية بيئية.. وتحولت على المدى القصير إلى حركة سياسية وفكرية نقدية حملت على عاتقها الاهتمامات الملحة بقضايا النساء والسلامة البيئية، والقيم، والتطور والثقافة، ومعاملة الحيوانات، والسلام، والنشاط المضاد للأسلحة النووية والنزعة العسكرية.

واسمح لي عزيزي القارئ أن أقدم لنا جانباً من اهتمامات بهاء درويش في النسيوية الإيكولوجية وذلك من خلال بحثه الذي نشره في مجلة "الاستغراب"، والتي يترأس تحريرها المفكر اللبناني المبدع صديقي الدكتور محمود حيدر، وهذا البحث بعنوان (تهافت ما بعد الاستعمارية- نحو مبادئ أخلاقية للتعامل مع المرأة والبيئة)، حيث يحاول بهاء درويش في هذا البحث ـ بمقاربة مستقلة ـ الوصول لمجموعة من المبادئ الأخلاقية يري  بهاء درويش أنّها ما يجب أن يحكم التعامل مع المرأة والبيئة، وذلك في مواجهة المنظور الغربي للنزعة النسوية البيئية  ecofeminism  . وفي هذا يقول بهاء درويش :" لن نحاول في هذه المقاربة الاستناد إلي أي مبررات دينية أو تاريخية، ولكن ستكون مبرراتنا مبررات عقلية صرفة. ومبرات ظهورها ـ هذه المقاربة تتطلب منا أولاً تأريخاً سريعاً لظهور النزعة البيئية ومبررات ظهورها والتي نتجت عن الاهتمام بالبيئة والقلق عليها وهو الاتجاه الذي ظهر حديثاً في الغرب، ثم مبررات ربط النزعة النسوية البيئية المرأة بالبيئة ومراحل تطور هذه النزعة ثم ننتقل من شأنها أن تحدد الصلة بني النساء والبيئة وتبرر أو تدحض دعوى الغرب بأن القهر شمل كلاً من النساء والبيئة، وهي الفكرة الأساسية التي تبني عليها النزعة النسوية البيئية اتجاهها" .

ثم يتحدث سيادته عن صلة النزعة " النزعة النسوية البيئية بما بعد الاستعمارية فيقول : تعد هذه النزعة »النزعة النسوية البيئية ذات صلة بالفكر ما بعد الاستعماري ذلك لأنه أصبح من الواضح أن هناك صلة بين تعامل الاستعماريين مع الحياة النباتية والحيوانية للبلاد المستعمرة وتعاملهم مع المناطق المستعمرة. فاستعمار المكان هو ما مهد السبيل لاستعمار الشعوب. بل ويمكن القول أن التدمري الذي حاق بالبيئتين الفيزيقية والبشرية مازال حتى الآن.

وأما فيما يتعلق بالنزعة البيئية ونشأتها فيقول بهاء درويش : لا شك ّ أن النزعة البيئية قد نشأت بعد أن بدأ المفكرون والعلماء يلاحظون تأثّر  البيئة بأشكال التلوث المختلفة. يمكن العودة بالاهتمام بالبيئة إلي عصر التصنيع وبداية إدراك الضرر الذي أحدثه وسيحدثه التلوث الناتج عن التصنيع. انتقل الاهتمام بالبيئة نقلة هامة في القرن العشرين مع صدور كتاب ريتشل كارسون   Rachel Carson "الربيع الصامت" The Spring Silent  سنة 1962،إذ لاحظت عاملة البحار  الأمريكية أن الطيور التي كانت تملأ فضاء مدينة ما في الولايات المتحدة رحلت ولم تعد تغني في الربيع كما كانت وأن الاستخدام المفرط للمبيدات الحشرية ـ ومعظمها كان ساماً مثل الدي دي تيDDT  ـ أدى إلي تدمير في نسق الطبيعة بأسره وليس فقط إلي هروب الطيور..

ثم تطرق بهاء درويش للحديث عن النسوية الإيكولوجية فيقول : اتخذ الاهتمام بالبيئة أشكالاً مختلفة منها تعاطف نسوي زعم أن ما أصاب البيئة من ظلم واستنزاف قد أصاب النساء أيضاً وهو الاتجاه الذي عرف بالنسوية الإيكولوجية ecofeminism، بدأت النسوية الإيكولوجية تحظى بقدر من الانتباه في العالم الغربي في السبعينيات من القرن السابق، فمنذ أن قدمت فرنسوا دوبون مصطلح النسويّة الإيكولوجية عام 1974 كي تلفت الانتباه إلي إمكان أن تُحدث النساء ورمزية، استُخدم المصطلح ليعني أن ثمة ارتباطات مهمة – تاريخية ورمزية- بين الهيمنة علي النساء والهيمنة علي الطبيعة.. وقبل أن تظهر النسوية الإيكولوجية كفلسفة ٍ مستقلة، يؤكد بهاء درويش أن هناك ثلاثة اتجاهات مهدت لاكتمالها. هذه الاتجاهات هي: أخلاقيات الحيوانات، أخلاق الأرض، ثم الاتجاه الذي عرف بـ «الإيكولوجيا العميقة«....تنطلـق أخلاقيات الحيوان مـن الافتراض بأن الحيوان كائن يشترك مع الإنسان في أنـه كائـن أخلاقي، لـه حقـوق. رأى بيتر سـنجر  P .Singer، في كتابـه "تحرير الحيـوان: أخلاقيات التعامـل مـع الحيـوان« أن صيـد الحيـوان والتجريـب على الحيـوان وتربيـة الحيوانـات في أماكـن مغلقة من أجل تسـمينها ممارسـات لا داعي لهـا لأنهـا تسـبب ألمـاً للحيـوان الذي يشترك مـع الإنسان في خاصية الإحساس والشـعور بالألم.

ثم يؤكد بهاء درويش فيقول : إذا ما حاولنا الآن عرض خصائص الفلسفة النسوية البيئية كفلسفة مستقلة ما حدث من أواخر ثمانينات حتى منتصف تسعينات القرن الماضي ـ أي بعيداً عن ارتباطها بأخلاقيات الحيوان أو أخلاق الأرض أو الإيكولوجيا العميقة – فإنه يمكننا أن نجد أنها تتصف بعدة ملامح رئيسية:

1- التفكير الهرمي القيمي لكائنات أعلي وأخرى أقل: هذا التفكير الديني كان يضع الرجل في مكانة أعلي، بينما يضع النساء والطبيعة في مكانة أسفل. هذا التفكير الذي نسب قيمة عليا للرجال في منظومة فيها ما هو أعلي وما هو أدني يبرر لنفسه عدم المساواة بني ما هو أعلي وما هو أدني. بينما الحقيقة أن ما هو موجود هو تعددي كيانات وليس كيانات أعلي وأدنى.

2- الثنائية الاستبعادية: ينسب هذا التفكري قيمة أعلي ألحد طريف علاقة الفصل هذه. هذه الثنائية التي أنتجتها الفلسفة الغربية بين النساء والرجال، وبين الثقافة والطبيعة نسبت قيمة أعلي للرجال والثقافة علي النساء والطبيعة، بينما الحقيقة أن العلاقة علاقة تكامل وليس عالقة فصل.

3- السلطة والتميز: ينسب هذا التفكري قيمة أعلي لمن يمتلك السلطة والتميز ـ وهم بالضرورة الرجال والثقافة ـ أي من هم أعلى. ففي مجتمع ما، نجد أن الأكثر ثراء هم من يتحكمون في المجتمع ويحركون الموارد وفقاً لغايات تخدم مصالحهم، وقد يحدث أن ينسوا ضرورة مساواتهم بالفقراء، فينظرون للفقراء علي أن فقرهم هو خطؤهم وبالتالي يبررون عدم إعطائهم الفرص ذاتها التي يعطونها أنفسهم.

ويطول بنا الحديث وفي النهاية لا نملك إلا أن نقول بأننا لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شملة ومستوعبة لكل جهود الأستاذ الدكتور بهاء درويش في الفكر النسوي الإيكولوجي، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر فلسفي، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطولها وعرضها لخدمة الفلسفة، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمه من جهود ونتمي له التوفيق والسداد .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

بليغ حمدي اسماعيلتُعرَفُ تَقوى الرجل بثلاثة أشياء؛ في أخذه ومنعه وكلامه، وما أجمل أن تعقد التقوى بالتوكل حيث يطمئن قلب العبد بموعود الله تبارك وتعالى، وهذه التقوى وإن كانت هبة ومنحة من الخالق عز وجل فهي لا تمنح إلا للعاقل الذي وصفه صاحبنا شقيق البلخي بصفات محددة هي: أن يكون خائفاً لما سلف منه من الذنوب، وأن لا يدري ما ينزل به ساعة بعد ساعة، وأن يخاف من إبهام العاقبة، لا يدري ما يختم له. و يعد الشيخ الجليل أبو علي شقيق بن إبراهيم الأزدي من أبرز من تحدث عن التقوى وخصال المتقين من أهل التصوف الإسلامي، ولسوء حظ الثقافة الدينية في مصر أن أهل الحب الإلهي والمعروفين بالمتصوفة يعانون قدراً كبيراً من التجاهل الإعلامي والغياب الثقافي لأنهم ارتبطوا فقط بالموالد والاحتفالات الشعبية البعيدة عن تعاليم الشريعة الإسلامية السمحة . وبات من الضروري إلقاء الضوء على هؤلاء الذين ظلمهم إعلام غافل وثقافة باهتة .

وشقيق البلخي هذا من أهل بلخ، لذلك سمي بالبلخي، وصار إماماً وشيخاً كبيراً من مشاهير الرجال في خراسان لاسيما  بين أعلام التصوف السني، وكان شقيق البلخي أستاذاً لحاتم الأصم، وهذا الأخير هو أحد علماء أهل السنة والجماعة ومن أعلام أهل السنة  في القرن الثالث الهجري. ويروى أن سبب سلوك شقيق البلخي طريق التصوف والزهد أنه قد خرج يوماً إلى تركيا التي عرفت في هذه الأوقات ببلاد الأتراك، لتجارة يطلبها، فلقي خادماً هناك فبادره بقوله: ليس يوافق قولَكَ فِعلُكَ . فقال له شقيق البلخي: كيف ذاك؟ . قال الخادم الذي نراه في بعض المصادر الأخرى ككتاب جوزيبي سكاتولين راهباً بوذياً، زعمت أن لك خالقاً رازقاً قادراً على كل شئ، وقد تغيبت إلى هنا لطلب الرزق، ولو كان كما تقول فإن الذي رزقك هاهنا هو الذي يرزقك ثَمَّ، فتربح العناء ! .

ولقد سئل شقيق البلخي عن سر زهده وسلوكه نحو التصوف فقال: وكان سبب زهدي كلام هذا الخادم التركي وما تركه في صدري من أثر وتأثير .  ولما سمع شقيق كلام الخادم رجع إلى مسقط رأسه على الفور، فتصدق بجميع ما ملكه من متاع الدنيا وفتنتها ويقال أن له وقتها ثلاث مئة قرية تحت أمرة وإمرته، فتركها جميعها للفقراء والمحتاجين، واستبق في طلب العلم والمعرفة .

وتذكر كتب التأريخ الصوفي أن شقيق البلخي هو أول من تكلم في علم الأحوال ببلاد خراسان، ولقد تتلمذ على يد شيخ الصوفيين الباهر إبراهيم بن أدهم المتوفى في 161 هجرية، وله قصة مع هذا الأخير نوردها في هذه السطور، التقى إبراهيم بن أدهم وشقيق بمكة فقال إبراهيم لشقيق: ما بدو أمرك الذي بلغك هذا؟ قال: سرت في بعض الفلوات فرأيت طيراً مكسور الجناحين في فلاة من الأرض فقلت: أنظر من أين يرزق هذا فقعدت بحذاه فإذا أنا بطير قد أقبل في منقاره جرادة فوضعها في منقار الطير المكسور الجناحين فقلت لنفسي: يا نفس الذي قيض هذا الطائر الصحيح لهذا الطائر المكسور الجناحين في فلاة من الأرض هو قادر على أن يرزقني حيث ما كنت فتركت التكسب واشتغلت بالعبادة.

فقال له إبراهيم: يا شقيق ولم لا تكون أنت الطير الصحيح الذي أطعم العليل حتى تكون أفضل منه قال: فأخذ يد إبراهيم يقبلها ويقول: أنت أستاذنا. ولقد اشتهر شقيق بالتوكل وله أقوال كثيرة فيه، ولعله ألزم نفسه بأشد أنواع التوكل وأقساه، كما تحدث عن الزهد والخوف، إلا أنه وضع قمة تجربته الصوفية التعبدية قولاً وفعلاً في الشوق والمحبة . 

