 شهادات ومذكرات

من دفتر الذكريات: د. محمد حسين آل ياسين محامياً

ليث الصندوقكلما ابتعدت سفينة الأيام، وأوشكت أن تغيب في الأفق، سحبناها إلينا بحبال الذكريات، يدفعنا لذلك وفاؤنا للبحر وللبحارة وللربان . كان ذلك يوماً من أيام عام 1979، وكنت يومئذ في العشرينات من عمري، أكتب الشعر، بيد أني لم أكن قد نشرت سوى القليل منه، لذلك لم يكن إسمي قد عُرف بعد في الوسط الثقافي . ولأني ككل الحمائم في بداية ارتيادها للسماء أحلم بالوصول إلى أقصى ما يمكن للحمائم الوصول إليه، ولا بأس أن أحدّد هدفي دونما حرج، ما دمت لم أسرّ به أحداً من رواد الفضاء فيسخر مني ومن أحلامي . لقد كنت أحلم أن أصل إلى القمر الذي غلبني في الوصول إليه الأمريكي (نيل أرمسترونك) بعشر سنوات. والوصول إلى القمر بالنسبة لحمامة هي في أول عهدها بالطيران كان يعني هو المستحيل بعينه، أما بالنسبة لشاعر في أول الطريق كان يعني طبع مجموعته الشعرية الأولى، وفي مؤسسة النشر التابعة لوزارة الثقافة والإعلام حصراً فهي الوحيدة المخولة بمنح إجازات ارتياد الفضاء الثقافي . لذلك حزمت حقائبي، وملأت مزادتي، ثمّ خفقتُ بجناحيّ بعد أن استطلعت الأفق، وصممت على خوض مغامرة الطيران .

هكذا ذهبت بأنضج قصائدي إلى دار الرشيد للنشر التابعة لوزارة الثقافة والإعلام، وهي الدار الأم لابنتها الحالية دار الشؤون الثقافية، وسلمت مجموعتي البكر التي أسميتها (خلف ذناب البرق) إلى الموظفة الجميلة، ورجعت إلى البيت ألوم نفسي وأبكّتها على قساوة قلبي، وعلى أبوّتي الناقصة التي استأمنت على فِلذة كبدي الغرباء . وبعد انتظار لم يدم طويلاً تسلمت من دار النشر رسالة تتضمن رأي خبيرها السرّي في المجموعة . وبالرغم من أني نفضت الرسالة مراتٍ، وقلّبتها ظهراً لوجه، وفرّطت حروفها وكلماتها كحبوب الرمان بحثاً عن اسم الخبير، إلا أني لم أفلح، وبقي الأسم مجهولاً لي حتى الساعة . وعلى العموم لم يكن اسم الخبير هو المهم بقدر ما كان رأيه، والأهم من رأيه كانت ذريعته لتسويغ ذلك الرأي . لقد رفض الخبير الشبح المجموعة بكاملها بذريعة استخدام مفردات لغوية بائدة استخداماً مغلوطاً في واحدة من قصائد المجموعة، وأنه لمن العجب أن ترفض مجموعة بكاملها بجريرة قصيدة واحدة منها فقط .

من الطبيعي أني بعد كل تلكم السنين ما زلت أحسّ، ولحد اليوم، وبعد أن أصدرت ثماني مجاميع شعرية نشرت خمس منها في ذات الدار التي رفضت مجموعتي الأولى، أقول ما زلت لحد اليوم أحسّ بألم السكينة المثلومة التي ذُبح بها جهدي الإبداعي الأول . ومما يزيد في ألم الذبح أنّ الذابح مجرّد شبح، بلا إسم، ولا هوية، ولا عنوان . لا اعرفه، ولا أستطيع الوصول إليه لأستزيد من تفاصيل قناعته المجتزأة والمبتورة، أو لأردّ في محكمته الجائرة عن ما نسب إليّ من التهم بأدلة وشهود من مَظان التراث . وفي تلك اللحظات الحرجة قررت أن أواصل حياتي كبريء، وأن لا تخدعني التهم الباطلة التي نسبها لي القاضي الشبح فأصدّق أني مذنب، أو متهم في كفاءتي الإبداعية . ولكن قراري بالمواصلة مقروناً بقناعتي في براءتي ينبغي ألا يُلهياني عن البحث عن محام نزيه وضليع يشدّ من أزري ويُدافع عن قضيتي، حتى وإن كانت مرافعته لن تصل إلى آذان الخبير الشبح ولا إلى الهيئة القضائية التي ينتسب إليها ويتخّفي وراء جدرانها السميكة . وحددت مع نفسي صفتين للمحامي النزيه الذي ينبغي لي اللجوء إليه، وهما :

