 شهادات ومذكرات

بمناسبة الذكرى المئوية لميلاده الكسندر سولجينيتسين أديبا ومفكرا

فالح الحمرانيصادف اليوم، الحادي عشر من ديسمبر/ كانون الأول 2018 الذكرى المئوية لميلاد الأديب والمفكر الروسي البارز الكسندر سولجينيتسن. إن اسم سولجينيتسين معروف في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في العالمين العربي والإسلامي. والكسندر سولجينيتسين حائز على جائزة نوبل، وهو مؤلف العديد من الروايات التي من بينها " يوم واحد من حياة إيفان دينيسوفيتش" و "جناح السرطان" والدائرة الأولى" و"اغسطس 1914" فضلا عن القصص القصيرة وقصائد النثر والملاحم التاريخية/ الوثائقية " أرخبيل الجولاج" و" الطاحونة الحمراء"، وهو مفكر اجتماعي/ سياسي بارز، وأحد الشخصيات التي لعبت أدوارا رئيسية في القرن العشرين.

ولا يمكن المبالغة في أهمية دور وأنشطة الكسندر سولجينيتسين، وكذلك إبداعاته  الروائية،  كآخر كلاسيكيي الأدب الروسي، واصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اصدر مرسوما بشأن اليوبيل الخاص بالأديب والمفكر في عام 2018. وتشهد العديد من العواصم الغربية هذه الأيام الاحتفاليات بيوبيل سولجينيتسين، حيث تعقد المؤتمرات والندوات والمعارض، وتعرض الأفلام الوثائقية عنه.

في عالم سولجينيتسين

ولد الكسندر إسيايفتش سولجينيتسين عام 1918ن (بعد ستة اشهر من وفاة والده) في الجنوب الروسي، من أب عسكري وأم من سلالة ملاك الأراضي الأغنياء. جردت السلطات السوفيتية، في سياق سياسة التأميم، عائلة والدته من ممتلكاتها، ولاحقت أفرادها، فاضطر وأمه للنزوح إلى مدينة رَستوف ـ نا ـ دَنو القريبة من موطن العائلة، وهناك امضى طفولة قاسية ملؤها الفاقة والحرمان في ظروف سكن سيئة. ويتذكر من تلك السنوات مصاحبته والدته لتأدية الصلاة في الكنائس التي جرى إغلاقاها الواحدة بعد الأخرى. وإن تلك الزيارات غذت في داخله الشعور الديني الذي رافقه طيلة حياته.

ويقول إن ميوله الأدبية ظهرت في وقت مبكر، فكان يشارك أصدقاءه في إعادة كتابة القصص التي يطالعونها، وكتب الشعر، وساهم في مسرح مدرسته مخرجا وممثلا. والتحق عام 1936 بجامعة رَستوف، وانضم فيها إلى كلية الفيزياء والرياضيات، ودرس في الوقت نفسه بالمراسلة في جامعة موسكو الفلسفة والأدب والتاريخ. وفي سنوات دراسته تزوج من صديقة طفولته ناتاليا ريشتوفسكايا، التي ستنشر عنه لاحقا كتابا تشهيريا، أصدرته  " وكالة نوفستي" الرسمية للقارئ الأجنبي، في إطار الحملة ضده في السبعينات. وسيق سولجينيتسين مع بدء الغزو الألماني للاتحاد السوفياتي، وحصل على رتبة " ليتينانت" ونال نوط الشجاعة. وفي عام 1945 ضبطت المخابرات العسكرية رسائله المتبادلة مع صديق العمر نيقولاي فيتيكيفتش، التي عبرا فيها بصراحة عن ميولهما السياسة الساخطة وسخرا من رموز الحكم السوفياتي السابق. فالقي القبض عليه، وقضت المحكمة بحبسه ثماني سنوات، أمضاها متنقلا بين السجون والمعتقلات، وعقب إطلاق سراحه اُرسل إلى المنفى ليعمل مدرسا على مشارف صحراء كازاخستان، ولم يُرد الاعتبار له إلا في عام 1965، بعد أدانه الحزب الشيوعي السوفياتي سياسة عبادة الفرد الستالينية.

عوالم روايات سولجينيتسين مُشتقة من أجواء المعتقلات ومعسكرات العمل الإجباري التي أقامها النظام الستاليني بما في ذلك لمعاقبة المنشقين والمشكوك في ولائهم للسلطة. عوالم لا تعرف الشفقة، غارقة بالعطن والرطوبة، يستولي عليها الرعب وتنقرض فيها الحياة بالعمل الشاق والْمُضْنِى  والمنهك للقوى الجسدي. وفي قصصه القصيرة استقصاء لآلام الحياة في الأقاليم النائية، حيث الجوع والإهمال والخراب الروحي، وتحويل العمل إلى عبودية.