وله قصة أخرى مع سلطان زمانه الخليفة هارون الرشيد الذي يعد من أمتع الخلفاء في تاريخ الدولة الإسلامية لما انفرد به عصره من وجود النوابغ في شتى صنوف المعارف والعلوم، وتقول القصة أن شقيق البلخي  دخل على هارون الرشيد يوماً،  فقال له هارون الرشيد: أنت الزاهد؟ فقال: أنا شقيق، ولست بزاهد. قال هارون: أوصني . فقال له شقيق: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قد أجلسك مكان الصديق رضي الله عنه، وإنه تعالى يطلب منك مثل صدقه، وإنه تعالى أعطاك مكان عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه، وهو يطلب منك الفرق بين الحق والباطل مثله، وإنه تعالى أقعدك مكان ذي النورين عثمان رضي الله عنه، وإنه يطلب منك حياءه وكرمه، وإنه أقعدك موضع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وإنه يطلب منك العلم والعدل كما يطلب منه. قال له الرشيد: زدني من وصيتك. فقال شقيق: نعم، إن لله داراً تعرف بجهنم، وإنه جعلك بواب تلك الدار، وأعطاك ثلاثة أشياء لترد عباده عنها: أعطاك بيت المال، والسوط، والسيف، وأمرك أن تمنع الخلق من دخول النار بهذه الثلاثة، فمن جاءك محتاجاً إلى طعامٍ حلالٍ فلا تمنعه حقه في بيت المال، حتى لا يسرق ويقتل. ومن خالف أمر دينه تعالى، وخرج على حدود الله فأدِّبْه بالسوْط. ومن قتل نفساً بغير حق فاقتله بالسيف، بإذن ولي المقتول. فإن لم تفعل ما أمرك الله – تعالى – فأنت تكون الغريم لأهل النار، والمتقدم إلى أهل البوار.

فقال له الرشيد: زدنا. فقال له شقيق: يا أمير المؤمنين، مثلك كمثل معين الماء، ومثل سائر العلماء كمثل السواقي على منبع الماء، فإذا كان المعين صافيا لا يضر كدر السواقي، وإذا كان المعين كدرا لا ينفع صفاء السواقي. فبكي هارون الرشيد من قوله، وأمر له بمال، أبي أن يأخذه، وتركه وانصرف.

وما يعنينا دوماً عند ذكر أهل وأقطاب التصوف ملامح تجربتهم الصوفية والتي تتجسد في أحوالهم اللفظية ومقاماتهم الكلامية التي تعبر عن خلاصة معارفهم وعلومهم، ولشقيق البلخي جملة من الحكم الصوفية الجامعة في التوكل والزهد والشوق والمحبة والخوف والتقوى، ففي التوكل يقول: " التوكل أن يطمئن قلبك بموعود الله " .

 ويقول في الزهد: " الزاهد الذي يقيم زهده بفعله، والمتزهد الذي يقيم زهده بلسانه "، ويقول أيضاً: " مبتدأ الدخول في الزهد أدب النفس بقطع الشهوات من الطعام والشراب على القوت الكافي، ومنعها من الشبع بالليل والنهار، حتى يصير الجوع لها شعاراً والطعام لها دثاراً، فيجعل لنفسه طعاماً معلوماً، ويطرح مؤنة الآدام، ويجعل طعامه قوتاً، والصوم أقوى وأسرع في السير، وامتلاء جوفه ىمشغل لجسده عن العبادة والصلاة، ولكن ليجوع نفسه حتى يشتغل بالجوع عن التطلع إلى فضول الشهوات والتمني " .

ويرى شيخنا شقيق البلخي الزهد والخوف متلازمين وفي حالة اتصال دائمة، فنجده يقول في أحواله: " الزهد والخوف أخوان ؛ لا يتم واحد منهما إلا بصاحبه، وهما كالروح والجسد مقرونان، لأن الزهد لا يكون إلا بالخوف، وإذا لزم الخوف اقترن به الزهد، فصار زاهداً، والتقى نور الخوف ونور الزهد " .

ونجده في موضع آخر يقرن الزهد بالخوف اقتراناً تاماً، يقول: " ومبتدأ الخوف أن يلزم قلبه ذكر الموت حتى يرق، ويلزم نفسه الخشية لله والحذر والفرق من الله، حتى يخافه خوفاً كأنه يراه، فإذا مضى به يوم واحد وهو آخذ في الرياضة والخوف لطلب منزلة الخوف نظر الله إليه إذا علم منه النية والصحة فألزمه شيئاً من المهابة، وألزم قلبه نور الخوف، فإذا مضى به يوم آخر وهو على ذلك زاده الله مهابة وزاده في القلب نوراً، فصارت المهابة على وجهه".

وكعادة أهل التصوف أن يصورون تجربتهم الروحية ومكابداتهم الصوفية في أحوال عادة ما تدور حول الشوق والمحبة، لذلك لقب المتصوفة بأهل الحب وإن وجدوا مخالفة واعتراضاً من أهل زمانهم والأجيال المتعاقبة، إلا أنهم يرون الشوق إلى الجنة من صفات أهل الصدق . فنجد شقيق البلخي يتحدث عن حال الشوق بقوله: " ومبتدأ الشوق إلى الجنة أن يتفكر في نعيم الجنة وما أعد الله فيها لساكنيها من أنواع الكرامة والنعيم والخدم، ويشوق نفسه إلى الحور العين والنعيم الدائم المقيم " . ويعتبر شقيق البلخي حال الشوق منزلة مهمة للعبور إلى حال المحبة، وهي منزلة المحبة لله، فيقول: " فإن كثيراً من الناس جازوا منزلة الخوف والشوق إلى الجنة فصاروا إلى منزلة المحبة لله، فليس كل واحد يصير إلى هذه المنزلة، لأنها أرفع المنازل وأشرفها وأبهاها، ولا يصيِّر الله إلى هذه أحداً إلا من تقوَّى قلبه عليها باليقين الصادق والفعال الفائق المطهر من الذنوب، فإذا صيره الله إلى هذه المنزلة كان في قلبه نور المحبة فغلب عليه من غير أن يكون فارقه نور الزهد والخوف والشوق إلى الجنة ولا نقص منها شئٌ " .

ونختتم سطورنا هذه عن شقيق البلخي بمقولة بليغة شديدة الإيجاز قوية التأثير وهو يتحدث عن المعرفة بالله، يقول: " من أراد أن يعرف معرفته بالله، فلينظر إلى ما وعده الله ووعده الناس، بأيهما قلبه أوثق " .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

داود سلمان الكعبيالفقر احياناً يكون مصدر عوز للعلم وللثقافة معاً، وربما للتخلف ايضاً، وهذه قاعدة قد تكون عامة. لكن هناك من يكسر هذه القاعدة، يكسرها بمعول الارادة والتحدي والصبر، فيشق طريقه نحو آفاق معرفية، عجز سواه عن الوصل اليها، ممن هم درسوا وتعلموا ودخلوا الجامعات من اوسع ابوابها، وهم كثر، لكنهم لم يتركوا لنا أي شيء يُذكر، وهذا لا اريد أن اعممه، قطعا: كلا، فهناك من ترك للأجيال ارثا كبيرا: في العلم والمعرفة والآداب والقضايا الانسانية الاخرى، ما لا نستهان به، وهؤلاء من علمونا ودرسنا على ايديهم.

الذين كسروا تلك القاعدة (قاعدة الفقر) التي اسميناها بهذا الاسم، هم قليل ويعدون على اصابع الكف الواحدة. فهم رغم الظروف القاسية التي مرت بهم والتي عاشوها بقسوة رغما عنهم، وتلك اسبابها الفقر والعوز، فالفقر وصاحبه العوز يشلان حركة الانسان الفكرية قبل الحركة الجسدية ويقضيان عليهما، وقد لا يدرك حجم هذه المعاناة الا الذي اكتوى بنارهما واحترق بلهيبها، فهو يدرك الامر ويقيس مدى تأثيره. فمن الذين كسروا تلك القاعدة هو جاكوب بوهمه الفيلسوف والمتصوف الخيميائي.

ولد بوهمه سنة 1575 في قرية قرب غزلتتز الألمانية وهو من أبوين فقيرين لم يستطيعا تثقيفه ولم تُتاح له فرصة أن يعرف الجامعة. ولما اصبح يافعا عمل اسكافيا في محل صغير يعود لأحد التجار، لبيع وتصنيع الاحذية. وكان وهو منهمكا في عمله غير منقطعا عن التأمل والتفكير، وكان كل من ينظر اليه يعده مجنونا او مصابا بلوثة.

اسطورتان أو معجزتان

مرت في حياة بوهمه حادثتان غريبتان اعتبرهما كولن ولسن: اسطورتين. تلكما الحادثتين دلتا على نبوغه اولا، وعلى قوة مخيلته ثانيا.

1- قضية الكهف:

إن بوهمه كان من الطراز الحالم في صباه وكان يغيب عن الوعي ويغفل حين كان يرعى الماشية؛ فذات يوم تسلق تلا يُدعى لاندسكرون ووجد فيه كهفاً يتألف سقف مدخله من أربعة صخور وعثر- خلف الأعشاب التي كانت تملأ المدخل- على وعاء كبير ملئ بالنقود فأنطلق، مذعوراً خارج الكهف وأخبر الصبية الآخرون بذلك وعاد معهم إلى قمة التل، ولكن كان قد اختفى واختفت معه النقود، ويعتبر براكنبرغ- الذي ينقل القصة- هذه الحادثة بشيراً بدخول بوهمه إلى كنز الحكمة المقدسة، على الرغم من اتهامه من قبل البعض بأنه شديد الخيال في طفولته بصورة غير عادية وإن ذهنه ملئ بالخيالات عن العصابات والكنوز ولعله قد أخترع قصة الكهف وصدقها بعدما أعادها على مسامع الأولاد. (كولن ولسن، سقوط الحضارة ص 195).

2- مع رجل غريب:

لما كان بوهمه نحيلاً لا يصلح للعمل في الحقول، ولذلك فقد دربه والده على صناعة الأحذية، فقد عمل في محل للأحذية لفترة من حياته، وذات يوم في ليلة كان لوحده في المتجر ودخل عليه رجل غريب الهيئة غير معروف في بلدته، أخذ يسأله عن أجود الأحذية لشراء زوج من الأحذية، ففكر بوهمه أن لا يبيعه، فقرر رفع سعر الحذاء بشكل لا معقول وهو يعلم في قرارة نفسه بأنه لا يحق له ذلك في غياب سيده، ولكن الرجل المجهول لم يكن ليوقفه هذا السعر فاشترى الحذاء، بالقيمة التي طلبها بوهمه. وعند خروجه توقف عند باب المتجر ونظر بنظرة حادة إلى بوهمه، وقال بصوت ومهيب: بوهمه، تعال إلى الخارج، فصُعق بوهمه لمعرفه الغريب اسمه ولحق به إلى الخارج. شعر بوهمه بنظرات الغريب الحادة تخترقه، اقترب منه وحدق مباشرة بمحياه وقال الغريب له: جاكوب  أنت صغير الآن.. ولكن سوف يأتي اليوم الذي ستصبح فيه عظيماً حتى تدهش العالم، واردف على الفور: كن تقياً وخاف الله وعليك بالمواظبة على قراءة الكتاب المقدس. (المصدر ذاته)

صراع مع رجال الكنيسة

ومذ لقاء جاكوب بذلك الرجل الغريب تبدل مزاج جاكوب وتغيرت نفسيته، حيث اصبح مزاجه حادا، وليس له رغبة بمواصلة العمل بهذا المتجر الصغير. ولما لاحظ صاحب المتجر ذلك من جاكوب طلب منه ترك المتجر ومغادرة المكان.

طفق جاكوب يجوب المدن ويلتقي ببعض المثقفين للتزود بالمعرفة، والاحتكاك مع اهل المعرفة عن كثب، فضلا عن تأمله والمواظبة على قراءة الكتاب المقدس، حتى اصبح لديه مزيد من المعرفة.

حتى أخيرًا قرر الزواج، فتزوج من فتاة طيبة، شعر أنه بحاجة ماسة اليها، وكان سنه آنذاك خمسة وعشرين عاماً، فولدت له اربعة اولاد.

دخل يومًا الكنيسة، بعد أن اصبح معروفاً في الاوساط الثقافية والمحافل المعرفية، سيما وأنه قد اصدر كتابه اول (الفجر). انتبه القسيس لحضوره فراح يكيل له الكلام البذيء متهما اياه بالهرطقة والتجاوز الدين؛ معتبرا كتابه هذا "مملوء بدهان الاحذية القذرة" فجاء اعضا مجلس المدينة فقاموا بسجنه يوما واحدا، ثم افرجه عنه شريطة أن لا يعود الى الكتابة. الا أنه واصل التأليف والكتابة، وسط تشجيع من اصدقاءه وقراءه والمتعاطفين معه.

محاولة الايقاع به

اصدر أحد اصدقاءه اعماله كاملة في مجموعة كبيرة، واخذت الناس تتلقفها، وتنهل منها كلٌ بحسب رغبته، رغم ما فيها من بعض ما قيل عنها أنها طلاسم وكلام مبهم، وفيهم من اعتبر جاكوب كان يتقصد في ذلك، وآخر حسب أن قصر معرفة الناس هو ما يحول بينهم وبين ما يكتبه هذا المتصوف العارف. فوقعت نسخة من كتبه بيد القسيس الذي كان له بالمرصاد فهو يتحين له لاصطياده والنيل منه، كون رجال الدين لا يروق لهم رجالات الفكر الحر من الفلاسفة والمتصوفة وارباب الاختراعات، وهذا هو ديدنهم، اذ يعتبرونهم مهرطقين مخالفين تعاليم الانجيل.

