 شهادات ومذكرات

متعب مناف.. بين (الطاغوت) و(الطاووس)

صائب عبدالحميد

تحية إجلال وإكبار أيها الراحل الكبير..

أعلم أن كثيرا منا سيعرفك اليوم بعد رحيلك أكثر مما كان يعرفك في حياتك .. وسيندبك بعض من كان يصد عنك أو يشتمك، بدءا ببعض تلاميذك، وانتهاءً بالمجمع العلمي ووزارة الثقافة ووزارة التعليم العالي. لا تثريب عليكم، فقد قال لكم قبل رحيله:

لأعرفنّك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي

وأعلم أن الكتابة عنك غير يسيرة، برغم سبعة أعوام ونصف من الرفقة في المركز العلمي العراقي. فبحرك عميق، وقاعك سحيق، وأفقك لا يطير اليه طائر، ومداك تصغر دونه مديات.

وإني لا أستسيغ ما اعتاد عليه الكُتاب وهم يتحدثون عن شخصيات معاصرة، فيسرحون باستعراض سيرهم الذاتية، لتطل علينا الشخصية المعنية من بعض نوافذها.

ما أجمل عنادك وأنت تصر على رأيك، وتهز الجدران بحنجرتك الضخمة التي كانت خادما أمينا لما في أعماقك.

ما أجمل تأملك، وعيناك محدقة بالسقف، لتستنطق الفكرة وانت تفكر بالانجليزي، ثم تعود لصياغتها عربيا، بمقدرتك الفذة على تأصيل المفردات، وتحليل المصطلحات.

ما أعجب قدرتك على الحوار، وتشقيق الأفكار، وتفريق الفروع، ثم لملمتها من جديد، وصوتك الهادر لا يعرف التعب ولا الملل. وكأنك تتمنى امامك جيشا من المحاورين في شتى الموضوعات، لتبحر بهم في بحورها، وترسو بهم على مرافئها.

593 متعب مناف جاسم

وأعترف لك الان أن هذا كان أحيانا يصيبني بالملل والضجر، حين تبدأ صباحك معي في غرفتي، ولا تخرج منها حتى الظهيرة، لا تكف عن تقليب المواضيع وتفريع النقاش. فثمة فوارق بيننا في هذا، رغم إعجابك بآرائي، فجدولي الصغير لا يجاري بحرك الهائج، وحنجرتي الضعيفة لا تحاكي حنجرتك الحديدية، ونزعتي الى الايجاز المفرط، حتى لكأنني أعد كلماتي بأصابعي، لا تتماشى مع نزعتك المفرطة في التفصيل والاطناب والتحليق بعيدا دون رغبة في العودة.

وكم هو جميل ذاك اللقب الذي كان يطلقه عليك بعض أساتذة علم الاجتماع؛ (الطاغوت)! رغم أنهم لا يطلقونه حبا وإعجابا، إنما لمقاصد أخرى يعرفونها هم، وقد يعرفها آخرون، فأنت لا ترحم أحدا يدعي انه يعلم، ولا تماري أحدا يزعم أنه يسلك مسالك الباحثين الجادين، فيما تراه أنت دون ذلك. محظوظون جدا أولئك النفر المعدود من أساتذة علم الاجتماع الذي نالوا اعترافك بجدارتهم، أتذكر أنك كنت تثني من بينهم على الدكتورة لاهاي عبد الحسين، والدكتور الذي رحل قبلك بعام، كريم محمد حمزة، وكنت معجبا بالدكتور فالح عبد الجبار وإمكاناته.

لقد تحررت كلية الآداب من هذا (الطاغوت) بحجة واهية، ووقفت منه موقفا ستندم عليه اليوم كثيرا، ولات حين مندم.

لو كانت كل واحدة من كليات جامعاتنا تحظى بـ (طاغوت) مثلك، لكان وجه التعليم الجامعي لدينا وجهٌ آخر، وجهٌ أكثر إشراقا وعطاءً وبهاء.

