محمد السعديقرية الهويدر: التي ولدت فيها وقضيت ثلث عمري، الذي تجاوز الستين بين درابينها الطينية وعلى تخوت مقائيها العتيقة وبين أهلها، هاجرتها مجبراً، لكنها لم تفك عني رغم مرور تلك السنيين في المهجر، وما زالت تعيش في تفاصيل حياتي اليومية في عطر الذكرى والناس والدربونه والنهر والمقهى والارهاصات . حيث لايمر يوماً الأ ويهاجمني شريط الذكريات عن طيبة ناسها ورائحة قداحها وطينة نهرها وميائه الرقراقة الزلال ولمعة النحاس للون المشاريب على أكتاف نسائها وهن عائدات من شريعة نهر ديالى محملات بمشاريب المياه وملفعات بتلك العباءات السود . شريط الذكريات يمر بي الى عتبة بيت تلو عتبة وسحنات وجوه ساكنيه وطيبتهم ومميزاتهم وأسمائهم، أواصل حلمي الى كل دربونه وعكد، بدءاً من القلعة الى الدوزة الى منطقة الحمام أميل يساراً الى دكان أبي المجاور الى باب الحمام الاهلي الجانبي مدخل سيدات وشابات الهويدر المبجلات بالخجل والجمال الهويدراوي، يطوف بي تلك الحلم الى بيتنا العتيق الفاصل بين عكديين الحميدية والجبان، أهيم بحنين بين بيوت الحميدية ويلفعني نسيم هواء بستان أم الهري الى فروع أم البنات عابراً الى درابين الممدية وذكرى صديقي الشهيد ثامر البغدادي في المطلاع، وصولاً الى فروع الجرد والفضوة ومروراً بمنطقة الجامع ومقهى كامل السعدي (أبو عيسى)، الى الشيخ دكل وإطلالة شريعة نهر ديالى والعبور بالكفه الى قرية السبتية.

تلك الذكريات، قفزت الى ذهني، حالما مسكت يدي تلك الكتاب وقبل تصفحه والنظر الى دفتيه، صورة الغلاف أبكتني بذلك الماضي العتيق من خزين طفولة وذكرى ومسيرة . (الهويدر قرية الالف لقب والالف شهيد) .

الهويدر: قرية قديمة وعريقة ومهمة تقع شمال مدينة بعقوبة مركز محافظة ديالى بمسافة خمسة كيلو مترات بطريق مبلط . وقد أنشأت هذه القرية سنة ١٩١٠ ميلادية، وقد أختلفت التسميات حولها مابين أصل فارسي مأخوذ من (هودار) أي مجمع الهواء، وقيل أن أسمها تركي جاء من الهواء العذب . وروي عن البعض أن أصل أسمها يعود الى كلمة (هودرو)، عندما مر الإمام علي أبن أبي طالب بجيش جرار فيها، وخاطب جيشه أن يهودرو في أحدى بساتين القرية تسمى (مال كاوري)، طلباً للراحة والآمان والتي تطل مباشرة على نهر ديالى مقابيل مدينة بعقوبة الحديثة (بعقوبة الجديدة / خان الوالوه سابقا)، في الجهة الثانية من نهر ديالى . وقبل خروجي بسنوات من القرية، كانت بستان (مال كاوري) وشاطئها الجميل ملتقانا اليومي مع الصديق عدنان الانصاري وفي مشهد سحر أختفاء ضوء الشمس من على ضفاف الشاطيء تجرنا الاحاديث ببطء الى الافراح والاوجاع والمعاناة في عراق مقبل على تداعيات خطيرة .

وهذه القرية كانت قد تكونت بسبب عوامل الطمي التي حصلت لنهر ديالى بعد أن تغير مجراه، وهي عامرة بالبساتين ومزارع الفرتقال والرمان والتمور بأنواعه المختلفة . وكانت حمضيات قرية الهويدر مضرباً لأمثال الطراوة ولذة طعم برتقالها، ونظراً لهذه المكانة في جزيئات الاقتصاد العراقي، أستضاف المرحوم كامل الدباغ في برنامجه الشهير (العلم للجميع) من كل يوم أربعاء مساءاً على قناة العراق الرسمية أحد مزارعيين القرية المرحوم (أبو علي) ليتحدث عن عدد أنواع وأصناف الفرتقال في بساتين القرية وبجهود من مزارعيها في تطوير عدة أنواع من خلال القاح والتطعيم . في السنوات الاخيرة باتت محاصيل القرية تعاني من مشاكل متعددة أبرزها الاهمال والتقصير بعدم مكافحة الآفات الزراعية وشحة المياة من خلال عدم جدولته وتنظيم سيره في جداول الأنهر الساقية . فأضطر العديد من الفلاحين الى تجريف المئات من الدونمات وتحويلها الى أراضي سكنية بسبب العوامل التي ذكرناها أدت الى تراجع في الانتاج الزراعي وعدم جدواه المادي .

وكان للعنف الطائفي بعد أحتلال العراق أيضاً أثره السلبي على الانتاج، حيث تعرضت العديد من البساتين الى العطش وأنقطاع مياه عنها، أضافة الى كثرة الأوبئة والامراض التي أصابت أشجار الحمضيات .

قرية الهويدر: تصلح أن تكون مصيف سياحي تستقطب السواح لطبيعة جوؤها وموقعها الجغرافي وسط مياه نهر عذب ومحاطة ببساتين النخيل والحمضيات، وأن الشاعر المعروف (الملا عبود الكرخي)، ذكر في أحدى قصائده الشعبية برتقال الهويدر . وقد زارها فيصل الأول ملك العراق وحظي بأستقبال أهلها تقليداً للاعراف الاجتماعية في الهويدر في أحترام الزائرين والحفاوة بالضيوف . زوارها التقلديين أو المارين على مقاهيها ومطاعمها هم ضيوف على أهالي القرية، وهذا تقليد توارث عبر سنيين قيامها، وعندما يجلس الضيف على تخوت القرية وبدون معرفة سابقة ويطلب (شاي)، ينادي أحد الجالسين القريبين منه كلمة (وره)، بمعنى حسابه واصل، وحتى الذي قام بهذه الخطوة وأذا كان لم يمتلك فلساً فعلى مالك المقهى يتحمل (وره) أبن قريته .

في العام ١٩٨٣، وعندما أجبرتني الظروف على ترك القرية وأهلها الطيبيين، كانت القرية تحتوي على قرابة ١٢٠٠ بيت ويبلغ عدد سكانها نحو ثمانية الاف نسمه جلهم من العرب لهم تقاليدهم العشائرية وعاداتهم الاجتماعية وخاصة في الشعائر الدينية أيام محرم عاشوراء.

الهويدر: تعد قرية صغيرة حصرها نهر ديالى بمنفذ وحيد يربطك بمركز المدينة وقد تبدو للمشاهد كجزيرة وسط المياه ومحاطة بكثافة البساتين . وقد أستغل الارهابيين نتاج الاحتلال والعملية الطائفية في أستغلال هذا المنفذ الوحيد للقرية في تنفيذ أعمالهم الارهابية تجاه أهالي القرية من قتل وقصف وحصار، وراح ضحيته أبن أخي المرحوم باسم (نوار)، بعمر ١٧ عاماً متصدياً بصدره البريء الرصاص الغادر تجاه أهالي قريته .

وتعرضت القرية وأهاليها الى عمليين أرهابيين بطرق السيارات المفخخة أودت بحياة شريحة واسعة من أهالي القرية ظلماً وعدواناً . وطيلة قيام القرية تعرضت الى أكثر من مرة الى تدمير طبيعي أثر فيضانات نهر ديالى، لكن بقيت ملامحها طاغية ومعالمها واضحة وحافظت على تكوينها الطبيعي (القروي)، رغم الخراب الذي أصابها من أثر الفيضانات وهجمات النحر الطائفي .

تمسك أغلب الهويدراويون بطابعهم الشيعي الحاد والذي وصل أحياناً الى مستوى التقوقع في أيام الحرب الطائفية رغم قرب القرية من المركز بعقوبة . أمتازت قرية الهويدر بالزراعة ونخيلها المتميز وجمال طبيعتها وصفاء نهرها وطيبة أهلها . وخرجت القرية رموز أدبية وسياسية تركوا بصماتهم على مكانة القرية . أمثال طلعت الشيباني وزير أقتصاد حكومة ١٤ تموز ١٩٥٨ أول حكومة وطنية في العراق، وأيضا خزعل علي السعدي القائد العسكري والسياسي، وعلي عباس ططو عالم عراقي قتل في ظروف غامضة والشاعر أحمد حسين البياتي وأخرون . تكاد تكون نسبة اللامية ضئيلة جداً . عام ١٩٨٠ أقدم النظام العراقي على جريمة كبيرة، سادتها أجواء الرعب والحيف الذي لحق بالناس . ففي جو إرهابي أقدم على تهجير مايقارب ١٥٠ مواطناً قروياً الى الجارة إيران بحجة التبعية الايرانية أستعداداً للحرب القادمة والتي طالت ٨ سنوات حرقت اليابس والأخضر، ومن أجل تصفية حساباته وخلافاته السياسية والدفاع عن البوابة الشرقية، فكان العدد الاكبر منهم ينتمون الى العراق وحاملي الجنسية العراقية القديمة ومنهم وليس قليلاً من أعمدة النظام في القرية، هجروهم قسراً بعد أن أختطفوا شبابهم من ذويهم وغيبوهم في غياهب السجون، فقد هجروهم بعد أن جردوهم من كل ممتلكاتهم الشخصية وأفذاذ أكبادهم، البعض من هول الصدمة ماتوا على الحدود حنيناً للعراق وأهله، في هذه الاجواء المربكة والصعبة هب أهالي القرية لشراء ما تركوه من بيوت وبساتين وبأتفاق الجميع لتكون أمانة عند عودتهم، وفعلا عادت بعد عودتهم مع رحيل الدكتاتورية عن المشهد السياسي العراقي ومجيء الاسلام السياسي المتخلف تحت حراب الامريكان . في العام ١٩٨٨ وصلت الى إيران (طهران .. قم .. مشهد)، بعد أن نجوت بأعجوبة من أخر أنفال حكومي سبق قرار أيقاف الحرب العراقية الايرانية، والتقيت ببعض العوائل من أهالي القرية، الذين هجروا وجدتهم يتلوون حنيناً للعراق وأهالي قريتهم ويذرفون الدموع على تلك السنوات، ولفت أنتباهي خطوة النظام الغبية أن أبناء العديد من تلك العوائل قد أنخرطوا في التنظيمات والمليشيات التي تقاتل مع الجيش الايراني ضد العراق، صدام حسين ونظامه أعطى للايرانيين قوة عسكرية ضاربة جراء همجيته المدمرة والبعض منهم عادوا في حكم العراق بعد أحتلاله ورحيل النظام . وقد سبق هذا الفعل الهمجي حملات إعتقال واسعة في العراق شملت تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي والتفريط بالجبهة وتنظيمات حزب الدعوة وعناصر القوى القومية ورفاقهم في مجزرة قاعة الخلد عام ١٩٧٩ . للتفرد في الساحة السياسية العراقية وتكريساً لعقدة الحزب الواحد .

 

محمد السعدي - مالمو

 

 

محمود محمد عليبين الحين والآخر أمضى إليه عندما أسافر إلي مدينة القاهرة، ألتقيه في مكتبه بدار الهلال وأستمع إلى كلماته وتحليلاته، لا يزال الرجل حاضراً مهموماً بالوطن وبالتطورات التي يشهدها، إنه حلمي النمنم .. القيمة والقامة، الإنسان البسيط، الوارف كالظل، الزاخر كالنهر، العميق كالبحر، الرحب كالأفق، الخصيب كالوادي، المهيأ كالعلم، رجل الفكر المتميز، وزير ثقافة مصر السابق.

لقد تعرفت عليه منذ عام 2008، وكان وقتها رئيس تحرير مجلة المصور، أرسلني إليه الدكتور حسن عبد الحميد (أستاذ الفلسفة بكلية الآداب- جامعة عين شمس)، لكي يكتب مقالا ضد اللجنة العلمية لترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين في مجال الفلسفة، ومرفق معها شكوي تقدمت بها ضد تلك اللجنة التي تعسفت ضدي؛ وخاصة في ترقيتي لدرجة أستاذ، وكانت الشكوى المقدمة مني هو عبارة عن طلب أرسلته آنذاك لوزير التعليم العالي (وهو الدكتور هاني هلال آنذاك) ضد أحد أساتذة الفلسفة الذين يحكمون أبحاثي العلمية، ولا أنسي وقوف حلمي النمنم معي والذي أسفر بعد ذلك عن انتصار مكلل بالنجاح لي في حصولي علي درجة الأستاذية بجدارة .

وحلمي النمنم هو كاتب صحفي، ومؤرخ مصري مهتم بالقضايا التاريخية والسياسية والاسلامية. حاصل على ليسانس من كلية الآداب بقسم الفلسفة بجامعة عين شمس عام 1982. بعد تخرجه من الجامعة، عمل صحفياً بقسم التحقيقات، في مجلة حواء، بدار الهلال، ثم انتقل منها إلى مجلة "المصور"، حيث تدرج في المناصب، حتى وصل إلى منصب رئيس مجلس إدارة دار الهلال. شارك في تأسيس جريدة الدستور، والذى خرج الإصدار الأول منها عام 1995، كأول جريدة خاصة تصدر منذ قيام ثورة يوليو 1952، كما شارك في تأسيس جريدة "المصري اليوم". كما تولي رئيس مجلس إدارة دار الكتب والوثائق القومية، ثم تولي منصب رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، وأخيراً تولي وزيراً للثقافة منذ 19 سبتمبر 2015 إلي خرج منها في 2018 وهو الآن يمارس كتاباته في المقالات والأبحاث ... متعه الله بالصحة والعافية.

قدم حلمي النمنم للمكتبة العربية أكثر من عشرين كتاباً : نذكر منهم علي سبيل المثال : كتاب أيام سليم الأول في مصر، وكتاب سيد قطب ..سيرة وتحولات، وكتاب الرائدة المجهولة زينب فواز، وكتاب حسن البنا الذي لا نعرفه، وكتاب الأزهر الشيخ والمشيخة، وكتاب الحسبة وحرية التعبير، كتاب سيد قطب وثورة يوليو، وكتاب طه حسين والصهيونية، وكتاب وليمة للإرهاب الديني، وكتاب رسائل الشيخ علي يوسف وصفية السادات، وكتاب التاريخ المجهول: المفكرون العرب والصهيونية وفلسطين.

وقد أسهم حلمي النمنم بعضويته في كثير من المؤسسات العلمية، ومراكز البحث العلمي العالمية، وألقي العديد في بحوث في مؤتمرات وندوات محلية ودواية، منها أبحاث نشرت مجلات متخصصة، كما حاضر عن الفكر العربي الحديث والمعاصر في كثير من الجامعات المصرية والعربية.

كما كان الرجل كاتباً مرموقاً فى عدد من الصحف والمجلات المصرية والعربية كجريدة الأهرام، والوطن، وروزا ليوسف، والوفد، والبوابة نيوز، وفيتو، والأخبار ...الخ.

كان حلمي النمنم مهتما في كل كتاباته ومقالاته بقضية تجديد الخطاب الديني، فهو يري أن الحاجة إليه تمثلت عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، عندما كانت هناك رغبة من قبل كثير من الدول العربية بما فيها مصر لتبرئة عموم المسلمين والإسلام ذاته، مما حدث فى الولايات المتحدة، من تدمير لبرجى مركز التجارة العالميين، وذلك لإثبات أن تنظيم القاعدة وقائده أسامة بن لادن، ليسوا هم الإسلام وليسوا كل المسلمين، فضلاً عن تبرئة الحكومات من شبح أى اتهام بالمسؤولية أو تحمل جزء من المسؤولية عما حدث.

فى هذه الأجواء يري حلمي النمنم أنه ظهر الحديث عن تجديد الخطاب الدينى فى عدد من البلدان، فى مصر وتونس والمغرب واليمن والمملكة العربية السعودية، وهناك جهود بذلت فى هذا الصدد.. مؤتمرات عقدت وبيانات صدرت، وثائق أعلنت لمواجهة هذه المشكلة، فى مصر تولت مكتبة الإسكندرية هذه المهمة، وتحديداً منتدى الحوار بها، وفى يونيو 2003 ألقى د. حمدى زقزوق، وزير الأوقاف آنذاك، محاضرة بعنوان "تجديد الخطاب الدينى"، وأعقبها حوار مفتوح حول نفس القضية أداره د. جابر عصفور؛ وشهدت مصر فى تلك الفترة سياسات ما بات يعرف باسم المراجعات التى شهدها سجن العقرب وسجون أخرى قام بها أعضاء الجماعة الإسلامية، وأشرف على تلك المراجعات جهاز مباحث أمن الدولة.. فى رغبة من الدولة المصرية لتصفير ملف التشدد والتطرف والإرهاب، حتى لا يصيبنا ما أصاب أفغانستان والعراق؛ وظل حديث التجديد قائما، حتى وجدنا الرئيس مبارك يطالب به فى خطاب له سنة 2010 أثناء إحدى المناسبات الدينية.

لذا فقد أصدرت الوزارة (كما يقول حلمي النمنم) وقتها كتاب (تجديد الخطاب الدينى.. كيف ولماذا؟) ثم كتاب (دليل الإمام إلى تجديد الخطاب الدينى)، كما عقد ندوة مشتركة فى القاهرة مع نظيره التونسى وعدد من علماء تونس حول هذا الموضوع.. أما المؤسسة الدينية الرسمية، أقصد الأزهر الشريف فقد كان بعيدا عن هذه المهمة، لم يطالبه أحد بالتجديد، ولا بدا أنه منخرط فى القضية أساساً ولا معنىّ بها اللهم إلا بعض أحاديث أدلى بها فضيلة الإمام الأكبر د. سيد طنطاوى فى هذا الملف، وبينما كان الحديث عن التجديد يجرى فى جانب، كان على الأرض فعل آخر مناقض تماما لهذا التجديد، كان هناك دعم سياسي ضخم لجماعة الإخوان، فى النقابات وفى خوض انتخابات مجلس الشعب.

ويستطرد حلمي النمنم فيقول :" مضت الأيام وغادر الرئيس مبارك موقعه فى 11 فبراير 2011، لنكتشف جميعاً أنه لم يتم تجديد للخطاب الدينى، على أى مستوى، بل حدث انتكاس له (وخاصة بعد أن) وجدت التيارات المتأسلمة. فى الفراغ السياسي الحادث بعد 11 فبراير فرصتها التاريخية، وراحت تعلن عن وجودها بأوضح الصور وبلا أى مواربة كما كان يحدث من قبل.. وامتلأت أرصفة شوارع القاهرة والإسكندرية والمدن الكبرى بكتبهم التى تدل عليهم وتعلن عنهم، وهكذا وجدنا فى وقت واحد ست طبعات من كتاب سيد قطب "معالم فى الطريق"، بينها طبعتان بلا رقم إيداع في دار الكتب، أى أننا بإزاء عملية تزوير تامة، وجدنا كذلك عدة طبعات من رسائل ومذكرات حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان، وهناك كتاب للشيخ محمد الغزالى لم يكن يطبع ولا يوزع فى مصر، منذ أيام الرئيس السادات وهو كتاب " قذائف الحق"، إذ يتضمن الكتاب فى بعض فصوله تحريضا واضحا على الأقباط المصريين.

وكان الاستفتاء الذى جرى سنة 2011 على التعديلات الدستورية، كما يري حلمي النمنم فرصة أمام تلك الجماعات لتعبر عن حضورها القوى، وقد أطلقوا على عملية الاستفتاء "غزوة الصناديق"، ثم جاءت الانتخابات البرلمانية لتؤكد الحضور المؤثر، وهكذا جاء مجلس الشعب سنة 2011 وبعده مباشرة مجلس الشورى، وكانت الأغلبية فى الأول للإخوان وفى الثاني كانت الأغلبية للسلفيين، وفى المجلسين سمعنا ورأينا عجب العجاب، هناك من اقترح مشروع قانون الهبوط بسن الزواج حتى التاسعة للفتيات، أى تزويج الأطفال، وهى جريمة إنسانية ودولية بكثير من المقاييس، وتصطدم مع اتفاقيات دولية وقعت عليها مصر، وهناك من طرح حلاً لمشاكل مصر الاقتصادية أن تتجه مصر إلى تجارة العبيد وبيع البشر ومن عوائد تلك التجارة نسدد ديون مصر، وكان الطرح مسيئا لمصر وللمصريين ومسيئا لدين الإسلام وينكأ جراح تاريخية لدى بعض الشعوب والمجتمعات الأفريقية، وامتلأت فضائياتهم بأفكار وآراء من هذا النوع، فضلا عن آراء وأفكار تبيح لهم العنف والاعتداء على المواطنين والمواطنات المخالفين لهم فى الفكر وفى التوجه، وتدعمت تلك الحالة من التشدد والميل إلى العنف بوجود الإخوان فى السلطة.

إلي أن جاء يوم 3 يوليو 2013، وكان فاصلاً، حيث خرجت جموع الشعب المصري فيما عن لا يقل عن عشرين مليون تطلب بإزاحة حكم الإخوان برئاسة محمد مرسي الذي عصف بالحريات ودخل في عدواه مع كل طوائف الشعب ؛ إلا أن جماعة الإخوان كما يقول حلمي النمنم لم تقر  بالأمر الواقع، وحشدت أنصارها فى ميداني رابعة والنهضة، كان الحشد قائما قبل 30 يونيو بأسبوع تقريبا، لكنه بعد 3 يوليو أخذ فى الازدياد.

وهنا يقول حلمي النمنم : ومن حسن الحظ أن المصادر العربية والإسلامية، حفظت لنا كثيرا من السجالات التاريخية التى جرت فى لحظات فارقة من التاريخ الإسلامي، مثل موقعة الجمل وموقعة صفين ثم النهروان، وبمقتضى تلك المعارك تحول اتجاه التاريخ الإسلامي وانقسم المسلمون إلى سنة وشيعة وخوارج، ويمكنك القول بضمير مستريح إن دهاة السياسة فى العالم يتراجعون أمام دهاء عمرو بن العاص ومعاوية وكبار القديسين يتصاغرون أمام نموذج على بن أبى طالب ورجاله، وتجد فى معركة النهروان ذروة استعمال النصوص القرآنية فى غير موضعها ولا سياقها، حتى إن الإمام على، كرم الله وجهه، يطلب عدم محاجاتهم- الخوارج- بالقرآن الكريم، لأن القرآن حمّال أوجه، وبعد ذلك كثرت السجالات فى التاريخ الإسلامي، ولكن لن ترى الخطاب الديني تردى فى لحظة إلى مستوى التردي الذى وصل إليه الخطاب فى منصة رابعة العدوية.. خطاب من عينة أن سيدنا جبريل تنزل فى ميدان رابعة العدوية، يزف إليهم بشرى النصر وعودة الرئيس المعزول، لاحظ أن جبريل هو ملك الوحى، ومن ثم فإن تنزله توقف بانتهاء نزول الوحى على سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، لكنهم جعلوه يتنزل عليهم فى رابعة، وذهب بعضهم إلى حد تخصيص آية فى القرآن الكريم، والقول إنها نزلت فى د. محمد مرسى، وادعاءات عدد منهم بأحلام فى المنام جاء إليهم فيها رسول الله يوصى ويبشر بنصر محمد مرسى.. وانتقل هذا الخطاب إلى الزوايا والمساجد التى كانوا يسيطرون عليها، وقد سمعت بأذنى ما قيل فى بعض من هذه المساجد وتلك الزوايا، وتأمل عبارات مثل " اللى هيرشه بالميه هنرشه بالدم" وغيرها وغيرها، وتم تناول بالاسم كل من ناوأهم تجريما واتهامات متدنية، وكان نصيب فضيلة الإمام الأكبر وقداسة البابا كبير.. كبير، وصف الإمام الأكبر بأنه " بابا الأزهر" وملأوا حوائط جامعة الأزهر بمدينة نصر بعبارات غاية فى البذاءة بحق فضيلة الإمام، وفعلوا الشئ نفسه على حوائط وجدران مبنى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، وطال الأقباط جميعا التهديد والوعيد، بكلمات غاية في التردى والبذاءة، ويبدو أن الجماعة تصورت أن عنف الخطاب سيخيف أجهزة الدولة أكثر، فضلا عن أن رهانهم كان على الضغوط الخارجية، وتحديدا الإدارة الأمريكية، حتى إن رئيس مجلس الشورى "الإخوانى" قرر نقل اجتماعات المجلس إلى رابعة.. فيما يشبه إقامة دولة موازية فى رابعة.. تعمق فى رابعة خطاب التكفير ورفض الآخر بالمطلق، ولا أريد أن أنكأ جراحا حقيقية بسبب ذلك الخطاب الملئ بالكراهية، واستباحة كل شىء، حياة الآخرين والقيم والخلق والدين ذاته، هل نذكر فتاوى وكذلك وقائع «جهاد النكاح» وهل وهل...؟!!.

