 شهادات ومذكرات

سهير قلماوي.. عاشقة اللغة العربية

محمود محمد عليتعد سهير قلماوي أول امرأة تشغل منصب ودرجة أستاذ فى اللغة العربية، ثم أصبحت رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآدب – جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة) من سنة 1958 إلى سنة 1967، وعلى يديها درس وتعلم وتخرج مئات الطلبة والطالبات. وهى أول امرأة ترأس الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1967 وكان حماسها شديدا لنشر إبداعات الأدباء الشبان، بل هى من تحمست لنشر أول دواوين الشاعر الشاب وقتها «أحمد فؤاد نجم»، وهو ديوان (صور من  الحياة والسجن) وهو القصائد التى كان ينشرها فى مجلة السجن عندما كان مسجونا ونشرت لأكثر من خمسين من الشبان الواعدين وقتها! وهى أول امرأة ترأس الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1967 ، ونشرت لأكثر من خمسين من الشبان الواعدين وقتها! وهناك ايضا من تتلمذ على يديها دون أن يكون فى علاقة مباشرة معها مثل الأديبة الدكتورة (نوال السعداوي).  أما فى مجال العمل العام، فقد أسست عام 1953 جمعية خريجات الجامعة، وكانت عضوا بمجلس الأمة ثم مجلس الشورى، وكانت محل تقدير المحافل الدولية. كما نالت جائزة الدولة التقديرية فى الأدب عام 1977.

لقد كانت سهير قلماوي ذات علامة أدبية وسياسية بارزة مصرية وهي من شكلت الكتابة والثقافة العربية من خلال كتابتها والحركة النسوية والمناصرة. كانت واحدة من أول أربع فتيات يلتحقن بكلية الآداب بالجامعة المصرية عام 1929..  وكانت الطالبة الوحيدة فى قسم اللغة العربية ومعها 13 طالبا هم كل الدفعة، ولم تكن تستطيع أن تنطق بكلمة عربية، فقد تلقت تعليمها كله فى كلية البنات الأمريكية حيث اللغة الإنجليزية هى أساس الدراسة. كما قرأت روائع الأدب العالمي.

ولدت سهير القلماوي في 20 يوليو 1911 القاهرة مصر وعاشت هناك طيلة حياتها. نشأت في عائلة تفخر بتعليم إناثها ولذلك كانت قادرة على الاستفادة من مكتبة أبيها ذات الأعمال الشاسعة بسن مبكر. يبدوا أن كُتابا مثل طه حسين ورفاعة الطهطاوي وابن إياس ساهموا في موهبتها الأدبية بشكل كبير وشكلوا صوتها كأديبة . خلال طفولتها أثناء ثورة 1919، نشأت سهير القلماوي وسط تأثير السيدات المصريات خلال الفترة التي كانت بها الناشطة النسوية العظيمة هدى الشعراوي والشخصية القومية البارزة صفية زغلول. ركزت تلك النساء وناشطات نسوية أخريات على نقل المناظرة النسوية للشوارع لإنشاء حركة بعيدة المدى. أثر هذا المقصد على بعض مبادئها النسوية.

وفي عام 1928، تخرجت القلماوي من الكلية الأمريكية للفتيات وكرست نفسها لدراسة الطب كوالدها في جامعة القاهرة. ومع ذلك، وفور تلقيها الرفض، شجعها أبوها على التخصص في الأدب العربي عوضاً عن ذلك. أصبحت أول فتاة شابة ترتاد جامعة القاهرة وهي لا تتقن العربية، وحتى تتقن العربية، كما قال " رشاد كامل " في مقاله (القلماوى : أول دكتوراه مصرية) حرص والدها الجراح صاحب أشهر عيادة على أن يقرأ معها القرآن الكريم وكتب التفاسير خاصة تفسير مختصر لمحمد فريد وجدى، كما أحضر لها عددا من المدرسين ليشرحوا لها  كل ما يتعلق باللغة العربية من قواعد وبلاغة وأدب. وفى الجامعة احتضنها د. طه حسين عميد الكلية، الذى كان يعتبرها بمثابة (ابنته الروحية) وتخرجت فى قسم اللغة العربية وجاء ترتيبها الأول، وفى أثناء فترة الدراسة نشرت لها مجلات (اللطائف المصورة) و(العروسة والهلال) و(أبوللو) و(الرسالة)، كما أشرفت على صفحة نسائية كاملة فى صحيفة (كوكب الشرق) و(البلاغ). وعند افتتاح الإذاعة المصرية سنة 1934 تم اختيارها لإلقاء بعض الأحاديث كل ثلاثاء وأيضا الإشراف على بضع صفحات من مجلة الراديو نظير مائة وخمسين قرشا فى الشهر وهو أول أجر تتلقاه فى حياتها!! الطريف أن د. طه حسين عندما اشترى جريدة الوادى، كلفها بالإشراف على  صفحة الأدب وصفحة المرأة دون مقابل، وسرعان ما عرض عليها أستاذها (أحمد أمين) أن تكتب فى مجلة الرسالة ثلاث مقالات مقابل خمسة جنيهات رفضت لأنها وكما تقول: (لأنى لا أريد أن أكتب بأجر إلا فيما بعد)!!

