 شهادات ومذكرات

تشويه لوحات الفنان محمد السليم قبل وضعها في معرض فني

علي القاسميانتُدبتُ من جامعة بغداد للتدريس في كلية التربية بعد افتتاحها في العام الدراسي 1967- 1968، وكان عدد طلابها آنذاك محدوداً، وبعضهم من قطر والبحرين. وكان عميد الكلية هو الدكتور عبد العزيز بن عبد الله الفدا الذي كان قد عاد لتوّه من بريطانيا بعد حصوله على الدكتوراه في الأدب الأندلسي من جامعة كيمبرج الشهيرة.

عيَّنني عميد الكلية رئيساً للجنة الثقافية في الكلية. وتولّت هذه اللجنة تنظيم سلسلة من المحاضرات العامة يلقيها أساتذة الكلية أو مثقفون من خارج الكلية، وإصدار دوريةٍ أدبيةٍ ثقافية يساهم فيها الطلبة، وعرض أفلام نستعيرها من المراكز الثقافية في الرياض، البريطاني والأمريكي والفرنسي. فلم تكن آنذاك ثمة دور للسينما في الرياض. وهكذا كنا نستعير بكرة الفيلم من أحد هذه المراكز ونقوم بعرضه بواسطة الجهاز العارض (بروجكتر) في قاعة الكلية للطلاب أثناء استراحاتهم..

ذات يوم التقيتُ خارج الكلية بشاب سعودي اسمه "محمد السليم"  (1939 - 1997) ، وتوثَّقت أواصر المودة بيننا، فدعاني مرّة من المرات للذهاب معه إلى منزله، قائلاً إنه يود أن يطلعني على شيء لأخذ رأيي فيه. وصلنا إلى منزله الذي كان يقع في بداية طريق الرياض - مكة المكرمة. ويتألَّف منزله من طابق واحد وفيه غرفتان وساحة صغيرة. أخرجَ من غرفة كانت مقفلة، عدداً من اللوحات الفنية، وعرضها عليّ كأنه يعرض بضاعة مهرّبة ممنوعة. فسألته عن أسباب السرّية، فقال إن الاعتقاد السائد آنذاك هو أن الرسوم والتماثيل من المحرَّمات، لأن أهل الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام. وقد أنستني بغداد إبان دراستي التي تعاصرت مع حركةٍ فنّية نشطة، حقيقةَ أن بعض الفقهاء رأوا حرمةً أو كراهةً في الرسوم والتماثيل.

في اليوم التالي، قابلت العميد الدكتور الفدا، وأخبرته بما رأيتُ من لوحاتٍ فنيةٍ رائعة لدى محمد السليم. واقترحتُ على العميد إقامة معرض لهذه اللوحات في الكلية، ضمن أنشطة اللجنة الثقافية. سألني العميد الذي أمضى سنوات طويلة من الدراسة في بريطانيا وإسبانيا، ما إذا كانت تلك اللوحات بورتريهات أم مناظر طبيعية. أخبرته بأن معظمها مناظر طبيعية وبعض الحيوانات من البيئة العربية مثل الخيول والإبل والماشية، وقليل من الوجوه البدوية .

أطرق العميد قليلاً ثم وجهني بإقامة المعرض في سرداب الكلية (الطابق تحت الأرضي)، بشرط أن لا تُعرَض فيه البورتريهات (رسوم الرجال أو النساء)، فقط المناظر الطبيعية؛ أما رسوم الحيوانات، فينبغي إضافة شريط لاصق أحمر على رقبة كل حيوان (تعبيراً عن كون الحيوان مذبوحاً وليس حيّاً)؛ وأخيراً وليس آخراً، يجب أن لا يُسمَح لغير أساتذة الكلية وطلبتها بزيارة المعرض، فقط أُسْرة الكلية من أساتذة وموظفين وطلاب.

وهكذا أفتتح الدكتور العميد المعرض وبجانبه الفنان محمد السليم وقد غمرت الفرحة وجهه. أما أنا فشعرتُ بالامتنان للدكتور العميد والاعجاب بشجاعته وحكمته، على الرغم من أن أشرطتي الحمراء قد شوّهت بعض تلك اللوحات البديعة وصور الخيول العربية الأصيلة.