هذا الخطاب وما حواه مع عوامل أخرى، كما يقول النمنم دفع أنصاره إلى أن يقوموا بإحراق أكثر من خمسين كنيسة ومنشأة قبطية فى يوم واحد، يوم الفض، 14 أغسطس، وهذه حالة غير مسبوقة فى تاريخ مصر كله، يومها قال الأنبا تواضروس مقولته الشهيرة «وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن»، ومن جراء خطاب رابعة وجدنا شابا فى الإسكندرية يقذف بأحد المواطنين من أعلى سطح العمارة إلى الشارع، ولما سئل فى التحقيقات قال: "ضايقنى"، ولما صدر عليه الحكم بالإعدام، اعتبرته الجماعة شهيداً، الأخطر من هذا، هم أولئك الذين انطلقوا فى سيناء يقتلون أبناءنا من الجنود والضباط، وفى رابعة قال محمد البلتاجى " إن هذا الذى يجرى فى سيناء يمكن أن يتوقف فى لحظة...". كما أن هذا هو الخطاب الديني الذى ساد مع حكم الجماعة واتجه إلى التوحش مع ثورة 30 يونيو، وبالأحرى فى مواجهتها، ومازالت الجماعة تصر عليه إلى اليوم وتتخندق فيه، فى لقاء جرى على قناة B.B.C مؤخرا مع أمين عام الجماعة، حاولت المحاورة أن تنتزع منه إدانة أو رفضا لعمليات العنف والإرهاب التي تتم في سيناء، فتهرب تماما، واضطرت أن تقول له: «ترفض أن تدين أعمال العنف».

ويختم  حلمي النمنم حديثة قائلا: ربما يكون الرئيس عبدالفتاح السيسى هو أول رئيس جمهورية يهتم ويلح على قضية التجديد «تجديد الخطاب الدينى" منذ أن طرحها أول مرة سنة 2014، وكان يخاطب علماء الدين فى مناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وعلى الأغلب فإن الرئيس لا ينطلق فى إلحاحه من موقف أيديولوجى أو موقف نظرى، بل بناءً على مشاكل فى الواقع لامسها بنفسه حين تولى الرئاسة، وربما قبل ذلك، رأى عمليات القتل والإرهاب التى تقوم بها الجماعة الإرهابية بحق الضباط والجنود فى سيناء، فضلًا عن المدنيين، وتابع كذلك عملياتهم الإرهابية بحق المواطنين الأقباط، بما يمثل هدمًا لنسيج المجتمع، ورأى كذلك محاولات تخريب وهدم المؤسسات والمنشآت العامة، بما يعنيه ذلك من هدم الدولة والعمل على إسقاطها تماما، وكذلك الخسائر الاقتصادية التي تنتج عن تلك العمليات، تراجع السياحة وهروب الاستثمار والمستثمرين، بما يؤدى إلى مزيد من الإفقار لبعض فئات المجتمع التي تستفيد وتتعيش من السياحة وعوائدها، وفى المشهد كذلك الدول التي أنهكها التطرف والإرهاب، والدول التي سقطت بالفعل من جراء المتشددين والإرهابيين.

تحيةً مني للأستاذ حلمي النمنم الذي لم تغيره السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا فيه قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

مجدي ابراهيمحين يسمع المرء بوفاة رجل منتج من رجال الفكر والفلسفة، يأسف كثيراً لسقوط القلم الذي بين يديه، فما بين القلم والقيم رابطة عضوية وعروة وثقى، ولكن هذا الأسف وإن يكن شجياً تعلوه لوعة مخامرة، لا يغير شيئاً من إرادة الله التي لا إرادة سواها على التحقيق، تعمل في هذا الكون عملها ولا مُعقّب، من بعدُ، لحكم الله، ولربما تكون رقدة الجسد أسعد لصاحبها بعدما استوفى عطاءه بين ما استدبر واستقبل من حياته، فملأها من فترة ميلاده إلى يوم وفاته بالعطاء النافع والعمل المفيد، وأحاطها بالقيم المعرفيّة إحاطة القدرة الباقية والسعي الحميد والتحقيق المنظور، وإذ ذاك تقصر المسافة عنده بين الموت والحياة لدرجة التداخل، ولا يلاحظ هذا التداخل مطلقاً من شغل نفسه بغيره وأحط من قدرها؛ لتكون قطعة عائمة في خضم هائل تجري مع القطيع في غير غاية ولا هدف إلا مساق التبعيّة والتسليم.

غير أن البقاء فيها لما ينفع الناس أولى وأهم وأقدر ثم هو أجدر بالنظر مقدار جدارة العبرة المُستخلصة من حياة كل عظيم معطاء، إذ يذهب الزبد جفاءً وتبقى المنافع الخالصة لوجه الله ينتفع بها الناس:  " فأمّا الزّبد فيذهب جُفاءً ويبقى ما ينفع الناس" .تلك هى الحكمة التي تلخّص قانون الوجود من أعمال الإنسان، ولا تكشفها أبداً كل محاولة تخضع لسليقة الأهواء البشرية ثم تنصرف عنها إلى غيرها لتنسب آخر الأمر إليها !

فالذين انعزلوا عن الناس ولم يشاركوهم معمعان الهذيان قد حقّقوا في أنفسهم هذا القانون الإلهي؛ ليستخرجوا لهم ما ينفعهم، ويسمو بهم إلى تحقيقه فيهم قانوناً إلهياً وسنةً كونيةً تنتظم الغاية من وراء العمل كما تنتظم السلامة من هذيان الناس.

982 امام عبدالفتاح

لفقيد الفلسفة الدكتور إمام عبد الفتاح إمام مكانة عظمى بلغت من الإنتاج والتأليف والترجمة مبلغها الأوفى، فكانت حياته مُلآنة بالعمل الفكري والنشاط الفلسفي، فتميزت بالعطاء وتجاوزت المحدود إلى ما ورائه، فكأنما اتصلت القيمة الفلسفية فيها بالحياة العمليّة اتصالاً وثيقاً مشهوداً للعيان، وكأنما وافق النظر التطبيق موافقة الانسجام الذي لا خلل فيه ولا اعوجاج.

بيد أنها الفلسفة حين تكون قناعة وحيث تكون امتلاءً، فرجل الفكر والفلسفة عليه أن يبرهن عمليّاً بالعطاء على قناعاته، وعليه أن يثبت أن القيمة الفلسفية باقية في حياته هو قبل أن يطرحها بالنظريّة على المجموع، وأن حياته هو شخصياً مُلآنة بالحركة والنشاط والسعي الدؤوب نحو التحقيق من تلك القيمة كما يعتقد، وكما يدين، وكما يُوالي من المقبول والمعقول.

ولم يكن الدكتور إمام رحمه الله (1934- 2019) إلا واحداً من أولئك الذين تحققّت فيهم تلك القيمة ممثلة في إسهاماته الفلسفية : عكف على هيجل فترجم نصوصه وألف فيه وصنّف، فأخرج للناس من ترجمات الفيلسوف : أصول فلسفة الحق، وظاهريات الروح، وفلسفة التاريخ، ثم موسوعة العلوم الفلسفية، ومحاضرات في تاريخ الفلسفة لهيجل، ولم يكن هيجل وحده مدار اهتمام الدكتور إمام بل ترجم كذلك كتاب الوجودية لجون ما كويي واستعباد النساء لجون ستيوارت مل. وترجم عملين من أعمال الفيلسوف الإنجليزي "ولتر ستيس" هما "الدين والعقل الحديث" والتصوف والفلسفة.

وكما ترجم أعمال هيجل ألّف فيه واستوفي التأليف، فكتب المنهج الجدلي عند هيجل، وتطور الجدل بعد هيجل في ثلاثة أجزاء، وتطور هيجل الروحي .. دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل، ثم أخذت مؤلفاته تنحي باتجاه الفلسفة الوجودية، فكتب كيركجور، رائد الوجوديّة في جزئيين، وله من البحوث "مفهوم التهكم عند كيركجور"، وتنوّع قلمه في غير انتماء لاتجاه بعينه إلا أن يكون الإخلاص للفكرة المعقولة، فكتب المدخل إلى الفلسفة، وأفكار ومواقف، وهوبز فيلسوف العقلانية، ومعجم ديانات وأساطير العالم. واستهوته الفلسفة العملية، والسياسية منها على وجه الخصوص، فكأنما أراد أن يقيم نسقاً فلسفياً من وراء كتاباته تماماً كما أقامه القدماء؛ إذ قسّموا الفلسفة إلى نظريّة وعمليّة؛ فكما عكف في الأولى على هيجل وأقرانه، عكف في الثانية على السياسية والأخلاق، فكتب فيها "الديمقراطية والوعي السياسي"، "والأخلاق والسياسة". والطاغية .. دراسة فلسفية لصور الاستبداد السياسي، وهو كتاب من الأهمية بمكان يعول كثيراً على وجهة نظر مؤلفه، ويبسط مذهبه السياسي؛ إذ يعالج جرثومة التخلف لدى المجتمعات الشرقية التي استمرأت الاستبداد السياسي فاستغرقها. ومن أجل هذا نخصّهُ بالعناية هنا في هذا المقال.

يدعو الدكتور إمام في هذا الكتاب إلى قيم الديمقراطية بحيث تطبق في المجتمعات الشرقية تطبيقاً دقيقاً فتتحوّل قيمها فيما يشبه العقيدة إلى سلوك يومي يمارسه المواطن ممارسة يباشر فيها الطبيعة العاقلة، ولا يفتعلها افتعالاً يجئ مع الادعاء قشرة لا عمق فيها ولا قيمة ولا تقدير، مُجرّد مظهر خارجي أو لفظ ممجوج، فإن المجتمعات المتخلفة هى وحدها التي تفرض الطغيان وتستسيغه، إذ ذاك يكون الطاغية سارقاً لوعي الناس، يحيلهم إلى قطيع من الغنم، ليس له سوى وعي واحد ذو اتجاه واحد.

وكما لا يقبل الحكم الديمقراطي فكرة الطغيان فهو يرفض الاستبداد وفكرة المستبد العادل، ولا ينشط بالمطلق لقبول فكرة الدولة الدينية.

وما دامت المجتمعات الشرقية، والإسلامية منها على التخصيص قد تشرّبت ذلك الاستبداد ردحاً طويلاً من الزمن، فليس هناك من حلّ - فيما يرى الدكتور إمام عبد الفتاح، وهو يستعرض في كتابه نماذج من صور الطغيان مُطرّزاً بمقولات الفلاسفة ومركزاً على الاستبداد الشرقي خاصّة - إلا ظهور الشخصية الإنسانية الحرة المتكاملة التي يكفل لها النظام السياسي جميع الحقوق السياسية كاملة غير منقوصة، ويعترف المجتمع بقيمتها الآدمية وكرامتها الإنسانية.

ولا يكمن الحلُّ فقط في السلوك الأخلاقي الجيد أو في التديّن المحمود، فتلك أخلاق سلبية ليست بالفاعلة تشبه (عدّة النّصب) يمكنها أن تستغل الدين كما توظّف الأخلاق من أجل مكتسبات شرعية وسياسية زائفة، وهو الأمر الذي لا تخلو منه المجتمعات الشرقية، عربية كانت أو إسلامية.

ظاهر جداً في ظلال الحديث نزعة الفصل بين ميدان السياسية ومجال الأخلاق. ولكن هذه النزعة لا تخلو من نقض؛ لأن جرثومة الاستبداد لا تنشأ من فراغ ،وهى إذ تنشأ من الوهلة الأولى لا تنشأ إلا عن فصل السياسية عن الأخلاق، وتلك نزعة تواصلت مع معطيات الفكر السياسي الغربي، وتأصلت فيمن دعوا إليه، ليكون نموذجاً يحتذى عندنا في الأمم الشرقية. صحيح أن التاريخ السياسي للأمة العربية لا ينفصل عن التاريخ السياسي لأمم العالم الغربي اذ كانت التجربة الإنسانية مع اختلاف الشعوب واحدة ولكنها لا تمنع العبرة ولا الدرس، لأن المعرفة كما تصقل خبرة الفرد فهي كذلك تصقل التجارب  للأمم والشعوب.

وإذا سألنا الدكتور إمام عن أيهما الأسبق في الترتيب: الأخلاق والتديّن أو السياسة المستقيمة؟! كانت الإجابة ولا شك في أن الأخلاق الجيدة والتدين الصالح نتائج مترتبة عن مقدمات النظام السياسي الجيد، لاحقة عليه، ولا يحدث العكس أبدا.ً

وهو لئن كان قد اقترح الديمقراطية حلاً بسيطاً يكسبنا مناعة ضد الطاغية، فإن هذا الحلّ وحده فيما نرى لا يكفي لتطهير مجتمعاتنا وسياستها المستبدة من جرثومة الاستبداد السياسي، فإن أكثر أفراد هذه المجتمعات لديها استعداد فطري للخنوع والانبطاح، ولديها الكفاية الكافية أن تكون قطيعاً من الأغنام لا يشذ عنها سوى من كملت آفاقه المعرفيّة واتصل الوعي فيه بمعرفة حقيقته الأصلية؛ فكان فرداً متفرّداً في ذاته لا يعرف للتقليد مكاناً ولا للجهالة العمياء طريقاً، ولن يكون هذا واقعاً فعلياً بغير أدوات معرفية يستخلصها العقل الشرقي الناقد من التعلم والتربية؛ فالديمقراطية لا تتحقق بغير نهضة التعليم وفلسفة التربية، والديمقراطية لا تمضي فاعلة في الشعوب والتربية فيها مشلولة أو منقوصة، والتعليم فيها فاسد أو هزيل.

وإذا كان الوعي أولى هنا بالتغيير؛ ليكون فردياً يسهم ويفيد ولا يخضع خضوع القطيع لطاغوت الطغيان، فإن الفكرة التي تستند عليها مقومات التغيير لا تفارق مطلقاً التعليم الجيد المتطور ولا التربية الواعية المستنيرة بنور العقل والمعرفة، فهما أساس الحرية ومطالبة الشعوب بحقوقها، ومقاومتها للطغيان والاستبداد.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

محمد عرفات حجازيرحل عن دنيانا أمس الأول (الثلاثاء 18/ 6/ 2019) قامة من قامات الفلسفة العربية المفكر والفيلسوف المصري الدكتور إمام عبد الفتاح إمام ـ إلى مثواه الأخير.

الدكتور إمام عبد الفتاح إمام أكاديمي ومترجم مصري متخصّص في الفلسفة والعلوم الإنسانية، وهو أبرز تلاميذ أستاذ الفلسفة المصري زكي نجيب محمود، وأحد من تولوا التعليق على فكره في الفكر العربي المعاصر. له مساهمات فكرية ذات أثر واسع في الأوساط الثقافية المصرية، وهو عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو الجمعية الهيجلية بكندا.

تأثّر الدكتور إمام عبد الفتاح بفلسفة هيجل؛ حتى ذكر أنّه تعلّم منه الكثير. ومن بين ما تعلمّه من فلسفة هيجل: أنّ طريق الفلسفة مرصوف بالأفكار، وهذا هو السبب في غموض الفلسفة وصعوبتها.. وأنّ الفلسفة فكر لاحق، بمعنى أنّ الفلسفة تأتي متأخرة بعد أن تكون الحياة قد دبّت بين الناس بالفعل، وقامت ألوان مختلفة من النظم توجهها الفلسفة في النهاية.. أيضًا، فقد تعلّم من هيجل أنّ كلّ فلسفة هي بالضرورة فلسفة مثالية؛ لأنّ المبدأ الذي ترتكز عليه هو في نهاية تحليله "فكرة".. أضف إلى ذلك، أنّ الفلسفة كلٌّ متّصل؛ بمعنى أنّ كلّ مذهب منها يكشف عن جانب من جوانب الحقيقة..

إضافة لما سبق، فقد أخذ الدكتور إمام عبد الفتاح عن هيجل أنّ الفلسفة الحقّة لا ترفض الحسّ ولكنّها لا تكتفي به أو تقف عنده؛ لأنّها لا بدّ أن تكون في النهاية عقلية.. كما حذا حذو هيجل في أنّ تاريخ الفلسفة لا يرضى تضاربًا بين المذاهب الفلسفية المختلفة..

كذلك من الثمار الهيجلية التي نجدها عند دكتور إمام أنّ التفكير سلب؛ لأنّه يغيّر شكل الأشياء الفردية التي نلتقي بها في حياتنا اليومية طالما أنّه يُحيلها إلى فكرة، وأنّ هذا التحوّل في شكل الظواهر عملية أساسية للمعرفة يقوم بها الفكر.. أيضًا فقد تعلّم منه الشيء الكثير عن خصائص شخصية الإنسان الشرقي من جميع جوانبها: الاجتماعية والدينية والسياسية والفنية.. وربّما كانت تلك النقطة الأخير ما ساعدت أستاذنا في نقد نظام الحكم العربي، وتسليط الضوء على انفصام الشخصية العربية..

ولد الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام ـ طيب الله ثراه ـ بمحافظة الشرقية عام 1933م لوالد كان من علماء الأزهر، ونال ليسانس الآداب من جامعة القاهرة بتقدير جيد جداً عام 1957م، ثمّ نال درجة الماجستير من آداب القاهرة وموضوعها "المنهج الجدلي عند هيجل" بتقدير ممتاز عام 1968م، وبعدها نال درجة الدكتوراة من آداب عين شمس وموضوعها "تطور الجدل بعد هيجل" بمرتبة الشرف الأولى عام 1972م.

قام الدكتور إمام بالتدريس بجامعة القاهرة وعين شمس، والمنصورة، والزقازيق.. إلخ، وجامعة الكويت، وطرابلس، وكلية الدعوة الإسلامية، وجامعة سبها بليبيا.. كما ناقش وأشرف على كثير من رسائل الماجستير والدكتوراة، وأنتدب لمناقشة رسالة دكتوراة في الجامعة التونسية.

ترجم الدكتور إمام عبد الفتاح عددًا كبيرًا من الأعمال الفلسفية، من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية. كما يُعد صاحب مدرسة في الترجمة حيث قام بمراجعة ترجمات عديدة لمترجمين واعدين برزوا فيما بعد.. ومن أهم الأعمال التي ترجمها الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام ما يلي:

فلسفة التاريخ (هيجل)؛ أصول فلسفة الحق (هيجل)؛ ظاهريات الروح (هيجل)؛ محاضرات في تاريخ الفلسفة (هيجل)؛ موسوعة العلوم الفلسفية (هيجل)؛ استعباد النساء (جون ستيوارت مل)؛ الوجودية (جون ماكويي)؛ وأشرف على ترجمة موسوعة كوبلستون في تاريخ الفلسفة الغربية وترجمة بعض أجزائها.

كما أشرف دكتور إمام على سلسلة "أقدم لك" بالمجلس الأعلى للثقافة، وقد صدر منها حتى الآن ما يقرب من سبعين عددًا. وأصدر ما يقرب من مائة كتاب ما بين تأليف وترجمة ومراجعة، ومن أشهر مؤلفاته على سبيل المثال ما يلي:

المنهج الجدلي عند هيجل؛ مدخل إلى الفلسفة؛ أفكار ومواقف؛ تطور الجدل بعد هيجل (3 أجزاء)؛ تطور هيجل الروحي؛ دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل؛ الديمقراطية والوعي السياسي؛ كيركجور رائد الوجودية (جزءان)؛ هوبز فيلسوف العقلانية؛ الطاغية؛ الأخلاق والسياسة؛ معجم ديانات وأساطير العالم؛ سلسلــة الفيلسـوف والمـرأة (سلسلة من تسعة أعداد)..

وفي المجال البحثي، قدم لنا دكتور إمام عبد الفتاح العديد من البحوث، منها: رحلة في فكر زكي نجيب محمود؛ هيباشيا فيلسوفة الإسكندرية؛ مفهوم التهكم عند كيركجور؛ الديمقراطية...

وقد كان الدكتور إمام عبد الفتاح صاحب مواقف فلسفية - سياسية بارزة. ويمكن القول إجمالًا بأنه يتبنى منهجًا وسطيًا في السياسة، إلا أن هذا الموقف يميل كثيرًا تجاه اليسار عندما يتعلق الأمر بالأوضاع السياسية في العالم العربي. ويمكن إيجاز أهم آرائه السياسية على النحو التالي:

يرى دكتور إمام أنّ التاريخ الإسلامي قد حفل بمفارقات فساد السلطة، وقد أثار كتابه "الطاغية" اهتمامًا واسعًا في الأوساط الثقافية العربية؛ لما يحتويه من تحليل متعمق وموضوعي لتجارب الطغيان في العالم العربي. وأكّد على أنّ الحكم لا يستقيم أبدًا طالما تداخلت معه أمور من قبيل (الدولة الدينية، والمستبد العادل...الخ)؛ ولذلك رأى ضرورة الفصل التام بين السياسة والأخلاق، فلكل منهما مضماره.

كما اعتقد أنّ مناقب الحكم في الوطن العربي أساسها هو عزوف الشعوب عن المطالبة بحقوقها؛ وذلك إما عن جهل (ومنشأ ذلك عدم شيوع التفكير لدى غالبية أفراد الأمة)، أو عن يأس (ومنشأ ذلك أيضًا هو عدم تدبر الشعوب العربية للتاريخ السياسي للأمة ذاتها أو لأمم العالم الغربي).

وذهب دكتور إمام عبد الفتاح إلى أنّ انفصام الشخصية الشرقية جاء نتيجة لحكم الطاغية الذي يعتمد على مبدأ الخوف وبثّ الرعب في قلوب الناس، فلا يستطيع أحد أن ينتقد أو يناقش ولا أن يفكر بصوت مسموع، فيلجأ إلى الرياء والنفاق والتملق في الظاهر، ولا يفصح عمّا بداخله إلا إذا اختلى بصحبة يثق فيها، وهكذا يعتاد أن تكون له شخصية ظاهرة علنية هي التي تقول "نعم" بصفة مستمرة، وشخصية خفية مستترة يمكن أن تقول "لا" في أوقات خاصة! وأنّ هذا الانقسام سوف ينعكس في جميع سلوك الفرد وتصرفاته بحيث يكون نمطًا للشخصية: فتراه أولًا يهتم بالشكل دون الجوهر، فيكون تديّنه زائفًا لا يأخذ من الدين سوي جانبه الظاهري السهل ويترك الجوهر الذي يتجلى في الصدق والإخلاص والأمانة والتعاون والضمير والعدل والإحسان.. إلخ. وتراه ثانيًا يفصل نفسه عن وطنه: فالحكومة والشرطة والصحافة شيء ومصلحته هو الخاصة واهتماماته شيء آخر. وهذه القسمة راجعة إلى أنّه لم يشترك في حكم بلاده، ولا في تشريع القوانين التي يخضع لها، ولا في إعداد الخطة التي يسير عليها.. إلخ فذلك كله كان متروكًا "للقائد الملهم"!

وأخيرًا، فقد أكّد على أنّه لا سبيل للتقدم العلمي أو الاجتماعي أو الإنساني في الوطن العربي سوي بتربية أجيال قادرة على التفكير النقدي ومتمكّنة من أدوات العقل.

 

محمد عرفات حجازي/ باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

مجدي ابراهيمرحل عصر اليوم (الإثنين الموافق 17 يونيو 2019) عن دنيانا رجلٌ من الرجال القلائل للفلسفة والتفكير هو الدكتور عزت قرني أستاذ الفلسفة اليونانية بكلية الآداب ومقرر لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة إثر حادث أليم عن عمر يناهز التاسع والسبعين.

ولا شك أن خسارة الدوائر الفلسفية لرجل في مثل قامة هذا الرجل وقيمته لهو مصاب جلل وحزن مقيم، وبخاصّة إذا كنا نفتقد بفقدان هؤلاء الفلاسفة الكبار نماذج تتجسد فيها قيم الأصالة الفلسفية على التحقيق، وعلى العكس ممّا نرى ونشهده اليوم من تدني المستوى الثقافي والعلمي إن في مجالات التخصص الدقيق، وإن في ميادين الثقافة الفلسفية على التعميم.

إنّ الثقافة الفلسفية تتأسس على الوعي، وتحيطه بالمعرفة الفاعلة في سبيل التقدّم، ولا تتأسس على الدعوى العريضة تقوم في الناس بغير دليل.

كان الدكتور عزت قرني رحمه الله واحداً من المجتهدين المخلصين للبحث الفلسفي وللنشاط الثقافي، يقدّم الفلسفة؛ ليستخرج منها المفاهيم الثقافية، تتأسس عليها منظومة الثقافة العليا، وتقود المجتمعات التي تؤمن بالعقلانية ولا تهضم لها حقاً من الحقوق، ولا تهمّش لها دوراً من الأدوار.

وقد ولد الدكتور عزت قرني بمحافظة الجيزة في الخامس عشر من يناير لسنة 1940، وتخرّج في كلية الآداب، جامعة القاهرة عام 1960م، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة اليونانية من جامعة السوربون عام 1972م، ونظراً لنشاطه الثقافي واسهاماته الفلسفية، حصل على العديد من الجوائز والأوسمة من مصر والعالم العربي. وأثرى المكتبة العربية والفلسفية بعديد المصنفات القيمة والترجمات الدقيقة منها على سبيل المثال لا الحصر :

الفلسفة اليونانية حتى أفلاطون، والعدالة والحرية في فجر النهضة العربية، ومستقبل الفلسفة في مصر، وترجم محاورات أفلاطون وقدّم لها، والفكر المصري الحديث، وغيرها من المؤلفات التي تشهد بقيمته العلمية ووطنيته المخلصة في ظل إيمان صادق بالدور الفلسفي للنهوض بالمجتمعات العربية على التعميم، والمصرية بوجه خاص.

