 شهادات ومذكرات

مع د. خليل عبد العزيز في موسكو مرة اخرى (2)

ضياء نافعأشرت في نهاية الحلقة الاولى من هذه المقالة الى ان الحديث مع د. خليل عبد العزيز قد تشعّب، واريد هنا ان اتوقف عند (شعابه) هذه. سألته عن أخبار كتابه (محطات من حياتي)، فقال خليل لي، ان الكتاب يباع بشكل واسع جدا في العراق، وقد اخبرني بعض الاصدقاء بطبع اعداد اضافية منه وتسويقها دون حتى اعلامي او موافقتي، وأخبرني اصدقائي ايضا، ان الذين يقتنوه يبحثون فيه عن اجابات لعدة اسئلة تدور في ذهنهم حول المواضيع التي تناولها الكتاب، لعل اهمها سؤال كبير، وهو – (لماذا انهار الاتحاد السوفيتي؟)، اذ ان هذا الموضوع كان بعيدا جدا عن توقعات ومفاهيم القارئ العراقي الاعتيادي، ولازال هذا الموضوع غير واضح المعالم لهم لحد الان رغم مرور اكثر من ربع قرن على ذلك الحدث الهائل، وضحك د. خليل وأضاف قائلا – (لدرجة ان بعض الشيوعيين العراقيين، الذين قابلتهم في بغداد، لازالوا يعتقدون بامكانية عودة الاتحاد السوفيتي مرة اخرى)، وقد أيدّته في ذلك، وقلت له اني صادفت هذه الآراء الساذجة ايضا عند بعض العراقيين، الذين قابلتهم هنا وهناك. سألته عن مشاريعه اللاحقة بشأن كتابه هذا، فقال انه يحضّر الان طبعته الثانية، وستكون منقحة ومزيدة طبعا، اذ ينوي ان يضيف لها مقالات ظهرت له بعد طبع الكتاب المذكور حول مشاهداته وذكرياته الشخصية في الاتحاد السوفيتي ومسيرة الحياة اليومية فيه، وخصوصا تلك الانطباعات في الجمهوريات السوفيتية الشرقية عندما زارها او تعامل مع بعض المسؤولين الكبار فيها ، وأضاف د. خليل، انه سيبقي طبعا عنوان الكتاب (محطات من حياتي) كما كان في السابق، لكنه سيحذف من عنوان الكتاب الكلمات الاضافية – (سجون / اغتراب / نضال)، وسيبدل حتما صورة الغلاف التي لم تعجبه في حينها، فقلت له ان هذه الخطوات بشأن الكتاب دقيقة وصائبة من وجهة نظري، اذ انه كتاب تاريخي مهم، وكم اتمنى ان يطلع عليه الكثيرون من القراء العراقيين، لانه يعكس وجهة نظر موضوعية وواقعية حول تلك المواضيع، فهو لا يهدف الى الطعن بالاتحاد السوفيتي كما هو الحال ببعض الكتب الدعائية المعادية للاشتراكية، وانما هو وثيقة صادقة وصادرة من قبل شخص واضح المبادئ والمواقف الفكرية، ويعتز بماضيه ومسيرته .