بعد مدة فرحت بسماع أخبار الفنان محمد سليم، فقد ابتعثته وزارة التربية إلى إيطاليا لدراسة الديكور، وأن مِن الموسرين من اشترى بعض لوحاته لقاء عشرات الآلاف من الريالات. ويبدو أن الرسام محمد السليم قد أحب إيطاليا الفن واستقر فيها وتوفي فيها.

وبعد حوالي خمسة عشر عاماً عندما عملتُ مديراً لإدارة الثقافة والاتصال بالمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) في الرباط، وجَّهت سؤالاً لخبير الشريعة الإسلامية في الإدارة، الدكتور عمر القاضي وهو من شيوخ جامعة الأزهر ومن مفسري القرآن الكريم بكتابه " التفسير المنير، ومعالجة قضايا المجتمع من خلال القرآن الكريم":

- هل الرسوم والتماثيل حلال أو حرام أو مكروه في الشريعة الإسلامية، يا دكتور عمر؟

أجاب قائلاً:

ـ هذا يتوقّف على القصد والغاية منها.

وسألني:

ـ إذا رأيتَ رجلاً يقوم بحرقِ نسخٍ كثيرة من القرآن الكريم، فهل تحكم عليه بالكفر أو الإيمان؟

أدركتُ قصده وغايته، فأجبتُ:

ـ لعلَّ خطأً مطبعياً وقع في تلك النسخ، ولا يريدها أن تنتشر .

قال:

ـ تماماً. فالنية ركنٌ أساسيٌّ في الموضوع. فإذا كنا نصنع تمثالاً قصد اتخاذه صنماً نعبده، فهذا حرام. أما إذا كان القصد من هذا التمثال استخدامه وسيلةَ إيضاحٍ لتعليم درس التشريح لطلاب كلِّيّة الطبِّ، فهذا مندوب بل واجب.

واستطرد الدكتور عمر في تقديم أدلةٍ من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والتاريخ الإسلامي. فذكر أن النبي سليمان (ع) كان يستخدم التماثيل للزينة فقد ورد في القرآن الكريم:

(يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)(القرآن: سبأ، 13)

 وروى الدكتور عمر أن الرسول (ص) كان يدخل في داره فيجد أم المؤمنين عائشة (ر) تلهو بِدُمى، فيتبسَّم. وبعد أن فتح الصحابي عَمرو بن العاص (ر) مصر، جاءه بعض أصحابه ليخبروه أنهم عثروا على صنم بالقرب من الفسطاط (المقصود تمثال أبي الهول)، واستأذنوه في تحطيمه. ولكنه طلب إليهم أن يتركوه لأنه لم يعُد يُعبَد. وهكذا تدرُّ حصافة هذا القائد المحنّك اليوم دخلاً على مصر بفضل عرض "الصوت والنور" حول تمثال أبي الهول لرواية تاريخ مصر الحضاري، وهو حفل يؤمه مئات السياح كلَّ ليلة، لقاء تذاكر يبلغ سعر التذكرة الواحدة أكثر من 250 جنيهاً.

فرجوتُ الدكتور عمر أن يؤلِّفَ كتيباً بعنوان "الرسوم والتماثيل في الإسلام" يقع في حوالي 30 صفحة من الحجم الصغير، على شرط أن يوثِّق أدلَّته من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والتاريخ الإسلامي. وقد فعل، واضطلعت المنظمةُ بنشر الكتيب سنة 1992 في ثلاث طبعات: عربية وفرنسية وإنجليزية، وهي لغات العمل بالمنظمة، ووزَّعتْه على الدول الأعضاء. وبعد سنوات قليلة قامت حركة طالبان أوائل سنة 2001 بتدمير جميع التماثيل الآثارية العملاقة في جميع أنحاء أفغانستان مستخدمة الصواريخ والدبابات والديناميت، وأثارت ضجةَ احتجاجٍ عالمية، استغلها أعداء الإسلام في محاولةٍ لتشويه مقاصد الشريعة الإسلامية السمحاء.

 

د. علي القاسمي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4734 المصادف: 2019-08-22 00:08:07