- أن تكون معرفته باللغة معرفة أكاديمية رصينة لا يرقى إليها الشك، ولا يختلف عليها اثنان

- أن يكون شاعراً قديراً ومعروفاً

ولكن الصفتين في ذلك الزمن لم تكون لتجتمعا معاً في شخص واحد إلا إذا كان الشاعر في الأكاديمي هو شاعر تقليديّ ينظر إلى قصيدة التفعيلة على أنها عمل تخريبي ضدّ التراث مدفوع بقوى شبابية مدسوسة للإطاحة بسلطة الشيوخ المقدسة . ولأني شاعر تفعيلة، ومجموعتي المرفوضة هي مجموعة تفعيلة، وإن الإحتكام إلى محام تقليدي ربما يُعقيد الأمر، ويؤدي إلى تشديد الحكم السابق، لذلك عدّلت في صيغة الصفة الثانية ليكون المحامي المرتجى إضافة إلى مقدرته وسعة انتشاره شاعراً يتسم بالاعتدال، ولم يُعرف عنه التعصب الإبداعي، ولا الزمّت  الثقافي . ولم يصعب عليّ من الوهلة الأولى أن أكتشف ان الشخص الذي تنطبق عليه تلكما  الصفتان هو الدكتور محمد حسين آل ياسين .

لكني وجدت نفسي موثقاً بقيدين يحولان دون توجهي للدكتور آل ياسين أولهما أني لم أكن قد تعرفت بعد عليه، ولم أكن قد التقيت به، وثانيهما هو بأية جراءة أحمّل رجلاً لم يسبق لي التعرف به عبئاً لا علاقة له به . ومع ذلك تجاسرت على القيدين، وقصدت الرجل إلى مقر عمله في كلية الآداب بالباب المعظم، وانتظرته حتى أكمل محاضرته وجاء إلى قاعة الأساتذة التي كنت أنتظره فيها . عرّفته بنفسي، فرحّب بي بمودّة يتمازج فيها الإتزان بالتواضع، ثمّ جلس إلى منضدته، وجلست قبالته أشكو إليه قرار الخبير . تناول مني الرجل المسودة برفق وكأنه يتناول رضيعاً في قِماط، وراح يقلب أوراقها بين يديه، فيتوقف عند بعض القصائد، ثمّ يواصل التقليب، ثمّ يعود إلى ملاحظات الخبير، فيمعن النظر بها، ثمّ يصغي إليّ بكلّ جوارحه وكأنّ قضيتي هي قضيته، وشكاتي هي شكاته . وبعد أن أكملت شرب استكان الشاي، طلب مني أن أبقي المجموعة لديه ليقرأها برويّة، ويخلص منها إلى رأي، وأن أعود إليه في الأسبوع المقبل ليبلغني برأيه بعد أن حدد لي اليوم والساعة المناسبين لمواعيد محاضراته .

