علي المرهجفي (قلعة سكر) كُنَا صبية، وكان من ضمن طقوس هذه المدينة زيارة السيد (الميهول) = (المجهول) وقد جاءت تسميته لأنه صبيُ ولدَ ميتاً ويُروى أنه مولود يعود نسبه للسادة الموسوية، ويُقال أن عائلته قد سكنت هذه المنطقة الواقعة بين مدينتنا (قلعة سكر) و مدينة (الرفاعي) = (الكرادي)، وبحسب الرواية المتداولة في هاتين المدينتين أن عائلة هذا السيد عائلة مُباركة، وأن السيد (الميهول) قد كان فيه سرَ إلهي هو شبيه بالسر الذي يضعه الله في أضعف خلقه، وقد كان (الميهول) فعلاً هو أضعف خلق الله، لأنه مات وهو لم يتوسد المهد، وقد سُميَ بهذا الإسم نتيجة لذلك، لأن والدته ووالده رغم توقهم في أن يرزقهم الله بصبي إلَا أن القدر شاء أن يلعب لُعبته، فما إن جاء حتى فُقد، وبفقده كانت له كرامات عوَضت أهله قليلاً أو كثيراً، فقد صار هذا السيد قبلةً لأهل مدينتين عريقتين في محافظة (ذي قار)، فكل من له أو لها نُذرٌ أو مُراد يجد أو تجد في زيارته أو زيارتها للـ "الميهول" استجابة لتحقيق هذا النذر، لا سيما النساء، فكان يُروى في أحاديث أهل مدينتنا أن النساء اللواتي لم يُرزقنَ بأطفال يكفيهنَ أن يزورنَ السيد "الميهول" ليتحقق مرادهنَ بمجرد التبرك بعتبات شباكه أو بأخذ "الجروة" من طينة الأرض الطرية المُحيطة به. "الجروة" هي طين حريَ صلصال، تأخذها النساء من هذه الأرض الرطبة المُحيطة بمقام هذا السيد، ليخلطنها بالماء ويغتسلنَ بها، فكانت قناعاتهنَ أنهنَ سينالنَ المُراد بمُجردَ الاغتسال بهذه الطينة (الجروة).

بُنيَ لهذا السيد مقام في منطقة زراعية تُحيط بها الخُضرة من كُل جانب، وكان يُقال أن أهله الذين لا تحديد لأسمائهم كانوا يقطون هذه الأرض بعد جاءوها وافدين من فيافي أرض الله وقفارها.

العجيب الأثير أن مقام هذا السيد في أرض مخضرة، قد بُنيَ من الآجر (الطابوق) وبعد اكساء الطابوق بالاسمنت تم طلاء هذا المقام أو القبر باللون الأبيض، كدلالة ـ كما أظن ـ بقصد أو من دون قصد على النقاء وما تكنتزه الطفولة من براءة وبهاء.

في اجتماع البياض والخضرة وبركات الصالحين دفق روحي لكل من سكن قرب هه الديار، والأغرب الأحب أن أهل مدينتي (قلعة سكر) و (الرفاعي) كانا يزوران هذا المقام في موعد معروف من السنة هو 21/ آذار، وهو عيد رأس السنة الفارسية، أو عيد (نوروز) وهو عيد الربيع في أدبياتنا (القومجية)، فقد كانت الأمهات والآباء فضلاً عن التحضير لطقوس هذا العيد بوضع أوراق شجرة "الآس" في شقوق الجُدران، أو أوراق "الخس" كدلالة على بدء حياة جديدة، كانت العوائل تصطف بنات وبنين شيوخ وعجائز ليركبوا سيارة "دك النجف" التي كانت تقلنا لزيارة هذا المقام والاحتفاء بهذا اليوم البهيج.

الجدير بالذكر أن سيارة "دك النجف" أو "النيرن" سُميَت بهذا الإسم لأن هيكلها الخارجي كان يُصنع في النجف، وكلمة (دك) تعني صناعة، وهي عبارة عن هيكل خشبي مصنوع من خشب (الصاج) وهي في الأصل من نوع "فالفو" صناعة سويدية، تحتوي على "مسطبات" حديدية مُتقابلة في داخلها، وأحياناً مرصوفة حسب نظام الباصات الحالي، ولكنها في الأغلب الأعم "مصطبات" مُتقابلة تتوسطها باحة داخلية يركب فيها الأشخاص وقوفاً في المُناسبات، وغيرها تُستخدم هذه السيارات لنقل الخُضار وفي أحيان قليلة لنقل الماشية في الأيام التي ليس فيها مُناسبات كالأعياد والزيارات المعروفة للأئمة والسادة والأولياء الذين تنتشر قبورهم على طول أرض العراق.

هُناك من يربط احتفال أهل الجنوب بأعياد (الدخول) أو الربيع بعودة تموز بعد أن أقصته زوجته "عشتار" أو "أينانا" كما تروي الأسطورة السومرية أو البابلية، لذا يرى الكثيرون ومنهم الآثاري الأستاذ الدكتور فوزي رشيد أن هذا العيد عراقي أصيل لا علاقة له بأعياد أهل بلاد فارس ومن يحتفي معهم، بل أنهم هم من توارثوا هذا العيد العراقي جيلاً بعد جيل من الحضارة العراقية القديمة بحكم أسبقية هذه الحضارة في النشوء تاريخياً.

في أيام حزب البعث بعد أن حاول هذا النظام منع الاحتفال بهذا العيد فما قدر، أعادوا تسميته فسُميَ بعيد الشجرة، وهي أيضاً تسمية ذكية تُحافظ على مضمون هذا العيد وتُغير من طبيعة التداول التاريخي الموروث له ولكن لم تنجح خطواتهم هذه وبقيَ العيد له حضوره الاجتماعي والتاريخي المتوارث الذي ليس شرطاً أن يكون مُدركاً حقاً بأبعاده الميثولوجية أو بعلاقته بأعياد "نوروز" الفارسية والكُردية.

ما أذكره عن هذا العيد أنه من الأعياد المُهمة في مدينتنا والمُدن المجاورة مثل: (الرفاعي) و (الفجر) = (سويج شجر)، وكُنَا ننشد هذا المقطع حين ركوبنا بـ "دك النجف" (الما يزور الميهول عُمره خساره) وكأن زيارة (الميهول) تمنحك حياة أخرى أو فيه تجديد للحياة كما هي حياة "تموز" أو "ديموزي" بعد عودته من عوالم الظلام كي يرى النور من جديد وتزدهي أرض الرافدين وتخضر وفق فكرة "العود الأبدي" الذي تحدث عنها فيلسوف "الصيرورة" و"العود الأبدي" (نيتشه).

كان أهل مدينتي (قلعة سكر) و (الرفاعي) يُعلنون بداية حياة جديدة في هذا العيد أثناء زيارة (الميهول)، حياة في التجديد وفي الصراع، فستجد الألعاب القديمة مثل: (الطرام) وهو إطار (البايسكل) القديم أو الدراجة الهوائية المُستهلكة منزوعة القوائم الحديدية لتُدفع بأداة من حديد محني رأسها الأمامي ليُدفع بها هذا الإطار، وهي مُتعة لا ألذ منها في طفولتنا، أو (الدُعبل) بشتى أصناف اللعب فيه، أو (العربانه أم جروخ أو أم الصجم) وهي عبارة عن أطر خشبية وربما حديدية مربوطة ببسامير أو بطرق أخرى فيما يخص القوائم الحديدية حول أسطوانات صغيرة لولبية يُحركها الدفع بحكم تدوير الكوريات في داخل هذا الأطار المربوط بهذه القوائم الخشبية أو الحديدية. وهُناك ألعاب أخرى مثل ركوب الحمير وهو كثير أو ركوب الخيل وهو قليل. واللعبة الأكثر رواجاً هي لُعبة (الزار) أو "الزهر" عبر رمي حجرين من النرد فيما يُسمى (فوق السبعة) و (تحت السبعة) فللمُشارك حق التوقع في رمية النرد أو الزهر المزدوج ليضع مبلغاً للرهان في توقعه لرمية الزهر في أن يكون (تحت السبعة) أو (فوق السبعة)، فإن كان توقعه بحسب رمية الزهر كسب الرهان وبعكسه فلا، وكان في نهاية هذا الاحتفال بالعيد تنتهي هذه الألعاب أو المُنافسات بحرب طاحنة بين أهل القلعة وأهل الرفاعي، فكل له (شقاواتهم) من الذين يشتركون أو يُشرفون على هذه اللعبة، ومرة ينتصر أهل القلعة في هذه الحرب الطاحنة بين المدينتين المُتجاورتين وأخرى ينتصر أهل الرفاعي، وكم من عيد انتهى بصراع دموي ينتهي بالتغاضي أو التراضي، ولا أذكر أن عشيرتين اصطرعتا أو تحاربتا بسبب خلاف على لعبة في عيد أو خلافه... وبقيَ الجميع يتوق لإنشاد نشيدنا الأثير (الما يزور الميهول عمره خساره).

 

د. علي المرهج

 

 

إيران تستعيد قدراتها العسكرية، وتشن الهجوم المعاكس

حامد الحمدانيفي أواسط عام 1982، استطاع النظام الإيراني احتواء هجوم الجيش العراقي وتوغله في عمق الأراضي الإيرانية، وإعداد العدة للقيام بالهجوم المعاكس لطرد القوات العراقية من أراضيه بعد أن تدفقت الأسلحة على إيران، وقامت الحكومة الإيرانية بتعبئة الشعب الإيراني، ودفعه للمساهمة في الحرب، وقد بدأت أعداد كبيرة من الإيرانيين بالتطوع في قوات الحرس الثوري مدفوعين بدعاوى دينية استشهادية، وتدفق الآلاف المؤلفة منهم إلى جبهات القتال، وقد عصبوا رؤوسهم بالعصابة الخضراء، ولبس قسم منهم الأكفان وهم يتقدمون الصفوف.

وفي تلك الأيام من أواسط عام 1982، شنت القوات الإيرانية هجوماً واسعاً على القوات العراقية التي عبرت نهر الطاهري متوغلة في العمق الإيراني، واستطاع الجيش الإيراني مدعوما بالحرس الثوري من تطويق القوات العراقية، وخاض ضدها معارك شرسة ذهب ضحيتها الآلاف من خيرة أبناء الشعب العراقي الذين ساقهم الدكتاتور صدام حسين إلى ساحات القتال، وانتهت تلك المعارك باستسلام بقية القوات العراقية بكامل أسلحتها للقوات الإيرانية.

واستمر اندفاع القوات الإيرانية عبر نهر الطاهري، وأخذت تطارد بقايا القوات العراقية التي كانت قد احتلت مدينة [خرم شهر] وطوقت مدينة عبدان النفطية المشهورة، واشتدت المعارك بين الطرفين، واستطاعت القوات الإيرانية في النهاية من طرد القوات العراقية من منطقة [خوزستان] في تموز من عام 1982، بعد أن فقد الجيش العراقي أعداداً كبيرة من جنوده، وتم أسر أكثر من عشرين ألف ضابط وجندي من القوات العراقية، وغرق أعداد كبيرة أخرى في مياه شط العرب عند محاولتهم الهرب من جحيم المعارك سباحة لعبور شط العرب، وكانت جثثهم تطفوا فوق مياه الشط.

أحدث الهجوم الإيراني هزة كبرى للنظام العراقي وآماله، وأحلامه في السيطرة على منطقة خوزستان الغنية بالبترول، وكان حكام العراق قد ساوموا حكام إيران عليها بموجب شروط المنتصر في الحرب، إلا أن حكام إيران رفضوا شروط العراق وأصروا على مواصلة الحرب وطرد القوات العراقية بالقوة من أراضيهم، وبعد ذلك الهجوم الذي أنتهي بهزيمة العراق في منطقة خوزستان حاول النظام العراقي التوصل مع حكام إيران إلى وقف الحرب، وإجراء مفاوضات بين الطرفين بعد أن وجد نفسه في ورطة لا يدري كيف يخرج منها، مستغلاً قيام القوات الإسرائيلية في صيف ذلك العام 1982 باجتياح لبنان، واحتلالها للعاصمة بيروت، وفرضها زعيم القوات الكتائبية [بشير الجميل] رئيساً للبلاد تحت تهديد الدبابات التي أحاطت بالبرلمان اللبناني لكي يتسنى للعراق تقديم الدعم للشعب اللبناني حسب ادعائه مبدياً استعداده للانسحاب من جميع الأراضي الإيرانية المحتلة.

إلا أن حكام إيران وعلى رأسهم [الإمام الخميني] رفضوا العرض العراقي وأصروا على مواصلة الحرب، وطلبوا من حكام العراق السماح للقوات الإيرانية المرور عبر الأراضي العراقية للتوجه إلى لبنان، لتقديم الدعم للشعب اللبناني، وقد رفض صدام حسين الطلب الإيراني كذلك.

حاول حكام العراق بكل الوسائل والسبل وقف الحرب، ووسطوا العديد من الدول والمنظمات كمنظمة الأمم المتحدة، والجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ولكن كل محاولاتهم باءت بالفشل، فقد كان الإمبرياليون يسعون بكل الوسائل والسبل إلى استمرار الحرب، وإفشال أي محاولة للتوسط في النزاع، فقد قتل وزير خارجية الجزائر عندما كان في طريقه إلى إيران، في محاولة للتوسط بين الطرفين المتحاربين، حيث أُسقطت طائرته، ولف الحادث الصمت المطبق، وبقي سراً من الأسرار، كما اغتيل رئيس وزراء السويد [أولف بالمه] الذي بذل جهوداً كبيرة من أحل وقف القتال، في أحد شوارع العاصمة السويدية، وبقي مقتله سراً من الأسرار كذلك، وقيل أن توسطه بين الأطراف المتحاربة لوقف القتال كان أحد أهم أسباب اغتياله، هذا بالإضافة إلى موقفه النبيل من قضايا التسلح النووي، والحرب الفيتنامية التي عارضها بشدة.

لقد كان إصرار حكام إيران على استمرار الحرب من أعظم الأخطاء التي وقعوا فيها، بل أستطيع تسميتها بالجريمة الكبرى التي لا يمكن تبريرها، وتبرير موقفهم ذاك بأي حال من الأحوال، فقد أدى استمرار الحرب حتى الأشهر الأخيرة من عام 1988 إلى إزهاق أرواح مئات الألوف من أبناء الشعبين العراقي والإيراني، وبُددت ثروات البلدين، وانهار اقتصادهما، وتراكمت عليهما الديون، وأُجبر حكام إيران على شراء الأسلحة من عدويهما إسرائيل وأمريكا، كما كانت شعاراتهم تقول، ولا أحد يعتقد أن الإمام الخميني وحكام إيران لم يكونوا عارفين أن تلك الحرب كانت حرب أمريكية تولى تنفيذها صدام حسين، وتصب في خانة الولايات المتحدة وإسرائيل الإستراتيجية في المنطقة، وكان خير دليل على ذلك قيام الولايات المتحدة وحلفائها بتزويد الطرفين بالأسلحة، والمعدات وقطع الغيار، والمعلومات التي كانت تنقلها الأقمار الصناعية التجسسية الأمريكية لكلا الطرفين من أجل إطالة أمد الحرب، وعليه كان الإصرار على استمرار الحرب جريمة كبرى بحق الشعبين والبلدين الجارين بصرف النظر عن طبيعة النظام العراقي وقيادته الفاشية والمتمثلة بصدام حسين وزمرته، والتي كانت تدفع أبناء الشعب العراقي إلى ساحات الموت دفعاً، وحيث كانت فرق الإعدام تلاحق الهاربين من الحرب،أو المتراجعين أمام ضغط القوات الإيرانية في ساحات القتال.

لقد كان أحرى بالنظام الإيراني وبالإمام الخميني نفسه إيقاف القتال وحقن الدماء، والعمل بقوله تعالى: [وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله] وقوله تعالى في آية أخرى: [يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان أنه لكم عدو مبين] كما جاء في آية ثالثة قوله تعالى: [وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ، فأصلحوا بينهم] تلك هي آيات من القرآن الكريم التي تحث على السلام وحل المشاكل بالحسنى والعدل، وربما يحاجج النظام الإيراني بأن صدام حسين لا يمكن أن يعتبر مؤمناً، وبالتالي لا يمكن أن تنطبق عليه هذه الآيات الكريمة هذه، وهنا أعود فأقول أن الذين كانوا يقاتلون في تلك الحرب ليسو صدام حسين وزمرته وإنما الناس الأبرياء من أبناء الشعب والذين ساقهم صدام للحرب عنوة، فهل يُعتبر الشعب العراقي كله في نظر حكام إيران غير مؤمنين؟

ومن جهة أخرى كان النظام الإيراني قد أدرك أن الإمبرياليين يساعدون الطرفين، ويمدونهم بالسلاح والمعلومات العسكرية، أفلا يكون هذا خير دليل على أن تلك الحرب هي حرب أمريكية استهدفت البلدين والشعبين والجيشين من أجل حماية مصالح الإمبرياليين في الخليج، وضمان تدفق النفط إليهم دون تهديد أو مخاطر، وبالسعر الذي يحددونه هم؟

ثم ألا يعني استمرار تلك الحرب خدمة كبرى للإمبرياليين، وكارثة مفجعة لشعبي البلدين وللعلاقات التاريخية وحسن الجوار بينهما؟

لقد أعترف صدام حسين عام 1990 بعد إقدامه على غزو الكويت في رسالة إلى الرئيس الإيراني [هاشمي رفسنجاني] أن تلك الحرب كان وراءها قوى أجنبية، حيث ورد في نص الرسالة ما يلي: [إن هناك قوى كانت لها يد في الفتنة]. (6)

ولكن صدام حسين لم يقل الحقيقة كاملة، وبشكل دقيق، لأن الحقيقة تقول أن صدام حسين أشعل الحرب بأمر أو تحريض أمريكي، وظن صدام أن بإمكانه تحقيق طموحاته في التوسع والسيطرة ولعب دور شرطي الخليج بعد أن كانت إيران على عهد الشاه تقوم بهذا الدور، ويصبح للعراق منفذاً واسعاً على الخليج.

لقد أراد صدام حسين أن يزاوج مصالح الإمبريالية بأطماعه التوسعية، ولكن حسابات البيدر كانت غير حسابات الحقل، كما يقول المثل، ودفع العراق ثمناً غالياً من دماء أبنائه، وبدد صدام حسين ثروات البلاد، واغرق العراق بالديون، ودمر اقتصاده، ودمر البنية الاجتماعية للشعب العراقي، وكان المستفيد من تلك الحرب الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهم، وليذهب إلى الجحيم شعبا البلدين المظلومين من قبل حكامهما، ومن قبل الإمبرياليين الذين هم أساس البلاء.

ربما فكر الإمام الخميني بأن استمرار الحرب يمكن أن يحقق له أهدافاً في العراق، كقيام ثورة [شيعية] تسقط النظام الصدامي، لكن هذا الحلم كان غير ممكن التحقيق لسبب بسيط وهو أن الإمبريالية لا يمكن أن تسمح بقيام نظام ثانٍ في العراق على غرار النظام الإيراني، ولا حتى تسمح بأن يسيطر صدام حسين على إيران ليشكل ذلك أكبر خطر على مصالحهم في المنطقة، وتسمح لأحد المنتصرين الجلوس على نصف نفط الخليج، وهذا ما أكده إعلان الرئيس الأمريكي [جيمي كارتر] في خطابه أمام الكونجرس الأمريكي في 23 كانون الثاني من عام 1980 والذي دُعي بمبدأ كارتر، وجاء فيه ما يلي:

{إن أي محاولة من جانب أي قوى للحصول على مركز مسيطر في منطقة الخليج سوف يعتبر في نظر الولايات المتحدة الأمريكية كهجوم على المصالح الحيوية بالنسبة لها، وسوف يتم رده بكل الوسائل، بما فيها القوة العسكرية}. (7)

هذه هي حقائق الوضع في منطقة الخليج، والتي جهلها أو تجاهلها حكام البلدين، ليغرقوا بلديهما وشعبيهما في ويلات أطول حرب في القرن العشرين.

استمرار الحرب وإيران تستكمل تحرير أراضيها

اشتدت الحرب ضراوة ما بين الأعوام 1983 ـ 1986 ،حيث أخذت إيران زمام المبادرة من العراقيين واستطاعت بعد إكمال تحرير إقليم خوزستان أن تركز جهدها الحربي نحو القاطع الأوسط من ساحة الحرب حيث شنت هجوماً واسعا على القوات العراقية مسددة له ضربات متواصلة، استطاعت من خلالها تحرير مدن[قصر شيرين] و[سربيل زهاب] و[الشوش]، وتمكنت من طرد القوات العراقية من كافة الأراضي الإيرانية، ومنزلة بها خسائر جسيمة بالأرواح والمعدات، وتم أسر الآلاف من جنوده وضباطه، والاستيلاء على معدات وأسلحة ودبابات بأعداد كبيرة، هذا بالإضافة إلى آلاف القتلى الذين تركوا في ساحات المعارك، ولم يكن بالإمكان نقلهم جميعاً إلى داخل الحدود العراقية، ومع ذلك فقد كانت سيارات النقل كل يوم تنقل أعداد كبيرة من ضحايا تلك الحرب المجرمة، وكان الشعب العراقي يتحرق ألماً وغضباً على النظام الصدامي الذي ورط العراق بتلك الحرب، وقمع أي معارضة لها بأقسى وسائل العنف، فقد كان مصير كل من ينتقد الحرب الموت الزؤام.

لقد حاول صدام امتصاص غضب الشعب واستياءه من الحرب وكثرة الضحايا برشوة ذويهم، وذلك بتقديم سيارة ومبلغ من المال، أو قطعة أرض أو شقة أو دار، وكان حكام دول الخليج، وفي المقدمة منهم حكام السعودية، يدفعون الأموال الطائلة لتمكن صدام حسين من دفع تلك الرشاوى، ولشراء الأسلحة والمعدات للجيش العراقي، بعد أن أستنفذ دكتاتور العراق كامل احتياطيات البلاد من العملات النادرة البالغة 36 ملياراً من الدولارات والذهب، واستنفذ كل موارد العراق النفطية والبالغة 25 مليار دولار سنوياً ،هذا بالإضافة إلى إغراق العراق بالديون، والتي جاوزت حدود أل 60 مليار دولار.

لقد كان من الممكن أن يكون العراق اليوم في مصاف الدول المتقدمة في تطوره، ومستوى معيشة شعبه نظراً لما يتمتع به العراق من ثروات نفطية ومعدنية وأراضي زراعية خصبة، ومياه وفيرة، ولكن الدكتاتور آثر أن يسوق الشعب العراقي نحو الجوع والفقر، ويسبب

للوطن نحو الدمار والخراب.

سادساً:الجيش الإيراني يحتل شبه جزيرة الفاو، وجزر مجنون

اشتدت المعارك بين الجيشين العراقي والإيراني، وبدت إيران في وضع يمكنها من شن الهجمات البشرية المتتالية تارة على القاطع الجنوبي نحو البصرة، وتارة أخرى نحو القاطع الأوسط ، حول مدن مندلي وبدرة وجصان، وتارة ثالثة نحو القاطع الشمالي المحاذي لكردستان، وكان الوضع في كردستان في غير صالح النظام بالنظر إلى الجرائم التي أقترفها بحق الشعب الكردي، مما دفع الأكراد إلى الوقوف إلى جانب إيران رغبة في إسقاط النظام، واستطاعت القوات الإيرانية من احتلال أجزاء من المناطق في كردستان.

أما هجماته في القاطعين الأوسط والجنوبي فقد كان حكام العراق قد حشدوا قوات كبيرة مجهزة بشتى أنواع الأسلحة بما فيها الأسلحة الكيماوية الفتاكة التي أستخدمها صدام حسين لدحر الهجمات الإيرانية موقعاً خسائر جسيمة في صفوف القوات الإيرانية والعراقية، حيث سقط عشرات الألوف من جنود وضباط الطرفين في تلك المعارك الشرسة والتي تقشعر من هولها الأبدان، ولم يفلح الإيرانيون في الاحتفاظ بأي تقدم داخل الأراضي العراقية حتى نهاية عام 1985 .

لكن الوضع أصبح خطيراً بالنسبة للعراق عام 1986،عندما استطاعت القوات الإيرانية الاندفاع نحو شبه جزيرة الفاو واحتلالها بأكملها بعد معارك دموية شرسة، ودفع فيها الشعب العراقي ما يزيد على 50 ألف من أرواح أبنائه في محاولة من صدام حسين لاستعادتها من أيدي الإيرانيين، وكان الإيرانيون يستهدفون من احتلالها قطع الاتصال بين العراق ودول الخليج التي كان العراق يحصل على الأسلحة والمعدات عن طريقها، إضافة إلى محاولة إيران منع العراق من تصدير نفطه عن طريق الخليج، وحرمانه من موارده النفطية اللازمة لإدامة ماكينته الحربية، وقد أضطر العراق إلى مد أنبوبين لنقل النفط إلى الأسواق الخارجية الأول عبر الأراضي التركية، والثاني عبر الأراضي السعودية بعد أن أصبح نفطه مطوقاً، وسيطرت البحرية الإيرانية على مداخل الخليج، أستمر الإيرانيون في تكثيف هجماتهم على القوات العراقية بعد احتلالهم شبه جزيرة الفاو، وركزوا على منطقة [جزر مجنون] الغنية جداً بالنفط، واستطاعوا احتلالها بعد معارك عنيفة.

سابعاً: النظام العراقي يسعى للتسلح بأسلحة الدمار الشامل:

كاد النظام الصدامي يفقد صوابه بعد أن تطورت الأوضاع على جبهات القتال لغير صالح العراق، وبدأ يعبئ كل موارد البلاد لخدمة المجهود الحربي، كما أخذ يطلب المساعدة من دول الخليج، ومن السعودية بشكل خاص، وشعر حكام الخليج أن الخطر قد بدأ يتقدم نحو المنطقة، فسارعوا إلى تقديم كل أنواع الدعم والمساعدة المالية، وحصل العراق في تلك الفترة على 12 مليار دولار، وكان عدد من الدول العربية كمصر والسعودية والكويت تقوم بشراء الأسلحة لحساب العراق.

غير أن حكام العراق وجدوا أخيراً أن السعي لإنشاء مصانع الأسلحة ذات الدمار الشامل يمكن أن تكون أداة فعالة لدفع الخطر عن البلاد، وتم إنشاء هيئة التصنيع العسكري، وبدأ العراق بإنتاج الأسلحة الكيماوية، مستفيدين من خبرة العلماء المصريين، وبعض العلماء الأجانب الذين سبق وعملوا في برامج الأسلحة الكيماوية في عهد عبد الناصر، وأوقفها السادات من بعده، ثم بدأ العراق في إنتاج وتطوير الصواريخ من طراز [سكود]، وطوروا مداها لكي تصل إلى أبعد المدن الإيرانية، وكان الإيرانيون قد حصلوا على عدد من تلك الصواريخ، وضربوا بها العاصمة بغداد وبعض المدن الأخرى، حيث كانت تلك الصواريخ تطلق نحو العراق كل بضعة أيام أو أسابيع لتصيب الأهداف المدنية، وتفتك بالأبرياء، فقد أصاب أحد تلك الصواريخ مدرسة ابتدائية في بغداد، وقتل العديد من الأطفال وجرح أعداد أخرى، وكان الشعب العراقي ينتابه القلق الشديد كل يوم، من هذا السلاح الخطير، حيث لا أحد يعلم متى وأين سيقع الصاروخ، وكم سيقتل من الآمنين.

تمكن العراق من الحصول على أعداد كبيرة من تلك الصواريخ، وبدأ في تطويرها، وزيادة مداها، وبدأ حكام العراق يطلقونها على العاصمة الإيرانية والمدن الأخرى بكثافة حتى جاوز عدد الصواريخ التي أطلقوها على المدن الإيرانية أكثر من [1000 صاروخ]،منزلين الخراب والدمار بها، والخسائر الفادحة في صفوف المدنيين، وأخذت الحرب تزداد خطورة وأذى للسكان المدنيين.

كما تمكن العراق من إنتاج كميات كبيرة من الأسلحة الكيماوية، واستخدمها في صد هجمات القوات الإيرانية منزلاً بها الخسائر الجسيمة في الأرواح، كما راح حكام العراق يعبئون صواريخ سكود بالغازات السامة كغاز[الخردل] و[السارين] السامين، ثم بدءوا يتطلعون إلى تطوير ترسانتهم الحربية في مجال الأسلحة البيولوجية والجرثومية، وتمكنوا من إ نتاجها وتعبئة القنابل بها.

