 شهادات ومذكرات

اعلان عن مطعم في موسكو

ضياء نافععندما كنّا ندرس بالاتحاد السوفيتي في ستينات القرن الماضي لم يكن هناك مفهوم الاعلانات ابدا، وأذكر ان الكاتب الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز أصدر كتابا شهيرا بعنوان غريب، وهو - (الاتحاد السوفيتي - 22مليون و400 الف كيلومترمربع بلا اعلان واحد للكوكا كولا)، والكتاب هذا يحتوي على صور قلمية حول الاتحاد السوفيتي، وقد اطلعت عليه بالروسية، ولا ادري اذا تم ترجمتة الى العربية، ومن الواضح، ان عدم وجود الاعلانات في الاتحاد السوفيتي آنذاك قد أدهش الكاتب، مما جعله يختار هذه التسمية الغريبة والطريفة جدا لكتابه ذاك . الوضع قد تغيّر طبعا بالتدريج ومنذ الثمانينات، و الان غزت الاعلانات روسيا الاتحادية من أقصاها الى أقصاها، لدرجة ان هناك نكتة يتداولها الناس في روسيا تقول، ان البرامج التلفزيونية (تعرقلنا!!!) من متابعة الاعلانات المهمة والضرورية جدا للمشاهدين والاطلاع عليها، وأذكر مرة، ان احد موظفي الملحقية الثقافية السوفيتية زار قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد، وحدّثنا (وكان غاضبا جدا)عن اعلان ظهر في التلفزيون الروسي بطله غورباتشوف نفسه، وهو يعلن عن وجبة طعام (البيتزا) الايطالية لصالح احد المطاعم .

غالبا ما نرى في شوارع موسكو الان اناسا يقفون في الاماكن المزدحمة ويوزعون الاعلانات (ومن بينهم حتى طلبة أجانب او نساء متقاعدات !)، ويرفض معظم المارة أخذها من الموزعين هؤلاء ويستمرون بمسيرتهم السريعة دون مراعاة اليد الممتدة اليهم وهي تحمل الاعلان، أما أنا، فاحاول ان استلم منهم الاعلانات، عطفا عليهم وتعاطفا مع مجهودهم اولا، وللاطلاع على تلك الاعلانات ثانيا ولو بسرعة، ثم ارميها بعدئذ في اقرب مكان ممكن، وهذا ما حدث عندما كنت أسير قبل ايام قرب احدى محطات المترو، اذ ناولني شخص اعلانا صغيرا جميلا و ملوّنا، وعندما بدأت بالاطلاع عليه بسرعة، كي أرميه كما افعل عادة، وجدت فيه كلمة بالعربية، فاحتفظت به، وفي البيت بدأت بالاطلاع عليه بامعان، واود ان اتحدث عنه هنا، اذ انه اعلان طريف ويثير عدة قضايا ثقافية ولغوية ترتبط بواقع روسيا الاتحادية ولغتها الروسية المعاصرة.

الاعلان هذا عن مطعم يحمل اسم مدينة اوزبكستانية ترتبط بالتراث العربي الاسلامي وهي مدينة (بخارى) الشهيرة، واسم المطعم – (جايخانه)، والقاموس المعاصر الكبير الروسي – العربي يعطي معناها كما يأتي – (مقهى في آسيا الوسطى)، وتحت تلك التسمية في الاعلان توجد صورة تخطيطية لجامع جميل جدا بست منارات متناسقة، وفي مركز هذا التخطيط توجد كلمة (حلال) باللغة العربية، ومكتوبة بشكل بارز وواضح تماما (وهي الكلمة التي لاحظتها عندما القيت النظرة الاولى على الاعلان)، وتحتها بخط أصغر نفس الكلمة باللاتينية – (هلال) بالهاء، لعدم وجود حرف الحاء باللاتينية . تحت هذه الصورة توجد نماذج من انواع الطعام مع التسميات بالروسية (اي ان كلمة الجايخانة تعني مطعم باللغة الروسية المعاصرة، وقد فات ذلك على واضع القاموس الروسي العربي)، و انتبهت الى كلمة (شوربه) مكتوبة بالروسية (حرف الباء بثلاث نقاط)، وبحثت عن هذه الكلمة في القاموس المذكور أعلاه ووجدت معناها كما يأتي – (حساء من لحم الضأن والرز في آسيا الوسطى)، ثم يعطي القاموس كلمة (الشوربة) ايضا. كنت اعتقد ان كلمة (الشوربة) هي مفردة عاميّة، ولكن المعاجم العربية تشير الى انها من (شرب) العربية الفصيحة، رغم ان المعجم يوضحها كما يأتي – (طعام مائع من الرز او العدس او الخضر)، وقد تذكرت النكتة (الكلاسيكية !!) عن (الشاطر والمشطور والكامخ بينهما)، وضحكت، وبدأت أتصور شخصا عربيا يجلس في تلك (الجايخانة الاوزبيكية في موسكو !) ويطلب من النادل - (صحنا من طعام مائع من الرز مع قطعة واحدة من الشاطر والمشطور والكامخ بينهما...).

توجد في قائمة الاطعمة تسميات اخرى لم أجد اي اشارة اليها في القاموس الروسي – العربي، مثل – (لاغمان)، او (خاشلامه)، او (جوجفارا)، وهذا يعني ضرورة العودة الى القاموس الروسي الكبير، او قاموس الكلمات الاجنبية، او موسوعة العلاقات الروسية – الاوزبيكية، او مصادر روسيّة اخرى ....

هذا الاعلان الصغير هو في الواقع وثيقة تثبت ان روسيا هي دولة اوروبية واسيوية بامتياز (اوروآسيا)، وانها المزيج النموذجي للحضارتين الغربية والشرقية، وانها دولة متعددة القوميات والاجناس بما لا يقبل الشك، رغم ان اكثرية سكانها من القومية الروسية طبعا، و يثبت ايضا، ان كتاب ابن فضلان العظيم في القرن العاشر عن رحلته اليها من بغداد وسر من رأى باسم الخلافة العباسية لازال يمتلك قيمته العلمية الكبيرة باعتباره وثيقة صحيحة ومعتمدة في مسيرة تاريخها ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4712 المصادف: 2019-07-31 06:04:40