بعث له اعضاء مجلس المدينة يستجوبوه ويستفسروا ما في كتاباته، فجاؤوا بأمهر ما لديهم من اهل الخبرة والمعرفة، لينظروا هل أن كتابات جاكوب  فيها شيء من الهرطقة. وعندما راح يشرح ويفسر لهم ما قاله في كتابته، ذهلوا حيث رأوا أن افكار بوهمه فوق مستوى فهمهم ومعرفتهم الثقافية، وأنهم تنقصهم تلك المعرفة، والاتزان الفكري، فقرروا الافراج عنه وعدم التعرض له مستقبلا.

لكن الكهنة لم يرق لهم الامر، فراحوا يتبعون خطواته، وينظرون له بالشك والريبة ويقتنصون اللحظة للإيقاع به. وهذا هو ديدنهم فتاريخهم حافل بالكراهية لأصحاب الفكر الحر منذ وجدوا على وجه البسيطة؛ وقد وصفهم الفيلسوف الالماني نيتشة بقول:"  إنهم لأعداء خطرون، وما من حقد يوازي ما في اتضاعهم من ضغينة، وقد يتعرض من يهاجم إلى تلطيخ نفسه، ولكن بيني وبينهم صلة الدم وأنا أريد أن يبقى دمي مشرفًا حتى في دمائهم.. إنني أشفق على هؤلاء الكهنة، وأنا لا أزال أنفر منهم، ولكنني تعودت الإشفاق مرغمًا نفوري منذ صحبت بني الإنسان، ومع ذلك فأنا أتألم مع الكهنة؛ لأنهم في نظري سجناء يحملون وسم المنبوذين في العالم، وما كبَّلهم بالأصفاد إلا من دعوه مخلصًا لهم، وما أصفادهم إلا الوصايا الكاذبة والكلمات الوهمية، فليت لهؤلاء مَن يُخلِّصهم من مخلِّصهم". (زرادشت ص 109 ترجمة فليكس فارس) عالم نفس

تحليل بوهمه الخيميائية والنفسية تدل على أنه كان عالم نفس من طراز خاص، الا أن علم النفس حينذاك لم يكن معروفا في عصره، ومن هذا المنطلق فأن بوهمه حينما يصف مكنونات الانسان حينا، فهم لا يفهمون المغزى ابدا، وما المقصود فيما يقول، لذلك يعدون كلامه مبهما، يقول بوهمه في وصفه الانسان:" أن "الانسان مؤلف من قوى الله. من ارواح الله السبع. تماما كالملائكة، لكنه يجد الآن أنه محلل. لذلك فأن التحرك المقدس لا يكشف عن نفسه فيه دائما ولا يعمل عمله. وبالرغم من أنه يتبع فيه، بل أنه قد يشع فيه؛ الا أن الطبيعة المتحللة لا تستطيع أن تفهمه". (سقوط الحضارة ص211) يقول ايضا:" لو لم يتم تنظيف أبواب الإدراك فإن كل شيء سيجعل الإنسان كما هو، محدوداً في قدراته "

ونختم كلامنا بما قال كولن ويلسون: "أن بوهمه يعتبر رائداً في علم النفس، وكان يدرك أشياء كثيرة تحدث في نفسه ويدرك كيف ينتقل من الحالة الذهنية العادية إلى ذهنية مصاحبة للرؤى دون أي مجهود، بالرغم من أنه لم يكن هنالك علم نفس في زمانه، ولهذا أخترع لغته الخاصة ليصف ما كان هنالك، يقول بوهمه". وربما قد استفيد فرويد من نظريات جاكوب فيما وصل اليه من التحليل النفسي.

 

داود السلمان

 

داود سلمان الكعبيعصفت به رياح الشك، أخذت شطرًا كبيرًا من حياته، كغيره من الفلاسفة ممن مرت بهم تلك الرياح العاتية، وبعد أن هدأت تلك الرياح، وانجلت غيومها فأرست سفينة شكله على شاطئ اليقين، ليعود الى ايمانه الذي وجد فيه الطمأنينة والراحة النفسية، فعاد ليمارس حياته الايمانية المبنية على الدين المسيحي وكقديس كاثوليكي، وكفيلسوف لاهوتي يؤمن بالكتاب المقدس وبما جاء به من تعاليم، واعتبر أن تعاليم ذلك الكتاب هي التي ستفضي به الى الملكوت الاعلى، وذلك هو المستقر الاخير. كما خلص بالنتيجة الاخيرة.

وما أشبه حياة هذا الرجل بحياة الفيلسوف الخيميائي جاكوب بوهمي (1575-1624)، من الناحية الايمانية، الرجل الذي لم يدخل المدارس ولا الجامعات، فقط كان يقرأ ويتأمل في الكتاب المقدس، لأنه كان من اسرة موغلة بالفقر بل تكاد أن تكون معدومة، كون والده كان يعمل اسكافيا لترقيع الاحذية الممزقة، المهنة التي تدر على اسرته الصغيرة ما يسد قوت يومها، فأورث ولده هذه المهنة البسيطة جاكوبي، ولم يطرأ على بال هذا الاب أن ولده سيصبح ذو شأن كبير في الاوساط الفلسفية والفكرية، بل وحتى الصوفية.

ولا نلوم اوغسطين على ايمانه هذا، لأن لكل انسان اختياره الخاص به، في قضية الايمان او عدم الايمان، ويعود ذلك لثقافته ولثقافة عصره وللبيئة التي عاش فيها. وقد ادرك اوغسطين ذلك عن اعتقاد راسخ بنتائج قبلها بنفسه.

مولده

ولد القديس اوغسطين(354- 430) في طاجسطا من اعمال نوميديا، والتي هي اليوم ما تسمى بـ سوق الاخرس من اعمال الجزائر. وكان ابوه يدين بدين محلي، - وقبل كان وثنيا - واما امه فكانت مسيحية، بحيث ربت ولدها على محبة المسيح، حتى تغذى بهذا الدين فاشتد ساعده، لكنه ما كانت ترضيه تلك التعاليم ولا الطقوس العبادية. فغادر هذا الدين وطفق يدين بالديانة المانوية.

والمانوي هو الذي يؤمن بالمانوية كدين ويثبت أصلين أزليين للعالم: هما النور والظلمة. ثم اتسع  معنى المانوية من بعد ذلك اتساعا كبيراً حتى أُطلق على كل صاحب بدعة وكل ملحد. بل انتهى به الأمر أخيراً إلى أن يطلق على من يكون مذهبه مخالفاً للمذهب المخالف، أو حتى من كان يحيا حياة المجون من الشعراء والكتاب ومن إليهم. وقد كتب الأستاذ هانز هينرش شيدر فصلاً ممتعاً من أصل هذا اللفظ واستعماله عند الكتاب. كما يذكر ذلك الاستاذ احمد امين في كتابه "فجر الاسلام".

العودة الى الايمان

ولى أوغسطين وجهه صوب روما، اختاروه استاذا للبيان في ميلانو، اخذ يختلف الى الكنيسة الكاثوليكية، فانصت جيدا الى القديس وهو يشرح الكتاب المقدس، وينتقد بشدة التعاليم المانوية، هزته تلك المواعظ، فشعر في قرارة نفسه، أنّ عرض شرح الكتاب المقدس اقرب للعقل واودع للراحة النفسية. فقطع صلته بالمانوية وهجرها مليا. لكن الحيرة باتت تمزق فؤاده، الى اين يتجه؟، لا يدري. وقع بين يديه – اثناء هذه – كتاب "المقالات الاكاديمية" لشيشرون. وفي هذا الكتاب مواقف كثيرة للشكاك، اهتز موقفه، راح ينصاع لتلك الشكوك، كما نوهنا. لكن شك اوغسطين لم يتناول وجود الله من عدمه، لأن الرجل كان يتعقد أن وجود الله قضية بديهية، ومفروغ منها، لأن الله الهم عباده بهذا الوجود، فراح الكل يقر بهذا الوجود، فهو اذن لم يشك بذلك طرفة عين. فعاد الى تعاليم الكنيسة، واعتقد أن فيها تعاليم تشير الى ذكر المعاجز والى وجود الانبياء، فتيقن أن هذا الدين هو نجاته للوصول الى الضفة الاخرى، وهي الخلود الدائم بعد الممات.

فوخزة الشك هذه (ودعونا نسميها بهذا الاسم) قد مر بها الفيلسوف المسلم الغزالي، كذلك فيما بعد الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، ثم عاد الى حظيرة الايمان، وقال مقولته الشهيرة أنا افكر إذن أنا موجود، معتبرا التفكير قاعدة اساسية من قواعد الوجود، ودليل صارخ على وجود مهندس لهذا الكون.

أوغسطين والغزالي

أمين الريحاني في كتابه "الريحانيات" يعقد مقارنة بين الغزالي والقديس أوغسطين، يعدهما من كبار الأساتذة في علم الكلام الذي هو مصدر كل هذه التفاسير والشروحات، على أن روحانياتهما الصافية المجيدة لَتشفع بما جاءا به اهل التفسير. ومن الغريب أنهما يتشابهان في كثير من طباعهما وأطوار حياتهما، فالغزاليُّ مثل القديس أوغسطين كان في أيام حداثته في ضلال مبين على ما يقول، فقد جاء في كتابه «درر القرآن» هذا الكلام الجميل في فئة من الناس. «لم يدركوا أشياء من عالم الأرواح بالذوق إدراك الخواص ولا هم آمنوا بالغيب إيمان العوامِّ، فأهلكتهم كياستهم، والجهل أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء وكياسة ناقصة، ولسنا نستبعد ذلك، فقد تعثرنا بأذيال هذه الضلالات مدة؛ لشؤم أقران السوء وصحبتهم حتى أبعدنا الله عن هفواتنا ووقانا من ورطاتها.» أما القديس أوغسطين فعد إلى كتابه الذي يُدْعى «الاعترافات» تجد في كل صفحة من صفحاته شيئًا من هذا الجهر المدهش المفيد. وقد قال الغزالي- مشيرًا إلى علم الطب وعلم النجوم وعلم الهيئة والحيوان إن هذه علوم «ولكن لا يتوقف على معرفتها صلاح المعاش والمعاد» ولكنه قال أيضًا: كما يستحيل الوصول إلى اللب إلا من طريق القشر، فيستحيل الترقي إلى عالم الأرواح إلا بمثال عالم الأجسام.

شكه لا ينكر العناية الالهية

وكما يذكر يوسف كرم أن شك أوغسطين لم يتناول وجود الله وعنايته بالمخلوقات، إذ كان يرى وجود الله أمرًا بديهيًّا أو كالبديهي، فعاد ونظر في الكنيسة فرأى فيها علاماتٍ أربعًا تدل على أنها من عند الله: ففيها تتحقق نبوءات العهد القديم، ويتمثل الكمال الروحي، وتصنع المعجزات، وهي قد انتشرت بالرغم مما لقيت من عنت هائل، فآمن أن النجاة في الكنيسة، ولكن إيمانه لم يبدد شكوكه، فقد كان مترددًا في إمكان اليقين.

شغلته اوغسطين مسألة الخير والشر كثيرًا، اذ كان  قد بنى فلسفته على الاسس والتعاليم الافلاطونية، فهو افلاطوني المذهب، لكنه يفسر الافلاطونية على تعاليم الكتاب المقدس، ويحسب أن تلك التعاليم لا تخالف الكتاب، كما فعل ابن رشد ذلك خصوصًا كتابه "فصل المقال فيما للشريعة من اتصال" اذ اعتبر ابن رشد أن الشريعة الاسلامية جاءت منسجمة مع مبادئ الفلسفة، فهناك اشارات واضحة في القرآن وآيات صريحة دعتنا الى التفكير والتفكر، والتدبير والتدبر، الى العقل والتعقل، بحسب ابن رشد.

بغضه لأبيقور

ابيقور الفيلسوف اليوناني المادي، الذي تأثر في فلسفته معظم الماديين في عصرنا هذا وقبل عصرنا هذا كذلك، بما فيهم ماركس صاحب المدرسة الماركسية الحديثة. وابيقور هذا ينكر الله انكارا مطلقا بل ايمانه بالطبيعة ايمان لا يضاهيه ايمان آخر، أوغسطين قرأ فلسفته، واطلع على آرائه فكان يحتقره احتقارًا شديدًا، كما يذكر يوسف كرم، ويعجب-أوغسطين- كيف أمكن لرجل يدعي الحكمة أن ينكر النفس وعظمتها وعلوها على الطبيعة المادية إلى حد أن يجعل منها أمة للجسد، وكيف جرؤ أن يزعم أن اللذة الجسمية هي الخير الأعظم ولا سعادة إلا سعادة الشهوات الجسدية، إن التجربة لتدل على أن اللذة لا تسعدنا، فالحواس لا تقنع أبدًا بما تناله منها، ولكنها تطلب المزيد دائمًا وتتمرد على الحياة، وهنا يستشهد أوغسطين بخبرته الشخصية، فقد كان أبيقوريًّا في فترة من شبابه، فهو يتكلم عن بينة، يستشهد بالعقل فيقول إنه يرى أوضح رؤية أن الجسد مرتب للنفس، لا أن النفس مرتبة للجسد، فخير ما يملكه الجسد، أي النشاط والجمال والحس، ليس آتيًا منه هو، بل من النفس منبع صفاته وعواطفه، ومركز هناءه وسعادته، والنفس هي الجزء الأهم في الإنسان، وهي التي يجب مراعاتها عند تحديد الأخلاق.