وفي عام 1941 أصبحت أول امرأة مصرية حصلت على الماجستير فى موضوع" أدب الخوارج فى العصر الأموى" عام 1937 ثم الدكتوراه عن  (ألف ليلة وليلة) عام 1941، وقال عنها د. طه حسين: هذه رسالة بارعة من رسائل الدكتوراه التى ميزتها كلية الآداب فى جامعة القاهرة، وبراعتها تأتى من مؤلفتها، فهى السيدة سهير القلماوى، ونحن أساتذتها قد عرفناها بجدها فى الدرس، ودقتها فى البحث واتقانها للاستقصاء حين تعرض لموضوع من موضوعات العلم .

وهكذا أصبحت (سهير القلماوي) أول فتاة مصرية تحصل على الماجستير ثم الدكتوراه، كما كانت أول امرأة تحصل على الجائزة الأولى من مجمع اللغة العربية سنة 1941. وبعد التخرج، عينتها الجامعة كأول مُحاضِرة تشغل هذا المنصب. كانت أيضاً من أوائل السيدات اللائي شغلن منصب الرؤساء من ضمن ذلك رئيسة قسم اللغة العربية في جامعة القاهرة ورئيسة الاتحاد النسوي المصري ورئيسة رابطة خريجات جامعة المرأة العربية.

كانت سهير قلماوي إحدى العديد من أوائل بنات جنسها وابتدأت مشوارها المهني كأول مُحاضرة في جامعة القاهرة عام 1936. وسرعان ماشقت طريقها لتصبح أستاذة جامعية ولاحقاً رئيسة قسم اللغة العربية بين عامي 1958-1967 وكانت أول امرأة تقوم بذلك.

وقد عملت سهير قلماوي كرئيسة الاتحاد النسوي المصري، وفي عام 1959 أصبحت رئيسة رابطة خريجات جامعة المرأة العربية ؛ حيث أسست التعاون بين الاتحاد المصري والاتحاد العالمي للجامعات. أصبحت لاحقاً رئيسة الهيئة المصرية العامة للسينما والمسرح والموسيقى عام 1967 ورئيسة مجتمع ثقافة الطفل عام 1968.  ساهمت القلماوي في النضال لأجل حقوق المرأة ليس فقط عبر عملها الأدبي، ولكن أيضاً عبر مشاركتها في مؤتمرات المرأة العربية حيث نادت بمساوة الحقوق. عام 1960، كانت رئيسة المؤتمر الدولي للمرأة؛ وفي عام 1961 أصبحت رئيسة أول اجتماع للفنون الشعبية. شكلت لجنة للإشراف على جامعة الفتيات الفلسطينيات للحديث عن اهتمامها بالقضية الفلسطينية وكان ذلك عام 1962.

بدأ عملها السياسي عندما دخلت مجال السياسة كعضوة بالبرلمان عام 1958 ومجدداً في 1979 حتى 1984. كانت أيضاً رئيسة الإدارة التابعة للهيئة المصرية للنشر والتوزيع حيث عملت على توسيع نطاق القراء وتشجيع الكتاب الشباب والنهوض بصناعة الكتب. في عام 1967، أسست أول معرض كتاب في الشرق الأوسط: معرض القاهرة الدولي للكتاب. وخلال سنوات عمرها الأخيرة، عملت كرئيسة الهيئة العامة للكتاب من 1967 إلى 1971 وكرئيسة هيئة الرقابة من 1982 إلى 1985.

