 شهادات ومذكرات

جلجامش وسیامند وخجی.. ملاحم الخلود الكردي

محمد فتحي عبدالعالقطوف من الحضارات

ان الملاحم من ابداعات الشعوب ولو لم تقدم حضارة بلاد العراق للانسانية سوي هذه الملحمة لكفت.. انها ملحمة جلجامش احدي أروع ذخائر تراث بلاد الرافدين وأكثرها تفردا فقد مزجت هذه الملحمة الحقيقة المشربة بالحكمة بالأسطورة المزخرفة بالرمزية وجمعت الخيال الأدبي المفعم بالحيوية بالواقع ذو الدلالات العميقة في نسيج واحد وتحكي هذه الملحمة والمكتوبة بخط مسماري علي احدی عشرة لوحا طينيا عن أحد الملوك ويدعي جلجامش وهو ملك أوروك وكان ثلثي اله حيث كانت والدته اله اما أبيه فكان بشر، مما جعله عرضة للفناء شأنه شأن سائر البشر ..تتضمن اللوحة الأولي كون جلجامش ملكا ظالما مستبدا لا يترك امرأة تزف الي زوجها حتي يدخل عليها أولا ، كما كلف رعيته بتحصين مدينتهم اوروك بأسوار من الآجر المحروق ...ولما ضج الشعب من ظلم وجبروت جلجامش ابتهلوا الي الالهة ان تكف اذاه عنهم فقامت الآلهة بتخليصهم عبر خلق ندا له في البرية انه أنكيدو وهو من البشر الخالص قوي البنيه ويغطي جسده الشعر الكثيف مستوطنا الغابات كثير الصراع مع الوحوش ومخلصا للحيوانات من شباك الصيادين، مما حدا بالصيادين الي شكواه الي جلجامش فلجأ جلجامش الي الحيلة لاستدراج انكيدو والتخلص منه عبر اغوائه بحب شمخات، أحدي خادمات المعبد وهو ما يتناوله اللوح الثاني حيث استطاعت شمخات ترويض انكيدو ونقله من طور المارد المتوحش الي طور الانسان المتحضر المالك لبواطن الحكمة فعلمته كيف يأكل وكيف يشرب ويلبس حتي اصبح كالبشر العاديين ثم راحت تقص عليه مفاسد جلجامش وكيف انه يدخل بأي فتاة قبل زوجها فعزم انكيدو علي التصدي لظلم جلجامش

فحدثت مواجهة عنيفة بينهما وكليهما كان من القوة بما يكفي للقضاء علي الاخر لكن انتهي الصراع بأنتصار جلجامش، واعتراف انكيدو بهذا الانتصار ثم توطدت الصداقة بينهما ...الي هنا يتضح ملمح هام هو ان المعارضة تتولد من رحم الاستبداد وانه، حتي وان علت يد الاستبداد وانتصرت يبقي لا مناص للاستبداد من اعادة حساباته والمصالحة مع المعارضة مهما طال الزمن...

في اللوح الثالث قرر الصديقان أن يعملا لصالح شعب اوروك فقررا ان يقطعا اشجار الارز الموجودة بالغابة فصنعا الفؤوس والسيوف العظيمة ولكن هذه المهمه لم تكن بالسهلة في ظل وجود حارس ضخم مثل خومبابا فبمجرد شروعهما في تنفيذ خطتهما وتقليم الاشجار تصدي لهما حارس الغابة غاضبا فتعاون انكيدو وجلجامش علی قتله بالرغم من توسلاته ...لم يمر مقتل خومبابا مرور الكرام حيث اثار مقتله حفيظة آلهة الماء انليل وكانت الغابة في حوزتها ..وهو ما يتضمنه اللوح الرابع والخامس..

في اللوح السادس وقد عاد جلجامش الي عرشه منتصرا فأعجبت الالهة (عشتار) بجماله وطلبت الزواج منه لكنه رفض بشكل قطعي مذكرا اياها بماضيها مع ازواجها السابقين وما آلت اليه مصائرهم ..غضبت عشتار من هذا الرفض وعزمت علي قتل جلجامش وفي سبيل ذلك استعطفت ابيها (أنو) وأمها (أنتم) وبكت لهما فقدم لها أبوها الثور السماوي القادر علي قتل جلجامش...و بنزول الثور السماوي أثار الهلع الشديد في أوساط المدينة فتجهز له جلجامش وانكيدو وذبحاه فأستشاطت الالهة غضبا ..