وأخيرًا رحل عنا هذا الفيلسوف الذي فاض ايمانا بخالقه في 18 آب 430 عن عمر يناهز 75 عاما، تاركا لناً اعظم كتابين في الفكر الانساني والفلسفي معا، هما: الاعترافات و ومدينة الله، وغيرهما.

 

داود السلمان

........................

* فصل من كتابي (بالفلسفة نقضي على الجهل)

 

ضياء نافعالتقينا مرات ومرات، د. خليل عبد العزيز وانا، فهو زميل الدراسة في جامعة موسكو بالستينيات، وكتبت عدة مقالات تفصيلية ونشرتها عن احاديثه السياسية الممتعة وشبه المجهولة بالنسبة للتاريخ السياسي العراقي المعاصر، ورغم ان تلك الاحاديث كانت تدور عن قضايا صغيرة، الا انها مهمة للتعمق في مسيرة التاريخ السياسي العراقي الحديث وتحليل وقائعه والقاء الضوء على اسراره (انظر مقالاتنا العديدة عنه ومنها على سبيل المثال وليس الحصر – خمس ساعات في موسكو مع د. خليل عبد العزيز)، وأذكر اني قلت له مرة، انك سياسي قبل كل شئ وبعد كل شئ، فضحك خليل وقال نعم، هذا صحيح، فانا امارس السياسة منذ عام 1952 ولحد الان . ولكن يجب القول – مع ذلك – اننا تحدثنا في تلك اللقاءات العديدة عن بعض الاحداث الجانبية ايضا، البعيدة نسبيا عن السياسة رغم ارتباطها بالسياسة - بشكل او بآخر- في نهاية المطاف، ويبدو لي انها تستحق التسجيل ايضا، اذ انها ممتعة اولا كما اظن، وثانيا، ربما تضيف تلك الاحاديث شيئا جديدا للقارئ، وها انا ذا اروي واحدة من تلك الاحاديث الطريفة هنا –

 حدث ذلك في موسكو عند وفاة الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت في عام 1963 . كلّف تنظيم الحزب الشيوعي العراقي / فرع الاتحاد السوفيتي خليل عبد العزيز بالذهاب الى قاعة الاعمدة في مركز موسكو لتمثيل الحزب في تأبين الشاعر، حيث كان جثمان ناظم حكمت مسجّى في تلك القاعة المهيبة بمركز موسكو لوداعه من قبل اهله واصدقائه، وذلك حسب التقاليد الروسية للدفن . ذهب خليل طبعا، ووقف مع الحاضرين، وقام بدوره كمندوب للحزب الشيوعي العراقي. في هذه الاثناء شاهد  فجأة الكاتب السوفيتي الشهير ايليا ايرنبورغ، او اهرنبورج كما يكتبه بعض المترجمين العرب . استطاع خليل طبعا التعرّف عليه، اذ انه معروف اعلاميا، واراد ان (ينتهز!) هذه الفرصة النادرة للحديث معه . لم يكن خليل يتصور هذا اللقاء او يتوقعه، ولم يكن طبعا مستعدا له بتاتا، ولكن ومن اجل عدم تفويت فرصة مثل هذا اللقاء الطريف والتاريخي بالنسبة له،  اقترب خليل من ايرنبورغ، ولم يستطع ان يقول السياسي خليل لارنبورغ سوى جملة واحدة  تعكس فعلا شخصية خليل السياسي في كل شئ، وتعبّر عن ذلك خير تعبير، والجملة هي  - هل انت ايليا ايرنبورغ، الذي كان ضد ستالين؟ اندهش ايرنبورغ  من هذا الشخص الغريب في مأتم ناظم حكمت، ومن طبيعة سؤاله الغريب ايضا، وغير المتلائم بتاتا مع هذا الموقف، واستنتج ايرنبورغ طبعا، ان هذا الشخص، الذي يطرح مثل هذا السؤال عام 1963(اي بعد كل هذه السنوات من وفاة ستالين، وفي تأبين الشاعر التركي ناظم حكمت) لا يمكن ان يكون سوفيتيا باي حال من الاحوال، فابتسم ايرنبورغ وسأله – من اين انت؟ فاجاب خليل، انا من العراق، فقال له ايرنبورغ، وانتم تعرفون في العراق اني كنت ضد ستالين؟ وتركه وهو يبتسم، وذهب للاستمرار بالمشاركة في عملية تنظيم التابين تلك .

ضحكت أنا، عندما حكى لي د. خليل عبد العزيز هذه الحادثة، وحكيت له، باني ساهمت ايضا في ذلك التابين، اذ كنت مع مجموعة من طلبة كلية الفيلولوجيا بجامعة موسكو (وكانت قريبة من تلك القاعة في مركز موسكو)، وعندما سمعنا بوفاة ناظم حكمت، قررنا الذهاب الى التأبين والمشاركة به تعبيرا عن حبنا واحترامنا لهذا الشاعر الكبير، وشاهدت هناك ايرنبورغ طبعا، الذي كان نشيطا بالمشاركة في مراسم التابين، لان ناظم حكمت كان صديقه ورفيق دربه الفكري، ولكني لم اتجاسر ان اقترب منه والتكلم معه، بل كنت انظر الى جثمان ناظم حكمت المسجّى بملابسه على سرير وسط القاعة، وكانت زوجته الروسية تجلس جنبه وهي تبكي بصمت وتمسّد وجهه بيدها، اما زوجته التركية وام ابنه، فقد كانت تقف على بعد مترين تقريبا وهي تبكي بصمت ايضا وتنظر اليه والى زوجته الروسية الجالسة عند رأسه بحزن واضح .

اتمنى ان تسنح لي الفرصة لاحقا للحديث عن لقاء د. خليل عبد العزيز مع الموسيقار السوفيتي الارمني الشهير آرام خاجاتوريان، وماذا قال لخليل عن الموسيقار محمد عبد الوهاب ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

سوف عبيدهذا الأديب التونسي الكبير 1920م ـ 2005 م الذي يُمثّل أحسن ما يكون مقولة ـ الأدب هو الأخذ من كل شيء بطرف ـ فقد خاض قلمُه غمار الشّعر والقصة والرّواية والسّيرة والنّقد والتّحقيق إلى جانب المقالة والخطابة والمحاضرة في النوادي والندوات والجمعيات وفي الإذاعة وفي المحافل وغيرها من المناسبات ممّا جعل مدوّنة المطوي متعدّدة المواضيع متنوّعة الأجناس والمشاغل فهو يمثّل الأديب الشامل الجامع بل وله قَصَب السّبق في بعض نواحي الاِبتكار والتجديد سواء في الشّعر أو في السّرد .إلى جانب ذلك الرّصيد الثريّ من الأعمال الأدبية فإنّ لمحمد العروسي المطوي إسهامات واضحة في الحياة العامة الاِجتماعية منها والسياسية إضافة إلى قيامه بتدريس التاريخ والأدب سنوات عديدة لطلبة جامع الزيتونة خاض بعدها إثر اِستقلال تونس المجال الدبلوماسي فجميع هذه النواحي جعلتْ منه شخصية متميّزة كنتُ محظوظا بالاِقتراب منها في مناسبات وفترات مختلفة وعديدة منها الخاصة والعامة ضمن النشاط الثقافي وكم كنت سعيدا بمرافقة سِي العروسي في الحِلّ والتّرحال إلى بعض البلدان فأنِستُ بطيب مَحْتَدِهِ وعِشرته ونَهلت من معرفته وخبرته واِهتديت أحيانا ببعض مواقفه منذ عهد شبابي الأوّل إلى أن شاب رأسي وإلى سنوات ـ سِي العروسي ـ الأخيرة .ـ سِي العروسي ـ كذلك كنت أسمّيه سواء عند حضوره أو في غيابه و ـ سي ـ هذه أعتبرها عنوان التقدير والإجلال وأتحدّث بها ـ إلى وعن ـ أساتذتي الكبار مثل سيّدي البشير العريبي وصالح القرمادي وتوفيق بكّار ومنجي الشّملي ومحمد البعلاوي وسعد غراب وغيرهم أولئك الذين أدين لهم بالكثير من وطابي الأدبي .

ـ 2 ـ

أوّل ما لقيت سي العروسي كان في النادي الثقافي أبي القاسم الشابي بضاحية الوردية وهو النادي الذي تأسّس مع جملة من النوادي الثقافية التي أُنشِئت عند مطلع ستّينيات القرن العشرين ومن بينها النادي الثقافي الطاهر الحدّاد الذي كان مقرّه في مدخل حديقة البلفدير ثم تحوّل إلى  المدينة العتيقة في أوائل السبعبنيات والنادي الثقافي علي البلهوان في شارع فلسطين وكان نادي أبي القاسم الشّابي مقصد الكثير من الأدباء والمثقفين التونسيين والعرب فذهبت إليه مع جملة من التلاميذ مرافقين أستاذنا سي البشير العريبي الذي كان يدرّسنا العربيّة في معهد الصّادقية في ما أذكر سنة 1968 ومن حينذاك صرت أتردّد على المكتبة الثريّة في النادي الثقافي أبي القاسم الشّابي وأحضُر كلّما تسنّى لي ذلك في  مناسباته الأدبية وشيئا فشيئا صرتُ قريبا من سِي العروسي خاصة بعد أن أصبحت طالبا بكليّة الآداب بتونس ففي سنة 1973 اِنعقد بتونس أول مؤتمر للأدباء العرب مع مهرجان الشعر العربي وكانت بعض الأمسيات الشعرية تنتطم بدار الثقافة اِبن رشيق والأبواب محروسة بالشرطة فلا يسمح بالدخول إلا بالدعوات الخاصة فكنت من ثلّة من الأدباء الشّباب والطلبة الذين اِجتمعوا محتجّين أمام دار الثقافة فإذا بنا نرى سي العروسي وسي الميداني بن صالح يخرجان من داخل القاعة ويسمحان لنا بالدخول ومتابعة الأمسية من الطابق الأول .

حدّثني سي العروسي مرّات عن دراسته في جامع الزّيتونة وعمّا كان يعانيه الطلبة من شظف العيش إذْ لم يكن طعامهم أحيانا إلا حفنة من بسيسة القمح والشّعير يعجنونها بالماء فقد عاشوا سنوات ضنكة على وجبات نزر قليل من التّمر أو من التّين المجفّف أو الزّيت والزّيتون والهريسة فكانوا في الشّتاء يتقاسمون في اليوم صحفة لبلابي ساخنة ما فيها إلا حبّات حمص ومرق .

وذكَر مرّة أنه عندما كان داخلا من باب جامع الزيتونة إذ هبّت ريح قويّة خلفه رفعت طَرَفَيْ بُرنسه عاليا فرآه شيخه على تلك الحال فقال له مازحًا ـ الحمد للّه يا عروسي …لوْ لم تكن المَطويَّ لَطيّرتْك الرّيح !!

ـ 3 ـ

من مواقف سي العروسي المطوي الوطنية الغير معروفة وذلك لتواضعه ولضُمور النزعة الأنانية لديه أذكر أنه كان من جملة المثقفين التونسيين الذين شجّعوا الشّباب ودفعوهم إلى التطوّع في حرب فلسطين سنة 1948 وعندما كان سِي العروسي سفير تونس بالعراق نالت الكويت اِستقلالها عن بريطانيا فاِعترفت تونس بذلك الاِستقلال لكنّ حكومة العراق وقتذاك اِعترضت عليه لأنها اِعتبرت أن الكويت تابعة للعراق ممّا أوقع خلافا سياسيا كبيرا بين الرئيس الحبيب بورقيبة والرئيس العراقي عبد الكريم قاسم وقد وجد حينذاك سي العروسي إغراءات كبيرة ليخالف موقف بلاده ويبقى في بغداد مُعزّزا مُكرّما لكنه لم يستجب وعاد إلى تونس منشغلا بالحياة الثقافية وصار نائبا عن ولاية قابس في البرلمان ضمن لجنة التربية والثقافة وساهم في الإذاعة الوطنية التونسية ببرنامج خصّصه لمختلف مراحل تاريخ تونس وعصورها وكان الرئيس بورقيبة حريصا على الاِستماع إليه وحتّى عندما لا يتمكن من ذلك مباشرة فإنّ مدير الإذاعة كان يرسل إليه ما فات من الحلقات مسجّلة ووصل البرنامج إلى الحديث عن الدولة الحفصية فاِتصل بورقيبة بسي العروسي ملاحظا له أنه قد أطنب وفصّل القول كثيرا في التاريخ وأنه أبطأ في الحديث عن تاريخ الحركة الوطنية وإبراز تفاصيل نضال الرّئيس فكان جواب سِي العروسي أن التاريخ يجب أن يكون متسلسلا لذلك لا يمكنه أن يتجاوز العصور ويقفز على الأحداث بسرعة وأنه سيصل إلى ذكر تاريخ تونس المعاصر لا محالة وسيذكر ـ الزعيم المجاهد الأكبر ـ بورقيبة ـ إلا أنه يبدو أن الرئيس كان يريد العجلة في الحديث عنه فلم يتواصل البرنامج بعد تلك المكالمة .

