 شهادات ومذكرات

فؤاد زكريا ومعاركه الفكرية

محمود محمد عليكان أول بداية تعارفي بالدكتور فؤاد زكريا (1927-2010م) حين التقيت به في حفل عيد ميلاد الدكتور عاطف العراقي (رحمه الله)، وكان هذا الحفل مقاماً بنادي الأسلحة والذخائر بالقاهرة في 1995 م، وكان الحفل يضم كوكبة من خيرة كبار الأساتذة الجامعيين والصحفيين، بالإضافة إلي وجود معظم تلامذة الدكتور عاطف العراقي، وقد جذبتني شخصيته المحترمة التي تتسم بالهيبة والوقار، وتكشف عن ثقة بالنفس. وقد تأثرت بشخصيته وتعلقت به منذ سنوات شبابى الباكر عندما كنت أشتري كتبه وأتابع أفكاره من أسبوع لأسبوع، ومن شهر لشهر، ألتهم كلماته وأحفظ بعض سطوره وأردد أفكاره وأبحث فيما وراء السطور فى وقت لم تكن فيه منافذ الحريات مفتوحة بمنطق الثورة، حيث مضى الجميع على طريق واحد، فكان "فؤاد زكريا"  بالنسبة لي هو بارقة الأمل ونافذة الضوء نحو التفكر العلمي والنقد والتنوير.

والدكتور فؤاد زكريا هو أحد رواد الفكر الفلسفي المصري والعربي المعاصر، الذين تميزوا في فكرهم بنزعة تنويرية تحض علي إعمال العقل والتفكير العلمي في نواحي الحياة، ولم تخلو هذه النزعة التنويرية لديه من اتجاه نحو نقد كل الصور السلبية في حياتنا الفكرية . درس الفلسفة لكنه لم يحتفظ بها فى مكتب أو برج، واختار أن ينزل بها مثل سقراط الذى خاض معركة العقل دون حساب للخسائر؛ حيث لم يقتصر في معالجاته على الفلسفة، قديمة أم حديثة، بل راح يناضل ضد التخلف، وينتقد بجرأة وقوة كل الذين انتهكوا حياتنا الثقافية، ومزقوا نسيجنا السياسي، وبعثروا تفكيرنا وقيمنا.. وقادوا مجتمعاتنا إلى المخيال الجمعي الطوباوي بتسميات دينية أو تحزبات أيديولوجية.

ولد الدكتور فؤاد زكريا  في الأول من ديسمبر عام 1927 بمدينة بورسعيد، ودرس فيها، ثم أكمل دراسته فى قسم الفلسفة بكلية الآداب، جامعة القاهرة 1949، ثم نال الماجستير 1952 م عن أطروحته "النزعة الطبيعية عند نيتشه"، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة بجامعة عين شمس عن أطروحته المهمة "مشكلة الحقيقة" عام 1956 م، عمل أستاذاً رئيساً لقسم الفلسفة بجامعة عين شمس حتى 1974 م، عمل أستاذاً للفلسفة ورئيساً لقسمها في جامعة الكويت (1974-1991م)، ترأس تحرير مجلتي «الفكر المعاصر»، و«تراث الإنسانية» في مصر. عمل مستشاراً لشئون الثقافة والعلوم الإنسانية في اللجنة الوطنية لليونسكو بالقاهرة.

وكانت رحلة الدكتور فؤاد زكريا فى رئاسة قسم الفلسفة فى جامعة الكويت التى سافر إليها بعد أو مع كوكبة المثقفين والمفكرين وأهل الفن والثقافة الذين توافدوا على الكويت منذ الستينات، مثل زكى نجيب محمود، وعبد الرحمن بدوى، كانت رحلته هى الأخرى دليلا على أهمية وجود فيلسوف فى بناء الدولة، فلم يكتف برئاسة قسم في جامعة لكنه لعب دورا فى نقل الفلسفة إلى الشارع من جديد، أسس مع تلاميذه وزملائه فى الكويت المجلس الوطني للثقافة مع المثقف الكويتي الراحل الكبير أحمد مشارى العدواني، الذى أصدر عددا من أهم المطبوعات الثقافية في العالم العربي سلسلة عالم المعرفة التى قدمت للمكتبة العربية عدة مئات من كتب العلم والفلسفة والاجتماع وقد أعلن المثقفون فى الكويت امتنانهم لفؤاد زكريا الذى ساهم بفكره الفلسفي فى بناء تيار ثقافي وسياسي أسس لنوع من الديموقراطية جعل الكويت بالرغم من قصر عمرها مميزة بجدال سياسي وفكرى متنوع. ونال زكريا جائزة الكويت للتقدم العلمي وجائزة العويس الإماراتية وجائزة الدولة التقديرية في مصر. وتوفي الدكتور فؤاد زكريا في الحادي عشر من مارس عام 2010م عن اثنين وثمانين عاما بعد صراع مع المرض (حيث وتوار عن المشاركة في الحياة الثقافية في الآونة الأخيرة)، وقد استقبلت الأوساط الثقافية المصرية والعربية نبأ وفاته بحزن شديد.