أحدث برنامج التسلح العراقي هذا قلقاً كبيراً لدى إسرائيل التي كانت تتابع باهتمام بالغ تطوير برامج التسلح العراقي، وقام جهاز المخابرات الإسرائيلية [الموساد] بحملة ضد العلماء الذين ساهموا في تطوير البرامج، وضد الشركات الغربية التي جهزت العراق بالأجهزة، والمعدات اللازمة لتطويرها وخاصة الشركات الألمانية والفرنسية والأمريكية والبلجيكية والسويسرية التي جاوز عددها 300 شركة.

كما قام الموساد باغتيال العالم المصري والأمريكي الجنسية [يحيى المشد] الذي عمل في تطوير الأسلحة العراقية ذات الدمار الشامل، كما أغتال العالم البلجيكي الدكتور [جيرالد بول] في بروكسل، حيث كان هذا العالم يعمل لإنتاج المدفع العملاق للعراق، وقام جهاز المخابرات الإسرائيلي أيضاً بنسف توربينات المفاعل النووي [أوزيراك] في ميناء [مرسيليا] الفرنسي حيث كان معداً لنقله إلى العراق.

غير أن العراق واصل نشاطه في بناء مفاعل جديد بإشراف العالم النووي العراقي [جعفر ضياء جعفر] الذي استطاع أن يحقق نجاحاً بارزاً في هذا المجال، وكان كل ذلك يجري تحت سمع وبصر الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين ومساعدتهم من أجل إبقاء نار الحرب مشتعلة بين العراق وإيران.

 

حامد الحمداني   

 

 

حامد الحمدانيبداية الحرب وتوغل القوات العراقية في العمق الإيراني:

في صباح الثاني والعشرين من أيلول 1980، قامت على حين غرة 154 طائرة حربية عراقية  بهجوم جوي كاسح على مطارات إيران وكافة المراكز الحيوية فيها ثم أعقبتها 100 طائرة أخرى في ضربة ثانية لإكمال ضرب المطارات والطائرات الحربية الإيرانية، وكانت الطائرات تغير موجة إثر موجة، وفي الوقت نفسه زحفت الدبابات والمدرعات العراقية نحو الحدود الإيرانية على جبهتين:

1ـ الجبهة الأولى: في المنطقة الوسطى من الحدود  باتجاه [قصر شيرين]، نظراً لقرب هذه المنطقة من قلب العراق لإبعاد أي خطر محتمل لتقدم القوات الإيرانية نحو محافظة ديالى و بغداد، وقد استطاعت القوات العراقية الغازية احتلال[قصر شيرين].

2ـ الجبهة الثانية: في الجنوب نحو منطقة [خوزستان] الغنية بالنفط  وذات الأهمية الإستراتيجية الكبرى حيث تطل على أعلى الخليج.

وفي خلال بضعة أسابيع من الهجوم المتواصل استطاعت القوات العراقية التي كانت قد استعدت للحرب من السيطرة على منطقة [خوزستان] بكاملها، واحتلت مدينة [خرم شهر] وقامت بالتفاف حول مدينة [عبدان] النفطية وطوقتها.

وعلى الجانب الإيراني قامت الطائرات الإيرانية بالرد على الهجمات العراقية، وقصفت العاصمة بغداد وعدد من المدن الأخرى، إلا أن تأثير القوة الجوية الإيرانية لم يكن على درجة من الفعالية، وخصوصاً وأن النظام العراقي كان قد تهيأ للحرب قبل نشوبها، حيث تم نصب المضادات أرض جو فوق أسطح العمارات في كل أنحاء العاصمة والمدن الأخرى، وتم كذلك نصب العديد من بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات حول بغداد.

 وهكذا فقد فقدت إيران أعدادا كبيرة من طائراتها خلال هجومها المعاكس على العراق، كما أن القوة الجوية الإيرانية كانت قد فقدت الكثير من كوادرها العسكرية المدربة بعد قيام الثورة، مما اضعف قدرات سلاحها الجوي، ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبح للسلاح الجوي العراقي السيطرة المطلقة في سماء البلدين.

وفي الوقت الذي كانت إيران محاصرة من قبل الغرب فيما يخص تجهيزها بالأسلحة، كانت الأسلحة تنهال على العراق من كل جانب.

 كما أوعزت الولايات المتحدة إلى الرئيس المصري  أنور السادات ببيع جميع الأسلحة المصرية من صنع سوفيتي إلى العراق، وتم فتح قناة الاتصال بين البلدين عن طريق سلطنة عمان، حيث كانت العلاقات بين البلدين مقطوعة منذُ أن ذهب السادات إلى إسرائيل، وقام السادات بالدور الموكول له، وأخذت الأسلحة المصرية تُنقل إلى العراق عن طريق الأردن والسعودية خلال عام 1981، كما بدأت خطوط الإنتاج في المصانع الحربية المصرية تنتج وتصدر للعراق المعدات والذخيرة والمدافع عيار 122 ملم طيلة سنوات الحرب.

لقد كانت تلك العملية فرصة كبيرة للولايات المتحدة لإنعاش سوق السلاح الأمريكي، حيث سعت لأن تتخلص مصر من السلاح السوفيتي وتستعيض عنه بالسلاح الأمريكي، فقد بلغ قيمة ما باعه السادات من سلاح للعراق يتجاوز ألف مليون دولار خلال عام واحد، وكانت أسعار الأسلحة المباعة تتجاوز أحياناً أسعارها الحقيقية، وكان صدام حسين مرغماً على قبولها.

أما الاتحاد السوفيتي فقد بدأ بتوريد الأسلحة إلى العراق بعد توقف لفترة من الزمن  وبدأت الأسلحة تنهال عليه عام 1981 حيث وصل إلى العراق 400 دبابة طراز T55  و250 دبابة طرازT 72)) كما تم عقد صفقة أخرى تناولت طائرات [ميك] و[سوخوي] و[توبوليف] بالإضافة إلى الصواريخ.

كما عقد حكام العراق صفقة أخرى مع البرازيل بمليارات الدولارات لشراء الدبابات والمدرعات وأسلحة أخرى، وجرى ذلك العقد بضمانة سعودية، واستمرت العلاقات التسليحية مع البرازيل حتى نهاية الحرب عام 1988.

 وهكذا استمر تفوق الجيش العراقي خلال العام 1981 حيث تمكن من احتلال مناطق واسعة من القاطع الأوسط منها [سربيل زهاب] و[الشوش] و[قصر شيرين] وغيرها من المناطق الأخرى.

كما تقدمت القوات العراقية في القاطع الجنوبي في العمق الإيراني عابرة نهر الطاهري، وكان ذلك الاندفاع أكبر خطأ أرتكبه الجيش العراقي بأمر من صدام حسين !!!، حيث أصبح في وضع يمكن القوات الإيرانية من الالتفاف حوله وتطويقه، رغم معارضة القادة العسكريين لتلك الخطوة الانتحارية التي دفع الجيش العراقي لها ثمناً باهظاً من أرواح جنوده، ومن الأسلحة والمعدات التي تركها الجيش بعد عملية التطويق الإيرانية، والهجوم المعاكس الذي شنه الجيش الإيراني في تموز من عام 1982، والذي استطاع من خلاله إلحاق هزيمة منكرة بالجيش العراقي، واستطاع تحرير أراضيه ومدنه في منطقة خوزستان، وطرد القوات العراقية خارج الحدود.

إيران تبحث عن السلاح:

أحدث تقدم الجيش العراقي في العمق الإيراني قلقاً كبيراً لدى القيادة الإيرانية التي بدأت تعد العدة لتعبئة الجيش بكل ما تستطيع من الأسلحة والمعدات، وقامت عناصر من الحكومة الإيرانية بالبحث عن مصادر للسلاح، حيث كان السلاح الإيراني كله أمريكياً، وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت توريد الأسلحة إلى إيران منذُ الإطاحة بالشاه، وقيام الحرس الثوري الإيراني باحتلال السفارة الأمريكية واحتجاز أعضائها كرهائن، وتمكنت تلك العناصرعن طريق بعض الوسطاء من تجار الأسلحة من الاتصال بإسرائيل عن طريق أثنين من مساعدي رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك وهما[أودولف سكويمر]و[يلكوف نامرودي]،بالاشتراك مع تاجر الأسلحة السعودي[عدنان خاشقجي]الذي قام بدور الوسيط؟

 وجدت إسرائيل ضالتها في تقديم الأسلحة إلى إيران حيث كانت تعتبر العراق يشكل خطراً عليها، وإن إضعافه وإنهاك جيشه في حربه مع إيران يحقق أهداف إسرائيل، ولم يكن تصرفها ذاك يجري بمعزل عن مباركة الولايات المتحدة ورضاها واستراتيجيتها، إن لم تكن هي المرتبة لتلك الصفقات بعد أن وجدت الولايات المتحدة أن الوضع العسكري في جبهات القتال قد أصبح لصالح العراق، ورغبة منها في إطالة أمد الحرب أطول مدة ممكنة فقد أصبح من الضروري إمداد إيران بالسلاح لمقاومة التوغل العراقي في عمق الأراضي الإيرانية، وخلق نوع من توازن القوى بين الطرفين.            

وفي آذار من عام 1981 أسقطت قوات الدفاع الجوي السوفيتية طائرة نقل دخلت المجال الجوي السوفيتي قرب الحدود التركية، وتبين بعد سقوطها أنها كانت تحمل أسلحة ومعدات إسرائيلية إلى إيران، وعلى الأثر تم عزل وزير الدفاع الإيراني [عمر فاخوري] بعد أن شاع خبر الأسلحة الإسرائيلية في أرجاء العالم.

إلا أن ذلك الإجراء لم يكن سوى تغطية للفضيحة، وظهر أن وراء تلك الحرب مصالح دولية كبرى  تريد إدامة الحرب وإذكاء لهيبها، وبالفعل تكشفت بعد ذلك في عام 1986 فضيحة أخرى هي ما سمي [إيران ـ كونترا]على عهد الرئيس الأمريكي [رونالد ريكان] الذي أضطر إلى تشكيل لجنة تحقيقية برئاسة السناتور  [جون تاور] وعضوية السناتور [ادموند موسكي] ومستشار للأمن القومي [برنت سكوكروفت] وذلك في 26 شباط 19987، وقد تبين من ذلك التحقيق أن مجلس الأمن القومي الأمريكي كان قد عقد اجتماعاً عام 1983 برئاسة ريكان نفسه لبحث السياسة الأمريكية تجاه إيران، وموضوع الحرب العراقية الإيرانية، وقد وجد مجلس الأمن القومي الأمريكي أن استمرار لهيب الحرب يتطلب تزويد إيران بالسلاح وقطع الغيار والمعدات من قبل الولايات المتحدة وشركائها، وبشكل خاص إسرائيل التي كانت لها مصالح واسعة مع حكومة الشاه لسنوات طويلة، وأن تقديم السلاح لإيران يحقق هدفين للسياسة الإسرائيلية الإستراتيجية:

الهدف الأول: يتمثل في استنزاف القدرات العسكرية العراقية التي تعتبرها إسرائيل خطر عليها.

الهدف الثاني: هو تنشيط سوق السلاح الإسرائيلي.

 لقد قام الكولونيل [أولفر نورث] مساعد مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي بترتيب التعاون العسكري الإسرائيلي الإيراني من وراء ظهر الكونجرس  الذي كان قد أصدر قراراً يمنع بيع الأسلحة إلى إيران، وجرى ترتيب ذلك عن طريق شراء الأسلحة إلى متمردي الكونترا في نيكاراغوا حيث كان هناك قرارا بتزويد ثورة الردة في تلك البلاد، وجرى شراء الأسلحة من إسرائيل، وسجلت أثمانها بأعلى من الثمن الحقيقي لكي يذهب فرق السعر ثمناً للأسلحة المرسلة إلى إيران بالإضافة إلى ما تدفعه إيران من أموال لهذا الغرض.

وقد أشار تقرير اللجنة الرئاسية كذلك، إلى أن اجتماعاً كان قد جرى عقده بين الرئيس[ريكان] ومستشاره للأمن القومي [مكفرن] عندما كان ريكان راقداً في المستشفى لإجراء عملية جراحية  لإزالة ورم سرطاني في أمعائه، وقد طلب مستشاره الموافقة على فتح خط اتصال مع إيران حيث أجابه الرئيس ريكان على الفور: [أذهب وافتحه].

وبدأ الاتصال المباشر مع إيران حيث سافر [أولفر نورث] بنفسه إلى إيران في زيارة سرية لم يعلن عنها، وبدأت الأسلحة الأمريكية تنهال على إيران، لا حباً بإيران ونظامها الإسلامي المتخلف، وإنما لجعل تلك الحرب المجرمة تستمر أطول مدة ممكنة.

ولم يقتصر تدفق الأسلحة لإيران، على إسرائيل والولايات المتحدة فقط، وإنما تعدتها إلى جهات أخرى عديدة، ولعب تجار الأسلحة الدوليون دوراً كبيراً في هذا الاتجاه.

 إسرائيل تضرب المفاعل النووي العراقي

 انتهزت إسرائيل فرصة قيام الحرب العراقية الإيرانية لتقوم بضرب المفاعل الذري العراقي عام 1981، فقد كانت إسرائيل تراقب عن كثب سعي نظام صدام لبناء برنامجه النووي حيث قامت فرنسا بتزويد العراق بمفاعل ذري تم إنشاءه في الزعفرانية إحدى ضواحي بغداد، وكانت إسرائيل عبر جواسيسها تتتبّع التقدم العراقي في هذا المجال باستمرار.

وعندما قامت الحرب العراقية الإيرانية وجدت إسرائيل الفرصة الذهبية لمهاجمة المفاعل، مستغلة قيام الطائرات الإيرانية شن غاراتها الجوية على بغداد، وانغمار العراق في تلك الحرب مما يجعل من العسير عليه فتح جبهة ثانية ضد إسرائيل آنذاك. 

وهكذا هاجم سرب من الطائرات الإسرائيلية يتألف من 18 طائرة المفاعل النووي العراقي في كانون الثاني 1981، وضربه بالقنابل الضخمة، وقيل حينذاك أن عدد من الخبراء الفرنسيين العاملين في المفاعل قد قدموا معلومات واسعة ودقيقة عن المفاعل مما سهل للإسرائيليين إحكام ضربتهم له، وهكذا تم تدمير المفاعل، إلا أن العراق استطاع إنقاذ ما مقداره [12,3 كغم] من اليورانيوم المخصب بنسبة 93%  وهي كمية كافية لصنع قنبلة نووية.

 لم يستطع حكام العراق القيام بأي رد فعل تجاه الضربة الإسرائيلية بعد أن غرقوا في خضم تلك الحرب المجنونة، واكتفوا بالتوعد بالانتقام من إسرائيل، ولم يدر في خلدهم أن تلك الحرب سوف تطول لمدة ثمان سنوات، ويُغرق الجلاد صدام الشعب العراقي بالدماء، ويعم بالبلاد الخراب والدمار، وينهار اقتصاد العراق.

 

حامد الحمداني

 

فراس الغضبان الحمدانيكانت العاصمة العراقية هادئة تماماً . ونلاحظ إعدادا كبيرة من المسلحين المدنيين يمخرون الشوارع . أنهم أعضاء « الحرس القومي »، الذين يحملون أشرطة نسيجية خضر على سواعدهم وينسقون مع رجال الشرطة. وهم يتحركون تحت إشراف من الجيش بشكل واسع، إلا إن مهمتهم الأساسية هي قنص الشيوعيين، وهي عملية بوشرت حال توقف المقاومة في وزارة الدفاع.

هناك عدد من الشيوعيين ظل حتى يوم الثلاثاء 12 شباط، يواصل خوض معارك صغيرة في عدد من الإحياء ضد الحرس القومي. لكن هذه المعارك تبدو بمثابة النزع الأخير في مقاومة توشك على الانطفاء . أما الاعتقالات فهي من الضخامة إلى درجة يستحيل علينا الآن إعطاء رقم محدد عنها . الكثير من عمليات الاعتقال تتم لمجرد الشبهة أو الوشاية . ولقد جرى إنشاء معسكرات اعتقال جماعية كبيرة في وسط الثكنات العسكرية وأينما أمكن، لإلقاء كافة المدنيين الذين اعتقلوا في غضون أيام الانقلاب المنصرمة ولم يعدموا بعد . لكن الإعدامات التي جرت لغيرهم هي بإعداد لا تحصى وبدون محاكمة . إن عدد الذين قتلوا لحد الآن لم يتم الكشف عنه بعد . ففي وزارة الخارجية يقولون عن احتمال إن العدد هو « أربعون ضحية »، ثم يضيفون مستدركين: « إن الرقم لم يتحدد بعد على وجه الدقة ». لكن التقديرات الحقيقية الأكثر تواضعاً واتزاناً وتتحدث عن سقوط إلف قتيل على اقل تقدير في العاصمة بغداد وحدها حتى الآن.

في اللحظة الحالية تستعيد بغداد حركة شبه عادية، والأجواء بدأت تتجه نحو الهدوء . إذ يبدو إن يوم السبت 9 شباط كان، بإقرار الجميع، اليوم الأكثر رعباً . لذا فقد حبس الناس أنفسهم في المنازل، حيث حصل قطع في الكهرباء، كما إن أصوات رشقات الرشاشات كانت تسمع في أركان الشوارع . وبينما كانت الأوامر والأوامر المضادة تذاع من الراديو، كان شبان من حملة الأشرطة الخضراء على السواعد يمارسون ما يشبه لعبة الحروب الصغيرة مقيمين دكتاتورياتهم في كل حيّ . التجول لا يتم إلا بتصريح خاص يرخص به، إلا إن أولئك الذين بحاجة ماسة له لا يعرفون لمن يتوجهون بالطلب لاستحصاله. وحتى عندما ينجحون في الحصول على مثل تلك التصريحات فأنهم لا يجدون من يعترف لهم بصفتها الرسمية.

وكمثال على حملات « التطهير » الواسعة ما حصل في وزارة مهمة كوزارة النفط، حيث لم يسلم فيها سوى اثنين من الموظفين بينما القي القبض على كافة العاملين في الوزارة حتى صغار السن منهم وأرسلوا إلى المعتقلات . ففي الأوساط الرسمية للنظام الجديد نسمعهم يقولون بشكل دائم : "لدينا قوائم بأسماء جميع الشيوعيين ولن نترك أحداً منهم يفلت من يدنا". والقلق كبير جداً في أوساط المسيحيين الكلدان الذين، كما يقال، اصطفوا مع الشيوعيين . إن الإضرار المادية اقل مما تم تخيله، إذ كانت وزارة الدفاع مركز الهجمات الجوية، ومن الواضح بداهة أنها تعرضت للقصف بكثير من القذائف والتي بمعظمها لم تكن صواريخ إنما قنابل صغيرة العيار، وان كان كلام راديو بغداد خلال الساعات الأولى بعد انقلاب يوم الجمعة المصادف 8 شباط، الذي أكّد قائلاً « لقد سحقت الدكتاتورية الخائنة كالجرذ تحت أنقاض وزارة الدفاع »، أوحى بالاعتقاد بان الوزارة تعرضت لتدمير شبه كلّي . عموماً، ورغم آثار المعارك فيها، ليس لبغداد هيئة مدينة مهدمة تحت القصف بما في ذلك إحياؤها الأكثر تعرضاً للإصابات.

إما عن كيفية حصول الانقلاب الذي قامت به مجموعة من العسكريين المتمردين في يوم الجمعة الذي يصادف اليوم الرابع عشر من شهر رمضان، فان التفاصيل أصبحت معروفة الآن لدينا.، لم يكن الزعيم عبد الكريم قاسم موجوداً في وزارة الدفاع، التي هي مقر إقامته الاعتيادي، في اللحظة التي قامت فيها طائرات قاعدة البانية بمباشرة هجماتها صبيحة يوم 8 شباط . فيوم الجمعة هذا كان كغيره يوم التعطيل الأسبوعي للمؤسسات الرسمية والخاصة . فقد كان السكان قد سهروا حتى وقت متأخر عشيته، وكانت الشوارع خالية إلا من عدد قليل من المارة . كما ذكرت الإذاعة العراقية إن الزعيم عبد الكريم قاسم قام في ليلة الخميس على الجمعة بواحدة من جولاته التفقدية التي اعتاد القيام بها إلى عدد من إحياء العاصمة. وفي الساعة الثامنة والنصف توقف البث الإذاعي فجأة . ثم تبين إن فريقاً صغيراً من العسكريين استطاع الاستيلاء على محطة الإرسال الإذاعي الواقعة في منطقة تبعد حوالي خمسة كيلومترات شمال شرقي بغداد . وقد تكوّن الفريق من بعض الضباط الشباب شأن معظم الذين شاركوا في تنفيذ هذا الانقلاب العسكري . في نفس الوقت، بوغت قائد الجوية العراقية (الزعيم جلال الاوقاتي) بجماعة أخرى من صغار الضباط نجحت باقتحام منزله وسارع أفرادها إلى غرس بنادقهم الرشاشة في صدره طالبين منه إن يضع توقيعه على أمر يقضي بشن عملية جوية ضد وزارة الدفاع الوطني مقر إقامة الزعيم قاسم . ولما رفض إن يفعل ذلك، ازداد الضباط الشباب حدة في عدوانيتهم.

عندئذ وضع الزعيم (الاوقاتي) احد أطفاله في أحضانه معتقداً إن ذلك كفيل بردعهم قليلاً، إلا أنهم على العكس صاروا اشدّ شراسة وخطراً في تهديدهم. وهنا، وتحت فوهات البنادق الرشاشة المتحفزة نحو رأسه وافق على توقيع أمر القيام بالعملية . بيد أنهم وحال انتهائه من وضع توقيعه أطلقوا عليه رشقات رصاص عدة أردته قتيلاً في الحال، هذه هي البداية الفعلية الأولى لعملية تنفيذ الانقلاب العسكري . وفي تلك اللحظة كانت عدة طائرات قادمة من قاعدة الحبانية قد ظهرت فجأة فوق قاعدة عسكرية أخرى كائنة في موقع جنوب غربي بغداد تسمى بـ « معسكر الرشيد » يرابط فيها عادة قسم مهم من القوة الجوية والدبابات . فالجماعة المتمردة كانت تعرف مسبقاً بأنها لا تمتلك أي حظ في كسب ضباط الجو العاملين في معسكر الرشيد إلى جانبها. لذلك سارعت، عبر عمليات قصف نُفذت جيداً، إلى تدمير جميع أسراب الطائرات الرابضة هناك خلال بضعة دقائق فقط . وبفضل الفوضى التي نتجت عن ذلك، بوشرت الهجمات الجوية على مقر وزارة الدفاع الوطني .

حيث كانت الطائرات القادمة من معسكر الحبانية تحلق على ارتفاع منخفض، مقتفية مسار مياه دجلة المتاخم للجانب الشمالي من وزارة الدفاع، قبل أن تنطلق لتلقي قذائفها فوقها ثم تصعد محلقة عالياً في سماء مدينة بغداد نفسها.

هذه الفعاليات الجوية التي أيقظت جميع سكان بغداد من نومهم، أعطت الانطباع خلال بعض الوقت بان ما يجري هو مجرد مناورة جوية . غير إن راديو بغداد سرعان ما باشر بإذاعة البيان رقم واحد الصادر من « المجلس الوطني لقيادة الثورة » الذي أعلن « إن عبدالكريم قاسم انتهى بعد إن سحقته تحت أنقاض وزارة الدفاع » . لكن وحتى تلك اللحظة لم يكن الأمر كذلك في الواقع . بل إن الزعيم لم يكن في أي من المباني التي كانت الطائرات تهاجمها .

ففي فجر ذلك اليوم وبعد اختتام جولته التفقدية المعتادة في شوارع بغداد النائمة فانه فوجئ شأنه شأن باقي سكان بغداد، بحصول الهجمات الجوية. ولقد ظل على اتصال تلفوني مع الوزارة لحوالي الساعتين قبل إن يذهب بنفسه إلى مقر قيادته العامة في حوالي ما بين العاشرة والعاشرة والنصف صباحاً مخترقا بسيارته جموع المواطنين ورافعا أصابعه إلى الأعلى تشير بعلامة النصر ليتولى بنفسه قيادة المقاومة ضد الانقلاب العسكري فقبل إن يدخل مباني الوزارة المقصوفة، تجول في عدد من إحياء بغداد، ظاهراً بنفسه إمام السكان بهدف تبديد آثار الإعلان عن موته عبر إذاعة بغداد . ولقد بدا قاسم مطمئناً جداً بينما كانت الأوساط الشعبية البغدادية تعبر له عن حبها بشكل صادق وهي تعلن تضامنها معه في تلك اللحظة الحرجة . في وزارة الدفاع كانت هناك كتيبة معززة بحوالي سبعمائة رجل، هي بمثابة الحرس الاعتيادي للحكومة ولقائد الثورة . لكنها في تلك الجمعة من رمضان، لم تكن قط في حالة إعداد مسبق لمقاومة هجمة جوية، بينما لم يكن هناك شيء خلال الساعات الأولى من الانقلاب العسكري سوى الهجمات الجوية . والطائرات المستخدمة هي من طراز « ميغ » و« هوكر هنتر »، وكانت تطير على انفراد أو زوجياً قبل إن تلقي قنابلها الصغيرة وصواريخها الموجهة بدقة كبيرة . وكان السكان في تلك الساعة يتابعون معركة إذاعية بين محطتي الراديو والتلفزيون.

حيث كان الراديو الذي سقط بأيدي المتمردين يعلن موت قاسم، بينما كانت محطة التلفزيون، التي يبدو إن « المجلس الوطني لقيادة الثورة » نسيها في حساباته، تعلن من جانبها إن « الزعيم الامين » لا يزال على قيد الحياة وهو الذي يقود المقاومة، كما راحت تبث أشرطة يظهر فيها وهو يخطب في الجماهير . عندئذ، وبعد إن فشلت محاولاته العديدة لقطع البث التلفزيوني عبر الأوامر الهاتفية، اصدر « المجلس الوطني للثورة » أوامره للطائرات بقصف مبنى التلفزيون . وبانقطاع البث التلفزيوني فجأة هكذا، خسر قاسم الوسيلة الوحيدة التي ظلت بيده للحفاظ على قناة اتصال مع جماهير الشعب في بغداد. حتى نهاية صباح يوم الجمعة ذاك، كان قاسم لا يزال صامداً، حيث استطاع العسكريون السبعمائة الموجودون في وزارة الدفاع إن ينظموا مقاومة كفيلة بتعريض الطائرات التي تحاول مهاجمتها إلى الخطر . وهنا جاء تدخل المدرعات بمثابة المرحلة الثانية في عملية التمرد، إذ انه هو الذي سيقلب كفة الوضع لصالح الضباط الشباب الذين كانوا قد حضروا للانقلاب بجرأة لكن بشكل عجول جداً في ذات الوقت . ففي بغداد معسكران كبيران احدهما يعرف باسم « معسكر الرشيد » والآخر باسم « الوشاش »، تتواجد في كل منهما إعداد مهمة من القوات المدرعة.

ورغم إن قوات الوشاش أعلنت تأييدها للانقلاب العسكري منذ الدقائق الأولى للتمرد، فانه كان ينبغي الانتظار حتى بداية ما بعد الظهيرة، لكي نرى الدبابات تظهر في شوارع بغداد لتقوم بتطويق وزارة الدفاع من بعيد، وذلك لأن العمليات الجوية للطائرات منعتها من الاقتراب جداً من مباني الوزارة المحاصرة . وهنا، ومن داخل الوزارة، راح قاسم يحاول التمكن من استقدام القوات المدرعة المرابطة في معسكر الرشيد لتجيء في نجدته، غير انه كان يواجه رفضاً مبطناً من لدن المسؤولين فيها . حيث كان قائد القوات المدرعة في معسكر الرشيد يراوغ زاعماً بأنه عاجز عن القيام بشيء . لكنهم يقولون اليوم في بغداد إن ضباط المدرعات كانوا يعتقدون منذ 18 كانون الأول 1962، بان قاسم يشك في ولائهم، حيث قام في احد الاجتماعات العسكرية معهم بإبراز ورقة مطوية في يده وهو يقول لهم "إنني اعرف إن بينكم من يحضر لمؤامرة ولديّ في هذه الورقة أسماؤهم وبعضهم من كبار الضباط..".

وهكذا، فمنذ ذلك التاريخ، وضباط المدرعات لا يضمرون إلا ثقة متأرجحة بقائد الثورة العراقية . إما الضباط الذين لم يتهمهم بشيء فأنهم هم أيضا خذلوه ولم يتحركوا للدفاع عنه في ذلك اليوم حيث كان قاسم بأمس الحاجة لهم ...

ابتداءً من الساعة الخامسة مساءً، أصبحت الطائرات أقل عدداً نتيجة نجاح الدفاعات الجوية الموجودة في وزارة الدفاع بإسقاط واحدة منها . فالمقاومة فيها كانت متواصلة بعد، غير إن التعزيزات العسكرية التي أخذت تصل إلى المتمردين تزايدت باستمرار.

