 شهادات ومذكرات

د. صالح الوكيل والإبداع العلمي الأصيل!!

صادق السامرائيالدكتور صالح الوكيل قامة عراقية علمية أسهمت بتنوير العقول في المجتمعات البشرية، بما أضافه من إكتشافات ورؤى ونظريات، وآليات للإبحار في عالم الخلايا والإطلاع على تفاعلاتها الأيضية، وما يجري في تلك الكينونات الحُجَيْرية الصغيرة التي تبني الكيان الحي.

فعلى مدى أكثر من نصف قرن وهو يغوص عميقا وعميقا في دنيا الخلايا ويأتينا بما لا نعرف، وقد أسهم بأصالة وإبداع متميز في علوم الكيمياء الحياتية بمكتشفاته الأيضية، المتصلة بهضم وتمثيل المواد الدهنية.

ويمكن وصفه بالرائد والفاتح لميادين علم الإنزيمات، والعارف بمفاتيح العمليات البايوحياتية في الجسم الحي، وهو المكتشف للجين الذي يمنع تراكم الدهون في الجسم.

 وقال عنه عدد من العلماء المشاهير هو صاحب "سلسلة إكتشافات مثيرة تكفي كل واحدة منها لإضاءة سيرة بكاملها" و"كان الأمر الثابت والوحيد فعلا هو إفتنان الوكيل كليا بالأيض الشحمي وإلتزامه العميق بفهمها بالكامل" و هو الذي " أزال الحدود بين الحياة واللاحياة"!!

وليس الهدف من المقال التطرق لسيرته العلمية الباهية، فهي موجودة على صفحات الإنترنيت وباللغتين العربية والإنكليزية، لكن الذي جعلني أكتب هو إيفاءً بوعدي له،،وأشعر بالأسف لأنني لم أكتب عنه في حياته وقد وعدته بذلك، لكن دوامة الأيام أخذتني إلى مرافئ أخرى حتى إستيقظت وأنا أقرأ نبأ وفاته.

أول لقاء مع الدكتور الوكيل عندما كنا طلبة في كلية الطب، وقد جاءنا زائرا وألقى علينا محاضرة في الكيمياء الحياتية، ولازلت أذكر حركته وهو يرفع قبعته مبتسما ويقول جئتكم من تكساس لكني لست من رعاة البقر، وكانت محاضرته فائقة الروعة.

وكان أستاذنا في الكيمياء الحياتية هندي، وقد كان مبهورا به وهو يقول هو أستاذي، إنه أبو الكيمياء الحياتية، ولا يخلو كتاب من إسمه وبحوثه، وأذكر أنه تصفح الكتاب المقرر وذهب إلى (كربس سايكل)، وفي حاشية الكتاب كان إسم صالح الوكيل، الذي له إسهامات معرفية بعمليات هذه الحلقة الأيضية المهمة في الخلية.

ودارت الأيام والسنون والعقود، وإذا بي معه على ذات المائدة في مؤتمر علمي صاخب ، فتحدثت معه عن محاضرته لنا عندما كنا طلبة في كلية الطب، وتشعب الحديث وتطور عن إنجازاته، وما قدمه للطب من خدمات معرفية غير مسبوقة، وخصوصا في ميادين هضم وتمثيل المواد الدهنية.

وبعدها تواصلت لقاءاتنا، وكان مرحا ويضفي على كلامه شيئا من المزحة، وكلما إلتقينا يمنحني فكرة للكتابة، فيمسك بيدي ويضغطها ويقول: أكتب عن كذا وكذا.

وكانت مجالسته فياضة بالمعارف العلمية والعبارات الثرية بالمعاني، والدلالات الفكرية والفلسفية والتراثية التي تقدح الأفكار في العقول، وفي آخر لقاء معه ذكر بأنه قد توصل إلى معرفة أسرار تمثيل الدهنيات، وربما سيتم تصنيع دواء يساعد على حرقها بسرعة، وأضاف مازحا أي يمكنك أن تأكل كل ما تشتهي ولن يزيد وزنك.

وكان كلامه أشبه بالحديث عن ثورة جديدة في عالم الكيمياء الحياتية.

وكما ذكرت وعدته أن أكتب عنه لأني أرى أنه يستحق جائزة نوبل، لما قدمه للعلم من إنجازات غير مسبوقة، إذ نقل علم الكيمياء الحياتية إلى ميادين متطورة فتحت آفاقا علاجية ذات قيمة شفائية مؤثرة.

كما أنه مثال حي وبرهان فعّال على أن العقول العراقية تساهم في بناء الحضارة الإنسانية المعاصرة.

وكم سألته :متى سنحتفل بجائزة نوبل، وكان جوابه دائما بإبتسامة واعدة.

ولازلت على يقين بأنه يستحق الجائزة ومؤهل لها، لكنه لم يحصل عليها لأسباب لا أعرفها، فما أنجزه يضاهي ما قدمه الذين حصلوا عليها وأكثر.

وأكتب عنه اليوم إكبارا وتقديرا لعالم جليل أضاء للبشرية ظلمات أعماق الخلية، وأرجو أن تكون هذه الكلمات قد أوفت بوعدي ولو متأخرا.

ورحم الله أستاذنا الوكيل الذي أنار دروب البشرية بإضافاته العلمية الوهاجة.

 

د. صادق السامرائي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة
للعالم الجليل الاستاذ الكبير صالح الوكيل الذكر العطر دائماً...سيبقى حيا بانجازاته و ما قدم
ولكم ايها الكريم الشكر على ما تفضلتم علينا به من تعريف بالعلامة الكبير,
وهي مناسبة ان اذكر اول مرة تعرفنا على"الكربس سايكل" في محاضرة بالكيمياء الحياتية القاها علينا استاذنا استاذ المادة الدكتور الكبير حامد العاني الذي له اسهامات مهمة في هذا المجال ايضاً...وتَّذَكري هذا عن مصير هذا العالم العاني الكبير حيث فوجئت في احد ايام الثمانينات و انا ادخل مكتبة المنشأة العامة لمنتوجات الالبان لأجد ان مسؤول المكتبه هو العالم الجليل حامد العاني..خجلتُ من نفسي فهربت دون حتى تحية السلام و عرفت بعدها ان السبب انه القى القبض على طالب ماجستير هو مشرف على اطروحته يغش في الامتحانات النظرية...ورفض باصرار منحه الماجستير... النتيجة الغشاش مُنح الماجستير و العالم الجليل نُقل الى مكتبة بائسة في المنشأة العامة لمنتوجات الالبان...الرحمة للاستاذ الجليل حامد العاني في هذا اليوم وكل يوم

عبد الرضا حمد جاسم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4698 المصادف: 2019-07-17 02:03:23