وله مؤلفات كلها تحمل الفلسفة إلى المثقف العادي وتقدم الفكر فى سياق أكثر رحابة وأوسع مجالا، حيث نشر عدة كتب مهمة عن نيتشه 1956، وعن نظرية المعرفة والموقف الطبيعي للإنسان، 1962، وعن اسبنوزا، (ونال عنه جائزة الدولة التشجيعية في مصر) وكتاب «الإنسان والحضارة»، وكتاب «آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة» عام 1975، وكتاب «التفكير العلمي» 1978، وكتاب «خطاب إلى العقل العربي» 1978، وكتاب «كم عمر الغضب: هيكل وأزمة العقل العربي» 1984، وكتاب «الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة» 1986 وكتاب «الصحوة الإسلامية في ميزان العقل» 1987 وكتاب «آفاق الفلسفة» 1988، وكتاب «الثقافة العربية وأزمة الخليج» 1991، ولقد قام بترجمة عدة كتب منها: كتاب ب. موى: المنطق وفلسفة العلوم «جزآن» 1962، وكتاب «ر. متس: الفلسفة الإنجليزية في مائة عام» 1963، وكتاب «هـ.رايشنباخ: نشأة الفلسفة العلمية»، وكتاب «تاسوعيات أفلوطين» 1970 وكتاب «هـ.ماركيز: العقل والثورة» 1970، وكتاب «أرنولد هاوزر: الفن والمجتمع عبر التاريخ (جزآن)» 1973، وأخيراً كتاب «براتراند رسل: حكمة الغرب»، سلسلة عالم المعرفة، وللرجل جملة كبيرة من المقالات والدراسات المنشورة في أكثر من مكان. وفي هذه الكتابات كانت لغة فؤاد زكريا سهلة وميسرة ومشوقة وقريبة للفهم، وهو يعالج أخطر القضايا التي نعيشها منذ ثلاثين سنة.

كان عالماً موسوعياً يجمع بين الفيلسوف والمثقف الشامل، ورغم الاختلاف معه إلا أن ديمقراطيته فصلت دائما بين الاختلاف واحترامه وتقديره لمصداقية من يختلف معه، تقول الدكتورة ليلي الجبالي في مقاله لها بعنوان" الدكتور فؤاد زكريا.. فى ذاكرة الوطن":" وكثيرا ما كان يتصاعد الاختلاف بيننا إلى قفشات طريفة باتهام كل منا للآخر-دعابة- بالتجمد الفكرى. ورغم عدائه للمرحلة الناصرية فإنه كان يحمل لبعض الشخصيات الناصرية مثل الدكتور أحمد مستجير، وبعض الشخصيات الماركسية واليسارية مثل الدكتور فؤاد مرسى قدراً كبيرا من الاحترام والتقدير. وسوف يذكر له التاريخ أن أهم أهدافه كان إنزال الفلسفة من برجها العاجى إلى شارع الواقع الحياتى بأسلوب شيق فى رصده وتحليله.