وفي حوالي الساعة السادسة والنصف مساء كانت العاصمة قد شهدت وصول وحدات قادمة من معسكر ثالث أكثر بعداً عن العاصمة . كانت الدبابات المسبوقة بسيارات جيب يجلس فيها عدد من الضباط، تأخُذ مواقعها بشكل بطيء وحذر أول الأمر، ثم بعد برهة تبدأ بدورها بإمطار قذائفها على مباني وزارة الدفاع . ابتداء من هذه اللحظة فقط، أصبح مؤكداً إن قاسم خسر المعركة . واليوم، بعد عودة الهدوء، فان كل من يحلل عملية الانقلاب مقتنع بأنها أعدت بشكل سيئ وان المتمردين ما كانوا يستطيعون الإطاحة بقاسم لولا الحظ الكبير الذي حالفهم .

 

بقلم : فراس الغضبان الحمداني

 

محمد السعديقال أحد معاوني الرئيس السوفيتي السابق (ميخائيل كورباتشوف) الذي على يده أنهار الاتحاد السوفيتي ومنظومة الدولة الاشتراكية وحلف وارشو وتهديم جدار برلين وتشتيت اليسار العربي والعالمي. أن كورباتشوف أبلغه ووصل رسالة عن طريقه الى الشعب الروسي، أن لايتذكروا التاريخ ولا يرجعوا له لانه كان مزور ومشوه ومسيس بعد ثورة أكتوبر العظمى عام ١٩١٧. بعد موت الزعيم لينين، أطاح ستالين بمنافسه القوي لقيادة الحزب والدولة تروتسكي ولاحقه الى المكسيك وقتله شر قتله . وأبتعد عن ماركسية ماركس في بناء الدولة والمجتمع .

فالتاريخ الانساني يدونه المنتصرون غالباً وفق مصالحهم الخاصة بعيداً عن نضالات الشعوب الحقيقية في الحرية والعيش والنضال . المذكرات تعبير عن السيرة الذاتية للانسان سواء كان سياسياً أو أقتصادياً أو موسيقياً أو عتالاً وووو . بمثابة صندوق عن ما أنجزه في مسيرته الحياتية طيلة سنوات نضاله وبحثه وعمله. في سنوات الغربة والهزيمة لم تفك عن ذهني ولع متابعة مذكرات رفاقنا الشيوعيين للادلاء بتجاربهم الشخصية النضالية والسياسية، ومكتبتي عامرة بلا أستثناء بجميع أوراق القادة الشيوعيين، والتي من خلال تلك السير الذاتية يمرون على تجاربهم النضالية السرية والعلنية ومواقفهم ومسؤولياتهم في تحديد الاخفاقات والنجاحات وظروف ملابساتها، وحتى تأخذ السير الذاتية طريقها الصحيح ودوافعها لابد من أن تأخذ المصداقية والشفافية نهجاً لها بعيداً عن العاطفة والمواربة وتمسكاً بالشجاعة والأمانة، فهي تاريخ شعب وبطولات شهداء وسجل ونضالات، لانه هناك أجيال تنتظر فلابد من أن تطلع وتقرأ من أجل رسم خارطة جديدة ومستخلصة عن تجارب الماضي في خدمة الحاضر ورسم المستقبل . مذكرات قادة حزبنا الشيوعي في الاغلب منها لم تكن بالمستوى الذي تنتظره جماهير الحزب والرأي العام في فضح الاسباب التي أدت الى تعثر التجربة وتخلفها عن سباق الاحداث . لم أجد سبباً مقنعاً واحداً .. لماذا غاب عن برنامج الحزب الشيوعي موضوعة السلطة والظفر بها وهي هدف لكل حزب مناضل ؟. وكشف طبيعة العلاقة مع المركز الاممي (السوفيت) ودورهم في أضعاف قدرات الحزب وفق مفاهيم نظرية ومصالح أبعدتهم عن تطلعاتهم الثورية في تسلم السلطة، ولم يعد هذا الأمر محصوراً بالتجربة الشيوعية العراقية حيث شملت كل الاحزاب الشيوعية والحركات اليسارية في المشرق العربي وغربه، وتجربة مصر نموذجاً. لم تتوقف ولا مرت تلك المذكرات على تفاصيل تلك الاحداث المفصلية في تاريخ الشعوب ومستقبلها .

 كتب عزيز سباهي تاريخ الشيوعيين العراقيين أعتماداً على بيانات وشهادات ووثائق وأسانيد ومذكرات ولقاءات . رافقت مسيرة الحزب صراعات فكرية وسياسية أدت الى تكتلات وأنشقاقات نخرت جسم الحزب . نموذجاً .. تجربة القيادة المركزية ١٧ أيلول العام ١٩٦٧، ما زلنا الى يومنا هذا ننعيها في أدبياتنا السياسية بالانشقاق ونلصقها بشخص عزيز الحاج وتصريحاته على شاشة التلفاز للانتقاص من ظاهرتها والتي ضمت خيرة كوادر الحزب في الاقدام والتحدي . لو أردنا أن ننصفها موضوعياً لاتخرج عن أطار (أنتفاضة حزبية) أو حركة معادية لسياسة البعث . لماذا لم يتوقف السيد عزيز سباهي بدراسة وقائعها من خلال اللقاءات بكوادرها المتبقية لانه جزء مهم من تاريخ الحزب ؟. تاريخ كتابة حزب عريق وطويل يحتاج الى لجنة من كفاءات وملاكات ذو باع طويل في النضال حتى ممن أصبح خارج التنظيم وله أعتراضات وخلافات مع سياسة الحزب . هذا تاريخ ملكاً للجميع . تاريخ العراق . أين نحن من مشاكل الحزب الداخلية والصراعات الفكرية التي عصفت به في السنوات الاخيرة ومشكلة مجلة (النهج) وتداعياتها ومالية الحزب ومآلها وحجم الاندساسات ومخاطرها غابتا عن ذلك التاريخ .. وعلى مسؤولية من تقع ؟.

قرأت جزء من مذكرات مام جلال المنشورة في جريدة (الصباح الجديد) البغدادية، تحديداً الفصل المتعلق بالمفاوضات بينهم وبين نظام البعث لحد سنوات قريبة قبل سقوطه على يد الامريكان، كان الشيوعيين طرف بها وكان المرحوم عزيز محمد محوراً، صحيح هو لم يذهب الى بغداد بالمشاركة مباشرة في المفاوضات، لكنه كان داعم ومؤيد ومتابع لتفاصيل تلك الخطوات حسب أعترافات المرحوم مام جلال . لماذا لم نطلع على تفاصيلها والموقف منها بعد مضي تلك السنيين ؟. 

بعد حرب الكويت والانهيار الذي أصاب أجهزة النظام والفراغ الأمني الذي تركه . أستغل قادة الحزب الوضع الجديد بالتسلل الى بغداد، وهذه خطوة تحسب لهم ولتاريخهم ، لكن تبين فيما بعد كانت برعاية مخابراتية عبر عميلهم العتيق (أبو طالب)، الذي أعدم فيما بعد في الجبل بتأمين شقتين لهم في قلب العاصمة بغداد بالتنسيق مع أجهزة البعث . وعندما تجددت المفاوضات بين القوى الكردية ونظام البعث . سأل وطبان أبراهيم الحسن السيد مسعود البرزاني عن غياب الشيوعيين في المفاوضات، حاول كاكا مسعود أن يبرر له، أنهم مشغولين بالنقاشات عبر الخلايا والهيئات الحزبية للوصول الى قرار، فتفاجأ السيد مسعود بتعقيب وطبان أن قيادة الحزب الشيوعي موجودة في بغداد . فابرق السيد مسعود الى كريم أحمد ليبلغه أن الجماعة يعرفون بالربع في بغداد، فانسحبوا الى الجبل بحجة قرب عقد مؤتمر أستثنائي . كما تسرب من بعض المصادر المطلعة .

قرأت مذكرات الركن الثاني، ولكن ليس الهاديء .. خالد علي صالح .. هاني الفكيكي .. حازم جواد .. طالب شبيب . وأخرون . كانوا أكثر جرأة في نقد الذات (جلد النفس) . خطأوا كل تلك التجربة البعثية وتحملوا قسطها الاكبر بشكل شخصي بما لحق من حيف وتخلف ودمار بحياة العراقيين وأعتذروا من ذلك التاريخ الذي لم يجلب للعراقيين الأ الويلات والألام . كل تلك ألاعترافات والندم لايبرر تاريخهم وستبقى ندوباً سوداء لا تمحى في مسيرة تاريخهم الشخصي والسياسي .

في تجربة شخصية في اليوبيل الذهبي لميلاد حزبنا الشيوعي العراقي عام ١٩٨٤ أذار، في وادي (كرجال) بقاطع سليمانية وكركوك . قمنا كرنفال كبير ومتنوع من مسرح وحفل غنائي وأماسي بمشاركة وفود من أحزاب شقيقة لعدة أيام رغم القصف المدفعي لموقعنا . في يومها يتطاير الرفاق مسؤولي القاطع فرحاً، حاملين الراديو بأعلى صوته صداه يرن في جوف الوادي . أن أذاعة موسكو القسم العربي مرت لمدة ثلاثة دقائق بذكرى المناسبة بتقليب صفحات من تاريخ الشيوعيين العراقيين وفي الوقت الذي تتساقط على رؤوسنا يومياً قذائف رفاقنا السوفيت والالمان الشرقيين . مرحلة معقدة وحساسة بحاجة الى قراءة موضوعية حتى وأن كانت متأخرة أفضل من أن لاتأتي يوماً.

في حديث ودي وصريح مع المرحوم عامر عبدالله في بيته في العاصمة (براغ). صيف عام ١٩٨٩ حول أوضاعنا الداخلية قديماً وحديثاً ومستقبلاً . توقفنا عند ثورة تموز وسياسة الزعيم والعلاقة المعقدة مع الشيوعيين وما زالت بحاجة الى فك عقدها . وكان الحديث في حينها حول نيتي بأصدار كتاب حول خزعل السعدي .

قال لي.. كان خالك خزعل السعدي سبب لنا أحراجات شديدة الحرج هو مطالبته العلنية بعزل الزعيم وأستلام السلطة ورغم حديثنا المتواصل معه بتهدئته ومن خلال القنوات الحزبية (العسكرية) الضيقة عبر الشهيد نافع يونس وغضبان السعد وثابت حبيب العاني وعطشان ضيول الازريجاوي لعلاقتهم بخطوط التنظيم العسكري، لكن خزعل كان لايكل في مطالبته وجديته في الاقدام على المبادرة، حتى تجاوز الخطوط كلها بعد حركة عبد الوهاب الشواف عام ١٩٥٩ وذهب بملابسه العسكرية مع رفيقه خليل العلي أمر الكتيبة المدرعة الثانية الى مقر جريدة الحزب (أتحاد الشعب) مطالبين بضوء أخضر من قيادة الحزب بعزل الزعيم قاسم لانقاذ العراق وشعبه من كارثه محدقه، كما وقع لاحقاً في يوم ٨ شباط عام ١٩٦٣، ويكمل حديثه معللاً الاسباب الى الزمن الذي كنا به أمام خيارات صعبة بسبب تبعيتنا للسياسة السوفيتية وتقييد حركتنا أي بمعنى الالتزام الكلي بما يصدر منهم من أملاءات نحن ملزمين بالتقيد بها لجملة أسباب داخلية وخارجية، موضوعية وذاتية . وأحتراماً أي خضوعاً للوصايا السوفيتية لم يدر في بالنا ولاحتى يأخذ الموضوع نقاشاً موسعاً في أجتماعاتنا في أستلام السلطة وتفويت الفرصة على أعداء الثورة رغم شعورنا باليأس من سياسة الزعيم قاسم وتذبذبه بين الاطراف المتصارعة . عامر عبدالله يعتبر المفكر الوحيد التي أنجبته الحركة الشيوعية في العراق بما يتمتع به من مؤهلات ثقافية وفكرية وسياسية ورسم سياسات مستقبلية لحركات البلدان والشعوب . قد يشار له باليمينية من رفاقه ومعاصريه ومتابعيه، لكنه يبقى موسوعة فكرية عالمية . في عيشي الطويل بمملكة السويد ومن خلال قراءاتي لبرامج الاحزاب السويدية الثمانية والمصنفة والمقسمة بين اليمين واليسار . فأنها من حيث المبدأ والبرامج وألية التفكير أنها تصب في بوتقه واحدة والذي وقع أخيراً في التشكيل الحكومي الجديد بعد أن تعرقل لمدة ١٣١ يوماً، عادوا وعقدوا (صفقة) بزنس أقصى اليمين مع أقصى اليسار وأقصوا أحزاب يمينية ويسارية من التشكيلة الجديدة .

 

محمد السعدي

مالمو / شباط / ٢٠١٩

 

غالباً ما يقدم قادة وطنيون على اتخاذ اجراءات وتدابير إصلاحية، ويصدروا مراسيم وقرارات تندرج في إطار السعي لتحقيق حلم شعوبهم في التقدم والرفاه والحرية والاستقلال. ولكنهم في العادة غالباً ما يترددون في تعبئة القوى السياسية والاجتماعية وتوحيدها في بلدانهم وبناء منظومة ديمقراطية قائمة على مشاركة الشعوب وقواها السياسية والاجتماعية الحية من أجل حماية هذه المنجزات والاصلاحات التي يتم تحقيقها كي يواجهوا دسائس ومؤآمرات قوى الردة الداخلية والخارجية. ويعمد هؤلاء القادة، وللأسف، الى التقليل من مخاطر وردود الفعل السلبية الداخلية والاقليمية والخارجية، ولا يسعون إلى اتباع دبلوماسية نشطة للحد من هذه المخاطر الخارجية. وعندها يقع هؤلاء في فخ اجندات الدوائر المخابراتية دون وعي والتي تسعى إلى تمزيق صفوف الشعب وبث النزاع والفرقة في صفوفه لتمهيد تصفية تلك المنجزات والاصلاحات.

والأمثلة على هذه الحالة لا تعد ولا تحصى في تاريخ البلدان النامية المعصر عامة وفي بلداننا المنكوبة على وجه الخصوص. فتجربة الزعيم الوطني الايراني الدكتور محمد مصدق وسقوطه واجهت الانقلاب العسكري الذي دبرته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في عام 1953، ومصير جمال عبد الناصر في مصر وتداعي حكمه عملياً إثر نكبة حزيران عام 1967، وتجربتنا نحن في العراق منذ أن قاد الزعيم عبد الكريم قاسم الثورة ضد النظام الملكي وإعلان الجمهورية العراقية وحتى نهايته ونهاية حلم العراقيين في إرساء نظام قائم على العدل والسلام على يد انقلابيي 8 شباط عام 1963. هذه هي  شذر من الأمثلة على هذا المسار التراجيدي.

لقد أقدم الضباط الأحرار العراقيين وبدعم من جبهة الاتحاد الوطني التي أعلنت في عام 1957 على إحداث التغيير المنشود في العراق. وأصدرت جبهة الاتحاد الوطني برنامجها الوطني الديمقراطي المختصر دون الدخول في التفاصيل، ولم يعلن تنظيم الضباط الأحرار عن نفسه ولا عن برنامجه واتفاقاته السرية قبيل انتصار الثورة. ولم يكن هناك اجماع لدى الضباط الأحرار حول الخطوط العامة للسياسة الداخلية والاقتصادية و الاجتماعية أو شكل بناء الدولة، ولا في السياسة الخارجية. فما وحدهم فقط هو اسقاط النظام والتحرر من الهيمنة الأجنبية وإقامة علاقات طبيعية مع الدول العربية المتحررة. ولذا وما أن انتصرت الثورة حتى برزت على السطح الخلافات حول مستقبل الاصلاحات الداخلية والعلاقات الاقليمية والدولية منذ الساعات الأولى. هذه الخلافات التي برزت بشكل مبكر خاصة بين الضباط الذين شاركوا في الثورة لتمتد إلى القوى السياسية المنظوية تحت راية جبهة الاتحاد الوطني، هذه الجبهة التي شُلت عملياً بعد الأيام الأولى على يد حزب البعث وحزب الاستقلال والقوى القومية بالإساس. والحديث يطول حول ذلك، ولنترك للقارئ فرصة الاطلاع على الكثير من الكتب والبحوث والمقالات المتباينة العراقية والأجنبية حول تلك الفترة البالغة التعقيد في تاريخ العراق.

كان هاجس وسعي عبد الكريم قاسم واليسار وخاصة الحزب الشيوعي هو الشروع بالاصلاحات الاجتماعية والاقتصادية وتحرير البلاد من العلاقات الاجتماعية الاقتصادية المتخلفة وانتشالها من حالة الركود والسعي للحفاظ على استقلال وسيادة العراق. هذا التوجه المشترك هو الذي مهد الأرضية لتحالف غير معلن بين الحزب الشيوعي العراقي والزعيم عبد الكريم. ولكن من ناحية أخرى، فشل الحزب الشيوعي العراقي في مساعيه لإعادة الحياة إلى جبهة الاتحاد الوطني كي يجري العمل المشترك بتحقيق البرنامج الذي اعلنته هذه الأحزاب في عام 1957، لأسباب تتعلق بتعتنت الأطراف القومية والتدخل  الفض من قبل قادة الجمهورية العربية البمتحدة تحت ذريعة الوحدة الإندماجية ظاهرياً، في حين كانت هناك أسباب أخرى لهذه الضغوط منها ما تعكس خشية هؤلاء الحكام من أن يسير العراق على خطى بناء سياسي قائم على التعددية السياسية والديمقراطية واحترام المكونات القومية في البلاد وهو ما كان يتعارض مع منهج الحكم في العربية المتحدة القائم على حل الأحزاب وتخوينها تحت شعار "الحزبية خيانة" وفرض نظام الحزب الواحد كتعبير عن الاستبداد السياسي واحتكار السلطة وتجاهل الحقوق القومية للمكونات القومية القاطنة في عدد من البلدان العربية.

في خضم هذا الوضع المتشابك والضغوط المستمرة على النظام الجمهوري الفتي في العراق، برز عامل جديد في الوضع هوالتحرك الجماهيري الواسع والعاصف، خاصة في الريف الذي كان يضم أغلبية سكان العراق في تلك الفترة. وقاد هذا التحرك الجماهيري التيار الديمقراطي وخاصة الحزب الشيوعي العراقي. وتعاملت قيادةعبد الكريم قاسم وبعض الضباط الأحرار من قاسميين وشيوعيين وديمقراطيين بإيجابية مع الشعارات التي كانت تطرح على نطاق واسع في الشارع وبعفوية أحياناً. وشرع الحكم باتخاذ تدابير متعاقبة في عملية الاصلاح، خاصة تلك المتعلقة بتحسين ظروف حياة الفئات المحرومة التي تشكل الغالبية في المجتمع. وكان على رأس هذه الاجراءات هو الاصلاح الزراعي الذي حرر الفلاحين من جبروت وقيود الانظام الاقطاعي ووزع الأراضي التي سلمت إلى الاقطاعيون من قبل الاحتلال البريطاني للعراق. وهي خطوة واجراء اصلاحي تاريخي يمس غالبية الشعب العراقي، وأنهى حالة الازدواجية في دولة يديرها الاقطاعيون بقوانين وسجون وتقاليد وأعراف وقوى مسلحة من جهة، إلى جانب الدولة المركزية. وهي حالة تتعارض حتى مع بنود الدستور العراقي الذي وضعه البريطانيون عند احتلاهم للعراق. كل ذلك من أجل بناء قاعدة اجتماعية للحكم وحماته البريطانيين لتكريس الحكم في البلاد. ولا يسع المجال في هذا المقال الحديث عن كل الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المهمة التي انجزتها السلطة الوطنية خلال فترة قصيرة في مجال البناء والصناعة والتعليم وبناء المساكن للمواطنين المحرومين، ناهيك عن قرارات مهمة خطيرة تتعلق بالخروج من حلف بغداد والابتعاد عن حمى الاحلاف والتحرر من قيود الاسترليني والغاء القواعد العسكرية الاجنبية واقامة علاقات عربية دولية متوازنة.

بالطبع لابد لكل هذه الاجراءات الايجابية أن تثيرت موجة من رد الفعل السلبية لدى بعض الفئات الاجتماعية الداخلية التي تضررت من الاصلاحات، ولدى الدول الاقليمية والدولية التي ارعبها الحضور الجماهيري ومشاركتها في اتخاذ القرارات خاصة في السنة الأولى من الثورة جراء الضربة التي وجهتها الثورة إلى خطط المحافل العدوانية للدول المهيمنة على العراق في قرار الخروج من حلف بغداد وقرار العراق بإصدار مرسوم 80 القاضي باستعادة الحكومة السيطرة على الأراضي العراقية بكاملها للتنقيب عن المخزونات النفطية والمعدنية، عدا المواقع النفطية المنتجة والخاضعة للشركات النفطية الأجنبية. وبدأت هذه الأوساط الداخلية وبدعم خارجي نشيط في حياكة المؤآمرة تلو الأخرى لاسقاط السلطة الوطنية التي أفرزتها ثورة تموز إلى حد إعلان العصيان في الموصل ومحاولة اغتيال عبد الكريم قاسم وعشرات المحاولات الأخرى التي بلغت أوجها في انقلاب 8 شباط الدموي بدعم واضح من قبل الدوائر الأمريكية والبريطنية والنفطية والدول المحيدة وعلى رأسها الجمهورية العربية المتحدة التي تحالفت مع الولايات المتحدة لتحقيق هذا الهدف.

في السنة الأولى من عمر الثورة، استطاعت الثورة مواجهة كل تلك المؤآمرات بفعل التحالف غير المعلن بين عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي وغالبية القوى التقدمية والديمقراطية التي اسست قاعدة اجتماعية للنظام قادرة على مواجهة كل المخاطر التي تواجه البلاد. ولكن ما أن دشنت الثورة السنة الثانية من عمرها حتى بدأ التصدع في هذه الجبهة غير المعلنة. ومن أسباب ذلك ما يتعلق بإدراك الأطراف الدولية المعادية إن السبيل الوحيد لاسقاط الحكم هو أحداث تصدع وتخلخل داخل هذه التحالف، أي تشتيت القاعدة الاجتماعية للحكم، عن طريق إثارة الريبة والشكوك لدى عبد الكريم قاسم تجاه الحزب الشيوعي ونواياه، هذا الحزب الذي ظل وفياً لشعاره في الدفاع عن منجزات ثورة تموز والسلطة الوطنية رغم ممارساتها وتراجعها حتى انقلاب شباط 1963. كما سعت الدوائر المعادية إلى افتعال المواجهة بين الحكم وبين الحركة القومية وقائدها المرحوم ملا مصطفى البارزاني الذي تحدث مراراً بعد عودته إلى العراق أنه "جندي الزعيم عبد الكريم قاسم". إن الدوائر التي خططت ودعمت الانقلابيين هي نفسها وبالوسائل والتفاصيل نفسها عندما نفذت الانقلاب ضد حكومة الزعيم الوطني الدكتور محمد مصدق في ايران. واستخدمت هذه الدوائر كل مهاراته وكل تجاربها في مختلف بلدان العالم لتحقيق أهدافها في العراق.

ومن بين هذه الوسائل هي الضغط على عبد الكريم قاسم من أجل التخلي عن علاقاته مع الحزب الشيوعي وإزاحة الضباط الشيوعيين من المؤسسة العسكرية، بإعتبارهما المفتاح لأي تغيير وتحول في الحكم. وقد أثارت محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم الرعب لديه، بحيث أعلن بعد فترة وجيزة شعار "عفا الله عما سلف" ترضية للمتآمرين في التيار القومي والمذهبي بشقيه، ورافق ذلك إطلاق الكثير من المتآمرين وارجاع عدد كبير من العسكريين إلى الجيش. وشرع عبد الكريم قاسم بفك عرى التحالف مع الحزب الشيوعي، دون أن يؤسس لتحالف بديل قادر على ضمان مواجهة الحكم للتحديات الخطيرة ضده. فالتيار القومي الذي ارتهن لأجندات الجمهورية العربية المتحدة وقوى خارجية لا يمكنه أن يشكل البديل في اسناد الحكم كما كان يحلو لقاسم. فهذا التيار استفاد من التراجع في موقف عبد الكريم قاسم كب يستعد لشن هجومه للإجهاز على الحكم. وعلى هذا الطريق الوعر والخطير شن عبد الكريم قاسم في خطابه الشهير في كنيسة مار يوسف هجوماً على الحزب الشيوعي، دون ذكر أسمه، بذريعة مسؤوليته عن الانتهاكات وأعمال العنف التي حدثت في الموصل أثناء عصيان الشواف وفي كركوك أثناء الاحتفال بالذكرى الأولى لثورة تموز. ولو رجعنا إلى الخطاب الذي ألقاه عبد الكريم قاسم في 8 آذار عام 1959 في مؤتمر رابط المرأة العراقية وحديثه عن عصيان الشواف في الموصل لوجدناه حافلاً بالدعوة إلى البطش وملاحقة المتآمرين والتنكيل بهم، هذا ناهيك عن البيان العسكري الذي أصدره القائد العام للقوات المسلحة ودعوته لأهالي الموصل والعشائر العربية والكردية والمقومة الشعبية بملاحقة مرتكبي العصيان والدخول إلى مدينة الموصل لقمعهم. لقد حمّل الزعيم عبد الكريم قاسم مسؤولية كل تلك الانتهاكات على الحزب الشيوعي. وشرعت الأجهزة الأمنية بملاحقة الشيوعيين واعتقالهم ثم الحكم على بعضهم بالإعدام، الذي نفذه انقلابيي شباط في عام 1963 لاحقاً. وكان ذلك إيذاناً بفرط العقد غير المعلن كلياً بين عبد الكريم وتزعزع القاعدة الاجتماعية ورسالة غير مباشرة للمتآمرين لتنظيم صفوفهم والشروع بالإجهاز على الحكم ومنجزات ثورة تموز عام 1958.

وهكذا سارعت قوى الردة في الداخل إلى تعبئة صفوف كل القوى التي تضررت مصالحها من الإصلاحات التي اقدمت عليها السلطة الوطنية. كما شرعت القوى الاقليمية والخارجية واجهزة مخابراتها في الخارج بالعمل النشيط من أجل زرع بذور الشك والريبة لدى قاسم تجاه أهداف الشيوعيين ونواياهم وتعميق الهوة بينهما. وتم أرسال الصحفي الهندي المعروف "كارانجيا" رئيس تحرير صجيفة "هندستان تايمز" إلى العراق لإجراء مقابلة مع عبد الكريم قاسم لهذا الغرض. وكان أهم سؤال طرحه الصحفي المذكور على قاسم هو :"هناك مؤشرات على أن الحزب الشيوعي سيتعامل معك كما تعامل البلاشفة مع كيرنيسكي رئيس الحكومة المؤقتة الروسية قبل انقلاب أكتوبر". هذا السؤال ما هو إلاّ مسعى لإثارة عبد الكريم ودفعه إلى الإمعان أكثر في ملاحقة الشيوعيين والابتعاد عنهم. في الحقيقة سبقت مساعي الدوائر المعادية ما كان يجري من مناقشات داخل بعض منظمات الحزب، وتحديداً كوادر "التنظيم العسكري" وبعض الكوادر المدنية وحتى بعض القياديين حول إمكانية إزاحة عبد الكريم قاسم. ففي أواخر عام 1960 زارنا في البيت الشهيد سلام عادل والفقيد عامر عبد الله، قبيل سفري إلى الاتحاد السوفييتي للدراسة الحزبية، وجرى حديث متشعب ومنها أشار الفقيد عامر عبد الله إلى طلب بعض الرفاق العسكريين التحرك للإطاحة بعبد الكريم قاسم. ولكن مثل هذه الشعار لا يمكن تحقيقه ونجاحه لأسباب داخلية واقليمية ودولية. وحول نفس الموضوع جرى الحديث مع الشهيد سلام عادل في موسكو في نهاية عام 1961، حيث أشار الشهيد إلى أن وضعنا هو أشبه بحال حزب "آكيل" القبرصي الذي كان يتمتع بالأكثرية في البرلمان، ولكنه تنازل عن موقعه لصالح مكاريوس بسبب عدم قدرة حزب آكيل على مواجهة الأوضاع والتحديات الاقليمية والدولية ووجود القواعد العسكرية الأجنبية في الجزيرة.