في اللوحة السابعة يري انكيدو رؤيا يقصها علي جلجامش مجملها ان الالهة اجتمعت للثأر لقتل خمبايا والثور السماوي وقررت معاقبة احدهما ولان الروح الالهية كانت تسري في جسد جلجامش ، فقد وقع الاختيار علي انكيدو فصدر القرار بموته عقابا علي ما حدث..فمرض انكيدو حتي مات وقد كانت امنيته ان يموت في ساحات القتال حتي يخلد اسمه مع الابطال وهي الامنية التي لم يدركها..

اللوح الثامن: يتضمن حزن جلجامش الشديد علي رفيق دربه انكيدو وقد جلس الي جوار جثمانه المسجي يناجيه قبل ان يواري جسده الثري..

اللوح التاسع : يبدأ جلجامش رحلة جديدة ولكن هذه المرة بحثا عن الخلود فقد كان شبح الموت يخيم علي مخيلته فأنطلق هائما علي وجهه قاطعا الجبال والفيافي متوجسا من الموت وباحثا عن الخلود وفي سبيل الحصول علي هذا الخلود كان عليه ان يجد (اوتنابشتم) لانه الوحيد العالم بهذا السر وفي الطريق يجد الالهة سيدروي والتي راحت تجاهد رغبته في الخلود دون جدوي ولكن مع اصراره ارسلته الي الطواف (أورشني) ليساعده علي عبور بحر الاموات ليصل الي الشخص المطلوب وفي النهاية يعثر جلجامش علي اوتنابشتم وزوجته وهما الناجيين الوحيدين من الطوفان ولذلك منحتهما الالهة الخلود حيث غضبت الالهة علي البشر فقررت اغراقهم ولكن أحد الالهة أوعز الي اوتنابشتم صناعة سفينة كبيرة يجمع فيها عدد من البشر والحيوانات للنجاة من الطوفان وتعتبر هذه أقدم أشارة علي طوفان نوح الوارد في الكتب السماوية..

مع توسلات جلجامش قررت زوجة اوتنابشتم ان تساعده في النهاية وأرشدته الي نبتة الخلود والتي تنبت في المياه وتمنحه الشباب الدائم وتجرح البشر مثل الشوك فيشعر جلجامش بالسعادة الغامرة لامتلاكه العشب أخيرا عازما علي اخذه معه وتجربته علي المسنين بأوروك أولا ثم زراعتها لينال خيرها جميع اهل مدينته ولكنه وفي طريق العودة وبينما هو يستحم في بركة المياه من عناء الرحلة استطاعت حية سرقة النبتة نازعة جلدها القديم ومتحلية بنشاط وشباب متجدد (وهي الشعار الذي يشير الي مهنة الصيدلة) ..هنا يدرك جلجامش ان لا حظ له في هذا الخلود فقرر ان يخلد اسمه بطريقة اخري وهي ان يعود الي بلاده مرسيا قواعد العدل وناشرا للعلم والمعرفة فهما السبيلين نحو الحياة المتجدده والبقاء الابدي وهنا رمزية رائعة  فمن يستثمر في موارد بلاده البشرية وينميها هو الحاكم القادر علي الخلود لانه الاثر الباقي علي مر التاريخ ..

جلجامش أنا( 2)

بقوتي وجبروتي وانتصاراتي ملئت التاریخ مجدآ

بملاحم بطولاتي،

لكن حزنی لفقدان انكیدو" صدیقي

جعلني أسلك درب البحث

لما كان ینویه بداخله

عن نبتة الابدية

عن نبتة تعوض أهلي وناسي

تعوض العالم أجمع

عن ظلمي واستبدادي

بحثت وبحثت

و قد طال بحثي

عن نبتة الحیاة الابدية

وفي طریق بحثي

وإذا بي وجدت نفسي أبحث،

لكني أرفض الموت

أبحث عن حیاة، عكس هذا الحیاة

مرساي في سعادة غیري

ومرفئي في الخلود الأبدي .

تربط الابحاث المعاصرة بين ملحمة جلجامش وبين ملحمة سيامند وخجي في الادب الشفاهي الكردي من حيث الأطر العامة وأن انكيدو من الكرد الفيلين ، حيث تورده الملحمة بأنه الرجل القوي الاتي من الجبل ولما كانت جبال بيشتكوه (بلاد ايلام) هي الاقرب لاوروك وهي موطن الكورد الفيليين كما الفأس التي استخدمها انكيدو وهي القوة التي عرف بها سكان ايلام، فالارجح ان انكيدو من هذا الموطن ...كما يستدلون بأن كلمة جلجامش وتعني الثور الكبير او المقدس، هي كلمة لا زال الكرد يستخدمونها الي اليوم كما أن رمزية الثور تحتل مكانة هامة في الثيولوجيا الكردية وكانت عبادته منتشرة لديهم في الازمنة القديمة مما يؤيد الصلة الوثيقة بين جلجامش والحضارة الكردية ويرجح ان تكون هذه الملحمة اقدم نص أدبي كردي مكتوب بالاضافة الي كونه من اقدم النصوص الادبية الفنية عبر التاريخ ...