لم يكن عزت قرني - طيّب الله ثراه -  ممّن يعزلون التفكير الفلسفي عن واقعات الحياة ولا كان من أولئك الذين لا يجعلون للفلسفة قيمة فاعلة ولا دوراً متجدداً في حياتهم أو في مجتمعاتهم ولكنه على العكس من ذاك تماماً : آمن بدور الفلسفة كونه العامل الأساس لإشعال فتيل العقل والمعرفة للنهوض بمستوى الفرد أو بمستوى المجموع، واستطاع أن يقدّم رؤية فلسفية لا تقل جديّة عن الرؤى الفاعلة التي تقدّمت في السابق ممّا هو مطروح من قضايا وأفكار، الأمر الذي يجعل منها في الواقع ليست مجرد تحليقات نظرية في سماء المجرّدات أو مُجرّد ممارسات كلاميّة لا تجدي نفعاً، ولكنها فاعلية تطبيقية ترقي بمستوى المعرفة وطريقة التفكير، وتضبط نظم التعليم في إطار القيم العليا، وتتوجه إلى الوعي الإنساني لتصقله بالنقد أو بالتغيير، وترفع من مستوى أنشطه الإنسان الثقافية والمعرفية في ظل مبادئ سامية يعتنقها الضمير ويدين لها بالولاء، ويسير على هداها بقناعة واعتقاد.

ولم تكن نظرته الفلسفية بالضيقة المتحجّرة المقصورة على الدراسات السطحية الخاوية من دلالات الحركة والتطبيق القاحلة من معارف العقل الموجه نحو التغيير ولكنها أنجزت رؤيتها الخاصة باتجاه النظر إلى مكانة الفلسفة بين العلوم التطبيقية الحيوية.

فالفيلسوف في الواقع هو من الواقع ولا يزيد، لكن فكره موصول بمنظومة القيم العليا.

وهذه القيم لا مكان لها في الحقيقة إلا أن يكون مكانها مرهوناً بالحركة الفاعلة في دنيا التطبيق، ولا معنى للفلسفة أصلاً إلا أن يكون المبدأ النظري مثالاً تتحرك التطبيقات في إطاره، يفيد الواقعات العملية التي تجري على هداه، وتكون من ثمّ رؤية الفيلسوف مختلفة عن رؤية غيره؛ لأنه إذ ذاك يرى ما لا يراه الآخرون: يبصر أخطاءهم فينقدها، ويقف على علّة تخلفهم فيقوضها، ولا يزال وراء الطاقة المعرفيّة العاملة إلى أن ينهض بالفرد، ليتقدّم بنهضته المجموع.

وهو إذ يصيب المبدأ النظري ببصيرته الواعية، يتحقق من صحته ثم يدعو إلى تطبيقه في إطار القناعات المعرفية التي كان قد توصّل إليها. ومن هنا كانت أهمية الرؤية الفلسفية التي يقدّمها القادرون عليها، ويفتقر إليها العاجزون عن التطبيق، المفلسون من تمثُّل حركة القيم العليا.

ولا ريب كانت أنجح المحاولات لتلك الرؤية هى المحاولة التي تنبع من داخل المجتمع، من داخل خصائصه، ومن الأصل الاصيل الذي تقوم عليه ثقافة هذا المجتمع أو ذاك، إذ كانت لكل مجتمع خصوصيته الثقافية التي تحكمه وتحكم معتقداته.

وخصوصية هذه الثقافة تفرض من الوهلة الأولى أطرها الفلسفية وبينها التصورية، ولا تقوم بحال تلك الأطر ولا تلك البنية خارجها إلا إذا فرضنا أن يكون "الترقيع" سمة لازمة لتلك الرؤية، وهو بلا شك ترقيع منبوذ ملفوظ، ميئوس منه آخر الأمر لا يقدّم ولا يؤخّر، وفي تلك الحالة لا تصبح رؤية فلسفية بل دعوى عريضة لا يقوم عليها من واقعنا العربي دليل.

فالرؤية الفلسفية تصدر حين تصدر من خصوصية الثقافة العربية الإسلامية، وكذلك التوجُّهات النقدية التي ترافقها وتلزم عنها، ليس يمكن أن يكون لها أثرها الفاعل بالمباشرة إلا في ضوء تلك الخصوصيّة وفي إطارها؛ فالنقد الداخلي لقيم الثقافة العربية هو ذاته فلسفة، ولا يحسنه إلا فيلسوف، وهو أولى وأهم من نقدها من الخارج، لأن الناقد إذ ذاك يكون أعرف بروح تلك الثقافة وخصوصيتها الفلسفية، وليس شرطاً أن تكون تلك الرؤية مستورة من الخارج لتكون فاعلة، ولكن شرطها الأهم هو الإحاطة بكل ما في الداخل من خصائص وسمات.

ولعلّ تلك الرؤية الخاصّة بالمجتمعات الإسلامية هى التي تبناها الدكتور عزت قرني في منجزه الفكري باتجاه النظر إلى عموم منجزات الحضارة الإسلامية : نقدها، ونقد ما ينحرف عن أصولها التأسيسية، إذ يسفر هذا النقد عن بيان أوجه القصور كاشفاً برؤيته عن أهمية تلك الأصول وعن ضرورتها كذلك في كل مشروع نهضوي ناجح، إن في البعد أو في القرب، ممّا يلامس خصائصها وأشراطها ويقارب منطلقاتها التأصيلية؛  فالذي يقترب من الأساس الصحيح والمبدأ الأسمى، فمعيار تقدّمه مرهون بهذا الاقتراب، والذي يبتعد عن بؤرة الحركة في ظله، فتخلفه ونكوصه وترديه أولى بالنقد وأدعى بالتنقية والتصفية ممّا لحق به على طول الزمن المديد.

في إطار المبدأ العقدي تسمو الحركة النقدية ولا تسمو في إطار الادعاء، وتستظل الرؤية الفلسفية بخصائصها المعرفية لا شك في هذا الإطار لا في إطار غيره

ولا تستظل بالترقيع الذي يأتينا من خارج بثقافات ليست هى ثقافتنا ولا هى بالتي تصلح لمجتمعاتنا، ولا نجني من ورائها ثمرة مرضيّة غير ثمرة التمزّق والخلاف.

رحم الله الدكتور عزت قرني وجزاه خيراً كل الجزاء على ما قدم لأمته من عطاء نافع. وإذا كانت الفلسفة في عالمنا العربي قليلة الجدوى، أو هكذا يراد لها، فإن الفيلسوف، بقيمة ومعارفه، لا يزال فيها مطلوباً غير طالب، ولا تزال منارة التفكير يحملها ذلك الرجل البصير الناقد لنفسه أولاً، والعارف لعيوبه وعيوب الأمة التي يدين لها بالولاء، فوخزاته اللاذعة لها، تنطلق عازفة على قيثارة من نار من أجل الإصلاح والتغيير.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي، بأن هناك رواد تنحسر عنهم أضواء الشهرة من أساتذة الفلسفة الحديثة والمعاصرة بسرعة لافتة للنظر، مع أنهم أسهموا قدر استطاعتهم في الارتقاء بالبحث والدرس في مجالها، وعملوا قدر طاقتهم علي أن ينقلوا ما عرفوه إلي تلاميذهم، وعلي أن يبدعوا في أكثر من مجال مثل أقرانهم الأكثر شهرة الذين كان عليهم الإسهام في كل مجال من مجالات الفلسفة الحديثة والمعاصرة المختلفة (سواء في القرنين: السابع عشر والثامن عشر أو القرنين: التاسع عشر والعشرين)، استجابة إلي تحديات الركود الفكري في مجتمعهم ورغبة في الوقت نفسه في الارتقاء بهذا المجتمع من خلال نشر التنوير.

والأستاذ الدكتور "سعد عبد العزيز محمد الصادق حباتر (أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية البنات – جامعة عين شمس بجمهورية مصر العربية) ؛ قلما يذكر اسمه في المؤتمرات والمحافل التي تهتم بالفلسفة الحديثة والمعاصرة في مصر وفي العالم العربي، مع العلم بأن هذا الرجل كان واحداً من الأساتذة الجامعيين الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة الحديثة والمعاصرة من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

كان الدكتور سعد حباتر قمة في التواضع، فهو الإنسان بكل ما تحمله كلمة الإنسان من معاني ودلالات، فلقد وهب حياته كلها للجامعة : تعليماً وبحثاً، وظل اهتماماته الرئيسية هي اهتمامات أستاذ جامعي يسعي إلي أن يرتفع بعمله إلي أعلي مستوي ممكن، ومن هنا فإنه يمثل القدوة والريادة وستظل كتاباته تمثل المنارة التي يهتدي بها الإنسان في الظلام تمثل الشعلة الخالدة، شعلة الفكر، وما أعظمها من شعلة .

والدكتور سعد حباتر من مواليد من محافظة قنا - مركز إسنا (بجمهورية مصر العربية)، التحق بقسم الفلسفة بكلية الآداب – جامعة عين شمس، وقد أعجب به الدكتور عبد الرحمن بدوي، حيث أشرف علي رسالته للماجستير وكانت بعنوان "مشكلة الحرية في الوجودية"، وفي هذه الرسالة سعي سعد حباتر بلغته السهلة الممتنعة أن يعرض لمشكلة ذات طابع انطولوجي مؤثر وهي مشكلة الحرية في الفلسفة الوجودية ولكن بطريقة يفهمها القاصي والداني، وهذا من مأثره الأخرى فلقد تمتع بلغة سهلة وجذابة يظن البعض في الساحة الفكرية المعاصرة أنهم قادرون علي الإتيان بمثلها ولكن هيهات.

كما أشرف عليه الدكتور عبد الرحمن كذلك في الدكتوراه وكان عنوان رسالته "الأخلاق في الفلسفة المعاصرة" إلا أنه لم يكمل إشرافه عليه بسبب تقلده منصب المستشار الثقافي لمصر في سويسرا فأكملت عليه في الإشراف الدكتورة نازلي إسماعيل حسين، وبعد حصوله علي الدكتوراه عُين حباتر مدرساً للفلسفة الحديثة والمعاصرة بكلية البنات بجامعة عين شمس، ثم تدرج في السلك الجامعي حتي حصل علي درجة الأستاذية في نهاية القرن المنصرم.

وخلال ذلك أصدر للمكتبة العربية عدة كتب من أهمها: كتاب الوجودية والإسلام، وكتاب نماذج من الفكر المعاصر، وكتاب الأنا والآخر، وكتاب مشكلة الموت عند جورج مور، والمنطق الرمزي عند ليبنتز، علاوة علي الكثير من الأبحاث التي كتبها في مجال التخصص. كما أشرف علي العديد من الرسائل العلمية، ونذكر منها رسالة الماجستير للباحث محمود حميدة عبد الكريم وعنوانها الأخلاق عند الراغب الاصفهاني، وكذلك رسالته في الدكتوراه عن " المشكلة الأخلاقية في الفكر الإسلامي المعاصر في القرن العشرين"، ورسالة الباحثة ناهد إبراهيم محمد في الحرية عند بولتمان، ورسالة الباحثة مسعودة رمضان علي في الدكتوراه وعنوانها "فلسفة عبد الرحمن بدوي الوجودية"، ورسالة الماجستير الخاصة بمصطفي معوض عبد المعبود بعنوان" مشكلة الإيروس والتحرر عند هربرت ماركيوز"، وباحثين آخرين كُثر حيث يطول بنا الحصر.

وكان سعد حباتر مثله مثل آخرين ممن شاركوه في التلمذة علي العمالقة أمثال الدكتور عبد الرحمن بدوي، والدكتور عبد الهادي أبو ريدة والدكتورة نازلي إسماعيل حسين وغيرهم، وظل طوال عمره محافظاً علي التقاليد الجامعية ملماً بدولاب العمل الجامعي، وفي أواخر العام الماضي وافته المنية علي إثر حادث سيارة.

ولم يكن سعد حباتر ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان في عمله العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكان في ذلك متسقاً مع نفسه تمام الاتساق، فقد كان يبحث دائماً عن النوعية من الحياة، ويعرف كيف يتذوقها ويُرضي بها حسه المرهف. ولكن لعل السبب الأهم في عزوفه عن الإنتاج الغزير، برغم قدرته عليه، هو أنه كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد فلقد مارس بشكل رائع ما يمكننا تسميته بالمغامرة العقلية فكانت الإشكاليات التي يتناولها في مؤلفاته ورسائله والتي يوافق علي الإشراف عليها من خلال تلامذته حتي أن رسالته للدكتوراه كانت تساؤلا عكس ما هو معروف وسائد عن الفلسفة الوجودية فكانت بعنوان : هل هناك أخلاق وجودية؟ وقد أثبت سعد حباتر من خلال دراسته وجود تلك الأخلاق رغم اقتناع الكثيرين بأن الفلسفة الوجودية فلسفة تقوم علي الحرية وتدعو إليها وليس فيها ذلك الإلزام الأخلاقي المعروف في فلسفات الأخلاق.

ولم يكتف سعد حباتر بالإلمام بمقتضيات البحث العلمي في مجال الدراسات الفلسفية أو ترسيخها في قلوب وعقول تلامذته وكل من يستمعون إليه، بل كان له السبق في استبطان عقول من يشرف علي رسائلهم ؛ بمعني أنه كان مقتنعاً تماماً بأن لكل باحث شخصيته وميوله، فمنهم من يميل إلي المنهج التاريخي المقارن، ومنهم من يميل إلي التحليل والتعمق، في حفر الأفكار، فلم يحرم هؤلاء أو هؤلاء من ميولهم، ولكنه أضاف إليها، فحافظ علي شخصية تلامذته والقواعد العلمية في آنا واحد، مما يندر أن يتوفر عند أساتذة كثيرين.

كما جمع سعد حباتر بين الأفق الفلسفي الواسع، والرؤية العلمية المحددة، والبعد الديني وهنا يتضح عدم تعصبه لمذهب بعينه من المذاهب الفلسفية المعاصرة، فلم يكن وضعياً ولا برجماتياً ولا وجودياً، ولا متمذهبا بأي حال من الأحوال فموضوعتيه غلبت عليه في كل أحكامه، وأراءه وعندما يوجه سهام نقده لأى من هذه المذاهب فهو لا ينكرها أو يريد هدمها أو نقضها، إنما يطالب بإعادة النظر إليها لاشتمالها علي نقائض وعيوب، كما يهتم بصياغة المصطلح صياغة فلسفية، وعلمية دقيقة ويظهر التفرقة الواضحة بين الصياغتين.

أضف إلي ذلك حبه العميق للغة العربية، فقد كان عاشقاً لها، غيوراً عليها، حفياً بها – وقد انعكس ذلك كله علي أسلوبه في كتاباته؛ حيث كان أسلوبه جذلاً، فيه رصانة وطراوة، وإغداق وإثمار، وفيه عذوبة تشد الآذان إليه لسهولته، وإن تكن من نوع السهل الممتنع . فعباراته قصيرة، لكنها واضحة الدلالة؛ وتنتظم في حلقات من سلسلة تشبه جواهر منظومة في عقد، تجسد الفكرة، وتقدمها للمتلقي في سياق يصعب أن تحذف منه كلمة، أو تضيف إليه كلمات، وتكاد تشعر أنك مع شاعر مبدع يعزف علي أوتار كلماته لحناً عذباً رائعاً يستلب القلوب، ويأخذ بمجامع العقول، فيشيع فيها امتاعاً  وأنساً مع شئ من الحماسة تضطرم به الأفكار، غير أنك لا تكاد تسمع منها في الأعماق إلا همساً .

علاوة علي اتقانه الرائع للغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية، وله ترجمات في ذلك ومنها ترجمة كتاب الأخلاق لجورج مور، حيث كان حباتر يتميز في ترجمته بالبعد الاكاديمي، وهو يمثل واحداً من المترجمين الذين يؤمنون بأن الترجمة عملية لا تقتصر على النقل اللغوي للجُمل والعبارات ومعاني الكلمات فحسب، بل تمتد لتشمل البعد الثقافي أيضًا، فالمترجم هو كاتب، أي أن عمله هو صَوْغ الأفكار في كلماتٍ موجهةٍ إلى قارئ. والفارق بينه وبين الكاتب الأصيل هو أن الأفكار التي يصوغها ليست أفكاره، بل أفكار سواه، لذا على المترجم قبل أن يشرع في ترجمة النص، عليه أن يراعي جيدًا الأبعاد والبيئة الثقافية التي وُلِد فيها هذا النص، والقارئ المتلقي له، ليُخَاطبه ليس بلغته فحسب، بل بثقافته أيضًا التي قد تشبه ثقافة المترجم، وقد تختلف عنها تمام الاختلاف.

إن هذا نزر يسير من مآثر سعد حباتر التي لم يتم لكثيرين من الناس التعرف عليها شأنه شأن صديق عمره الدكتور محمود رجب (أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بجامعة القاهرة) وكأن الأقدار أبت إلا أن يعيشا دون أن ينالا القدر المناسب وربما كان هذا في صالحهما، فقد كان لهما الجزاء الأوفر عند خالقهما والقبول في قلوب محبيهم.

وفي النهاية فإن الكلمات لا تستطيع أن توفي هذا الأستاذ الاكاديمي حقه، صحيح أن هذه الكلمات جاءت متأخرة فكثير ممن يطلقون علي أنفسهم لقب أساتذة لا يعرفون قدر هذا الأستاذ الاكاديمي، ولعل هذا يتوافق مع كلمته الشهيرة "لحم الضأن تأكله الضباع وتبيت الأسود جوعانة"، فكان كل هذا بمثابة عوامل أسهمت في تكوين صورتنا عنه والتي ستظل طوال العمر صورة الأستاذ الاكاديمي الذي رغم هذه المأثر المتعددة وغيرها لم ينل حقه الطبيعي من التقدير والشهرة وهما اللذان تركا لأنصاف الأساتذة فلم يعرفه الكثيرون من الأجيال الصاعدة، ولكن حظه أوفر عند، وأما من لم يعرفه فتلك لم تكن مشكلته شأنه شأن زميله الدكتور محمود رجب .

تحية طيبة لسعد حباتر الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

رحم الله الدكتور سعد حباتر، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت إمرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

ضياء نافعأشرت في نهاية الحلقة الاولى من هذه المقالة الى ان الحديث مع د. خليل عبد العزيز قد تشعّب، واريد هنا ان اتوقف عند (شعابه) هذه. سألته عن أخبار كتابه (محطات من حياتي)، فقال خليل لي، ان الكتاب يباع بشكل واسع جدا في العراق، وقد اخبرني بعض الاصدقاء بطبع اعداد اضافية منه وتسويقها دون حتى اعلامي او موافقتي، وأخبرني اصدقائي ايضا، ان الذين يقتنوه يبحثون فيه عن اجابات لعدة اسئلة تدور في ذهنهم حول المواضيع التي تناولها الكتاب، لعل اهمها سؤال كبير، وهو – (لماذا انهار الاتحاد السوفيتي؟)، اذ ان هذا الموضوع كان بعيدا جدا عن توقعات ومفاهيم القارئ العراقي الاعتيادي، ولازال هذا الموضوع غير واضح المعالم لهم لحد الان رغم مرور اكثر من ربع قرن على ذلك الحدث الهائل، وضحك د. خليل وأضاف قائلا – (لدرجة ان بعض الشيوعيين العراقيين، الذين قابلتهم في بغداد، لازالوا يعتقدون بامكانية عودة الاتحاد السوفيتي مرة اخرى)، وقد أيدّته في ذلك، وقلت له اني صادفت هذه الآراء الساذجة ايضا عند بعض العراقيين، الذين قابلتهم هنا وهناك. سألته عن مشاريعه اللاحقة بشأن كتابه هذا، فقال انه يحضّر الان طبعته الثانية، وستكون منقحة ومزيدة طبعا، اذ ينوي ان يضيف لها مقالات ظهرت له بعد طبع الكتاب المذكور حول مشاهداته وذكرياته الشخصية في الاتحاد السوفيتي ومسيرة الحياة اليومية فيه، وخصوصا تلك الانطباعات في الجمهوريات السوفيتية الشرقية عندما زارها او تعامل مع بعض المسؤولين الكبار فيها ، وأضاف د. خليل، انه سيبقي طبعا عنوان الكتاب (محطات من حياتي) كما كان في السابق، لكنه سيحذف من عنوان الكتاب الكلمات الاضافية – (سجون / اغتراب / نضال)، وسيبدل حتما صورة الغلاف التي لم تعجبه في حينها، فقلت له ان هذه الخطوات بشأن الكتاب دقيقة وصائبة من وجهة نظري، اذ انه كتاب تاريخي مهم، وكم اتمنى ان يطلع عليه الكثيرون من القراء العراقيين، لانه يعكس وجهة نظر موضوعية وواقعية حول تلك المواضيع، فهو لا يهدف الى الطعن بالاتحاد السوفيتي كما هو الحال ببعض الكتب الدعائية المعادية للاشتراكية، وانما هو وثيقة صادقة وصادرة من قبل شخص واضح المبادئ والمواقف الفكرية، ويعتز بماضيه ومسيرته .

 توسّع الحديث معه حول موضوع انهيار الاتحاد السوفيتي، وقال د. خليل، ان القيادة السوفيتية في السنوات العشرين من عمرها (او أكثر) كانت منعزلة عن الواقع تقريبا، واعطاني مثلا دقيقا حول ذلك، وهو ما حدث مع عبد الفتاح اسماعيل سكرتير الحزب الاشتراكي اليمني (اليمن الجنوبي)، اذ كان لديه موعد مع سوسلوف (فيلسوف الحزب الشيوعي السوفيتي آنذاك)، وقد اخبره عبد الفتاح انه قلق جدا، اذ كيف سيقابل هذه الشخصية الشيوعية السوفيتية الفذة وماذا يمكن ان يقول له ...الخ، وعندما التقى خليل به بعد المقابلة تلك، قال عبد الفتاح له، ان الكلام الذي قاله سوسلوف عن اليمن غير دقيق بالمرّة، وانه اضطر ان يسكت كي لا يخبره برأيه ذلك، وكان عبد الفتاح اسماعيل مصابا بخيبة أمل مريرة بعد اللقاء مع سوسلوف. وحكى لي د. خليل حكاية اخرى غريبة حول العقلية الساذجة التي كانت سائدة في الاوساط الاعلامية السوفيتية آنذاك، والتي اطلع عليها د. خليل بحكم عمله معهم . الحكاية هذه بسيطة جدا، فقد عرض التلفزيون السوفيتي مراسم دفن سوسلوف، وكان السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفيتي ليونيد بريجنيف طبعا مشاركا بها، وعندما أنزلوا الجثمان في القبر، بكى بريجنيف، وتم عرض هذا المشهد (اي بكاء بريجنيف) في التلفزيون، وبعد العرض، تم فصل كل فريق العمل وكذلك مسؤولي برامج التلفزيون، لانهم عرضوا بريجنيف وهو يبكي، وذلك لانهم اعتبروا ذلك بمثابة عرض لضعف الدولة السوفيتية امام الملأ، ولم يستطع احد ان يوقف هذه الاجراءات الصارمة وغير العادلة بحقهم رغم تعاطف الجميع مع فريق العمل ذاك . وقال د. خليل، ان الهمس والاستنكار والانتقاد الشديد في الاوساط الاعلامية السوفيتية آنذاك ضد هذه الخطوات الحمقاء كان شديدا جدا، ولكن دون اي فائدة، اذ كان الجميع يخاف ان يعلن موقفه الحقيقي بالنسبة لهذه الاجراءآت، ويختتم د.خليل كلامه قائلا – (لقد تذكرت كل تلك المواقف عندما كنت في الساحة الحمراء بموسكو وانا اشاهد كيف يرمي الشيوعيون الروس هويات الانتماء الى الحزب الشيوعي السوفيتي تخلّصا منها، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي)...

تحية اعتزاز الى الدكتور خليل عبد العزيز، العراقي الاصيل، الذي شاهد في حياته مواقف تاريخية كبيرة، وتحدّث حولها لنا بكل صدق واخلاص وموضوعية ...  

 

أ. د. ضياء نافع

 

رحيم الساعديبقلم: ديميتريس كوروكاليس

ترجمة: د. رحيم الشياع الساعدي

***

أسس سكان شبه الجزيرة العربية من عام 634 م حتى عام 750 م إمبراطورية شاسعة، كانت حدودها جبال البرانس في الغرب وحدود الصين في الشرق. وعلى الرغم من الانقسام السياسي من 9 او 10 قرون في الإسلام الشرقي والغربي الا انه ازدهرت حضارة واحدة مشتركة (مع الإشارة إلى القرآن)

وكانت الثقافة الفكرية الإسلامية أكثر تطوراً من المسيحية في نفس الحقبة. وقد تمت الإشارة إلى أن الرشيد والمأمون كانا مفتونين بالفلسفة اليونانية والفارسية، اما معاصريهما في الغرب، فلم يتمكن كل من شارلمان وحكامه من كتابة اسميهما.

ساهمت الجامعات الإسلامية في التطور الثقافي الهام للإسلام وتم تأسيسها كأماكن للتعليم الديني، حيث تم تدريب العلماء (علماء الدين والمفكرين)، و(القضاة)، واهل الفتوى (المترجمون القانونيون) وغيرهم من المسؤولين الدينيين ليكونوا على استعداد لخدمة المجتمع.

وأثار الإسلام في العصور الوسطى سلسلة من الفلاسفة من الدرجة الأولى الذين جعلوا من خلال شبه الجزيرة الأيبيرية، الفلسفة الإسلامية اليونانية المعروفة في أوروبا، مما ساهم في تأسيس الجامعات الأوروبية الأولى.

