 شهادات ومذكرات

السهروردي المقتول.. فيلسوف الإشراق (2)

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في مقالنا الثاني عن السهروردي المقتول فيلسوف الإشراق؛ حيث يحدثنا الشهرزورى عن مأساة السهرروردي بما قاله " فخر الدين الماردينى" ما نصه: "ولما فارقنا السهروردى" من الشرق، وتوجه إلى حلب، وناظر فيها الفقهاء، ولم يجاره أحد . فكثر تشنيعهم عليه، فاستحضره الملك الظاهر، واستحضر الأكابر والفضلاء المتفننة لسماع ما يجرى بينهم من المباحث، فتكلم معهم بكلام كثير، وباَن له فضل عظيم وعلم باهر، وحسن موقعه عند الملك الظاهر، وقربه وصار مكيناً عنده مختصاً به . فازداد تشنيع أولئك عليه، وعملوا محاضر بكفره، وسيروها إلى دمشق إلى صلاح الدين، وقالوا له: إن بقى أفسد اعتقاد الملك، وإن أطلق أفسد أي ناحية سلك، وزادوا عليه أشياء كثيرة فبعث إلى الملك الظاهر يقول بخط القاضى: " إن هذا الشهاب لابد من قتله، ولا سبيل إلى إطلاقه بوجه .

من هذا النص يتضح لنا أن السهروردى عندما جاء إلى حلب، نزل المدرسة الخلاوية، وحضر درس شيخها الشريف "افتخار الدين" كما أخبرنا بذلك ابن أبى أصيبعة، فأدناه إليه وقرب مجلسه منه، وأظهر فضله للناس، وعرف مكانه فيهم، على أن ما ظهَر من فضل السهروردى وعلمه، وما أظهره من براعة في المناظرة، وإفحام في الحجاج، وما كان له من منزلة كبرى عند الشيخ افتخار الدين، كل أولئك قد أخنق علي الفقهاء وأوغر صدورهم فجعلهم يرجفون به ويشنعون عليه، الأمر الذى ترتب عليه أن استحضره الملك الظاهر بن صلاح الدين وصاحب حلب في ذلك الحين، وعقد له مجلساً من الفقهاء والمتكلمين يباحثونه ويناظرونه، فيظهر عليهم بحججه، وإذا الملك يقربه، ويقبل عليه ويتخصص به، وإذا بالحانقين عليه والضائقين به من الفقهاء يزداد حنقهم وغيظهم، وإذ هم يرمونه بالإلحاد والزندقة، ويكتبون إلى الملك الناصر صلاح الدين يحذرونه من فساد عقيدة ابنه الظاهر بصحبته للشهاب السهروردى، ومن فساد عقائد الناس ان هو أبقى عليه فلم يكن من صلاح الدين إلا أن كتب إلى ابنه الظاهر يأمره بقتل السهروردى ويشدد عليه في ذلك ويؤكده، وما هى إلا أن استفتى فقهاء حلب في أمره فأفتوا بقتله .

والواقع أن هذه الحملة على السهروردى تدعو إلى التساؤل، هل هى وليدة خصومة شخصية وتباين في الميول والطباع، أم ثمرة خلاف مذهبى؟

في الحقيقة ذهب بعض المستشرقين من أمثال ماكس هورتن  Horten M.، وغيره إلى أن مقتل السهروردى يرجع إلى أسباب سياسية: يقول " هورتن " ما نصه: (إن مذهب السهروردى ينطوى على إحياء المذهب الإسماعيلى القائل بأن أبناء علَى هم صور للتجلى الإلهى، ولهذا أُعتبر ثائراً سياسياً يعمل على قلب النظام وكان مصيره كمصير الحلاج من قبل .

ويوافق بعض الباحثين على هذا الرأى، فنجد الدكتور عبد الرحمن بدوى يقول: " بأنه لولا اتصال السهروردى بالملك الظاهر وما خشية السلطان من تأثير هذه الصلة على المذهب السنى الذى كان يمثله صلاح الدين لظل السهروردى طليقاً حراً يفكر كما يشاء . ونفس ما حدث للسهروردى حدث للحلاج من قبل، فلولا أن الحلاج قد زج بنفسه في التيارات السياسية المضطربة في عصره ومصره بين الشيعة والحنابلة، واتصاله برجال السياسة، لما حدث له شئ مما حدث من تعذيب أو صلب . أما أن تكون أسباب اتهامه هى مسائل ترجع إلى آرائه، فلم يكن إلا تكاة استند إليها السلطان فحسب، وأن فى وسعه أن يجد غيرها لينكل به كما فعل لو لم توجد هذه الآراء .

وإذا كان بعض المستشرقين والباحثين يرجع حادث مقتل السهروردى إلى أسباب سياسية، فإن هناك أسباباً أخرى يجب أن لا نغفل عنها، وهى أن جرأة السهروردى وقسوته على معارضيه هى التى جنت عليه، وهذا الشهرزورى تلميذ السهروردى أقوى شاهد إثبات؛ حيث فصل القول في هذا تفصيلاً تاماً، وأظهرنا على أن السهروردى كان يصرح في البحوث بعقائد الحكماء، لأنه كان صارماً في جدله مفحماً في حجته، لا يأخذ خصومه فى هوادة ولا يخاطبهم في لين.

