 شهادات ومذكرات

نساءُ القصور على مرّ العصور (11): نفيسة البيضاء أمّ المماليك

محمد فتحي عبدالعالجاريةٌ شركسيةٌ وقيل حلبية، كانتْ تتميّز ببياض آخاذ يداعبُ شغاف القلوب إنّها نفيسة  والتي صار لقبها البيضاء . كلّ ماهو مدوّن عن بدايتها جارية لسيّدها علي بك الكبير الذي فتن بها ثم أصبحت زوجه له إلا أن نفوذها في عهده لم يكن بالقدر الكبير ..

كان زوجها الأول علي بك الكبير شيخا للبلاد وهو منصبٌ رفيع بمثابة الحاكم الفعلي لمصر التي كانت في هذا الوقت ولاية عثمانية  .طموحات الرجل كانت كبيرة فعمل على  الاستحواذ على الحجاز وجهز  جيشا عرمرما من أموال المصريين المساكين. وهو الرائد في فنون سلب الأموال بالمصادرة وتحرك جيش علي بك الكبير بقيادة زوج ابنته وتلميذه محمد بك أبو الذهب حيث استطاع الجيش بسط نفوذه على الحجاز ونودي باسمه سلطان مصر وخاقان البحرين ..شجع هذا الانتصار علي بك الكبير للتقدم باتجاه الشام فاستولى على القدس ويافا ثمّ دمشق بعد هزيمة الجيش العثماني ..كان علي بك يتحرك على وتيرة  لعبة توازنات القوى العظمى في عصره فحاول التقرب من الجانب الروسي العدو التقليدي للباب العالي العثماني للحفاظ على مكتسباته  ولكنّ الباب العالي كان خصما ليس باليسير  يجيد استعمال سلاح المال في شراء الذمم فاستطاع استمالة ابو الذهب قائد جيش علي بك الكبير فتوقف عن فتوحاته متحديا سيّده ومعلمه علي بك وأصبحت المواجهة بين علي بك وقائده الخائن حتمية والتي انتهت بانكسار علي بك وإصابته بأصابات بالغة أدت لوفاته  لقد نجح العثماني بالقضاء على أحلام علي بك بخيانة أقرب الناس إليه ..كانت نفيسة البيضاء هي جائزة ابو الدهب لمملوكه مراد بك فأنتقلت نفيسة من بيت رجل حالم وغير عادي وطموح إلى بيت أمير مملوك  ضيق الافق هو مراد بك  .. وتمرّ الأيام ويموت الخائن

 محمد ابو الدهب فيتشارك في حكم مصر مراد بك زوج نفيسة وابراهيم بك ... خسرت نفيسة طموحاتها في زمن زوجها الأوّل ولكنها

ورثت الكثير من الأموال والقصور والجواري وبدأت تدير تجارة كبيرة لها بشكل مستقل. فظهر دورها التاريخي في رسم معالم تلك الحقبة الزمنية للتأثير في حياة المصريين الذين كانوا لقمة سائغة لظلم مراد بك وحاشيته. فعملت على الحد من مظالمه. كانت تعارض زوجها في فرض الضرائب والغرامات على التجار الأوروبيين مما متعها باحترام التجار الأجانب ..كما تمتعت بقدر كبير من الاحترام عند العلماء والأمراء فقد كانت تجيد العربيه والفرنسيه وتقرأ لشعراء العربية بدرجة إجادة عالية وقيل كانت تكتب الشّعر ..

في عام ١٧٩٨ أصابَ مصرَ حادثٌ جلل بقدوم الحملة الفرنسية  وانكسار جند مصر بقيادة مراد بك وإبراهيم بك في مواجهة الفرنسيين بقيادة نابليون بونابرت للفارق الكبير في التسليح العصري لصالح الفرنسيين ولأول مره يسمعُ المصريون صوت البنادق والمدافع علي أرضهم الطيبه  ...