 توسّع الحديث معه حول موضوع انهيار الاتحاد السوفيتي، وقال د. خليل، ان القيادة السوفيتية في السنوات العشرين من عمرها (او أكثر) كانت منعزلة عن الواقع تقريبا، واعطاني مثلا دقيقا حول ذلك، وهو ما حدث مع عبد الفتاح اسماعيل سكرتير الحزب الاشتراكي اليمني (اليمن الجنوبي)، اذ كان لديه موعد مع سوسلوف (فيلسوف الحزب الشيوعي السوفيتي آنذاك)، وقد اخبره عبد الفتاح انه قلق جدا، اذ كيف سيقابل هذه الشخصية الشيوعية السوفيتية الفذة وماذا يمكن ان يقول له ...الخ، وعندما التقى خليل به بعد المقابلة تلك، قال عبد الفتاح له، ان الكلام الذي قاله سوسلوف عن اليمن غير دقيق بالمرّة، وانه اضطر ان يسكت كي لا يخبره برأيه ذلك، وكان عبد الفتاح اسماعيل مصابا بخيبة أمل مريرة بعد اللقاء مع سوسلوف. وحكى لي د. خليل حكاية اخرى غريبة حول العقلية الساذجة التي كانت سائدة في الاوساط الاعلامية السوفيتية آنذاك، والتي اطلع عليها د. خليل بحكم عمله معهم . الحكاية هذه بسيطة جدا، فقد عرض التلفزيون السوفيتي مراسم دفن سوسلوف، وكان السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفيتي ليونيد بريجنيف طبعا مشاركا بها، وعندما أنزلوا الجثمان في القبر، بكى بريجنيف، وتم عرض هذا المشهد (اي بكاء بريجنيف) في التلفزيون، وبعد العرض، تم فصل كل فريق العمل وكذلك مسؤولي برامج التلفزيون، لانهم عرضوا بريجنيف وهو يبكي، وذلك لانهم اعتبروا ذلك بمثابة عرض لضعف الدولة السوفيتية امام الملأ، ولم يستطع احد ان يوقف هذه الاجراءات الصارمة وغير العادلة بحقهم رغم تعاطف الجميع مع فريق العمل ذاك . وقال د. خليل، ان الهمس والاستنكار والانتقاد الشديد في الاوساط الاعلامية السوفيتية آنذاك ضد هذه الخطوات الحمقاء كان شديدا جدا، ولكن دون اي فائدة، اذ كان الجميع يخاف ان يعلن موقفه الحقيقي بالنسبة لهذه الاجراءآت، ويختتم د.خليل كلامه قائلا – (لقد تذكرت كل تلك المواقف عندما كنت في الساحة الحمراء بموسكو وانا اشاهد كيف يرمي الشيوعيون الروس هويات الانتماء الى الحزب الشيوعي السوفيتي تخلّصا منها، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي)...

تحية اعتزاز الى الدكتور خليل عبد العزيز، العراقي الاصيل، الذي شاهد في حياته مواقف تاريخية كبيرة، وتحدّث حولها لنا بكل صدق واخلاص وموضوعية ...  

 

أ. د. ضياء نافع

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

زميلي العزيز د.ضياء
انا ضياء العكيلي،شيوعي ماركسي لينيني كما تعرفني منذ أكثر من نصف قرن ومن أولئك الذين تعتبر آرائهم ساذجة!!!! الذين يحلمون بعودة الاتحاد السوفيتي وأؤكد لك فيما لو مد بنا العمر ستكون انت اول من يرحب بعودة الاتحاد السوفيتي ليس كما كان شكلا وقيادة إنما كيانا ثابتا متجددا وفكرا متطورا،الاتحاد السوفيتي الذي نادت به ثورة أكتوبر وليس أخطاء ستالين وتهويشات خروتشوف وقذارة يلتسن .
انهيار الاتحاد السوفيتي يا صديقي ليس بسبب عدم دراية سوسلوف بأوضاع اليمن أو بكاء بريجنيف بل بسبب عزلة قيادته عن جماهيرها و كذلك الشعب السوفيتي محليا وعالميا عن ركب التطور الحضاري العالمي .
انهيار الاتحاد السوفيتي ليست هي خاتمة المطاف ونهاية الفكر الماركسي وإنما فشل تجربة تكالبت عليها أنياب بيروقراطية قيادة الحزب الشيوعي وافاعي الرأسمالية العالمية.
انهيار الاتحاد السوفيتي من وجهة نظرك يا صديقي ليست هي كما أورده زميلنا ورفيقنا د.خليل الخبير الأكاديمي و الإنتماءي للفكر الماركسي ناهيك عن تجاربه في ممارسات بعض ذوي الكروشية القيادية في مسيرة الاتحاد السوفيتي .
كنت آمل أن يكون طرحك لهذا الموضوع فيه بعض من الموضوعية وعدم الالتقاء مع جيوش الكتبة الذين استغلوا الخطا ايرتكبوا الأخطاء .
تقبل تحياتي ومن بعدها ملاحظاتي زميلي وصديق العزيز أبا نوار

ضياء العكيلي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4664 المصادف: 2019-06-13 03:23:56