كما وصفه الدكتور "سيّار الجَميل" في مقال له بعنوان  فؤاد زكريا.. رحيل رجل المواجهات الصعبة، فقال :" أن الدكتور فؤاد زكريا يمثل آخر سلسلة رجالات المعرفة العربية الذين أثروا حياتنا وثقافتنا العربية على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين.. ولقد عاش الرجل جملة من التحديات السياسية والفكرية والأيديولوجية طوال نصف قرن مضى، أى منذ تخرجه بشهادة عليا عام 1956 وحتى رحيله 2010، لكنه لم يكن صامتاً على تمرير الأخطاء، ولم يكن مراوغاً في التخلص من مواجهة الحقائق، ولم يكن أكاديمياً جامداً على قوالبه.. بل سعى بحيوية ونشاط ليلجم كل الطوباويين الذين يعيشون حياتهم على الأوهام، ويدعو إلى بناء تفكير علمي لا تنازل عنه أبداً. بل ولا حق مشخصاً أزمة كل من الثقافة والإعلام العربيين برده الشجاع على محمد حسنين هيكل في كتاب سماه «كم عمر الغضب»، وفيه يوضح أن هيكل يجسد أزمة الثقافة العربية اليوم.. بل إن زكريا قد تخطى الانتقاد، ونجح في تفكيك نمط لا أخلاقي في التفكير المتشكل على الفوبيا والأكذوبة، وكان فؤاد زكريا يرى أنه خطر جداً على ثقافتنا العربية المعاصرة!

ويستطرد الدكتور سيّار الجَميل فيقول :" لقد كان الرجل راصداً ماهراً لعدة ظواهر تبلورت في زمن يمثل البلادة والغباء، إذ يمثله أناس دعاة وكذبة ومارقون ومنافقون.. وكان محللاً بارعاً، وشارحاً معللاً للأسباب والمسببات.. فهو ينطلق من رؤية محددة وواضحة سماها بـ«التفكير العلمي» إنها الرؤية التي آمن بها، ونجح في إبراز ملامحها وتثبيت أسسها ومرتكزاتها وأساليبها المعتمدة وميادينها الحيوية التي يتحرك في خضمها.. مروراً بأطوارها المهمة التي ينبغي التعرف عليها، ووصولاً إلى فاعليتها ومقدرة نضجها وحل إشكالياتها.. لقد أراد فؤاد زكريا، وبمصداقية تبدو عنده أكبر من عند غيره أن يحمل كل الناس في مجتمعاتنا تفكيراً علمياً، ليس فى تفسير الظواهر الكبيرة، بل فى معالجة كل الجزئيات من أجل انتشال تلك المجتمعات من حضيض الجهل والخرافة، ولم يقل فؤاد زكريا أن التفكير العلمي ينحصر بالضرورة عند العلماء، ذلك إن الأخيرين يفكرون فى مشكلات متخصصة للغاية لا يمكن للآخرين الخوض فيها نظراً لرموزها واصطلاحاتها.. ولكن التفكير العلمي هو تنظيم العقل، وقدرته على الإجابة عن جملة أسئلة، باستطاعة الإنسان إن نجح فى نظام أفكاره أن يجيب عنها... إنها أسئلة يفرضها واقع اليوم الذي يزداد تعقيداً مع مرور الزمن.. وتتضمن مثلاً مجريات حياتنا اليومية وأعمالنا المهنية وعلاقاتنا الاجتماعية وأساليبنا السياسية وإعلامياتنا الحقيقية.. أي باختصار: كيف نتعامل مع محيطنا، إن التفكير العلمي ينبغي أن يكون منظماً، ويبنى على أسس ومبادئ يتم تطبيقها كل لحظة وتغدو منغرسة في الوعي الباطن من دون أن يشعرنا أحد بذلك.. وهنا تلتقي إرادة الناس طواعية من أجل تغيير العقل السائد! إن التوصل إلى حقائق الأشياء لا يتم أبداً بأية وسائل بديلة غير العقل الذي يصقله التفكير العلمي.