ـ 4 ـ

أذكر مرّة أنّي كنتُ جالسّا معه في إحدى المقاهي بالعاصمة تونس وعندما أقبل النّادل بالطّبق ووضع أمامه الفنجان قال له ـ تفضَل يا سي العروسي ـ وبعدما تحادثنا وهَمَمْنا بالاِنصراف بادر سِي العروسي بنقد النادل ورقةً من فئة الخمسة دنانير راجيا منه بلطف أن يترك الباقي لديه وعندما غادرنا المقهى قلت لسي العروسي إنّ النادل كان يرضى ويبتهج بما يتبقّى له من دينار واحد على أساس أن القهوتين معًا لا ﻻيتجاوز ثمنهما نصف الدينار ! فما كان منه إلا أن قال لي ـ يجب أن أكرمه لأنه عرفني وقال لي ـ سي العروسي

وهو لئن بدا على غاية من الكرم في هذا الموقف فإنّه على عكس ذلك في موقف آخر عندما يطلب أحدُنا منه ورقةً ونحن في  جلسة باِتحاد الكتّاب التونسيين أو في النّادي الثقافي أبي القاسم الشّابي فإنه يأخد ورقة ويقسمها نصفين أو على أريع ويقول إن تلك تكفي لكتابة ملاحظات أو أسئلة فسأله أحدهم  – مُمازحا – لماذا هذا التقتير وأراد اِستفزازه  بحضورنا فكان ردّ سِي العروسي أنّ حسن التصرّف في المال العام واجب وأنّ نصف ورقة أو ربعها كاف لكتابة بعض السطور الضرورية أما من يريد كتابة قصة أو رواية أو ديوان أثناء الاِجتماع فما عليه إلا أن يحضر معه كرّاسًا !ذاك زمن…

ـ 5 ـ

عندما حضرت لأول مرة مؤتمر اتحاد الكتاب التونسيين في آخر سنة 1981 بدار الثقافة اِبن خلدون كان عدد المؤتمرين من الأدباء لا يتجاوز الثمانين ودام المؤتمر يوما واحدا وكان الغداء ـ شاطرا ومشطورا ـ وبينهما هريسة وبعضُ الفَتْفَتَات من التُنّ أو السّردين وقطراتِ رذاذٍ من الزيت لا غير وكنا سعداء ولم نبال لأننا عقدنا مؤتمر الاتحاد وأصدرنا بيانا يتضمن المطالبة بحرية الكلمة وبدعم نشر الكتاب وتوزيعه وتضمين التعليم في جميع مراحله قدرًا أكبر من الأدب التونسي وفتح فروع للاتحاد في مختلف ولايات البلاد والتفكير في إنشاء مجلة خاصة تصدر عن الاِتحاد والعمل على ترجمة مختارات للأدباء التونسيين المعاصرين فكان المؤتمر نقلة نوعية في تاريخه ثم بعد أن تولّى الأستاذ محمد مزالي الوزارة الأولى اِستقال من رئاسة الاتحاد وخَلَفه نائبُه سي العروسي واِنتقل مقر الاتحاد من مكتب صغير في دار الثقافة باب العسل إلى مقره الحالي بجانب المعهد العالي للموسيقى ودار الثقافة ابن رشيق في قلب تونس العاصمة وهو مقرّ محترم وكان حلما للأدباء المؤسسين ويعود الفضل الأكبر لاِكتساب هذا المقرّ وهو من أملاك الدولة إلى مَسعى الأستاذ بشير بن سلامة وزير الثقافة في حكومة مزالي وبِحِرصٍ كبير من الأدباء محمد العروسي المطوي ومحمد المرزوقي والجيلاني بالحاج يحي وغيرهم…

وباِنتقال اِتحاد الكتّاب إلى مقرّه الحالي 20 شارع باريس وبرئاسة سِي العروسي اِنطلق في طور جديد وذلك بإنشاء عديد النّوادي والفروع وإصدار مجلّة  ـ المسار ـ

ـ 6 ـ

 في آخر سنة 1989 بدأ الاِستعدادات لعقد المؤتمر فطلب منّى سي العروسي ذات يوم بعد اِنتهاء جلسة أحد النوادي أن آتي إلى الاِتحاد من غدٍ باكرا لمراجعة بعض مواد مجلة المسار قبل طبعها فذهبت من غدٍ ولكن لم يُسلّمني ملفّ المجلة بل مدّ لي رسالة من اِتحاد أدباء العراق والثانية وكانت بالفرنسية من المعهد العربي بباريس وقال لي هل بإمكانك الإجابة عنهما مضمّنا موافقة اِتحادنا على ما فيهما فقلت له ـ حسنا ولكن هذه مهمّة الكاتب العام سي مصطفى الفارسي ـ  فقال لي إنه منشغل بمسؤوليته في اِتحاد كتّاب إفريقيا وآسيا والأخ مصطفى لا ينوي أن يكون في الهيأة المديرة القادمة ثم أردف قائلا بشىء من الحزم – إنّ اتِحادنا في حاجة إلى كلّ أعضائه -وسلّمني ورقتين فأخذتهما مع الرسالتين واِنصرفت إلى المكتبة لأردّ عليهما وما كادت نصف ساعة تمضي حتى رأيت سي العروسي يدخل المكتبة قائلا هل أتممتَ ؟ فقلت ـ نعم وسلّمته الإجابة عن الرسالتين الأولى بالعربية طبعا والثانية بالفرنسية ورافقته إلى مكتبه فجلس وقرأهما ثم أبدى اِنشراحه وقال لي مبتسما ـ ما قصّرتش يعطيك الصحّة ـ فشعرت كأنني نجحت في الاِمتحان فسِي العروسي حريص على الدقة وحسن ضبط الكلمات وتنسيق الفقرات مع مراعاة بروتوكولات المقام والمناسبة وقد عَلِمتُ كل ذلك من خلال إملاءاته وملاحظاته عندما كنت أراجع معه بعض المراسلات… وأمر لي بقهوة ثمّ مال بالحديث إلى شؤون المجلة فإذا به يأخذ ورقةً صغيرة ويكتب فيها بقلم الحبر ويمدّها إليّ كالسِرّ دون أن ينبس بأيّ كلمة فأخذتها كالوديعة وقرأت ما فيها….جملة واحدة فقط هي:

– الترشّح إلى الهيأة المديرة –

وبدون تردّد وبسرور كبير قلت له ـ نعمْ… ولكن بشرط أن أكون معك يا سِي العروسي !

وكان المؤتمر في آخر ديسمبر 1989 بدار الثقافة اِبن خلدون وبعد الاِنتخاب كان نصيبي أكبر الأصوات وتولّى سي العروسي الرّئاسة وسي الميداني بن صالح نائبه والأخ محمد العاشمي بلوزة تولّى أمانة المال والأخ جلول عزونة تولّى مسؤولية العلاقات الخارحية أما الكتاية العامة للاِتحاد فكانت مسؤوليتي وضمّت الهيأة أيضا الأدباء أبا زيان السّعدي وسمير العيادي وعبد الحميد خريّف والطيب الفقيه ونور الدين بن بلقاسم والتابعي الأخضر فحاولنا قدر المستطاع الإضافة والعمل على تحسين منزلة اِتحاد الكتّاب التونسيين وإشعاعه سواء داخل البلاد أو خارجها فقد ضمّ الاِتحاد في تلك السنوات العدد الأكبر من الأدباء والشعراء والجامعيين على توالي أجيالهم واِختلاف قناعاتهم الفكرية واِنتماءاتهم السياسية وعلى تنوّع ألوانهم الأدبية والفنيّة وتعددّها وقد تولّى أيضا اِتحادنا رئاسة الاتِحاد العام للأدباء والكتّاب العرب فأصيح سِي العروسي رئيسه في ظروف خلافات عربية حادّة إبّان حرب الخليج كادت تعصف بالاِتحاد أيضا .

 من كان يظنّ أنّ ذلك الشّاعر الشّاب الواقف مع جَمْعٍ من الأدباء الشبّان وقد مُنعوا من دخول الأمسيات الشعرية عندما اِنتظمت بمناسبة مهرجان الشّعر العربي بتونس سنة 1973 سيكون من بين الفاعلين في تنظيم ذلك المهرجان سنة 1991

ما كنتُ أحسب يوما أنّني سأكتب البعض من هذه الذكريات بما فيها من معاناة وتحدّيات ولكن ما أمتعها…!

رحم الله سي العروسي !

 

سُوف عبيد

 

 

صالح الطائيفي رحاب البناية الجديدة للجامعة المستنصرية في بغداد، في أقسام الدراسة المسائية، ومع مشارق عام 1971 شاءت إرادة الله أن ألتقي شابا رشيقا أبيض الوجه أصفر الشعر حلو الملامح طيب السجايا هادي الصوت يتحاشى الزحمة ويبتعد عن التجمعات متألق ومتأنق في ملبسه ومهتم بمظهره كان اسمه يحيى فتفاءلت بهذا الاسم الدال على دوام الحياة في بلد كانت تطاردنا فيه حتى حيطانه وتتلصص علينا شوارعه وترقبنا عيون جلاديه لمجرد أننا لا نعاقر العبث ولا نصفق للطغاة ولا نهتف نفاقا ولا نتظاهر من أجلهم.

كان كل اجتماع بيحيى يمثل مجازفة تترتب عليها الكثير من المخاطر، وكان خوفي عليه أكبر من خوفي على نفسي لسبب وجيه وهو أن الأمن التابع لمديرية الأمن العامة وأمن الجامعة كانوا يرصدون حركاتي وسكناتي بدقة خبير، اكتشفت فيما بعد أن سبب ذلك هي التقارير التي رفعها إلى اتحاد الطلبة في الجامعة رفاقهم الذين زاملوني أثناء الدراسة الاعدادية. لهذا السبب كنت أدعو الله أن يبعد هذا الشاب الجميل البريء عن طريقي لكي لا يؤخذ بجريرتي لمجرد أنه استلطفني وأراد أن يوآخيني، ولاسيما وأني شاهدت تكثيفا غير مسبوق للمراقبة بما يوحي بأن الجلادين يتحينون الفرصة للانقضاض علينا وافتراسنا في دهاليز الأمن العامة ومصادرة مستقبلنا.

1420 الطائي والسماوي

كان هذا قبل أن أكتشف معلومة في غاية الخطورة والأهمية، أرعبتني في بداية الأمر كثيرا؛ وهي أن زميلي وصديقي الجديد يحيى كان يساريا معروفا، موضوعا مثلي تحت مراقبة الأمن، والكثافة الرقابية التي شخصناها مؤخرا كان سببها اتحاد الجهتين الرقابيتين بجهة رقابية واحدة. يومها اضطربت مشاعري واصبت بحيرة شديدة وقلق كبير، فمن جهة كنت أعتقد أن تقارب الإسلامي واليساري قد لا يثير شكوك الطغاة طالما أن لكل منهما طريقا يختلف عن طريق الآخر ولو في حدود فهم رجال الأمن، فضلا عن وجود عداء متوارث بين الخطين ضمن نطاق إسلامي/ علماني. وفي أحيان أخرى كنت أرى أن هذا التقارب يوحي لرجال الأمن بأن أعداءهم يسعون للاتحاد والوقوف سوية بوجههم، وهذا ما سيجعلهم يستعجلون إلقاء القبض علينا، لذا كان القلق سيد الموقف ومهيمنا على اللقاءات بيننا.

لم تكن لقاءاتي بالسماوي كثيرة ولا طويلة ومتشعبة وإنما اقتصرت على أوقات الفرص بين المحاضرتين، وربما في أوقات المحاضرات الشاغرة، ولم تكن في أماكن مخفية بل كانت مفضوحة أمام الجميع في وسط الساحة العامة وأحيانا في ممرات الكلية الأخرى، وكل الأماكن تتيح للمراقبين رصد أصغر الحركات، وكنا نتحدث بصوت مسموع ليفهم الطغاة أننا نتحدث في أمور عامة لا شأن لها بالسياسة وبالحكام، نعم كنا نستغل الجو العام للحوارات لإطلاق بعض الملاحظات المهمة التي كانت تمر عادة دون أن يشعروا بها او يفهموا معناها ولكن بشكل عام كان حديثنا مسموعا ومفهوما من قبلهم.

الأعم الأغلب من اللقاءات كانت ثنائية أنا ويحيى فقط لا نشرك معنا احدا من الزملاء لأننا على يقين أن اتساع الدائرة سيثير جنون الجهات الرقابية ويجعلهم يستعجلون اتخاذ قرار الاعتقال، ووضع نهاية مأساوية لفرحتنا وإخوتنا، ولا أدري لحد الآن لماذا أحجموا عن اعتقالنا، وتركونا وشأننا طوال تلك المدة.

في تلك الحقبة من التاريخ لم يكن الهاتف الجوال معروفا، ولذا كنا نفترق في العطلة الصيفية ولا يزور أو يرى أحدنا الآخر لعدة أشهر ولاسيما وأن يحيى مقيم في السماوة وأنا مقيم في بغداد، لأن أمن المناطق كانوا أكثر تشددا من غيرهم، وهم مدعومون بأعضاء الحزب المتفرغين للرصد ورفع التقارير، وكلانا كان في منطقة سكنه معروف الميول ومؤشر كمعادي!.