في سنوات الحضارة الإسلامية، التي تركزت في بغداد، هناك جهد ترجمة لم يسبق له مثيل لتاريخ الثقافة، مما أدى إلى وصف دقيق لجميع التراث اليوناني القديم الى اللغة العربية مع إيلاء اهتمام خاص لأعمال أرسطو

منزل الصوفية

كرس العرب، اهتمامًا خاصًا لقضايا التعليم وعملوا بشكل منهجي من أجل التطور الثقافي والعلمي للإسلام.

وكانت نتيجة هذه العمليات إنشاء "بيوت الحكمة" في بغداد. كان هذا المنزل هو مصدر الصحوة وحب الشباب لمجتمعهم، لأنه من خلال ترجمة الأعمال الكلاسيكية اليونانية اكتشفوا اليونان، كما كان الحال مع عصر النهضة الإيطالية.

وأسس هارون الرشيد (786-809) هذه المكتبة، ولكن الشخص الذي حوّل الأساس من مكتبة بسيطة إلى مركز روحي وعلمي في آسيا، مع مرصد حيث العلماء من القبائل المختلفة هو ابنه المأمون (813-833) ، الذي استدعى أبرز الرجال في ذلك الوقت في بغداد من أجل الحفاظ على تراثه الفكري وتطوير العلوم وكان الغرض الرئيسي من "بيت الحكمة" هو جعل ترجمات الكتب اليونانية والفارسية والهندية المهمة باللغة العربية وكان عمل المترجمين الذين كانوا تحت حماية العباسيين منظمًا بعناية وتخصص.

جامعة قرطبة (كوردبا)

غزا العرب إسبانيا في عام 711، حيث انتقل معظمهم إلى تلك المنطقة لخمسمائة عام وأصبحوا طليعة الإسلام في الغرب. وأصبح للفلسفة العربية بريق جديد في إسبانيا، خلال هذه الفترة التاريخية، وتمت ترجمة الأعمال العلمية والفلسفية اليونانية، التي سبق ترجمتها من السريانية إلى العربية، وإلى العبرية من قبل يهود جنوب فرنسا وإسبانيا، ثم اللاتينية وجامعة قرطبة (970) هي امتداد للشرق المتقدمة علميا نحو المنطقة الأوروبية.

وظهر العنصر العربي في إسبانيا من قبل الذين شردهم العباسيون من الشرق الأدنى بسلالة جديدة مع إنشاء أسس التطور العلمي في القرنين 11 و12.

المساهمون الأكثر أهمية في التطور الأدبي والعلمي والفني لشبه الجزيرة الإيبيرية في قرطبة هم عبد الرحمن الثالث (912-961) وحكيم ب (971-976). ويمتد نشاطهم الشخصي على مدى أكثر من ستين عامًا، من 912 إلى 976. ويعود عبد الرحمن الثالث، الذي يتمتع بالشخصية القوية التي تميزه، إلى قرطبة وهيبتها وسحرها وهي مكان لقاء للكتاب والفنانين استمر بوقتها للحفاظ على مجد قرطبة كأحد المراكز الروحية الأولى في العالم.

جلب الملك من بغداد، وهي أهم جزء علمي في العالم، وكذلك من مصر ودول أخرى في الشرق، أهم أعمال العلوم القديمة والحديثة، وجمع كمية مساوية تقريبًا لتلك التي جمعها الأمراء العباسيون في فترة زمنية قياسية

وكان هناك أشخاص مسؤولون عن الشراء والنسخ (بالنيابة عنه) لأفضل الكتب القديمة والحديثة في التقاليد العربية، وهناك معلومات تفيد بأن حكم الخليفة الثاني في قرطبة ضم 400000 مخطوطة مسجلة في الوثائق التي امتدت 44 مجلداً.

في ذلك الوقت، كانت جامعة قرطبة (كوردوفا) واحدة من أكثر الجامعات شهرة في العالم، بدوراتها في المسجد الكبير، ونصوص من مجموعة كبيرة تحتوي على ثروة من المعلومات عن العرب القدماء والأمثال ولغتهم وشعرهم.

ونُشرت هذه المجموعة لاحقًا تحت عنوان "المحظورات".  وقد تم تعليم القواعد النحوية من قبل ابن القوطي، الذي كان، من أكثر الحكماء في إسبانيا.

ففي اسبانيا في القرن 11، كان التعليم مجانيا ولم ينظم من قبل الدولة، وانتشر في كل مكان تقريبا، في جميع المجالات سواء في المدن الصغيرة أو المدن الكبيرة مثل إشبيلية وقرطبة، سرقسطة وطليطلة وقد تطورت العلوم في قرطبة قبل فترة قصيرة من غارات المسيحيين في شبه الجزيرة الأيبيرية. وهكذا، كانت إسبانيا ممرا للعلوم القديمة إلى الغرب. كما يذكر هنري ماسي، "الإسلام يقع في السلسلة التي تربط بين القديم والفكر الاحدث ويلعب دوره المهم في تاريخ الحضارة".

جامعة الأزهر

جامعة الأزهر هي امتداد طبيعي للأزهر، أقدم وأشهر المؤسسات الأكاديمية والجامعات الإسلامية في جميع أنحاء العالم، لأكثر من ألف عام دون استثناء، كان الأزهر المركز الثقافي لجميع المسلمين في الشرق والغرب.

عندما أرسل الخليفة جوهر وهو قائد القوات الفاطمية من قبل الخليفة المعز لغزو مصر، أسس القاهرة هناك في عام 969 وبنى جامع الأزهر.

وتم الانتهاء من المسجد المسلم بعد ذلك بعامين منذ ذلك الحين أصبح المسجد الإسلامي الأكثر شهرة في العالم الإسلامي بأسره، وأقدم جامعة للدراسات الدينية والعلمانية.

ويختلف المؤرخون حول كيفية تسمية المسجد بذلك الاسم الذي أطلق عليه، والجواب الأكثر ترجيحاً هو أنه سمي باسم فاطمة الزهراء بنت النبي محمد لتمجيد اسمها. هذا التفسير الأخير يبدو الجواب الأكثر احتمالا.

وفي عام 988 حولت إلى جامعة وتم التدريس فيها لأكثر من ألف عام في مختلف التخصصات مثل الفقه الإسلامي، واللغة العربية، والعديد من مجالات العلوم الأخرى وسمحت الأسرة الفاطمية للقاهرة باستقلالها الروحي، ونتيجة لذلك أصبحت جامعة الأزهر المركز الأكثر أهمية في التعليم الإسلامي.

دار الصوفية أو دار العلوم

في عهد الأسرة الفاطمية (909-1171) وفي عهد الحاكم 1004، تأسست دار الحكمة - دار العلوم وثُبت المحامون واهل النحو وعلماء المنطق والأطباء وعلماء الفلك وعلماء الرياضيات الذين نقلوا الكتب من مكتبات القصر ودُرست العلوم من العصور القديمة، وهي الرياضيات وعلم الفلك والجيوديسيا والفيزياء وعلم الفراسة والطب والنحو والشعر والفنون ومختلف فروع الفلسفة يمكن لكل فرد القراءة بحرية وان ينسخ ما يريد.

ويتألف "بيت العلوم" من قراء القرآن وعلماء الفلك وخبراء القواعد وعلماء اللغة والأطباء، بالإضافة إلى كتب تتناول جميع أنواع المواد العلمية والأدبية، بالإضافة إلى المخطوطات الحرفية

وهذه المجموعة من أغلى مجموعات الاعمال التي جمعها الحاكم على الإطلاق وكان يقدم رواتب مرضية لرجال يحترمون القانون وغيرهم من الحكماء الذين يعملون في المؤسسة

ويأتي المزيد من الناس إلى المكتبة للقراءة، وبعضهم ينسخون، بالإضافة لمن يقدم لحضور دروس المعلمين. ويمكن للمرء أن يلاحظ هناك الحبر وأقلام الرصاص والورق والمكتب للكتابة لأول مرة في عام 1012، كان العلماء دائمًا من الشخصيات المستنيرة للخلفاء، الذين كانوا أيضًا القادة السياسيين للعرب.

واغلق "بيت العلوم" في عام 1122، بعد أعمال الشغب الناجمة عن الهراطقة.

خاتمة

لم يكن الإسلام دائمًا يعيش في تاريخ عالم التعصب الأصولي او التخلف الاجتماعي والكنيسة الغربية المستنيرة اليوم تشجب نقاط الضعف هذه لأنها تذكرها بماضيها من القرون الوسطى، وفي الختام، يمكننا القول إن العرب حققوا هدف نقل العلوم اليونانية القديمة إلى الأوروبيين. لقد قاموا في كثير من الأحيان بتصحيحات كبيرة وأضافوا تجربتهم الخاصة وبدون جهود الترجمة العربية وزراعة العلوم، لن يكون هناك دافنشي ولا غاليليو في أوروبا لإقامة البحوث الحديثة القائمة على العلوم.

 

.......................

المصادر

1- ثراسيفولوس، التاريخ العام للعلوم، المجلد. 1.أثينا

2- ستيكوس، تاريخ المكتبة في العالم الغربي. أثينا، 2002

3- رومانوس، الإسلام الهيليني. أثينا: الإسكندرية، 2001

4- مصطفى العبادي، مكتبة الإسكندرية القديمة. أثينا، 1998

5- ديفيد نيكولاس، تطور عالم العصور الوسطى. أثينا، 2000

6- موسوعة تاريخ المكتبة، لندن: جارلاند للنشر، 1994

7- غوتاس ديميتريس، الفكر اليوناني القديم في العالم العربي. أثينا

8- فلخوس، مقدمة في النظريات السياسية في العصر الحديث. أثينا: 1979

9- ميثوديوس، الخلفية اليونانية للإسلام. أثينا: لبنان، 1994

10- جياناكوبولوس، الثقافة الغربية في العصور الوسطى وعوالم بيزنطة والإسلام. أثينا: نشرتها 1993

11- ديفيد ليندبرج، بدايات العلوم الغربية. أثينا: مطبعة الجامعة، 1997

12- أوين جينجيرش. "علم الفلك الإسلامي". العلمية الأمريكية 1986

 

محمود محمد عليعرفت الدكتور "محمد عثمان الخشت" منذ تسعينيات القرن الماضي عندما كنت أتردد علي قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، وكنت أري الدكتور الخشت في صحبة أستاذنا الدكتور "محمد مهران"  باستمرار، وقد جمعتني وإياه علاقة طيبة  دامت حتي الآن، كما عملنا معنا في المناقشة والإشراف علي بعض الرسائل العلمية في فلسفة الدين بقسم الفلسفة بكلية الآداب - جامعة أسيوط.

كان محمد الخشت متميزاً في دراسة فلسفة الدين في مصر، والعالم العربي؛ حيث استطاع ببحوثه ومؤلفاته أن ينقل لنا البحث في فلسفة الدين من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارماً إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

علاوة علي أن محمد الخشت يجمع بين التعمق في التراث الإسلامي والفكر الغربي. وتقدم أعماله رؤية جديدة لتاريخ الفلسفة الغربية تتجاوز الصراع التقليدي منذ بداية العصور الحديثة. وتتميز مُؤلفاته بالجمع بين المنهج العقلي والخلفية الإيمانية ونسج منهجًا جديدًا في فنون التأويل يجمع بين التعمق في العلوم الإنسانية والعلوم الشرعية وتاريخ الأديان والفلسفة.

ولد الدكتور محمد عثمان الخشت  في 1 يناير 1964، ودخل قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة، ثم أصبح الخشت مُعيدًا بدايةً من عام 1986، وترقى إلى درجة مُدرس مُساعد بعدها بأربع سنوات عقب حصوله على درجة الماجستير. ثم في عام 1993، نال درجة الدكتوراه وأصبح مُدرسًا بالكلية ذاتها. إلى أن أصبح أستاذًا مُساعدًا عام 2003 عقب قيامه بأبحاث الترقي، إلى أن وصل إلى الأستاذية عام 2008 بعد استيفائه مُتطلبات الدرجة.

وبلغت مُؤلفات الخشت عدد (41) كتابًا منشورًا و(24) كتابا مُحققًا من التراث الإسلامي، مع عدد (28) من الأبحاث العلمية المُحكمة المنشورة، و(12) دراسات منشورة في مجلات عربية؛ ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : روجيه جارودي: نصف قرن من البحث عن الحقيقة، حركة الحشاشين: تاريخ وعقائد أخطر فرقة سرية في العالم الإسلامي، مدخل إلى فلسفة الدين، مقارنة الأديان: الفيدية، البرهمية، الهندوسية، الدين والميتافيزيقا في فلسفة هيوم، فلسفة العقائد المسيحية، أقنعة ديكارت العقلانية تتساقط، العقل وما بعد الطبيعة بين فلسفتي هيوم وكنط، فقه النساء في ضوء المذاهب الفقهية والاجتهادات المعاصرة، المعقول واللامعقول في الأديان بين العقلانية النقدية والعقلانية المنحازة، الشخصية والحياة الروحية في فلسفة الدين عند برايتمان، تطور الأديان، نحو تأسيس عصر ديني جديد ...الخ. وكان قد صدر أول كتاب منشور له عام 1982، كما صدرت أربعة كتب عن فكره وإسهاماته العلمية باللغة العربية والإنجليزية، كتبها عشرات من أساتذة الجامعات المصرية والعربية ومُحررون أجانب، فيما صدر عنه وحول فكره أكثر من 78 بحثًا علميًا مُحكمًا، وقد تُرجمت بعض أعماله إلى لغات أخرى مثل الألمانية والإنجليزية والإندونيسية.

ثم تولى الخشت الكثير من المناصب القيادية بجامعة القاهرة، من بينها المُستشار الثقافي للجامعة (2002- 2013)؛ ومُدير مركز جامعة القاهرة للغات والترجمة (2010- 2013)؛ وعُضو اللجنة الدائمة لاختيار الوظائف القيادية بجامعة القاهرة (2013-2013)؛ ومُسئول التدريب والتثقيف للجامعات المصرية بوزارة التعليم العالي (2013)؛ ومُستشار الدراسات العليا بجامعة القاهرة عضو المكتب الفني (2009 - 2013)؛ ومُسئول جودة الأنشطة الطلابية في مشروع تطوير الأنشطة بوزارة التعليم العالي عن جامعة القاهرة (2007-2008)؛ والمُؤسس والمُشرف على مشروع جامعة القاهرة للترجمة (2010- 2017)؛ والمُشرف على تحرير مجلة هرمس (2010- 2013)، وهي مجلة علمية مُحكمة في الدراسات الأدبية واللغوية ومُعتمدة من أكاديمية البحث العلمي ولجان ترقيات الأساتذة والأساتذة المُساعدين في مُختلف تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية في الجامعات المصرية، كما شارك في تأسيس مجلة الجامعة الدولية؛ ونائب رئيس جامعة القاهرة لشئون التعليم والطلاب (2016- يوليو 2017). كما شغل منصب المُستشار الثقافي المصري لدى المملكة العربية السعودية (2013- 2015).

وأشرف الخشت على أكثر من 30 رسالة ماجستير ودكتوراه، وكان أخرها النزعة التنويرية عند محمد عثمان الخشت..دراسة في فلسفة الدين، وتُناقش الدراسة رؤيته لتطوير العقل الديني وتأسيس فلسفة جديدة للدين. كما قام الخشت أيضًا بتحكيم ومُناقشة عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه والأبحاث وترقيات الأساتذة والأساتذة المساعدين بمصر والعالم العربي. كما شارك في أكثر من 40 مُؤتمر علمي ودولي، ونظم وشارك في تنظيم 100 مُؤتمرًا دوليًا ومحليًا.

والدكتور الخشت يشغل حاليًا منصب رئيس جامعة القاهرة، كرمته جامعة القاهرة في عيد العلم 2013 نظرًا لإسهاماته الأكاديمية والإدارية في الدراسات العليا والبحوث والمشروعات الثقافية، وحصد مئات شهادات التقدير والدروع من جامعات ومُؤسسات دولية وإقليمية ومحلية عبر أربعة عقود.

ومحمد الخشت هو صاحب نظرية جديدة في تطور الأديان قدمها في كتابه تطور الأديان، وفيه تمكن الخشت من تقديم أول مُقارنة شاملة بين الأديان والفلسفات من منظور نظريات التطور، تجمع بين الوصف العلمي والتحليل الفلسفي والنقد العقلي المُلتزم بمعايير المنطق، ونجح في توظيف تلك المعايير في أشكالها الأكثر تطورًا في عصر الحداثة وما بعد الحداثة.

كما قدم الخشت مشروعًا جديدًا لتجديد الفكر الديني القائم على العقلانية النقدية، حيث يرى ضرورة تطوير علوم الدين، وليس إحياء علوم الدين القديمة، ودعا الخشت إلى صياغة خطاب ديني جديد بدلًا من تجديد الخطاب الديني القديم، وأعاد الخشت كتابة علوم الحديث في صيغة عصرية، كما أعاد تأويل موقف الشريعة من قضايا المرأة منذ ثمانينات القرن العشرين.

ويهمني في هذا المقال أن أركز علي موقف الخشت من الخطاب الديني التقليدي، حيث كتب لنا مجموعة الدراسات والأبحاث التي تتعلق بهذا الأمر، حيث أكد أن حركة الإصلاح الديني التي ظهرت مع مطلع العصور العربية الحديثة لم تنتج علوماً جديدة ولا واقعاً جديداً، بل استعادت عصور الشقاق وحرب الفرق العقائدية والسياسية التي ضربت الأمة بعد مقتل عثمان (رضى الله عنه).

ويرجع الخشت السبب في ذلك إلي غياب العقلانية النقدية، على الرغم من أن العقلانية النقدية في جوهرها هي التي قامت عليها دعوتنا منذ إبراهيم (عليه السلام)، وهى العقلانية التي دعا إليها القرآن الكريم وقام عليها الشرع من خلال آيات القرآن وأقوال النبي الصحيحة التي دعت إلى استخدام العقل والتي قامت عليها حضارتنا قبل أن تتحول إلى عصور المتون والشروح والحواشي.

ولذلك تصور المتأخرون العقل كما يقول الخشت على أنه "العقل النقلي" لا "العقلي النقدي"! وهنا ظهر التطرف، وتجمد الخطاب الديني كما توقف الاجتهاد فى علوم الدين، حيث المعالجة النقلية للعلوم، وحيث المعالجة الإنشائية المفرطة فى الخطاب الشفهي والمكتوب. وظن المتأخرون أن هذه العلوم إلهية مقدسة، لا يكون التعامل معها إلا بالحفظ، وأن تصبح عالماً هو أن تحفظ المتون وتقرأ الحواشى! وبالتالي اختلط المقدس بالبشرى فى التراث الإسلامي، واضطربت المرجعيات وأساليب الاستدلال بسبب حالة الجمود الفقهي والفكري التي يعيشون فيها منذ أكثر من سبعة قرون

ولم يكتف الخشت بذلك بل راح يبين لنا أن هؤلاء المتأخرون استعادوا كل المعارك القديمة: معارك التكفير، ومعارك الهوية، ومعارك فقه الحيض والجنس والجسد، ومعارك التمييز بين الجنسين. ولم يدخلوا المعارك الجديدة : معارك التنمية، ومعارك إنتاج العلوم الطبيعية والرياضية والاجتماعية والإنسانية، ومعارك الفساد، ومعارك الحرية، ومعارك الفقر والجهل والأمية، ومعارك الدفاع عن الدولة الوطنية. من هنا فإن تفكيك الخطاب التقليدي والبنية العقلية التي ترقد وراءه بات ضرورة ملحة في نظر الخشت .

ويؤكد "الخشت" أن هذا التفكيك ليس تفكيكًا للدين نفسه، وإنما للبنية العقلية المغلقة، كما أنه   تفكيك للفكر الإنساني الديني الذى نشأ حول "الدين الإلهي الخالص؛ فالمهمة العاجلة عنده هي العمل على تغيير "ماكينة التفكير" عند الناس، لأن بنية عقلية المسلم المعاصر تنطوي على إشكاليات ضخمة تجعله بعيدًا عن طرق التفكير الصحيحة سواء فى العلم أو الدين أو الحياة بوجه عام.

إن تأسيس عصر ديني جديد في نظر الخشت يقتضى تكوين "مرجعيات جديدة" في فقه جديد وتفسير جديد وعلم حديث جديد، ولن يحدث هذا إلا إذا تعددت وتنوعت مصادر المعرفة، فهو يرى أن تجديد الخطاب الديني عملية أشبه ما تكون بترميم بناء قديم، والأجدى هو إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة إذا أردنا أن نقرع أبواب عصر ديني جديد.

ويدعونا الخشت إلى العودة إلى "الإسلام النقي المنسي"، لا الإسلام المزيف الذي نعيشه اليوم بسبب الجماعات الارهابية ومجتمعات التخلف الحضاري. ويؤكد أنه لا يمكن هذا إلا بتخليص الاسلام من "الموروثات الاجتماعية" و"قاع التراث"، و"الرؤية الأحادية للإسلام"، ويقول: "إن النظرة إلى الإسلام من زاوية واحدة وضيقة تزيف الإسلام، ولذا من الفرائض الواجبة توجيه النقد الشامل لكل التيارات أحادية النظرة، سواء كانت إرهابية أو غير إرهابية".

ويوضح محمد الخشت بأن النقد الشامل لا يكون إلا بالتفكيك ؛ إذ أنه بغير تفكيك عقلية الإنسان المسلم لن نستطيع صناعة تاريخ جديد نخرج فيه من هذه الدائرة المقيتة لكهنوت صنعه بشر بعد اكتمال الدين، وتلقفه مقلدون أصحاب عقول مغلقة ونفوس ضيقة لا تستوعب رحابة العالَم ورحابة الدين. ويقتضى تحقيق عملية "التفكيك" المرور بمجموعة من المراحل، تأتى في مقدمتها مرحلة "الشك المنهجي" الذى يتخذ من الشك منهجًا للوصول إلى "الحقائق الواضحة والمتميزة".

ويرى الخشت أن "الشك المنهجي" استخدمه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام حين شك فى عقائد قومه الذين كانوا يعبدون الأوثان والكواكب والنجوم. إن شك إبراهيم عليه السلام فتح الطريق أمام عصر جديد فى الإيمان، وكذلك الحال مع الشك الديكارتي الذى مهد الطريق لعصر حديث ودعت فيه أوروبا عالَم العصور الوسطى.

والسؤال الأن: لماذا ركز محمد الخشت على إبراهيم عليه السلام وقارن بينه وبين ديكارت؟ هل هذه تسوية في القيمة والمنزلة بينهما؟ كلا.. ليس الأمر على هذا النحو، إن كل ما هنالك هو أنه رأى أن المشكلة التي واجهها أبو الأنبياء إبراهيم فى عصره كانت مشكلة التقليد والاتباع الأعمى للآباء وكبار القوم، ومنهجهم القائم على اليقين المطلق بصحة أقوال السابقين وسلامة الدين والتاريخ.

اعتقد أن المشكلة التي واجهها ديكارت وعصره هي أيضًا سيادة أقوال الكهنة وتفسيرهم الأحادي للكتاب المقدس. وهى ذاتها المشكلة التي يواجهها الدكتور محمد عثمان الخشت بوصفه مفكرًا مصريًا مسلمًا كبيرًا مهمومًا بقضايا وطنه، منشغلًا بمحاولة إيجاد حل لحالة التردي والتخلف التي تعانى منها البلاد. هكذا رفض إبراهيم ـ عليه السلام ـ إسكات عقله، وهكذا رفض ديكارت ورفاق عصره إسكات عقولهم. وهكذا رفض الخشت إسكات عقله. مع إبراهيم بدأ دين جديد يرفض التقليد، ومع ديكارت ورفاق عصره تم الشروع في تأسيس عصر جديد وخطاب جديد تراجع فيه لاهوت العصور الوسطى الذى كان يحتكر فيه رجال الدين في أوروبا الحقيقة الواحدة والنهائية.

ومع الدكتور الخشت تمت من خلال كتابه «نحو تأسيس عصر دينى جديد» الدعوة للنقاش بغية تجاوز «عصر الجمود الديني» الذى طال أكثر من اللازم فى تاريخ أمتنا، من أجل تأسيس عصر ديني جديد، وتكوين خطاب ديني من نوع مختلف.

ويصل الدكتور الخشت إلى نتيجة مؤداها، أن تأسيس خطاب ديني جديد، يجب أن يتبنى مجموعة من المهام العاجلة، مثل: تفكيك الخطاب الديني، وتفكيك العقل المغلق، ونقد العقل النقلي، وفك جمود الفكر الإنساني الديني المتصلب والمتقنع بأقنعة دينية حتى يمكن كشفه أمام نفسه وأمام العالم. وليس هذا التفكيك للدين نفسه، وإنما للبنية العقلية المغلقة والفكر الإنساني الديني الذي نشأ حول "الدين الإلهي الخالص". وعملية التفكيك يجب أن تمر بمجموعة من المراحل هي الشك المنهجي، والتمييز بين المقدس والبشري في الإسلام، وإزاحة كل المرجعيات الوهمية التي تكونت في قاع التراث .

وبعد التفكيك يأتي التأسيس، وأهم أركانه تغيير طرق تفكير المسلمين، وتعليم جديد منتج لعقول مفتوحة، وتغيير رؤية العالم، وتأسيس مرجعيات جديدة، والعودة إلي الإسلام المنسي. ويرى الدكتور الخشت أن كل هذا لا يتم بمعزل دون توظيف مجموعة من الآليات لتحقيق حلول قصيرة ومتوسطة المدي، تشمل التعليم والإعلام والثقافة والاقتصاد والاجتماع والسياسة، وذلك لصناعة عقول مفتوحة علي الإنسانية في ضوء العودة إلي المنابع الصافية المتمثلة في القرآن والسنة الصحيحة وتغيير المرجعيات التقليدية وتأسيس فقه جديد وتفسير جديد وعلم حديث .