ومن هذه الشهادة الرائعة من الدكتور سيار الجميل في حق استاذنا ننتقل للحديث عن معاركه الفكرية، حيث يمكن القول بأن الدكتور فؤاد زكريا قد استخدم أدوات العقل في كل معاركه التي خاضها بشجاعة منقطعة النظير.. وأنه لم يُعر أي أهمية لكل الذين طعنوا فيه وهاجموه واتهموه بشتى التهم.. كان مناضلاً حقيقياً ضد أولئك الأقزام الذين شتموه على المنابر، وضد صانع الأكاذيب ومفبركات التضليل الإعلامي، وضد المستبدين والجهلة الذين يسيطرون على أجهزة الإعلام ويتسلطون على أعمدة الثقافة الهشة! كان ناقداً ومحارباً أي خطاب يحجب الحقائق ويشوه الوقائع ويزور السير والأخبار.. كان ضد أي خطاب يقف بالضد من تقدم الحياة وتمدنها.. دعا إلى العلمانية وقال بفصل الدين عن السلطة والعمل السياسي في مقاله الشهير " الشهير "العلمانية هي الحل"، الذي كتبه ردا على المنادين بأن "الإسلام هو الحل"، كما أنه صاحب كتاب "الصحوة الإسلامية في ميزان العقل"، والذي تضمن انتقادات عنيفة للصحوة والحركات الإسلامية.

وخاض فؤاد زكريا مناظرة شهيرة في نهاية ثمانينيات القرن الماضي بمقر نقابة الأطباء بالقاهرة مع الشيخين محمد الغزالي- رحمه الله- ويوسف القرضاوي (وقد كتب القرضاوي بعد المناظرة كتابا بعنوان "الإسلام والعلمانية وجها لوجه" نقض فيه فؤاد زكريا نقضاً عنيفاً ). ولم تقتصر معارك فؤاد زكريا على الإسلاميين، وإن كان قد خصهم بهجومه الأعنف، لكنه خاض أيضا معارك عنيفة مع المعسكر الناصري، خاصة من خلال كتابه "كم عمر الغضب"، والذي تضمن انتقادات حادة للفكر الناصري، وبالتحديد الصحفي الناصري المعروف محمد حسنين هيكل... ناهيكم عن معارك أخرى خاضها ضد اليمين واليسار من كل التيارات.. لقد انتقد حكم عبدالناصر وانتقد السادات أيام حكمه، لكنه عاد ودافع عنه ضد محمد حسنين هيكل الذي اعتبره ظاهرة خطيرة في ثقافتنا العربية! ووقف ضد فواجع العقل على أيدي الإسلاميين، كما انتقد اليسار لوحده أيام كان اليسار قويا.

أيقن فؤاد زكريا أنّ النقد هو روح الفلسفة وقلبها النابض، وهو الباعث الأساسي لتحولاتها المتتابعة منذ نشأتها العقلية والمنهجية الأولى عند الإغريق حتى صورها وأشكالها المختلفة عند المحدثين والمعاصرين، فقرر أنه لا يمكن أن يكون هناك مفكر أصيل بدون موقف نقدي، فالموقف النقدي هو بمثابة نقطة الانطلاق، كما أنّه ليس ثمة معرفة مقبولة إلا بعد بحث وفحص وتمحيص، فالنظرة النقدية تكون الحافز والدافع للباحث لسبر غور موضوعه، ولولا النظرة النقدية للظواهر الكونية ولفكر السابقين لما وجد لدى الباحثين والعلماء والمفكرين موضوعات للبحث والدراسة، ولأصبح الإنسان تابعاً لا مبدعاً، مقلداً لا مجدداً، وبدون هذه النظرة أيضاً تموت روح الابتكار والإبداع.

وقد انعكست نزعة فؤاد زكريا العقلانية النقدية على آرائه السياسية،  فقد كان أحد المفكرين المؤسسين لمفهوم "الإسلام السياسي"، وذلك في كتابه "الصحوة الإسلامية في ميزان العقل"، ثم في كتابه الآخر "الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية"؛ حيث حاول فؤاد زكريا أن يقيم حواراً فعالاً مع توجهات الإسلام السياسي في العقود الأخيرة من القرن العشرين، وتحديد الأسباب التي أدّت إلى تنامي وتصاعد حدّة تواجده في تلك الفترة، وفي سعيه إلى تفكيك فكره، أرجع انتشاره إلى "واقع التخلف الذي يعيشه العالم الإسلامي"، وانتشار الإسلام الطقوسي الذي يهتم بالمظهر، والفصل بين الرجل والمرأة، والتحريمات، والمخاوف الجنسية، بغضّ النظر عن المضمون السلوكي والاجتماعي الكامن وراءه ؛ كما ينظر فؤاد زكريا إلى دعوة الإسلام السياسي للجمع بين الدين والدولة؛ بأنّها رؤية لاتاريخية، تؤدّي إلى اغتراب الإنسان عن الزمان والمكان الذي يعيش فيهما؛ فالإسلام السياسي ينظر إلى التاريخ نظرة دائرية ارتدادية، ترى أنّ المستقبل لا يتحقق إلا بالماضي المجيد، في حين أنّ النظرة التقدمية للتاريخ والزمن تركّز على كون التاريخ يسير في خطّ مستقيم، ولهذا كان من الضروري مراعاة المستجدات التي تحدث في المجتمع، والتعايش مع هذه المستجدات بأطروحات مستقبلية، لا أطروحات ماضوية ارتدادية (وذلك حسب ما قاله الدكتور أحمد سالم في مقاله :هكذا فكّك فؤاد زكريا فكر الإسلام السياسي).

