 شهادات ومذكرات

أحوال عنترة ابن شداد..

صبحي عبدالنبيبرز عنترة واضحًا في صفحات الأدب العربي برمز الشجاعة ورمز الحرب، وما ينتج منهما من أقوال وأحاسيس، وكثيرًا تجد في شعره الحرب والثأر واثارة الشجون نحو الإغارة والغزو، ويمت هذا بحكم بيئته التي لم تعط له حظًا من الحرية لذنب قد اقترفه أبوه إذا كان بالفعل  ذنبًا على حد زعم القبيلة .

فقد عاش الشاعر وظهر نبوغه في ظل القسوة والتفرقة البشرية التي سادت آنذاك في خواصر العرب، وهي التمييز والتميز بين العبد والحر الذان يأتيان طبقًا لتصانيف أزلية قد تكون المعني لا يعلم طرف خيطه، كما الحال في شاعرنا عنترة بن شداد الذي صارع العبودية فترة من الزمن لأنه ابن زبيبة وهي امرأة حبشية قطعت صحراء العرب تلحث مصائبها وثغراتها الى أن استقرت في يد شداد بن قراد الذي ربما كان آخر عتبة في المسيرة الزوجية، ومنه انجبت عنترة بن شداد اسطورة التاريخ وسنام الحكمة والأدب ورمز العروبة.

وبعد فترة استطاع عنترة ان يشتري حريته بحر فكره وعزمه، فكان امنيته الوحيدة أن يعيش حرًا كريمًا لينثر ما لديه من درر وإنسانية التي تغيب في أعماق العبودية، والناظر لحاله وعزمه على الحرية يرى أن العبودية كانت تمي ملامح الانسانية والبشرية من الوجود فبالنظرية التقريبية العبد كالميت في عرائك المجتمع، وإلا لماذا هذا الشاعر العظيم كان حريصًا لنيل الحرية، حتى أنه عمل كل ما في وسعه .

طلب عنترة بن شداد من أبيه ان يلحق بنسبه ليكتب اسم ابيه بعد اسمه في الالسن والرسائل طلبا شديدا وقد صده أبوه في هذا بأشد التصدية برفض وعقاب، إلى أن جاءت الحرية بدرب لم يتوقعه الابن ولا الاب، فذات يوم جاءت قبيلة بغزو بني عبس في وجود (شداد) فقال كريا عنترة لعلمه بمهاراته وامكانياته لانه سبق أن حجز عنترة مثل هذه الإغارة من قبيلة عبس وحماية ابناء زهير ملك القبيلة . فقال عنترة العبد لا يحسن الكر بل يحسن الحلابة والصر فقال أبوه :كر وأنت حر،،،فأصبح بين لحظة ولحظة حرًا طليقا يجالس الزعماء بدلا من اصطحاب الابل فكر عنترة وقاتل قتالا عنيفًا إلى أن حرر القبيلة من شر الغزاة ....

ظل عنترة في أذهان الناس بأنه رجل جاف لا يخرج من الا صلابة الكلمات التي تنبت من اماكن الحرب والقسوة كقوله:

إذا نحنُ حالفنا شفارَ البواتر

وسُمْرَ القَنَا فَوْقَ الجيادِ الضَّوامر

على حربِ قومٍ كان فينا كفاية ً

ولو أنهُم مثْلُ البحار الزَّواجرِ

وما الفخْر في جمع الجيوشِ

وإنمافخارُ الفتى تفريق جمعِ العساكر

سلي يا ابنة َ الأعمام عني وقد أتت

قبائلُ كلبٍ معْ غني وعامر

ولكن تكمن في نفسه الحنية والشوق والبكاء في فقد الصديق والعزيز لديه ولدى القبيلة سمة لا تفارقه ولكن قل ما تجده في شعره مقارنة بالجم من اشعاره ..

ومن رقائقه ...

بكى هذا الرجل الشجاع الذي فصل كثيرا من الرؤوس من أجسادهم، عندما مات الملك زهير زعيم بني عبس بكاءً شديدًا وقال فيه ابيات ابكت كل من سمعها. وهذه دلالة على أنه كان يكن له الحب والاحترام والأدب حيث قال عند موته ..

تولى زهيرٌ والمقانبُ حولهُ

قتيلاً وأطراقُ الرماح الشواجر

وكان أجلّ الناس قدراً وقد غدا

أجلّ قتيل زارَ أهل المقابر

فَوا أسفا كيْفَ اشْتفى قلْبُ خالِدٍ

بتاج بني عبْس كرَام العشائر

وكيف أنامُ الليل من دون ثاره

وقَدْ كانَ ذُخري في الخُطوب الكَبائر

انظر إلى رقة الابيات في رثاء زهير زعيمهم وحكيمهم .

 

الدكتور صبحي عبد النبي (السودان) أستاذ لغة عربية بالإمارات العربية المتحدة

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً د. صبحي \ وفكرة إلقاء الضوء على شعراء يكاد ينساهم البعض اليوم تماماً \ كلّ التحيّة.

شوقي مسلماني
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4725 المصادف: 2019-08-13 09:47:50