فرّ مراد بك وابراهيم بك أصبحت نفيسه البيضاء الملاذ والملجأ لكلّ محتاج وفقير، والحقيقة أنها  أدارت علاقتها مع الغزاة الجدد من الفرنسيين بقدر كبير من المرونة جعلها موضع تقدير بونابرت ففتحت قصرها في الأزبكية للجرحى الفرنسيين في المعارك فمنحها بونابرت هدية ثمينة من الحلي مزينة بالعلم الفرنسي ...كان بونابرت يسعى من خلال بسط يد الود إلى نفيسه البيضاء كي يكسب ودّ مراد بك وإقناعه بالدخول تحت طاعته. و كان  يشتد معها أحيانا أخرى ببعض الإجراءات التعسفية كالمصادرة للأموال وسجن النساء. لكن نفيسه تحملتْ هذه الخطوب والملمات بقوة شكيمة وشجاعة .

 اقتنع مراد بك بالدخول في طاعة الفرنسيين  في نهاية الأمر والتخلي عن السلاح بعد معاناة مع التشرد. فهو مملوك ضعيف اعتاد على حياة القصور والجواري. ولكن المنية عاجلته  اذ مات على أثر إصابته بالطاعون .

برحيل الفرنسيين كان لنفيسة البيضاء موعدا مع شقاء جديد فقد حلّ محل الفرنسيين العثمانيين مرة أخرى. وعينوا أحمد باشا خورشيد واليا على مصرَ  ... كان خورشيد صوره من صور الظلم العثماني في مصر فعاد إلى إثقال كاهل الشعب بالضرائب والمظالم ... وكان خورشيد لا يطيق مجرد التفوه باسم نفيسه ومع تصاعد حدة الاحتجاجات ضده وجه لها الاتهام بأنها الداعمه لهذه الثورة وأنها تستعين بالجواري في توزيع المنشورات ضده فأمر بسجنها  في بيت السحيمي ومصادرة اموالها  ..

نجح الشعب المصريّ العظيم في خلع خورشيد ثم ظهر على مسرح الأحداث محمد علي باشا كأول حاكم بإرادة الشعب. ولكن للأسف كان حاكما عسكريا استمر في البطش بالسيدة المسكينة التي أنهكها الفقر والعوز.  حتى لم تعد تملك سوى أركان بيت زوجها الأول علي بك الكبير ولم يعد يتذكرها ولا يمد لها أحد يد العون والمساعدة إلى أن ماتت ١٨١٨. لقد ولدت فقيرة وماتت فقيرة وهي في القصر أميرة. رحلت نفيسة البيضاء تلك المرأة الحلبية الجميلة وقلبها منكسر لقد فقدت ازواجها وجواريها وكل هذا الزخم من حولها لقد اختفي الجميع وبقيت وحيدة ...رحلت نفيسه ولكن سبيل الماء الذي بنته وتشجيعها الناس للتعليم ومساعدة الفقراء والمحتاجين مازال خالداً في الأذهان.

ومن التاريخ إلى العلم وهل ينكسرُ القلب حقاً ؟!!

لقد ظلت هذه العبارة لا تعدو كونها  أسطورة، الا أن توصل الباحثون اليابانيون إلى حقيقة هذه الحالة والتي أطلقوا عليها  اعتلال عضلة القلب تاكوتسوبو (Takotsubo cardiomyopathy) أو متلازمة القلب المكسور، مما  يُؤثِّر بشكلٍ مؤقت على قدرة القلب على ضخ الدّم بكفاءة، ويعتري المصاب  أعراضاً مشابهة  للأزمة القلبية،مثل آلام الصدر وضيق التنفس -وقد يلعب هرمون الأدرينالين دوراً في ذلك -وقد تكون المحصلة في النهاية هي الموت ...إنّ استسلامنا للأحزان ليس بالأمر السهل كما نظن بل قد يودي بنا إلى الموت، فالحزن والهم يقطع نياط القلوب.

 

أستاذة راغدة شفيق محمود كاتبة سورية

د.محمد فتحي عبد العال كاتب مصريّ

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4588 المصادف: 2019-03-29 01:22:19