 شهادات ومذكرات

تلك الحكايات التي مررت بها

1278 برناردين أفيريستوبرناردين أفيريستو

ترجمة: صالح الرزوق

***

خلال عملي المهني غالبا ما انتابني الشعور أنني أشبه الحلزون المحاصر بعدة قطط برية. لم أربح، تماما، من الإعلام الاهتمام الذي طالما حلمت به، حتى نشرت ثالث كتاب لي وهو (دلال الإمبراطور) عام 2001. ثم دخلت مرحلة الكتابة الاحترافية عام 1982، وبدأت من المسرح. ومنذئذ لم أتوقف عن الكتابة. فقد وجدت أنها تحفزني على الحياة وترضيني ماديا. وأحببت أن أصبح صوتا يسمع العالم إبداعه. وكان علي أن أحفر عميقا وأن أومن بنفسي، لأن النفس مثل الموهبة، تحتاج للرعاية. وتلقيت دروسا شخصية لتطوير الذات. واستمعت لأشرطة تسجيل تأهيلية. وفي النهاية بدأت أشق طريقي دون توقف. وعلى امتداد عدة عقود من تدريس الكتابة الإبداعية للطلبة، رأيت أن الأكثر التزاما بتطوير حرفتهم هم أصحاب الفرص الأقوى بالنجاح، وأنا أعني بكلامي أولئك الذين يحسنّون كتاباتهم حتى تصل للناشر وما بعد النشر. إن الطالب الهادئ والمجد، الذي يلتزم بما يتلقاه من توجيهات، هو غالبا الذي يتخطى الطالب الموهوب الذي كما يبدو ينتج كتابة عالية المستوى وبلا جهد يذكر، والذي يحصد ثناء مفرطا، وبالتالي لا يجهد نفسه بعمله لتطوير مهاراته. الموهبة هي بذرة تحتاج للسقاية. وإذا أنبتت بسهولة دون بذل مجهود، يمكن أن يكون مصيرها الإهمال والذبول. نحن جميعا بحاجة للمديح، ولكن المديح أحيانا يكون أسوأ شكل من أشكال التشجيع. وفي بدايات صباي، كنت دائما أحصل على التقريظ من القراء، أو على الأقل ما يكفي لأعرف كيف كانوا يتلقون كتاباتي. ولكن نحن الكتاب ننمو بشكل أفضل بعد النقد البناء. وحتى يومنا هذا كنت أعتمد على المحررين في هاميش هاميلتون - بنغوين لنقد عملي قبل النشر. نحن الرواة نحترم دائما زملاءنا الكتاب ونقرأ لهم أو نتابع الأعمال الممثلة والمصورة. وهكذا نهضم الأدب ونتعلمه ثم نصبح مبدعين لأنفسنا. بمعنى أننا لاحقا نصنع أنفسنا. ومؤلفو الكتب هم أولا قراء لها، وهذا ما يكون عليه الحال حتى النهاية وإلى الأبد. وعلى المسرحيين متابعة العروض المسرحية. يا فناني الكلمات المنطوقة - مرحبا!!.. ويا كتاب السيناريو - أهلا. كنت قارئة نهمة منذ بدأت أعرف كيف أقرأ جملة. فالقراءة كانت أسلوبي للتواصل مع عالم بعيد. فقد كنت أعيش في ضاحية صغيرة. والقراءة الآن هي الطريقة التي أضاعف بها ربط نفسي مع حياة الآخرين الداخلية والخارجية. كان عملي هو الذي يتحكم بانتقاء قراءاتي، أو بالكتابة عن مادة منشورة أو بطبيعة المناقشة التي أشارك بها أو حتى للمشاركة في لجنة تحكيم، ولكن هذا قد يكون أحيانا محنة. وإذا ما أحببت كتابا، أجد في قراءته متعة فائقة. فهذا يفيض  بالطمأنينة على روحي ويغنيها.   

لقد ساعدتني كل التجارب الأدبية لبلورة كتاباتي، إما من خلال تقديم نموذج أو بإرشادي لأمكنة الخلل الممكنة في أي رواية. أما الكتب التي أحببتها فقد ساعدتني على امتلاك زمام ثلاثة عناصر أساسية في تكويني وهي - اللغة والبنية والشخصية. والكتب المفضلة عندي هي التي ساعدتني على امتلاك البنية وصياغة الجمل. وهي مؤلفات لكتاب يصنعون سردا متميزا، تتألق فيه الشخصيات والسلوك البشري والفضاء النفسي. أما الجمل العابرة والسريعة، والتشخيص النمطي أو قليل الكثافة، والحبكة المتوقعة، فتصيببني بالضجر. ودائما أبحث عن طرق جديدة وأصيلة وقيّمة لمتابعة تطورات العالم مع صفات غير معرفة وسحرية، وهي التي تساعد الفضاء الأدبي على التحليق والغناء. 