تحيةً للدكتور محمد عثمان الخشت، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة فلسفية ووطنية وشخصية موسوعية، ما جعل زملاءه وتلاميذه من المفكرين والكتاب والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته في تنوير العقول ومكافحة الجمود والتعصب.. فأطلقوا عليه فى حفل تكريمه (المفكر الأبرز في القرن العشرين مكملاً لكانط).

وتحيةً مني لرجل آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا في محمد عثمان الخشت قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطننا، بهدف الكشف عن مثالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

ضياء نافعحملت لنا الانباء قبل أيام خبر رحيل فكري بشير، العنقود الاخير في عائلة بشير الموسيقية العراقية الشهيرة، العائلة التي أعطتنا تلك الباقة الرائعة من الموسيقيين العراقيين الكبار - جميل بشير ومنير بشير وفكري بشير .

خبر رحيل فكري أعادني الى أيام موسكو في بداية ستينات القرن الماضي، حيث كان فكري ضمن الطلبة العراقيين الاوائل هناك، و تذكرت طبعا كيف كان فكري يقف بهدوء وهو يقود تمريناتنا على اداء الاغاني العراقية لتقديمها في حفلات الطلبة العراقيين وبقية طلاب العالم من حولنا في قاعات جامعة موسكو وبقية الجامعات الروسية، وتذكرت كيف كان يجري امتحانا لكل واحد على حدة لاصواتنا، وتذكرت روح المرح الشبابي (كلنا كنا بعمر الورود الربيعية !!!) عندما (يسقط !) احدنا في ذلك الامتحان عند فكري، و نحاول جميعا ان نقنعه ان يمتحنه مرة اخرى، وكيف كان فكري يقول لنا، ان صوته لا ينسجم مع المجموعة ولا يمتلك قابلية الغناء الجماعي، وكيف كنا نكرر له - (انه خوش ولد، وسيواصل معنا التمارين بانتظام !) ....

كان فكري هادئا دائما، وكان يستمع الى مختلف الآراء وهو يبتسم، ولم يكن محبا للظهور والشهرة والتبجح ابدا، ولم يقل يوما امامنا انه من عائلة فنانين مشهورين كبار، وقد استمر هكذا طوال حياته، وهي صفة رائعة من صفاته . انهى فكري دراسته الموسيقية في الاتحاد السوفيتي بنجاح وضمن المدة القانونية للدراسة، وهي مسألة كبيرة جدا لم يستطع كل الطلبة تحقيقها (خصوصا طلبة الفنون الجميلة من زملائه العراقيين الآخرين، والذين اضطر بعضهم الى تبديل اختصاصهم)، وعاد فكري الى العراق مع زوجته أكنيس السوفيتية، وعملا معا في مجال تخصصهما، وهي الموسيقى، واصبحت اكنيس ايضا ضمن عائلة بشير العراقية الموسيقية، وبرزت معه في مدرسة الموسيقى والبالية الفريدة في العراق، وكان تلاميذ تلك المدرسة يحبونهما ويعتبرونهما مثل الاصدقاء الكبار لهم (وانا كنت شاهدا على ذلك). استمرت علاقاتنا في العراق (عن بعد)، وكنت متابعا لنشاطات فكري الفنية والتربوية في مدرسة الموسيقى والبالية، وكذلك في مشاركته (مع اكنيس طبعا) بالعزف في الفرقة السمفونية العراقية، وأذكر مرة اني كنت مرافقا لوفد سوفيتي كبير بناء على طلب شخصي من المرحوم أمير الحلو من وزارة الاعلام، وكان ضمن اعضاء هذا الوفد مجموعة من العازفين الموسيقيين لتقديم بعض الفقرات الموسيقية، وشاهدت فكري جالسا في القاعة، فطلبت منه (بحكم علاقات الود القديمة معه) ان يساعدني بتقديم العازفين السوفيت، اذ انه موسيقيّ محترف ويعرف دقائق المصطلحات والتسميات الموسيقية، فقام فكري من مكانه بكل تواضع واخذ يقدمهم للجمهور العراقي مستخدما التعابير الموسيقية الدقيقة والمناسبة والصحيحة بالعربية والروسية مما أضفى على الحفلة رونقا جميلا جدا، وقد شكرته جزيل الشكرعلى موقفه النبيل ذاك و تلك المساعدة القيّمة، فقال فكري بهدوء وصدق – (لا شكر على واجب).

اضطر فكري وعائلته ان يهاجر من العراق نتيجة الوضع الصعب المعروف، فانتقل الى الاردن، وعمل هناك مع اكنيس في مجال الموسيقى، ثم انتقل بعدئذ الى اوربا كما هو حال الكثير من العراقيين، وانقطعت اخباره، وفجأة استلمت منه رسالة الكترونية قبل فترة قصيرة جدا يطلب فيها صداقتي عبر الفيسبوك، وقد فرحت جدا بها، وارسلت له رأسا جوابي الايجابي، وهكذا بدأنا نتراسل بودّ، ولكن هذه المراسلات استمرت عدة اشهر ليس الا، اذ اصطدمت بخبر رحيله ...

الرحمة والسكينة لروح الفنان الهادئ والمتواضع والاصيل فكري بشير، والذكر الطيب والخالد لاسمه ومكانته في عالم الموسيقى في العراق عموما، وفي تاريخ مدرسة الموسيقى والبالية العراقية والفرقة السمفونية العراقية، وتاريخ العراقيين الذين مرّوا بموسكو ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

962 نصرت مردانالكتابة عند الأديب والشاعر والمترجم نصرت مردان يوازي أهمية الماء للأسماك. البحر ها هنا، وطن يسمى مدينة النار والنور والقصيدة الضوئية "كركوك " المدينة التي ولد فيها عام ١٩٤٨.

نصرت حين بدا بفك اسرار الكتابة كتب قصة قصيرة ترجم فيه شعوره نحو فدائيي فلسطين وهو يرى تجمعهم تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية أوائل الستينيات. وعلى عادة ادباء ذلك الزمان قرر إرسال قصته للنشر في بيروت. طبعا كان عيون الرقيب حاذقا فمسك بالرسالة بمهارته المعهودة في الشرق واقتاد بكاتبنا الى الغرف الأمن السرية والمظلمة ليسأله ويستفسر عن سر تلك الشفرات السرية المرسلة من قبل الفدائيين في القصة التي كتبها والتي كان الفدائيين يتواصلون ويتخاطبون بها بينهم. طبعا كل تلك الشفرات كانت من وحي خيال الكاتب.

أين الأدب الرفيع من رجال الأمن الجهلة حتى النخاع. طبعا بعد التحقيق الممل وتدخل الطيبين بالواسطة اخلي سبيل المراهق نصرت وعاد الى بيته تائبا على ان لا يعاود الكتابة ب "الشفرة".

ليس هذا مجرد قصة رواه لي صديق دراستي والذي سكنا معا في نفس البيت، بل احداها فقط من سلسلة من المحطات في حياة الشاعر الرهيف الذي احب الحياة لان فيها "سلمى" وأحب العراق لان فيها سومر وفرات وبقى على سجيته الرومانتيكية يكتب على قطرات المطر اماله شعرا . كتب لي يوما يقول:

962 نصرت

الاديب نصرت مردان مع باقة من ادباء كركوك

انا ضال والقلب ثمل

 اتكسح في الحانات

لأني افتقدك

طبعا قارئي النبيه انه يفتقد حبيبته "سلمى".

بعد ان اكمل دراسته الجامعية في مدينة ازمير الساحلية عمل مترجما في الملحقية الثقافية العراقية في انقرة والتي كانت فارغة من الثقافة بدونه.بعد دراسة الماجستير عاد الى العراق ليعمل في جامعة صلاح الدين وهنا مرة اخرى احبه الدارسين والتدريسيين وساهم في الحياة الثقافية مع زوجته النبيلة. ثم جائت الأحداث فسقطت أربيل عاصمة الإقليم وسارت الدبابات في شوارعها.

فكتب:

سودا بالغ يان گيدر*

وإشعار كثيرة في مجموعة " شفق" مع عدد من الشعراء المحدثين امثال    محمد عمر قازانچي و الشاعر عصمت اوزجان وذلك لكسر الجمود الذي بقى يلازم الشعر التوركماني منذ عصور. لكنه بقى حالما بمعبودته فكتب؛

إلهي

أنا

لا ا

أبغي الجنة ولا النار

الموت في كركوك

جل مبتغاي

ترك الوطن الكبير والصغير واللجوء الى المنفى الى الجار القريب تركيا مغرة كلفه مع عائلته الامرين.

 وذاق المر في مخيم سيلوپي الحدودي وكانت تلك السنين  " عجاف" وكتب عن تلك الأيام والشخصيات التي عاشرهم عن قرب وذاق هو وعائلته الأمرين من القريب والصديق والرفيق في وداعا سيلوپي..

انتهى به المطاف على ضفاف بحيرة "جنيڤ " الخالدة وبدات رحلة جديدة من حياة المنفى. كتب موسوعة توركمان العراق ونشر فيها كتاباته. كما نشر في المواقع العراقية على الإنترنت وفي الجرائد العراقية وجل المطبوعات في الخارج ونشر ذكرياته عن احدى شوارع وطنه الصغير وأبدع في الحوار والسرد الذي يصل الى درجة القصيدة النثرية. كما ابدع في الكتابة المسرحية وترجم الى العربية معرفا قارئ العربية بالموروث الثقافي والأدبي للشعب التوركماني في العراق.

امنياتي لأبو سومر العمر المديد والصحة والعافية.

 

توفيق التونجي

.................

*تجنح السمكة في مسيرها. عنوان أغنية تركية تراثية.

 

معمر حبارمقدمة: من تمام الإنصاف وكماله أن يتحدّث المرء عن الشخصية من خلال وإيجابياتها وسلبياتها والدفاع عنها في فترة معيّنة وذكر مساوئها في فترة أخرى وتطبيق نفس المبدأ مع جميع الشخصيات دون استثناء لأنّه من استثنى في النقد فهو تابع أو حاقد وكلاهما مذموم لايصلح لنقد الشخصيات ويوسف القرضاوي من الشخصيات التي سيتطرق إليها صاحب الأسطر :

أوّلا قراءاتي لكتب يوسف القرضاوي: قرأت ليوسف القرضاوي عددا كبيرا من الكتب وأنا شاب منها: "الحلال والحرام"، و"الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا" و"الحل الإسلامي فريضة وضرورة"، و"ثقافة الداعية"، و"ظاهرة الغلو في التكفير"، و"الوقت في حياة المسلم"، و"مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام"، و"فتاوى معاصرة"، و"عالم وطاغية"، و"الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف"، و"أين الخلل"، و"الإسلام والعلمانية وجها لوجه"، و"الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي والإسلامي" وقرأت له كتابا عن الشيخ البشير الإبراهيمي أو ابن باديس، وكتابا آخر عن عظمة وأهمية الوقف عند المسلمين عبر التاريخ، وكتب أخرى لايحضرني الآن اسمها.

ثانيا قراءاتي لمقالات وحوارات ودروس يوسف القرضاوي: قرأت له عددا من المقالات، وتابعت تدخلاته التي كان يلقيها في الملتقى الفكر الإسلامي الذي كان يقام حينها بالجزائر ويبثّها الرّائي الجزائري عقب صلاة الجمعة، وتابعت حوارات له عبر وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، وتابعت مذكراته التي نشرها عبر فضائية عربية، وتابعت دروسه التي كان يلقيها عبر الرائي الجزائري حين كان مشرفا على جامعة الأمير عبد القادر خلفا للعالم محمد الغزالي رحمة الله عليه، وتابعت دروسه التي نقلها الرائي الجزائري وأظن قبل زلزال الأصنام 10 أكتوبر 1980 وعقبها وكانت تقدّم يومها الدروس قبل أذان مغرب شهر رمضان ونقلت يومها من الفضائية المصرية.

ثالثا أوّل مرّة أرى رأي العين القرضاوي: حين كنت طالبا بجامعة الجزائر بالعاصمة الجزائرية 1986-1990 حضرت له درسا ألقاه بمسجد الأبيار وكان ذلك أثناء درس الجمعة، وحضرت له محاضرة بقاعة ابن خلدون ولأوّل مرّة رأيت يوسف القرضاوي رأي العين وأسمعه لأوّل مرّة وأنا يومها المعجب بصوته الجهوري القوي.

رابعا: القرضاوي السياسي وليس الفقيه: أعترف أنّي لا آخذ الفقه من يوسف القرضاوي حتّى أنّي حين قرأت كتابه "الحلال والحرام" في بدايات حياتي لم ألتفت لمحتوى الكتاب بقدر ماوقفت عند الأسس التي وضعها في مقدّمة كتابه وكانت قوية متينة فاعلة هذا من جهة ومن جهة ثانية فإنّ مواقفه خاصّة في أواخر حياته كانت مرتكزة حول الجانب السياسي ونظرته لقضايا سياسية ولذلك أتعامل معه كسياسي يأخذ منه ويرد في آرائه ومواقفه المسموعة والمكتوبة وليس كفقيه ومن أراد أن يتعامل معه على أنّه الفقيه الذي يأخذ منه ويرد كغيره من الفقهاء ودون استثناء فله ذلك ومن شأنه الداخلي الذي لايحقّ التدخل فيه.

خامسا: دفاعي عن يوسف القرضاوي

1- دافعت عنه حين نشرت طليقته الجزائرية حينها رسائل العشق التي كتبها لأجلها وهو شيخ تشغل باله وهو في أقدس الوظائف كما جاء في احدى الرسائل وبخطّه وختمت المقال  بقولي: "من كان عظيما في وعظه وجدّه كان أعظم في حبّه وعشقه".

2- دافعت عنه حين تمّ تشويه اسمه واستبدال حرف "الضاد" من اسمه بحرف "القاف" فيمسي اسم حيوان كما ذكرت ذلك عبر مقال لي.  وفي نفس المقال دافعت عن أردوغان حين تمّ استبدال حرف "الألف" بحرف "القاف" ليمسي اسم حيوان.

3- وقفت إلى جانبه في مسلسل "عمر بن الخطاب" باعتباره الأوّل الذي أفتى بجواز إظهار صورة الخلفاء الراشدين والعشرة المبشّرين بالجنّة وذكرت ذلك بالتّفصيل عبر مقال لي  واعتبرت ذلك نقلة نوعية في السينما العربية.

4- بين يدي الآن مقال لم أنشره بعد أدافع عبره عن القرضاوي فيما يخصّ التّهم التي نسبت إليه عبر كاتب لايحضرني الآن اسمه ولا كتابه خاصّة فيما تعلّق بالمراجع التي ذكرها في كتابه "ثقافة الداعية" باعتباري قرأت الكتاب منذ سنوات طوال وكذا دفع الزكاة نقدا.

5- دافعت عنه عدّة مرّات حين اتّهمه شيوخ السّعودية وأتباع شيوخ السّعودية بالكفر والفسوق حتّى أنّهم وصفوه بالحيوان وهذا من الفجور الذي لايليق ومن سوء الأدب وقلّة الأدب ومن كان ناقدا فليتأدب عدوه وخصمه ومنافسه وأخيه.

سادسا نقدي ومعارضتي ليوسف القرضاوي: معارضتي الحالية ليوسف القرضاوي وأنا الذي كنت معجب به في صغري وشبابي نابعة من مواقفه السياسية الدموية الشنيعة التي تبناها في أواخر عمره ومازال يصرّ عليها عبر سورية الحبيبة وليبيا العزيزة ومنها:

6- انتقدت يوسف القرضاوي وما زلت فيما يخصّ كلمته المشؤومة: "اقتلوه ودمه في رقبتي" ومازالت تلك الكلمة من الأخطاء الشنيعة التي ارتكبها القرضاوي وهو في أرذل العمر وقد كتبت حولها مستنكرا لها وبقائلها القرضاوي الكثير من المقالات والمنشورات ومنها المقال  المذكور أدناه في الهامش ولن أتردّد في التطرق إليها بالاستنكار كلّما سنحت الظروف بذلك.

7- انتقدت موقفه من سورية وما زلت حين طالب يومها بقصفها ورجمها وردمها ونقلت ذلك عبر مقال لي.  وأتذكّر جيّدا أنّه عاتب يومها "أوباما" لأنّه تراجع عن قصف سورية الحبيبة وكانت تلك من الأخطاء الشنيعة التي ارتكبها يوسف القرضاوي تجاه إخوانه السوريين.

8- استنكرت على يوسف القرضاوي تبريره لبعض سلوكات أردوغان حين قال عنه يومها: "..وبخاصة النظام الذي يدعو إليه أردوغان الذي يتفق مع التعاليم الإسلامية، التي تجعل أمير المؤمنين أو الرئيس الأعلى هو رقم واحد في السلطة" وذكرت ذلك في مقال لي . واستنكاري هنا نابع من استنكاري لأيّ شخص يبرّر لسلوكات السّلطان باسم الدين ولا أستثني في هذا الموقف أحدا من الشيوخ ولا أحدا من الحكام.

9- استنكرت عليه موقفه من اغتيال العالم محمّد سعيد رمضان البوطي رحمة الله عليه حينها عبر مقال لي . وتجلى ذلك في خطبته الأولى عقب الاغتيال حين تعمّد ذكر البوطي في آخر المقام وهو يعدّد الخسائر وتعامل معه حينها بتشفي وازدراء وكأنّه كان يتمنى قتله وبعد الانتقادات التي وصلته صحّح الأخطاء التيي ارتكبها ضدّ زميله ورفيق عمره وكانت بحدّ ذاتها متأخّرة غير نافعة.

10- قرأت كتابه "الحل الإسلامي فريضة وضرورة" الذي ألّفه سنة 1974 حسب مقدمة الكتاب وقد انتقد فيه بشدّة الانقلابات العسكرية كوسيلة من وسائل تثبيت الحكم وأدان الدماء للوصول إلى الحكم. والسؤال المطروح: لماذا القرضاوي تغيّر تغيّرا جذريا في أواخر حياته وانتهج الدماء للوصول إلى الحكم عبر حرق ليبيا وسورية؟ لماذا لم يثبت على رأيه الرّافض للانقلابات العسكرية والدماء للوصول إلى الحكم كما كان يقول من قبل؟. وفي المقابل نجده يتبنى الدماء في سورية وليبيا وهو مايخالف تماما ماذهب إليه في حياته الأولى.

خلاصة: يوسف القرضاوي كغيره من الشخصيات العمومية تخضع للأخذ والرد ودائما في جوّ يسوده الأدب والاحترام. ونقد الشخصية يتم عن قراءة كثيرة متعدّدة ومقارنة لتراث المعني وبعيدة عن الشتم واللّعن.

أكرّر وأثبت: بقدر ماقرأت ليوسف القرضاوي وسمعت له عبر سنوات طوال وأعجبت به في صغري وشبابي غير نادم ولا آسف أظلّ في نفس الوقت أتأسف لمواقفه الدموية التي اتّخذها وهو في أرذل العمر وأحرق بها الأبرياء والعباد والأوطان وكذا الدماء التي سالت بسببه راجيا أن يتدارك الأمر ويصحّح مساره الأخير حتّى لايلقى ربّه ويديه ملطّختان بدماء الأبرياء.

نظلّ على العهد غير مغيّرين ولا مبدّلين: ندافع عن يوسف القرضاوي وبقوّة كما دافعنا عنه من قبل حين يتّهم بما ليس فيه ونظلّ ننتقده بنفس القوّة كما ننتقده الآن حين نقف على أخطاء له لم نقف عليها من قبل.  

 

معمر حبار

 

 

ضياء نافعوصل د. خليل عبد العزيز من ستوكهولم الى موسكو في زيارة قصيرة جدا وسريعة كما اعتدنا على هذه (الزيا رات الخاطفات!) من قبل صديقنا العزيز عبد العزيز، الذي يجسّد روح الشباب وتطلعاته وخططه، رغم بيت الشعر العربي الذي ذهب مثلا حول (الثمانين التي احوجت سمع الشاعر الى ترجمان)، ويجب علينا (ان ندقّ على الخشب!) ونقول الحمد لله، اذ ان (شكل د. خليل ومضمونه) لا يخضع بتاتا لبيت الشعر ذاك ولا يحتاج سمعه او ذاكرته ابدا الى ايّ نوع من انواع ال (ترجمان!) . هدف الزيارة الخاطفة هذه للدكتور خليل هو استلام وسام من تجمّع خريجي كلية الصحافة في جامعة موسكو بعد الاحتفال بمرور نصف قرن على التخرّج من تلك الكلية العتيدة (انظر مقالتنا بعنوان - كتاب نصف قرن بالروسية)، ولا اريد التحدث اكثر عن هذا الوسام التكريمي الكبير، الذي استلمه زميلنا عبد العزيز، واترك تلك المهمّة له شخصيا كما وعدنا، واريد هنا ان اتحدث قليلا وباختصار عن مضمون تلك الاحاديث الممتعة والطريفة والمهمة لتاريخنا، التي تزخر بها ذاكرة الدكتور خليل، الرجل ذو الروح الشبابية الحيوية المتدفقة، رغم كل تلك السنوات (العجاف) كما كتب هو عنها في كتابه الشهير – (محطات من حياتي). 

قال لي خليل في بداية اللقاء، وهو يذكّرني بمقالتي الاخيرة عن السائق الداغستاني الذي استشهد برأي رسول حمزاتوف (انظر مقالتنا بعنوان – مع سائق داغستاني في موسكو)، انه قابل حمزاتوف مرّة عند مدير معهد الاستشراق الاكاديمي المشهور غفوروف، وسأله حمزاتوف (هل قرأ كتابه عن داغستان ؟)، فأجابه خليل – (نعم، ولكن بالعربية)، فسأله رأسا – (وهل الترجمة العربية للكتاب جيدة وتعكس للقارئ العربي روحية ذلك الكتاب ؟)، فقال خليل لحمزاتوف – (الترجمة ممتازة، والقراء العرب يتابعون نتاجاته باعجاب وحب.)، فابتسم حمزاتوف وقال له (ساجلب لك في المرة القادمة شيئا يعبق بعطر داغستان)، ونسي خليل كل تلك الحكاية، ولكن حمزاتوف جلب له فعلا في زيارته الثانية لمعهد الاستشراق(بعد فترة طويلة) كيلوغراما من عسل جبال داغستان، وقال له، ان هذا العسل خاص ولا يباع في الاسواق، وان سكان الجبال يجلبونه له خصيصا اعتزازا بمكانته الادبية . وقال خليل لي، انه لحد الان يتذكر طعم ذلك العسل الرائع واللذيذ، رغم مرور اكثر من نصف قرن على تلك الحادثة، وانه تذكر طعم ذلك العسل عندما قرأ اسم حمزاتوف في مقالتي تلك . وجرّنا الحديث عن الشاعر حمزاتوف الى الحديث عن شاعرين من فلسطين هما محمود درويش وسميح القاسم، الذين قابلهما اثناء مسيرة حياته الحافلة، اذ تذكر خليل، كيف ان رئيس تحرير مجلة (أغنيوك) الاسبوعية السوفيتية الشاعر سفرونوف طلب منه مرّة ان يجلس معه في احدى المؤتمرات عندما قدّم سفرونوف لمحمود درويش الترجمة الروسية لمجموعة من قصائدة، والتي أصدرتها مجلة (أغنيوك) ضمن سلسلة الكتيبات الشعرية التي كانت تصدرها بمئة الف نسخة اسبوعيا، وحكى خليل كيف تناول محمود درويش الكتاب وفتحه وأشار الى مقطع في قصيدة وطلب من المترجم الروسي ان يقرأ له ذلك المقطع وان يترجمه له الى العربية رأسا، ففعل المترجم ذلك، وطلب منه ان يترجم له مقطعا آخر، ثم قال لهم – (أنا لم أقل ذلك في قصائدي)، وتوتر الجو طبعا، اذ ان المترجم الروسي لا يستطيع ان يقرأ تلك المقاطع بالروسية ويترجمها رأسا الى العربية كما كتبها درويش نصا وبهذه السرعة، وانتهت تلك (الجلسة الوديّة !) بان نهض محمود درويش وترك المكان، ولم يأخذ معه الكتاب، بل أبقاه امامهم على المنضدة، وقد استاء سفرونوف جدا من هذا التصرّف غير اللائق جدا، وقال لهم ان ذلك يحدث لاول مرة في حياته . أما سميح القاسم، فقد التقى به خليل في برلين اثناء انعقاد احدى المؤتمرات، وذهب دون موعد الى غرفته، بعد ان سمع، ان بعض العراقيين بصقوا في وجهه عندما رأوه وهو يسير مع الوفد الاسرائيلي . فتح القاسم باب غرفته، فقال له خليل، انه عراقي، فأجاب سميح مستفسرا – (هل جئت لتبصق مرة اخرى في وجهي؟)، فاجابه خليل – كلا، بل جئت معتذرا عن ذلك . وحدثني خليل كيف دعاه سميح للدخول الى غرفته، وكيف تحدثا سوية عن تلك الحادثة، اذ اوضح خليل له، ان بعض اعضاء الوفد العراقي(تنرفز) من رؤية العلم الاسرائيلي، فقال له سميح، انه رجع الى غرفته وأجهش بالبكاء، لأنه يحب العراق والعراقيين كما يحب فلسطين والفلسطينيين، وان العلم المرفوع فوق العراقيين لا يرمز الى النظام الدكتاتوري هناك (كان الحادث زمن نظام صدام)، بل الى المكان الجغرافي المحدد، وانه فلسطيني في بلد محتل، وانه يصمد هناك رغم انه مواطن من الدرجة الثانية بسبب هذا الاحتلال، ولكنه لا يترك وطنه، بل يتشبث بارضه هناك، وان هذا هو الموقف الصحيح – من وجهة نظره – الذي يجب ان يقوم به كل فلسطيني.

