 شهادات ومذكرات

ديزي الأمير شاعرة مرهفة الإحساس قسا عليها الحظّ

علي القاسميكانت إقامتي في الرياض مثمرة، فقد تعلَّمتُ خلالها كثيراً من زملائي الأساتذة وطلبتي الأعزاء؛ وأنتجتُ بعض الأعمال التي أعتز بها، مثل كتابي "مختبر اللغة" الذي كان من ثمار ممارستي لتعليم طلابي في مختبر اللغة بالكلية. وعرضتُ على أحد زملائي في الكلية الدكتور محمد ماهر حمادة التعاون معي في تأليف كتاب " تنظيم المكتبة المدرسية". ولعل الدكتور محمد ماهر حمادة أول سوري، إن لم يكن أول عربي، يحصل على الدكتوراه في علم المكتبات من جامعة ميشغان في الولايات المتحدة الأمريكية.

وكذلك أنجزتُ كتابي باللغة الإنجليزية " قصص عراقية حديثة" الذي اشتركتُ في تأليفة مع أحد زملائي الأساتذة، المستعرب الأمريكي وليم مكلنك فريزير. فكنتُ أقرأ كثيراً من القصص لرواد القصة الحديثة في العراق، وأختار أفضلها طبقاً لمعايير محددة ، ثم أقوم بترجمتها إلى الإنجليزية، وبعدها يتولى زميلي وليم فريزير، بقراءة القصة بالعربية ويراجع ترجمتها بالإنجليزية ويحسّن أسلوبها.

ثم رجوتُ الدكتور حامد شاكر حلمي، أستاذ التاريخ في الكلية بكتابة مقدمة للكتاب يستعرض فيها تاريخ العراق الحضاري والثقافي باختصار. وكان حامد شاكر حلمي قد درّسني التاريخ في ثانوية الديوانية، ثم حصل على بعثة دراسية إلى بريطانيا ونال الدكتوراه من جامعة لندن، ثم أعارت جامعة بغداد خدماته إلى جامعة الرياض، فأصبح زميلي في كلية التربية. وفي الوقت نفسه كان رسام عراقي يعمل مدرّساً في إحدى المدارس الثانوية في الرياض بقراءة القصة بالعربية، وإبداع رسم مستوحى منها، يوضع بعد عنوان القصة.

وقد نشرت وزارة الثقافة العراقية كتابنا بعد ذلك:

Ali M. Cassimy and William M. Frazier. Modern Iraqi Short Stories ( Baghdad: Ministry of Culture, 1970)

كان إعداد هذا الكتاب يستلزم مني القيام بمراسلات عديدة مع القصاصين العراقيّين المعنيّين، للحصول على بعض المعلومات مثل سيرتهم الذاتية. وكانت تلك المراسلات تستغرق وقتاً وجهدا، قبل عصر البريد الإلكتروني. ومن بين أولئك القصاصين الآنسة ديزي الأمير ( 1935 ـ) وهي أديبة عراقية، شاعرة وقاصة مرموقة، من أب طبيب عراقي وأمّ لبنانية، وتعمل آنذاك في الملحقية الصحفية في السفارة العراقية في بيروت، ونشرت آنذاك كتابين رائعين: "البلد البعيد الذي تحب" (1964)، و"ثم تعود الموجة" (1969).

تجلّت في مراسلات ديزي الأمير رهافة إحساسها وصدق مشاعرها وعمق ثقافتها ورحابة محبتها للإنسانية كلها. كانت ديزي شابة جميلة وأديبة مبدعة ولكن الحظ لم يحالفها في حياتها الشخصية. تعرّفت على الشاعر اللبناني خليل حاوي (1919 ـ 1982) حينما كانت تزور عائلة أمها في الشوير في لبنان، وأعلنت خطبتهما.

وخليل حاوي رجل عصامي حاد الذكاء تخرج في الجامعة الأمريكية في بيروت بتفوق ملحوظ أهَّله للحصول على منحة للدراسة في جامعة كيمبرج في بريطانيا فنال منها الدكتوراه وعاد ليدرّس الفلسفة والنقد في الجامعة الأمريكية في بيروت. لم أتشرف بالتتلمذ على الدكتور خليل حاوي عندما كنتُ طالباً في الجامعة الأمريكية في بيروت، ولكنني سعدتُ بمجالسته ساعة واحدة فقط في مقهى فيصل الكائنة في شارع بليس مقابل الباب الرئيس للجامعة. كان حديثه عميق الأفكار منغَّم الكلمات، ولكنني أحسستُ بتوتره ومعاناته النفسية وخيبة أمله في أمّته العربية، وقد انطبع التذمُّر على ملامح وجهه. ولعل ذلك الإحباط وتلك الكآبة ماثلان في عناوين مجموعاته الشعرية الخمس " نهر الرماد" و " الناي والريح" و " بيادر الجوع" و " الرعد الجريح" و" من جحيم الكوميدا".

وقد شعرت بحزن وألم عميقين عندما بلغني بعد سنوات نبأ انتحاره ليلة دخول القوات الإسرائلية بيروت في 7 حزيران / يونيو سنة 1982. وتذكرتُ أبياته:

سوف يمضونَ وتبقى

صنمًا خلَّفَهُ الكُهانُ للريحِ

التي توسِعُهُ جَلْدًا وحَرْقا

فارغَ الكفينِ مصلوبًا وحيدْ

“”

لهذا كلِّه لم يكُن مستغرباً أن تنتهي خطوبة الشاعرة القاصة ديزي الأمير والشاعر خليل حاوي. وأستطيع المجازفة بالقول: قلّما ينجح زواج الشعراء والشواعر، لأنهم مرهفو الإحساس، شديدو المعاناة النفسية؛ فلكي يُبدع الإنسان شعراً، لا بد أن تبلغ روحه درجة التوهُّج والاتقاد.

أثناء المراسلات التي جرت بيني وبين الأديبة ديزي الأمير، ولسببٍ أو لآخر، خُيّل إليها أنني شيخ طاعن في السنِّ تستطيع أن تستفيد من خبرتي الطويلة في الحياة، على حين أنني كنتُ في العشرينيات من عمري. فقد كانت تخاطبني في رسائلها بالعم أحياناً، أو أنت بمكانة أبي، وكتبتْ لي ذات مرة تستشيرني في قضية التقائها بالشاعر اللبناني حبيب صادق ( 1931 ـ)، وهو ناشط سياسي يساري. ما كان يؤرقها أنها مسيحية وهو مسلم، وكانت تسألني ما إذا كان الزواج به سيواجه صعوبات بسبب الاختلاف افي الدين، على الرغم من أنه على خلق رفيع. كنتُ شاباً متفائلاً في المستقبل قليل الخبرة، فكتبت لها عبارات رومانسية شعرية فحواها أن الحب الأصيل يتغلب على الصعوبات ويرتفع فوق جميع الاختلافات، وأن الدين يوحِّد ولا يفرّق، إلى آخر ذلك الكلام المنمَّق.

وعندما ذهبتُ إلى بيروت في طريقي إلى الولايات المتحدة وقصدتُ السفارة العراقية لأسعد بلقائها، فوجئت بأنني شاب صغير، فندَّت منها عبارة باللهجة العراقية:

ـ " يمّه، آنا فضحت نفسي بمكاتيبي."

 

د. علي القاسمي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4741 المصادف: 2019-08-29 01:18:54