 شهادات ومذكرات

نساء القصور على مر العصور (9): جوهرة النيل

محمد فتحي عبدالعال(الجميلةُ أتتْ) ما أجملَ أنْ توصفَ المرأةُ بجمالِ نفرتيتي الّذي وُضِعَ كأساسٍ لمقاييس الجمالِ العالميّ والمعتمد عبر َعملياتِ التجميلِ التي تحملُ اسمها . حتّى أنّ بعضَ المهتمين اعتبرها أجمل نساءِ العالم فهي رمزٌ للأنوثةِ والسلطةِ والقوةِ .

على ضفافِ النيل كانتِ البدايةُ لسّاحرةِ المشرقِ الفاتنة، وصاحبةِ الجمالِ الفرعوني الخلابِ والمرأة التي حكمتْ مع زوجها أخناتون.  هذه المرأة التي لازالتْ تسحرُ الألباب بجمالها منذُ القرنِ الرابعِ عشر قبلَ الميلادِ. وللحديثِ عن نفرتيتي الطفلة الفاتنة الجمالِ

اختلفَ المؤرخون حولَ نشأتها فالبعض أرجعَ أصولها إلى أصولٍ افريقية والبعض أرجعها إلى أحد ملوكِ الكرد فيما ذهبَ البعض إلى أنّ اصولها سورية. ولكنّ المجمع عليه لدى أغلب علماءِ المصريات هو أنّها مصريّة الأصلِ والمنشأ و أنّها ربما كانت ابنة آي قائد الجيش في ذاك الزمان وهذا ما منحها القوة ...تزوجتْ نفرتيتي في سنِ الخامسة عشر من امنحوتب الرّابع الملقب بأخناتون والّذي قادَ ثورةً دينيةً تصحيحيةً. دعتْ إلى توحيدِ ِالآلهة في إلهٍ واحدٍ رُمِز لهُ بقرصِ الشّمس وأطلق عليه أتون ،ونقلَ عاصمة ملكهِ إلى تل العمارنه...كانت نفرتيتي الزوجة المخلصة أولى المصدقات بزوجها والداعين لدينه الجديد الذي مثل انقلاباً شديد الوطأة على كهنة آمون الذين تربعوا علي عرش الكهانة لعقود طويلة وغيرت اسمها إلى نفرنفراتون نفرتيتي لتعلن ولائها لعقيدة زوجها التوحيدية ويعني الاسم الجديد ( آتون يشرق لأنّ الجميلة قد أتت) وشاركته كافة الاحتفالات والطقوس الدينية ...تمتعت نفرتيتي في عهد اخناتون بقوة ونفوذ  لامثيل له ، حيث وجد لها العديد من الرسوم الجدارية بحجم يماثل حجم الملك أثناء عبادتها الإله أتون . كما ظهرتْ صور نفرتيتي وهي تحارب الأعداء وكأنّها بمنزلة فرعون

لا نعلم على وجه الدقة ما حدث لمملكة اخناتون  ونفرتيتي إلا أن حجم الدّمار الذي حلّ بعاصمة ملكهما وحملة التشويه المتعمد لتماثيلهما توحي أن اضطرابات واسعة قد صاحبت هذا التغيير الديني نحو التوحيد وأنّ أعمالَ شغبٍ وانشقاق قد حدثت في صفوف جيش اخناتون مما أدى لانهيار حكمه على نحو غامض ومع تمزق دولة اخناتون عاد كهنة آمون إلى الصدارة من جديد مما جعل نفرتيتي تسارع إلى تولية توت عنخ آمون الصبي ليخلفَ أبيه أخناتون والذي سارع إلى تقديم فروض الطاعة ومغازلة كهنة آمون سعيا لاستقرار حكمه وهنا تختلف الآراء حول منزلة توت عنخ آمون من نفرتيتي ففيما ذهب البعض إلى أنّها أمه فقد عارضَ البعض هذا الرأي مؤكدين أن نفرتيتي أنجبت ست بنات فقط وان توت ربما كان ابنا لإحدى محظيات أخناتون لكن الثابت أنّ توت تزوج إحدى بناتها..

اشتهرت نفرتيتي بجمالها وتحديدا عنقها الطويل المشدود وفكها المستقيم كما ذاع عنها اهتمامها بكل ما يخص بشرتها وبقائها ناضرة وإبعاد شبحِ التجاعيد عنها، فكان استخدامها المفرط للحليب في تنظيف البشرة وازالة الخلايا الميتة وهو ما تؤيدة الدراسات الحديثة لاحتوائه علي حمض اللاكتيك والبروتين والدهن مما يساعد على ترطيبِ البشرة ونعومتها ...

وكذلك استخدامها لزبدة الشيا والّتي تتربعُ على عرشِ مساحيق التجميل لاحتوائها علي فيتامين A ,E والأحماض الدهنيّة الأساسية مما يحافظ على جمالِ البشرةِ والشّعر والأظافرِ.

كما تشيرُ بعض تماثيلها أنها كانت حليقةَ الشعر بالموس وأنها كانت تتخذ شعرا مستعارا ...كما اشتهر عنها بشرتها السمراء إلا ان دراسة بريطانية لجامعة بريستول ربما تطيحُ بهذهِ الفرضية مستقبلا مؤكدة أنّ بشرتها كانت بيضاء !  كانتْ نهاية نفرتيتي شديدةَ الغموض فقد أرجع البعض غيابها التام عن مسرح الأحداث بالبلاط الفرعوني فجاءة وبدون أية مقدمات  لوفاة إحدى بناتها وحزنها الشديد عليها وأن انقلابا ناعما قادته ابنتها ميريت اتون لتحل محلها .وبعضها يعتقد أنها تقمصت دور رجلٍ باسم الفرعون سمنخ كارع الحاكم بعد زوجها.

فيما تذهب بعض النظريات إلى وفاتها بالطاعون وهي الفرضية التي لا يقوم عليها دليل ..غير أننا نرى أنّ النهاية لنفرتيتي قد تبدو طبيعية وأنّ اهتمامها بجمالها ربما كان سلاحاً ذو حدين فالكحلُ الفرعوني الّذي اشتهرتْ به والمصنوع من الرّصاصِ السّام كان وحده قاتلاً على المدى الطويل، وذلك لغيابِ أية تقديرات دقيقة في هذه العصور القديمة لمستوى الجرعات الآمنه من الرّصاص وكذلك أحمر الشفاه المائل للبنفسجي  والذي اشتهرت به أيضا والذي كان يصنعهُ قدماءُ المصريين من الأعشابِ البحريّة التي استخلصوها من مياهِ نهرِ النيل، فجفّفوها، وطحنوها، ثمّ قاموا بمزجها بمادتي اليود، والبرومين الشديدة السّمية ...كلّ هذه المواد السّامة ربما كانت سببا لتدهورِ صحتها على المدى الطويل ... وتبقى ملكة جمالِ العالمِ في تلك العصورِ لغزاً لم يكتشف حيّر العلماء حتى يومنا هذا.

 

أستاذة راغدة شفيق محمود الباحثة السوريّة في علوم اللّغة

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصريّ

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4525 المصادف: 2019-01-25 00:57:40