 الحديث الممتع مع د. خليل عبد العزيز يتشعب دائما، وهذا ما سوف اتناوله في الحلقة الثانية حول هذا اللقاء...

 

أ.د. ضياء نافع

 

محمد السعديمنذ أن بذرت البذرة الأولى لنبتتة الشيوعية في العراق في مطلع العشرينيات من القرن الماضي، وهنا ليس بصدد التأثيرات الخارجية أو الدوافع الذاتية أو العوامل الطبيعية بنمو تلك النبتة على أرض العراق الواسعة الطيبة والخصبة، هنا يعنيني القادة الشيوعيين، الذين تعاقبوا على سكرتارية قيادة الحزب الشيوعي بمراحل تاريخية مختلفة ومهمة . في يوم ٣١ آذار ١٩٣٤ انعقد في بغداد إجتماع تأسيسي حضره شيوعيون من مختلف أنحاء البلد . وأعلنوا توحيد صفوفهم في تنظيم مركزي واحد باسم (لجنة مكافحة الاستعمار والأستثمار) وانتخبت أول لجنة مركزية، وأصبح عاصم فليح أول سكرتير للحزب، بعد أن سبقتها حلقات ماركسية على يد ثلة من الأدباء والمثقفين العراقيين (حسين الرحال .. أمنه الرحال .. محمود أحمد السيد، عوني بكر صدقي، عبدالله جدوع)، أقدم هؤلاء الرواد الأوائل باصدار مجلة (الصحيفة) تصدر مرتين في الشهر تتصدر قضايا البلد العامة والتطورات الحاصلة به تأثراً بسياسة السوفيت ودوي سمعة ثورة أكتوبر، ثم تغير اسم الحزب فيما بعد إلى الحزب الشيوعي العراقي بقرار أتخذته اللجنة المركزية العام ١٩٣٥ .

عاصم فليح … ولد في بغداد ومات بها عام ١٩٧٥، رحل بهدوء تام ويأس قاتل وحتى بدون ذكر ولا كلمة نعي بسيطة بأقصوصة ورق عن سيرته النضالية وقيادته لتنظيمات الحزب الشيوعي العراقي لفترة زمنية صعبة في تاريخ العراق السياسي، أمتدت من أول إجتماع عام للشيوعيين ٣١ آذار ١٩٣٤الى العام ١٩٤١تولى بها يوسف سلمان يوسف (فهد) قيادة تنظيمات الحزب بعد أن عاد من موسكو (جامعة كادحي الشرق الشيوعية) حول أسس التنظيم الحزبي وبناء المنظمات الثورية .

يوسف سلمان يوسف.. ولد في قرية برطلة العام ١٩٠١ لعائلة مسيحية سريانية في محافظة نينوى، وعندما بلغ السابعة من عمر أنتقل مع عائلته الى محافظة البصرة طلباً للعمل ونشأ بها، وباكورة عمله السياسي أنطلقت من محافظة الناصرية، عندما كان يعمل في معمل ثلج تابع لاخيه ومن خلال أطلاعه على ظروف الناس الصعبة ومعاناة العمال وحقوقهم نمى الوعي عنده مبكراً، فوجد طريق الشيوعية خلاصاً لمعاناة هؤلاء البشر .

أعتقل العام ١٩٤٧ وأعدم في ١٤ شباط ١٩٤٩ في بغداد وبأشراف السفير البريطاني في العراق، قاد التنظيم الحزبي عبر منافذ أسوار السجن من خلال الرسائل والبيانات المهربة من السجن الى رفاقه في قيادة التنظيمات . في لجة هذا النشاط السياسي والحراك الثوري تولى قيادة الحزب في الخارج يهودا صديق عكس رغبات فهد في السجن، كان يطمح أن يكون مالك سيف زعيماً للحزب عبر رسالة حزبية هربها من السجن الى التنظيمات الحزبية تضمنت توصية حزبية واضحة حول تشكيلات التنظيم، فقام الرفيق يهودا صديق بخفي الرسالة طمعاً بقيادة تنظيمات الحزب وتولي المسؤولية الاولى ولم يسلمها الى التنظيم ولاحتى الى مالك سيف نفسه ليخبره برغبة فهد بقيادة التنظيم، والذي كان يقود تنظيمات البصرة .

وفي ظروف وزمان أعتقال فهد لم يكن هناك في بغداد قيادياً في الحزب نجا من الاعتقال الا يهودا صديق المولود في بغداد العام ١٩٢٠ ترجع أصوله الى عائلة يهودية، وهو أحد أعضاء اللجنة المركزية، الذي أنتخب في المؤتمر الاول الذي عقد في بيته بجانب الكرخ .

يهودا صديق أنتمى للحزب الشيوعي العراقي بعد أحداث مايس ١٩٤١ وما تركته تلك ألاحداث من مواقف سياسية ووطنية على تداعيات الشارع العراقي . وفي لجة النشاط الوطني المتصاعد شخص وعبر وشاية من أحد الرفاق، مما أضطره أن يختفي عن الانظار، وذهب الى مدينة (شقلاوة)، وسلم مفاتيح التنظيم الى أخيه (حزقيال صديق)، وهو ليس بموقع لجنة مركزية ولا يملك مؤهلات قائد وكادر قيادي .

في عام ١٩٤٨ بعد أن باع نفسه الشيوعي عبد الوهاب عبد الرزاق كمخبر سري للشرطة قادهم الى الوكر الحزبي في محلة (الهيتاويين) وتم ألقاء القبض على قادة الحزب المختبئين مالك سيف ويهودا صديق، وضعفوا في التحقيق وتعاونوا مع أجهزة الشرطة السرية في كشف محطات التنظيم في عموم العراق مما أعيد محاكمة قادة الحزب فهد وحازم وصارم، وحكموا بالاعدام . في غمرة تلك الاحداث وما تعرض له التنظيم من أنتكاسات كبيرة برز شاب ثوري في تصدر تنظيمات الحزب (ساسون شلومو دلال) وعمره ٢٠ عاماً وهو من يهود العراق . وتبنى سياسة شديدة جداً تجاه النظام السياسي القائم، مما أثار غضب السلطات تجاه الشيوعيين في الملاحقة والاعتقال ولم ينجوا منها الشاب الشيوعي الثوري المتحمس في النضال تجاه قبضة السلطة، كان من المعجبين بشخصية فهد ومواجهته للموت من أجل الشيوعية . أعتقل وواجهه الموت بشجاعة متناهية .

فكتب رسالة الى أخيه ليلة أعدامه قائلاً فيها ….

رسالة ساسون دلال الى اخيه ليلة اعدامه :

" أخي العزيز

أنها أمسية ساحرة. الريح تهب باطراد طوال اليوم لكنها هدأت بحلول الظلام فلا ضجة في الهواء. يبدو أن العالم نام بسرعة. انا لا استطيع النوم ومن الصعب النوم مع معرفة انني سأموت فجر الغد . منذ أن تم اعتقالي من وقت طويل، وأنا أريد أن أكتب إليكم. لم أكن متأكدا مما سأقوله. كنت مرتبكا وخائفا. لم أكن متأكدا ان كنت ستتعاطف مع نشاطاتي وافكاري، الأفكار التي يمكن فقط ان تثبت انها صالحة عندما تكون حياتنا في أمس الحاجة إليها. لم أكن متأكدا أن الحياة الأكاديمية التي عشتها انت في أمريكا من شأنها أن تجعلك ترى بموضوعية عدالة وصحة قضيتنا. الليلة مع علمي أن غدا سيكون الفجرالمقبل هو ليلتي الابدية قررت ان أكتب إليكم عن الأفكار والآراء التي تعج في ذهني الآن لقد اخذت موجة من الرعب البلاد والالاف من الناس يجري اعتقالهم ويتعرضون للتعذيب ويتم واعدامهم،. أنا لست الوحيد الذي سأموت غدا هناك عشرة آخرين معي .

بعد أعدام ساسون دلال تولى قيادة الحزب حميد عثمان، الذي كان مسؤول تنظيمات مدينة سليمانية، ولم تدوم قيادته لحزب الشيوعيين الا ثلاثة شهور، حيث تعرض للاعتقال عبر الاندساسات داخل صفوف التنظيمات الحزبية . ألتحق الشاب القروي بهاء الدين نوري أبن رجل الدين ذو الشأن الاجتماعي والعشائري والديني وسط أبناء قريته (التكية) على تلال مدينة قرداغ الى بغداد ليصبح السكرتير الأول للحزب الشيوعي . وقد زرت تلك القرية في نهاية ١٩٨٧ عندما كنت مقاتلاً في الجبل حلت ضيفاً على بهاء الدين نوري (أبو سلام) رغم الحذر الحزبي من الاتصال به، ووقفت على سفح تلك القرية اتأمل (قرية على سفح جيل)، وقصة الشاب بهاء أبن تلك القرية البائسة المتخلفة وقدرته في أدارة قيادة الشيوعيين في العاصمة بغداد . بعد ثلاثة أعوام من العواصف السياسية والقرارات الحزبية والتي أمتازت نوع عما بالفردية والتسلط أعتقل في بيت حزبي مع عدة رفاق وأعترف بانتمائه الشيوعي وحكم عليه يالسجن . تولى بعده كريم أحمد قيادة التنظيم قادماً من مدينة أربيل وبعد فترة زمنية هرب من سجن بعقوبة حميد عثمان بمساعدة التنظيم وفرض نفسه سكرتيراً للحزب وأعطى الاولويه له بمعاونة عدد من الرفاق مما أربك وضع الحزب التنظيمي والسياسي وسادت حالات تشظي أنتهت بقيادة أحمد حسين الرضي (سلام عادل) سكرتيراً للحزب العام ١٩٥٥ .

قاد تنظيمات الحزب الى أخر يوم من أستشهاده بعد أن أعتقل من قبل أنقلابي ٨ شباط ١٩٦٣ يوم ١٩ شباط وأستشهد يوم ٢٣ شباط ١٩٦٣ .

أن أهم مايميز قيادة سلام عادل للحزب الشيوعي العراقي هو إيمانه بوحدة الشيوعيين يضاف الى إستشهاده البطولي . تسلم سلام عادل قيادة الحزب في حزيران ١٩٥٥ بعد أن عزل من قيادته السكرتير السابق حميد عثمان وهروبه الى كردستان وأنضمامه الى الحزب الكردستاني . بعد أن أخذ الشهيد سلام عادل على عاتقة مهمة جمع ولم شمل رفاق الحزب حين قال (عزل أي رفيق من الحزب بمثابة قلع شعرة من عيوني)، وعلى هذا الأساس تحرك وعمل من آجل وحدة الشيوعيين على مباديء الحوار والرأي المختلف والحرص المتبادل أنطلاقاً من جماهيرته الواسعة داخل تنظيمات الحزب لدوره الوطني والتنظيمي المشهود له قبل تسلم قيادته لتنظيمات الحزب وتحديه الشجاع لاساليب السلطة وسجونها .

ومن أهم المفاصل الحزبية التي واجهته في بداية تسلمه قيادة الحزب وحسب ما ذكر الدكتور عبد الحسين شعبان في كتابه حول سلام عادل موضوعة الانشقاقات وفي مقدمتها (راية الشغيلة)، والتي تبناها عزيز محمد، جمال الحيدري، نافع يونس، وقد وصفتها جريدة القاعدة في حينها بأنها زمرة بلاطية (نسبة الى البلاط الملكي)، وإنها انحطت في المستنقع والقاذورات اليمينية، متهمة إياها بالانتهازية وغالباً ما تصدر مثل هذه الاتهامات في المنعطفات التي تشهد انقسامات وصراعات داخل الحزب، لكنه سرعان ما يطويها الزمن بفعل بعض التسويات والاتفاقات .

أما ’’ منظمة وحدة الشيوعيين ” فكانت برئاسة عزيز شريف وعبد الرحيم شريف التي أسهم عامر عبدالله بحكم صلته الوطيده معهما في إقناعهما بحل المنظمة والالتحاق بالحزب . كما أنضمت كتلة داود الصائغ (رابطة الشيوعيين) لاحقاً الى صفوف الحزب . ويمكنني القول هنا الاشادة بدينامكية وقدرة المناضل سلام عادل في أستيعاب الصراعات الحزبية والأراء المختلفة وأحتوائها لمصلحة الحزب والوطن . كان لجماعة داود الصائغ وجريدته المبدأ خط سياسي ضد سياسة الحزب بل النيل من قدرات الحزب وتهميش دوره في عملية التغير، فبعث مجموعة من الشيوعيين في العمل في جريدة المبدأ كمحررين وصحفيين وعاملين ضمن الجهاز الحزبي بأتجاه أدارة الوضع السياسي نحو وحدة الشيوعيين، وهذا فعلاً ما تحقق لاحقاً .

 

تركت مجزرة شباط تداعيات خطيرة على مسيرة الحزب وبنائه التنظيمي وأربكت وضعه السياسي من هول الضربة الماحقة التي أطاحت بأغلبية تنظيمات وكوادر الحزب، حيث تحطمت بالكامل في العاصمة بغداد وظلت تنظيمات وتجمعات ضعيفة في أقيلم كردستان ومنطقة الفرات الاوسط ومقطوعة عن المركز لفترة ليس قليلة . وبقيت تنظيمات الحزب بدون قيادة ومركز وسكرتير الى العام ١٩٦٤، عندما بدأ الوضع السياسي في العراق بتجه نحو الهدوء والتفاهم مع الطرف الأخر في السلطة . رشح لقيادة الحزب شخصان نجا من الاعتقال والموت عزيز محمد وعبد السلام الناصري (أنور مصطفى)، ورغم أن الأول رفض ترشيحه أدراكاً منه بضعف أمكانياته الفكرية ومؤهلاته القيادية، لكن كانت ورقته هي الراجحة لرغبة سوفتية تماشياً مع الوضع السياسي العالمي نحو المساومات وبما يمتاز به عزيز محمد من تسووية وتوفيقية وأرضاء الخواطر على مصالح المباديء والعمل الثوري، فاصبح عزيز محمد سكرتير للحزب من العام ١٩٦٤ الى أيام المؤتمر الخامس ١٩٩٣، حقبة تاريخية مهمة تعرض خلالها الحزب الى ردة فكرية ووطنية وضعف في مواجهة الانعطافات كحزب ثوري .

في المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي العراقي العام ١٩٩٣ أصبح حميد مجيد موسى سكرتيراً للجنة المركزية للحزب وفي فترة عصيبة من تاريخ العراق وتهديد كيانه أي نسفه من خلال جريمة الحصار والأطاحة به مرحلة يتوجب على الوطنيين بها دراستها وأستخلاص دروسها .

في المؤتمر العاشر في العاصمة بغداد العام ٢٠١٦ ترأس رائد فهمي سكرتارية اللجنة المركزية للحزب فدشن تاريخه بسابقه خطيرة من التحالفات الخطيرة مع قوى مظلمة وطائفية وخطيرة في تاريخ العراق السياسي الحديث وأدخله في نفق مظلم .

 

محمد السعدي - مالمو

 

 

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأنه قلما يحظي مؤرخ الأفكار والباحث الأكاديمي المحقق المختص بأحد فروع الفلسفة ومشكلاتها وتاريخها بما يناله من أصحاب المشاريع الفكرية التي ملأت الساحة الثقافية العربية بإعادة النظر في التراث وفق أحدث تيارات ومناهج الفلسفة الغربية الحديثة والمعاصرة. فالأول ينصب اهتمامه الأساسي بالعقل في التاريخ، وما صدر عنه من اجتهادات في صراعه مع القوي المعارضة له، والثاني تنصب نظرته علي الواقع الاجتماعي والسياسي المعاش ومشكلاته، وكيفية التعامل معها انطلاقا من التراث الفكري التاريخي والأفكار الحديثة ؛ إلا أننا ( كما يقول د. أحمد عبد الحليم في مقال له بعنوان حسام الدين الآلوسي المنهج والرؤية): " نشهد في الواقع عدد من الأساتذة الاكاديميين الجاديين يقدمون لنا رؤي ومناهج من واقع خبراتهم للعديد من القضايا التي لا يستطيع المفكر والإنسان العربي المعاصر أن يغض الطرف عنها وفي مقدمتها: العقلانية، والحرية وإعادة النظر في التاريخ والواقع والمفاهيم اللامحدود التي تمتلأ بها الثقافة العربية والفكر العربي المعاصر": ومن هذا النوع نذكر حسام الدين الآلوسي الذي أكتب عنه هذه السطور.

يعد الفيلسوف حسام محي الدين الآلوسي (1936 – 2013) من أبرز المفكرين العراقيين المعاصرين، الذين قدموا لنا منهج عقلاني تكاملي متفتح ورؤية فلسفية ملتزمة: تؤكد التسامح، والحوار، والتعددية، وتفسح المجال للآخر، وهي رؤية ( كما أكد د. أحمد عبد الحليم في مقاله السالف الذكر) بين تاريخية ونسبية المفاهيم وإطلاقية الحقيقة، والتي يسميها " النسبية والإطلاقية" سواء في مجال المعرفة أو الأخلاق أو القيم .

ويظهر هذا في كتاباته المختلفة وفي حواراته المتعددة، والتي تؤكد لنا بحق أنه مفكر رصين، قوي الروح، سديد الرأي، عميق الفكر، واسع الثقافة والمعرفة، وهو من أصحاب الاتجاه الماركسي وفلسفة العلم، وأحد أعمدة وأركان الفكر العراقي، الذي عرفته المنتديات الفكرية، وكان له باع طويلة في ميادين وحقول الفكر النقدي والحراك الفلسفي.

كما يعد الدكتور الآلوسي أحد أساطين العقلانية المنفتحة، الذين لم يتخلوا عن ثقتهم بالعقل، وعن التشديد على ضرورة سيادة الحوار العقلاني في حل الإشكاليات العالقة، على الرغم من الأزمات التي عصفت بالتفكير الفلسفي والعلمي وبالقيم الثقافية والأخلاقية في زمانه، فهو أحد أبرز المفكرين العراقيين المعاصرين القلائل الذين تتميز بحوثهم بالسمة الموسوعية، فلا نجد ميداناً من ميادين النشاط العقلي لم يسهم فيه هذا المفكر. انشغل واهتم بدراسة الفكر الإسلامي بشقيه الفلسفي واللغوي، واهتم بمعالجة قضاياه بمنظور عقلاني مسترشداً بالمنهج الجدلي التاريخي الاجتماعي.

هو بشهادة الكثيرين يمثل أحد أعمدة الفلسفة في العالم العربي الذي تشهد له جامعات العراق ومعاهده ومراكزه العلمية، على طول باعه في ميدان الحراك الفلسفي والفكر النقدي، خلال العقود الأخيرة من عصرنا الراهن، فهو الفلسفة في العراق ؛ حيث ينتمي لجيل فلسفي ضمّ أسماءً جادة قليلة: يُذكر معه، من بين من يُذكر، الراحلون الدكتور ياسين خليل، والدكتور كامل مصطفى الشيبي، والدكتور عرفان عبد الحميد. مارس الفلسفةَ تدريساً أزيد من خمسة عقود، في العراق وفي جامعات عربية مختلفة، فتتلمذ على يديه العديد من الطلبة. لم تنتج، ولم تشهد، الأكاديميةُ الفلسفية في العراق باحثين فلسفيين متميزين كثيرين.

ولد الدكتور حسام الدين محيي عبد الحميد الآلوسي عام 1936 في مدينة تكريت مركز محافظة صلاح الدين، وأكمل دراسته الابتدائية والثانوية في هذه المدينة لينتقل بعدها الى العاصمة بغداد لإكمال دراسته الجامعية؛ إذ درس في جامعة بغداد، كلية الآداب- قسم الفلسفة وتخرج منها. وفي عام 1961 سافر الآلوسي ببعثة على نفقة الدولة إلى بريطانيا لإكمال دراسته العليا؛ حيث دخل جامعة كمبرج وحصل على شهادة الدكتوراه عام 1965 عن أطروحته (مشكلة الخلق في الفكر الاسلامي)، وبعد عودته الى العراق عمل أستاذا في قسم الفلسفة جامعة بغداد وترأس القسم في أوقات متفرقة. كما عمل الدكتور الآلوسي أستاذا للفلسفة في جامعات ليبيا، الكويت، صنعاء، وعمل مستشاراً للعديد من المجلات العلمية في العراق، وفي العديد من البلدان العربية، وفي السابع من تشرين الأول/ أكتوبر في عام 2013 انتقل إلي رحمة الله.

وفي سيرته العلمية نقرأ أنه: عمل أستاذاً في قسم الفلسفة جامعة بغداد منذ عام 1968 وترأس القسم في أوقات متفرقة، وهو عضو الهيئة الإدارية لجمعية العراق الفلسفية، والمسؤول عن الجانب العلمي والإنتاج العلمي في الجمعية، ونائب رئيس الجمعية الفلسفية العربية التي مقرها الأردن، وعضو مشارك في الجمعية المصرية الفلسفية، ورئيس قسم الدراسات الفلسفية في بيت الحكمة منذ 2006. كما أشرف على العديد من طلبة الدراسات العليا، الماجستير والدكتوراه، خلال مسيرته التدريسية، وعمل مستشاراً لمجلة دراسات معاصرة في كندا، كما عمل مستشارا لمجلة أوراق فلسفية التي تصدرها جماعة أوراق فلسفية جامعة القاهرة

والدكتور الآلوسي أحد المفكرين العراقيين المعاصرين القلائل الذين تتميز بحوثهم بالسمة الموسوعية، فلا نجد ميداناً من ميادين النشاط العقلي لم يسهم فيه هذا المفكر، ونشير هنا إلى كتبه الرئيسة: ": كتاب حوار بين الفلاسفة والمتكلمين، وكتاب مشكلة الخلق في الفكر الاسلامي باللغة الإنجليزية، وكتاب الأسرار الخفية في العلوم العقلية- تحقيق ودراسة، وكتاب من الميثولوجيا إلى الفلسفة أو بواكير الفلسفة قبل طاليس، وكتاب الزمان في الفكر الديني والفلسفي القديم، وكتاب دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي، وكتاب فلسفة الكندي وأراء القدامى والمحدثين فيه، وكتاب التطور والنسبية في الأخلاق، الفلسفة والإنسان، وكتاب الفلسفة اليونانية قبل أرسطو، وكتاب مبادئ علم الاجتماع والفلسفة، وكتاب مدخل الى الفلسفة، حول العقل والعقلانية، وكتاب الزمان في الفكر الديني والفلسفي وفلسفة العلم ؛ وكتاب تقييم العقل العربي ودوره من خلال نقاده ومنتقديه، وكتاب أزلية العالم ودور الإله عند ابن رشد (دراسة نقدية معاصرة).

كما نشر الآلوسي مجموعة من الأبحاث في المجلات العلمية العراقية والعربية من بينها: «البنية والعلاقة» (المجلة الفلسفية العربية، الأردن، شتاء 1990) «الفلسفة والعلوم الأخرى» (ضمن كتاب سلسلة المائدة المستديرة، بيت الحكمة، آذار 1998) «الأنسنة عند ابن رشد» (مجلة مقابسات البغدادية، العدد الأول 2005). كما قام بتحقيق بعض النصوص الفلسفية، مثل كتاب «الأسرار الخفية في العلوم العقلية»، للعلاّمة ابن المطهر الحلي، وذلك بمشاركة مع الدكتور صالح مهدي الهاشم.

وإلى جانب كونه مفكراً كان الآلوسي شاعراً يمتلك شعرية خصبة ؛ خاصة وله في هذا المجال ديوان شعري يحمل اسم " زمن البوح "، الذي قال عنه: " إن هذا الديوان يحمل غربة عن الزمن،،وعن الآخرين، وعن تراثي، وأنا ليس كما يراني الناس منتظماً، فأنا أعرف أنني ربما ضللت الطريق، وحين تجدوني وحدي، فأنا كذلك في الديوان وفي سلوكي، حيث إنكم ستجدون في القصائد إنساناً يتكلم بعقله في بيت شعر ما، وفي بيت آخر يتحدث بقلبه " .

وكانت للدكتور الآلوسي مطارحات مع كبار أساتذة الفلسفة في الوطن العربي من أمثال الدكتور حسن حنفي في كتابه تجديد علم الكلام، والدكتور محمد عابد الجابري في كتابه بنية العقل العربي وغيرها من الكتب، والدكتور صادق جلال العظم في كتابه نقد الفكر الديني، والدكتور حسين مروة صاحب كتاب النزعات المادية في الفلسفة العربية، والدكتور طيب تيزيني صاحب كتاب مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط، وغيرهم من الكتّاب العرب الذين يشغلون الساحة الفلسفية والفكرية العربية بنتاجاتهم وكتبهم القيمة .

