 شهادات ومذكرات

فرنسا التي لا تغفر

لقد صدّرت فرنسا للعالم المعرفة والقانون والاحتلال والنبيذ والدم وعدم المغفرة ، فالثورة الفرنسية التي قامت في القرن التاسع عشر كانت من أعنف الثورات وأشرسها وأكثرها قسوة . فقد انتهجت فرنسا منهجا مختلفا عن غيرها من الدول وقتلت لافوازية من دون محاكمة إذ قال القاضي يومها " الثورة ليست بحاجة للعلماء " وقدمت نابليون باني مجد فرنسا للمحاكمة كما عاقبت الجنرال بيتان الذي انتصر على الألمان في الحرب العالمية الأولى وقدمته للمحاكمة في نهاية الحرب العالمية الثانية .

يحكى أنه في عام 1945 خرج رجمحمد عبد الكريم يوسفل عجوز يبلغ من العمر التاسعة والثمانين بعكازه من المحكمة العسكرية في باريس تحت حراسة مشددة . لقد أطلقت المحكمة عليه " حكم الإعدام" وخفف الحكم للسجن المؤبد في جزيرة نائية على الشاطئ الفرنسي المطل على الأطلسي. وقد شهدت قلعة جزيرة " أيو "حضور السجين التسعيني لتغلق عليه الأبواب للأبد .

كانت قلعة الجزيرة إحدى قلاع العصور الوسطى المهجورة إلى أن عمّرها قدم الجنرال بيتان ليعيدها إلى الذاكرة بعد أن نسيها التاريخ . وكان العجوز يمشي كل صباح على سور القلعة بحجارته السوداء وكأنه شبح آت من أعماق القرون ليعيش وحدته النائية وسط نسيان الناس رغم أنه منذ عهد قريب كان رجل فرنسا الكبير. وينسى الناس الرجل ومجده إلى أن يحضر ملك الموت بعد خمس سنوات ليذكر الناس أن الجنرال بيتان هنا وينقسمون بين مؤيد ومعارض لما حدث للرجل من مأساة . فمن هو الجنرال بيتان هذا وما الخدمات التي قدمها لفرنسا؟

ولد الجنرال بيتان عام 1856 م وانضم إلى صفوف الجيش الفرنسي وبقي مغمورا حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 وبعد دخول فرنسا الحرب قفز اسمه إلى الواجهة وصار ألمع ضباط الجيش الفرنسي خاصة بعد المعجزة التي حققها في معركة فردان عام 1916 وإيقاف تقدم الجيش الألماني نحو باريس . كانت باريس قاب قوسين أو أدنى من السقوط بيد الألمان خلال السنوات الأولى من الحرب العالمية وقد حُفرت الخنادق والخنادق المضادة وصارت أمطار الشتاء هي الحد الفاصل بين المتحاربين وكان إشعال لفافة تبغ كافٍ بأن ينقل صاحبها إلى العالم الآخر.

بدأ الألمان عام 1916 بهجوم عام على الجبهة الغربية بقيادة ولي العهد الألماني وكان الهدف الوصول إلى باريس خلال ساعات . كان محور الهجوم متركزا على مدينة فردان . وقد كُلف الجنرال بيتان بالدفاع عن المدينة وإيقاف الغزو الألماني فأعاد تنظيم القوات بسرعة ووزع المدفعية وجهز نظام الإمداد بالذخيرة والعتاد وأقام جداراً بشرياً من العسكر المدججين بالسلاح في المنطقة . لقد استمرت المعركة حوالي ثمانية أشهر حدث خلالها مجزرة بشرية هي الأقسى في التاريخ الفرنسي راح ضحيتها حوالي نصف مليون قتيل ونصف مليون جريح من الطرفين. لكن الجنرال بيتان انتصر في النهاية ونجح في صد الهجوم الألماني وصار بيتان البطل القومي الفرنسي الذي لا يشق له غبار . ثم سمي البطل القومي رئيسا للأركان في الجيش الفرنسي فأعاد تنظيم القوات خلال فترة قصيرة وشن هجوما على الألمان وكان الجيش يومها بقيادة الجنرال فوش انتهى بانتصار الحلفاء على الألمان وأجبروهم على توقيع معاهدة انتهاء الحرب في عام 1918.

