 شهادات ومذكرات

العراقيون بجامعة موسكو في الستينيات ومصائرهم (5)

ضياء نافعاستمر في هذه الحلقة بالحديث عن كليّة التاريخ في جامعة موسكو. تخرّج في هذه الكليّة ثلاثة طلبة دراسات عليا هم المرحوم د. جبار عطيوي والمرحوم د. نوري السامرائي وأ.د. هاشم التكريتي، وقد عملوا جميعا – بعد عودتهم – في جامعة بغداد، (جبار في قسم التاريخ بكلية التربية ونوري وهاشم في قسم التاريخ بكلية الاداب). كان جبار عطيوي طالب دراسات اولية في كلية الصحافة، وبعد ان تخرّج، انتقل الى كلية التاريخ لاكمال دراسته العليا، وكانت القوانين والتعليمات الجامعية هناك تسمح (ولازالت) بذلك الانتقال بين الكليّات المتقاربة من حيث الاختصاص. لقد كان قرار جبارهذا شجاعا جدا ويعبّر عن موقف علمي سليم، اذ انه اعتراف ذاتي امام نفسه وامام الآخرين ايضا، انه لا يمكن ان يكون صحافيا، اذ ان هذه المهنة ترتبط قبل كل شئ بالموهبة الذاتية (مثل الرسم والنحت والشعر..الخ)، ويمكن للدراسة الاكاديمية ان تبلورهذه الموهبة وتصقلها وتطوّرها، ولكن لا يمكن ان تخلقها من العدم، ولهذا، فان قبول الطلبة الروس في هذه الكليّة يكون على هذا الاساس، اي ان تكون لديهم موهبة الكتابة، ولكن الكليّة كانت تتساهل بشأن قبول الاجانب، ولكن جبار اقتنع انه لا يمتلك هذه الموهبة، واتخذ قراره بالانتقال الى دراسة التاريخ، ولهذا اسميت هذا القرار شجاعا وعلميا. اصطدم جبار بمشكلة تعادل الشهادة في العراق، اذ لا تسمح التعليمات العراقية الصارمة والجامدة جدا (ان صح التعبير) بذلك، وكم عانى العراقيون من خريجي الجامعات الاجنبية من قضية تعادل الشهادة الاجنبية، ولا مجال طبعا للتوقف عند هذا الموضوع هنا . واستطاع د. جبار عطيوي بعد التي واللتيا وبصعوبة من ايجاد حل لهذه المشكلة، وهكذا حصل على تعادل شهادة الدكتوراه و اصبح تدريسيا في قسم التاريخ في كلية التربية، الى ان ترك العراق في التسعينات وانتقل للعيش في المانيا مع عائلته، وهناك توفي وتم دفنه في المانيا . كان جبار عطيوي ضمن الاسماء الشيوعية البارزة بين طلبتنا في جامعة موسكو، اذ كان أحد قادة اتحاد الطلبة في العراق قبل مجيئه الى موسكو، وكانت زوجته المرحومة د. ماجدة عبد الرضا اخت ماجد عبد الرضا، الشخصية الشيوعية المعروفة آنذاك، وهو أحد قادة اتحاد الطلبة العالمي واتحاد الشبيبة العالمي في براغ عندئذ (قبل ان يعود الى بغداد ويغيّر موقفه كما هو معروف)، الا ان المرحوم جبار لم يتميّز – مع ذلك – لا في موسكو اثناء دراسته الطويلة نسبيا في كليتين من كليّات جامعة موسكو وتخرّجه فيهما (وهو أمر نادر جدا بين العراقيين)،  ولا في العراق بعد عودته وعمله تدريسيّا في قسم التاريخ  بكليّة التربية بجامعة بغداد، ولا في المانيا – محطته الاخيرة في الحياة .

المرحوم د. نوري السامرائي انهى دراسته العليا في كلية التاريخ بجامعة موسكو، وعاد رأسا الى العراق، وتم تعينه في قسم التاريخ بكلية الاداب في جامعة بغداد . كان انسانا محترما و مسالما ورقيقا ومؤدبا وهادئا، وكان محبوبا اينما يحل، وهكذا كان في جامعة موسكو وجامعة بغداد، وساهم في حركة النشر والترجمة عن الروسية ضمن اختصاصه  وبشكل محدود، ولكنه لم يبرز، ورحل مبكرا.