هذا بالإضافة إلى ما كان بقوة روح القدس، وما نسب إليه من العظائم، وأنه إدعى النبوة، فكل ذلك كان سبباً في أن يجمع الفقهاء أمرهم على تكفيره وإباحة دمه، والحكم عليه بالقتل، ولكن الشهرزورى يرى أن السهروردى برئ من ذلك .

من هذا يتبين لنا أن جرأة السهروردى وتهوره وقلة تحفظه من الأسباب التى جنت عليه، فمن يدرى فلعل السهروردى لو أنه أصطنع كثيراً أو قليلاً من التحفظ والاعتدال وأمسك عن كثير أو قليل من تصريحاته وعباراته لكان للفقهاء معه شأن أخر، ولكنه وقد أطلق نفسه على سجيتها، وأطلق لأذواقه وأفكاره ومذاهبه كل حريتها، ولكن لم يستطيع أن يكون غير ما كان، ولا أن يقول غير ما قال، ولم يستطيع الفقهاء إلا أن يحرجوه ويدحضوا مزاعمه وينسبوه إلى الكفر والضلال ويفتوا بقتله .

وينفرد العماد الأصفهانى الذى كان معاصراً للسهرورى بإيراد القصة الكاملة لمقتله فيقول ما نصه: " ... في سنة 588 هـ،  قتل شهاب الدين السهروردى وتلميذه شمس الدين بقلعة حلب . أخذ بعد أيام، وكان فقهاء حلب قد تعصبوا عليه، ما خلا الفقهين (ابن جهيل) فإنهما قالا: هذا رجل فقيه ومناظراته في القلعة ليس بحسن، ينزل إلى الجامع ويجتمع لهم ويعقد له مجلس في الخلاف معه وقالوا له أنت قلت فى تصانيفك: " إن الله قادر على أن يخلق نبياً وهذا مستحيل، فقال لهم: ما حد لقدرته، أليس القادر إذا أراد شيئاً لا يمتنع عليه؟ قالوا بلى، قال: فالله قادر على كل شئ، قالوا إلا على خلق نبى فإنه مستحيل، قال فهل يستحيل مطلقاً أم لا، قالوا كفرت وعملوا له أسباباً لأنه بالجملة كان عنه نقص عقل لا علم، ومن جملته أنه سمى نفسه المؤيد بالملكوت .

وإن كان السهروردى قد قتل بالفعل، فكيف نفذ فيه حكم القتل؟ وعلى أو وجه قتل؟

اختلفت الروايات وتضاربت الأقوال في هذا الموضوع، فنجد أن الشهرزورى يقول: " ... ورانت الناس مختلفين في قتله فزعم بعضهم أنه سجن ومنع الطعام " وبعضهم يقول: "خنق بوتر"، وبعضهم يقول بسيف، وقيل: "أنه حط في القلعة وأحرق" .

كما يخبرنا ابن أبى أصيبعة ؛ حيث يقول: "ولما بلغ الشهاب السهروردى ذلك (نبأ قتله) وأيقن أنه مقتول وليس جهة إلى الإفراج عنه، اختار أن يترك في مكان منفرد، ويمنع من الطعام والشراب إلى أن يلقى ففعل به ذلك " .

من هذين النصين يتضح أنه لا يمكن أن نرجح كيف قتل السهروردى، غير أنه يمكن القول مع " هنرى كوربان "، بأنه قتل بطريقة سرية . أما عن معرفة التاريخ الذى وقع فيه حادثة القتل، فنجد أن المؤرخين والمترجمين يختلفون في إيراد وفاته، إلا أن الاختلاف ليس كبيراً، فهو لا يتعدى سنتى 586 هـ - 588 هـ . فنجد أن الشهرزورى يذكر 586 هـ، على أنها السنة التى قتل فيها أستاذه، وكذلك العماد الأصفهانى يذكر حادث مقتله 588 هـ.

إلا أن معظم الباحثين والمؤرخين والمترجمين يرجحون من بين هذه التواريخ جميعاً 587 هـ (38)، وهو يوافق 29 يوليو سنة 1191 م، يعنى أن عمره كان حينئذ 36 عاماً بالتقويم العربى القمرى، ويلاحظ أن تاريخ وفاته سابق على التاريخ الذى مات فيه ابن رشد، وذلك بسبع سنين .