دخل سولجينيتسين عالم الأدب في أواخر خمسينات القرن الماضي، إبان مرحلة الدفء الذي تسرب إلى الحياة السوفيتية عقب فضح الزعيم السوفيتي الأسبق نيكيتا خروشوف ممارسات نظام يوسف ستالين وسياسة عبادة الفرد، ومنح فسحة لحرية الكلمة والفكر. وتحول سولجينيتسين بعد صدور روايته الأولى " يوم واحد من حياة إيفان دينيسوفيتش" عام 1962، بغتة إلى أديب صاعد " النجومية"، بعد نشرها في مجلة " العالم" السوفياتية، تلقفتها دور النشر الغربية فترجمت إلى اللغات الأجنبية، وترجمت للعربية في وقت لاحق، لكن القارئ العربي تعرف أولا على روايته " جناح السرطان". وطبقت شهرته الآفاق. ولم تعرف الأوساط الأدبية قبل ذلك عملا يُذكر لسولجينيتسين، فمؤلفاته بقيت مخطوطات أو محفوظات في الذاكرة، يخشى عواقب نشرها. وحصلت "يوم واحد من حياة إيفان دينيسوفيتش" على المباركة الشخصية من الزعيم السوفياتي نيكيتا خروشوف، الذي كان بحاجة الى حلفاء لتعميق خططه المناوئة لسياسة ونهج يوسف ستالين، وتوطيد (خروشوف) مواقعه في القيادة السوفياتية، وكسب الرأي العام لجانبه في مواجهة الحرس القديم الذي بقى مواليا لستالين. وشكلت رواية سولجينيتسين الأولى تمردا جسورا على مبادي مدرسة " الواقعية الاشتراكية" في الأدب، فليس في " يوم واحد..." شخوص إيجابية أو سلبية بالمعنى المتعارف عليه حينذاك، ولم تتضمن وقائع تهدف الى تجميل المنجزات الاشتراكية، ولم تختتم بنهاية سعيدة، تخلق روح التفاؤل.

تدور أحداث قصة " يوم واحد من حياو إيفان دينيسوفيتس" في أحد معسكرات العمل الاضطراري النائية، وتصور حياة دينيسوفيتس، الفلاح شبه الأمي المفعم بشعور الكرامة وخبرة الحياة، الذي وجد نفسه من دون ذنب في معسكر العمل الإجباري بعد فراره من الأسر الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، فعاود الالتحاق بفرقته للدفاع عن وطنه، ولسذاجته ابلغ عن واقعة أسره، ولم يلفقها بحكاية كما فعل آخرون، فدارت حوله الشبهات، بأن تكون المخابرات الألمانية قد جندته لصالحها في مهام تجسس أو تخريب، فتم اعتقاله على هذا الأساس، وحكم عليه بالأشغال الشاقة لمدة عشر سنوات، لم يُستبعد أن تمتد بصورة تعسفية حتى نهاية العمر. يوم واحد على غرار آلاف الأيام من حياة إيفان، ومئات المعتقلين الآخرين الذين ساقتهم المصادفة التعسة إلى : النهوض قبيل انبلاج الفجر لمواصلة أعمال البناء وشق الطرق وبناء الجسور وحفر الأرض والحجر الصلد في ظروف الشتاء القارس، والخضوع للسلطة المطلقة التي يمارسها الحرس: الإحصاء المتكرر "لقطيع" البشر الذين تحولوا إلى مجرد أرقام، الانتظار بذل في طابور أمام نافذة المطعم لتسلم ما يسد الرمق والبقاء على هامش الحياة، وهواجس الخوف من التفتيش الذي تقوم بم السلطات الأمنية بشكل مباغت، وتبادل الاحاديث بخفوت قبيل النوم، لبث شجون الروح واستعادة صور الحياة التي كانت. يمر هذا العالم الشاحب، عبر عدسة ورؤية إيفان، الذي ظهر كشخصية نمطية من بين نزلاء معسكرات العمل والسجون في تلك الفترة الكالحة.