أما في أيام الدراسة فكان اللقاء يوميا، كنا نستغله أحيانا لنتمشى على أرصفة حدائق الجامعة التي لا يصلها رجال الأمن؛ الذين يوجهون في أحيان أخرى عنايتهم ورصدهم لأشخاص آخرين غيرنا موضوعين تحت المراقبة مثلنا، وحينما كان آذان المغرب يرفع ويحين وقت الصلاة، كنت أختلي بزاوية مهجورة لأؤدي الصلاة، وكان يحيى يقف بعيدا عني يراقب حركاتهم، فإذا اقترب أحدهم بدأ يحيى بالسعال لينبهني، فكنت أقطع الصلاة وأشغل نفسي بالنظر إلى الأشجار وغير ذلك.

كانت هذه اللقطة التاريخية واحدة من أهم محطات صداقتنا، حيث يتحمل العلماني اليساري مهمة المراقبة على خطورتها من أجل حماية صديقه الإسلامي، وهذا برأيي أحد أهم الأسباب التي دفعتني إلى النظر للآخر بشكل بعيد عن الرؤية الإسلامية العامة المتشددة التي تؤمن بنظرية (إما دين وإما طين)، فالآخر بالنسبة لي ممكن أن يكون حاميا ومضحيا وسندا وصديقا وأخا، ولا يشترط ان يكون عدوا، وقد أثَّرَت هذه المنهجية على توجهي البحثي العام، فسعيت في كل مؤلفاتي التي أصدرتها والتي فاق عددها الخمسين كتابا على بث ثقافة القبول وتحسين العلاقة بالآخر وفق قاعدة (نظير لك في الخلق) فالإنسانية هي الهدف الأسمى التي يجمع القلوب المتباغضة ويوحد النوايا الطيبة، وكل الذي يهمني من أمر شريكي في العيش والوجود، هو مدى احترامه لي ولإنسانيتي ولعقيدتي ولفكري ولرؤيتي، وما يشغلني أكثر من أي شيء آخر هو أن أرد على جميل هذه السجايا بأجمل منها لتتجلى صور الإنسانية مشرقة بكل ذلك البهاء الرائع الذي يميزه عن الحيوان.

لحد تلك اللحظة لم أكن أعرف أن يحيى شاعر مفوه كبير، لكن الاسترسال بالحديث كشف ميزته الجميلة المضافة هذه، فازددت افتخار به وحبا له، ثم في واحد من تلك اللقاءات البينية أخرج من جيبه كتابا صغيرا كان اسمه "عيناك دنيا" وأهداه لي فتبين أنه ديوانه الشعري الأول؛ الذي كتبه في مرحلة الدراسة الثانوية، وكم كانت فرحتي كبيرة ودهشتي واسعة، فهي المرة الأولى التي يُهدى لي فيها كتاب من يد كاتبه وديوان من يد شاعره، وفي الأيام التالية استرسلت في قراءة وحفظ قصائد الديوان، وقد حفظت الكثير منها.

وفي أحد الأيام وأنا في طريقي إلى الجامعة استوقفني رجال الأمن الذين كانوا يستقلون سيارة ماركة بيجو فرنسية، وتم اعتقالي، وحينما أفرج عني بعد أيام قلائل قررت أن أقاطع الجميع وابتعد عنهم خوفا عليهم، فافترقت عن يحيى وعن جميع أصدقائي ولم أعد اتحدث حتى مع زملائي وزميلاتي في القسم، وهكذا فرقت الأيام بيني وبين يحيى سنينا طويلة.

بعد هذا الاعتقال، تكرر اعتقالي عدة مرات، ووضعت تحت المراقبة المشددة حتى أن رجال الأمن كانوا قد اتخذوا من مطعم شعبي يبيع المشويات يقع قبالة دارنا ويعود لشخص اسمه ناصر الانباري مقرا، فإذا رأوني أخرج من الدار يبدؤون بالسير خلفي، وانا غالبا كنت أذهب إلى أحد بيوت إخوتي أو أخواتي وهي قريبة من بيتنا ولا تبعد كثيرا، وحينما أخرج من الدار لأعود إلى بيتنا أجدهم لا زالوا يتربصون وينتظرون خروجي، وقد تكررت هذه الحالة مرات عديدة. دفعا للأذى عن أصدقائي قاطعت الكثير منهم، بل أغلبهم وأقربهم دفعتهم بعيدا عني خوفا عليهم، وقد حاولت بعد أن استتبت الأمور وزالت المراقبة ان أبين هذه الحقيقة لواحد منهم كان الأقرب إلي هو الدكتور العسكري رؤوف قاسم الذي شغل إدارة الطب العدلي لحين إحالته على التقاعد، حيث ارسلت له كتابي الموسوم :نظرية فارسية التشيع" موشحا بإهداء جاء فيه: ثق أيها العزيز أني أبعدتك خوفا عليك لا خوفا منك، ولكن الظاهر أنه كان شديد الزعل بسبب موقفي المتشدد معه فلم يستجيب لدعوتي. أقول هذا لدخل من خلاله إلى قصة صداقتي بيحيى، فيحيى الذي أبعدته مثل غيره كان موضع امتحان، وكنت أبحث عنه وأخاف أن يكون موقفه مشابها لموقف دكتور رؤوف ولكني لم أعثر عليه، مع أني اتخذت في تسعينات القرن الماضي وتحديدا بعد الانتفاضة الشعبانية خطوة جريئة ومتهورة جدا يوم قررت الذهاب إلى السماوة بحثا عنه، ونفذت الأمر فخرجت بعد منتصف الليل متوجها إلى السماوة على أمل أن أصلها صباحا في وقت لا زال فيه رجال الأمن تحت وطأة لياليهم القلقة التي يحرمهم النوم فيها تأنيب ضمير ميت وأشباح الضحايا وصرخات المعذبين وبكاء الأيتام والحبيبات. وكان توقيتي سليما حيث دخلت السماوة في الصباح الباكر وذهبت إلى وسط البلد أسأل عن يحيى الذي لا أعرف له عنوانا أو مقرا، فسألت كل من صادفني، وانكر الجميع معرفتهم به إلى أن التقيت برجل كبير في السن وحينما سألته عن شاعر اسمه يحيى عباس السماوي، بدت مظاهر القلق على وجهه، فسألني: من أين أنت؟ قلت: من بغداد ويحيى كان زميلي في الجامعة، وأتيت أسأل عنه. فقال بصوت خافت: يا ولدي أنا أعرفه، يحيى مات، فعد إلى أهلك ولا تسأل أحدا بعدي!. وفي طريق العودة إلى بغداد كانت صورة يحيى عالقة في بالي، وضحكته الهادئة ترن في أذنيَّ وكأنها صوت رعد قادم من خلف جبال الهم، ودموعي تسيل بلا انقطاع، والأسف يأكل قلبي.

مرت عدة سنوات أقسم أن اسمه وصورته لم تفارق خيالي، والغريب أن كل ما حفظته من قصائد ديوان عيناك دنيا تلاشي من ذاكرتي وكأن يدا مسحته؛ ربما رحمة بي لكي لا تثير قراءة القصائد شجوني، وكنت خلال هذه السنين وإلى ما بعد 2003  ولاسيما بعد أن اشتريت حاسوبا وربطت خط انترنيت، اتابع ما ينشره الشعراء من قصائد فوقعت عيني مصادفة على صورة كهل او شيخ مرفقة بقصيدة، كان صاحب الصورة يحمل الكثير من ملامح يحيى، واسمه أيضا يحيى السماوي بدون اسم والده (عباس)، فمنيت النفس أن يكون هو صاحبي، راسلت الموقع بعد أن شرحت لهم قصتي مع يحيى مختصرة، فلم يجيبوني، كررت الطلب، فأهملوه. لم أكن يومها أجيد البحث في الانترنيت، ولكني بدأت ابحث بشكل ساذج عن صور وقصائد اخرى لهذا الرجل، وصدف أن وجدت له صورة اخرى في موقع آخر، وكان موقفهم مشابها لموقف الموقع الأول، يومذاك لم أكن أعرف شيئا عن موقع صحيفة المثقف وعن سادنه المبجل الأخ ماجد الغرباوي، وقد قادني البحث المستمر إلى هذا الموقع، وكالعادة أرسلت لهم رسالة أسأل فيما غذا كانوا يعرفون اسم والد هذا الشاعر، وشرحت لهم بشكل مبتسر قصتي معه، انتظرت يوما يومين ثلاثة أيام وإذا برسالة طويلة جدا تأتيني من يحيى شرح فيها ما مر عليه من قهر وجور الطغاة وقصة حمله السلاح ومن ثم لجوئه إلى معسكر رفحاء وهجرته إلى بلد آخر، وابان لي أنه يقيم الآن في أستراليا وأنه متزوج ورزق بذرية ويكتب الشعر وأشياء كثيرة أخرى ووعدني بأنه متى ما يزور العراق سوف يزورني، وهنا أجهشت بالبكاء وبحرقة شديدة لا حزنا بل فرحا وأنا أردد عبارة: سبحان من يحيي العظام وهي رميم، سبحان من قلب المعادلات والموازين، سبحان الذي جعلني أعثر من جديد على أخي وصديقي يحيى الذي بكيته كثيرا.

استمرت المراسلات بيننا زمنا طويلا وفي كل عام أنتظر طلته علي ويعدني هو بأنه غذا زار العراق ولم يزرني فكأنه صلى بغير وضوء، إلى أن أصابني اليأس فقد تقدم العمر ولم تعد في العمر بقية، ومن دياجير ظلمة الأسى واليأس طل صوته يبشرني بلقاء، وفعلا زارني مع مجموعة من الأصدقاء وكانت من أجمل ساعات عمري لأنها أعادتني إلى الوراء خمسين عاما.

بالأمس حال الطغاة دون لقائنا.. واليوم حالت طغوة وباء كورونا دون لقائنا وكلي أمل ان نجتمع مرة أخرى، وأمنية ان تتحقق هذه الأمنية.!

 

صالح الطائي

 

جمال العتابيكل من يعرف الغراف، النهر القادم من مقدم سدة الكوت التي شيدت على نهر دجلة عام 1939، يدرك أن النهر يمشي الهوينا، مثل أسراب الطيور التي تحطّ على ضفافه تارة، وتعلو تارة أخرى، دون مشاكسة مع الماء المتدفق نحو مدن امتدت على ضفافه، متواضعة وصغيرة أولاً، ثم توسعت بتشوه، في اعوام الحروب والحصارات، تبدأ بالحي ذكرها الجواهري، وبوركت فيها انتفاضات، وقبلها الموفقية، كل اسمها (أم التبن)، مع بعض التحسين فيما بعد، فسميت (محيرجة)، استقر فيها الكاتب الراحل شمران الياسري، أو اختفى عن ملاحقات السلطة، ثم الفجر(سويج شجر)، مقيمة على بؤس وداء، مصير اهلها متعلق ب(سلك معدني) يدفع العبارة الخشبية ليتصلوا بالعالم، حشد من اهلها استقبل المتصرف في سنوات الستينات، بهتاف واحد (مطلب جماهير الفجر سيمات للطبگة تجر) قلعة سكر، على خلاف ازلي مع الرفاعي (الكرادي) الذي يليها بالموقع، بشأن احقيتها بمركز القضاء، منذ السقيفة الثانية وللآن، ثم النصر(الغازية)، وبدايتها (سويج شكبان)، ما أروع اشراقتها في ذاكرة الطفولة، ويذهب النهر نحو ناظم البدعة الذي انجز العمل فيه عام1929. وقبل الناظم، كان الغراف يهب الماء الحلو لأهلنا في البصرة بقناة مبطنة بالاسمنت، جف ماؤها للأسف بجفاف السنين.

عند الناظم يذهب النهر للانشطارات والتلاشي، في أرض يقلقها المصير والقدر، مودعاً الشواطئ التي تحفل بالأسماك، والنوارس، الفرع الرئيس منه يذهب يميناً نحو الشطرة، ولأنه يشطرها الى صوبين، جاءت تسميتها هكذا! حسب ما يذكر الباحث يعقوب سركيس، سمّاها حسين الهلالي عروس الغراف، ومنها الى عالم فسيح لا تلوثه الطحالب والأشنات.

  لكل من هذه البلدات حكايات وإرث طويل من أحجار سومر، وطين أكد، و(أصنام) لكش (تلو)، تلوح هنا وهناك، مساحة من العصور والتواريخ، تكمن في الأعماق، هنا قبل الميلاد بآلاف السنين، بدأت الثورة المدينية، ودشن الانسان عصر الابتكارات الأولى، والمنجزات الفنية في النحت والاختام الاسطوانية، وأقدم الامثلة من الكتابة على الرقم الطينية، في هذه البقعة من الكون، شرّع الإنسان أول نظام قانوني في تاريخ البشر، وعزف أول موسيقى، وغنى أول أغنية حب في العالم. ولم يكتمل شرط وجوده الانساني إلا بعد أن تدفق الماء، فإغتسل السومري بمياه الغراف، وصلى لواهب الحياة. ل (أنكي) إله المياه العذبة.