المكان الذي تنتمي له - ثقافتك، طفولتك، بيئتك، علاقاتك، تعليمك، دراستك، أساليبك وهويتك طوال الحياة - يصنع الكاتب الذي أنت عليه. فهذه هي المكونات السحرية التي توجد داخل شخصيتك وحياتك وبها يكتمل إبداعك. ومهما كانت مشاعرك حيال ذاتك، ومهما حصل لك في الحياة، والقرارات التي تتخذها أو التي تكون هدفا لها، وخلفياتك، عرقك، سلالتك، ثقافتك وجنسك وتفكيرك الجنسي وكل تفاصيل عالمك - هو الرافعة التي يصعد عليها إبداعك المتفرد. إنه لا يمكننا تغيير الماضي، ولكن يمكننا قبوله على ما هو عليه وقبول كتابتنا من أجله على ما هي عليه. بدأت حياتي في بيت يمتزج فيه العرق الإنكليزي مع النيجيري، ثم تابعتها في منطقة بيضاء من لندن، حيث كانت عائلتي تبدو لهم من الأغراب وعليه كانت معزولة. وقد أثر ذلك في تشكيل اختياراتي الإبداعية ككاتبة طوال حياتي في فترة البلوغ، ولن أغير هذا الأسلوب الأداتي لأن عالمي - ككاتبة - يدين له بكل شيء. عليك أن تمتلك ما أنت عليه، ويجب أن تعلم أنك تستعمل خلفياتك، بقصد أو دون قصد، لتكتب من زاوية نظرك الخاصة والمتميزة. إن الصور والأفكار هي عضلات تتطور بقدر استعمالك لها. فكر ببطل سباحة. وفكر بتعلم اللغة. وفكر بالطهي والعناية بالحديقة. وفكر بعالم فاز بنوبل. كل شخص لديه خيال، ودائما الأفكار تسبح من حولنا. ونحن بحاجة لترويضها واستئناسها واستيعابها في طفراتنا ونحن نتطور باتجاهها. ولن أخلو من الأفكار لأنني أنفقت كل حياتي بإنتاج تلك الأفكار والوصول إليها. وفي الواقع، لدي العديد من الأفكار وأحيانا أجد أنه من الصعب أن أستقر على واحدة منها. وها هو كتاب جديد يتشكل في داخلي بعد الانتهاء من آخر نسخة لي من رواية جديدة هي “بنت وامرأة وآخرون” في شباط عام 2019. وكان ذهني باستمرار مجالا خصبا للأفكار منذ تلك اللحظة. وهذا يعني أنه يجب علي تسجيل ملاحظات، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه يجب أن أعود لتوسيعها في نهاية العام. وفي العام القادم، حينما أبدأ بكتابة كتابي الجديد، سأختبر هذه الأفكار وأشاهد أي فكرة تثير اهتمامي أكثر من سواها. وككاتبة أنحو لاختبار أفكاري وركوب المخاطر، وهكذا إن ما يثير انتباهي أكثر من غيره سيكون هو نواة الأفكار التي أركز عليها لتوسيع حدود معانيها والتي أشعر أنها تستحق المخاطرة والتجريب.             