وفي بداية عام 1935، نشرت مجموعة واسعة من الأعمال الأدبية تحتوي قصصا قصيرة ودراسات نقدية ومجلات ثقافية وتراجم ، وقد نُشرت كتاباتها التي تتضمن مجلدين من قصص قصيرة وعشرة دراسات نقدية والعديد من تراجم عالم الأدب (أحاديث جدتي) نشر عام 1935. وعنه تقول: كنت قد كتبت فى جريدة الوادى عام 1935 قصة أدبية عن (أمة كريمة والحمام) فيها ذكريات أيام جدى، ولما توفى والدى نصحنى أستاذى (طه حسين) أن أدفن أحزانى فى الكتابة، وقال: لماذا لا تؤلفين قصصا أخرى وتنشرينها كتابا، وكان هذا كتاب (أحاديث جدتي) يعبر عن عمق الفجوة بين جيلى ومن سبقه من أجيال! طبعت الكتاب على حسابى الخاص فى لجنة التأليف والترجمة والنشر وطبعت أربعة آلاف  نسخة، قال أستاذى.. أنت مجنونة.. أنا (طه حسين) أطبع ثلاثة آلاف!! قلت: وأنا فى غاية الغرور: أنت مقروء لأنك أديب ممتاز، وأنا أديبة ممتازة زائد أنى امرأة، وهذا فى حد ذاته طرافة تجذب القارئ !! ولم يبع من الكتاب إلا تسعمائة نسخة، وقامت الحرب، فاختفى من المخزن لأن غلافه كان مهما لصناع البلكونات، فهذا الورق المقوى لم يكن متوافرا فى السوق وكان هو غلافى الأنيق!! وكتب د. طه حسين مقدمة كتاب الآنسة سهير القلماوى ووصف أسلوبها «تحدثت إلى النفس المصرية وإلى القلب المصرى بلغة النفس المصرية والقلب المصري».

وتتوالى مؤلفاتها: الشياطين تلهو، ثم غربت الشمس وترجمة العشرات من روايات شكسبير، وتأليف أكثر من ثلاثمائة قصة قصيرة.

وأتوقف قليلا مع كتابها البديع (ذكرى طه حسين) الذى صدر فى الذكرى الأولى لرحيل عميد الأدب العربى أكتوبر 1974، وتروى فيه بعض ذكريات لها دلالة مع العميد، وكان ذلك عقب حصولها على الدكتوراه حتى سألها: ألا تصدرين كتابا آخر فى ألف ليلة وليلة؟ فقالت له: لا أريد أن أكون كبعض الزملاء يحملون رسالة الدكتوراه كعربة (الترمس) يسرحون بها عصرا أو يبيعون للمارة كل يوم حفنة منه، سأؤلف كتبا جديدة بعيدا عن ألف ليلة وليلة! فقال لها: رجعنا إلى الغرور لا بأس.. المهم ألا تكفى عن الدرس!!.

وتكتب أيضا: إنك أبى لا فى العلم وحده، وإنما فى كل خطوة من حياتى، فمازال عقد زواجى يحمل إمضاءك، وأحبك زوجى (د. يحيى الخشاب)  ورعيته تلميذا لك قبل أن اعرفه، ومازالت أذكر معاملاتك بشأنى مع والدتى وكنت تسميها الدولة العثمانية لشدتها وتمسكها برأيها وفرض إرادتها على حياتي! أنت الذى أقنعتها أن أعين فى كلية الآداب معيدة، وكانت ترد مجرد اشتغالى عار عليه: وأنت الذى أقنعتها بأن اسافر فى بعثة إلى فرنسا، فاشترطت أن أكون فى صحبة أسرة مسافرة، وسفرتنى فعلا مع زميل له زوجة وولد.  كتابى الأول كان بأمر منك عندما ملكنى الحزن على أبى، فجعلت تلاحقنى بكتابة الكتاب، كنت معى دائما فى كل خطوة من خطوات حياتى، كنت لى أبا حنونا وجدارا ضخما أستند إليه كلما احتجت إلى سند أو عون أو عزاء.

تحية طيبة للدكتور سهير قلماوي التي كانت  تمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام التي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

وتحيةً لامرأة عظيمة لم تستهوها السلطة، ولم يجذبها النفوذ ولكنها آثرت أن تكون صدى أميناً لضمير وطنى يقظ وشعور إنسانى رفيع وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4708 المصادف: 2019-07-27 02:25:23