الغراف في تلك الربوع، متقلب المزاج، غيّر مجراه نحو الشمال او نحو اليمين، دون خوف أو حذر، ينطفىء حيناً، ويجف حيناً اخرى، يتدفق بعنف تارةً، ولا يني تياره الغاضب عن الإرتطام بالشواطئ بقسوة، وتارة أخرى يشح علينا بعد أن يثمله الطمى، ويغيب المطر.

من نافذة صغيرة تطل على (لكش)، خرجنا الى الدنيا، بسطاء، سمر، مغمورين، أهلنا يعرفون تماماً بأنهم أولئك الآتون من أقاصي ذلك التاريخ، الى أداني هذا الحاضر، وشيوخنا منهم مازالوا يحملون صناديق أسرارهم القديمة، يخفون فيها لميم الأسفار والأشعار، والرؤى والحكايات، والأساطير، وحكمة الحياة، على تلك الضفاف عزف طالب بريد القره غولي ابن الغازية اولى أغانيه، بناي ينوح بما علق به من أيام، وعلى مقربة منه في الشطرة، كان حضيري أبو عزيز يؤدي حلماً يبنيه على صوت ماكنة خياطة، منه ولدت (حمام لتون على روس المباني)، كان حضيري يدعو الورد ينمو على شرفات جنائن شط الشطرة ب(عمي يبياع الورد كلي الورد بيش)، كان يغار منه داخل حسن، وحدهما يتحاوران في واحدة من أعذب الثنائيات الغنائية التي تمسح الحزن والإختناق (يحضيري بطل النوح شالت هدية)، فيرد عليه حضيري بذكريات ترسم صورة الحب المنتهك، ينوحان معاً في الليالي التي ينهمر فيها ضوء القمر، ليهزما الظلمة من شواطىء الغراف، حيث تصعد القوارب القادمة من الجنوب نحو الشمال، من أهوار الجبايش، والغموكة تحمل القصب والبردي، وعصيره المجفف (الخريط)، والخلال المطبوخ أولئك سكان الهور(الشكون)، يهجرون وطنهم حين ينحسر الماء، وتبتعد أسراب الطيور فتندفع القوارب محملة بأماني اهلها الضائعة، يندفعون بقوة أجسادهم ومتانة الحبال التي تسحب القوارب المثقلة بالقصب، يلهثون مثل جمر الدلال التي ظلت بلا بنٍ أو رنين، يدجنون الصعاب بالأغاني، أغان لا تشبه أغاني الأخرين، انها أشبه بسحابات حزن لا تمطر غير الدموع، والقرى التي يمرون عليها، غارقة هي الأخرى في الجوع، تتكسر تعبانة من فرط أحزانها.

كنا صغاراً نلهو برمل الضفاف نبني بيوتاً مثل ما نهوى، وننفعل بالمياه شداً وانبساطاً، تعيش في أحلامنا على مدارات الفصول، فهي الملاذ في صيف لا يعرف مذاقه إلا أبناء الجنوب، ومخازن الحبوب (المناثر) أشبه بوطن نائم، تمتد غير مبتعدة عن الضفاف، كأنها بقايا آثار مهدمة بأسوارها الطينية، مكشوفة، تسبّح بحمد للشمس التي تنضج السنابل، لتأتيها حباً مقدساً.

يا مدن الغراف، يا موطن الأحلام، إذ تعيش قصص الحب والاساطير، ندور على ضفافك، نبحث عن أسرار وجودك، لعل الماء يطفىء حر لظانا، فالزمن يعصف بالضحكات وبالشهقات، والغول يطبق فكيه يقضم شفاهك، والريح تفح سموماً تسيل رعافاً، يا لهذا الزمن القاسي ! يستجيب لطعم الأذى .

 

جمال العتّابي

 

نور الدين صمودأحاول في هذه المداخلة إظهار الحظوة التي كان يلقاها علماء القيروان لدى حكام عصرهم من بغداد إلى إفريقية، وهذه الحظوة تبلغ أحيانا درجة السلطة على أصحاب السلطة، وقد دعمت كلامي هنا بما التقطته من خلال أخبار طريفة يعثر عليها القارئ لكتب الأدب والتاريخ والأخبار، بين الحين والآخر، وهي أخبار نادرة يمكن أن نعتبرها طرائف ونوادرَ أو مُلحا، فنمر بها مستطرفين مستندرين، دون أن نعيرها كبير اهتمام، ولكننا إذا تأملناها فإننا سنستخلص منها أشياءَ ذاتَ قيمةٍٍ حضارية هامة، تكشف عن أشياء أخرى ذات أهمّية كبرى.

يقول لنا المؤرخون: إن علماء القيروان كانت لهم حرمة كبيرة لدى حكامهم، بل سلطة حتى على أصحاب السلطة فيها، ولكن هذا الحكم تقييمي لا تدعمه وتؤكده، ولا يَشـُدُّ أزرَه شيء مثلما تـَسنِده تلك الأخبار المستندرة التي سأسوق طُرَفا منها لتأكيد ما ذهبت إليه في هذا التقديم:

أ) سلطة العلماء على أصحاب السلطة

1) عالِمٌ قيرواني يحرج أبا جعفر المنصور هذا خبر يدل على أن لأحد علماء القيروان دالةً بل سلطةً على السلطة التي كرست السلطة الأغلبية في القيروان، فقد رووا عن رجل من قدماء علماء القيروان، سمع من جِلّة التابعين وتولى قضاء إفريقية مرتين، وكان قبل ذلك قد زاول التعلُّم بالكوفة والبصرة صحبة أبي جعفر المنصور، ثاني خلفاء بني العباس، الذي تولى الخلافة بعد أخيه السفاح، وقد أسر الروم هذا العالِم القيرواني في البحر ففداه المنصور تقديرا لقيمته ومنزلته عنده، ولهذا العالِم أخبار مشهورة مدونة، وقد توفي سنة 161هـ 778م.

اسم هذا العالم: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافري، قال أبو العرب: (حدّث عبد الله بن الوليد عنه؛ قال: خرج في وفد أهل القيروان للشكاية مما نال إفريقية من مظالم الولاة، فدخل يوما على الخليفة أبي جعفر المنصور العباسي، فقال له: يا ابن أنعُم، ألا تحمد الله ربك الذي أراحك مما كنت ترى بباب هشام وذوي هشام من بني أمية؟ فأجابه عبد الرحمن: ما أمْرٌ كنت أراه بباب هشام إلا أرى اليوم منه طَرفا، رأيت ظلما فاحشا وأمرا قبيحا، فقال المنصور: لعله فيما بَعُدَ من بابي؟ فقال له عبد الرحمن: بل كلّما قربت من بابك استفحل الأمر وغلظ. فقال المنصور: فما منعك أن ترفع ذلك إلينا، وأنت تعلم أن قولك عندنا مقبول؟ فقال عبد الرحم: إني رأيت السلطان سوقا، وإنما يرفع إلى كل سوق ما يروج فيها.(1) فقد أراد المنصور أن يسمع من هذا العالم القيرواني كلمة تحط من قيمة حكم الأمويين الذين أطاح بهم العباسيون وتنوه بحكم بني العباس الذين أزاحوهم، ولكنه لم يستجب لهذه الرغبة وأعلمه بأن الظلم في عهد العباسيين قد تفاقم وزاد على ما كان عليه في عهد بني أمية، وهذا الموقف لا نجده لدى المطبّلين والمزمرين في أمثال هذه الحالة.

2) مؤسس الدولة الأغلبية يطلب براءة من القاضي وهذا خبر طريف آخر عن مؤسس الدولة الأغلبية إبراهيم بن الأغلب بن سالم التميمي(140/196هـ) وقد كان عالما شاعرا خطيبا مصقعا، قرأ على الإمام الليث بن سعد(94/175 هـ)  إمام أهل مصر في عصره، وتولّى إمارة إفريقية بعهد من هارون الرشيد، ولم يلِ البلادَ أحسنُ سيرةً ولا أرأفُ بالرعية منه، وتمهدت البلاد في أيامه. وتوفي سنة 196هـ 812م وعمره 56 عاما. جاء عنه في الورقات نقلا عن المالكي: ( كان إبراهيم بن الأغلب الأكبر، يصلي بالجامع المكتوباتِ كلَّها، فخرج ليلة من الليالي من دار الإمارة بالقيروان ـ وكانت ملاصقة لمسجد عقبة ـ فدخل الجامع لصلاة العشاء الأخيرة، وكان مشغول القلب، فعثر في حصير فسقط، فلما صلى بالناس وانصرف إلى منزله بعث في طلب قاضيه عبدِ الله بن غانم، (وهو قاضٍ فقيهٌ ورعٌ من سكان إفريقية، دخل الشام والعراق في طلب العلم، وولاه هارونُ الرشيد قضاء إفريقية سنة 171هـ فاستمر قاضيا إلى أن مات في القيروان، وأخباره كثيرة وهو من الثقات، جمع ما سمعه من الإمام مالك بن أنس في كتاب سمي"ديوان ابن غانم" ولد سنة 128 وتوفي سنة 190هـ) قال المالكي: "فلما أتاه الرسول وقال له: الأمير يدعوك، تغّير ابن غانم عند ذاك وقال: "في مثل هذا الوقت يوجه ورائي؟" ولم يجد بدا من قام إليه، فلما دخل عليه قال الأمير: "يا أبا عبد الرحمن، إني لم أبعث إليك إلا لخير، إني لما دخلت المسجد اشتغل قلبي عن حفظ نفسي، فعثرتُ في حصيرٍ فسقطتُ، فظننت بالناس أنهم حسبوا أني متَـنَـبّـِذٌ،(أي شاربٌ للنبيذ) فأحببت أن تكون براءتي عندك، فاستنكهي. (أي شـُمَّ فمي) فاستنكهه القاضي ابن غانم فوجده بريئا، فشكر له ذلك"، وهذا غاية التحفظ والاحتياط من الأمير.)(4) لقد عثر مؤسس الدولة الأغلبية في حصير بالجامع عند دخوله لأداء صلاة العشاء، فخشي أن يظن الناسُ أنه تعثر لأنه متنبّذ أي من أثر شرب النبيذ، فأرسل إلى قاضيه عبد الله بن غانم في تلك الليلة وطلب منه أن يشم فمه ليعرف هل توجد به رائحة النبيذ، فلما شمه القاضي فوجده بريئا، "وهذا غاية التحفظ والاحتياط من الأمير".كما قال المالكي راوي الخبر في رياض النفوس.

3) سؤال محرج  من أحد الأدباء الظرفاء إلى أمير القيروان قال البكري: (لما آلتِ الإمارة الأغلبية إلى إبراهيمَ الثاني كان من أوَّليات أعماله أنْ نقل عاصمة المُلك إلى "رقَّادة" سنة 264 هـ وترك سكنى العباسية وكان من أثر هذه النقلة أن تقدمت العلوم والآداب والفنون الجميلة تقدما حثيثا لم يُعهد له مثيل في تاريخ البلاد. وأرسل إبراهيم، من أول عهده، سفارات متعددة إلى المشرق بقصد تجهيز عاصمته الجديدة بكل ما تحتاج إليه من أسباب وأثاث ورياش، وكذا سعى في جلب علماء رياضّيين وفنّانين مضاهاةً لما كان يشاهد بحواضر المدن الكبرى: أعني الفسطاط، وبغداد، وسرّ من رأى، ومن الإرساليات المذكورة في التاريخ سفارة"أبي بحر بن أدهم"أحد رجالات الدولة، وقد أخرجه إبراهيم إلى مصر والعراق في سنة 283هـ 896م)- وبعد غياب أشهر عاد الرسول يجر وراءه الأطباء والفنّانين، ومن ضمنهم"مؤنس" المغني. وكان قبل ذلك في خدمة"موسى بن بغا" القائد العباسي المشهور، علاوة على ما جلبه الرسول إلى مخدومة من الجواري الحسان والكتب والآلات والأعلاق النفيسة. وبفضل هذه العناية أصبحت"رقّادة" الباعثَ القوي في النهضة الفنية لإفريقية، وبقيت مدينةُ القيروان أمَّ البلاد للعلوم الشرعية ومركزَ المحافظة على التقاليد الإسلامية والمبنية على الحياء والمروءة والأخلاق العلية، بحيث كنتَ ترى في"رقّادة"، مقرِّ الإمارة الجديدة، الإقبالَ على العلوم الرياضية من تحرير حركة الأفلاك بآلات الرصد، والاهتمامَ بالفنون الجميلة والمستظرفة، وكنتَ تمرّ في بعض أحيائها فتشاهد محلاّتِ اللهوِ والخلاعةِ ومجالسِ الطرب والعزف والمجون، وبجانب ذلك الخمّارات يباع فيها النبيذ علانية حيثما حرص الأمير على منع تداول المسكرات في العاصمة الدينية الكبرى، مما جعل بعض الظرفاء من أدباء القيروان يخاطب إبراهيم الثاني بقوله[منسرح]:

يا سيدَ الناس وابـنَ سيدهمْ             ومَن إليه الرقابُ  مُـنـْقـادهْ

ما حرّم الشُّربَ في مدينتنا            وهو حـلالٌ بأرض رقـادهْ؟)(2)

ذكر حسن حسني عبد الوهاب هذا الخبر في القسم الثاني من "ورقات" نقلا عن البكري ص 28 ثم قرأت نفس الخبر موجزا في القسم الأول من ورقات ص 369 حيث قال: وقد رخّص الأمير للشباب ولأهل الخلاعة واللهو أن يرتادوا الحاناتِ في مدينة رقادة، وكان قد أذن بهذه الحانات أو غض الطرف عنها في أرجاء المدينة، على حين بَيْعُ النبيذ كان محظورا في مدينة القيروان، وذلك ما بعث أحد ظرفاء الشعراء من أهلها أن يسأل الأمير (وذكر البيتين على الوجه الصحيح، فهذا الشاعر يقدم سؤالا محرجا إلى إبراهيم الثاني، حاكمِ القيروان مؤسسِ مدينة "رقادة")(3) وقد علق ح ح  عبد الوهاب على الخبر بقوله: "ولم ينته إلينا بماذا أجاب الأميرُ عن هذا السؤال." والخبر في كتاب "ورقات" يكاد يكون منقولا عن ياقوت في معجم البلدان، وعجز البيت الثاني فيه، وفي القسم الأول من ورقات، صحيح على المنسرح.