وبتقديري إن أطرافاً أخرى لا يتوقع منها عملت هي الأخرى على تحقيق هذا الهدف. فلدي اعتقاد بأن الحزب الشيوعي الصيني وبعد توتر العلاقات بينه وبين الحزب الشيوعي السوفييتي حول قضايا فكرية في الظاهر، اتخذت قيادة الحزب الشيوعي العراقي موقفاً مؤيداً للأطروحات السوفييتية مما أثار حفيظة الحزب الشيوعي الصيني وركز في هجماته على الحزب الشيوعي العراقي. وكان ممثلوا الصين في بغداد على صلة ببعض قياديي الحزب ولهم إطلاع على المناقشات داخل الحزب ونقلوا تلك المناقشات، ومنها قضية التحرك لتغيير قيادة الحكم، إلى عبد الكريم قاسم بدليل كثافة الزيارات واللقاءات التي كان يقوم بها السفير الصيني مع عبد الكريم قاسم. وبلع عيد الكريم قاسم هذا الطعم وسار على طريق المواجهة وفرض القيود على الحزب الشيوعي العراقي. ففي القرار الذي اتخذته الحكومة حول إجازة الأحزاب السياسية في العراق، أجازت وزارة الداخلية وبأمر من الزعيم ممارسة النشاط الحزبي إلى جميع الأحزاب وبضمنها الحزب الاسلامي وحُرم الحزب الشيوعي والحزب الجمهوري الذي يتزعمه السياسي الديمقراطي المخضرم عبد الفتاح إبراهيم من ممارسة النشاط الحزبي القانوني. مثل هذا الموقف هو الذي ساهم في عرقلة الجهود السليمة المطالبة بإرساء النظام السياسي العراق على أسس الديمقراطية والتعددية ومشاركة الشعب صاحب الشأن في إدارة البلاد، ومواجهة احتكار السلطة والفردية والاستبداد . ولم يتردد عبد الكريم قاسم في تعطيل جريدة اتحاد الشعب لمدة عشرة أشهر ثم إلغاء امتيازها كلياً لاحقاً بناءاً على طلب "هريدج" رئيس وفد المفاوضين لشركات النفط الاجنبية العاملة في العراق بذريعة نشر الجريدة مقالات تتعارض مع مطاليب الشركات وإنها تثير الأرباك في المفاوضات الجارية مع الحكومة العراقية.

كما غض الزعيم عبد الكريم قاسم النظر عن حملات الاغتيالات التي طالت أعضاء وكوادر في الحزب الشيوعي وخاصة في بغداد والموصل (اغتيل قرابة 400 مواطن فيها) ومدن أخرى وموجة من تلفيق الاتهامات ضد الشيوعيين وانصارهم من قبل محاكم عسكرية يرأسها ضباط قوميين ورجعيين حيث ضمت سجون العراق قبيل انقلاب شباط قرابة 500 سجين وهو عدد يفوق عدد السجناء الشيوعيين والديمقراطين في العهود السابقة . وعاد النشاط إلى الاجهزة الأمنية التي ورثها العراق من العهد الملكي والتي لم تطالها يد الاصلاح والتغيير، لتعود من جديد إلى فبركة وتدوين التقارير الكاذبة حول النشاط الشيوعي الهدام والفوضوي!!!

ومع البدء أولاً بالموقف المعادي للحزب الشيوعي العراقي، فلا بد أن ينتقل هذا السلوك كالعادة في ظروف العراق إلى أطراف أخرى، حيث اندلعت المواجهات الخطيرة المسلحة بين الحكم والحركة القومية الكردية إثر حركة استفزازية اشعلتها الفئات الاقطاعية والرجعية في كردستان العراق. وبدلاً من أن يعي الحكم وقادة الحركة القومية الكردية مديات هذ التطور الخطير وتأثيراته السلبية على الوضع في البلاد، تعنت الطرفان في الوصول إلى حل سلمي للمشكلة ولم يستمعوا إلى صوت الحكمة التي اطلقها الحزب الشيوعي في الدعوة للسلم في كردستان والديمقراطية للعراق والحكم الذاتي في كردستان. ومنذ ذلك الحين تحولت هذه القضية القومية إلى ورقة أضافية ضاغطة بيد الشاه والدوائر الأمريكية وحتى اسرائيل على الحكم ضمن المساعي لاسقاطه والتدخل في الشؤون الداخلية العراقية.

ووقع الحكم في ورطة اقليمية خطيرة تمثلت في الدعوة إلى إلحاق الكويت في العراق، ظناً من الحكم إن هذه الدعوة الشعبوية من شأنها أن تدغدغ مشاعر التيارات الشعبوية والقومية من أجل جذبها لمساندة الحكم بعد أن شعر الحكم بتراجع شعبيته. لقد سهلت هذه الخطوة الخطيرة على الأطراف الاقليمية والدولية الاصطفاف في جهد واحد للإجهاز على ثورة تموز ومنجزاتها وتوجيه ضربة إلى القوى التقدمية والديمقراطية وفي المقدمة منها الحزب الشيوعي العراقي. كما مهدت هذه الدعوة الشعبوية الطريق للأنزال العسكري البريطاني والمصري وقوات دول أخرى في الكويت بذريعة الدفاع عن سيادة الكويت العضو في هيئة الأمم المتحدة والجامعة العربية.

وبالرغم من أن غالبية القوى السياسية تتحمل بهذا القدر أو ذاك مسؤؤليتها في الكوارث التي تحملها العراقيون، إلا ّ أن سلطة تموز بقيادة عبد الكريم قاسم والتراجع الخطير الذي قامت به خاصة في منتصف عام 1959 وأخطائها، هي التي مهدت للكارثة التي حلت بالبلاد متمثلة بانقلاب 8 شباط، وما تبع هذا الانقلاب من تداعيات مدمرة يعيش نتائجها العراقيون حتى الآن.

 

عادل حبه

8 شباط 2019

 

حامد الحمدانيالعلاقات العراقية الإيرانية ودور أمريكا في تأجيج الصراع بينهما

اتسمت العلاقات العراقية الإيرانية منذُ سنين طويلة بالتوتر والصدامات العسكرية على الحدود في عهد الشاه [محمد رضا بهلوي]، حيث قام الحكام البعثيون في العراق بإلغاء معاهدة 1937 العراقية الإيرانية المتعلقة باقتسام مياه شط العرب بموجب خط التالوك الوهمي الذي يقسم شط العرب إلى نصفين أحدهما للعراق والآخر لإيران، وقيام شاه إيران والولايات المتحدة بدعم الحركة الكردية التي حملت السلاح ضد السلطة القائمة آنذاك، وسبب الإجراء العراقي إلى قيام حرب استنزاف بين البلدين على طول الحدود، واستمرت زمناً طويلاً، ووصل الأمر إلى قرب نفاذ العتاد العراقي، واضطر حكام بغداد إلى التراجع، ووسطوا الرئيس الجزائري [هواري بو مدين] لترتيب لقاء بين صدام حسين وشاه إيران لحل الخلافات بين البلدين

 وبالفعل تمكن الرئيس الجزائري من جمع صدام حسين وشاه إيران في العاصمة الجزائرية، وإجراء مباحثات بينهما انتهت بإبرام اتفاقية 16 آذار 1975، وعاد حاكم بغداد إلى اتفاقية عام 1937 من جديد!، ووقفت حرب الاستنزاف بينهما، ووقف الدعم الكبير الذي كان الشاه يقدمه للحركة الكردية، حيث استطاع البعثيون إنهاءها، وإعادة بسط سيطرتهم على كردستان من جديد.

 وفي عام 1979 في أواخر عهد البكر وقعت أحداث خطيرة في إيران، فقد اندلعت المقاومة المسلحة ضد نظام الشاه الدكتاتوري المرتبط بعجلة الإمبريالية الأمريكية  وأتسع النشاط الثوري، وبات نظام الشاه في مهب الريح، وسبّبَ ذلك الوضع الخطير في إيران أشد القلق لأمريكا، فقد كانت مقاومة الشعب الإيراني لنظام الشاه قد وصلت ذروتها، وبات من المستحيل بقاء ذلك النظام، وبدت أيامه معدودة.

 كان هناك على الساحة الإيرانية تياران يحاولان السيطرة على الحكم، التيار الأول ديني يقوده [آية الله الخميني] من منفاه في باريس، والتيار الثاني يساري، يقوده [حزب تودا الشيوعي] و[مجاهدي خلق]، ووجدت الولايات المتحدة نفسها أمام خيارين أحلاهما مُرْ، فهي لا ترتاح لسيطرة للطرفين.

 لكن التيار الشيوعي كان يقلقها بالغ القلق، نظراً لموقع إيران الجغرافي على الخليج أولاً، ولكونها ثاني بلد منتج للنفط في المنطقة ثانياً، ولأن إيران تجاور الاتحاد السوفيتي ثالثاً.

وبناء على ذلك فإن مجيء الشيوعيين إلى الحكم في إيران سوف يعني وصول الاتحاد السوفيتي إلى الخليج، وهذا يهدد المصالح الأمريكية النفطية بالخطر الكبير، ولذلك فقد اختارت الولايات المتحدة [أهون الشرين] بالنسبة لها طبعاً!، وهو القبول بالتيار الديني  خوفاً من وصول التيار اليساري إلى الحكم، وسهلت للخميني العودة إلى إيران من باريس، لتسلم زمام الأمور بعد هروب الشاه من البلاد، وهكذا تمكن  التيار الديني من تسلم زمام السلطة، وتأسست الجمهورية الإسلامية في إيران في آذار 1979.

إلا أن الرياح جرت بما لا تشتهِ السفن، كما يقول المثل، فلم تكد تمضي سوى فترة قصيرة من الزمن حتى تدهورت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران بعد أن أقدم النظام الجديد على تصفية أعداد كبيرة من الضباط الكبار الذين كانوا على رأس الجيش الإيراني، كما جرى تصفية جهاز [السافاك] الأمني الذي أنشأه الشاه بمساعدة المخابرات المركزية الأمريكية، وجرى أيضاً تصفية كافة الرموز في الإدارة المدنية التي كان يرتكز عليها حكم الشاه.

وجاء احتلال السفارة الأمريكية في طهران، من قبل الحرس الثوري الإيراني، واحتجاز أعضاء السفارة كرهائن، وإقدام الحكومة الإيرانية على طرد السفير الإسرائيلي من البلاد وتسليم مقر السفارة الإسرائيلية إلى منظمة التحرير الفلسطينية، والاعتراف بالمنظمة كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، كل تلك الأحداث المتتالية أثارت قلق الولايات المتحدة، ودفعتها لكي تخطط لإسقاط النظام الجديد في إيران قبل أن يقوى ويشتد عوده، أو على الأقل إضعافه وإنهاكه.

وتفتق ذهن المخابرات المركزية إلى أن خير من يمكن أن يقوم بهذه المهمة هو صدام حسين، وبهذه الوسيلة تضرب الولايات المتحدة عصفورين بحجر واحدة، فالعراق وإيران دولتان قويتان في منطقة الخليج، ويملكان إمكانيات اقتصادية هائلة، ولحكامهما  تطلعات خارج حدودهما، إذاً يكون إشعال الحرب بين البلدين وجعل الحرب تمتد لأطول مدة ممكنة، بحيث لا يخرج أحد منهما منتصراً ويصل البلدان في نهاية الأمر إلى حد الإنهاك، وقد استنزفت الحرب كل مواردهما وتحطم اقتصادهما، وهذا هو السبيل الأمثل للولايات المتحدة لبقاء الخليج في مأمن من أي تهديد محتمل.

 وهكذا خططت الولايات المتحدة لتلك الحرب المجنونة، وأوعزت لصدام حسين، بمهاجمة إيران والاستيلاء على منطقة [خوزستان] الغنية بالنفط، واندفع صدام حسين لتنفيذ هذا المخطط  يحدوه الأمل بالتوسع صوب الخليج، وفي رأسه فكرة تقول أن منطقة [خوزستان] هي منطقة عربية تدعى [عربستان].

لم يدرِ بخلد صدام حسين ماذا تخبئه له الأيام؟ ولا كم ستدوم تلك الحرب؟ وكم ستكلف الشعب  العراقي من الدماء والدموع، ناهيك عن هدر ثروات البلاد، واحتياطات عملته، وتراكم الديون الكبيرة التي تثقل كاهل الشعب العراقي واقتصاده المدمر.

لقد سعت الإمبريالية بأقصى جهودها لكي تديم تلك الحرب أطول فترة زمنية ممكنة، وهذا ما أكده عدد من كبار المسؤولين الأمريكيين أنفسهم، وعلى رأسهم [ريكان] و[كيسنجر]، وغيرهم من كبار المسؤولين الأمريكيين، فلقد صرح الرئيس الأمريكي  [ريكان] حول الحرب قائلاً:

{إن تزويد العراق بالأسلحة حيناً، وتزويد إيران حيناً آخر، هو أمر يتعلق بالسياسة العليا للدولة}!!.

وهكذا بدا واضحاً أن الرئيس ريكان كان يهدف إلى إطالة أمد الحرب، وإدامة نيرانها التي تحرق  الشعبين والبلدين معاً طالما أعتبر البلدان، بما يملكانه من قوة اقتصادية وبشرية، خطر على المصالح الإمبريالية في الخليج، وضمان وصول النفط إلى الغرب، وبالسعر الذي يقررونه هم لا أصحاب السلعة الحقيقيين.

أما هنري كيسنجر، الصهيوني المعروف، ومنظّر السياسة الأمريكية، فقد صرح قائلاً:{ إن هذه هي أول حرب في التاريخ أردناها أن تستمر أطول مدة ممكنة، ولا يخرج أحد منها منتصراً ، بل كلا الطرفين مهزومين}!!.

وطبيعي أن هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إذا لم تستمر الحرب إلى أمد طويل، وإضافة إلى كل ذلك كان سوق السلاح الذي تنتجه الشركات الغربية مزدهراً ومحققاً أرباحاً خيالية لتجار الحروب والموت، في حين استنزفت تلك الحرب ثروات البلدين المادية والبشرية، وسببت من الويلات والماسي والدموع ما لا يوصف، فلم تترك تلك الحرب عائلة في العراق وإيران دون ضحية.

لكن الإمبريالية لا تفهم معنى الإنسانية، فقد كان الفرح يغمر قلوبهم وهم يشاهدون كل يوم على شاشات التلفزيون، وصور الأقمار الصناعية، تلك المجازر الوحشية التي بلغ أرقام ضحاياها حداً مرعباً، فقد قتل في يوم واحد من أيام المعارك أكثر من عشرة آلاف ضحية، وتفاخر صدام أمام القائم بأعمال السفارة الأمريكية بعد مغادرة السفيرة [كلاسبي] العراق، وقبيل غزو صدام للكويت  بزهو قائلاً:

{هل تستطيع الولايات المتحدة تقديم 10 آلاف شهيد في معركة واحدة؟ نحن أعطينا 50 ألف شهيد في معركة تحرير الفاو}.

هكذا وبكل وقاحة دفع صدام وأسياده الأمريكان أكثر من نصف مليون شهيداً من شباب العراق في عمر الزهور، ودون وازع من ضمير وأخلاق، كانت مصالح الإمبرياليين الاقتصادية تبرّر كل الجرائم بحق الشعوب، ولو أن تلك الحرب وقعت في أوربا، أو أمريكا أو بين العرب وإسرائيل لسارع الإمبرياليون إلى وقفها فوراً، وبذلوا الجهود الكبيرة من أجل ذلك.

أن الحقيقة التي لا يمكن نكرانها هي إن تلك الحرب كانت من تدبير الإمبريالية الأمريكية وشركائها، وأن عميلهم صدام قد حارب نيابة عنهم، ولمصلحتهم، بكل تأكيد، وأن لا مصلحة للشعب العراقي إطلاقاً في تلك الحرب، ولا يوجد أي مبرر لها، وإن الشعب الإيراني شعب جار، وليس من مصلحة العراق الدخول في حرب أمريكية بالوكالة ضد إيران.

كما أن إيران لم تكن مستعدة لتلك الحرب، ولم يعتقد حكام إيران أن النظام العراقي يمكن أن يقدم على مثل هذه الخطوة، وهذا ما يؤكده اندفاع القوات العراقية في العمق الإيراني خلال أسابيع قليلة دون أن يلقى مقاومة كبيرة من قبل الجيش الإيراني .

لكن ذلك التقدم لم يدم طويلاً، وتمكن الجيش الإيراني من طرد القوات العراقية الغازية من إقليم خوزستان شّر طردة عام 1982، مكبداً القوات العراقية خسائر جسيمة في الأرواح والمعدات، ولنا عودة إلى تلك الحرب، وتفاصيل مجرياتها، في الحلقة الثالثة.

 

حامد الحمداني

 

حامد الحمدانيتمهيد: منذُ أن قام صدام حسين بدوره المعروف في الانقلاب الذي دبره ضد شريك البعثيين في انقلاب 17 تموز 968 [عبد الرزاق النايف] بدأ نجمه يتصاعد  حيث أصبح نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، وبدأ يمارس السلطة كما لو أنه الرئيس الفعلي للبلاد، رغم وجود الرئيس أحمد حسن البكر على قمة السلطة، وأخذ دوره في حكم البلاد يكبر ويتوسع يوماً بعد يوم، وخاصة سيطرته على الحزب والأجهزة الأمنية، والمكتب العسكري، وبدا وكأن صدام يخطط لاستلام القيادة من البكر بحجة كبر سنه ومرضه.

وعندما حلت الذكرى الحادية عشر لانقلاب 17 تموز 1979، فوجئ الشعب العراقي بإعلان استقالة الرئيس البكر في 16 تموز 1979، وتولي صدام حسين قيادة الحزب والدولة، حيث أعلن نفسه رئيساً للجمهورية، ورئيساً لمجلس قيادة الثورة، وقائداً عاماً للقوات المسلحة.

أما كيف ولماذا تم هذا الانتقال للسلطة من البكر إلى صدام حسين فلم يكتب عن ذلك الحدث لحد الآن  إلا القليل، إلا أن المتتبع لتطورات الأوضاع السياسية في البلاد، وما أعقبتها من أحداث خطيرة يستطيع أن يتوصل إلى بعض الخيوط التي حيك بها الانقلاب، ومن كان وراءه!.

أن هناك العديد من الدلائل التي تشير إلى أن ذلك الانقلاب كان قد جرى الإعداد له في دوائر المخابرات المركزية الأمريكية، وأن الانقلاب كان يهدف بالأساس إلى جملة أهداف تصب كلها في خدمة المصالح  الإمبريالية الأمريكية وأبرزها:

1ـ إفشال التقارب الحاصل بين سوريا والعراق، ومنع قيام أي شكل من أشكال الوحدة بينهما، وتخريب الجهود التي بُذلت في أواخر أيام حكم البكر لتحقيق وتطبيق ما سمي بميثاق العمل القومي آنذاك، والذي تم عقده بين سوريا والعراق، حيث أثار ذلك الحدث قلقاً كبيراً لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، تحسبا لما يشكله من خطورة على أمن إسرائيل.

2ـ احتواء الثورة الإسلامية في إيران، ولاسيما وأن قادة النظام الإيراني الجديد بدأوا يتطلعون إلى تصدير الثورة، ونشر مفاهيم الإسلامية في الدول المجاورة، مما اعتبرته الولايات المتحدة تهديداً لمصالحها في منطقة الخليج، ووجدت أن خير سبيل إلى ذلك هو إشعال الحرب بين العراق وإيران، وأشغال البلدين الكبيرين في المنطقة بحرب سعت الولايات المتحدة إلى جعلها تمتد أطول فترة ممكنة، كما سنرى .

3ـ مكافحة النشاطات الشيوعية، في البلاد، والتصدي للتطلعات الإيرانية الهادفة إلى نشر أفكار الثورة الإسلامية في المنطقة.

4ـ بالإضافة لما سبق كانت تطلعات صدام حسين لأن يصبح شرطي الخليج، وتزعم العالم العربي قد طغت على تفكيره، ووجد في الدور الذي أوكل له خير سبيلٍ إلى تحقيق طموحاته .

لم يكن انقلاب صدام ضد البكر بمعزل عن المخططات الأمريكية، فقد قام مساعد وزير الخارجية الأمريكي بزيارة لبغداد، حيث أجرى محادثات مطولة مع الرئيس احمد حسن البكر وبحث معه في مسالتين هامتين بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية:

المسألة الأولى: تتعلق بتطور العلاقات بين العراق وسوريا، وتأثير هذه العلاقات على مجمل الأوضاع في المنطقة، وبشكل خاص على إسرائيل التي تحرص على عدم السماح بإقامة الوحدة بين العراق وسوريا.

المسألة الثانية: دارت حول الأوضاع في إيران، بعد سقوط نظام الشاه، واستلام التيار الديني بزعامة [الخميني] السلطة، والأخطار التي يمثلها النظام الجديد على الأوضاع في منطقة الخليج، وضرورة التصدي لتلك الأخطار، وسعى الموفد الأمريكي إلى تحريض حكام العراق على القيام بعمل ما ضد النظام الجديد في إيران، بما في ذلك التدخل العسكري، وقيل بأن الرئيس البكر لم يقتنع بفكرة الموفد الأمريكي، وخاصة وأن البكر رجل عسكري يدرك تمام الإدراك ما تعنيه الحرب من ويلات ومآسي، وتدمير لاقتصاد البلاد.

وبعد انتهاء اللقاء مع البكر التقى الموفد الأمريكي مع صدام الذي كان آنذاك نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة، وبحث معه نفس المواضيع التي بحثها مع البكر، وقد  أبدى صدام كل الاستعداد للقيام بهذا الدور المتمثل بتخريب العلاقات مع سوريا من جهة، وشن الحرب ضد إيران من جهة أخرى.

لم تمضِ غير فترة زمنية قصيرة حتى جرى إجبار الرئيس البكر، بقوة السلاح، من قبل صدام حسين وأعوانه، على تقديم استقالته من كافة مناصبه، وإعلان تولي صدام حسين كامل السلطات في البلاد، متخطياً الحزب وقيادته، ومجلس قيادة الثورة المفروض قيامهما بانتخاب رئيس للبلاد في حالة خلو منصب الرئاسة.

أحكم صدام حسين سلطته المطلقة على مقدرات العراق، بعد تصفية كل المعارضين لحكمه ابتداءً من أعضاء قيادة حزبه الذين صفاهم جسدياً بأسلوب بشع وانتهاءً بكل القوى السياسية الأخرى المتواجدة على الساحة.

لقد أخذت أجهزته القمعية تمارس أبشع الأعمال الإرهابية بحق العناصر الوطنية من ِشيوعيين وإسلاميين وقوميين وديمقراطيين، بالإضافة للشعب الكردي، وملأ السجون بأعداد كبيرة منهم، ومارس أقسى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي بحقهم  وقضى العديد منهم تحت التعذيب.

لقد كانت ماكنة الموت الصدامية تطحن كل يوم بالمئات من أبناء الشعب، لكي يقمع أي معارضة لحكمه، وحتى يصبح مطلق اليدين في اتخاذ أخطر القرارات التي تتحكم بمصير الشعب والوطن، ولكي يعدّ العدة، ويهيئ الظروف المناسبة لتنفيذ الدور الذي أوكلته له الإمبريالية الأمريكية، في العدوان على إيران.

لقد وصل الأمر بصدام حسين أن جمع وزراءه، وشكل منهم فريق إعدام في سجن بغداد، لكي يرهب كل من تسول له نفسه بمعارضته، كما قام بإعدام عدد كبير من ضباط الجيش، لكي يصبح وحده الأقوى في المؤسسة العسكرية، رغم أنه لم يكن في يوم من الأيام عسكرياُ.

العلاقات العراقية السورية:

رغم أن العراق وسوريا يحكمهما حزب البعث، إلا أن العلاقات بين الحزبين، والبلدين اتسمت دائماً بالخلافات والتوتر الذي وصل إلى درجة العداء والقطيعة لسنين طويلة، وتطور العداء بين الحزبين إلى حد القيام بأعمال تخريبية، وتدبير التفجيرات، وغيرها من الأعمال التي أدت إلى القطيعة التامة بين البلدين.

ولا شك أن لأمريكا وإسرائيل دور أساسي في إذكاء العداء والصراع بين البلدين الشقيقين، ذلك لأن أي تقارب بينهما ربما يؤدي إلى قيام وحدة سياسية تقلب موازين القوة بين سوريا وإسرائيل نظراً لما يمتلكه العراق من موارد نفطية هائلة، وقوة عسكرية كبيرة، بالإضافة إلى ما يشكله العراق من امتداد إستراتيجي لسوريا في صراعها مع إسرائيل، وهذا ما تعارضه الولايات المتحدة وإسرائيل أشد المعارضة.

وفي أواخر عام 1978، وأوائل عام 1979، جرت محاولة للتقارب بين البلدين، تحت ضغط جانب من أعضاء القيادة في كلا الحزبين السوري والعراقي، وقد أدى ذلك التقارب إلى تشكيل لجان مشتركة سياسية واقتصادية وعسكرية، وعلى أثر توقيع ميثاق للعمل القومي المشترك الذي وقعه الطرفان في تشرين الأول عام 1978، وقد أستهدف الميثاق بالأساس إنهاء القطيعة بين الحزبين والبلدين الشقيقين، وإقامة وحدة عسكرية تكون الخطوة الأولى نحو إقامة الوحدة السياسية بين البلدين، وتوحيد الحزبين.

كان وضع سوريا في تلك الأيام قد أصبح صعباً بعد أن خرجت مصر من حلبة الصراع العربي الإسرائيلي، وعقد السادات اتفاقية [كامب ديفيد] مع إسرائيل مما جعل القادة السوريين يقرون بأهمية إقامة تلك الوحدة للوقوف أمام الخطر الإسرائيلي.

وبالفعل فقد تم عقد عدد من الاتفاقات بين البلدين، وأعيد فتح الحدود بينهما، وجرى السماح بحرية السفر للمواطنين، كما أعيد فتح خط أنابيب النفط [التابلاين] لنقل النفط إلى بانياس في سوريا، والذي كان قد توقف منذُ نيسان 1976.

وفي 16 حزيران تم عقد اجتماع بين الرئيس السوري حافظ الأسد، والرئيس العراقي أحمد حسن البكر في بغداد، ودامت المحادثات بين الرئيسين ثلاثة أيام أعلنا في نهايتها أن البلدين سيؤلفان دولة واحدة، ورئيس واحد، وحكومة واحدة، وحزب واحد، وأعلنا تشكيل قيادة سياسية مشتركة تحل محل اللجنة السياسية العليا التي جرى تشكيلها بموجب اتفاق تشرين الأول 1978، والتي ضمت 7 أعضاء من كل بلد، يترأسها رئيسا البلدين، وتجتمع كل ثلاثة أشهر لتنسيق السياسات الخارجية، والاقتصادية، والعسكرية.

تدهور العلاقات العراقية السورية

لم تمضِ سوى بضعة أشهر على الاتفاق الذي عقده البكر والأسد، حتى أزيح البكر عن السلطة، وتولى صدام حسين قيادة الحزب والدولة في العراق، وبدا بعد إقصاء البكر، أن هزة عنيفة قد ألمت بالعلاقة بين قيادة  البلدين والحزبين، وبدأت الغيوم السوداء تغطي سماء تلك العلاقة.

وفي 28 كانون الأول 1979، جرى لقاء قمة بين الأسد وصدام في دمشق دام يومين، وقد ظهر بعد اللقاء أن الخلافات بين القيادتين كانت من العمق بحيث لم تستطع دفع عملية الوحدة إلى الأمام، بل على العكس تلاشت الآمال بقيامها، وهكذا بدأت العلاقة بالفتور بين البلدين من جديد، واتهمت سوريا القيادة العراقية بوضع العراقيل أمام تنفيذ ما أتُفق عليه في لقاء القمة بين الأسد والبكر.

أدى هذا التدهور الجديد في العلاقة بين الحزبين، إلى وقوع انقسام داخل القيادة القطرية في العراق، قسم وقف إلى جانب الاتفاق المبرم بين الأسد والبكر، وقسم وقف إلى جانب صدام حسين، فما كان من صدام إلا أن أتهم الذين أيدوا الاتفاق بالاشتراك بمؤامرة مع سوريا على العراق، وجرى اعتقالهم، وتعذيبهم حتى الموت، ثم أعلن صدام حسين، عبر الإذاعة والتلفزيون، أن هذه المجموعة قد تآمرت على العراق، وأحيلت إلى محكمة حزبية قررت الحكم عليهم بالإعدام وجرى تنفيذ الأحكام بحقهم.

لكن الحقيقة أن هذه المجموعة أرادت تحقيق الوحدة أولاً، والتخلص من دكتاتورية صدام حسين ثانياً، بعد أن أغتصب السلطة من البكر بقوة السلاح.

وهكذا ذهبت الآمال بتحقيق الوحدة أدراج الرياح، وتدهورت العلاقة بين البلدين من جديد، وفرض صدام حسين سلطته المطلقة على قيادة الحزب والدولة دون منازع، وأصبح العراق ملجأ لكل المناوئين للحكم في سوريا ابتداءً من [ أمين الحافظ] و[ميشيل عفلق] وانتهاءً بالإخوان المسلمين الذين لجأوا إلى العراق بأعداد كبيرة، بعد فشل حركتهم في مدينة حماه عام 1982.