كللت فرنسا جنرالها المنتصر بالغار وسمته " ماريشال فرنسا" وعينته نائب رئيس مجلس الحرب والمفتش العام للجيش والقوات المسلحة .

وتمضي خمس وعشرون سنة والرجل في السلطة الفرنسية ...

بدأت الحرب العالمية الثانية ، وتنهار الجبهة الفرنسية ويدخل الألمان باريس عام 1940 م وكان بيتان يومها نائبا لرئيس حكومة رينو الفرنسية فطلب الألمان منه أن يؤلف حكومة نظرا لشعبيته الواسعة . كان الألمان يفتشون عن معادل جيد لهزيمة فردان القاسية وفي عام 1940 ألف الحكومة وفق الطلب الألماني وأرسل للأمة الفرنسية نداء الاستسلام . قال بقلب حزين " أقول لكم اليوم أوقفوا القتال. " ثم وقع اتفاقية الهدنة فاجتمع مجلس النواب الفرنسي في فيشي وعينوا بيتان رئيسا للدولة الفرنسية . في هذه الأثناء كان الجنرال ديغول في بريطانيا ينادي الفرنسيين ويطلب منهم المقاومة ضد الاحتلال الألماني وقال " لقد خسرت فرنسا معركة ولم تخسر الحرب" . حاول بيتان التواصل مع ديغول ولكن لم تنجح المحاولات .

في أيلول عام 1944 م وبعد تحرير باريس أعلنت حكومة فرنسا الحرة برئاسة ديجول إلغاء دولة بيتان الفرنسية رسميًا مع كل قوانينها وتشريعاتها وتعرض العديد من أعضاء حكومة فيشي الفرنسية للاعتقال والسجن بتهمة الخيانة وهرب “بيير لافال” إلى ألمانيا ومن ثم في النمسا ولكن ألقي القبض عليه لاحقا وأعيد إلى فرنسا، حيث حوكم وأعدم عام 1945، أما “فيليب بيتان” فقد نقل إلى بلدة بلفور ثم أخذ قسرًا إلى شتوتجارت في ألمانيا تحت الحجر وفي أبريل 1945 نجح في السفر إلى سويسرا فبعث إليه ديجول ببرقية يرجوه أن يظل في منفاه الاختياري ولا يعود للمحاكمة نظرًا لبطولته في معركة “فردان” لكن بيتان رفض الاستماع إلى نصيحة ديجول وعاد إلى فرنسا طواعية برغبته ليقُدم للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى وحكم عليه بالإعدام لتعاونه مع الألمان، ولكن تدخل ديجول وخفض العقوبة إلى السجن الانفرادي المؤبد إلى أن توفى بيتان في المعتقل في عام 1951 عن 95 عامًا.

بدأت مأساة بيتان في أنه حاول أن يكون تكتيكيا مع الألمان وأن يبقي جسور التواصل مفتوحة على مصرعيها مع المقاومة الفرنسية للاحتلال. كان هدف بيتان الحقيقي من وراء ذلك هو المحافظة على وحدة الأراضي الفرنسية . خاطب الفرنسيين قائلا عقب لقاء له بالفوهرر الألماني :" كنت في السابق أخاطبكم كأب ، اليوم أخاطبكم كقائد. اتبعوني وضعوا ثقتكم في فرنسا للأبد . " حاول بيتان التواصل مرة ثانية مع ديغول ورفض التعاون العسكري مع ألمانيا وتعاون مع فرانكو ملك اسبانيا ورتب الأوراق مع سفير الولايات المتحدة قبل دخولها الحرب ورغب في تسليم السلطة للجنرال ديغول فاعتقلته السلطات الألمانية ونفته إلى سيغماريغن وبقي هناك إلى أن استردته قوات الحلفاء . ورغم ذلك وفي غمرة النشوة بالانتصار قدمت فرنسا الشيخ التسعيني للمحاكمة وحكمت عليه بالإعدام وكأن فرنسا كانت تعدم فيه مبدأ مهادنة العدو ومبدأ التعاون مع العدو ومبدأ مفاوضة العدو رغم الخدمات الجليلة التي قدمها لمجد فرنسا . وقد خفف الحكم عليه بالسجن المؤبد .

