 شهادات ومذكرات

غاليلو غاليلي وصراعه مع الكنيسة

صباح شاكر العكامفي سنة 1540م أدرك عالم الفلك والرياضيات البولوني نيكولاس كوبرنيكوس(1) إن الحركات المعقدة الظاهرية للكواكب يمكن تعليلها بان الشمس ثابتة في حين أن الأرض والكواكب الأخرى تدور في مدارات حول هذا النجم الباهر، وقد أصدر عام 1543م كتاباً بعنوان " دورات الأجرام السماوية " ، وقد كانت الكنيسة تتبنى آراء أرسطو(2) عن الكون، وهي النظرية التي تقول بأن الأرض هي مركز الكون، وأن الشمس تدور حولها كما هو ظاهر للعين ، وقد خلعت الكنيسة على هذا الاعتقاد طابع القداسة، حيث سيتعرض كل من يشكك فيه الى الملاحقة القضائية.

في عام 1610م صنع غاليلو غاليلي(3)  منظاره (تلسكوب غاليلو) ، وقد استطاع بواسطته أن يكشف عن أقمار كوكب المشتري "جوبيتر" ، وما أن انتشر الخبر حتى أعلنت الكنيسة  إن هذا الاكتشاف يراد به أن يعزز ما جاء بكتاب "دورات الاجرام السماوية " للملحد نيكولاس كوبرنيكوس، وكانت الكنيسة قد وضعت أسس ما يسمى بالعلم السلمي، حيث إن الطريق القويم الذي رسمه الدين لكي يكون وسيلة للوصول الى الحقائق المتعلقة بعلم الفلك، هو طريق التفكير اللاهوتي المدعم على أساس النصوص المنزلة في التوراة والإنجيل، التي أكدت على أنه لا يمكن أن يوجد أكثـر من سيارات سبع وبرهاناً على ذلك وجود تلك المناير(4) السبع التي ذكرت في سفر يوحنا، والمناير السبع التي جاءت  في قصة سليمان في التوراة.

كان غاليلو قد اطلع على كتاب "علم الفلك الجديد" الذي ألفه أحد الفلكيين الألمان اسمه "جوهانز كبلر"(5) ، وقد قرأه بعناية وعندما انتهى منه أصدر أول كتبه بعنوان "رسول النجوم"، الذي لاقى موجة شديدة من اعتراضات قادها رجال الدين، وقد ازعجتهم امكانية أن تترك تلك القراءة التجريبية والمبتكرة للطبيعة، والمعرضة لتفسير النصوص المقدسة، آثاراً غير متوقعة على المفهوم الأرسطي الجامد للعالم .

 استمر غاليلو في خوض معركته مع الكنيسة عندما اصدر كتابه الثاني "حوار حول النظامين الرئيسيين للكون" أن يثبت إن تفسير الآيات المقدسة تفسيراً حرفياً، لا يجب أن يطبق على الحقائق العلمية ، فأصدرت الكنيسة رداً أكدت فيه إن ذلك الكتاب يؤكد على هرطقة غاليليو، وإنه أشد إفساداً من كوبرنيكوس .

عندما أعلن غاليلو إن هناك جبالاً وودياناً في القمر، وانه يستمد نوره من انعكاس ضوء الشمس، خرجت الكنيسة من جديد لتعلن إن ما كتبه غاليلو يتناقض مع الأنجيل الذي أكد إن القمر عبارة عن ضوء عظيم.

في عام 1616م صدر من الفاتيكان مرسوماً  يطالب بعدم الابتعاد عن التفسيرات الوحيدة التي يتيحها الكتاب المقدس، موجهاً الاتهام بالهرطقة لكل من يخالف ما جاء بالتوراة والإنجيل، وصدرت الأوامر بان تصبح الرقابة على الكتب العلمية ضرورة لا غنى عنها، واضطر ناشروا الكتب إلى تبني مزيد من الحرص، وقد تعرض ناشر كتاب "رسول النجوم" الى الملاحقة القضائية مما دفعه الى التوجه بشكل كامل الى طبع الأعمال الدينية واللاهوتية، وبعد عام شكّل الفاتيكان "مجمع القائمة " مهمته إصدار تعليمات النشر وقد أصدر المجمع قائمة بالكتب الممنوعة والتي ضمت أعمال كبلر وغاليلو وكوبرنيكوس وديكارت وهوبز.

أحيل غاليلو غاليلي الى المحاكمة من قبل الكنيسة بتهمتين ، الأولى هي إصراره على تأكيد نظرية كوبرنيكوس عن دوران الأرض حول الشمس، والثانية وكانت الأخطر وهي إنه ألف كتاباً باللغة الايطالية وليست اللاتينية، حيث لم يكن مسموحاً نشر كتب باللغات المحلية لمنع انتشار العلوم والأفكار الحديثة، والتي كانت تعتبر بنظر الكنيسة أفكاراً هدامة، ولهذا كان كتاب غاليلو هو أول كتاب علمي يكتب من أجل الناس ، أن عقوبة التهمتين الحرق فتنازل غاليلو عن افكاره وكتب :" أنا غاليليو غاليلي من فلورنسا، في السبعين من عمري، ماثل للمحاكمة، أقلع عن الفكرة الخطأ بأن الشمس ثابتة وإنها مركز الكون، وأقر إنني لن أتمسك بهذه النظرية الخطأ، أو أعلّمها أو أدافع عنها بأي وجه من الوجوه " ، كانت هذه الكلمات التي حاول من خلالها غاليلو أن ينجو من عقوبة الموت حرقاً.

حكم على غاليلو بالإقامة الجبرية في بيته ومنعه من مزاولة أي نشاط علمي ، وبعد خمسة أعوام مات في عزلته المفروضة عليه، فيصدر البابا قراراً بمنع إقامة قداس له، لأن اية كلمة عليه ستكون إساءة لسمعة الكنيسة.

 

صباح شاكر العكام

.....................

الهوامش:

1- نيكولاس كوبرنيكوس (1473م ـ 1543م) هو راهب وعالم رياضي وفيلسوف وفلكي وقانوني وطبيب وإداري ودبلوماسي كان أحد أعظم علماء عصره. يعتبر أول من صاغ نظرية مركزية الشمس وكون الأرض جرماً يدور في فلكها .

2-  ارسطو طاليس(384ق.م – 322ق.م) فيلسوف اغريقي ، تلميذ أفلاطون ومعلم الإسكندر الأكبر، وواحد من عظماء المفكرين الذي تغطي كتاباته مجالات عدة .

3- غاليلو غاليلي(1564م – 1642م) عالم فلكي وفيلسوف ايطالي ، نشر نظرية كوبرنيكوس ودافع عنها بقوة على أسس فيزيائية .

4- المناير : جمع منارة وهي الاجسام المضيئة .

5- جوهانز كبلر: (1571م - 1630)، عالم رياضيات وفلكي وفيزيائي ألماني كان أول من وضع قوانين تصف حركة الكواكب بعد اعتماد فكرة الدوران حول الشمس كمركز لمجموعة الكواكب من قبل كوبرنيكوس وغاليلوغاليلي.

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4530 المصادف: 2019-01-30 01:46:01