الكتاب هم حرفيون. ونحن نبني ببطء أجزاءنا الأدبية حتى نصل لنهايتها. ورواياتي تتكرر غالبا بأربع مسودات، ولكن كل جملة أو فقرة تمر بعدة مسودات مركبة قبل الوصول لأول مسودة نهائية. ماذا أعني بكلمة مركبة؟. 30،20، 10 مسودة، حتى أخنق التعديلات، وأصل لمرحلة علامات التنقيط، وأشعر أنني أكملت دوري. ينظر القراء للنتاج المتكامل ويعتقدون أن كتابته مسألة بسيطة، هل هذا صحيح؟. فأنت تبدأ مع أول صفحة وتتابع حتى تنتهي، وبذلك تكون مهمتك قد اكتملت. ولكن بالنسبة لي، لا شيء يمكنه أن يتخطى الحقيقة. وأسمع أن غيري من الأدباء ينجزون أعمالهم بسرعة تفوق الصوت. لكن الأدباء الطموحين يتعلمون بسرعة معنى أن “الكتابة هي في إعادة الكتابة كذلك”. أنا مغرمة بإعادة الكتابة. أولا تجد فيها بذرة تدفق الروح الإبداعية، ثم يأتي الاختزال والصيانة حتى تشكيل المادة الخام. أخذت “بنت وامرأة وآخرون” من وقتي خمس سنوات، وأنا منكبة عليها فوق طاولتي. لقد كتبتها على الشاشة، وطبعتها، ثم بدأت أضع العلامات على الورق. ومعظم طلبتي في المرحلة الجامعية الأولى لا يملكون طابعات، وعدد كبير منهم لا يحبون استعمال الطابعات في مكتبة الجامعة. وأشجعهم على البدائل. أحيانا يكتبون بهواتفهم ويرسلونها بالبريد الإلكتروني لي بشكل وظيفة منزلية، ودائما دون مراجعة أو تدقيق. أنا متأكدة من ذلك. ولكن شاشات الحواسيب وبكل أحجامها مخادعة. فالحرف على الشاشة يبدو لماعا، وحرفيا، ومنتهيا. ومع ذلك، ما أن تقوم بالطباعة يتضح لك الفشل والإخفاق. كن دائماعلى استعداد لاحتمال تحسين كتابتك بما يتخطى قدراتك الجنونية على التخيل إن استفدت من ساعات وقتك، وكن جاهزا للمراجعة، ومستعدا للطريق الطويل الذي يمتد أمامك. واسمحوا لي بإعادة صياغة جملتي لو أنها ليست واضحة: إن كنت مستعدا للقيام برحلة نحو ينابيع إبداعك التي تنتظرك كي تملأ الفراغ. المبدعون بحاجة لاحترام طموحاتهم أو أنها ستبلى في داخلنا. وأنا أعرف أشخاصا هجروا الكتابة بالعشرينات من العمر وندموا على ذلك في أربعيناتهم. ولكن لا يوجد توقيت لبداية العمل الفني. ويمكننا البداية مع الكتابة في أي عمر أو مرحلة من حياتنا. ولم أندم أبدا على اختيارالاستمرارمع الكتابة، مع أنها كانت تعني اقتصاديا القليل من النقود وتهميش وجودي في حياتي المهنية. وقد اعتدت أن أكون في بداية كل عام غير مرتاحة فيما يتعلق بإعالة نفسي.  حتى في احتياجاتي الأساسية - المسكن والطعام والمواصلات وما تبقى. ولدي قناعة تامة أن هذا سيرعب معظم الناس. ولكن هكذا عشت حياتي وأصبحت مدمنة على ذلك. ولم أحصل على الدعم من شريكي، ولم أعتمد على عائلتي الكبيرة فعائلتي بلا نقود. وفي النهاية تبدل الحال وأصبح لي راتب شهري بصفة أستاذة باختصاص الكتابة الإبداعية في الجامعة. ومع ذلك لم أصل لهذه النقطة إلا بعد معاناة ثلاثة عقود. وقد تعرفت على كتاب ملهمين انهزموا أمام أول رفض وهو شيء متوقع بالنسبة لمعظمنا في بعض المراحل من سيرتنا المهنية. إما أن يطحنك الرفض وتتوقف عن الكتابة، أو أنه يشد من عزم إصرارك على تطوير مهاراتك وقصصك، إلى أن تصل بمستوى كتابتك للضفة الثانية. والمرونة هي من أهم خصال الكاتب الجيد، فهي تعني أنه بمقدورك تطوير قدراتك الداخلية ومصادرك حتى تتمكن من الاستمرار رغم كل التحديات التي تضعها الحياة أمامك، والحياة مع الفن يمكنها أن تكون صخرة صعبة بأقل تقدير.  والنجاح الفوري لا يساعد الناس لمقاومة المصاعب المتوقعة. وأنت، وحدك أنت، من يعلم مدى قدراتك حينما تكون موضع الامتحان، وحينما تذوب أحلامك وخططك ولكن ترفض تماما أن تيأس وتستسلم. 

وإن لم تنجح بالنشر أو النتاج الأدبي أو الأداء، ولكن الكتابة بقيت هي هدفك الأسمى، ما عليك إلا أن تستمر، حتى لو لنفسك. أو لبضعة أصدقاء. أو لمجموعة من الأصدقاء الكتاب أو في المنتدى والمدونة وبالنشر الذاتي. وربما ذات يوم ستصل بصوتك لدائرة أوسع، إذا كانت هذه هي رغبتك. وربما في وقت ما ستفهم أنك لست مستعدا لمزيد من التضحيات في سبيل الكتابة، وتعلن يأسك ونهاية علاقتك الغرامية معها. أو بداية علاقة بديلة مع شكل فني آخر تفضله. أو تشعر أنك مخدوع بالبريق الظاهري للكتابة وأن الواقع لا يتوازى معها. وقد أخبرت طلابي أن ينتظروا في الخلف، ليس حينما تحين ساعة السقوط والفشل، ولكن حالما ينتابهم الشعور أنهم في خضم السقوط. وأنا أفعل ذلك كل الوقت وأتبع ما أسميه ـ م. ع. إ. (موقف عقلي إيجابي). وأصارح نفسي بأي شيء يزعجني في حياتي المهنية - الرفض والتهميش والتكبر والتجاهل. وأقول لنفسي: سيحين دوري. يومي قادم.

 

 

....................

بيرناردين أفيريستو Bernardine Evaristo: كاتبة بريطانية. لها ثماني روايات. حازت على المان بوكر عام 2019.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4864 المصادف: 2019-12-30 02:54:30