اليوم فرنسا تقف حائرة أما هذا السؤال المعلق : هل يستحق الجنرال بيتان من فرنسا هذه المعاملة ؟

في أيار 1966 م وخلال الاحتفال بمرور خمسين عاماً على معركة فردان (1916) قال شارل ديغول : "لسوء الحظ وفي خضم أحداث مفرطة وفي أواخر حياته ، قاد التقدم في العمر الماريشال بيتان إلى فشل ذميم ، والشهرة التي حازها في فردان قبل خمسة وعشرين عاماً واحتفظ بها بقيادته الجيش الفرنسي إلى النصر لا يمكن الطعن بها أو تجاهلها من قبل الدولة".

وبعد أربعين عاماً، حذا الرئيس الأسبق جاك شيراك بالجنرال ديغول فقال: "لقد كان الرجل قادراً على اتخاذ قرارات من شأنها أن تؤدي إلى النصر. سيبقى هو المنتصر في فردان. هذا الرجل هو فيليب بيتان. للأسف، في حزيران 1940، وخلال أواخر حياته ، غطى نفس الرجل مجده باختيار الهدنة (مع ألمانيا) وصمة عار هي العمالة".

وقبل ذلك كان الرئيس الأسبق فرانسوا ميتران قد أكد على "التناقضات" التي تنطوي عليها شخصية الماريشال بيتان ، وكان قبل أيام قليلة على كلامه ذاك قد زار، مثله في ذلك مثل ديغول وجيسكار ديستان، قبر بيتان ووضع عليه الزهور. وعندما سئل عن هذه البادرة أجاب: "أنا أفهم عواطفهم (اليهود). نحن هنا أمام حالة نموذجية من تناقضات التاريخ التي تضعنا بدورنا في تناقضات لا يمكن احتمالها فعلاً. ولكننا لن نستطيع تمزيق الصفحات التي كتب عليها تاريخ أعظم معركة عرفتها وانتصرت فيها فرنسا ولا أن ننتزع من تاريخ فرنسا أولئك الذي شاركوا وقادوا معركة فردان قبل 25 عاماً من أكبر عملية اعتقال عرفها يهود فرنسا. إنه عار لا يمكن أبداً محوه من تاريخ بلدنا. لكن مجد فردان، المجد الذي دفع ثمنه كثير من الدماء والمآسي لا يمكن نسيانه، ولا قدامى المحاربين ولا عار 1942. هذا تناقض أساسي".

أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فقد أثار عاصفةً من الجدل يوم 7 تشرين الثاني 2018 حين وصف الماريشال الفرنسي فيليب بيتان بـ"الجندي العظيم" وذلك خلال احتفال تنظمه فرنسا لمناسبة توقيع هدنة كومبين التي تؤرّخ لنهاية الحرب العالمية الأولى وانتصار فرنسا وحلفائها على ألمانيا.

وقال ماكرون خلال الحفل الذي أقيم في مدينة شارفيل- ميزيير قرب الحدود مع بلجيكا تكريماً للعسكريين الذي خاضوا الحرب العالمية الأولى "لقد نظرت دائماً تاريخ بلدنا بشكل مباشر ومن المشروع تماماً أن نُشيد بالقادة الذين قادوا الجيش أيضاً نحو النصر"، وبينهم بطبيعة الحال فيليب بيتان الذي تعامل خلال الحرب العالمية الثانية مع الاحتلال النازي وكان على رأس حكومة فيشي التي ساهمت في نقل يهود فرنسا إلى المحارق النازية. وتابع ماكرون "أنا لا أقوم باختزالات قصيرة لكنني لا أخفي أي صفحة من التاريخ . كان الماريشال بيتان جندياً عظيماً خلال الحرب العالمية الأولى ثم اعتمد خيارات قاتلة خلال الحرب العالمية الثانية . هذا واقع بلدنا (...) لكن الحياة السياسية مثل الطبيعة البشرية تكون أحياناً أكثر تعقيداً مما نود أن نؤمن به".

أتراها تغفر فرنسا لقائدها الكبير؟

لست متأكدا في ظل الضغط الإسرائيلي الحالي على حكومة باريس والتحكم بمفاصل صنع القرار .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4751 المصادف: 2019-09-08 02:05:30