عندما زرته في الموعد المحدد وجدت على منضدته مسودة مجموعتي الشعرية وفوقها احد قواميس اللغة العربية، وبين صفحات القاموس ثمة ورقة، إستلّها من بين الأوراق، فإذا بها رسالة تتضمن رأيه في ملاحظات الخبير . نظرت إلى الرسالة، فشعرتُ بالخجل من الجهد الذي سببته للرجل فقد تناول بالتمحيص رأي الخبير فناقشه ونقضه، وخلص إلى القول: (أني لم أجد في المفردات أيّ خطأ لغويّ، أو غير لغويّ، وإنما هي ألفاظ عربية فصيحة صميمة مستقاة من اللغة الثرّة الغنيّة، وقد استعملتها أنتَ استعمالاً سليماً لا يبعدها عن دلالتها التي وضعت لها أصلاً) . ولم يتوقف عند حدود هذا النقض، بل تعداه إلى رأيه في المجموعة، وبشاعرية صاحبها فكتب يقول: (قرأت مجموعتك الشعرية - خلف ذناب البرق - فوجدتك فيها شاعراً يمتلك أدواته الفنية امتلاك القادر الحاذق، وقد وقفت في قصائدك الرائعة على موهبة حقيقية أرجو لها من كلّ قلبي ان تأخذ حقها الطبيعي من الاهتمام والإعجاب اللذين تستحقهما، وأني لمطمئن إلى مستقبلك كلّ الإطمئنان) أما بالنسبة للقصيدة التي أخذت المجموعة بجريرتها فقد كتب الدكتور آل ياسين يقول: (... والقصيدة بشكل عام من القصائد التي فرضت عليّ الإعجاب بها، ومن ثمّ الإعجاب بك)

كانت فرحتي بهذا الرأي غامرة، ولفرط فرحتي أردت أن أغادر الغرفة من النافذة، لكني خشيتُ أن يُسيء بي الرجل الظنون فيتراجع عن رأيه . لقد أعادت لي رسالة الدكتور آل ياسين ألثقة بقدراتي، وشجعتني على أن أواصل الإبحار، فأرسلت قصائد المجموعة المرفوضة إلى أغلب الصحف والمجلات العراقية، وكم كنت مزهواً وأنا اشاهد قصائدي المرفوضة تتبختر في اثواب الزفاف على صفحاتها، وعلى صفحات أهم مجلة أدبية عربية وهي مجلة الآداب اللبنانية التي كان يرأسها الراحل الكبير الدكتور سهيل أدريس رحمة الله عليه . وما زلت لحد اليوم أحتفظ باعتزاز برسالة الدكتور آل ياسين التي كانت الطوفَ الذي أنقذني من الغرق، وأوصلني سالماً إلى اليابسة .

لا بدّ لي أن اذكر بأني فيما بعد صرت أتفهم دواعي تصرف هذا النمط من الخبراء، فطبيعة البنية الثقافية الرسمية لمجتمع يرزح تحت ضغط سلطة سياسية ذات هيكلية تعاقبية صارمة، تدعمها تركات المجتمع الأبوي في نموذجه الإقطاعي وما نجمت عنه من اساليب تربوية تقليدية ترسخ مبدأ السلطة المطلقة للأخ الكبير . كلّ ذلك ساهم في تدعيم الممارسات الإستعلائية، وإشاعة ثقافة التعليم بالعصا، ومنح الحق للجيل السابق باستخدامها لإجبار الجيل اللاحق على الإقرار بأن الدجاجة هي فيل .

أن تجربتي المريرة الأولى مع الأخ الكبير الشبح، والتي عاناها قبلي، ومعي الكثيرون، بل هي ما زالت تطبع العلاقة ما بين أجيال المبدعين، علمتني أن التعليم بالعصا هو من أسوأ الأساليب التربوية، اما التفاعل بودّ وتواضع فهو الأسلوب الأرقى الذي لا يجيد التعاطي معه سوى قرنائه في الرُقيّ أمثال الدكتور محمد حسين آل ياسين الذي نجح  في إداء دوره مربياً، ولكنّ استجارتي بنزاهته أجبرته أن يؤدي دور المحامي، وقد انعكس أثر نبله ونزاهته على أدائه في الدورين .

 

ليث الصندوق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4562 المصادف: 2019-03-03 01:55:16