 شهادات ومذكرات

إمام عبد الفتاح إمام في ذمة الله

محمد عرفات حجازيرحل عن دنيانا أمس الأول (الثلاثاء 18/ 6/ 2019) قامة من قامات الفلسفة العربية المفكر والفيلسوف المصري الدكتور إمام عبد الفتاح إمام ـ إلى مثواه الأخير.

الدكتور إمام عبد الفتاح إمام أكاديمي ومترجم مصري متخصّص في الفلسفة والعلوم الإنسانية، وهو أبرز تلاميذ أستاذ الفلسفة المصري زكي نجيب محمود، وأحد من تولوا التعليق على فكره في الفكر العربي المعاصر. له مساهمات فكرية ذات أثر واسع في الأوساط الثقافية المصرية، وهو عضو اتحاد كتاب مصر، وعضو الجمعية الهيجلية بكندا.

تأثّر الدكتور إمام عبد الفتاح بفلسفة هيجل؛ حتى ذكر أنّه تعلّم منه الكثير. ومن بين ما تعلمّه من فلسفة هيجل: أنّ طريق الفلسفة مرصوف بالأفكار، وهذا هو السبب في غموض الفلسفة وصعوبتها.. وأنّ الفلسفة فكر لاحق، بمعنى أنّ الفلسفة تأتي متأخرة بعد أن تكون الحياة قد دبّت بين الناس بالفعل، وقامت ألوان مختلفة من النظم توجهها الفلسفة في النهاية.. أيضًا، فقد تعلّم من هيجل أنّ كلّ فلسفة هي بالضرورة فلسفة مثالية؛ لأنّ المبدأ الذي ترتكز عليه هو في نهاية تحليله "فكرة".. أضف إلى ذلك، أنّ الفلسفة كلٌّ متّصل؛ بمعنى أنّ كلّ مذهب منها يكشف عن جانب من جوانب الحقيقة..

إضافة لما سبق، فقد أخذ الدكتور إمام عبد الفتاح عن هيجل أنّ الفلسفة الحقّة لا ترفض الحسّ ولكنّها لا تكتفي به أو تقف عنده؛ لأنّها لا بدّ أن تكون في النهاية عقلية.. كما حذا حذو هيجل في أنّ تاريخ الفلسفة لا يرضى تضاربًا بين المذاهب الفلسفية المختلفة..

كذلك من الثمار الهيجلية التي نجدها عند دكتور إمام أنّ التفكير سلب؛ لأنّه يغيّر شكل الأشياء الفردية التي نلتقي بها في حياتنا اليومية طالما أنّه يُحيلها إلى فكرة، وأنّ هذا التحوّل في شكل الظواهر عملية أساسية للمعرفة يقوم بها الفكر.. أيضًا فقد تعلّم منه الشيء الكثير عن خصائص شخصية الإنسان الشرقي من جميع جوانبها: الاجتماعية والدينية والسياسية والفنية.. وربّما كانت تلك النقطة الأخير ما ساعدت أستاذنا في نقد نظام الحكم العربي، وتسليط الضوء على انفصام الشخصية العربية..

ولد الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام ـ طيب الله ثراه ـ بمحافظة الشرقية عام 1933م لوالد كان من علماء الأزهر، ونال ليسانس الآداب من جامعة القاهرة بتقدير جيد جداً عام 1957م، ثمّ نال درجة الماجستير من آداب القاهرة وموضوعها "المنهج الجدلي عند هيجل" بتقدير ممتاز عام 1968م، وبعدها نال درجة الدكتوراة من آداب عين شمس وموضوعها "تطور الجدل بعد هيجل" بمرتبة الشرف الأولى عام 1972م.

قام الدكتور إمام بالتدريس بجامعة القاهرة وعين شمس، والمنصورة، والزقازيق.. إلخ، وجامعة الكويت، وطرابلس، وكلية الدعوة الإسلامية، وجامعة سبها بليبيا.. كما ناقش وأشرف على كثير من رسائل الماجستير والدكتوراة، وأنتدب لمناقشة رسالة دكتوراة في الجامعة التونسية.

ترجم الدكتور إمام عبد الفتاح عددًا كبيرًا من الأعمال الفلسفية، من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية. كما يُعد صاحب مدرسة في الترجمة حيث قام بمراجعة ترجمات عديدة لمترجمين واعدين برزوا فيما بعد.. ومن أهم الأعمال التي ترجمها الأستاذ الدكتور إمام عبد الفتاح إمام ما يلي:

فلسفة التاريخ (هيجل)؛ أصول فلسفة الحق (هيجل)؛ ظاهريات الروح (هيجل)؛ محاضرات في تاريخ الفلسفة (هيجل)؛ موسوعة العلوم الفلسفية (هيجل)؛ استعباد النساء (جون ستيوارت مل)؛ الوجودية (جون ماكويي)؛ وأشرف على ترجمة موسوعة كوبلستون في تاريخ الفلسفة الغربية وترجمة بعض أجزائها.