لم يستطع أديب سوفيتي قبل سولجينيتسين من رسم الويلات الرهيبة لمعسكرات العمل بهذه الدقة والحيوية النابضة، وبلغة روائية تميزت بتعدد مستوياتها واختلاط لغة الراوي والشخوص فيها، وتقريبها بسطوع لمن لم يجتز هذه المحن المريرة، وتساقطت حبات زمن يوم واحد طويل جدا. وكتب المختص بأدب سولجينيتسين، الفرنسي جورج نيفا: "إن قوة العمل لا تنحصر في طرح الأديب أنماطا بشرية حية على غرار إيفان، بل في نكهة العبارة ووقع الكلمة المشحونة بموسيقى ذات رنة خاصة، إنها لغة سولجينيتسين المتفردة، وعمق سرده الذي يجفل القلب". ولم تلق الرواية، بالطبع، الارتياح لدى الجميع، فالمحافظون الحزبيون ابدوا الامتعاض منها بشكل سافر، وشموا فيها رائحة العداء للسلطة السوفياتية، التي كرس سولجينيتسين حياته لمحاربتها.

ومضى سولجينيتسين بعد "يوم واحد..." في نشاطه الأدبي والاجتماعي الذي لم يرق للسلطة السوفياتية، وجرت ملاحقاته ومنعت نشر أعماله، ومن ثم قررت طرده إلى المنفي عام 1974 فانتقل من ألمانيا  محطته الأولى ليقيم في الولايات المتحدة الأمريكية حتى 1994 ليعود إلى وطنه.  وتعكرت أجواء إقامته في الغرب حينما تعرض لحملة واسعة بتهمة العداء للسامية المتستر في مختلف أعماله الروائية. وانتقد في مقالاته ومحاضراته النظام الليبرالي الغربي، ومجتمع الاستهلاك وانفلات الحريات وسيادة النزعات المادية على الروحية، من وجهة نظره.

أرخبيل غولاغ*

إن النجاح الذي حالف قصة " يوم واحد من حياة إيفان دينيسوفيتش" وتقويم النقاد لها كعمل فني رفيع وجاد، واستحواذها على شرائح واسعة من القراءة، ووقعها كالصاعقة في يوم صاف على الراي العام السوفياتي، وتحريكها المياه الساكنة على الساحة السوفياتية عموما، اغرى سولجينيتسين للمضي أبعد في معالجة الستالينية، كظاهرة سياسية وتاريخية، من زوايا مختلفة، وبأساليب متعددة. فشرع في آن واحد كتابة عدة مؤلفات، واستكمال ما اختمر في ذهنه، وعكف على جمع الوثائق اللازمة  لإنجاز عمله الكبير الآخر " أرخبيل غولاغ"، وكتابة رواية " جناح السرطان" التي طرح فيها انساقا مختلفة للواقع السوفياتي من خلال أجواء مستشفى لمعالجة المرض الخبيث، شخوصها الأطباء والمرضى من لحم ودم، لكنه في نهاية المطاف أنماط اجتماعية تتوزع في خانات الأخيار والأشرار، إنها رواية كذلك عن الحياة والموت ببعديهما الشخصي والقومي/ الوطني. وفي الوقت نفسه بدأ في قصته الطويلة " الدائرة الأولى" التي استعار عنوانها من ملحمة " الكوميديا الإلهية" للشاعر الإيطالي العظيم دانتي" 1263 ـ 1321"م. والمعروف أن دانتي خصص " الدائرة الأولى" في جحيمه للفلاسفة والشعراء الوثنيين تقديرا لهم. وإذ كان جحيم سولجينيتسين يرمز إلى معسكرات العمل ألإجباري والمعتقلات التي زج بها الأبرياء، فان " الطبقة الأولى" كانت معهد سري للأبحاث في مجال الفيزياء، احتجزت السلطات فيه جمهرة من العلماء، ليمضوا فترات الحكم عليهم بين جدرانه، ويواصلوا بحوثهم اللازمة للدولة. وتضج الرواية بالمناقشات والجدل عن الأدب والفلسفة والتاريخ وشخصية يوسف ستالين، للاستشراف على حقيقة الحاضر وإدراكه، فهي عن المجتمع في ظل الستالينية كنظام، وعن الرجال والنساء الذين كابدوا المرحلة، عن المعتقلين وموظفي خدمات السجن.

ومع صدور ارخبيل غولاغ ، التي استمر في كتابتها زهاء عشر سنوات، واضطراره لتهريبها سرا لتنشر في الغرب، يكون سولجينيتسين قد انجز واحدة من أعماله المركزية للقضية التي كرس حياته لها. وجمع مادة عمله الأساسية من معايشته الشخصية وشهادات المعتقلين سابقا. فجاءت وثيقة تاريخية وملحمة بكائية تنز بالحزن والأسى والنقمة على شرور المعتقلات، ووجهها المروع، وسرد فيها الأديب حوادث واقعية، وتحدث عن شخوص فعليين لم يخلقهم من بنات مخيلته. وتخللت كل تأملات نفسية وفلسفية العنف. وتخللت كل ذلك تأملات نفسية وفلسفية لتفسير العنف. ويقول سولجينيتسين عن الاعتقال كحدث جسيم في حياة الفرد: انه لحظة انتقال عجيبة من حالة إلى أخرى، حينما يطرح بالإنسان، ويغبش العقل في إدراك ما يدور حوله، ولم يسع لأكثر الناس حنكة وتبصر بالحياة أن يعثر ما يمكن قوله سوى الغمغمة:" أنا؟ وبأي ذنب؟".