ولم يقتصر تدهور العلاقات بين البلدين على القطيعة، والحملات الإعلامية، بل تعداها إلى الصراع العنيف بين الطرفين على الساحة اللبنانية، حيث أدخلت سوريا عدد من قطعاتها العسكرية في لبنان ضمن قوات الردع العربية لمحاولة وقف الحرب الأهلية التي اندلعت هناك عام 1975.غير أن القوات المشتركة العربية انسحبت من لبنان فيما بعد، تاركة القوات السورية لوحدها هناك.

وانتهز صدام حسين الفرصة ليرسل إلى القوى الطائفية الرجعية المعادية لسوريا السلاح والعتاد والعسكريين لمقاتلة الشعب اللبناني، والقوات السورية والفلسطينية، وأصبح لبنان مسرحاً للصراع بين البلدين، واستمر الحال في لبنان حتى سقوط حكومة [ميشيل عون] حليف صدام ضد سوريا، وانتهاء الحرب الأهلية، وانعقاد مؤتمر الطائف للأطراف اللبنانية المتصارعة لحل الخلافات بينهم، وإعادة الأمن والسلام إلى ربوع لبنان الذي مزقته تلك الحرب التي دامت خمسة عشر عاماً.

وهكذا حقق صدام حسين للإمبريالية الأمريكية ما كانت تصبو إليه، حيث عادت العلاقات بين سوريا والعراق إلى نقطة الصفر من جديد، وتحقق الهدف الأول الذي رسمته له، وبدأت تتفرغ للهدف الثاني الهام، هدف التصدي للنظام الإيراني الجديد، وخلق المبررات لصدام لشن الحرب على إيران في الثاني والعشرين من أيلول عام 1980، تلك الحرب التي كانت لها نتائج وخيمة على مستقبل العراق وشعبه، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً، وكانت سبباً مباشراً لأقدام صدام حسين على غزو الكويت، وبالتالي قيام حرب الخليج الثانية، التي جلبت على العراق وشعبه من ويلات ومآسي، وخراب ودمار لم يسبق لها مثيل.

 

حامد الحمداني

 

 

عبد الاله الصائغمقدمة لابد منها: الثقافة العربية منذ العصر القبسلامي تكره النجاح بعامة رجلا اصاب ام امرأة! والمرأة مخلوق متفوق على الرجل فهي صانعة الحياة والفرح العائلي! فالتفت هذه الثقافة الورائية الى المرأة لتضطهد المرأة الى مستوى التصفية الجسدية أو النفسية أو الأخلاقية!

والأمثلة عصية عن الحصر ولكننا نذكر الممكن منها فمثلا حين علم الملك عمر بن هند أن ام الشاعر عمرو بن كلثوم ذات كبرياء وبهاء بحيث تعلي كرامتها على حياتها!

فغضب الملك غضبا شديدا ولعله قال في نفسه كيف لامرأة في مملكتي او مشيختي وهي ذات كرامة وكبرياء وادعها حرة؟ فدعا الشاعر وقال له انت مدعو في قصري على شرفي وامك مدعوة معك واهلا بكما!

والحكاية مشهورة فقد اهانت ام الملك ام الشاعر حين قالت لها ناوليني نعالي فعرفت ام الشاعر المقلب الذي أعد لها فصرخت ام الشاعر مثل لبوة جريحة واذلاه! فانتفض الشاعر وادرك ان امه اذلت فاستل سيفه وقتل الملك! لكن فاطمة بنت الخرشب التي انجبت في الجاهلية عشرة أبناء نجباء كلهم زعيم وفارس وشاعر وحكيم وحين تحرش بها ضيفها جنسيا خنقته بشالها وطرحته ارضا فعرف الضيف انها قوية ومدربة وستقتله فباس يدها وقال لها اغفري لي! فغفرت له وتركته يصل منطقته بسلام رغم حضور اولادها ساعة الحادثة وقد امرتهم ان لايصيبوه باذى ويتركوه وشأنه!

وحين جاء الاسلام وتنزل القرآن الكريم نهض بتفسيره البعض ممن أعمت الفحولة أعينهم فكان ان اضطهدت المرأة باسم الدين !

المرأة عندنا مغدورة وحقوقها مهدورة بسبب ثقافتنا العربسلامية التي تتنتصر للرجل ظالما او مظلوماً وتستنقص المرأة محقة كانت او غير محقة! وماذا لو حملقنا في غرب الكرة الارضية وشمالها كي نجد ان العنف ضد المرأة حالة نفسية او خلل نفسي يحتاج الى عيادة نفسية وليس الى كلبشات شرطي! لكن الغرب بعامة تجاوز خرافة الكوتا في الانتخابات والمناصب والسوانح فشهدنا نساء يقدن دولا عملاقة عظمى دون ان يتساءل الانسان الغربي الواعي هل انجيلا ميركل سيدة ام سيد؟؟

 تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا!

وغراباركيتاروفيتش رئيسة كرواتيا! وثمة الرئيسة الباكستانية العظيمة المغتالة غدرا بينظير علي بوتو! ولننظر الى نبوغ انديرا غاندي التي اغتالها فحول من حرسها؟ ناهيك عن تفوق النساء في العلوم مدام كوري مثلا وفي الفنون والرواية والدعوة للحرية والموسيقا وهوليود!

هل استمر في استحضار نبوغ المرأة فأكون كمثل من يثبت كروية الارض من جديد ولكنه الميل الصحراوي للظلم كما قال المتنبي:

والظلم من شيم النفوس    فإن تجد ذا عفةٍ فلِعلَّةٍ لايظلم

 والمتنبي العظيم يصرخ بوجوه الرجال الفحول :

وما التأنيثُ لاسمِ الشّمسِ عَيبٌ     ولا التّذكيرُ فَخْرٌ للهِلالِ

 نحونا فحولي ايضا فمن يصدق ان الطلبة في كل البلاد العربسلامية يدرسون في النحو شاهداً نحويا نصه (قتل البنات من المكرمات) ومثل ظواهر نحوية فحولية كثيرة نحو التغليب ونحو اسباغ صيغة فعيل وفاعل صفة للمرأة كقولهم للوزيرة وزير وللنائبة نائب!

شعرنا فحولي مثل ملامحنا قارن :

ومن غاية المجد والمكرمات بقاء البنين وموت البنات

 وقول الشاعر لزوجته التي تغازله فتمشط شعره لتمنحه دلالها وتفليه واضعا سيفه (ذا الريق) على رقبتها

 لاتمشطي رأسي ولا تفليني وحاذري ذا الريق في يميني

 ويتمزز شاعر اخر جلف وهو يقول :

تهوى حياتي وأهوى موتها شفقاً والموت اكرم نزّال على الحرم

 هي دعوة للتفكير العلمي العملي للتطهر الروح العربسلامي من أوساخ ثقافة كراهية المرأة واحتقارها فما زلنا نئد النساء بوسائل غير مباشرة رغم بلوغنا زمن التواصل الاجتماعي

 العالم تغير جدا جدا وان الدنيا اليوم ليست الدنيا قبل عشر سنين ولم تعد عقلية الخمسينات او الستينات ناجعة في مفاتشة الواقع ومغازلة المثال غرب الكرة الأرضية يتطور الى الأمام وشرقها يتقهقر الى الوراء! هذا دعبل الخزاعي يشكو الاغتراب بين الرجال الأشباه

 ما أكثر الناسَ لا بل ما أقلهمو الله يشهدُ أني لم أقلْ فندا

 إني لأفتح عيني حين افتحُها على كثيرٍ ولكن لم اجدْ احدا

وداد فرحانالعرض

الدكتورة العراقية الناجحة وداد الفرحان انجزت بإمكاناتها الذاتية صحيفة بانوراما التي لاقت من الانتشار والاشتهار ماجعلها موضع اهتمام الشارع الاعلامي والثقافي وقد استقطبت بانوراما اقلاما تعد اليوم ايقونات تضيء حيثما كانت!

ولم تكن السيدة وداد الفرحان لتتنطع بنجاحها او تجعل من صحيفتها منبرا للدعاية الشخصانية فضلا عن ان بانوراما كانت منحازة للتنوير ولم تتخندق مع الخيول الكدش لرموز الدين السياسي وأحزاب المحاصصة والعلمانية المتطرفة! وسارت سفينة بانوراما في محيط عميق واسع سيرا حثيثاً واثقاً! فباتت السيدة وداد فرحان متمتعة بنجومية تغبط عليها ومتنعمة بسطوعية تحسد عليها والمحب يغبط والشانيء يحسد!

ومن خلال عملي الطويل في الجامعة والاعلام (جامعات الموصل والمستنصرية والكوفة في العراق) و( جامعات الفاتح واللغات في ليبيا) و(جامعة صنعاء في اليمن) و(كليات هنري فورد في مشيغن وتكساس كولج في جورجيا) فضلا عن الأكاديميات المفتوحة مثل الاكاديمية العربية في الدانمارك وابن رشد في هولندة وشمال امريكا في كندة اقول من خلال تجربتي وخبرتي تهيأ لي ان النظرة للمرأة عند كثير من الزملاء والطلبة والناشطين لن تتعدى حوار الجسد دون النظر الحق للكفاءة والشهادة العليا والمواهب الكبرى! كالدكتورة وفاء سلطان التي فتح المتشددون عليها بوابات الجحيم فاستغلو الفوتوشوب لكي يظهروها في مشاهد لاتليق بمفكرة حاذقة كمثلها!

واليوم تتعرض الدكتورة وداد فرحان وصحيفتها بانوراما الى حملات تسقيط تسعى الى إهانتها ومنعها عن مواصلة مشوارها وتكريس حياتها لحرفتها (حرفة البحث عن المتاعب) ولا اريد ان اتحدث عن المحن التي تعرضت لها هي وزوجها الراقي ولكن الله جنبها ونقول بالعراقي (ياغافلين إلكم الله)

فهل يكون جزاء هذه المرأة العراقية الحالمة ذات الكبرياء والبهاء كجزاء سنمار!

ويشاء الله ان يختلف حسادها وخصومها في مسوغات الاساءة لها ففريق يزعم انها متخندقة مع جماعة الاسلام السياسي وانها تقبض رشاوى منهم وتتلقى تعليمات عنهم وفريق يدعي انها علمانية متطرفة تتماهى مع المشككين بالدين والإله معا ولاتجد حرجا من تعاطي المخدرات والمشروبات الكحولية حد التعتعة!

وحين واجهت الاستاذة فرحان هجمات البداوة الاعلامية ضدها ونأت بنفسها عن ان ترد على كل مدلس او مجسس فهل بات التواصل الاجتماعي تكنولوجية ذكية بأيد غبية؟

 وتمضي النوذج السامق للعراقية المغتربة دكتورة وداد فرحان بخطوات واثقة لتنتقل من نجاح الى آخر بينما تنطفي نيران حسادها وشانئيها والحمد لله.

 

عبد الاله الصائغ - الولايات المتحدة

 

علوان حسينفي الباحة السادسة حيث تـُنتصب ُ المشانق ُ كل أسبوعين وفي أوقات الكثافة كل أسبوع أمام البوابة السوداء لمهجعنا يسمونه مهجع الندوة . كان نصيبنا التلصص من شقوق البوابة إلى ما يجري خلفها من حركة دائبة لعناصر البلدية في تحضير أعمدة المشانق والحبال الغليظة ثم يأتي دور الرقيب الأول حاملا ً معه قائمة بأسماء تعسي الحظ يقادوا من الصباح الباكر فرادى أو جماعات إلى باحة الموت . يذهبون إلى تلك النهاية الفاجعة بهدوء وصمت ٍ ونحن خلف الجدران جالسين وكأن فوق رؤوسنا الطير بعضنا يزدرد لقمته بصمت، آخرون عافت أنفسهم الطعام فلبثوا مع أنفسهم ذاهلين . طبعا ً مع مرور الأيام والشهور والسنين كنا قد إعتدنا المشهد وفقد الموت رهبته عند البعض لكن الخوف من ملاقاة ذلك المصير والتدلي من حبل المشنقة عشناه في اليقظة وفي الأحلام . تمر أيام كثيرة لا أستطيع فيها الضحك لنكتة يقولها أحدهم . تقلقني الأعداد المتزايدة للمحكومين بالإعدام من أين يأتون بكل هؤلاء الضحايا وكيف لا يفرغ السجن من ساكنيه ؟ كنا نحصي أعداد الذاهبين إلى حتفهم حيث يصل الرقم إلى مئتين كل أسبوعين تقريبا ً، كل هذا والمعتقل مزدحم والمهاجع تكاد تختنق بالسجناء . سرت إشاعة في السجن بأن حافظ الأسد شخصيا ً يشرف بنفسه على حفلة الإعدامات . رئيس المهجع أقسم بأغلظ الإيمان أنه رأى بأم عينيه التي سوف يأكلها الدود رئيس البلاد جالسا ً على كرسي ٍ وثير وأمامه على الطاولة فنجان قهوة وكأس ماء وقد جلبوا له خصيصا ً باقة ورد ٍ تضفي على نشوته متعة ً قصوى وهو يبصر ضحاياه يلاقون المصير الذي رسمه لهم .

وسط تعاستي وحزني الشديد كنت أتخيل الرئيس السعيد جالسا ً يرشف قهوته بمتعة وأمامه باقة ورد ٍ ومشنقة يتدلى منها إنسان كان قبل لحظات في كامل فتوته وأحلامه وحياته التي قُطفت منه في لحظة ٍ شاءها الرئيس السعيد لحظة بهجة ٍ يخالطها الموت . كنت أتساءل كيف تواطأ الموت مع الرئيس الذي مثل دور القاضي وكيف غابت حقيقة الموت ومعناه وهل يحتاج الإنسان إلى مجرد فكرة مغايرة تذهب به إلى حيث ينتظره رجل بكامل قيافته وبطشه وقسوته ليرسم له شكل نهايته ببساطة كما يرشف قهوته بالضبط؟ هل يحتاج الموت إلى فنجان قهوة؟ وهل أشعر أنا الناجي من غفلة الموت بالسعادة؟ يا لها من سعادة ٍ قاسية . كم من الجثث مرت من أمامي وكم من الموت رأيت وكم صور الأحياء الموتى ظلت عالقة في ذاكرتي، من ينتشلني من هذا القبر؟ ثم كيف أعثر علي َ من بين ركام الموتى؟ لو فقط هناك محكمة وقاض وعدالة، ضحكت من نفسي لتخيل فكرة العدالة ونحن في تلك الصحراء المقفرة وسط قطيع الضواري ومشهد تل الجثث موضوعة فوق بعضها عارية ً تماما ً من الثياب والأرواح بالطبع وحلقة من الشرطة العسكرية وعناصر البلدية تقيم دبكة فرح وسط التهليل كأنهم في زفاف جماعي لسجناء معتقل تدمر الصحراوي السعيد .   

 

علوان حسين

 

عبد السلام فاروقالشارقة إمارة عريقة، واسمها معناه "الشمس المشرقة" . تشير الحفريات التى وجدت بجبل "فايا" بالشارقة إلى آثار لآنية تعود إلى 85,000 سنة مضت، ما يعنى أنها أقدم حفرية دالة على آثار بشرية وُجدت على ظهر البسيطة . جاء ذكرها فى رسوم الخرائط اليونانية التى رسمها بطليموس خلال القرن الثانى قبل الميلاد، وفى القرن الخامس عشر ذُكرت الشارقة فى مؤرَّخات (أحمد بن ماجد) البحار الشهير . ما يعيدنا إلى كتاب من كتب د/(سلطان القاسمى)، هو كتاب (بيان للمؤرخين الأماجد في براءة ابن ماجد)، وهو بحث استقصائى قام به د/(سلطان) اعتماداً على مخطوطة قديمة من يوميات "فاسكو دى جاما" عَثرَ عليها فى مدينة "أوبورتو" البرتغالية . وفى هذا ما يشير لاهتمام د/(سلطان) البالغ بإعادة اكتشاف التاريخ وتتبعه والتعمق فيه، وعدم الاعتماد كُلّياً على المصادر التقليدية للتاريخ والتى تغفل عن الكثير من الحقائق التى طُويَت فى دوائر النسيان .

كانت الشارقة فى الماضى إمارة صحراوية حوَّلتها الأمطار إلى سهول خصبة ساعدت على الصيد ورعى الماشية . واعتمدت فى حقبة تالية على التجارة البحرية وأهمها تجارة اللؤلؤ، وكان البحارة يتميزون بمعرفتهم لأسرار الملاحة فى تلك المنطقة الحيوية التى تربط بين دول شرق آسيا من ناحية وبين أوروبا الشرقية وشمال أفريقيا من ناحية أخرى .

منذ عام (1823م) وحتى عام (1954م) كانت الشارقة هى مقر الانتداب البريطانى فى منطقة الخليج، حتى وقت جلائهم التام فى أواخر الستينيات قبيل إنشاء الاتحاد الإماراتى . وفى (1903م) تم افتتاح المدرسة "التيمية" كأول مدرسة بالشارقة تعتمد المنهج الإسلامى . أول صحيفة بالشارقة صدرت عام 1927م كانت صحيفة (عمان) أو صحيفة "ولايات عمان المتصالحة" . وفى عام (1932م) أسست الحكومة البريطانية أول مطار فى الشارقة، والذى تحوَّل فيما بعد إلى (متحف المحطة) ضَمَّ مجموعة من نوادر المقتنيات لطائرات قديمة وغيرها من مقتنيات الملاحة الجوية آنئذ . ومع بشائر تسلُّم الشيخ سلطان القاسمى مقاليد الحكم فى 1972م، جاء اكتشاف النفط فى حقل مبارك بالشارقة . ومنذ ذلك الحين بدأت الشارقة مرحلة جديدة من الحداثة، فى خطوات سريعة متلاحقة تثير الإعجاب والاحترام .

مدينة اللؤلؤ

حتى ستينيات القرن الماضى كانت الشارقة تعتمد فى اقتصادها بشكل أساسى على تصدير اللؤلؤ الذى نال شهرة عالمية، وكان حتى عام 1900م ذو أهمية خاصة بين الأحجار الكريمة فاقت أهمية الماس فى تلك الآونة ما أدى إلى ارتفاع سعره ورواجه لدى طبقة النبلاء والأثرياء فى أوروبا وشرق وجنوب آسيا .

كانت مراكب "الداهو" دقيقة الصنع ذات النقوش العربية المميزة، هى المسئولة عن صيد اللؤلؤ، وكان صيد المحار يتم بطريقة يدوية على عمق يصل بين 15 إلى 40 متراً، بحيث يغلق الصياد أنفاسه بوضع وتد عظمى على أنفه، ويسارع بالنزول لقاع البحر فيضع المحار فى سلة مجهزة مسبقاً ويشد الحبل علامة الانتهاء، ثم يسارع بالعودة والصعود . كانت هى الطريقة الوحيدة إذ لم تكن أسطوانات الأكسجين متاحة بعد . ومع ازدهار استزراع اللؤلؤ فى اليابان وانخفاض الطلب عليه، مع اكتشاف النفط، بدأت تجارة اللؤلؤ فى الشارقة وفى الخليج بصفة عامة تتراجع لحساب أنواع أخرى من التجارة والنشاطات الصناعية والتجارية .

غير أن آثار هذا العهد القديم ما تزال موجودة فى صورة أنشطة سياحية . ففى منطقة (دبا) التى ما زال نشاط الصيد البحرى مستمراً بها . وباستطاعة السياح تأجير قوارب "الداهو" للقيام برحلات ساحلية قصيرة . وفى مدينة (كلباء) القريبة من ساحل عمان إلى الشمال من الشارقة، هناك ميناء صيد شبيه بمثيله فى "دبا" . إلى جانب متاحف ومزارات متعددة تعيدك إلى عصور بحرية قديمة من تاريخ الشارقة، مثل "سد الرفيصا"، و"المتحف البحرى "، و"الأكواريوم" وإن كانت قد تدثرت بثوب المعاصرة .

فلكلوريات

ما زالت الإمارات تحتفظ بأصالتها وتراثها، وهذا ما تستشعره فى كل لمحة من ملامح المعمار مهما بدا معاصراً، وفى المعاملات اليومية للمواطن الإماراتى حتى لو ارتدى الردنجوت والتاكسيدو أو تحدث معك بلغة إنجليزية أو فرنسية طبقاً لضرورات العمل التجارى، والإماراتيون رجال أعمال من الطراز الرفيع . لكنهم رغم ذلك يحتفظون بمفرداتهم التراثية دون تغيير .

أهم ما يميز الطابع الإماراتى التقليدى هو الأزياء، الرجال يرتدون الدشداشة، ويعتمرون غطاء للرأس مكون من "غترة" و"عقال" و"قحفية" .. وقد تضاف عباءة خارجية موشّاة بالذهب أو الفضة تُدعَى "المِشلَح" خاصةً فى المناسبات المهمة .

بينما النساء يرتدين حجاباً للرأس من الشيفون يسمى "الشيلة"، وعباءة سوداء طويلة تغطى سائر البدن، وبعض النساء من كبار السن قد يرتدين البرقع لتغطية أجزاء محددة من الوجه . الأزياء الخليجية التراثية منتشرة بأسواق الشارقة الشعبية وما أكثرها . وهى تنم عن طابع محبب يعود بك إلى الماضى وإن لم تكن عشته.

الموسيقى الشعبية ورقص الصحراء من سمات المجتمع الإماراتى الذى يعتز بتراثه الفلكلورى، خاصةً فى المناسبات الوطنية والأعياد والمهرجانات . لعل أهم هذه الفنون فن الوهابية أو الرمسة الذى ينتمى لإمارة رأس الخيمة فى الأساس . وهناك العيالة وهو استعراض يقوم به صفان من الراقصين بالسيوف يشى بمعانى الشجاعة والفروسية، ويتبادلان ترديد أبيات محفوظة من الشعر تعرف "بالشلة" .

هذا إلى جانب الحرف اليدوية التى ما زالت موجودة إلى اليوم لأغراض التجارة السياحية، ومنتجاتها تُعرض فى بازارات الأسواق الشعبية، وأهمها صناعة الأوانى الفخارية المنقوشة، وحياكة وتطريز الأزياء النسائية التراثية، وأهمها "السدو" وهو الفن الذى تم تصنيفه عالمياً كتراث ثقافى مهدد بالاندثار .

حصون ومساجد وأشياء أخرى

لكل دولة طابعها الخاص ومزاراتها الدالة عليها، كأبى الهول بمصر وبرج بيزا بإيطاليا وبرج إيفل بباريس .. ما زالت الشوارع الرئيسية فى باريس ولندن تحتفظ بطابعها التراثى القديم لأنه يعبر حضارياً عن عراقة وأصالة هذه العواصم والمدن .

فى الشارقة اليوم أجواء ساحرة لابد أنها تعود بك، رغم بريقها العصرى ونظافتها، إلى عهود وعصور غابرة مضت . تشعر بهذا إذا زرت "حصن الشارقة"، أو مررت بالبيوت القديمة على الساحل الشرقى فى "خورفكان"، أو إذا زرت مساجد كمسجد "البدية" ومسجد "النور" . والشارقة تحف بالمآذن التى تصل إلى نحو ألف مئذنة رغم مساحتها التى لا تزيد عن ( 2600كم)، وهناك القرية التراثية بمدينة "كلباء"، وحصن البثنة، وسد الرفيصا، ومتحف التراث، ومتحف الآثار. كلها أماكن تراثية قديمة تحف بأجواء سحرية خاصة تأخذك بعيداً إلى أزمان أخرى .

هناك حرص على الاحتفاظ بمظاهر التراث فى كل لمحة من لمحات العمارة والتنظيم، حتى البرامج السياحية التى تنظمها الشارقة تحرص فيها على المزج بين الحداثة والتراث .

كل شئ فى الشارقة ينم عن تاريخها، حتى الكثبان الرملية الحمراء بتموجاتها المبهرة . ما زالت مسابقات الخيول والجمال تجرى بين الفوارس ومحبى هذه الممارسات التراثية الطيبة، بجانب رياضة الصيد بالصقور التى تميز منطقة الخليج عموماً والشارقة خاصة .. هناك أسواق كـ"الشناصية" وسوق"صقر" شبيهة بخان الخليلى فى مصر بما فيها من حرف يدوية نادرة وتذكارات وهدايا وتحف .

فى الشارقة أنت أمام مشهد مبهر يأخذك بسحره الخاص فى منطقة تبدو كالحلم تقف فيها ما بين الأصالة والمعاصرة، أو بين عالمَين يبدوان فى امتزاجهما كالأسطورة الحية .

 

عبد السلام فاروق

 

محمد فتحي عبدالعالالدّهاءُ والجمالُ والتّصميمُ اجتمعوا بملكة قرطاج الأوّلى ابنة ملكِ صورٍ وزوجةِ الكاهن الثري (عاشر باص) اشتهرت  "عليسة" بعدة أسماء ففي الأنيادة لفرجيل سميت "ديدو" وتعني الرّحالة وعُرفت في بعض المصادر الأفريقية ب "ديدون".  كما سميت بـ"أليسا" التي يعتقد أنّها كلمة فينيقية مشتقة من كلمة "اليشات". وبدمجِ الاسمين في بعضِ المصادر عرفت ب "اليسار ديدون" أيّ "الرحالة ديدون".

كانت عليسة الابنه المدللة لماتان او موتو ملكِ مدينة صور الفينيقية وكانت زوجةُ خالها الكاهن الصوريّ الأعظم عاشرباص والذي عرف بزيكار بعل وكان واسعُ الثراء. والمالُ غالباً يجرّ المصائب حتّى من أقربِ النّاس. فهو أخوها وشريكها في الحكم بيغماليون بعدَ وفاةِ أبيها الملك قد عزم على قتلِ زوجها للسيطرة على ثروتهِ وحاول قتلها لكنّها استطاعت بدهاءٍ وحنكةٍ  الفرار بثروة زوجها الطائلة في جنح الظلام. وفي رحلةٍ بحريّة طويلة بلا هدف سوى النجاة بحياتها. أوهمتْ عليسة الجميع بإلقاء كنوزِ زوجها في اليم لتكون قربانا لروحهِ الطاهرة ِ، ولتقطع الطريقَ أمامَ الطامعين فيها على ظهرِ السّفينة ..

رستْ سفنُ عليسة في جزيرةِ قبرص وفيها عقدت الأميرةُ معاهدةً مع كبير كهنة آلهة الجمالِ عشترت وبمقتضي الاتفاق انضم كبيرُ الكهنة وأسرته إلى رفقة الأميرة بعد ضمان استمرار ولدهِ من بعدهِ. والغريب انضمام فتيات وهبن بتولتهن بحسب طقوس الآلهة عشترت وهو ما عرف قديماً بالبغاء المقدسِ  وهو الأصلُ لجهادِ النكاحِ الشّائع لدى الجماعات المتطرفة اليوم وقد ذكرفي السّفر الأوّل من تاريخ هيرودتس ( إنّ أكبرَ المخزيات في بابل شعيرة تقليديّة مضمونها أن تقيم كلّ امرأة في معبد افروديت مرة في حياتها وتجامع غريباً أيّ كان)

غادرت سفن عليسة قبرص لتطولَ رحلتها المحاطة بالمخاطر وتحطّ رحالها في محطةٍ جديدة وأرضٍ غريبة.  حطتْ في أرضِ ملكِ المكسويين والّذي فاوضته للحصولِ على أرضٍ تبني عليها مدينتها إلا أن الأمير اكتفى بمنحها ما يساوي مساحةَ جلدِ ثور فقبلت  وسط دهشةِ الحاضرين وقامت بقص جلدِ الثور إلى أشرطة دقيقةٍ طويلة أحاطتْ بها الهضبة والتي تُعرفُ بهضبةِ بيرصا وتعني جلد ثور ...وكانت هذه المساحة الضئيلة نقطة البداية لبناء مدينة قرطاج (قَرْتْ حدشْتْ) العظيمة والتأسيس لحضارة متطورة قائمة على الملاحةِ والتجارةِ بينَ شرقِ البحر المتوسط وغربهِ في نهاية القرن التاسع قبل الميلاد في منطقةٍ يسكنُها البربر الذين أعجبوا بهذهِ الأميرة ِ، وبهذه الحضارة الراقيّة التي نقلتها إلى أفريقيا ...