عندالمقارنە بین الملحمتین ملحمة جلجامش وبين ملحمة سيامند وخجي في الادب الكردي نری:

كلا الملحمتين جاءتا على شكل قصيدة ملحمية، ولكن كتبت جلجامش على ألواح طينية بينما وصلتنا ملحمة سيامند بشكل قصيدة ملحمية وصلتنا شفاها من أجداد الكرد، وهذا من دواعي تصوّرنا أنها من بقايا ملحمة جلجامش.

التغنّي بظلم البطل ورحمته معا، ففي مطلع ملحمة جلجامش يتغنّى بقوته وظلمه وخلود اسمه بسبب الأعمال الجيدة التي قام بها، والحكمة التي فتّش عنها فتقول “هو الذي عرف كلّ شيء فغنّي باسمه يا بلادي”.

كذلك في ملحمة سيامند يتغنّى بأعمال الصعلكة التي قام بها سيامند وصديقه أو أخيه قره كيتران. كذلك يلاحظ هذا التغنّي بظلم البطل ورحمته في معظم الملاحم الشفوية الكردية.

في ملحمة جلجامش يشترك اثنين من الذكور في البطولة “جلجامش وأنكيدو” كذلك في ملحمة سيامند يشترك بطلان من الذكور في البطولة “سيامند وقره كيتران”.

في ملحمة جلجامش يموت أنكيدو قبل جلجامش ويترك الدور البطولي لجلجامش حتى نهاية الأسطورة، في ملحمة سيامند يموت قره كيتران قبل سيامند ويبقى الدور البطولي لسيامند حتى نهاية الملحمة.

للرؤى دور تنبؤي في ملحمة جلجامش، فهو يرى في حلمه ما تأويله أنّه سيلتقي بصديق وكذلك في ملحمة سيامند يرى سيامند في حلمه “الخضر” الذي يلقّنه دعاء طلسميا لمجابهة خصومه دون أن يخسر المخاصمة ويعده أنّه لن يقتل على يد بشر.

في ملحمة جلجامش يتصارع كل من أنكيدو وجلجامش في البداية ويغلب جلجامش أنكيدو، وكذلك يتصارع كلّ من سيامند وقره كيتران وتكون الغلبة لسيامند، وهكذا يمكن إيجاد العديد من القواسم البنيوية المشتركة بين الملحمتين، ولكن في ملحمة سيامند تظهر الكثير من التحوّلات وربما جرى نسيان الكثير من التفاصيل وعوّضت بالتغييرات الملائمة للتطور الديني والاجتماعي منذ آلاف السنين، وإلى وقت صناعة آخر نسخ الملحمة السومرية المتمثّلة بسيامند وخجي، فيمكن النظر إلى التعويض عن رحلة الخلود لجلجامش برحلة هروب سيامند مع حبيبته خجي، حيث تبدو الحكمة التي اكتشفها جلجامش عبر القيام بالأعمال الجيّدة معوضا عنها بالهروب مع الحبيبة، وربما كان ذلك علاجا لمشكلة اجتماعية جديدة، وهي أنّ الاقطاعيين كانوا يأخذون من يريدونها زوجة لهم، بحكم نفوذهم، فكان سيامند هو الشخصية البطلة الأسطورية التي جابهت ذلك الواقع، ولا يخفى على الباحث التأثيرات الاجتماعية الرومانية، والتي ربما أخذت الملحمة الأصل إلى منحى آخر متأثرا بالعصور الهلنستية والتأثيرات الأوروبية، عندما كانت تحكم الشرق منافسة ومناصفة مع الإمبراطوريات الإيرانية قبل مجيء العرب المسلمين إلى المنطقة بعد ” الفتوحات الإسلامية، ولهذا نرى خجي تنتحر بعد مصرع حبيبها، مما يذكرنا بروميو وجولييت.

 

استاذة سروه عثمان مصطفی كاتبة واديبة كردية

د.محمد فتحي عبد العال كاتب وباحث مصري ..

.....................

المصادر

١- الويكبيديا العربية

٢- قصيدة للشاعرة سروه عثمان

٣- بقايا ملحمة جلجامش في ملحمة سيامند للاستاذ حسين شاكر.المركز الكردي السويدي للدراسات

٤- كتاب: الكلام المباح .. مقالات في السياسة والادب للدكتور مؤيد عبد الستار

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4571 المصادف: 2019-03-12 01:41:50