فمن بين ما تناوله بالبحث والتحليل دور الفلسفة راهناً من خلال طغيان ( العلم ) وتبوؤه مركز الصدارة بتزايد، منذ عصر النهضة وإلى اليوم، في معالجة ظاهر الطبيعة والكون والإنسان، في مقابل تضاؤل الفلسفة ومكانتها حتى وقت قريب، فكان الهدف عند الآلوسي في تناوله لموضوع تكامل الفلسفة والعلم لا تضادهما هو التأكيد أن الفلسفة والعلم يؤديان مهمة تكاملية متضادة. الفلسفة كما يراها الآلوسي ترينا أي نوع من العالم أو الكون هذا الذي نعيشه ونتقلب، ولهذا يشبهها بقائد الجيش أو قائد الاوركسترا، فالفلسفة هي مركب من نتائج العلوم، لها حقول عدة وليس حقً واحدا كما يقول الفيلسوف الآلوسي، إنها وراء كل الحقول إليها، وربما أن يدخل أبداً، ومع ذلك فالإنسان محتاج لأن يرسم حدودها ويدخلها بدجون يقين العلم .

ولذلك يدور المشروع الفلسفي للدكتور حسام الآلوسي حول معالجة قضايا الفكر الإسلامي انطلاقاً من منظور عقلاني حداثي، وباستخدام المنهج الجدلي التاريخي الاجتماعي، ويهدف من ذلك إلى تصحيح نظرتنا للتراث الفكري والفلسفي الإسلامي. وبالتالي يعتبر مشروع الدكتور الآلوسي مشروعاً نقدياً، يحاول أن يمهد الطريق نحو ظهور فلسفة أصيلة وجديدة عربية معاصرة. ذلك أن تصحيح نظرتنا إلى التراث، انطلاقاً من فكرنا المعاصر، يؤدي تلقائيا إلى زيادة حرية الفكر، وبالتالي ظهور أفكار إبداعية جديدة، ويذكر الراحل فيما يخص القضية الجوهرية في فكره في كتابه (تجربتي الفلسفية)، قوله: مجال الفكر الفلسفي العربي والإسلامي: هذا هو ميداني الخاص... بالنسبة لكتاب دراسات في الفلسفة الإسلامية فهو مجموعة بحوث. وكل منها يفتح نتائج جديدة ويؤشر مسارات ويصحح أحكاما ويصح ذلك على بحثنا فيه عن الغزالي مشكلة وحل وبحثنا نظرية الفيض للفارابي بمنظور معاصر نقدي، وكذلك بحثنا فيه عن تقسيم العلوم ونشأة الفكر العربي الإسلامي... كل كتبي ليست تاريخاً للفلسفة، بعضها فيها تاريخ، ولكن ليس للتاريخ، بل للوصول إلى أهداف أخرى.

وقد تأسس مشروع الآلوسي الفلسفي على معالجة قضايا الفكر الإسلامي انطلاقاً من منظور عقلاني حداثي، واستند إلى المنهج الجدلي التاريخي الاجتماعي، وقد حدد منهجه من خلال الخطوات الآتية: أولاً، دراسة المعلومة بحسب منهجية تقوم على ربط النص أو الموضوع بالأساس الاجتماعي والمطروح العلمي والتراكم المعرفي؛ ثانياً، الالتفات إلى الكل أو البنية عند دراسة الجزء أو النظرية للشخص أو النص؛ ثالثاً، الحذر من التعامل التجزيئي؛ رابعاً، الابتعاد عن الأسلوب الانتقائي من التراث المدروس أو الفكر المدروس والمقصود هنا ليس الفيلسوف الواحد بل المنظورات الفلسفية السائدة في زمان ومكان ما؛ خامساً، الجدلية، وهذا واضح في سياقات نظرتنا إلى تراثنا الفلسفي الفكري؛ سادساً، التكاملية، وبعض عناصرها الاستعانة بكل العلوم؛ سابعاً، التواصل، ضد الشوفينية مثل أكذوبة المعجزة اليونانية أو المغالاة في عقلنة الفلاسفة اليونان. (حسام الآلوسي، تجربتي الفلسفية، جريدة الأديب، السنة الثانية، العدد 75، 8 حزيران 2005).

كما يُعد كتابه «حوار بين الفلاسفة والمتكلمين» أول بداية فلسفية محكمة في اللغة العربية للمفكر العراقي بمعناه الموسوعي، وقد صدر نهاية الستينيات من القرن العشرين. عالج فيه موضوعات الفلسفة الإلهية والميتافيزيقية في واحدة من أعمق المشكلات الفلسفية في تاريخ الفلسفة إلى اليوم، فعرض فيه لآراء الفلاسفة واللاهوتيين، لا سيما آراء أرسطو والمدرسة الفيضية الإسلامية وموقف المتكلمين من مشكلة الوجود ونقد الغزالي للفلاسفة وردود ابن رشد. (حسن مجيد العبيدي، شيخ فلاسفة العراق المعاصرين وعميدهم حسام الآلوسي، موقع كتابات).

نادى حسام الآلوسي بالعلاقة التواصلية أو «التواصل الفلسفي» بين الفكرين الإسلامي والغربي التي ضمنها في كتابه «الزمان في الفكر الديني والفلسفي وفلسفة العلم»، كما آمن بمفهوم التقدم «الخطي» للإنسانية، وعارض مقولة المركزية الأوروبية، وأن الفكر الإسلامي لم ينطو على فكر فلسفي أصيل، وأن قيمته تتركز في حفظه للفلسفة اليونانية في العصر الوسيط؛ ثم رأى أن كلا من الفكر الغربي الحديث والفكر المسيحي الوسيط أخذ الكثير من التصورات الفلسفية عن الفلسفة الإسلامية، خصوصاً في قضية الزمان وأدلة وجود الله وقدم العالم.

أما المرجعيات التي استقى منها الآلوسي ملامح منهجه هذا وحدد منطقه وتطبيقاته على الفكر الفلسفي بعامة والإسلامي بخاصة، فهي مؤلفات في الفلسفة الماركسية من أمثال كيللي وكوفالزون في المادية التاريخية والمادية الديالكتيكية، وكورنفورث، العلم ضد المثالية، ويوفتشول، موجز تاريخ الفلسفة، وبيوري، حرية الفكر، وجون لويس، المدخل إلى الفلسفة، وفرديريك انجلز، الاشتراكية الطوبوية والاشتراكية العلمية، وغيرها. مما يعني أن الفيلسوف الآلوسي كان قد تبنى مصادر المنهج المادي التاريخي الجدلي الكلاسيكية، مع تطوير قام به نفسه على هذا المنهج عَبَر به إلى حقل الفلسفة العربية الإسلامية بامتياز، ونجح في ذلك، أيما نجاح، في دراساته الفلسفية المتنوعة التي تدل على موسوعية يندر وجودها في أيامنا هذه وفي تخصص الفلسفة اليوم.

والآلوسي يذكرك بموسوعية أفلاطون وأرسطو والفارابي وابن سينا وابن رشد وكانت وهيجل ورسل على اختلاف فلسفاتهم ومنطقهم، ورؤاهم المعرفية والقيمية، حتى عدّه زميله الدكتور عبد الستار الراوي من أصحاب المشاريع الفلسفية، وأطلق على مشروعه العقلانية التكاملية، قائلاً: أن الفلسفة لدى الآلوسي، تنأى عن التجاوزية الهائمة في سحابة الفكر والعوالم المجردة، وبذات القدر فإنها تدحض بيانات المادية الهابطة، وتظهر سذاجتها ازاء الكون والإنسان، إنها محاولة لتعقل الأشياء لرؤيته، لا تقف عند المظاهر الخارجية والسطوح المكشوفة، ولا يدع الآلوسي الفلسفة في إطار التعريف والتوصيف، وإنما يضفي إيقاعاً ثورياً متجاوزاً مع الصدى الأيديولوجي القديم، مردداً مع ماركس (الفلسفة ليس وصف الواقع بل تغييره)، يراجع، كتاب الفكر الفلسفي العربي المعاصر، بيت الحكمة، بغداد 1999.

وعدّه الدكتور علي حسين الجابري من فلاسفة الجيل الثالث الذي درسوا الفلسفة في العراق في النصف الثاني من عقد الستينيات من القرن المنصرم، في بحثه المشهد الفلسفي الأكاديمي العراقي في القرن العشرين، منشور في كتاب الفلسفة في الوطن العربي في مائة عام، بيروت 2002.

ولكن، يبقى الآلوسي قامة فلسفية عراقية عربية بامتياز في القرن العشرين وبداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، قل نظيرها.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد علييعد الأستاذ الدكتور "محمد محمد مدين" من أكثر المتخصصين الذين اهتموا بالفلسفة التحليلية المعاصرة في مصر، وناقش قضاياها وأطروحاتها المختلفة، حيث بذل جهداً كبيراً في كتابة الكثير من الدراسات والأبحاث الأكاديمية حولها، له منهجية متميزة في توضيح معالمها وأركانها، فهو واحداً من المفكرين المصريين الذين اغترفوا من جورج إدوارد مور، وارتشف جون ديوي، ونهل ألفريد يونج، وشرب ديفيد هيوم، وارتوي والتر ستيس حتي أصبح رائداً من رواد الفلسفة التحليلية في مصر والعالم العربي، ورائداً للقضايا المتخصصة في التصورات الميتأ أخلاقية، وأحد المفكرين المصرين الذين لهم باع طويل في الكتابة عن نظرية القيمة والكتابة عن الحركة التحليلية في الفكر الفلسفي المعاصر، وقد وصفه " تلميذه الدكتور "سعيد علي عبيد" (في دراسة له عن منطق التصورات الأخلاقية في الدراسات العربية " محمد محمد مدين أنموذجا) بأنه : "إذا كان بالمر Palmer أحد أساتذة جورج سانتيانا في هارفارد يقول عن أستاذه (سانتيانا) أنه يحتفظ بهيوم داخل عظامه، وبصورة أخص يمثل الدكتور مدين الحدسية الأخلاقية وتوجهاتها الميتا أخلاقية في الدراسات العربية" .

كما وصفه أيضا ً "د. السيد علي عبد الفتاح جاب الله" بأنه" أحد أبرز رواد الفكر التحليلي علي الصعيد العربي في الوقت الراهن، فالقارئ لكتاباته ودراساته الأخلاقية لا يجده مجرد عارض موضوعي لفكر الآخرين، بل يجده محللاً وناقداً قوياً من نقاد الفكر الفلسفي المثالي (وذلك في دراسة له عن: مدين" محمد" المنهج التحليلي في الدراسات الأخلاقية).

لقد أكد محمد مدين أن النقد هو روح الفلسفة وقلبها النابض، وهو الباعث الأساسي لتحولاتها المتتابعة منذ نشأتها العقلية والمنهجية الأولى عند الإغريق حتى صورها وأشكالها المختلفة عند المحدثين والمعاصرين، فقرر أنه لا يمكن أن يكون هناك مفكر أصيل بدون موقف نقدي، فالموقف النقدي هو بمثابة نقطة الانطلاق، كما أنّه ليس ثمة معرفة مقبولة إلا بعد بحث وفحص وتمحيص، فالنظرة النقدية تكون الحافز والدافع للباحث لسبر غور موضوعه، ولولا النظرة النقدية للظواهر الكونية ولفكر السابقين لما وجد لدى الباحثين والعلماء والمفكرين موضوعات للبحث والدراسة، ولأصبح الإنسان تابعاً لا مبدعاً، مقلداً لا مجدداً، وبدون هذه النظرة أيضاً تموت روح الابتكار والإبداع.

ولد الدكتور محمد محمد مدين في محافظة الدقهلية (في دلتا مصر) في الثالث من شهر يناير لسنة 1947م، حيث التحق بكلية الآداب – جامعة القاهرة، وحصل علي ليسانس بتقدير جيد جدا مع مرتبة الشرف، وعين معيدا بقسم الفلسفة سنة 1969م وسجل درجة الماجستير في موضوع بعنوان فلسفة القيم عند جون ديوي تحت إشراف د. يحي هويدي سمة 1976م بتقدير ممتاز، والدكتوراه في موضوع بعنوان النظرية الأخلاقية عند جورج مور تحت إشراف د. أميرة حلمي مطر سنة 1983 بتقدير مرتبة الشرف الأولي، ثم تدرج في سلك التدريس بجامعة القاهرة حتي حصل علي درجة الأستاذية عام 2003م وأعير للتدريس بجامعة السلطان قابوس بعُمان من 1987- 1991م، ثم استاذا زائراً بجامعة الإمارات العربية المتحدة في سنة 1992، وترأس قسم الفلسفة بآداب القاهرة سنة 2003م، كما تولي الإشراف علي قسم الفلسفة والاجتماع بكلية التربية جامعة الفيوم، وكذلك الإشراف علي قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة الفيوم (فرع جامعة القاهرة سابقاً)، والآن يترأس قسم التفكير العلمي بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.

ومن مؤلفاته : كتاب جورج إدوارد مور: بحث في منطق التصورات الأخلاقية، وكتاب الحدس الخلقي: الإطار النظري والمنهجي، وكتاب الحركة التحليلية في الفكر الفلسفي المعاصر "دراسة في مشكلة المعني، وكتاب الحدس الخلقي "مقال في المنهج الأخلاقي"، وكتاب منطق البحث "دراسة في منطق الفيلسوف الأمريكي جون ديوي "، وكتاب فلسفة هيوم الأخلاقية، وكتاب ألفريد يونج : دراسة في منطق النقد الأخلاقي، وكتاب مقدمة في الفلسفة العامة، وكتاب دراسات في النظرية الأخلاقية الحديثة، وكتاب الاكسيولوجيا في الفكر الفلسفي المعاصر، وكتاب نظرية القيمة عند ديفيد هيوم "بحث في إعادة بناء رسالة في الطبيعة البشرية "، وكتاب التوجهات الميتا أخلاقية للنظرية المعيارية، وكتاب النظرية الطبيعية في الفن، وكتاب التعادلية في القيمة، وكتاب المنهج التحليلي في برنكيبيا مور، وكتاب النظرية الأخلاقية عند برتراندرسل .

كما له عدة دراسات منشورة في المجلات العلمية، ونذكر منها : دراسة بعنوان : نقد الخطاب الوضعي في خرافة الميتافيزيقيا "دراسة في وضعية زكي نجيب محمود "، ودراسة عن " الواقعية في فكر يحيي هويدي "، ودراسة عن "قراءة في فكر محمد مهران التحليلي، دراسة عن الاستخدام السياسي للغة الدينية منشورة ضمن أبحاث في مؤتمرات علمية للجمعية الفلسفية المصرية والعربية، وبحث بعنوان نظرية السببية عند ديفيد هيوم "قراءة لغوية تحليلية " منشورة ضمن الجمعية الفلسفية، ودراسة بعنوان الإرهاب "دراسة مفهومية" ضمن منشورات الجمعية الفلسفية "، ودراستان عن الحركة التحليلية، والمنهج التحليلي ضمن الموسوعة الفلسفية التي أشرف عليها الدكتور معن زيادة.

كما أن له العديد من الترجمات، ومن أبرزها : ترجمته وتقديمه لكتاب مشكلة القيم في فلسفة هارتمان ولويس تأليف، وترجمة كتاب " حل المشكلات اليومية بالمنهج العلمي: كيف نفكر مثل العالم "تأليف ماك دون (وأخرين)، وترجمة كتاب عن " النزعة الإنسانية، وكذلك ترجمته لكتاب " الفلسفة  الفرنسية في القرن العشرين ... وغيرها.

وقد أسهم الدكتور محمد مدين  بعضويته في كثير من المؤسسات العلمية، ومراكز البحث العلمي العالمية، وألقي العديد في بحوث في مؤتمرات وندوات محلية ودولية، منها أبحاث في متخصصة نشرت في دول عربية، كما حاضر عن فلسفة التحليلية والفكر الغربي المعاصر في جامعتي السلطان قابوس بعمان والإمارات العربية المتحدة.

وقد اتسم إنتاج محمد مدين بالغزارة، وعمق الفكر، ووضوح اللغة وبساطتها؛ فمؤلفاته تجعل الفلسفة قريبة إلي أذهان ومشاعر المثقف المصري والعربي،وجمع أسلوبه في الكتابة بين الأسلوب المباشر والعميق في ذات الوقت، وهو ما يمكن تسميته بالسهل الممتنع في الكتابة الفلسفية والعلمية. واتسمت كتاباته الفلسفية بالصياغة الإشكالية للموضوع فمن يقرأ له يعيش في إشكالية الموضوع،وأسئلته المختلفة المركزة واتسم أسلوبه أيضا بالتماسك فهناك ترابط ونسقية محكمة بين أجزاء الموضوع وهو لا يميل إلى المقدمات المطولة التي تصيب القارئ بالملل والضجر (كما قال الدكتور ناصر هاشم في دراسة له عن الفلسفة التحليلية في الدراسات العربية " محمد محمد مدين أنموذجا).

جمع مدين بين الأفق الفلسفي الواسع، والرؤية العلمية المحددة، والبعد الديني وهنا يتضح عدم تعصبه لمذهب بعينه من المذاهب الفلسفية المعاصرة،فلم يكن وضعياً ولا برجماتياً ولا وجودياً،ولا متمذهبا بأي حال من الأحوال فموضوعتيه غلبت عليه فى كل أحكامه،وأراءه وعندما يوجه سهام نقده لأى من هذه المذاهب فهو لا ينكرها أو يريد هدمها أو نقضها، إنما يطالب بإعادة النظر إليها لاشتمالها علي نقائض وعيوب، كما يهتم بصياغة المصطلح صياغة فلسفية، وعلمية دقيقة ويظهر التفرقة الواضحة بين الصياغتين، وهو ما نراه في تفسيره لموقف والتر ستيس من مصطلح المعطيات الحسية – ومصطلح الصورة ومصطلح التصور، ومصطلح العالم؛ فنراه يتفق مع رسل فى أن المعطيات الحسية هي المفردات الأساسية، وأن الموضوعات الفيزيائية هى دالات لمعطيات حسية، وأنها بناءات منطقية من معطيات حسية يمكن أن تنحل إليها، وهو ما يمكن تسميته ميتافيزيقا الذرية المنطقية، وان هذه المعطيات الحسية موضوعية وليست ذاتية، وهى لا تظل بعد أن ينتهى كونها معطيات، فالقول بذاتيتها ناتج عن عدم التمييز بين المعطى الحسى و" الاحساس" الذى هو الواقعة التي تعتمد على وعى الذات بالمعطى الحسى، والاحساس شئ مركب تكون فيه الذات مكونا من مكوناته (كما قال الدكتور ناصر هاشم)  .

هكذا تمتع محمد مدين بالروح الفلسفية التي تتميز بالرغبة العارفة في البحث والسعي نحو المعرفة، والتفلسف عنده إنما يعني ثمة أشياء لا زال علينا أن نراها أو نقولها – وأثبت لنا أن الفيلسوف لا يملك سوى أن يعيد وضع المشكلات لحسابه الخاص مدركاً في الوقت نفسه أنه مهما فعل فإنه لن يكون سوى مجرد مبتدأ دائماً أبداً. رغم اهتمامه الشديد بالفكر والفلسفة الغربية إلا أن روح الإسلام السمح المستنير لا تفارقه أبداً وتطل في كل أفكاره ومواقفه .

كان مدين يري " أن الإلمام بالتحليل يُعد أمراً حيوياً لفهم الموقف الفلسفي اليوم، وذلك علي كل مستويات الفاعلية الإنسانية من منطق، ونظرية معرفة، وأخلاق، ولغة، ... إلخ. ويري أن من الخطأ القول بأن الفلسفة التحليلية مدرسة واحدة وكأنها فكر متجانس. وأن فكرة التحليل تحوي بداخلها عملية النقد وقد أثبت مدين ذلك عندما قال أن فلسفة هيوم في حقيقتها هي محاولة لاكتشاف مدي وقوة الفهم الإنساني . فالتحليل هو صورة من صور النقد وهو بداية النقد.

ولذلك يمكن القول بأن تحليلية مدين هى تحليلية منهجية وهى تحليلية انتقائية، فالتحليل عنده يعد من أنسب المناهج الملائمة للفلسفة والتربية والعلم، كما أن دور التحليل هو دور علاجي أساسي، حيث يوضح وينير العقل بالكشف عن مصادر البلبلة أو الارتباك في  المفاهيم، فالتحليل عند محمد مدين لا يحل المشكلات الفلسفية والعلمية فحسب، بل يزيلها.

تحيةً للدكتور محمد مدين، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة فلسفية ووطنية وشخصية موسوعية، ما جعل زملاءه وتلاميذه من المفكرين والكتاب والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته في تنوير العقول ومكافحة الجمود والتعصب.. فأطلقوا عليه فى حفل تكريمه (المفكر الأبرز في القرن العشرين مكملاً لجورج مور).

وتحيةً مني لرجل  لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً . بارك الله لنا فيه قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه السفهاء، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليه ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

ضياء نافعسألني رأسا ما ان جلست في سيارة الاجرة التي كان يقودها وبدون اي مقدمات – هل انت يهودي ؟ تعجبت من سؤاله، وقلت له انني عربي من العراق، وسألته عن سبب هذا السؤال الغريب والعجيب، فأجابني قائلا، انه داغستاني، ويستطيع ان يميّز رأسا انني لست من مناطق القوقاز المعروفة لديه مثل اذربيجان او ارمينيا او جورجيا او غيرها، ولهذا فانه سألني هذا السؤال، اذ لم يخطر بباله بتاتا انني اجنبي. ضحكت انا، وقلت له، ان معرفته بعلم الاجناس هذه المرّة لم تنجح، فاعترف بذلك واعتذر منّي اعتذارا شديدا جدا وكرّره، وقال لي وهو يضحك – (سأحكي لاصدقائي هذه الغلطة الكبيرة التي ارتكبتها بحق عربي من العراق) . وهكذا بدأنا بالدردشة وهو يقود سيارة الاجرة في شوارع موسكو، وطالت الدردشة تلك بسبب الازدحام الشديد في شوارع العاصمة الروسية الضخمة، والتي يسميها البعض دولة كاملة داخل الدولة الروسية . تحدثنا طبعا عن اوضاع داغستان الان، اذ اني شاهدت في عاصمتها مخجكلا (محج قلعة) قبل عدة سنوات كثيرا من نقاط الحراسات في شوارعها حيث تقف قوات من الجيش والشرطة بشكل دائم، فقال ان نشاط الارهابيين هناك مستمر، ولا يريدون له ان ينتهي، وذلك لأن هذا النشاط يصب في صالح الفساد الاداري السائد في داغستان، اذ ان القضاء على ارهابي واحد يكلف الخزينة اكثر من سبعة ملايين روبل، تعجبت انا مرة اخرى وسألته – من اين لديك هذا الرقم الدقيق والغريب، وهل هو نتيجة احصاءآت رسمية ؟ فقال ضاحكا – لا لا، ولكننا هكذا نقول في احاديثنا العامة في الشارع الداغستاني، فسألته - اليست هذه مبالغة؟ فقال - لا لا، فمن الذي يحسب عدد الاطلاقات النارية، التي يطلقها افراد الشرطة والجيش عند التصادمات مع الارهابيين؟ وهذا بالذات ما يستغله الفساد الاداري في تلك الاجهزة، وقال ضاحكا – (و يضربون الرقم في مئة عندما يقدمون التقرير النهائي، وهي صفقة مغرية جدا، وتدر ارباحا خيالية ويتقاسمها الجميع من كبيرهم الى صغيرهم!). سألته عن هؤلاء الارهابيين وماذا يريدون، فقال انهم يريدون الانفصال عن الدولة الروسية واعلان دولة داغستان الاسلامية، وان هدفهم هذا خيالي جدا ويتعارض مع واقع داغستان ولا تتقبله الاكثرية من الداغستانيين، ولن يتحقق ابدا، ولكن العوامل الخارجية والفساد الا داري يلعبان دورا في كل هذه القضية المعقدة . وسألني فجأة – هل تعرف شاعرنا رسول حمزاتوف؟ فقلت له طبعا اعرفه، وهو معروف جدا لكل القراء العراقيين، فارتاح جدا لجوابي، وقال، ان حمزاتوف صرح في اواخر حياته، انه متألم جدا من تلك الافكار التي كانت شبه سا ئدة تقريبا لدى الكثيرين من الداغستانيين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي حول ضرورة انفصال داغستان مثل ما قامت به جمهوريات القوقاز السوفيتية المجاورة لنا كأذربيجان وارمينيا وجورجيا، وكان حمزاتوف ضد تلك النزعة، وضد الانفصال عن روسيا باي حال من الاحوال، وقال السائق مضيفا – (ونحن نفهم الان في داغستان كم كان حمزاتوف محقا). انتقل السائق الداغستاني للحديث عن ايام الاتحاد السوفيتي، وقال ان والديه يحنان لحد الان الى تلك الايام الخوالي، حيث كانت حياتهما مستقرة ومريحة كليا، وكان عملهما وراتبهما وتقاعدهما وعلاجهما مضمونا بكل معنى الكلمة، فسألته – (وانت ايضا تحن الى الاتحاد السوفيتي ؟)، فأجاب – ليس مثلهما، اذ كانت هناك اشياء ايجابية رائعة، ولكن كانت هناك ايضا الكثير من السلبيات، وضحك وقال – (لم يكن باستطاعتي مثلا ان اتحدث بهذه الصراحة مع اجنبي ، كما اتحدث معك الان).