راغدة شريفكان التطور الذي أحدثتهُ عليسة بقرطاج إضافة إلى جمالها الشرقيّ الفريد دافعاً لملكِ المكسويين لطلبِ الزّواج منها وهو ما مثل مأزقاً للأميرة وموقف لا تحسد عليه فالرّفضُ بمثابةِ إعلانِ حربٍ على مملكتها الوليدة والزواج منه هو تخلي عن ذكرها لزوجها الّذي بقيت مخلصة لروحهِ الطيبة ..وكان اختيارها هو الانتحار من أجل أن تهب الحياة لمملكتها الجديدة  فجردت سيفا واغمدته في صدرها في مشهد حزين ...ينقلنا هذا المصيرُ الذي شكلَ النهاية لبطلاتٍ كثيرات بحلقاتنا إلى محاولةِ الاقترابِ من فكرةِ الانتحار فأسباب الانتحار كثيرة إلا أنّ الانتحار لأسباب فلسفية ومنها أن يهب الحياة لآخرين أو أنه يرى الحياة قد خلتْ من مغزى حقيقي يدفعة للبقاءِ، يبدو أكثرها حيرة خاصة وأنّه السببُ الرئيس  لانتحارِ المثقفين ...وهل قرارُ الانتحار يبدو سهلاً أمام المقدمين على هذه الخطوة؟!! ...إنّ فكرة أنَّ الشخص العازم على الانتحار هو شخص يودّ أن يموتَ!! هي فكرة خاطئة فالتوصيفُ الأصحُ أنّه شخصٌ يودّ أن يتخلص من ألمه ومتاعبه التي لا تحتملُ،   ليس صحيح أن المنتحر جبانا فالانتحار ترتفعُ نسبته عندَ الأشخاصِ العرضة لحالاتِ العنف الشّديدِ مثل الجنود، بالإضافة  للجانبِ الوراثي لدى هذه الفئة ايضاًقدرة على مقاومة الخوف من الموت وذلك من فرط الألفة مع الأفعال العنيفة والمؤلمه  بحسب توماس جوينز المتخصص في علم النفس الاكلينيكي بجامعة فلوريدا مما يجعل الانتحار خيارا مألوفا لهم . عليسة الأميرة الأسطورية التي نقلتْ حضارةً راقية، وأسست لمملكةٍ بمساحة جلد ثور. 

 

أستاذة راغدة شفيق محمود الباحثة السوريّة في علوم اللّغة

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصري

 

645 اسياخاممن أين نبدأ بقصة الرسام الجزائري محمد أسياخم؟ من ولادته في قرية جزائرية؟ أم من قصة تلك الرمانة اليدوية التي عبث بها، وهو فتى فتفجرت وأحدثت كارثة ستظل آثارها حية في نفسه لأمد طويل؟ أم نبدأ من صداقته لكاتب ياسين؟ أم نشرع بإثارة أوجه الشبه بينه والبطل المتخيل في رواية (ذاكرة الجسد) لأحلام مستغانمي؟ أم… أم أننا تورطنا معاً في قصة شائكة أشواكها كنبات الصبار المنتشر هناك في جبال الجزائر، حاملاً بين أشواكه فاكهة التين-البربري الطيبة، رامزاً في الوقت نفسه للقسوة وللجمال؟

ومهما يكن من أمر، فإن محمد اسياخم (1928-1985) صار يعد أحد أهم رواد الرسم الحديث في الجزائر. وقد نشأ في عائلة بسيطة وعاش طفولته سعيدة نسبياً، فكان يأكل حتى يشبع، في وقت كان كثير من الجزائريين لا يجدون كسرة الخبز، وظل يذهب للمدرسة التي نظر إليها وقتها بوصفها ترفاً بالنسبة لأسر أطفال يرزح وطنهم تحت وطأة احتلال مرير.

ويذكر أن إدارة المدارس في تلك الفترة كانت منوطة بالإحتلال الفرنسي، فالمناهج تشيد بعظمة فرنسا، فرنسا التي كانت في ذلك الحين محطاً لأطماع الألمان الساعين لاحتلالها، إلى أن نجحوا في مسعاهم بداية الأربعينات. وذات يوم لا يختلف كثيراً عن باقي الأيام نظمت المدرسة التي يدرس فيها اسياخم مسابقة لرسم بورتريه يجسد (الماريشال بيتان)، وهو عسكري فرنسي صار رمزاً للدفاع عن استقلال فرنسا عن ألمانيا (انتخب بعد ذلك رئيساً للجمهورية)، فكان الفائز بالجائزة الأولى لأفضل بورتريه، هو بطلنا اسياخم، وقدّر لذلك الرسم الأول أن ينتشر في الحي الذي يقطنه، مبشراً بولادة موهبة حقيقية، فتقدم إليه كثير من قاطني الحي حاملين تصويرات بأيديهم طالبين منه أن يرسمها لهم بالألوان.

غير أن الأمور لا تسير دائماً وفق ما نبتغيه، أو نحلم به، وهذا ما ينسحب على اسياخم أيضاً، ففي عام 1943 يجد الفتى اسياخيم رمانة يدوية قرب معسكر قريب ويجلبها للبيت، ومن غير سوء قصد انفجرت لتسبب بوفاة اختيه الصغيرتين وطفل، هو ابن اخت له ايضاً، أما اسياخم فخسر ذراعه اليسرى وطرف سبابة يده اليمنى. ترى ما الذي يمكن أن يحدث لفتى واجه موقفاً كالذي مر به اسياخم (مقتل اختيه، مقتل ابن شقيقته، فقدانه لذراعه، سوء وضعه الصحي ومكوثه في المستشفى لسنتين، فضلاً عما قيل عن غضب أمه تجاهه، وتحميله مسؤولية الحادث)؟

من المتوقع في ظل حدث مأساوي كهذا أن يترك آثاراً سلبية في نفسية اسياخم تعيقه عن مواصلة الحياة السوية، فما بالك بالإبداع الفني؟ غير أن اسياخم سيقول لنا امرا آخر. إذ بعد عشر سنين، لا أكثر، من ذلك الحادث، بدأ "اسياخيم" دراسة الرسم في باريس نفسها، وفي المدرسة العليا للفنون الجميلة تحديداً، وما أن تعلم الرسم على أصوله الأوربية حتى عاد ليرسم مواضيع اجتماعية: تصور معاناة الفرد الجزائري، وكان أغلب أبطال لوحاته، هم عمال جزائريون وأمهات جزائريات بأزياء تقليدية، نعم أمهات!

وبالعودة للوحات اسياخيم (شاويّة، الشمس السوداء، قيامة الشهيد….) سنجد أنه بالرغم من تفضيله رسم أناس بسطاء من عامة الناس كالعمال اليدويين مثلاً، فإن تركيزه ظل منصباً على تقديم أوجه النساء بطريقة رمزية غالباً ما تكون فيه المرأة حزينة. والسبب في ذلك صار واضحاً فيما نعتقد، وهو ما أكدته ذات مرة الكاتبة الجزائرية نادية أقسوس في مقالة لها باللغة الفرنسية عن فن أسياخم قائلة بأنه حين "رُفض من جنة الأمومة" بقي في "بحث أبدي يترقب رجوع الأم لتعترف به، تلك الأم بعباءتها الثرية بالألوان.". ومن الواضح ان هذا التفسير يستند لمأساة شخصية في حياة اسياخم، ولكن هل ثمة تفسير آخر ينأى عن الشخصي ليقارب العام، يلامس الأحداث العامة التي مرت بها الجزائر؟

فلقد استمر الاستعمار الفرنسي في محاولاته لاقتلاع جذور الهوية الجزائرية، تلك التي أنكرها السياسيون الفرنسيون بعنصرية، وأنانية مفرطة، إذ كانوا يروجون لفكرة أن الجزائر لم تكن شعباً يوماً ما. إن هوية اي شعب تبرز في عاداته وتقاليده، وفي طرق التعامل التي يتبعها افراده، وفي الملبس الخاص والمأكل وطراز العمارة والفن والفلكلور الشعبي، إلى غير ذلك من مكونات الثقافة التي تستند إليها الهوية، وجميع ذلك متحقق فعلاً عند الجزائريين. أما أن ينتبه الفرنسيون لزي المرأة الجزائرية، مثلاً، فلا يروق لهم، فتلك مسألة أخرى، وإن كانت تقوض نظريتهم بصدد هوية الشعب الجزائري. ينسحب هذا أيضاً لا على زي المرأة فحسب، وإنما على دورها في إدارة الأسرة، وطرق معيشتها أيضاً، وإن يكن الفرنسيون قد دسوا أنوفهم عنوة في خصوصيات الشعب الجزائري، لكنهم كانوا يبغون من وراء ذلك بشعور، وبلاشعور أيضاً، دفع الإنسان الجزائري للإحساس بالخجل، والعار من عاداته وتقاليده، أي من هويته ذاتها. وهذا في اعتقادنا هو السياق العام الذي جعل اسياخم يصرف كثيراً من وقته مركزاً على رسم المرأة الجزائرية بلباسها التقليدي.

ولاحقاً وجد اسياخم لنفسه مكاناً ضمن شرائح المثقفين الجزائريين الطليعيين، ذوي الحس الوطني، ونكتفي هنا بالإشارة لصداقته لواحد من أكثرهم شهرة، وهو (كاتب ياسين)، صاحب رواية (نجمة). وقد قدر لفنان والأديب أن يتعاونا في أعمال عديدة. فرسم اسياخم كثيراً من الرسوم التي زينت النسخ المطبوعة لأعمال صديقه، ورسم أيضاً لوحات مستوحاة من أعمال كاتب ياسين. ويكفي الإشارة هنا إلى لوحة (المرأة المتوحشة) ولوحة (إمرأة على قصيدة شعرية)، تلك التي حين أكملها اسياخم طلب من صديقه أن يقوم بتوقيع اللوحة، فتحايل عليه ياسين ولم يفعل ذلك.

وما أن تحقق الإستقلال، وتعين على الجزائر أن تصدر عملة وطنية خاصة بها حتى تمت الاستعانة بأسياخم ليصمم رسمها، وفوق ذلك ظهرت الطوابع البريدية الجزائر، وهي مزينة بأعماله، وطلب منه الإشراف على لوحة جصية في مطار الجزائر. ويبدو من ذلك انهم في الجزائر انتبهوا لبراعة فنانهم في استخدام الرموز في رسوماته لتجسيد هوية البلاد.

هل كان الأثر الأكبر في فن اسياخم عائداً لحادثة فقدانه ذراعه؟ هل كانت هذه المرأة التي ظل اسياخم يرسمها طوال حياته هي أمه بالفعل التي يشتاق لحنانها أم هي المرأة الجزائرية على نحو عام؟ ما سر تلك الصداقة القوية بين اسياخم وكاتب ياسين؟ لماذا أطلق الكاتب الجزائري (بنعمّار مدين) على اسياخيم وكاتب ياسين لقب (توأما نجمة) في كتابه عنهما؟ هل يمكن أن تلهم حياة فناننا ذي اليد (المعاقة) بكل ما تحمله هذه الكلمة من فجاجة، وألم أيضاً، أحلام مستغانمي فتتقصد جعل بطل روايتها (ذاكرة الجسد) صورة قريبة إلى حد بعيد عن اسياخم (موهبة الرسم، اليد المعاقة، الحس الوطني)؟ لقد بدأنا مقالنا هذا بأسئلة، ونفضل أن نختمه بأسئلة أخرى، فلنتركه هكذا، غير منته، غير مقفول، مثله مثل قصة أسياخم مع ذراعه، مع أمه، مع فنه، ومع وطنه الجميل الجزائر.

 

سامي عادل البدري

 

صباح شاكر العكامفي سنة 1540م أدرك عالم الفلك والرياضيات البولوني نيكولاس كوبرنيكوس(1) إن الحركات المعقدة الظاهرية للكواكب يمكن تعليلها بان الشمس ثابتة في حين أن الأرض والكواكب الأخرى تدور في مدارات حول هذا النجم الباهر، وقد أصدر عام 1543م كتاباً بعنوان " دورات الأجرام السماوية " ، وقد كانت الكنيسة تتبنى آراء أرسطو(2) عن الكون، وهي النظرية التي تقول بأن الأرض هي مركز الكون، وأن الشمس تدور حولها كما هو ظاهر للعين ، وقد خلعت الكنيسة على هذا الاعتقاد طابع القداسة، حيث سيتعرض كل من يشكك فيه الى الملاحقة القضائية.

في عام 1610م صنع غاليلو غاليلي(3)  منظاره (تلسكوب غاليلو) ، وقد استطاع بواسطته أن يكشف عن أقمار كوكب المشتري "جوبيتر" ، وما أن انتشر الخبر حتى أعلنت الكنيسة  إن هذا الاكتشاف يراد به أن يعزز ما جاء بكتاب "دورات الاجرام السماوية " للملحد نيكولاس كوبرنيكوس، وكانت الكنيسة قد وضعت أسس ما يسمى بالعلم السلمي، حيث إن الطريق القويم الذي رسمه الدين لكي يكون وسيلة للوصول الى الحقائق المتعلقة بعلم الفلك، هو طريق التفكير اللاهوتي المدعم على أساس النصوص المنزلة في التوراة والإنجيل، التي أكدت على أنه لا يمكن أن يوجد أكثـر من سيارات سبع وبرهاناً على ذلك وجود تلك المناير(4) السبع التي ذكرت في سفر يوحنا، والمناير السبع التي جاءت  في قصة سليمان في التوراة.

كان غاليلو قد اطلع على كتاب "علم الفلك الجديد" الذي ألفه أحد الفلكيين الألمان اسمه "جوهانز كبلر"(5) ، وقد قرأه بعناية وعندما انتهى منه أصدر أول كتبه بعنوان "رسول النجوم"، الذي لاقى موجة شديدة من اعتراضات قادها رجال الدين، وقد ازعجتهم امكانية أن تترك تلك القراءة التجريبية والمبتكرة للطبيعة، والمعرضة لتفسير النصوص المقدسة، آثاراً غير متوقعة على المفهوم الأرسطي الجامد للعالم .

 استمر غاليلو في خوض معركته مع الكنيسة عندما اصدر كتابه الثاني "حوار حول النظامين الرئيسيين للكون" أن يثبت إن تفسير الآيات المقدسة تفسيراً حرفياً، لا يجب أن يطبق على الحقائق العلمية ، فأصدرت الكنيسة رداً أكدت فيه إن ذلك الكتاب يؤكد على هرطقة غاليليو، وإنه أشد إفساداً من كوبرنيكوس .

عندما أعلن غاليلو إن هناك جبالاً وودياناً في القمر، وانه يستمد نوره من انعكاس ضوء الشمس، خرجت الكنيسة من جديد لتعلن إن ما كتبه غاليلو يتناقض مع الأنجيل الذي أكد إن القمر عبارة عن ضوء عظيم.

في عام 1616م صدر من الفاتيكان مرسوماً  يطالب بعدم الابتعاد عن التفسيرات الوحيدة التي يتيحها الكتاب المقدس، موجهاً الاتهام بالهرطقة لكل من يخالف ما جاء بالتوراة والإنجيل، وصدرت الأوامر بان تصبح الرقابة على الكتب العلمية ضرورة لا غنى عنها، واضطر ناشروا الكتب إلى تبني مزيد من الحرص، وقد تعرض ناشر كتاب "رسول النجوم" الى الملاحقة القضائية مما دفعه الى التوجه بشكل كامل الى طبع الأعمال الدينية واللاهوتية، وبعد عام شكّل الفاتيكان "مجمع القائمة " مهمته إصدار تعليمات النشر وقد أصدر المجمع قائمة بالكتب الممنوعة والتي ضمت أعمال كبلر وغاليلو وكوبرنيكوس وديكارت وهوبز.

أحيل غاليلو غاليلي الى المحاكمة من قبل الكنيسة بتهمتين ، الأولى هي إصراره على تأكيد نظرية كوبرنيكوس عن دوران الأرض حول الشمس، والثانية وكانت الأخطر وهي إنه ألف كتاباً باللغة الايطالية وليست اللاتينية، حيث لم يكن مسموحاً نشر كتب باللغات المحلية لمنع انتشار العلوم والأفكار الحديثة، والتي كانت تعتبر بنظر الكنيسة أفكاراً هدامة، ولهذا كان كتاب غاليلو هو أول كتاب علمي يكتب من أجل الناس ، أن عقوبة التهمتين الحرق فتنازل غاليلو عن افكاره وكتب :" أنا غاليليو غاليلي من فلورنسا، في السبعين من عمري، ماثل للمحاكمة، أقلع عن الفكرة الخطأ بأن الشمس ثابتة وإنها مركز الكون، وأقر إنني لن أتمسك بهذه النظرية الخطأ، أو أعلّمها أو أدافع عنها بأي وجه من الوجوه " ، كانت هذه الكلمات التي حاول من خلالها غاليلو أن ينجو من عقوبة الموت حرقاً.

حكم على غاليلو بالإقامة الجبرية في بيته ومنعه من مزاولة أي نشاط علمي ، وبعد خمسة أعوام مات في عزلته المفروضة عليه، فيصدر البابا قراراً بمنع إقامة قداس له، لأن اية كلمة عليه ستكون إساءة لسمعة الكنيسة.

 

صباح شاكر العكام

.....................

الهوامش:

1- نيكولاس كوبرنيكوس (1473م ـ 1543م) هو راهب وعالم رياضي وفيلسوف وفلكي وقانوني وطبيب وإداري ودبلوماسي كان أحد أعظم علماء عصره. يعتبر أول من صاغ نظرية مركزية الشمس وكون الأرض جرماً يدور في فلكها .

2-  ارسطو طاليس(384ق.م – 322ق.م) فيلسوف اغريقي ، تلميذ أفلاطون ومعلم الإسكندر الأكبر، وواحد من عظماء المفكرين الذي تغطي كتاباته مجالات عدة .

3- غاليلو غاليلي(1564م – 1642م) عالم فلكي وفيلسوف ايطالي ، نشر نظرية كوبرنيكوس ودافع عنها بقوة على أسس فيزيائية .

4- المناير : جمع منارة وهي الاجسام المضيئة .

5- جوهانز كبلر: (1571م - 1630)، عالم رياضيات وفلكي وفيزيائي ألماني كان أول من وضع قوانين تصف حركة الكواكب بعد اعتماد فكرة الدوران حول الشمس كمركز لمجموعة الكواكب من قبل كوبرنيكوس وغاليلوغاليلي.

 

 

 

سمير قاسمهو طبيب حاذق متخصص في علاج أمراض العظام ولكنه عبقري الى درجة انه تجاوز فكرة ان يكون طبيبا الى ان يكون صانعا للاطباء. فالانسان الخلاق المبدع المنتج والبارع في عمله يتحول مع الدراسة والمران والخبرة والاخلاق العالية الى استاذ لايرغب ان يتفرد بشيء لنفسه بل أن يجعله ملكا للإنسانية وهذا ما يمكن وبصدق وصف الدكتور منجد المدرس به.

فالمهاجر الذي جاء على متن قارب وبقي لفترة ينتظر الإندماج في المجتمع الاسترالي تحول الى قصة نجاح مبهرة تتناقلها وسائل الاعلام ويتداولها الناس لتكون لهم عبرة ودافعا للنهوض من الكبوات والتحدي.

كان منجد المدرس طبيبا في بغداد التي درس فيها وتطلع الى النور منها لكنه كان طبيبا انسانيا وحين رأى انه يجب ان يحلق في البعيد لم يتوان ولم يتردد فكان طيرا مهاجرا رفرفت اجنحته في اقصى الارض لتصل الى اقصاها لكنه لم يترك إنسانيته في العراء ولم يسمح لها ان تتجمد ولا أن تغرق في مياه المحيط وعندما كان لاجئا يحمل الرقم 982 لم يلتفت الى ذلك الرقم بوصفه نسيا منسيا بل رقما يمكن ان يطلق العنان لعقله وروحه وعنفوان التحدي في داخله ليقلص المسافات ويصل الى الرقم 1 وينجح في إثبات انه يستحق أن يكون الأول..

منجد المدرس اثبت كطبيب وكإنسان إن الارض كل الارض ميدان واحد يمكن للفرد ان ينجح في مساحة منه حين يعترضه الظرف والمصاعب في مساحة منه واذا عجز عن انجاز وطموح في مكان فان امكنة اخرى يمكن ان تكون بيئة صالحة لعطائه وابداعه وتفوقه ورغبته اللامحدودة في تقديم شيء لنفسه وليحقق ذاته وإمكاناته ويخدم بني جنسه ويأخذ بايديهم ليتعلموا ويبدعوا ويكونوا صانعي حياة ومستقبل ولديهم هدف ورغبة وانهم ليسوا عاجزين عن الوصول الى غاياتهم النبيلة.

اتشرف ان تكون كلمتي عن الطبيب الرائع الدكتور منجد المدرس الذي هو قدوة لنا جميعا ونموذجا مثاليا لكل إنسان قهر القهر وإستسهل الصعب وسافر مع الريح والماء والغيوم الى غاياته النبيلة.

 

سمير قاسم

.................

640 منجد المدرسمنجد المدرس: جرّاح عظام وأستاذ جامعي وناشط حقوقي ومؤلف أسترالي، عراقي المولد، يعمل أستاذًا مشاركًا لجراحة العظام في مدرسة الطب بجامعة نوتردام أستراليا في مدينة سيدني ومحاضرًا إكلينيكيًا بجامعة ماكواري والمدرسة الأسترالية للطب المتقدم.

ولد المدرس في العراق سنة 1972، وحصل على الثانوية العامة من كلية بغداد سنة 1991، ثم التحق بكلية طب جامعة بغداد، حيث تخرج سنة 1997.

ترك المدرس العراق في العام الأول من عمله الطبي، وكان السبب ـ وفقًا لروايته ـ هو واقعة شهدها في المستشفى الذي كان يعمل فيه سنة 1999، عندما جاءت الشرطة العسكرية بمجموعة من الجنود الفارين من الخدمة العسكرية، آمرة الأطباء ببتر آذانهم، ولما رفض رئيس قسم الجراحة تنفيذ الأوامر، قُتل أمام زملائه.

قرر المدرس الفرار من العراق، فسافر أولًا إلى إندونيسيا ، حيث استقل قاربًا وضيعًا مزدحمًا باللاجئين إلى أستراليا.

بعد وصول المدرس إلى أستراليا، احتُجز ورفاقه عشرة أشهر في ظروف قاسية في معسكر كيرتن للاجئين في أستراليا الغربية، ولم يطلق سراحه إلا في 26 أغسطس 2000.

بعد إطلاق سراح المدرس، نجح في الحصول على وظيفة طبيب مقيم بقسمي الطوارئ وجراحة العظام بمستشفى قاعدة ميلدورا، ثم انتقل إلى ملبورن بعد أربعة أشهر، ثم عمل بمستشفى ولونغونغ حيث عمل لمدة عام قبل أن يعمل عامًا آخر في مستشفى كانبرا.

في سنة 2008، حصل المدرس على زمالة كلية الجراحين الملكية الأسترالاسية في جراحة العظام، ثم بدأ دراساته التخصصية في جراحات استبدال المفاصل في سيدني ثم في برلين، وتخصص في جراحات مفصلي الركبة والورك والإصابات وجراحات الاندماج العظمي، وهو رئيس المجموعة الأسترالية للاندماج العظمي.

ويكيبيديا

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D9%86%D8%AC%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%B1%D8%B3

 

 

عبد الحسين شعبانهاتفني الرفيق أبو الجاسم "قاسم سلمان" لينقل لي خبر رحيل الصديق طه صفوك الجبوري "أبو ناصر"، وأعادني هذا الاتصال إلى ما يزيد على نصف قرن من الزمان. ثم لفت انتباهي محمد السعدي إلى ما كتبه عنه في موقع البيدر. وكنتُ قد تعرفتُ على طه في العام 1967، وبعد انشطار الحزب الشيوعي العراقي إلى قسمين : مجموعة عزيز الحاج " القيادة المركزية" التي تمرّدت على الخط الرسمي، ومجموعة "اللجنة المركزية" ذات التوجّه التقليدي.

وبالرغم من نقدنا لبعض توجّهات اللجنة المركزية، لكن اختيار القيادة المركزية طريق العنف واستخدام السلاح لحلّ خلافاتها مع اللجنة المركزية جعلنا نختار الأخيرة دفاعاً عن القيم الشيوعية والاعتبارات الأخلاقية التي كنّا نتوسّمها. وكان "أبو ناصر" من ذات التوجه، إذْ لم نرتضِ أن يستخدم السلاح والاتهام والتخوين ضد رفاق الأمس، وباستثناء بعض المتطرفين والصقور، وهؤلاء موجودون بالفريقين وفي كل زمان ومكان، فإن التوجه العام كان يميل إلى التلاقي والتقارب بغض النظر عن بعض اشتراطات تلك المرحلة وادعاء الأفضليات والزعم بامتلاك الحقيقة.

ومن جانبنا كنّا نعتزّ برفاق القيادة المركزية وواصلنا صداقاتنا معهم على الرغم من افتراقنا عنهم وبقينا على هذا الحال، نحاورهم ونناقشهم ونساجهلم ونتعامل معهم كرفاق وأصدقاء في موقعين مختلفين، سواء بالعلاقة الخاصة بيننا أم على مستوى العلاقات السياسية بشكل عام، لشعورنا أن غاياتنا وأهدافنا مشتركة، بل وواحدة، بالرغم من اختلاف أساليبنا ووسائلنا وكنّا نعتقد أنه لا بدّ من تسوية للأزمة القائمة، سواء قبل الانشطار أو ما بعده.

I

كان طه صفوك الجبوري الأكثر حماسة، وخصوصاً لجهة علاقته بالرفيق عبد الأمير عباس " أبو شلال" (مرشح اللجنة المركزية) وسخّر كل إمكاناته وإمكانات عائلته لخدمة ذلك التوجّه، وكان شغله الشاغل استعادة الحزب لدوره وموقعه، خصوصاً وكنّا لتوّنا قد حققنا انتصاراً كبيراً على صعيد الحركة الطلابية بفوزنا الساحق بالانتخابات (ربيع العام 1967)، وكان على الرغم من مواجهته أحياناً لفريق القيادة المركزية، إلّا أنه يحظى باحترامهم أيضاً، وكنت قد سمعت من فريق القيادة لأكثر من مرّة ما معناه : للأسف إن طه مع اليمين كما كانوا يطلقون على الذين بقوا مع اللجنة المركزية.

لم نكن في البداية نتجاوز عدد أصابع اليد من الذين استمروا في التعاون مع التنظيم الرسمي أو الذين يدورون في فلكه، وذلك في عموم كليات ومعاهد بغداد والثانويات، ولكل قصته وخلافاته وهواجسه، خصوصاً وأن نكسة العام 1963 أدركت غالبيتنا، فعلى سبيل المثال كان حسن أسد الشمري الذي اختير أميناً عاماً لاتحاد الطلبة بعد الانتخابات التي جرت لعموم طلبة جامعات العراق في بغداد والبصرة والموصل، قد ذهب مع فريق الكادر المتقدّم "مجموعة ابراهيم علاّوي" التي أصدرت بياناً اعتبرت فيه انشقاق مجموعة عزيز الحاج يمينياً ضد يميني اللجنة المركزية (اليمين ضد اليمين) والكل في مركب واحد، لكن ابراهيم علاوي وبعد مفاوضات مع مجموعة القيادة المركزية طوى تلك التحفّظات والتحق بالقيادة وأصبح عضواً في لجنتها المركزية، ثم أميناً عاماً لها بعد اعتقال عزيز الحاج.

وكان قد حصل التباس لدىعزيز الحاج حيث كان يعتقد أن الانتخابات الطلابية أجريت بعد انقسام الحزب (الذي حصل في 17 أيلول/سبتمبر 1967) وهو ما كتبه وكرّره لأكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة، بل أعاده على مسامعي، وكنت قد حاولت أن أوضّح له الفارق بين التاريخ الذي يذكره وبين التاريخ الصحيح الذي يؤكد أنها أجريت في ربيع العام 1967 وليس في خريفه، أي قبل انقسام الحزب وليس بعده، وقد أرسلت له صفحات مصوّرة من كراس كنت قد كتبته في بشتاشان في العام 1983 (بمناسبة الذكرى الـ 35 لتأسيس اتحاد الطلبة) بطلب من "إدارة الحزب" جرّاء انقطاع التواصل وضعف الخبرة التي كانت بسبب سياسة تجميد المنظمات الجماهيرية في أواسط السبعينات بضغوط حكومية. وكان الكرّاس بعنوان "لمحات من تاريخ الحركة الطلابية في العراق"، نشرته مطبعة "طريق الشعب"، وقبل ذلك وفي العام 1981 كتبت مادة بطلب من مجلة "فكر" نُشرت على حلقتين، وفي الحلقتين والكراس بشكل خاص وثّقت الانتخابات الطلابية ونتائجها، خصوصاً وقد كنت في قلب الحدث كما يُقال، وإذا كان التنظيم الطلابي بجسمه الأساسي التحق بمجموعة عزيز الحاج، فهذا شيء آخر ولا يغيّر من الحقيقة في شيء.