ا.د. هاشم التكريتي اصبح واحدا من ابرز اساتذة قسم التاريخ في كلية الاداب بجامعة بغداد، فهو باحث علمي من الطراز الاول، ومترجم عن الروسية أغنى المكتبة العربية بمصادر مهمة، وهو الاستاذ اللامع في كلية الاداب في قاعات التدريس او قاعات المناقشات العلمية لاطاريح الماجستير والدكتوراه في التاريخ . لا اريد ان اكتب تفصيلات عن كل هذه الجوانب المرتبطة به، اذ انها معلومة ومثبّتة في العديد من المصادر المطبوعة او المنشورة الكترونيا (توجد حتى اطروحة ماجستير حوله)، ولكني اود ان أذكر فقط بعض اللقطات (ان صح التعبير)، التي علقت في ذهني عنه . اللقطة الاولى عندما كنت عميدا لكلية اللغات، اذ جاء اليّ شخص من السفارة السويسرية في بغداد وقال لي ان احدى الجامعات السويسرية ترغب بدعوة استاذ عراقي لالقاء محاضرة حول العراق، فرشحت أ.د. كمال مظهر احمد لذلك، وعندما اتصلت بكمال اعتذر لاسباب صحيّة ورشّح هاشم بدلا عنه، فوافقت طبعا وبكل سرور، وطلبت منه متابعة الموضوع، وهكذا سافر د. هاشم وقام بالمهمة خير قيام، وقد التقيت بعدئذ بالشخص الذي قدّم الدعوة تلك، فشكرني على تلبيتنا لدعوته، واخبرني ان الجامعة السويسرية كانت مندهشة من علمية وموضوعية هذا الاستاذ، وانها حتى اقترحت عليه ان يعمل عندهم، ولكنه اعتذر وعاد الى كليته في جامعة بغداد. اللقطة الثانية عندما كنت في ايفاد بعاصمة جورجيا – تبليسي، حيث التقيت بمجموعة من اساتذة معهد اللغات الشرقية، فاذا باحد الاساتذة الجورجين يقول لي، انه جاء خصيصا الى هذا الاجتماع ليسألني عن صحة الخبر الذي سمعه قبل فترة عن ترجمة كتابه حول العراق الى العربية في جامعة بغداد، واخبرته ان هذا الخبر صحيح، وان مترجمه هو الاستاذ الدكتور هاشم التكريتي. فرح هذا الاستاذ الجورجي بشكل لا يوصف وهو يكرر امام زملائه – (ألم أقل لكم ذلك، ولكني لم استطع اثبات الخبر آنذاك)، وقد كتب اسم هاشم التكريتي كي لا ينساه، وطلب مني ان ارسل له ولو صورة الغلاف، وان اتقدم بشكره الجزيل الى المترجم العراقي، وقد كنت في تلك اللحظة أشعر بالفخر والاعتزاز بهاشم وعمله العلمي الرائد . اللقطة الثالثة عندما كنت حاضرا في مناقشة رسالة دكتوراه في التاريخ، وكان هاشم مناقشا فيها . لقد اشتد النقاش حول بعض الاراء، والتي اشار بعض المناقشين الى انها صحيحة لانها وردت في احدى كتب حنا بطاطو، ورفضها آخرون رغم ذلك، فتدخل د. هاشم وحسم الموضوع بكل هدوء وموضوعية، ورفض الفكرة القائلة، ان كل ما قاله بطاطو هو صحيح، واثبت ذلك الرأي . لقد كانت مداخلته تلك حاسمة، لأنها تعكس الرأي العلمي الموضوعي، واقتنع الجميع بذلك . ان الحديث عن ا.د. هاشم التكريتي يطول، الا اني اود ان اختتمه بالاشارة، الى انه ترجم عن الروسية كتابا صدر في الامبراطورية الروسية سنه 1910 عنوانه – (العراق العربي)، وهو كتاب نادر جدا، مؤلفه القنصل الروسي في ولاية البصرة آنذاك، وتوجد نسخة منه في مكتبة لينين بموسكو . ان عين المؤرخ هاشم التكريتي قد شاهدت هذا المصدر الفريد في تاريخ العراق، والتقطته عندما كان طالب دراسات عليا في موسكو . وبهذه (اللقطة الرابعة!!) اختتم هذه السطور عن الاستاذ الدكتور هاشم التكريتي – خريج جامعة موسكو العريقة، وواحد من نجوم جامعة بغداد، وابن  العراق البار ... 

 

أ.د. ضياء نافع  

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4824 المصادف: 2019-11-20 02:46:48