ويعد السهروردى أول من تصدى للفلسفة المشائية في القرن السادس الهجرى، فقد أعرب في مصنفاته عن تبرمه بالفلسفة المشائية وحرصه على تخطيطها بالاتجاه نحو فلسفة إشراقية، تنم عن أعماق شجونه الفكرية، وهذا إن دل على شئ، فإنما يدل على أن السهروردى متصوفاً قبل أن يكون فيلسوفاً، وقد انتهى من فلسفته إلى حكمة الإشراق التى تدل على مذهبه الحقيقى، وقد تفلسف غيره من متصوفى الإسلام، ولكن أحداً منهم لم يربط الفلسفة بالتصوف مثل ما فعل، فهو يضع الفلسفة والتصوف في علاقة خاصة لا نجدها إلا عنده، وهو يميز بين نوعين من الحكمة متقابلين: " الحكمة البحثية " المعتمدة على التحليل والتركيب والاستدلال البرهاني، وتهدف إلى الوصول إلى الحقيقة، وهى حكمة الفلاسفة، " والحكمة الذوقية " التي هي ثمرة مذاق روحي، وهى حكمة يحياها الإنسان ولا يستطيع التعبير عنها وهى حكمة الإشراقيين، وليس ثمة تعارض حقيقي بين الحكمتين، وإنما هو تعارض ظاهري، لأن الإشراقي الحقيقي هو الذى يتقن الحكمة البحثية وينفذ في نفس الوقت إلى أسرار الحكمة الذوقية .

وفي هذا يحدثنا الشهرزورى: ما نصه: " جمع يعنى (السهروردى) بين الحكمتين أعنى الذوقية والبحثية . أما الذوقية فشهد له بالتبريز فيها كل من سلك سبيل الله عز وجل، وراضى عن نفسه التشاغل بالعالم طالباً بهمته العالمية مشاهدة العالم الروحانى، فإذا إستقر قراره وتهتك بالسير الحثيث إلى معاينة المجردات أستاره، حتى ظفر لمعرفة نفسة، ونظر بعقله إلى ربه، ثم وقف بعد هذا على كلامه، فلتعلم جيداً أنه كان في المكاشفات الربانية آية، والمشاهدات الروحانية نهاية، لا يعرف غوره إلا الأقلون، ولا ينال شأوه إلا الراسخون . وأما الحكمة البحثية فإنه أحكم شأنها وشيد أركانها وتميز عن المعانى الصحيحة البارزة اللطيفة بالعبارات الرشيقة الوجيزة، وأتقنها ورآها، لاسيما في الكتاب المعروف " بالمشارع والمطارحات "، فإنه استوفى فيه بحوث المتقدمين والمتأخرين وتفحص فيه معتقد الحكماء الأقدميين، وأكثر تلك البحوث والمتناقضات، والأسئلة والإيرادات من تصرفات ذهنه ومكنون علمه، وذلك يدلل على قوته في الفن البحثى والعلم الرسمى، وأعلم أن قيم كلامه ومعرفة أسراره مشكل جداً على من لا يسلك طريقته .

وهذا الجمع المحكم بين الحكمتين " الذوقية والبحثية "، يدل دلالة واضحة على مظاهر الأصالة في التفكير عند السهروردى . فبحسب النظرية السهروردى أن المجهود الفكرى للنفس الإنسانية، لا يحقق لها الغاية المرجوة، التى تسمى المعرفة التامة، إلا بالتجربة الداخلية والذوق الباطنى، كما أن الاختبار الروحى بدوره، لا يزدهر ويرسخ وينتج ثمراته المطلوبة، إلا إذا قام على أساس ثابت من العلم والفلسفة.

وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على أن النظرية السهروردية تدعو إلى " حشد " كل ضروب العهد – بما فيها الإسلام – لشرح " روحية الإشراق " بنقل إعتبار التوجيه للإسلام في المجتمع الإسلامى إلى روحيته الإشراقية (، وهذه المحاولة تبين لنا أن السهروردى كان موسوعى النزعة، لا يقنع بكتاب، ولا يقف عند شيخ، ويأبى إلا أن يضم الحكماء بعضهم إلى بعض سواء أكانوا شرقيين أو غربيين . وكأنما كان يطبق الحديث القائل: " الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها "، فجمع بين حكماء الفرس واليونان، وبين كهنة مصر وبراهمه الهند وآخى بين أفلاطون وزرادشت، وبين فيثاغورس وهرمس، وشاء أن يضم الروحانيين بعضهم إلى بعض دون تفرقة بين جنس ووطن .

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى استطاع أن ينبهنا إلى دراسة المنطق والفلسفة، وما لهما من قيمة كبرى وخطر عظيم، وأثر كبير في إعداد طلاب الحكمة وتثقيفهم، فهو يرى أنه لابد لطالب العلم والمعرفة من أن يلم إلماماً تاماً بالفلسفة الأرسطية والمنطق والرياضيات والتصوف، وأن يخلص نفسه من شوائب الهوى والشهوة ؛ بحيث يستطيع أن ينمى تدريجياً هذه الحاسة التى تحقق وتصحح ما يأخذه العقل على أنه نظرى خالص، والتى تعرف عن الصوفية باسم الذوق . فإن العقل الذى يعمل وحده دون أن يكون له عون أو مؤيد من الذوق لا يصح أن يوثق فيه ثقة مطلقة أو يطمئن إليه اطمئناناً لا شبهه فيه ولا غبار عليه ومن ثم كان السهروردى حريصاً على أن يؤيد العقل بالذوق .. وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4711 المصادف: 2019-07-30 03:50:05