وإذا تتبعنا المعارك التي خاضها فؤاد زكريا سنحصل على القاعدة الذهبية التي تشكّل الخيط الناظم لفكره كله، والتي تصلح شعاراً مع ذلك على صيغة شعار "ميشيل فوكو" (لا تقع في هوى السلطة): لا تقع في هوى المحاكاة، فلا يُمكننا أن نظل إلى الأبد مقلدين محاكين نساير الآخرين ونمسك بذيل تطور لم نصنعه، ولا يمكن أن نجتر ما أنجزه الأجداد ونكون عبئاً عليهم.

وعلى هذا الأساس اقترح فؤاد زكريا صيغة "الإبداع والاتباع" كبديل معقول لصيغة "الأصالة والمعاصرة" المُضلِّلة، والصيغة الجديدة هذه إذا تمعنا النظر إليها سنجد أنها تحرم العلمانيين من معصوميّة الاتهام بالتخلف التي فُصلِّت على مقاس الإسلاميين؛ فزكريا يؤكد أن اتباع حضارة متفوقة هو مظهر واضح من مظاهر التخلف.

وفي الختام يمكن القول (كما قال الدكتور سيار الجميل): لقد نجح فؤاد زكريا فى أن ينزل الفلسفة من أقفاصها العاجية إلى حيث الميادين العامة، وأعتقد أنه كان يتابع حركات الفلاسفة الجدد في فرنسا، ويتعلم من خطواتهم الحثيثة وتطبيقها في دولة الكويت ودوره في إنجازاتها الثقافية الكثيرة، مترجما ومؤلفا من نوع خاص.. فضلا عن حواراته الممتعة ومعالجاته النقدية لمشكلات الفكر والثقافة والحياة. لقد رحل فؤاد زكريا، والتحق بركب الراحلين من الأساتذة العرب المتميزين من جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية.. رحل بعد أن أشعل شموعا وضاءة تنير الطريق للأجيال القادمة، وتعلمهم كيف نخوض المعارك بالمنطق والحجج العلمية وبالأدلة والبراهين القوية الدامغة.. وسواء اقتربنا من الأشخاص أو من الأفكار، فينبغي أن تكون الحرية ويكون العقل من الأسس التي لا يمكن أن نتنازل عنها أبدا إزاء كل المشعوذين والكذابين والدجالين.. إزاء كل المستبدين والطغاة.. إزاء كل الطوباويين والشعاراتيين والمؤدلجين.. علينا بالعقل وبالتفكير العلمي أداة لحل كل المشكلات، وأن العقل لا يعمل بحرية أبداً إن لم يجد الإنسان الذي بإمكانه أن يحركه بكل أمانة وعلم وحيادية وموضوعية كي يتم تغيير العالم، فهل استوعبنا درس الراحل الكبير فؤاد زكريا؟.

تحيةً للدكتور فؤاد زكريا، ذلك الرجل الذي يمثل بالفعل قيمة فلسفية ووطنية وشخصية موسوعية، ما جعل زملاءه وتلاميذه من المفكرين والكتاب والأساتذة الجامعيين يعترفون له بريادته فى تنوير العقول ومكافحة الجمود والتعصب.. فأطلقوا عليه فى حفل تأبينه (الفيلسوف الأبرز فى القرن العشرين مكملاً لطه حسين).

وتحيةً مني لرجل  لم تستهوه السلطة، ولم يجذبه النفوذ ولكنه آثر أن تكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4639 المصادف: 2019-05-19 02:20:40