أما في المركز العلمي العراقي، فلم تكن (الطاغوت) بل كنت الطاووس، الذي نتباهى به، ونتواضع أمامه. مكتبك العريض، وكرسيك العالي، كانت معدة لطاووس يزين المكان فلا يترك فيه فجوة لصمت، لكنك لا تدري كم صار الصمت طويلا بعد غيابك في مرضك منذ عام ونصف. وبقي مكانك، وبقي عنوانك باللوحة الذهبية التي تنتصب أمامك (المستشار العلمي أ.د. متعب مناف) ترقب عودتك، لكن رحلتك الأخيرة كانت الى وجهة أخرى نرجو لك فيها الراحة والإحسان من رب الاحسان.

يذكرك بالخير زميلك في هيئتنا العلمية بالمركز، البروفسور علي مطشر (عميد كلية العلوم التطبيقية بالجامعة التكنلوجية، رئيس قسم العلوم التطبيقية في المركز العلمي العراقي) يذكرك بالخير ويستعيد ذكريات الساعات الطوال من السجال الدائم بينكما، والذي يتراوح بين حوار وجدل، يتصاعد أحيانا حتى نقول نحن بيننا (تعاركو الشياب).. ثم يخمد العراك على فنجان قهوة او استكان شاي، وقهقهة عالية منكما.

ويذكرك بحب البروفسور هاني محيي الدين حاج حمد (خبير الأثار واستاذ كلية الفنون الجميلة) وانت تستوقفه الساعة والساعتين لتستنزف كل ما له صلة بأبحاثه، وكثيرا ما كنت تمازحه وتستطيب ردوده.

يذكرك حواريوك الأوفياء لك، الدكتور رسول مطلق، والدكتورة أيسر عبد الرحمن، والاستاذة رغدة نبيل، والأستاذ ليث عباس، والأستاذ صاحب محسن، والإعلامي الأستاذ حيدر شوكان.

تذكرك نشرة (رصْد) التي اخترت انت اسمها، وصدرت أعدادها التسعة عشر بإشرافك.

إعجابك بالكتابات المتمردة، الناقدة، كان يكشف عن رصدك الدؤوب لكل جديد.. وقد يعجبك الكتاب وتكثر الثناء عليه من فقرة واحدة فيه، ترى انها تستحق أن تكون لوحدها هي الكتاب.

أما رؤيتك في التاريخ فقد كانت جديرة بأن تدوّن في كتاب يحمل اسمك، تتردد أصداؤه في ارجاء المعمورة، على الرغم من اختلافي معك في بعض محاور افكارك الجوهرية، والتي كان يتكرر فيها النقاش والسجال بيننا، واذا كنت أرغب بإنهاء السجال، ولا تنهيه أنت مهما طال، فأحتج عليك بكتابك (تاريخ الفكر الاجتماعي) فتضحك وتقول: "انت ماسكني من هذا العنوان، رجعلي الكتاب اغير عنوانه، فأقول لك هيهات، سبق السيف العذل".

كم كنت جميلا أيها الطاووس عند من يفهمك، وينظر عن قرب الى طول باعك وعمق أفكارك وسعة بحورك..

حريٌ بكلية الآداب بجامعة بغداد، كي تكفّر عن شيء من خطيئتها معك، أن تضع لك نصبا تذكاريا في باحتها، وتضع اسمك المهيب على احدى قاعاتها.

نعم قرير العين بعد كل ما لاقيت، فاسمك يجلجل على مرأى من رآك طاغوتا، وفي قلب من رآك طاووسا.

 

د. صائب عبد الحميد

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

له الذكر العطر...عطره الفكري النافذ سيعطرالاماكن التي تواجد فيها علمياً و عملياً...او سيطوف حولها لينتعش به الامل في طلابه و زملاءه
له الرحمة
و لكم الشكر

عبد الرضا حمد جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

ولك الشكر لاهتمامك وتقديرك لهذا الرجل الكبير

صائب عبد الحميد
This comment was minimized by the moderator on the site

رحل طاغوت تحرير الأفكار و الرؤى و لاح في ذكراه طاووس الحكمة و الجد و الحب المسؤول ...عرفتني به أستاذنا د.صائب كأنني منذ عقود أعرفه..و االصالحون باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة و أرواحهم معهودة ..بوركت أستاذنا و عاش الفكر الحر و الروح الصادقة العاشقة للحق و الحقيقة..

عبد الحميد محسن
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4505 المصادف: 2019-01-05 01:18:30