ويظهر عمل " أرخبيل غولاغ" جزيرة معزولة ومغلقة تتحكم فيها قوانينها المتوارثة، بيد أن العرف السائد فيها هو قانون الغاب على حد تعبير أحد شخوصها، إنه وثيقة عن جانب مما ارتكبه الإنسان من فضائع ضد أخيه الإنسان في القرن العشرين. وأحدث " أرخبيل غولاغ" هزة عميقة في الضمير الأوروبي، وفي ضوئها أجرى العديد من أساطين الفكر الأوروبي المتعاطفين مع الفكر الاشتراكي واليساري عموما، مراجعة شاملة في مواقفهم الأيديولوجية، وأعلن بعضهم القطيعة التامة مع الاتحاد السوفياتي و الفكر الماركسي/ اللينيني كعقيدة، واشتدت على إثر صدوره، حملات النقد القاسية للنظام السوفياتي، واستثمرته قوى دولية واستخباراتية كانت تغذي " الحرب الباردة"، لمصالحها الخاصة. وأسس سولجينيتسين في " أرخبيل غولاغ" جنس أدبي جديد، إنه الرواية ـ الوثائقية التي لم يعرفها الأدب السوفياتي.

ويوصف سولجينيتسين بأنه آخر كلاسيكي في الأدب الروسي. ويقارنه دارسوه بليف تولستوي، صاحب الحرب والسلام، لاستطراداته الفكرية، فالأحداث التاريخية الكبرى في روايتهما تتحول إلى خلفيات ترسم في إطارها الشخوص وقيمها، وتتشح أعمال كلا الأديبين الكبيرين بالواقعية السايكولوجية، وتتشرب بحب عميق لروسيا. ويقترب سولجينيتسين بسيرته الذاتية، وبقدرته على الغوص في أعماق النفس البشرية، من فيدور دوستويفسكي مؤلف   "الجريمة والعقاب". والأدب بالنسبة لسولجينيتسن كما يحب أن يردد" وسيلة للدفاع عن الحقيقة والقيم الأخلاقية". ومع أفول مرحلة الدفء في الحياة السوفيتية، التي انتهت تماما بترحيل نيكتا خروشوف عن السلطة خريف 1964، انتعشت الأصوات التي ناصبت سولجينيتسين العداء، وتحولت إلى حملة رسمية لملاحقته، ومصادرة مخطوطاته والتضييق على نشر أدبه. والتجأ إلى تهريب مؤلفاته لنشرها في الغرب، وزادت حدة تصريحاته الانتقادية للسلطات السوفياتية، ومن ثم حصوله على جائزة نوبل للآداب لعام 1970 وغيرها من الجوائز الغربية، من ضيق السلطات السوفياتية به، وراحت تعامله كعدو للبلاد، وتم احتجازه في شتاء 1974، وصدر قرارا بسحب الجنسية السوفياتية عنه، وترحيله إلى الخارج، فكانت ألمانيا الفيدرالية محطته الأولى في المنفى، لينتقل بعدها إلى فيرمونت في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث واصل نشاطه الأدبي والفكري حتى عودته إلى بلاده عام 1994 .