4) جواب للقاضي بن فروخ يحرج أمير إفريقية وهذا خبر آخرُ طريف عن عبد الله بن فروخ (115 ـ 176 هـ ) وهو فقيه من علماء الحديث من أهل إفريقية، قيل إنه ولد بالأندلس وسكن القيروان، وعرض عليه روح بن حاتم القضاء فأبى وخرج حاجا فمر بمصر في عودته، فتوفي بها ودفن بسفح المقطم، وله ديوانٌ يعرف باسمه جمع فيه مسموعاته وسؤالاته للإمامين أبي حنيفة ومالك، وكتابٌ في الرد على أهل البِدع والأهواء" كما جاء في الأعلام للزركلي، وجاء عنه في كتاب ورقات التعليق رقم 2 ص 332: أنه نشر آراء أهل العراق ـ أي المذهب الحنفي ـ في إفريقية، وكان عالما فاضلا صالحا قليل الهيبة للملوك في حقٍ يقوله، وهذا الخبر يؤكد هذا الكلام:

(أرسل يزيدُ بن حاتم- أميرُ إفريقية- إلى عبد الله بن فرّوخ يسأله عن دم البراغيث في الثوب، هل تجوز الصلاة به ؟ فقال: "ما أرى به بأسا" وقال لأصحابه بحضرة الرسول: "يسألوننا عن دم البراغيث ولا يسألوننا عن دماء المسلمين التي تسفك!" (5) وقد قرأت هذا الخبر، في مكان آخر، أن ابن فروخ أجاب بشكل ثان أشد جرأة وهو: (سبحان الله يسألوننا عن دم البراغيث وفي أعناقهم دماء المسلمين!)

5) اللحياني يفحم أمير إفريقية

قال أبو العرب في الطبقات: (كان أبو الربيع اللحياني عظيم اللحية جدّا، وكان من أجَـلِّ أصحاب سحنون، دخل يوما على محمد بن الأغلب أمير إفريقية، فكلّمه ووعظه، فقال له ابن الأغلب: ما طالت إلا حمقت!

فأجابه أبو الربيع: "لا تفعل أيها الأمير، فإن الله عزّ وجلّ يقول: (والبلدُ الطيبُ يَخرُج نباتُه بإذن ربه، والذي خَبُثَ لا يَخرج إلا نَكِدًا)(6)(الأعراف 58) وكان محمد بن الأغلب وجهه كوسجا ليس فيه إلا شعرات يسيرة، فخجِل الأمير ولم يعد إليه. والكوسج: هو الرجل الذي لا نبات له في عارضيه، كالأمرد في الغلمان.

6) قاض يُذكّر أمير القيروان بالفقراء

ونسوق هذا الخبر الطريف الآخر الذي يؤكد ما نحن بصدده:

قال المالكي في رياض النفوس: (ختن الأمير إبراهيم بن أحمد الأغلبي أولاده، فمضى أهل العلم من شيوخ القيروان لتهنئته في مدينة"رقّادة" وكان فيمن مضى إليه؛ عبد الجبار بن خالد، فلما أتى إلى الأمير أكبره وعظّمه وسُرّ برؤيته، وأخرج إليه أولاده فدعا لهم وبارك عليهم، ثم قال: أيها الأمير. هل علمت مقدار هذه النعمة التي أنعم الله تعالى عليك بها؟ فإنه أعطاك هؤلاء البنين، وعلّمتهم كتاب الله وأحييت فيهم سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد بلغني أنك أكثرت فيما عملت من الطعام، ودعوت إلى ذلك الأغنياء والأعيان فقال الأمير: أجل! لموضع المسرّة بذلك فقال له عبد الجبار: فلو استكملت هذه المسرة بأن تذكر الفقراء فيها؟ فقال له: صدقت وبررت ثم دعا بكيس فيه خمسمائة دينار ودفعه لعبد الجبار وسأله أن يفرّقها على الفقراء والمساكين، فأجابه عبد الجبار إلى ذلك، فسرّ الأمير بفعله وشيعه إلى باب القصر، وقال لغلمانه: احملوا الشيخ على دابته وقال: والله ما برحت حتى تركب! فركب عبد الجبار والأمير قائم، فلما استوى مركوبه وأصلح الغلمان ثيابه وانصرف، التفت الأمير إلى كاتبه رجاء ابن محمد وخاطبه: يا رجاء! أرأيت ما أعقله وما أظرفه؟ أتعرف في رعيتى مثله؟ إنه قضى ذمامنا، وتعافى عن طعامنا، وأخرج مالنا فيما يُرضي الله ويُرضينا!" وقد تصدّق عبد الجبار بجميع الدنانير على من يستحقها من المساكين.(7)

7) ابن أمير يعلن توبته على يدي القاضي ابن فروخ وهذا خبر طريف آخر يدل على قيمة القاضي ابن فروخ لدى أمراء بني الأغلب، فقد روى المالكي عنه في رياض النفوس أنه خرج يوما يصلي على جنازة في مقبرة باب نافع من القيروان، فرأى إسحاق بن الأمير يزيد بن حاتم وقد أغرى كلابا كانت معه على ظبي ليُضَرِّيَها به، فنهشت الكلاب الظبي ومزقت جلده، فلما انصرف ابن فروخ من الجنازة لقيَ إسحاق بن يزيد الذي كانت كلابه معه، فاستوقفه ابن فروخ، فوقف له إسحاق فما كنّاه ابن فروخ ولا زاد على أن قال له:"يا فتَى، إني رأيتك آنفا تُغري كلابك بشيء من البهائم، وما أُحبُّ لك ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أشد النهي عن ذلك" فقبل منه إسحاقُ وقال له: "صدقت يا أبا محمد، جزاك الله خيرا". مُكَنِّيًا ومعظما ثم قال الفتى: "والله لا فعلت ذلك بعدها أبدا." ثم مضى لوجهه. (8) الملاحظ أن القدماء إذا خاطبوا شخصا ولم يريدوا احترامه لم يكنوه ودعوه باسمه مباشرة، وقد خاطب ابنُ فروخ إسحاقَ ابن الأمير يزيد بن حاتم باسمه دون أن يكنيَه ليُشعره بسلطته عليه، وبغضبه على ما قام به من فعل لا يرتضيه، وهذا ما جعله يعتذر للقاضي بن فروخ، ويكنيه بقوله: يا أبا محمد ويعظمه عند جوابه له.

9) سخرية كاتب أحد أمراء بني الأغلب من إصراره على الجهل وهذا خبر طريف آخر يبدو فيه جهل أحد أمراء بني الأغلب وعندما أصلح كاتبه له الخطأ أصر على الجهل وأصلح جهله بجهل مركب.

فقد روى عنه ابن الأثير في كتاب التاريخ هذا الخبر: "كان أبو العباس بن الأغلب أمير إفريقية قليلَ البصر بالعلم، غيرَ عارف بالنحو والرسم على خلافٍ من آل بيته، لكنه كان منصورا مؤيدا في حروبه وغزواته.

ذكر أن رجاء الكاتب كان يوما بين يديه، فكتب الأمير: (لحم ضبي) مسقوطة، (أي بالضاد) فلمّا خلا المجلس قال له كاتبه: (أيّد الله الأمير، الظبي يكتب بظاء مرفوعة) فقال الأمير: "قد علمنا فيه اختلافا، فأبو حنيفة يجعله بالظاء ومالك يجعله بالضاد." فعجب رجاء من جسارته.(10) فقد حسب أنه صوب ٍهذا الخطأ في الرسم بقول مكذوب نسبه إلى مالك وهو إمام في الفقه المالكي ولم يعتمد قول أبي حنيفة فيه، لأنه من أتباع مذهب مالك، فعجب كاتبه رجاء من جسارته.

ب) طـُرَفٌ من ذكاء أمراء القيروان

وليس معنى هذا أن أكثر هؤلاء الحكام جهال يرتكبون أمثال هذه الحماقات، فقد عثرت على أخبار أخرى تدل على سعة علم وهذا يبدو في أجوبتهم البارعة في بعض محاورتهم وأحاديثهم مع علماء عصرهم، وهكذا نرى أنه إذا كان الأمير أبو العباس بن الأغلب أمير إفريقية قليلَ البصر بالعلم، غيرَ عارف بالنحو والرسم على خلافٍ من آل بيته، مع تشبث بالجهل وإصرار على التعالم، فإننا نجد منهم من له مكانة في العلم.

9) صاحب إفريقية أبلغ من عالم القيروان: المروذي وهذا الخبر يؤكد ما ذهبنا إليه، فقد روى أبو جعفر المروذي، وهو من علماء القيروان في القرن الرابع الهجري في عهد الفاطميين العبيديين،  قال: (خرجت مع مولانا إسماعيل المنصور صاحب إفريقية "وهو رابع ملوك الفاطميين" يومَ هَزم أبا يزيد صاحب الحمار.(11) فسايرت الأمير وكان بيده رمحان، فسقط أحدهما مرارا، فكنت امسحه في كل مرة وأناوله إياه، وأنشدته متفائلا: [الطويل]

فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى     كما قرّ عينا بالإياب المسافرُ

فالتفتَ إليّ وقال: هلا قلت ما هو ابلغ من هذا وأصدق؟ فقلت له: وما هو؟

قال: قول الله عزّ و جلّ: (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون؛ فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين)؟(12) فقلت: يا مولانا؛ أنت ابن رسول الله قلتَ ما عندك من العلم؛ وأنا قلتُ ما عندي.) (13)

11) أمير القيروان يعزل قاضيا لجهله

وهذا خبر يدل على تفوق بعض أصحاب الحكم على بعض العلماء وحتى من تولى القضاء عن غير جدارة، فهذا "أحمد بن وهب من أبناء القيروان، وُلّيَ قضاء طرابلس في مدة الأمير إبراهيم بن الأغلب. وقيل إنه كان قليل العلم، كتب مرة إلى الأمير من ضمن رسالة:"حفضك الله" ولم يرفع الظاء، فقال الأمير: "خفضني خفضه الله." ثم عزله.

والضاد المخفوضة أو الساقطة ضد الظاء المرفوعة أو القائمة أو المُشالة، لذلك رأى إبراهيم بن الأغلب أنه لما كتب له كلمة: "حفضك الله" بالضاد جعلها أقرب إلى خفضك الله منها إلى حفظك الله، وقد عزله لجهل هذا القاضي، ولتشاؤم الأمير من كتابة تلك الكلمة بذلك الشكل.(14) وأختم هذه الأخبار المستندرة التي تؤكد سلطة علماء القيروان على أصحاب السلطة بهذا الخبر الذي ننقله من كتاب "الحلل السندسية في الأخبار التونسية" للوزير السراج، مرويا عن محمد بن سحنون قال: (ولي سحنون القضاء بعد أن أُدِيرَ عليه حولا، وأغلظ عليه أشد الغلظة، وحلف عليه محمد بن الأغلب بأشد الأيمان، فوليَ يوم الاثنين الثالث من رمضان سنة أربع وثلاثين ومائتين 234 هـ : قال سحنون: "لم أكن أرى قبول هذا الأمر حتى كان من الأمير معينان: أحدهما أعطاني كل ما طلبت وأطلق يدي في كل ما رغبت، حتى أني قلت له: "أبدأ بأهل بيتك وقرابتك وأعوانك، فإنّ قِبَلَهم ظُلاماتٍ للناس وأموالاً لهم منذ زمن طويل، إذ لم يجترئْ عليهم من كان قبلي". فقال لي: "نعم لا تبدأ إلا بهم وأجْرِ الحق على مفرق رأسي! " فقلت له: "الله!" ثلاثا. وجاءني من عزمه مع هذا ما يَخاف المرء على نفسه، وفكّرت فلم أجد أحدا يستحق هذا الأمر، ولم أجد لنفسي سعة في رده.)(15) وأخيرا فإن المطلع على أمثال هذه الأخبار الطريفة، التي تـُذكر على سبيل النكتة والطرفة والنادرة، يَشعر شعورا حقيقيا عميقا بما كان يتمتع به علماء القيروان، في تلك العهود القديمة، لدى ذوي السلطان من تقدير واحترام يصلان إلى درجة التحكم فيهم، لما لهم من دالة عليهم وقيمة لديهم، تقديرا للعلم واحتراما للعلماء.16)

 

د . نور الدين صمود - تونس