المجموعة الصغيرة العدد القوية الإرادة والشديدة العزيمة توسّعت وانتشرت، وكما أتذكّر كان من البارزين فيها إضافة إلى حسن أسد الشمري وطه صفوك يوسف مجيد الذي كانت علاقته مع مكرم الطالباني وصلاح زنكنة الذي كان ينقل لنا الوقائع قبل أن تصلنا رسمياً، بحكم قربه من شقيقه عبد الخالق زنكنة وبقايا لجنة بغداد وبعض كوادر اللجنة العمالية التي ظلّت مع اللجنة المركزية في حين أنهما كانا المرتع الأساسي لانشقاق القيادة المركزية ولؤي أبو التمن الذي كان موقفه أخلاقياً فهو ضد العنف، لكن الكثير من أطروحات القيادة المركزية ونقدها لسياسة الحزب العامة كانت تستهويه، خصوصاً لتلك المرحلة العمرية وكنت من ذات القماشة، مع تساؤلاتي النقدية لموقف السوفييت من عدوان 5 حزيران / يونيو1967، ناهيك عن إرهاصات أولية مغايرة لمواقف متمايزة بصدد القضية الفلسطينية، إضافة إلى تخبّطات إدارة الحزب السياسية بعد نكسة العام 1963.

وكانت نقاشات قد دارت في صفوفنا حول شعار " كل شيء إلى الجبهة" أم " كل شيء من أجل الجبهة" وهي التي أعادت نقاشات وسجالات في داخلنا وخارجنا بشأن قضايا الصراع الداخلي وبعض مواقفنا العربية.

ومن الذين شاركوا بفاعلية ونشاط ملحوظ ومحوري كان سعد الطائي وحميد برتو وفائز عبد الرزاق الصكَر وسعدي السعيد ومهدي السعيد ورضا الكربلائي ومحمود شكاره وشاكر المنذري وكاظم عوفي البديري واتسعت المجموعة لتضمن صلاح الصكر وفلاح الصكر وصبحي مبارك إضافة إلى علي العاني ويحيى علوان وجمال أسد وشاكر الدجيلي ومحمد حسن السلامي وصالح ياسر وآخرين.

وكان من أبرز طلبة الثانويات الذين وقفوا مع هذا التوجه،إضافة إلى سعدي السعيد، مالك علي الذي درس في السليمانية لاحقاً وقد ضممته إلى الوفد الذي زار الملّا مصطفى البارزاني في كلالة (أيار/مايو 1970)، وحمّاد الخطيب ومحمد الأسدي وأبو العيس وشيروان جميل بالطة الذي استشهد مع مجموعة الـ 12 رفيقاً الذين على يد عيسى سوار(القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني).

ومن طلبة جامعة البصرة، محمد فؤاد هادي ونزار جعفر، ومن طلبة ثانويات إربيل (معهد المعلمين - منعم العطّار) ومن السليمانية نوروز شاويس الذي أصبح عضواً في سكرتارية اتحاد الطلبة بعد مجيئه إلى بغداد أواخر العام 1968 ولفترة قصيرة، ومن جامعة الموصل زهير جعفر(أبو جنان) ومن طلبة الثانويات في الفرات الأوسط: محمد جواد فارس مسؤولاً عن الحلة، وطالب عواد مسؤولاً عن كربلا. ومن الطالبات الجامعيات رقيّة الخطيب وعطية فاضل الخطيب وبخشان زنكنة ورابحة الناشئ، إضافة إلى هناء أدوارد بوشة وفارعة فاضل وكانتا قد تخرجتا من كلية الحقوق عشية الانشقاق. ومن هذه المجموعة كانت النواة الصلبة للتنظيم الطلابي ولتأسيس مكتب سكرتارية لاتحاد الطلبة، ولا شك أن هناك آخرين أيضاً، لكن هذا ما أسعفتني به الذاكرة المتعبة.

II

كنتُ في الصف المنتهي بالجامعة (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية) حين حصل الانشطار وقد عملت كل ما في وسعي ألّا ينتقل الانشقاق إلى اتحاد الطلبة حتى وإن استمر في الحزب وحاولت أن أحاور الطرفين وأضغط عليهما ( كل بمنطق الآخر)، لكن مثل هذا الأمر لم يكن ممكناً، حتى وإن حاول كلا الفريقين أن يقول ذلك، لكنهما وكل على انفراد حاول السيطرة على اسم الاتحاد وإبعاد خصومه والزعم بتمثيله.

وقد بدأ التمايز والانقسام والحسم يأخذ طريقه إلى الجسم المهني، بل أصبح مسألة لا مفرّ منها، وإذا كان فريق القيادة المركزية هيمن على الجمهور الطلابي والكادر الطلابي الأساسي وشبكة الكوادر المتوسطة والدنيا، فإن فريق اللجنة المركزية الذي كنّا نمثّله استمر يحمل راية "الشرعية" والتمثيل الخارجي، على الرغم من أن الغالبية الساحقة من التنظيم، ناهيك عن الأصدقاء والجمهور الطلابي لم تكن معه، وتلك واحدة من مفارقات السياسة.

وللأسف شهدت تلك الفترة كما عرفت لاحقاً ممارسات وضغوط من جانب بعض البيروقراطيين الحزبيين ضد رفاق القيادة المركزية في الدول الاشتراكية، وتلك خطيئة لا بدّ من الإقرار بها، وهو الأمر الذي تكرّر في أوقات لاحقة، ولاسيّما خلال الثمانينات بسبب الخلافات الفكرية والسياسية ضد فريق من إدارة الحزب وكوادره التي اعترضت على النهج السائد آنذاك، ولاسيّما في الموقف إزاء " الحرب العراقية- الإيرانية".

ولعلّ لتلك الممارسات جذرها التاريخي، فقد حدثت انتهاكات من جانب بعض الكوادر الطلابية الشيوعية ضد زملاء لهم من القوى الأخرى (القومية والبعثية) خلال فترة العام 1959، ولاسيّما بعد حركة الشوّاف وكانت بعض تلك التصرّفات تغلّف باسم "الثورية" و"اليسارية" ضد القوى الرجعية و"المتآمرة"، لكنها في واقع الأمر مثّلت نهج احتكار العمل السياسي والنقابي والمهني، وحملت ميلاً إقصائياً وتهميشياً للآخر وعدم اعتراف بالتنوّع والتعددية والحق في الاختلاف، وهو أمر لا بدّ من الإقرار به ونقده.

وطرح مثل هذا التناقض والمقصود: أغلبية ساحقة على صعيد اتحاد الطلبة وجمهور غفير، ولكن بلا "شرعية" للتمثيل الخارجي، مقابل " أقلية" اتحادية تمثّل عموم طلبة العراق، أو على أقل تقدير تعبّر عنهم أو تنطق باسمهم في المحافل الدولية، أسئلة جديدة كانت تحتاج إلى حوارات جدّية لبلورة رأي بشأنها، حتى وإن كانت بنبرة خافتة في داخلنا، خصوصاً حين نواجه من الفريق الآخر، ولكن تلك التساؤلات مهّدت لدينا في وقت لاحق عملياً تطوير فكرة أننا لسنا لوحدنا من يمثل طلبة العراق، أي أن الاتحاد ليس الممثل الوحيد والشرعي فقط، ولكنه قد يكون المنظمة الأكثر تمثيلاً أو الأجدر تعبيراً، لتمثيل الطلبة.

وعند هذه النقطة الإشكالية والحسّاسة غادرنا بالتدرّج فكرة ادعاء التمثيل الكامل أو الشرعية الواحدية، الأمر الذي احتاج إلى كفاح فكري داخلنا وداخلهم وبيننا وبينهم، وأظنه سؤالاً واجه عموم الحركة الطلابية لاحقاً وهو ما حاولنا طرحه خلال مباحثاتنا مع الاتحاد الوطني لطلبة العراق بعد 17 تموز (يوليو) 1968، وقد أدرنا نقاشات واسعة بيننا وبينهم ومن جانبنا كان لؤي أبو التمن وكاتب السطور، ومن جانب الاتحاد الوطني كان كريم الملّا ومحمد دبدب.

وكنتُ قد ذكرت في مطالعة لي في احتفالية أقيمت في برلين (1998) بمناسبة الذكرى الـ 50 لتأسيس اتحاد الطلبة (تُليت نيابة عني لعدم تمكّني من الحضور) كيف أن ذلك بالنسبة لي كان مدخلاً مهماً زاد من قناعتي بفكرة التعددية والتنوّع وعدم ادعاء احتكار العمل المهني والنقابي والسياسي بالطبع، ناهيك عن الاعتراف بالآخر، وبالحق في الاختلاف.

وإذا كان طه صفوك عمل في قيادة طلبة الثانويات فإن تمكننا من استقطاب بعض الكوادر جعله يتفرّغ لمهمات خاصة وذلك بعد أشهر من انقلاب 17 تموز/يوليو/1968، ولكن الصداقة والحوار بيننا بقيا مستمرين، وأتذكّر أنه كان ينتقل من مقهى إلى مقهى ومن زقاق إلى زقاق ومن موعد إلى آخر، كأنه يطير بلا جنحة، وتعلو شفتيه ابتسامة بريئة وفي عينيه تساؤلات كثيرة ورغبة في المعرفة والاستقصاء. وكنت أحياناً أقوم بنقله وإيصاله بسيارتي الفولكس واغن لأداء مهمات عديدة، وبالمناسبة كنت الوحيد الذي يمتلك سيارة بين مجموعتنا، وقد جعلتها في خدمة الحركة، وباستثناء لؤي أبو التمن الذي كان يستخدم سيارة والده الطبيب صادق أبو التمن، والتي درّب الرفيق محمد الخضري السياقة فيها، فإن الغالبية من الأسماء المذكورة كانت تعيش في الأقسام الداخلية عدا طلبة الثانويات. وأتذكّر حادثة طريفة، حين استعار الخضري سيارة لؤي أبو التمن لنقل بريد حزبي، وظلّ لؤي ينتظره عند مدخل كلية التجارة ووالده ينتظر في العيادة، الأمر الذي كان محرجاً، واتضح أن عطلاً حصل فيها لم يتمكن الخضري من إصلاحه إلّا بعد نحو ساعتين قضاها لؤي بالقلق والانتظار.

III

عقدنا العديد من اللقاءات في بستان صفوك الجبوري والد طه في الراشدية، ونظمنا عدة سفرات طلابية إلى هناك، وحضرها بعض الطلبة العرب وبعض الأصدقاء الفلسطينيين معنا بدعوة مني ضمن توجه بادرنا إليه لتعزيز علاقاتنا العربية، كما انعقد المؤتمر الرابع لاتحاد الطلبة في 28 كانون الأول /ديسمبر 1968 في بستان صفوك الجبوري (والد طه)، وكنت أعرف أن بعض الرفاق تدرّبوا على استخدام السلاح فيه أيضاً.

أتذكّر أننا نظمنا احتفالاً في كلية التجارة بمناسبة معركة الكرامة (1968)، لكنه انتهى إلى حيث لا نرغب، حيث هوجمنا على نحو مباغت ولم نكن مستعدين أو متحسبين لمثل هذا الهجوم، خصوصاً وقد سقط من يلقي الكلمة باسمنا مغشياً عليه. وكم كان طه متألماً لأننا فشلنا في الدفاع عن أنفسنا، وكان الهجوم من المجاميع البعثية المتطرّفة في كليات التجارة والحقوق والآداب، حيث فضّ الاحتفال وتم تمزيق اللافتات وتفرقنا دون تحريك ساكن، وقد ظلّت مجموعة القيادة المركزية تتندّر علينا لدرجة التشفي وتستعيد بمناسبة وأخرى تلك الواقعة.

كما شاركنا في التظاهرة التي تم تنظيمها بمناسبة الذكرى الأولى لعدوان 5 حزيران/يونيو/ 1967 (أي في 5 حزيران/يونيو/1968) وذلك بالتعاون مع حزب البعث (المجموعة المؤيدة لسوريا)، لكنه بعد بضعة أشهر من انقلاب 17 تموز(يوليو) 1968، لم يشارك في الأنشطة الجماهيرية العامة مثل الاحتفال بذكرى ثورة أكتوبر في ساحة السباع (الذكرى الـ 51) أو التظاهرات المؤيدة لبيان 11 آذار (مارس) 1970 والتي تم قمعها بما فيها التظاهرة المركزية في 21 آذار (مارس) 1970، وحين سألته لماذا لم تشارك : ابتسم ولم يجب كعادته حين يواجه بسؤال مفاجئ، وقدّرت أن الأمر كان بقرار خاص حتى أن علاقاته الاجتماعية تقلّصت، هكذا تبادلنا النظرات، ثم علّق " الأمر ليس بيدي".

لم يكن طه صفوك مرتاحاً لما حصل من تصدّع وعدائية لعلاقتنا مع القيادة المركزية، خصوصاً بعد اتهام فريق اللجنة المركزية باغتيال سامي مهدي الهاشمي، وقد اضطرّ مثل الآخرين للتواري عن الأنظار دفعاً لأية احتكاكات أو ردود فعل انتقامية، وكنت قد رويت لأكثر من مرّة تداعيات هذا الحادث الأليم وموقفي منه وإدانتي له ومطالبتي لإدارة الحزب لاتخاذ الإجراءات الرادعة ضد المسبّبين فيه، والمسؤولين عنه، وليس سرّاً إن ذلك الحادث كاد أن يصدّع علاقتي "القلقة" بالحزب، خصوصاً وأن الراحل أحد أصدقائي وشقيقه الهارب من سجن الحلّة " سعدون سامي الهاشمي" (بعد كسر السجن) وقد ساهمت في نقله من سدّة الهندية إلى بغداد وإسكانه في بيت في منطقة الزويّة، وظلّت علاقتي وطيدة به قبل الجريمة وبعدها وإلى الآن. وكنت الوحيد الذي حضر مجلس الفاتحة لثلاثة أيام في جامع براثا في منطقة العطيفية.

حاولت أن أستذكر آخر لقاء جمعني بطه صفوك قبل ذهابي إلى كردستان (أيار/مايو/1970) للإشراف على تأسيس اتحاد الطلبة العام في كردستان، وذلك في منزلي في منطقة العطيفية الذي كان غالباً ما يزورني فيه هو وحسن أسد الشمري الذي كان محكوماً لـ 10 غيابياً، لكنه أكمل دراسته الجامعية، وبعد 17 تموز/يوليو 1968 تم تسوية قضيته وغادر لاستكمال دراسته إلى موسكو، ويوسف مجيد الذي التحق بوظيفة إدارية بعد بيان 11 آذار/مارس 1970، وتحدّثنا حول تردّي الأوضاع وانسداد الآفاق لعملنا الطلابي والمهني، خصوصاً وكنت على رأس وفدين للحوار مع البعثيين، وكان رأيي أنه علينا ابتداع أساليب جديدة، فمسألة الجبهة الطلابية أو التنسيق الذي كنّا نفكّر فيها قد انتهت أو أصبحت صعبة المنال. وما كان معروضاً علينا لم يعد ممكناً الآن بعد الانتخابات، ولاسيّما بعد الهجوم الذي بوشر ضدنا مباشرة بعد بيان 11 آذار (مارس) 1970.

لقد رفضنا عروضاً مهمة من جانب الاتحاد الوطني في السابق، وكنت أعتقد أن استراتيجيتنا مشوّشة ومرتبكة وربما غير واضحة، فإذا كنا نريد التحالف فهذا يعني علينا ترتيب أوضاعنا على هذا الأساس، أما إذا كنّا نريد الحوار لغرض الحوار أو نريد أن يكون موقعنا على نفس درجة قوى السلطة فهو غير ممكن وغير واقعي، فهذا سيعني أن علينا اتباع طريق آخر، أو اتباع طريق المعارضة.

ولعلّ ذلك يتطلّب دراسة إمكاناتنا واستعداداتنا، علماً بأن موازين القوى بدأت تتغيّر لصالح السلطة التي بدأت تُرسّخ أقدامها، كما أن علاقتها بالسوفييت ليست مرهونة بتزكياتنا كما يعتقد البعض، وقد كانت السلطة قد أقدمت على طائفة من الإجراءات التقدمية بمصطلح تلك الأيام بما يحرجنا وإنْ لقيت دعمنا، لكن قاعدتها أخذت بالاتساع، وإن الحركة الكردية تراعي مصالحها حتى وإن كانت على حسابنا، وعلينا أخذ العبرة من تاريخ التحالف معنا، وهذه الوقائع تفرض علينا إجراء مراجعة، وبعد نقاش بصوت عال اتفقنا طلبت منه أن يكتب رسالة إلى إدارة الحزب بشأن هذا النقاش العمومي، وكنتُ قد كتبت أكثر من مرّة، بهذا الخصوص.

IV

عدتُ من كردستان إلى بغداد، بعد أن كان مقرراً سفري إلى سوريا ومنها إلى الخارج لإكمال دراستي، لكن ثمة ضرورة استدعتني للعودة بطلب من المكتب السياسي، مع وعود بوقف الحملة وفتح حوار جديد، وخلال وجودي في كردستان نظمت وفداً لزيارة الزعيم الكردي المّلا مصطفى البارزاني وهو قرار كنّا قد اتخذناه في وقت سابق، بعد بيان 11 آذار (مارس) 1970،واستجدت مسألة أخرى هي الحملة البوليسية الشرسة التي تعرضنا لها، الأمر الذي كان يقتضي اطلاعه على ما حصل لنا. وقد رافقنا في تلك الزيارة الملازم " خضر"، الفريق "نعمان سهيل التميمي" أحد أبرز قادة الأنصار الشيوعيين منذ العام 1963 حيث استضافني في قاعدة بيرسيرين التي بقيت فيها عدّة أيام، وعاد الوفد في اليوم التالي، كل إلى موقع عمله.

وحظي اللقاء بالبارزاني وبحضور عزيز شريف باهتمام كبير، وكان صالح اليوسفي كتب لنا رسالة باسم البارزاني أعرب فيها عن تضامنه معنا، ولعلّها الرسالة الأولى بعد بيان 11 آذار/مارس 1970 التي حملت انتقادات الحركة الكردية للسلطة ولحزب البعث وأكّد أنه سيبذل قصارى جهده لإطلاق سراح المعتقلين، وختمها بالآية القرآنية " لا يكلّف الله نفساً إلّا وسعها" (سورة البقرة، الآية 286) وقد تُرجمت الرسالة إلى الانكليزية والفرنسية والإسبانية ووزعت على جهات دولية مختلفة، كما نُشرت في جريدة "كفاح الطلبة" السريّة وكذلك في جريدة " طريق الشعب" السريّة، ووجدت نسخاً منها في الخارج بعد وصولي إلى براغ.

وحين اشتدّت حملة السلطة ضدنا وتوسعت دائرة الاعتقالات لدرجة أنها شملت عضو قيادة الوفد المفاوض لؤي أبو التمن قرّرنا تلبية دعوة وصلتنا من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، لزيارة عمان ودمشق واللقاء بالمقاومة الفلسطينية تعبيراً عن دعمنا، والهدف هو إبعاد عدد من الكوادر عن الملاحقة والاحتفاظ بها كاحتياطي للمستقبل وكان وفداً قد ذهب إلى عمّان ودمشق برئاسة محمد النهر وذلك قبل ثلاثة أشهر من الوفد الثاني الذي كان من المقرر ذهابه.

وحين ذهبنا للسفر وكان ذلك في ليلة 17 تموز /يوليو/1970 أبلغنا "أبو وائل" مسؤول الجبهة الشعبية في بغداد أن اثنين من العراقيين اعتقلا عند الحدود قبل يومين (كما فهمنا من بقايا القيادة المركزية)، لكنه أبدى استعداده لنقلنا إذا قرّرنا ذلك وعلى مسؤوليتنا.

وعلى الرغم من أنني كنت رئيساً للوفد، لكنني لم أرغب أن أقرر لوحدي فاجتمعنا نحن الخمسة الذين كان من المقرّر توجهنا إلى عمّان في لقاء سريع وخاطف في مكتب الجبهة الشعبية، لنتخذ قراراً، واستقرّ الرأي على عدم الإقدام على هذه الخطوة التي فيها مغامرة غير محسوبة النتائج. واتفقنا على اللقاء الأسبوع المقبل لكي نستعرض الموقف ونقرر الوجهة بعد التشاور مع مرجعيتنا.

وبعد يومين من هذا اللقاء، اعتقل سعدي السعيد ومعه أبو العيس عضوي الوفد، عند بستان والد طه صفوك في الراشدية، حيث ضاقت السبل بهما فقرّرا الاختفاء في الريف وذهبا إلى هناك، ويبدو أن المنطقة كانت مراقبة والوجوه الغريبة كانت مرصودة، إضافة إلى ثرثرات أهالي الريف وتهويلاتهم كما يقول الروائي أبو كاطع (شمران الياسري)، وهكذا وصلت "الإخبارية"، فتم مداهمة البستان الساعة الرابعة صباحاً في نفس يوم وصولهما، واعتقلا ومعهما صفوك الجبوري والد طه، وتمكن طه من الفرار معتمداً على معرفته بتضاريس المنطقة وطرقها، فأطلق لساقيه الريح، وهكذا أفلت من ملاحقيه.

وفي وقت لاحق التقيت صفوك والد طه وروى لي الكثير من الطرائف والمقالب التي حدثت معه او شاهدها في قصر النهاية، وقد ذكّرتني تلك القصص بحكايات هادي راضي (أبو حسن) عن قصر النهاية وتمثيلياته الفكاهية حين كان يتقمّص شخصيات الجلادين، ويقوم بتقليدهم في السفرات والمهرجانات التي كانت تنظمها جمعية الطلبة العراقيين في تشيكوسلوفاكيا في السبعينات، وكذلك في كردستان خلال فترة الكفاح المسلح في الثمانينات. وعلمت لاحقاً أنه طه صفوك الجبوري سيتوجه للدراسة الحزبية في موسكو، في حين أنني توجّهت بعد بضعة أسابيع إلى براغ، وكان العديد من الأصدقاء من الذين يأتون ويذهبون يحملون سلامات وتحيات متبادلة مني إليه ومنه إليّ في أوقات لاحقة بما فيها خلال عمله في لجنة المنطقة الوسطى.

عند انتهاء دراستي وعودتي إلى العراق، كنّا نلتقي باستمرار مع كل من أبو عليوي (هاشم محسن) وعرب عكاب يوسف (أبو عمّار) وسعد الطائي، إضافة إلى أخي حيدر الذي كان قد تخرج لتوّه، وكان طه صفوك دائماً ما يدعو الوالدة لزيارة البستان ويستأنس بعمل السمك المسكوف لها. وقد توثقت علاقتي بوالده وشقيقه وعائلته خلال تلك الفترة أكثر من السابق.

وفي ظهيرة أحد الأيام جاءني طه صفوك ومعه عامر مطر وزوجته أم شموس، وكانا مطلوبين في ديالى، وقد استضفتهما في منزلي ليومين،وكان عمر " شموس" بضعة أشهر، ثم جاء لنقلهما إلى مكان آخر وفيما بعد إلى بلغاريا. وقد انقطعت أخباري عنه وأخباره عني بعد التحاقي بالخدمة العسكرية الإلزامية، ولكننا عدنا والتقينا، في كردستان وعدّة مرّات في براغ أواخر الثمانينات وبعدها في الخارج حتى وإن تباعدت بيننا السبل.

وأذكر منها لقاء طريفاً، حصل في براغ العام 1989 التي انتقلت إليها لنحو عام بعد مرحلة سوريا وكردستان، وكان عن طريق الصدفة، أنني خرجت من محطة المترو قرب ساحة الفاتسلفاك للذهاب إلى موعد مع منظمة التضامن (التشيكوسلوفاكية)، وإذا بي ألمح طه صفوك ومعه آرا خاجادور، وبعد السلام والكلام دعياني إلى شرب فنجان قهوة، ودخل معي في حوار حول بعض القضايا الإشكالية وظلّ آرا (أبو طارق) يستمع إلى الحديث ولا يعلّق، وبعد أن ذهب (أبو ناصر) إلى الحمام، فاجأني آرا بطرافته المعهودة بالقول: إن أبو ناصر أصبح مسؤولي، وكنت قد علمت بمسألة تنحية آرا في اجتماع برلين آذار/مارس (1989) وفصل كل من باقر ابراهيم ونوري عبد الرزاق وعدنان عباس وحسين سلطان وناصر عبود، وهو القرار الذي علّق عليه باقر ابراهيم (أبو خولة) بقوله: اجتمع خمسة (يقصد الذين حضروا اجتماع م.س.) ففصلوا خمسة .

وأصبح طه صفوك عضواً في اللجنة المركزية في المؤتمر الرابع العام 1985 من ضمن المجموعة التي سمّيت " العشرة المبشّرين بالجنة" في فترة دبّت فيها الخلافات والتعارضات داخل الحزب الشيوعي، حيث بدأ الصراع يتّخذ شكلاً علنياً مع تطورات الحرب العراقية - الإيرانية، خصوصاً بعد انتقالها إلى الأراضي العراقية وانشقت مجموعات عديدة عن إدارة الحزب وعارضت سياسته ونهجه العام، وكنّا قد أعلنا عن تشكيل حركة المنبر الشيوعية وأصدرنا مطبوعاً بالاسم ذاته "المنبر".

لم تستمر عضوية طه صفوك " السرّية" في اللجنة المركزية سوى بضعة سنوات، وكنت أمازحه بالقول: لقد تم اختيارك بالخطأ وبالوقت الخطأ وبالطريقة الخطأ، وكان هو يضحك، فقد أدرك حالة الانحسار التي كانت تمرّ بها الحركة الشيوعية التي شهدت الانهيار العام للمنظومة الاشتراكية، ناهيك عن تردّي أوضاع الحركة الشيوعية العربية والعراقية، حيث توزعت إدارات الحزب وكوادره، بل وعموم جمهور الحزب في الخارج على بلدان المنافي واللجوء ابتداء من سكرتير الحزب عزيز محمد ومروراً بأعضاء في المكتب السياسي واللجنة المركزية وكوادر حزبية متقدمة، وهو اتجاه لعموم القوى السياسية المعارضة، وكان هو أن ذهب إلى هولندا، خصوصاً بعدما أصاب العمل المسلح من نكوص بعد استخدام السلاح الكيمياوي ضد العديد من القواعد الأنصارية، فضلاً عن اختراقات للتنظيمات المهيأة للداخل في ظروف بالغة التعقيد، وكنت أنا قد اخترت لندن قبله، وظلّت الاتصالات والعلاقات واللقاءات قائمة.

وعقب تلك الفترة أصيب طه صفوك بالإحباط، بقدر حماسته، وربما شعر بالإهمال بعدم ترشيحه في المؤتمر الخامس، وظلّ على هذا الحال حتى وفاته، تتصارعه وجهتان، بين الماضي والحاضر، وبالرغم من الاختلاف ظلّت علاقتنا مستمرة والاتصالات التلفونية قائمة، وكان آخر لقاء لي معه على أرض الوطن في شارع المتنبي، حين عرف بوجودي في بغداد، واتصل بي واتفقنا على موعد في صباح يوم جمعة، وكان الزمن قد أخذ منه الكثير وبدا طه هرماً ومتعباً ومتشائماً وحزيناً.

واستعدنا بعض الذكريات، بما فيها النقد الذاتي لكلّ منّا،عدّدت له أخطائي بكل أريحية وقلت له أنني أعتز بها، فهي جزء مني لا أنكره، وهي أخطاء صميمية لأنها مواقف لاجتهادات لم تزكِ الحياة بعضها وبعضها الآخر تجاوزه الزمن ولا ننسى إن بعض المواقف قامت على فرضيات خاطئة أو معطيات غير دقيقة، ولهذا علينا الاعتراف علناً بذلك دون خشية أو خوف، فالاعتراف بالخطأ فضيلة كما يُقال.

أما التغطية على الأخطاء والنواقص والعيوب فإنها ستعني ارتكاب خطأ جديد ومعالجة الخطأ بالخطأ، وهكذا سيكون الخطأ مضاعفاً ومركّباً، خصوصاً حين يتسم بحجب الحقيقة، بل والخداع، وتلك لعمري تربية مدمّرة وليس معمّرة. والنقد الذاتي والمراجعة كفيلان بوضع التجربة على المحك وإفادة الجيل الجديد، لإضاءة ما هو إيجابي لتعزيزه وما هو سلبي للتخلّص منه، خصوصاً بتنمية روح النقد والتساؤل والعقلانية.

قلت له : كان عزيز شريف يردّد قولاً طالما استعرته لتوصيف حالنا " الشيوعي مثل راكب الدراجة عليه أن يسير دون توقف، وإذا توقف سقط على الأرض" هكذا كان علينا أن نمضي دون مراجعة جادة أو سؤال محدد إلى أين؟ ثم أين " أناي" من هذا الجمع الحاشد وكيف أميّز صوتي؟ ولماذا عليّ التماهي فيه لدرجة الذوبان، وإلّا سأكون مارقاً ومرتداً وبرجوزاياً صغيراً أو كبيراً، لا فرق؟

الذين لا يخطئون ليسوا بشراً، فكل من يعمل يخطأ، وكان الروائي الفرنسي فيكتور هوغو يقول " إنه لثناء باطل أن يُقال عن رجل أن اعتقاده السياسي لم يتغيّر منذ 40 عاماً، فهذا يعني أن حياته كانت خالية من التجارب اليومية والتفكير والتعمق الفكري في الأحداث، إنه كمثل الثناء على الماء الراكد لوجوده وعلى الشجرة لموتها".