الرواية التاريخية

كشف التطور اللاحق في أدب سولجينيتسين عن أن تناوله لشئون الساعة في روايته، كانت مرحلة عابرة حددتها الظروف، وأن الموضوع الرئيسي الذي كان يعد نفسه له تمثل في كتابة الرواية التاريخية. وبهذا الصدد قال في مقابلة تلفزيونية إن شعورا  استحوذ عليه منذ شبابه المبكر بأن مهمة ملقاة على عاتقه بكتابة تاريخ ثورة أكتوبر 1917 البلشفية التي حسب رأيه تم " تزييف وتلفيق حقائقها" . وجمع سولجينيتسين في  منفاه أرشيفا ضخما ونادرا من المذكرات والوثائق وشهادات أشخاص شاركوا في الأحداث التي مهدت لانهيار الإمبراطورية الروسية عام 1917 . واتخذ من تاريخ عائلته ومواطن إقامتها مادة لروايته التاريخية" أغسطس/آب: 1914" و"مارس 1918"ومن ثم روايته الملحمية " الطاحونة الحمراء". ولم تكن هذه الأعمال روايات بالمعنى التقليدي، فإلى جانب الحدث ثمة تحقيقات واستطرادات فكرية، وقصاصات من صحف المرحلة، فجاءت قراءة غير رسمية للتاريخ. ويذهب سولجينيتسين في تلك الأعمال إلى أن ثورة أكتوبر لم تكن خيارا روسيا وإنما دبرها الغرباء والدخلاء، واصبح الشعب الروسي ضحية لها، مدللا على ذلك بما يُسميه عمليات الإبادة الجماعية التي تعرض لها الروس. وفي كتابه " لينين في زيورخ" يشير إلى أن ثورة أكتوبر 2017 كانت مؤامرة حاكتها ألمانيا بالتحالف مع المغترب حينذاك " فلاديمير لينين"، واستهدفت حرف التاريخ الروسي وقطعه عن تطوره الطبيعي، فروسيا سولجينيتسين محافظة، لا تهضم الفكر الليبرالي المتطرف، الغريب على لحمتها ويتوجب أن تنهض بقواها الذاتية بهدوء من دون هزات عنيفة، وبعث تقاليدها القديمة، إنها روسيا الفلاحية المعافاة روحيا، والصحوة الروحية كما يراها سولجينيتسين أهم دائما من التقدم الصناعي. ويبرز في أعماله بصورة واضحة أو مستترة دور العامل اليهودي في الكوارث والهزات التي لحقت ببلاده، فالشخصيات اليهودية غالبا ما تبدو غير نزيهة مشكوك ولائها لروسيا، وتنضوي في النواة الأولى لأجهزة القمع، وبرايه إنها تتصدر الأنشطة الهادفة لتهشيم الدولة الروسية  وأثارت افكار سولجينيسين هذه حملة واسعه في الغرب ضده من قبل الطوائف اليهودية والقوى المتعاطفة معها، ولصقت به تهمة معاداة السامية ويرمي الأديب/ المفكر أيضا بنظرة انتقاد إلى الحضارة الغربية المعاصرة  لونها كما يرى حضارة مادية بحتة أفضت إلى إضعاف روح القوميات وقتلت القيم الأخلاقية، إنها وفق تعبيره حضارة الخلاعة. وحاول في كتابه " 200 عام معا" أن ينفي عن نفسه هذه التهمة، ويبين التعايش الروسي/ اليهودي على مدى 200 عام، الذي لم تكن سماءه دائما صافية.

لم تكن عودة سولجينيتسين  لبلاده في منتصف التسعينات عودة طارئة لقضاء فترة راحة واستجمام، لقد عاد وفي يده مشاريع عديدة كي تسترد روسيا روحها. ففي كتيبه، كيف ينبغي إقامة روسيا" يرى أن روسيا المستقبل هي اتحاد سلافي من أوكرانيا وبيلوروسيا وروسيا وجزء من كازاخستان. إنها روسيا التي تخلت عن نزعاتها الإمبراطورية وعن الوهم بلعب دور تاريخي مميز في العالم وجره نحو جنة موعودة. وعليها أن تشعر بالندم إزاء الشعوب التي استعبدتها، وتكفر عن ذنوبها وتبحث عن خصوصيتها بعيدا عن استنساخ مظاهر الحضارة الغربية. وقال سولجينيتسين عند عودته إنه قد أنجز المشاريع الكتابية التي خطط لها ولم يبق أمامه الآن سوى المساهمة في "إخراج روسيا من المستنقع الذي وجدت نفسها فيه".

إن منهج سولجينيتسين  يهدف إلى عكس الواقع  بأقصى  حد الأمانة، ويركز على تحليله وتقويمه. إن صور أشخاص روايته هي تجسيد ملموس لمعارف الكاتب وخبراته عن الواقع المعاش، واطلاق حكما عليها بأدوات فنية، وفيما يلتزم بقواعد الواقعية الكلاسيكية فانه يبث فيها روح الحداثة والتجديد لتنسجم مع عالم القرن العشرين المعقد والمتغير. ويكتسب شكل أعماله النثرية تأثير الأدب الروسي الكلاسيكي في القرن التاسع عشر وما يليه من كتاب المرحلة التالية سواء من الواقعيين أو من أصحاب المدارس الأخرى.

 

د. فالح الحمـراني

.....................

*كلمة ( غولاغ) هي اختصار لمسمى المديرة العامة للمعسكرات والمعتقلات

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4502 المصادف: 2019-01-02 03:41:18