 شهادات ومذكرات

مع سائق داغستاني في موسكو

ضياء نافعسألني رأسا ما ان جلست في سيارة الاجرة التي كان يقودها وبدون اي مقدمات – هل انت يهودي ؟ تعجبت من سؤاله، وقلت له انني عربي من العراق، وسألته عن سبب هذا السؤال الغريب والعجيب، فأجابني قائلا، انه داغستاني، ويستطيع ان يميّز رأسا انني لست من مناطق القوقاز المعروفة لديه مثل اذربيجان او ارمينيا او جورجيا او غيرها، ولهذا فانه سألني هذا السؤال، اذ لم يخطر بباله بتاتا انني اجنبي. ضحكت انا، وقلت له، ان معرفته بعلم الاجناس هذه المرّة لم تنجح، فاعترف بذلك واعتذر منّي اعتذارا شديدا جدا وكرّره، وقال لي وهو يضحك – (سأحكي لاصدقائي هذه الغلطة الكبيرة التي ارتكبتها بحق عربي من العراق) . وهكذا بدأنا بالدردشة وهو يقود سيارة الاجرة في شوارع موسكو، وطالت الدردشة تلك بسبب الازدحام الشديد في شوارع العاصمة الروسية الضخمة، والتي يسميها البعض دولة كاملة داخل الدولة الروسية . تحدثنا طبعا عن اوضاع داغستان الان، اذ اني شاهدت في عاصمتها مخجكلا (محج قلعة) قبل عدة سنوات كثيرا من نقاط الحراسات في شوارعها حيث تقف قوات من الجيش والشرطة بشكل دائم، فقال ان نشاط الارهابيين هناك مستمر، ولا يريدون له ان ينتهي، وذلك لأن هذا النشاط يصب في صالح الفساد الاداري السائد في داغستان، اذ ان القضاء على ارهابي واحد يكلف الخزينة اكثر من سبعة ملايين روبل، تعجبت انا مرة اخرى وسألته – من اين لديك هذا الرقم الدقيق والغريب، وهل هو نتيجة احصاءآت رسمية ؟ فقال ضاحكا – لا لا، ولكننا هكذا نقول في احاديثنا العامة في الشارع الداغستاني، فسألته - اليست هذه مبالغة؟ فقال - لا لا، فمن الذي يحسب عدد الاطلاقات النارية، التي يطلقها افراد الشرطة والجيش عند التصادمات مع الارهابيين؟ وهذا بالذات ما يستغله الفساد الاداري في تلك الاجهزة، وقال ضاحكا – (و يضربون الرقم في مئة عندما يقدمون التقرير النهائي، وهي صفقة مغرية جدا، وتدر ارباحا خيالية ويتقاسمها الجميع من كبيرهم الى صغيرهم!). سألته عن هؤلاء الارهابيين وماذا يريدون، فقال انهم يريدون الانفصال عن الدولة الروسية واعلان دولة داغستان الاسلامية، وان هدفهم هذا خيالي جدا ويتعارض مع واقع داغستان ولا تتقبله الاكثرية من الداغستانيين، ولن يتحقق ابدا، ولكن العوامل الخارجية والفساد الا داري يلعبان دورا في كل هذه القضية المعقدة . وسألني فجأة – هل تعرف شاعرنا رسول حمزاتوف؟ فقلت له طبعا اعرفه، وهو معروف جدا لكل القراء العراقيين، فارتاح جدا لجوابي، وقال، ان حمزاتوف صرح في اواخر حياته، انه متألم جدا من تلك الافكار التي كانت شبه سا ئدة تقريبا لدى الكثيرين من الداغستانيين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي حول ضرورة انفصال داغستان مثل ما قامت به جمهوريات القوقاز السوفيتية المجاورة لنا كأذربيجان وارمينيا وجورجيا، وكان حمزاتوف ضد تلك النزعة، وضد الانفصال عن روسيا باي حال من الاحوال، وقال السائق مضيفا – (ونحن نفهم الان في داغستان كم كان حمزاتوف محقا). انتقل السائق الداغستاني للحديث عن ايام الاتحاد السوفيتي، وقال ان والديه يحنان لحد الان الى تلك الايام الخوالي، حيث كانت حياتهما مستقرة ومريحة كليا، وكان عملهما وراتبهما وتقاعدهما وعلاجهما مضمونا بكل معنى الكلمة، فسألته – (وانت ايضا تحن الى الاتحاد السوفيتي ؟)، فأجاب – ليس مثلهما، اذ كانت هناك اشياء ايجابية رائعة، ولكن كانت هناك ايضا الكثير من السلبيات، وضحك وقال – (لم يكن باستطاعتي مثلا ان اتحدث بهذه الصراحة مع اجنبي ، كما اتحدث معك الان).

 

أ.د. ضياء نافع

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

سرد جميل . اقرأه وكأني جالس في المقعد الخلفي لسيارة الأجره تلك . اعرف د. ضياء منذ اكثر من ستين عاما, حيث درسنا سويه وعملنا سويه وتحدثنا هاتفيا صباح اليوم حيث تمنيت له صحة سيبيريه وعمرا قوقازيا, ورغم تلك الحقبه من الطويله لا أزال مغرما باسلوبه الجميل والنقي عربيا والمليء بالدفء .

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4655 المصادف: 2019-06-04 01:44:20