قلت له المهم ضبط الإيقاع وتدقيق التوجه وتحديد البوصلة لكي تكون دقيقة وغير مضببة، ولا بدّ من الحفاظ على الحساسية الإنسانية التي لا بدّ أن تبقى عالية جداً، ولا يهم إنْ أخطأت أو أعدت النظر بمواقفك وتراجعت عمّا تعتقد إنه لم يعد صالحاً، ففي الحياة الكثير من المنعرجات والتضاريس وهي لا تسير بخط مستقيم دائماً، وبعد قهقهات ونكات وذكريات، كان معي واضحاً وصادقاً، خصوصاً لجهة الاعتراف بالأخطاء، وقال إنها أخطاء مشتركة، لقد اندفعنا وعملنا وحصد غيرنا، لكنني غير نادم على كل ما حصل وترحمنا على الشهداء الذين قضوا بعضهم بسبب الأخطاء أو ضعف اليقظة، فحياة البشر هي الأغلى دائماً.

وإذا كان الكثير قد تغيّر في طه، إلّا أن حميميته ظلّت قائمة ومودتّه مستمرة، وتلك أنبل ما في الإنسان، بغض النظر عن المواقف السياسية التي تخطأ وتصيب، وهكذا هي الحياة دائماً.

 

عبد الحسين شعبان

 

قوارف رشيدإن الثورة الجزائرية من أمجد وأعظم الثورات عبر التاريخ المعاصر، حيث قادها رجال أكفاء، مخلصين للوطن، تكونوا عبر الحركات الوطنية، منذ تأسيسها الى غاية اندلاعها يوم الفاتح نوفمبر 1954 المبارك، والى بلغت أهدافها نتيجة التضحيات وتكافل جهود الرجال العظماء، الذين سجلوا تاريخهم بدمائهم، كما قدموا دمائهم الطاهرة للوطن، والدفاع عن العرض والشرف والكرامة، وحب الولاء للوطن أمثال العربي بن مهيدي، بن بولعيد قرين بلقاسم، علي سواحي وقوارف لخضر وغيرهم كثر، وهذا الاخير (قوارف لخضر) كان من ابناء الثورة المخلصين لله والوطن، ضحى بالكثير بآمال وبدراسته الجامعية ليلتحق بصفوف الجهاد...من هو الشهيد قوارف لخضر؟

ولد الشهيد قوارف لخضر بلبريكات بعين التوتة عام 1929 من عائلة حسنة الحال، ابن أحمد وبوشطيط علجية، عائلة تتكون من البنين والبنات (4 ذكور .2إناث) نشأ وترعرع في بيئة وأسرة تتميز بالثورية والنضال ضد الفرنسيين الغزاة، درس بمسقط رأسه القرآن الكريم وحفظ ما تيسر له منه على يد الشيخ محمد الحيدوسي أولا ثم توجه الى المدرسة الابتدائية école de la commune  الشهيدة قطاف فطيمة حاليا بعين التوتة ثم زاول تعليمه المتوسط ب école supérieur des garçons, بباتنة (العمراني حاليا) فنبغ في الدراسة، وابدى ميلا كبيرا للتعلم، ليواصل تعليمه الثانوي ب lycée Aumale بقسنطينة (رضا حوحو حاليا) تحصل على شهادة البكالوريا الجزء الاول سنة 1947، والجزء الثاني سنة 1948، سجل في الجامعة بالجزائر العاصمة ليسانس الدراسات العليا درس لمدة شهر واحد لكنه ترك الجامعة والعلم ولبى النداء لقوة حبه وتعلقه بالوطن حتى النخاع .

عين مراقب في ثانوية بالبليدة لمدة معينة، ثم درس في خنشلة لمدة سنتين سنة 1957، ثم عاد الى مدينة عين التوتة ليعلم أبنائها بالمدرسة الوحيدة آنذاك كان رئيس لجنة الاشراف على تلاميذ المدرسة في عين التوتة رفقة لخضر قشي، وشادة ابراهيم تزوج من السيدة نزار قباني فطيمة،، ولم يدم هذا القران طويلا لينفصلا تزوج مرة ثانية من السيدة شيرو كوكا التي مازالت على قيد الحياة، كما كانت عضو في المنظمة الوطنية ناشطا بها ورئيس لجنة الاتصال بمدينة عين التوتة، حيث كان دائم الاتصال مع المجاهدين، يحرر ويكتب المناشير بلغة راقية ومؤثرة، وكان يكلف الطيب بن بعطوش لتوزيعها، غير أن عيون فرنسا أفشت به ليعتقل رفقة 34 فرد من المنظمة منهم :حسين شاوش، عمر حمادي، سعيد حمادي بلحسن وبراهيم بوعكار...الخ بعدها افرج عنه من السجن المتواجد بمدينة القنطرة، بعد تدخل وتوسط مدير المدرسة جورج مييرgeorge muyere للعلم أن هذا الاخير كان يدفع الاشتراك للمجاهدين بعدها أستمر قوارف لخضر في دعم الثورة، وفي سنة 1958 ألتحق بصفوف جيش التحرير، حيث عين ككاتب عام على منطقة 1 الولاية الاولى، كما كان له دور هام في الاعلام والاتصال وكتابة المناشير بدقة عالية، ثم عين قوارف لخضر كاتب عام للولاية الاولى مكان رشيد زيداني، الذي نقل الى تونس للعلاج، وعين المسمى عميرة لمساعدة قوارف لخضر في مهمته الشاقة تحت اشراف مصطفى بن النوي، ثم علي سواحي .بعد الاجتماع الذي حضره الرائد طاهر زبيري ومحمد صالح يحياوي، عثمان جيلالي وآخرين لدراسة الاوضاع في ظل الحملة الشرسة، حملة الحلف الأطلسي، في ظل ذلك جند العدو قوة كبيرة للقضاء على القادة والرفاق في غابة آيث ملول، حيث عرفت هذه المعركة بمعركة آمان أحمد اونصر، وقعت 07/04/1961 بدأت بتحليق الطائرات، ثم افراغ حمولتها من القنابل على مركز القيادة ومستشفى الولاية، حيث رد رجال الجيش في معركة غير متكافية وقامت مروحيات العدو بإنزال المظليين داخل الغابة، وخلفهم الجنود المشاة تحت تغطية من سلاح المدفعية، وأغلق العدو كل المنافذ، لم يبق لهم غير المواجهة والتصادم، استمر الثوار في القتال حتى حلول الظلام، وانسحب الناجون، وكانت حصيلة المعركة ثقيلة ومؤلمة، فقد سقط قرابة 100 شهيد، منهم ميلود قوجيل، عبد العزيز عشي، وقائد الولاية علي سواحي والامين العام للولاية قوارف لخضر، كما أسفرت المعركة عن جرح ما يقارب 30 جريحا من المجاهدين، منهم محمد الصالح دراجي، موسى خوامري، السعيد عبابسة والعقيد الطاهر زبيري، أما الخسائر العدو فقد بلغت حوالي 400 قتيل، وهناك من يقول أن العدو يفوق 400 قتيل نظرا لكثرة المروحيات التي ظلت تنقل القتلى والجرحى لأيام بعد المعركة، بعد أيام من انتهاء المعركة، حلقت طائرة في سماء باتنة ترمي منشورات تؤكد مقتل (استشهاد) كل من علي سواحي، وقوارف لخضر وهذا دليل على قوة الشهيدين ورسالة لأهل المنطقة بأن الثورة انتهت بمقتلهم .الشهيد قوارف لخضر سقط في ميدان الشرف في 08/09 فيفري 1961 في غابة بني ملول القريبة من خنشلة في عملية مسماة دوردون dordon، كان يحمل رتبة نقيب في الجيش الوطني الشعبي، ضابط في قيادة الاركان للولاية الأولى والكاتب العام لها، تحت ّإشراف الشهيد علي سواحي .بعد الاستقلال تم اختيار ثلاث مدارس ابتدائية باسم الشهيد في كل من خنشلة، باتنة، ودائرة عين التوتة، كما نطلب ونرجوا من السلطات الجزائرية اختيار مؤسسة كبيرة تليق باسم الشهيد قوارف لخضر تمجيدا له .إن الشهيد قوارف لخضر جدير بالبحث، لان كانت له ايديلوجية فكرية عميقة كما كان يحمل أسرار عميقة تخص الناحية الأولى وهذا دور الباحثين والمؤرخين .

 

قوارف رشيد - كاتب صحفي

 

محمد العباسيأنا وأهلي من عشاق تايلند.. لا بد أننا زرناها أكثر من أي مكان آخر على وجه الخليقة.. ولي من المعارف العديدين ممن يمتلكون هناك شققاً ومساكن.. ويفضلونها على سواها من البلدان.. ربما لأن تكاليف السفر إلى تايلند مناسبة.. وتتميز بجمال الشواطئ والغابات والجبال والحدائق والجزر الخلابة.. ربما لأن أغلب أطعمتهم لذيذة ومشوقة.. وأكلاتهم البحرية مغرية الأثمان بالمقارنة بأسعارها الباهضة في مطاعمنا.. فتايلند دولة جميلة والحياة فيها رخيصة.. يعشقها الصغار قبل الكبار ومحبي الرياضات المائية والسهر والتسوق!

لكن تايلند هذه تتميز في ذات الوقت بقسوة رهيبة في بعض مناحي الحياة!! فالشعب التايلندي رغم إبتساماتهم للسواح يكنون لهم بغضاً وكراهية شديدة لما يشهدون من تصرفات مشينة وبذخ وغوغائية.. ينتظرون من أحدهم زلة صغيرة فتنقلب الإبتسامة إلى أنياب سامة.. فكم شهدت معارك إجتمع فيها العشرات من التايلندين والتايلنديات ضد شخص واحد من سكارى الليل.. و"هات يا ضرب".. والغريب أنهم إذا تكالبوا على الضحية لا يرحمون.. ولن تجد بينهم من يرفق أو يحاول منع المهاجمين.. بل يتعاضدون ضد الضحية دونما أن يكون لهم علاقة بالمشكلة من أساسها.. صاحب التاكسي بالطريق ينزل من سيارته ويضرب.. أصحاب الدكاكين يضربون.. بنات الهوى في الطريق تضربن.. بل وحتى رجال الأمن في الفنادق المحيطة بالواقعة يشاركون في المعركة ولا يتركون الضحية إلا مضرجاً بدمائه مفلوق الرأس !!

ولرجال الشرطة في تايلند سطوة غريبة.. ويتصيدون المخالفات للسواح وبالذات للعرب الخليجين.. فالخليجي صاحب مال ولن يتواني عن الدفع ليتخلص من أي موقف.. فمثلاً كل من يستأجر الدرجات النارية منهم يكونون عرضة للملاحقة لأتفه الأسباب من رجال الشرطة.. وكلهم يدفعون بكرم منعاً للمشاكل.. والمشكلة العظمى تكمن في التفاهم اللغوي معهم ولا حلول ودية معهم.. بالذات لأن الكثير من الخليجيين الشباب لا يجيدون حسن التفاهم ولا يمتلكون القدرات اللغوية.. فبعض الحمقى الخليجيين يعاملون أهل تايلند كما يسيئون معاملة الخدم عندهم في منازلهم.. ويعرضون أنفسهم لمواقف "بايخة".

ورغم جمال الطبيعة في تايلند، وبسبب الأشجار والغابات تكثر عندهم الحشرات السامة والأفاعي والعقارب.. فكم من شخص تعرض للدغة من عنكوبتة صغيرة وكاد أن يفقد قدمه أو ذراعه.. وكم من سائح تعرض للكسور والإصابات بسبب بعض الأنشطة الخطيرة مثل البارشوتات المسحوبة بالقوارب أو التعلق بين الأشجار الشاهقة.. وكذلك بسبب بعض الرياضات المائية الخطرة أو حتى بسبب التعرض للحوادث المرورية والوقوع من على الدراجات النارية المستأجرة حيث الزحام وإختلاف خط سير المرور يخلق مشكلة لغير المتمرسين !!

تايلند جميلة .. لكنها لا تناسب الرعناء.. بسيطة في كل شي طالما أحسنا التصرف وإحترمنا أهل البلد وعاداتهم ودياناتهم وبساطتهم.. رائعة لكل من يعطيها حق قدرها فيستمتع بكل ما فيها دون غلو ودونما إستصغار لأهلها البسطاء ممن جعلهم الفقر والحاجة يبدون كلقمة سهلة لذوي النفوس المريضة .

تايلند .. هذه الجنة على الأرض.. هي جنة للذين يسافرون إليها في شهر العسل مثلاً.. ففيها من المتع والرحلات والمناظر الخلابة التي تسر الناظرين.. أغلب فنادقها رائعة، يكل فئاتها.. جزرها المنتشرة حولها خيالية.. بها حدائق منسقة وأزهار وورود من كل صنف.. أنشطتها السياحية مليئة بالمفاجآت.. رحلاتها البحرية وألعابها المائية ليست كسواها في دول الجوار.. يشعر السائح بأمان وراحة طالما يحسن التصرف ويبتعد عن الأنشطة المشبوهة وعالم الليل !!

عالم الليل في تايلند متعدد الجوانب.. فهنالك حفلات ومسارح للعروض الفنية والغنائية المسلية.. لربما من أجمل ما حضرت مع أهلي كانت تلك الأمسية الطويلة في جزيرة "بوكيت" في مدينة ألعاب يتوسطها مسرح عظيم الحجم يقام فيه عروض خيالية حالمة ورقصات وعروض مع الحيوانات، تدعى "فانتسي شو" !! وفي أغلب المدن الرئيسية أيضا هنالك عروض وغناء ورقص مع بعض الكوميديا التي يقدمها الـ "ليدي بويز"، وهؤلاء هم رجال في أزياء النساء الفاتنات.. عروض ممتعة ليس فيها ما يخدش الحياء ومناسبة للعائلة وحتى الصغار .. ولكن !!

الـ "ليدي بويز" هم رجال متحولون جنسياً.. هم كالنساء، بل كثير منهم قد تحولوا بالفعل إلى نساء !!  وهم بصراحة من معالم هذه الدولة.. فهم في كل مكان بالذات في حياة الليل الصاخبة.. تجدهم في كل الشوارع يصطادون الرجال ويعرضون عليهم ممارسة الرذيلة والمساجات.. وهذا الجانب من حياة الليل في تايلند يجذب الملايين من السواح من كل أصقاع الأرض ممن يبحثون عن هذا النوع من المتع.. وحياة الليل تعج بالمومسات في كل طريق وملهى ومرقص ومقهى.. فكل الخمارات تعرض مع المشروبات بنات الليل (في الليل والنهار!).. ومع السكارى تنمو المشاكل وتشهد "الخناقات" ومواقف مشينة.. أغلب أبطالها ممن يتعاطون المسكرات والمخدرات .

يكثر في حياة الليل الحانات الخاصة بالشواذ.. فتجدون العشرات بالذات من الرجال الأوروبيين في جلسات حميمية بلا حياء مع الأولاد والشباب ممن يمارسون الرذيلة.. مناظر يشمئز منها الأسوياء.. لكنها مناظر مقبولة وعادية في هذا البلد حيث لا ينظرون للشواذ والمتحولون جنسياً بازدراء.. وقد  تجدون بعض الكبار في السن يجرون ورائهم مومسات صغيرات السن في عمر حفيداتهن.. مناظر تشعركم بالغثيان.. لكنه نتيجة للفقر والحاجة وقلة ذات اليد.. فمن قسوة الفقر أن يبيع بعض الأسر المدقعة بناتهم الصغيرات على مافيات "القواديين" لأجل غير مسمى (؟!).

ففي هذه الجنة الجميلة قاع مظلم.. وقسوة وظلم ونقائض.. لكنها دولة تستحق الزيارة طالما إستمتعنا بجمالها وإبتعدنا بملئ إرادتنا عن عالمها السفلي المقيت !!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

637 عارف علوانفي الصباح تتلون جدران الغرف التي يشغلها العاملون، بأشعة الشمس التي تغزل ضفائرها فوق موجات دجلة الذاهب نحو الجنوب، ونحن يلزمنا وقت لنغني للنهر والصحو والظلال الهائمة بين أشجار الكالبتوس والساحل الرملي، في المساء تبدو أرصفة الشارع ملأى بمئات الشموع، والسماء كالبلور، يرفّ فيها القمر وهو يخطّ على هالته شكل البلاد .

منذ أوائل سبعينيات القرن المنصرم شغلت (مجلتي) و(المزمار) الطابقين السابع والثامن في عمارة (الروّاف) الجميلة والمطلّة على شارع أبي نواس، إنضم الكاتب والفنان عارف علوان إلى فريق العمل كمصمم، ويومها كان المطبوعان - على قِصر التجربة – مثالين بالمعايشة الصافية، بين العاملين ورئيس التحريرالشاب إبراهيم السعيد، كانت التجربة مشروعاً يحمل أسباب نجاحه منذ لحظة ولادته في صحافة الطفولة العراقية، تلك المتمثلة بالثراء الكامن في الروح العراقية، وفي طاقات الكوكبة المبدعة من الرسامين والكتّاب، تجمعهم حرارة الإخلاص والقدر الأوفى للعمل .

حين نتجاور في المكان، يفاجئني وجه عارف دقيق الملامح، وشعره الكثيف المتناثر بعفوية على جبهته العريضة، إذ لم يسعفه النعاس الذي مازال عالقاً في عينيه بعد من تصفيفه، صوت هاديء النبرات رقيق، في تقاسيم وجهه وجع مرّ من فرط الحزن المكتوم بخجل، أتحايل فأقترب منه، لأدخل مدائنه بسلام آمناً، أراوغ من أجل أن أجلد الصمت والسكون المخيّم على الصالة منذ الصباح، ماذا يخبيء هذا الشاب الرشيق من أسرار وهمهمات ؟ أتساءل مع نفسي، غير أن أبواب قلب عارف تنفتح تلقائياً، حيثما تتصاعد أبخرة الشاي، فلا شيء كالصمت قادرعلى خلق شعور بالفراغ، سوى الشعور المعاكس من الود، لأنه يضفي على المكان لوناً من ألوان الصوت المجسّد، ويمدّنا بقدرات الذاكرة الثقافية التي ترفض أن يبقى باب المكان الأثير مغلقاً، فبدأنا نشعر بمتعة الوجود معاً، تقاربنا وتحاببنا، ولشد ما يغريني أن يخرج عارف من عزلته، وتتحرك معنا موسيقى بمعادل هذا الداخل الذي يسمونه (القلب ).

في ضحى يوم بارد، كنا قد خطونا خطواتنا الأولى نحوشارع السعدون، ننعم بدفء الشمس، كانت الصباحات مفعمة بوجد البنات، والنوافذ مشرعة للطيور، غير أن الشوارع يجتاحها (عسس) يقيم الحفلات ليحبس الكلام، ويعيد عصر الظلام، ويترصّد الجمال، ويخطف المعاني والأحلام .

لم يمضِ وقت طويل لإصطيادنا في فخ أقامه (والي بغداد)، يستبيح فيه الورد وسيقان الصبايا الجميلات، إقتادونا إلى قفص حديدي مخصص لنقل نزلاء السجون، كأننا سبايا غزوات، وحشرونا على جدرانه مابين حمّى الحقد وروح الإذلال، ها هي بغداد بنادق وكمائن، تمضي بنا المركبة نحو شرطة السراي على بعد خطوات من شارع المتنبي .

في عينيي عارف ذهول، وفي صدره صرخة محبوسة، هاهي بغداد تعيدنا لإرث الصحراء، كانت الأيدي تلّوح بـ(المقصّات) لجزّ شعر رؤوس (الخنافس) الذين تطاولوا على أمن الدولة، وتمادوا في إطلاق شعرهم، كان المشهد اشبه بحفل (عرس) أقامه الغجر البائسون . دعوا رؤوسكم مطأطأة أيها (المتخنثون )، هكذا تتعالى أصواتهم مثل سياط التعذيب، كان الصديق الكاتب جعفر ياسين قد سبقنا الى هذا (الحفل)، ويومها تناقلت الصحافة إحتجاجه الشجاع والمرّ: لو كنت أعرف ان شعر رأسي يقدّم حلاً لقضية فلسطين، لقطعت رأسي من أجلها .

في تلك الدقائق لم أغادر عينيي عارف اللتين خفتَ الضوء فيهما، وشحب وجهه، وكأن الموت أسرعَ إليه مبتهجاً، فتجشأ أيامه وهو يبصق على الأرض (تفو يازمن ..تفو يا بلد)!، موحش هذا الوطن ياصديقي، خاطبني بنبؤة العارف :ستولد فيه الأوبئة، وتتسع فيه المقابر، سيمر زمنه مابين حرب وحرب، وموت بطيء، وسيظل حزنه طالعاً من جذور نخيله، يتوزع بين القبائل والطوائف، ستكون أيامكم صاخبات، تذكّر ذلك يا جمال، لأنني سأغادره، وأدع الوطن بإنتصاراته الكاذبة غارقاً في وهم أمجاده الغاربة ..وداعاً .

منذ تلك اللحظة رحل عارف، وهجر الأماسي، والأهل والأصدقاء والذكريات، كانت بيروت محطّته الأولى، ومنه إلى المغرب، ثم إيطاليا، وإستقر في إنكلتره عام 1990، كتب مسرحيات عدّة (هلاك بابل، لعبة المخدوعين، التتر قادمون، بحيرة كانجا)، وفي سنوات عمره الأخيرة كرّس جهده للرواية فكتب (محطة النهايات، غرفة البرتقال، الأضواء)، وصدرت له بالإنكليزية روايتان (مخبرالشيخ، وشارع المصيدة الدبقة)، فضلاً عن كتابة القصة القصيرة، وعشرات المقالات في الصحافة صدرت في بيروت بعنوان (نصوص) عام 1998.

يشار إلى عارف علوان إلى أنه أحد الأسماء المهمة في ساحة الإبداع العراقي في المنفى، إمتاز بعمق الرؤية، وجمال اللغة والتعبير، جريئاً في الرأي وحراً في التفكيرونزعته الإنسانية، إلا أنه لم يحظ بما هو جدير به من إهتمام نقدي، وعاش حياة صعبة إنتهت بموته بالمرض اللعين في آذارمن عام 2017.

إن بضعة كلمات أكتبها لم تعد قادرة على الوفاء لتاريخك ومنجزك ياصديقي، فلو كنتَ قادراً على جرح إحساسنا بلسان صمتك الأبدي، لأسمعتنا مرّ العتاب على أوقاتٍ قضيناها معاً، كنت قلباً مفعماً بالحب يتسع لكل الناس، رحلت بصمت بعد أن تقطّع قلبك حسرات .

 

جمال العتّابي

 

محمد السعديفلاديمير ماياكوفسكي شاعر وكاتب روسي من أب تتري وأم أوكرانية، أبوه كان يعمل حارساً على الغابات والمزارع أما أمه أبنة العسكري تهوي الادب والرسم والشعر والمسرح .. ولد عام ١٨٩٣ في بلدة بغدادى في جورجيا، وهي البلدة التي سميت فيما بعد بأسمه . في عام ١٩٠٦ أنتقل مع أمه وأختيه الى موسكو بعد وفاة والده . طرد من على مقاعد الدراسة لصعوبة ضيق العيش وعدم تدبر مصاريف تعلمه بعد أن أصبح بلا معين وهو شاباً يافعاً.

ألتحق فيما بعد بكلية الفنون في موسكو، وهناك تعرف على الفكر الماركسي، ومنذ بدايته شارك في نشاطات حزب العمل الاشتراكي الديمقراطي الروسي (الجناح البلشفي)، وبالرغم من صغر سنه، كان مناضلاً نشيطاً دفعته ظروف حياته الصعبة والمأساوية الى الايمان بالافكار التقدمية كمنفذ للخلاص من الاوضاع المتردية ومن سطوة حكومة القياصرة . كان يشار له بالبنان ومن شعراء الثورة وأبنها البار والمدافع عن بريقها الثوري، لم يفوت فرصة في جولاته الى العواصم الاوربية مستغلاً أماسيه ومحاضراته وجلساته الخاصة لا يبخل في الدفاع عن الثورة والحزب والادب الروسي . أرتبط بأكثر من علاقة حب عاطفية (عشك) بنساء مشهورات في باريس (تتيانا ياكوفلوفا) من أصل روسي، وله قصص أيضاً بنساء في برلين، لكنهن حالن دون مشروع زواج مما زاد من نقمته على الأنظمة البرجوازية والرأسمالية ونمط العلاقات السائدة فيها.

في مطلع شبابه، كانت الاحداث اليومية السائده في العالم وتحديداً في روسيا القيصرية نهضة فكرية وتململ ثوري تجاه أنظمة قمعية متسلطة على رقاب الناس وفي قمع حريتهم، من هنا جاء تحسسه مبكراً بالاشياء والتطورات مما زج بنفسه في صلب تلك الاحداث داعياً الى التغير نحو الافضل، فهذا لا يتقاطع مع نهج حزبه البلشفي فتعرض الى المطاردة والسجن . عبر عن تلك التوجهات والتطلعات من خلال منافذ الشعر ودعا الى تجديده على أسس الشعر الروسي العريق . ومن قصائده قبل ثورة أكتوبر ١٩١٧ (غيمه في سروال) .. وتعد من أهم قصائده فخرج بها عن المألوف فحطم بها الوزن والقافية مستفزاً مشاعر الناس ومحرضاً لها ضد القوانيين والاسس التي تكبل الحريات والابداع . في وحي تلك القصيدة تنبأ بوقوع الثورة عام ١٩١٦ لكنها تأخرت الى ١٩١٧ لتكن أول ثورة أشتراكية حلم الكادحين من عمال وفلاحين ومثقفين ثوريين، ولتكن منعطفاً حاسماً في العالم كله وأمل شعوبها في الانعتاق نحو غداً أفضل . ولتبدأ مرحلة جديدة في البلاد وفي حياة ماياكوفسكي الابداعية والاجتماعية وليعلن على الملأ … أنها ثورتي . ثورة العمال والفلاحين والمسحوقين بقيادة العظيم لينين . ومن نشاطاته المبكرة شارك في تهريب ثلاثة عشر سجينة سياسية من سجن (نوفنسكايا) وحكم عليه قرابة عام كامل .

أنتمائه الصادق والثوري وضعه في أصطدام دائم داخل الحزب مع المتسللين والنفعيين الذين تبوأوا مراكز مهمة وقيادية في الحزب والدولة بعيداً عن تطلعات وأحاسيس الجماهير . وهو صغيراً شعر بالفروقات الطبقية في حياته والاغتراب من خلال حياة أقرانه من أبناء الموظفين الروس وأصحاب السلطة والجاه والمميزات التي تمنح لهم على حساب التفوق والابداع، تلك الاوضاع الملتبسة والبعيدة عن الانصاف والعدالة وظروف بيئته عجلت من أنتمائه الثوري للحلقات الماركسية من خلال الاطلاع على بياناتهم السرية والعلنية، وكان الدور لاخته (لودميلا) الطالبة في جامعة موسكو تأتي بكل أجازة مع حزمة من البيانات والمنشورات لاخيها ماياكوفسكي . أختير للعمل لنشاطه المبكر  في مطبعة الحزب الاشتراكي الديمقراطي (البلاشفة)، ففي واحدة من الحملات البوليسية في مداهمة مقرات الحزب البلشفي وأوكاره . أعتقل مع مجموعة من رفاقه وهو الأصغر بينهم عمراً وأنتماء حزبي فأودعوه في السجن وهو صغيراً مما أشفع له لاحقاً بعدم سجنه لمدة طويلة . وكانت لوالدته أيضاً دور ليس قليل في الاسراع من تجنبه من فترة السجن الطويل . في السجن تعرف على  (بايرون / شكسبير) وقرأ أشعارهم وأستقرأ أراءهم الادبية والسياسية . وقرأ للادب الروسي بوشكين / ليرمنتوف / دستوفيسكي .

في ١٤ نيسان عام ١٩٣٠ .. بعد أن حوصر من كل الجهات كمبدع وفنان .. ومنع من السفر خارج الاراضي السوفيتية .. أطلق النار على قلبه من مسدس كان بحوزته .. وعثروا بعد موته على أقصوصة ورق كتب عليها (لا تتهموا أحدا في موتي، وأرجوا أن لاتنموا، فالراحل لم يكن يطيق ذلك) .

 

محمد السعدي - مالمو