كما أشرف دكتور إمام على سلسلة "أقدم لك" بالمجلس الأعلى للثقافة، وقد صدر منها حتى الآن ما يقرب من سبعين عددًا. وأصدر ما يقرب من مائة كتاب ما بين تأليف وترجمة ومراجعة، ومن أشهر مؤلفاته على سبيل المثال ما يلي:

المنهج الجدلي عند هيجل؛ مدخل إلى الفلسفة؛ أفكار ومواقف؛ تطور الجدل بعد هيجل (3 أجزاء)؛ تطور هيجل الروحي؛ دراسات في الفلسفة السياسية عند هيجل؛ الديمقراطية والوعي السياسي؛ كيركجور رائد الوجودية (جزءان)؛ هوبز فيلسوف العقلانية؛ الطاغية؛ الأخلاق والسياسة؛ معجم ديانات وأساطير العالم؛ سلسلــة الفيلسـوف والمـرأة (سلسلة من تسعة أعداد)..

وفي المجال البحثي، قدم لنا دكتور إمام عبد الفتاح العديد من البحوث، منها: رحلة في فكر زكي نجيب محمود؛ هيباشيا فيلسوفة الإسكندرية؛ مفهوم التهكم عند كيركجور؛ الديمقراطية...

وقد كان الدكتور إمام عبد الفتاح صاحب مواقف فلسفية - سياسية بارزة. ويمكن القول إجمالًا بأنه يتبنى منهجًا وسطيًا في السياسة، إلا أن هذا الموقف يميل كثيرًا تجاه اليسار عندما يتعلق الأمر بالأوضاع السياسية في العالم العربي. ويمكن إيجاز أهم آرائه السياسية على النحو التالي:

يرى دكتور إمام أنّ التاريخ الإسلامي قد حفل بمفارقات فساد السلطة، وقد أثار كتابه "الطاغية" اهتمامًا واسعًا في الأوساط الثقافية العربية؛ لما يحتويه من تحليل متعمق وموضوعي لتجارب الطغيان في العالم العربي. وأكّد على أنّ الحكم لا يستقيم أبدًا طالما تداخلت معه أمور من قبيل (الدولة الدينية، والمستبد العادل...الخ)؛ ولذلك رأى ضرورة الفصل التام بين السياسة والأخلاق، فلكل منهما مضماره.

كما اعتقد أنّ مناقب الحكم في الوطن العربي أساسها هو عزوف الشعوب عن المطالبة بحقوقها؛ وذلك إما عن جهل (ومنشأ ذلك عدم شيوع التفكير لدى غالبية أفراد الأمة)، أو عن يأس (ومنشأ ذلك أيضًا هو عدم تدبر الشعوب العربية للتاريخ السياسي للأمة ذاتها أو لأمم العالم الغربي).

وذهب دكتور إمام عبد الفتاح إلى أنّ انفصام الشخصية الشرقية جاء نتيجة لحكم الطاغية الذي يعتمد على مبدأ الخوف وبثّ الرعب في قلوب الناس، فلا يستطيع أحد أن ينتقد أو يناقش ولا أن يفكر بصوت مسموع، فيلجأ إلى الرياء والنفاق والتملق في الظاهر، ولا يفصح عمّا بداخله إلا إذا اختلى بصحبة يثق فيها، وهكذا يعتاد أن تكون له شخصية ظاهرة علنية هي التي تقول "نعم" بصفة مستمرة، وشخصية خفية مستترة يمكن أن تقول "لا" في أوقات خاصة! وأنّ هذا الانقسام سوف ينعكس في جميع سلوك الفرد وتصرفاته بحيث يكون نمطًا للشخصية: فتراه أولًا يهتم بالشكل دون الجوهر، فيكون تديّنه زائفًا لا يأخذ من الدين سوي جانبه الظاهري السهل ويترك الجوهر الذي يتجلى في الصدق والإخلاص والأمانة والتعاون والضمير والعدل والإحسان.. إلخ. وتراه ثانيًا يفصل نفسه عن وطنه: فالحكومة والشرطة والصحافة شيء ومصلحته هو الخاصة واهتماماته شيء آخر. وهذه القسمة راجعة إلى أنّه لم يشترك في حكم بلاده، ولا في تشريع القوانين التي يخضع لها، ولا في إعداد الخطة التي يسير عليها.. إلخ فذلك كله كان متروكًا "للقائد الملهم"!

وأخيرًا، فقد أكّد على أنّه لا سبيل للتقدم العلمي أو الاجتماعي أو الإنساني في الوطن العربي سوي بتربية أجيال قادرة على التفكير النقدي ومتمكّنة من أدوات العقل.

 

محمد عرفات حجازي/ باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4671 المصادف: 2019-06-20 02:10:27