 

أ.د. ضياء نافع

 

محمد الدعميثمة قصة هزت كياني وآلمتني كثيرا، أود تعريف القرّاء الأعزاء بها. بدأت يوم سمعت بوفاة زميلتي الأستاذة الدكتورة “حياة شرارة” سنة 1997. وإذا لم تكن مأساة شرارة بمفاجئة على المتابعين والعاملين بكليتنا آنذاك (كلية اللغات بجامعة بغداد)، إلا أنها أطلقت تيارا من الاستذكارات والارتجاعات في دخيلتي: إذ طالما ألقيت على الأستاذة حياة الشرارة التحية مشفوعة بوصف “حمامة السلام”، كلما صادفتها في إحدى باحات أو ممرات الكلية، فما كان منها إلا أن تبتسم بفتور بطريقة توافق الوصف وهي تسعى إلى حيث تريد بقوامها النحيف. إلا أني كنت على ثقة بما كان يعتمل في دواخلها من آلام مبرحة وتفاعلات ساخنة عكست بمجموعها ما قاسته هذه الذهنية الفطنة من تضييق وتجاوزات مذ اضطرت إلى الخروج من النجف الأشرف مع عائلتها للاستقرار في بغداد. وكذلك منذ ما قاساه والدها المتفتح من مضايقات البوليس السري حتى ذهبت إلى موسكو لدراسة الدكتوراه ثم كتابة أطروحتها الموسومة “تولستوي إنسانا”، وبعد ذلك انتظامها بالعمل في القسم العربي لوكالة “تاس” السوفييتية، وهو العمل الذي زاد من طول بقائها تحت المجهر الحكومي فيما بعد، خشية الدعاية السياسية اليسارية المضادة للسلطات آنذاك.

هي كانت تدرك بأنها ليست هدف تلصص الجواسيس الحكوميين المحترفين أينما ذهبت، بل كانت تعرف جيدا أن الصفوف الدراسية التي كانت تلقي بها محاضراتها في الأدب واللغة الروسية إنما كانت ملغومة بالطلاب (الوكلاء) أي من وكلاء الدوائر الأمنية التي تطالب هؤلاء الطلاب بالتقارير المتواترة عن كل أستاذ جامعي، خصوصا إذا كان الأستاذ المعني ذا سمعة “معارضة”، أي من نوع المغفور لها شرارة. وإذا كانت جذور أسرة شرارة تضرب بعيدا عن بغداد في لبنان، فإنها أبت أن تترك العراق برغم تعرضها للمضايقات أعلاه حد التيئيس وحد إلقاء زوجها في غياهب السجون على ثمانينيات القرن الماضي، تاركا عليها أعباء ابنيتها الكبرى والصغرى، الأمر الذي قادها إلى حال من السوداوية والشعور بالاضطهاد واليأس.

ومع ذلك أبت هذه المرأة الذكية أن تغادر الحياة دون رواية بعنوان (إذا الحياة أغسقت)، عاكسة ما قاسته من ظلم وجور حد اضطرارها للانتحار جماعيا مع ابنتيها في عملية مخططة، لا تقبل الخطأ أو السهو: إذ جلست هي أولا إلى مائدة الإفطار في المطبخ ثم تلتها ابنتاها المسكينتان (عن قناعة) بعد غلق كافة منافذ المطبخ، ثم لتفتح أنبوب الغاز في انتظار حضور المنية. توفيت شرارة مع ابنتها الكبرى، إلا أن ابنتها الصغرى كانت قد نجت مصادفة وهي تنازع الموت في ذات المكان، ربما لتحكي حكاية مآسي المناضلين من أجل الحرية في عالم ظالم

 

د. محمد الدعمي

 

علاء اللاميزرياب، الموسيقار الذي ابتكر فن الذوق العام "الإتيكيت"، وعلَّم الأوروبيين كيف يأكلون ويلبسون ويجلسون وأسس أول مدرسة موسيقية غنائية!

* هو أبو الحسن علي بن نافع الموصلي ولد في الموصل شمالي العراق سنة (789م - 173 هـ) وتوفي في قرطبة بالأندلس سنة (857م / 243 هـ هـ).

* سمي على اسم طائر أسود عذب الصوت هو الزرياب ويسمى أيضا الشحرور فقد كان زرياب أسمر البشرة عذب الصوت. وقد عاصر الخليفة العباسي الرشيد وأعجب به الأخير شديد الإعجاب وأوصى به إسحق خيرا ولكن هذا الأخير داخله الحسد والغيض وخير تلميذه بين أن يرحل عن بغداد او أن يقتله!

فهرب زرياب من بغداد وتوجه إلى بلاد الشام ثم إلى شمال إفريقيا وأقام ردحاً من الزمن في بلاط بني الأغلب في القيروان إلى أن قرر التوجه إلى الأندلس.

* زرياب عبقري الموسيقى ومتعدد المواهب. فهو مبتكر فن الذوق العام والذي يسمى اليوم بـ "الإتيكيت"، والذي مثل حلقة وصل هامة في نقل مظاهر الحضارة الاسلامية والشرقية من بغداد إلى الاندلس ومنها إلى أوروبا والعالم أجمع

* عرض عليه خليفة الأندلس عبد الرحمن الثاني، حين وصل إلى قرطبة، قصراً وراتباً شهرياً قدره مائتا دينار، وتقول بعض المصادر أنه قدم له كل هذه الأعطيات وأعطيات أخرى حتى قبل أن يسمعه يغني. وسرعان ما غدا زرياب شخصاً معروفا في قصر الخليفة والبلاد.

* نقل زرياب من بغداد أجمل ما فيها عهد ذاك إلى الأندلس وليس الغناء والموسيقى فحسب، فقد نقل أحسن الأقمشة وأزهى الألوان من بيوت الخلفاء إلى بيوت النبلاء. ولم يكن أثر زرياب مقصوراً على تطوير الموسيقى والغناء بالأندلس، وتجديده فيهما، وسحر أهلها بحسن صوته وجمال أدائه وإعجاز فنه، وتبحره فيه، حتى قيل أن ما حفظه منه تجاوز الألوف من الألحان والأغاني.

* ينسب إليه أنه ارتقى بالذوق العام في الأندلس، ووصفوه بأنه الرجل الأنيق في كلامه وطعامه. وكيف كان يلفت الأنظار إلى طريقته في الكلام والجلوس إلى المائدة أيضا. وكيف يأكل على مهل ويمضغ ويتحدث ويشرب بأناقة.

* فكان إذا جلس إلى مائدة الطعام وضع على مائدته الكثير من المناديل: منديل لليدين وآخر للشفتين وهذا للجبهة وهذا للعنق.

* كان زرياب أول من لفت أنظار النساء إلى أن مناديل المرأة يجب أن تكون مختلفة اللون والحجم وأن تكون معطرة أيضا.

* أدخل زرياب إلى أوروبا عبر الأندلس نظام الوجبات الطعام الثلاثية الأطباق: تبدأ بالحساء (الشوربة)، ثم يتبعها الطبق الرئيسي، إما من اللحم، أو السمك، أو الطيور، ثم تختتم بالفواكه والمكسرات.

* كان له ذوقه الخاص وطريقته في تنسيق الموائد وتنظيمها واتخاذ الأكواب من الزجاج الرقيق بدلا من المعادن، وابتكار الأصص للأزهار من الذهب والفضة.

* ومن الأطعمة التي ابتكرها أو نقلها معه من بغداد النوع المسمى على حد تعبيرهم (النقايا) وهو مصطنع بماء الكزبرى محلى بالسنبوسق / السنبوسة (نوع من المعجنات المحشوة باللوز والفستق والسكر (يشبه القطائف).

* أدخل إلى المطعم الأندلسي فالإسباني والأوروبي لاحقا طعام (الهليون) وهي بقلة لم يكن أهل الأندلس يعرفونها قبله، وقد سموها بلسانهم (الاسفراج). وتسمى اليوم باللغة الفرنسية " إسبيرج".

* إلى الآن ينسب نوع من الحلوى إليه في الشرق يسمونه (زلابيه) وهو تحريف عن (زريابية).

وقد اشتهر عنه إقامة الولائم الفخمة وتنسيقها وترتيبها وكان ذلك كله النواة الأولى في فخامة قصور ملوك الأندلس وبيوت الأغنياء وأناقتهم. وفي الزي والتصميم تخير زرياب البساطة والتناسق والرشاقة.

* علم الناس الشُرب في الأواني الزجاجية بدلاً من الأدوات المصنوعة من الذهب والفضة، ونقل إليهم طرق تسريح الشعر للرجال والنساء وتنظيف الأسنان بمادة أشبه بالمعجون.

* أدخل الشطرنج إلى الأندلس ومنها إلى أوروبا، و(الشاه مات/ شيخ مات) بالعربية ما زالت مستخدمة في أوروبا والعالم إلى اليوم.

* يعتبر زرياب هو السبب في اختراع الموشح لأنه عمم طريقة الغناء على أصول النوبة، وكانت هذه الطريقة هي السبب في اختراع الموشح. وقد أدخل زرياب على فن الغناء والموسيقى في الأندلس تحسينات كثيرة.

* زاد زرياب بالأندلس في أوتار عوده وتراً خامساً اختراعاً منه، مع صديقه بن نعيمة حيث إذ لم يزل العودُ بأربعة أوتار على الصنعة القديمة، فزاد عليها وتراً آخر متوسطاً، فاكتسب به عوده ألطَفَ معنى وأكمل فائدة.

* بنى الخليفة في قرطبة داراً خاصة سمّاها دار المدنيات فكانت أول معهد للموسيقى في الأندلس، عميده زرياب، وقد اتخذ من أبنائه وبناته وجواريه أساتذة لمساعدته على تطور فن الموسيقى والأداء. وكان المنهاج الدراسي لهذا المعهد يشمل تعليم مختلف أنواع العزف، والغناء، والتلحين، والشعر بسائر عروضه، والرقص -وكان الإقبال عليه عظيما- يقصده الطلاب من كل فج، العرب وغير العرب، من الأندلس وخارجها. مما كان ذا أثر عظيم بالنهوض بفنون الموسيقى والشعر في تلك البلاد التي امتد الكثير من فنها إلى أوروبا.

* توفي في قرطبة سنة (243 هـ الموافق ل857 م).

* ليس له تمثال واحد أو شارع أو مَعْلَم يحمل اسمه في البلد الذي ولد فيه، العراق، ولكن له نصب تذكاري جميل في إحدى الساحات العامة بمدينة قرطبة الإسبانية اليوم.

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

........................

* أعدت هذه المادة من الموسوعتين المفتوحتين / المعرفة وويكيبيديا ومصادر أخرى.

 

محمود محمد عليعرفت الدكتور محمد فتحي عبدالله (1945-2018) منذ تسعينيات القرن الماضي، عندما جاء ليناقشني في رسالتي للدكتوراه التي كان يشرف عليه أستاذنا الدكتور عاطف العراقي، في موضوع بعنوان " المنطق وعلاقته بالفقه عند الأشاعرة "، وقد كانت مناقشته أكثر من رائعة ؛ حيث ارتقي بها من المستوي العادي للمناقشة إلي مستوي مناقشة الفكر، والحق أقر أنني استفدت منه كثيراً. كذلك كان الدكتور محمد فتحي أحد أعضاء لجنة الفحص (في تعييني مدرساً للمنطق وفلسفة العلوم بكلية الآداب – جامعة حلوان، والتي تضم معه الأستاذ الدكتور حسن عبد الحميد والأستاذ الدكتور علاء حمروش رحمه الله)، وعندما نُقلت من جامعة حلوان إلي جامعة أسيوط في عام 1996م أخذت علاقتي به تتوطد وتزداد، خاصة بعد قبول سيادته تدريس مقررات الفلسفة اليونانية-  سواء في مرحلة التعليم الجامعي (الليسانس) أو لطلبة السنة التمهيدية للماجستير بقسم الفلسفة بجامعة أسيوط .

وخلال تلك الفترة أدركت أن محمد فتحي بالنسبة لي ليس مجرد أستاذ عادي، إنه نموذج متفرد في عالم الفلسفة والفكر، فعندما تستمع إليه في حلقات البحث والنقاش، وفي الندوات أو المساجلات الفكرية تجد نفسك أمام عالم كبير يصعب أن يصمد أمامه أي منافس أو محاور أو مجادل . ولكن عندما يلتقي معنا في بيته، أو في أمسيات ولقاءات خاصة تجمع بينه وبين تلاميذه المقربين تجده بسيطاً ومتواضعاً ووديعاً مسالماً مثل طفل برئ .

وعندما يكتب عن الفلسفة اليونانية أشعر بأن أنفاسه تترد بين الكلمات، وأن روحه المترددة القلقة تبعث بداخلي حيرة جميلة، وتثير في أعماقي السؤال تلو السؤال . ومحمد فتحي علي الأوراق هو محمد فتحي في الحياة .. لا فرق بين الإنسان المبدع .. كلماته عندما يحادثك هي نفسها كلماته التي يكتبها . وعندما أقرأ عبارة واحدة أو سطراً له في كتاب أو بحث ما لست بحاجة إلي أن أبحث عن الاسم، فاسمه منقوش بثنايا كلماته وتراكيب عباراته .

وكم أُحار عندما أكتب عن محمد فتحي، وأي الطرق أسلك، وأي الفضاءات أرتاد؟ تُري هل أتحدث عن أفكاره في الفلسفة اليونانية، أم رؤاه في المنطق، أم موقفه النقدي، لا شك أن هذا العالم الخصب لا يمكن اختزاله في مقال، إن الأمر يحتاج إلي مئات الصفحات، لذلك فقد حاولت جهدي أن أفتش عن خيط واحد يجمع كل هذه الاهتمامات المتنوعة، ويوحد كل هذه الجوانب، فاكتشفت أن محمد فتحي يصعب أن نصفه أو نحصره داخل تيار فكري محدد، فيصعب أن نصفه بأنه ماركسي أو وجودي أو بنيوي .. أو غيره من التيارات .. إنه كل هؤلاء، بمعني أنه استوعب فلسفات عصره وصهرها جميعاً في بوتقة فكره، وأخرج لنا في النهاية رؤية فلسفية قوامها : أنّ النقد هو روح الفلسفة وقلبها النابض، وهو الباعث الأساسي لتحولاتها المتتابعة منذ نشأتها العقلية والمنهجية الأولى عند الإغريق حتى صورها وأشكالها المختلفة عند المحدثين والمعاصرين، فقرر أنه لا يمكن أن يكون هناك مفكر أصيل بدون موقف نقدي، فالموقف النقدي هو بمثابة نقطة الانطلاق، كما أنّه ليس ثمة معرفة مقبولة إلا بعد بحث وفحص وتمحيص، فالنظرة النقدية تكون الحافز والدافع للباحث لسبر غور موضوعه، ولولا النظرة النقدية للظواهر الكونية ولفكر السابقين لما وجد لدى الباحثين والعلماء والمفكرين موضوعات للبحث والدراسة، ولأصبح الإنسان تابعاً لا مبدعاً، مقلداً لا مجدداً، وبدون هذه النظرة أيضاً تموت روح الابتكار والإبداع.

والدكتور محمد فتحي من مواليد محافظة الاسكندرية بجمهورية مصر العربية 1945 م، فقد بصره صغيراً في سن الطفولة، وتخرج من كلية الآداب جامعة الاسكندرية- قسم الفلسفة والاجتماع سنة 1970 م بتقدير جيد، وحصل علي دبلوم في حياة وتعاليم المسيح بالمراسلة من المدرسة الإنجيلية بنبراسكا بالولايات المتحدة الأمريكية بتقدير ممتاز سنة 1971م، ثم دبلوم في التذوق الموسيقي من مدرسة هادلي للدراسة بالمراسلة بولاية الينوي بالولايات المتحدة الأمريكية فبراير عام 1972 م بتقدير ممتاز، ثم دبلوم في اللغة اللاتينية والأدب الروماني من مدرسة هادلي للدراسة بالمراسلة بولاية الينوي بالولايات المتحدة الأمريكية فبراير عام 1973 م بتقدير ممتاز.

ثم بعد ذلك حصل علي درجة الماجستير في الآداب من قسم الفلسفة كلية البنات - جامعة عين شمس تخصص "فلسفة يونانية" بتقدير ممتار أغسطس عام 1978 م وموضوعها "الاتجاه التجريبي في فلسفة أرسطو"، وكان ذلك تحت إشراف الأستاذ الدكتور "عاطف العراقي" رحمه الله. ثم حصل علي درجة الدكتوراه من كلية الآداب – جامعة الاسكندرية 1984 م في تخصص "الفلسفة اليونانية" وموضوعها " الجدل بين أرسطو وكنط"، وكان ذلك تحت إشراف الأستاذ الدكتور "محمود فهمي زيدان" رحمه الله . أثري المكتبة العربية بالعديد من الكتب والمؤلفات في تخصص الفلسفة اليونانية والمنطق، وتنوعت أعماله ما بين أبحاث نقدية ومعاجم ودراسات في تاريخ الفلسفة، كما ساهم بكتابة بعض المواد العلمية بعدد من الموسوعات.

اتجه محمد فتحي للسلك الجامعي حيث تم تعيينه مدرساً مساعداً بكلية الآداب – جامعة طنطا في 5/11/1979، ثم عين مدرساً للفلسفة اليونانية بذات القسم في 30/4/1984م، وترقي إلي درجة أستاذ مساعد بنفس القسم وبذات الكلية اعتباراً من 31/1/1990م، ثم ترقي إلي درجة أستاذ للفلسفة اليونانية بنفس القسم وبنفس الكلية اعتبارا من 17/9/1995م . كما تم تعيينه رئيساً لقسم الفلسفة بنفس القسم ونفس الكلية اعتباراً من 6/8/1995م حتي 15/10/1998م لمدة ثلاث سنوات ورئيس قسم الفلسفة بنفس القسم ونفس الكلية اعتباراً من 6/8/2003م حتي 31/7/2005م، وأستاذ الفلسفة اليونانية المتفرغ بنفس القسم ونفس الكلية اعتباراً من 1/8/2005 .

ومن مؤلفاته الفلسفية علي سبيل المثال لا الحصر: كتاب الجدل بين أرسطو وكنط، وكتاب دراسات في الفلسفة اليونانية (بالاشتراك مع الدكتور علاء عبد المتعال)، وكتاب الفلسفة اليونانية مدارسها وأعلامها من طاليس إلي أفلاطون جزآن (بالاشتراك مع د. جيهان السيد شريف)، وكتاب انتقال الفلسفة اليونانية إلي العالم الإسلامي، وكتاب قوانين الفكر بين أرسطو وهيجل دراسة مقارنة، وكتاب المعرفة عند فلاسفة اليونان، وكتاب النزعة التجريبية عند د. زكي نجيب محمود، وكتاب معجم مصطلحات المنطق وفلسفة العلوم للألفاظ العربية والإنجليزية والفرنسية واللاتينية، وكتاب مترجمو وشراح أرسطو عبر العصور، وكتاب المدرسة الفيثاغورية، وكتاب النحلة الأورفية أصولها وآثارها في العالم الإسلامي ... الخ.

ولم يكن محمد فتحي ممن يحرصون علي غزارة الإنتاج، بل كان في عمله العلمي يغلب عليه الكيف علي الكم، وكان في ذلك متسقاً مع نفسه تمام الاتساق، فقد كان يبحث دائماً عن النوعية من الحياة، ويعرف كيف يتذوقها ويُرضي بها حسه المرهف. ولكن لعل السبب الأهم في عزوفه عن الإنتاج الغزير، برغم قدرته عليه، هو أنه كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث.

ولذلك قام محمد فتحي بالتدريس في تسع جامعات مصرية، واشترك في الإشراف علي رسائل علمية في 12 جامعة مصرية، وناقش مئات الطلاب في مختلف تخصصات الفلسفة علي مدار سنوات، وحكم مئات الأبحاث في تخصص الفلسفة داخل وخارج مصر، وكان عضواً باللجنة العلمية الدائمة للترقيات بالمجلس الأعلى للجامعات، وعضواً بلجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة، وعضواً بلجنة الديانات والفلسفة بمكتبة الاسكندرية.

وقد شارك محمد فتحي في إنشاء مراكز لرعاية الطلاب المكفوفين في الجامعات المصرية، وشارك في العديد من المؤتمرات الدولية، وقام بتحكيم المقررات الدراسية الفلسفية بوزارة التربية والتعليم .امتدت اهتماماته العلمية إلي ما وراء مجال الفلسفة .

كما اُشتهر بنشاطه الكبير وعلمه الغزير وتمكنه في مجال تخصصه، وتتلمذ علي يديه المئات من الطلاب في مختلف جامعات مصر، وحصل الكثير من طلابه بهيئات التدريس علي درجة الاستاذية، وعُرف عنه طيب القلب ونظافة اليد ودماثة الخلق، فكان نعم الأستاذ والأب والأخ والصديق، استمر بالتدريس والتأليف والإشراف علي الرسائل العلمية ومناقشتها دون انقطاع علي مدار أكثر من ثلاثين عاما إلي أن لبي نداء ربه في الثاني من أكتوبر عام 2018 .

وحين توفي كتب نعياً في حقه (نشرته في بوست علي مواقع التواصل الاجتماعي) بعنوان" وداعا محمد فتحي عبد الله أستاذ الفلسفة بآداب طنطا"؛ حيث قلت : فقدنا بالأمس الأستاذ الدكتور محمد فتحي عبد الله، المفكر الكبير، والمعلم القدير، والصديق العزيز. ليس من بين أستاذة الفلسفة اليونانية من يضاهيه في سعة الأفق، أو القدرة على الاندهاش والإدهاش، أو بلاغة وبساطة التعبير، أو الحضور الطاغي، أو خفة الظل. سوف أفتقده كثيرا، كما سوف يفتقده الكثيرون ممن عرفوه، عن قرب أو بعد، وهمُ كثر. وداعا أيها الصرح الفكري والوطني الشامخ".

كما كتب عنه الدكتور مصطفي النشار (في مقاله نشرت بجريدة الوفد بعنوان د. محمد فتحي عبدالله) فقال في حقه :" لقد عرفته في أواخر سبعينيات القرن الماضي شاباً كفيفاً جاء ليعطى أحد أساتذة القسم رسالته العلمية التى أعدها للمناقشة وكانت عن الجدل بين أرسطو وكانط، وتعجبت من ذلك متسائلاً ألم يكن يكفيك دراسة الجدل عند أحدهما فهما فيلسوفين كبيرين ومؤلفاتهما في غاية الصعوبة ومن عصرين مختلفين والمقارنة بينهما تقتضى الإلمام بالمحيط الفكري للعصر اليوناني ويقف أرسطو على قمته والعصر الحديث وكان ذروته كانط فكانت ابتسامته الصافية خير رد وكأنه يقول لقد تعود على اجتياز الصعب دائماً فقد كان يتقن اللغة اليونانية ودرسها على أحد الأساتذة الأجانب، بالإضافة إلى الإنجليزية وكان يجيد اللغة العربية إجادة المجمعيين (أى أعضاء مجمع اللغة العربية).. وكنت أسمع من أساتذتي وزملائي عن كيف أنه وهو الكفيف يدرس ببراعة المنطق الصوري رغم صعوبة ذلك على من في نفس ظروفه وهو منطق أرسطي فى الأساس والأعجب أنه درس أيضاً المنطق الرمزي الحديث الذى يعجز عن فهمه وتدريسه المختصون فيه من المبصرين فإذا هو يدرسه بكل بساطة ويسر ويصر على ذلك عدة سنوات. لقد كان مثالاً للتحدي وقوة الإرادة ولا يقارن في ذلك إلا بعميد الأدب العربي د. طه حسين.

ويستطرد د. مصطفي النشار فيقول : "... وكم كان دقيقاً فى ملاحظاته ومناقشاته التفصيلية للرسائل العلمية، ويناقش الطلاب في أدق التفاصيل، ولعله بذلك كان يتحدى قدراتهم البصرية، وعدم دقتهم فى مراجعة ما يكتبون سواء في الأخطاء اللغوية، أو حتى الأخطاء المطبعية، وكذلك فى كتابة بيانات المصادر والمراجع. وقد كان موسوعة متحركة تعرف تلك المصادر والمراجع بطبعاتها المختلفة سواء في لغتها الأصلية، أو في تراجمها العربية. لقد فقدت بوفاته متعاً فكرية وإنسانية لا تعوض؛ فلقد كان في كل المواضع التي تزاملنا فيها سواء في عضوية لجان الترقيات أو عضوية المجلس الأعلى للثقافة على عكس الكثيرين من الأصدقاء والزملاء عف اللسان لا يذكر أي زميل إلا بما فيه من خير ولم أسمع منه يوماً ذماً لزميل أو لوماً لآخر، لقد كان خلقه الرفيع وتربيته العالية وأصله الكريم فضلاً عن علمه الغزير يمنعه من ذلك ويقوده دوماً إلى كل فعل كريم وإلى كل قول كريم، لقد كان سنداً للجميع وخاصة للضعفاء والمظلومين من الزملاء والطلاب ولا شك أن كل ذلك سيبقيه حياً في القلوب والعقول رغم أنه فارق دنيانا الفانية في الثاني من شهر أكتوبر الحالي رحمه الله وغفر له جزاء ما قدمه لبلده وجامعته وطلابه".

وبعد هذه الشهادة التي أدلاها د. مصطفي النشار في حق محمد فتحي نقول : لقد كان محمد فتحي نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا اخلاصهم لإسلافهم بالانغلاق، والتزمت، وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء .

كما كان محمد فتحي واحداً من كبار الرواد في دراسة الفلسفة اليونانية في مصر، والعالم العربي الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في الفلسفة اليونانية من مجرد التعريف العام بها، أو الحديث الخطابي عنها – إلي مستوي دراستها دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كان في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص الفلسفي لديه هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

تحية طيبة لمحمد فتحي الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً أخري لرجلٍ لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً.

رحم الله الدكتور محمد فتحي، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت امرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط