 شهادات ومذكرات

وطن من زجاج

محمد فتحي عبدالعالعصر الخديو: لا يمر الحديث عن نهضة مصر إلا وقرين بها ذكر الخديو إسماعيل ولكن هل كانت هذه النهضة حقيقية؟ ..

من هو الخديو إسماعيل؟.

هو إسماعيل بن إبراهيم بن محمد علي باشا الكبير. ولد بحي الجمالية وتحديدا في قصر المسافرخانة وهو الابن الأوسط لإبراهيم باشا والأخ غير الشقيق للاميرين أحمد رفعت ومصطفى فاضل من والده غير والدتيهما. كانت نشأة إسماعيل أوروبية فقد شاء القدر ان يصاب برمد صديدي يدفع أبيه إلى إرساله في رحلة علاجية وتعليمية أيضا إلى فينا ومنها لباريس عاصمة الحضارة والعلوم ومن هنا نشأت ميوله الباريسية التي رافقته طيلة حياته فأتقن اللغة الفرنسية بشكل كامل  وصار حلمه أن يحول القاهرة إلى باريس جديدة.. وعاد في حياة ابيه ابراهيم إلى مصر والصورة الباريسية الفخمة لا تفارقه وبوفاة ابيه انتقل الحكم إلى عباس الأول ونظرا لإنغلاق عباس وكراهيته لمظاهر الحضارة والتعليم وولعه بإنشاء القصور في الصحاري وقد تسمت العباسية الحي الشهير بمصر باسمه وكانت انتشار الجاسوسية في عهده بشكل صارخ فكان لا يأمن أحدا على عاقبة ما يسره في نفسه أو ينطقه بلسانه فقد كان الجزاء هو النفي إلى السودان حيث الموت المحقق لاستيطان الامراض بها فكان من الطبيعي أن تكون الفجوة بين عباس واسماعيل... بمقتل عباس في قصره ببنها بيدي خدمه آل الحكم إلى سعيد باشا والذي كان إصلاحيا كبيرا فتعود إليه اللائحة السعيدية والتي منحت الفلاح المصري لأول مرة في تاريخه حق تملك الأراضي الزراعية وحرية التصرف في حاصلاته الزراعية بالبيع كيفما يشاء وليس حصرا على الدولة كما كان بالسابق وسداد الضريبة نقدا. كما وضعت لائحة المعاشات للموظفين المتقاعدين... وفي إحدى خطب سعيد يقول :(أيها الأخوان إني نظرت في أحوال هذا الشعب المصري من حيث التاريخ فوجدته مظلوما مستعبدا لغيره من أمم الأرض وحيث أني اعتبر نفسي مصريا فوجب على أن أربي أبناء هذا الشعب وأهذبه تهذيبا حتى أجعله صالحا لأن يخدم بلاده خدمة صحيحة نافعة ويستغني بنفسه عن الأجانب وقد وطدت نفسي على إبراز هذا الرأي من الفكر إلى العمل).

ولانه ليس بالنوايا الحسنة تبني الأوطان فوقع سعيد في شراك الإستدانة من الخارج كما منح امتياز حفر قناة السويس إلى صديقه الفرنسي المسيو دلسبس وهو الذي حول موقع مصر ليكون هدفا للهجمات الاستعمارية فضلا عن ارباكه لمالية مصر .... وقد تحمس سعيد للمشروع على الرغم من معارضة الباب العالى بإيعاز من اللورد بالمرستون وزير خارجية بريطانيا آنذاك والذي خشي من تفشي النفوذ الفرنسي في مصر...

قصة أول قرض:

كانت ثقة سعيد باشا بالأجانب كبيرة إلى حد منح برافاي وكان فرنسيا جاهلا كل ثقافته مجموعه من النكات والفكهات يلقيها على مسامع سعيد فحصل على امتياز مناجم البحر الأحمر وقد تمكن بفضل نفوذه لدى سعيد من تكوين ثروة كبيرة أوصلته لقبة البرلمان في فرنسا. وكان يكفي لاي مخادع أجنبي أن يدعي أن ضررا مادي قد حدث له في الماضي أو الحاضر مشفوعا بمذكرة من قنصل بلاده ليحصل علي ما يشاء من تعويض من خزينة مصر والنتيجة الحتمية هى إفلاس الخزانة لتوقع مصر أول قرض خارجي في تاريخها الحديث مع مصرف أوبنهايم الألماني بمبلغ ٢,٥ مليون جنيه استرليني بفائدة ١١ في المائة وبضمان حصيلة ضريبة أطيان الدلتا بالطبع لم يكن هذا القرض بدافع التنمية إلا إذا اعتبرنا أن شراء أسرة فضية كهربائية لسعيد بمناسبة زفاف ابنه أو استيراد نظارات معظمة من باريس بمبالغ طائلة من قبيل التنمية! ..

حكم الاقدار:

تبعا لنظام الحكم في الأسرة العلوية لم يكن إسماعيل الأحق بالحكم بعد عمه سعيد باشا ولكن حادثا ربما كان قدريا وربما كان بتدبير إسماعيل نفسه قد أزاح الأمير أحمد رفعت ولي العهد فقد غرق إثر سقوط عربة كانت  تقله عند كفر الزيات في طريق العودة من حفلة أقامها سعيد واعتذر عنها إسماعيل أثر وعكة صحية!!.... وبوفاة أحمد رفعت أصبح إسماعيل ولي العهد رسميا... ثم بوفاة سعيد صار واليا لمصر.

العلاقات مع الباب العالى :بدأ إسماعيل عهده بزيارة للباب العالى للقاء السلطان عبد العزيز لتقديم فروض الولاء والطاعة وكان يبذل المال الكثير في سبيل كسب ود السلطان وحاشيته ورد السلطان عبد العزيز الزيارة بأخرى لمصر عام ١٨٦٣ لمدة عشرة أيام لاقي فيها من حفاوة إسماعيل الكثير وقد تسمى شارع عبد العزيز الشهير بمصر بهذا الاسم  تيمنا بهذه الزيارة التي عظمت من شأن إسماعيل....

عرش في المزاد:

سعى إسماعيل إلى تغيير نظام توارث العرش ليكون في أكبر أبنائه بدلا من أكبر أبناء الأسرة العلوية سنا ولقد صادف هذا المأرب هوي في نفس السلطان والذي كان يسعى هو الآخر لتغيير نظام توراث الحكم ليتولى ابنه من بعده.... كان أبرز اسباب إسماعيل في هذا السعي حرمان ابن أخيه الأمير مصطفى فاضل  ولي العهد والامير عبد الحليم عمه من وراثة العرش... وقد أغدق كلا الطرفان على الباب العالى  لكسب وده ففيما أنفق إسماعيل أموال طائلة للحصول على فرمان بجعل الوراثة في أكبر أبنائه أنفق مصطفى فاضل وعبد الحليم أموالا كثيرة في المقابل لاحباط مطامع إسماعيل لتكون الغلبة في النهاية لاموال إسماعيل والتي هي في النهاية أموال مصر ..

ولم تتوقف طموحات إسماعيل عند هذا الحد فقد استغل مشاركة مصر للباب العالى في الحرب على جزيرة كريت في الحصول على حق تعيين سفراء لمصر بالخارج فرفض الباب العالى بشدة خشية استفحال النفوذ المصري مما اغضب إسماعيل وظهرت الفجوة جلية بين الطرفين في دعوة إسماعيل المنفردة لملوك أوروبا إلى حفل افتتاح قناة السويس دون وساطة تركية...

زخرفة مصر!:

كان إسماعيل يريد استئصال مصر من محيطها الافريقي وتحويلها إلى باريس فأنشأ الأوبرا احتفالا بافتتاح قناة السويس وقد صنعت من الخشب  وقد اشترك المعماريان بيترو أفوسكاني وروتسيي في تصميمها وكان اول عرض أوبرالي بها هو معزوفة ريغوليتو لفيردي ثم أوبرا عايدة لفيردي أيضا... كان اختيار مكان الأوبرا  بين الازبكية وميدان التحرير وهي مناطق شعبية مكتظة بالسكان ويتحدث ألفريد جاشوا بتلر في كتابه: الحياة في البلاط الملكي المصري أن الخديو إسماعيل حصل على أرض دار الأوبرا بإضرام النار خلسة في بيوت أهل المنطقة ليرغمهم على قبول ترك منازلهم مقابل تعويض مناسب... ويشاء الله أن يلحق بالاوبرا التي شيدها المصير نفسه بعد ذلك بعقود وتحديدا عام ١٩٧١ حينما شبت فيها النيران.

أنشأ إسماعيل مسرحا بحديقة الازبكية على أن يكون هزليا فقط إلا أن يعقوب صنوع أو موليير مصر لم يرتضي أن يقتصر المسرح على الكوميديا فخرج عن الخط الموضوع له وقدم مسرحية الوطن والحرية والتي سخر فيها من فساد القصر وسلطة الخديو المطلقة كما أنشأ عدد من الصحف المعارضة مثل أبو نضارة وأبو صفارة وأبو زمارة والثرثارة المصرية فضلا عن انشائه جمعيتين ادبيتين هما محفل التقدم ومحفل محبي العلم مما أثار سخط  إسماعيل عليه فنفاه لفرنسا...وهو مايكشف لنا عن ديكورية بناء في عهد إسماعيل الذي لم يحتمل أي معارضة في عهده..

قد يعتبر إنشاء مجلس شورى النواب عام ١٨٦٦ سابقة تاريخية تحسب للخديو غير أنه جاء مفرغا من أية صلاحيات كما أنه لم يمثل الشعب بشكل حقيقي فقد أوكل انتخاب النواب لعمد البلاد ومشايخها  مما أسفر عن انتخاب غالبية نواب المجلس من العمد والأعيان لضمان الولاء التام لسلطة الخديو المطلقة وسط غياب للنخب المتعلمة وممثلي الصناع والتجار مما يجعله مجلس للاعيان أكثر من كونه مجلسا لنواب الشعب ويسوق المسيو جليون دنجلار في رسائله عن مصر الحديثة أن نائبان خالفا رأي الحكومة فطردا بأمر الخديو باعتبارهما خطر على الأمن العام.

لا يمكن إغفال دور الخديو في النهوض بالتعليم النسائي فقد أقام المدارس للنهوض بهذا الغرض الذي سبق به عصره

إفلاس مصر:

ورث اسماعيل الديون عن سلفه وبدلا من أن يعيد دفة الدولة إلى رشادها توسع في الاقتراض ...

كان تولي اسماعيل عام ١٨٦٣ وكانت الحرب الأهلية الأمريكية مشتعلة مما أدى لانخفاض الصادرات من القطن الأمريكي لمصلحة القطن المصري وكانت الفرصة عظيمة أمام إسماعيل  لكن اسماعيل لم يعتمد علي موارده في سد عجز الخزانة بل  عقد قرضا خارجيا بمبلغ ٥,٧ مليون جنيه عام ١٨٦٤ وليبلغ حجم ديون اسماعيل عام ١٨٧٦ واحد وتسعون مليون جنيه مما أوقع المالية المصرية في براثن المراقبة الأوروبية...وكان جل الأموال ينفق في مشاريع البنية التحتية كتشييد القصور الفارهة وتجميل الشوارع والميادين والحفلات دون الالتفات إلى الصناعة ما عدا صناعة السكر والتي شهدت توسعا في عهده.

بلغ الخديو إسماعيل مبلغا كبيرا في الإسراف والتبذير وعدم الإكتراث  جعل من مصر قبلة للطالمحين من المفلسين الأوربيين ليكونوا ثروات لا تخطر على بال فبحسب اللورد كرومر في كتابه مصر الحديثة أن إسماعيل أنفق على إصلاح ميناء الإسكندرية ٢٥٠٠٠٠٠ جنيه عبر شركة جرنفلد الإنجليزية في حين كانت التكلفة الحقيقية ١٤٤٠٠٠٠ جنيه.

وفي الوقت الذي  كانت تبني المدارس في عهده بجمع التبرعات من الأهالي دون مساهمة الدولة ويوجد بكتاب تقويم النيل لأمين باشا سامي جداول تفصيلية لتبرعات العديد من المشايخ والعمد والوجهاء بالجهات المختلفة لصالح انشاء المدارس الأهلية بمناطقهم إلا أنه في المقابل نجد اسرافا لا مثيل له في التاريخ بمناسبة حفل افتتاح قناة السويس وقد قدرت ب ١٤٠٠٠٠٠ جنيه وهو مبلغ مهول بتقديرات هذا الزمان.

وصلت الخزانة المصرية إلى حد الإفلاس عام ١٨٧٥ ورهن إسماعيل موارد الدولة ووصل الأمر إلى حد بيع أسهم مصر في قناة السويس للحكومة البريطانية وفاءا لبعض الديون وتعهد بنك روتشلد بلندن بأداء القيمة للخديو. وقد اعتبرت بريطانيا احتواذها على هذه الأسهم فوزا مؤزرا على الأطماع الفرنسية في مصر... ومع أزمة فرنسا بعد خروجها مهزومة من الحرب السبعينية مع الألمان وجد الخديو أنه بحاجة لتوطيد مركزه المالي المتهاوي عبر الإستعانة بحليف قوي هو بريطانيا كبديل لفرنسا فطلب من بريطانيا إيفاد موظفين لضبط الإيرادات والمصروفات ولكنها أرسلت بدلا من ذلك  لجنة لدراسة حالة الحكومة المصرية المالية وكان في ظنه أن الاحتفاء باللجنة قد يغير من نتيجة تقريرها ويجعله مسوغا لإعادة الثقة في حكومته أمام البيوت المالية الأوربية وأمام بريطانيا فيعاود الأقتراض مجددا ولكن تقرير لجنة (ستيفن كيف عضو مجلس العموم) الإنجليزية كان مخيبا لآماله فقد خرج التقرير بتيجة هي سوء حالة المالية المصرية وضرورة وضعها تحت الرقابة الأوروبية.... خشيت فرنسا من هذا الظهور البريطاني وقررت هي الأخرى إيفاد بعثة أوتريه القنصل الفرنسي السابق في القاهرة ووافق إسماعيل بعد أن تأكد أنه لن يحصل على المال الذي يريده من بعثة (كيف)..

انتهى الأمر بإنشاء صندوق الدين ومهمته أن يكون خزينة فرعية للخزانة العامة تتولى تسلم مبالغ الديون من إيرادات المديريات والكبار والجمارك والسكك الحديدية فضلا عن توحيد الديون لتكون دينا واحدا وقيمته ٩١٠٠٠٠٠٠ جنيه انجليزي تسدد في ٦٥ عاما وفائدة سبعة في المائة... وإنشاء مجلس أعلى للمالية مكونا من عشرة أعضاء نصهم من الأجانب والنصف الثاني من الوطنيين ثم اتخذت إجراءات لاحقة منها فرض الرقابة الثنائية الإنجليزية والفرنسية على المالية المصرية وتشكيل لجنة مختلطة لإدارة السكك الحديدية وميناء الإسكندرية. وتشكيل وزارة مختلطة برئاسة نوبار باشا لها صلاحيات كاملة ومسئوليات مستقلة عن سلطة الخديو وضمت الوزارة وزيرين أوروبيين أحدهما للمالية..

مقتل الخديو الصغير :مع الرقابة الثنائية اضطر الخديو إسماعيل إلى التضحية بوزيره للمالية وأخيه في الرضاعة إسماعيل باشا صديق المفتش أو الخديو الصغير كما أطلق عليه المؤرخون وإقالته ونفيه إلى دنقلة ثم دبر لقتله كان الرجل الذي تولى قتل إسماعيل المفتش خنقا ثم إلقاء جثته في اليم هو إسحاق بيك مقدم العسكر وقد استبسل إسماعيل في التشبث في الحياة فعض أحد أصابع إسحاق بيك حتى فصله عن كف يده فصارت يده مشوهه وقد تم إلحاقه بخدمة الأمير محمود قبيل ابن إسماعيل كما تناقل البعض أن من قام بهذه المهمة هو مصطفى بك فهمي شريك عرابي في ثورته لكن الرواية الأولى هي الأكثر شهرة واتفاقا لدى المؤرخين.. ولقد انقسم الكثيرون حول شخصية المفتش فرأي البعض أنه سببا رئيسيا في الأزمة المالية بكونه أداة لسيده الخديو في العبث بمالية مصر وأن الخديو أراد بقتله إهالة التراب على الماضي وأسراره بينما رأي البعض أن المفتش كان وطنيا ورافضا للرقابة الثنائية بإيعاز من تركيا وأنه كان على وشك الفرار للاستانة مما عجل بقتله خشية فضح أسرار الخديو..

أعظم أخطاء إسماعيل:

تعتبر حرب الحبشة من الأخطاء التي لا تقل ضراوة و فداحة عن الأزمة المالية التي تسبب فيها إسماعيل فقد كبدت الدولة المصرية خسائر فادحة في الأموال والأرواح.. بدأ الصراع برغبة إمبراطور الحبشة يوحنا في بسط نفوذه على البحر الأحمر عبر إنشاء ميناء خاص ببلاده عليه فرأي إسماعيل في ذلك تهديدا لنفوذه فأضمر في نفسه احتلال الحبشة فأرسل حملتين واحدة تلو الأخرى الأولى بقيادة أرندروب بك على جونديت والثانية بقيادة منزنجر باشا ومنى إسماعيل بهزيمة ساحقة في الحملتين وابيد أكثر القوات المصرية المرسلة كما قتل قائدا الحملتين.. قرر إسماعيل الثأر لكرامته للمرة الثالثة فحرك جيشا جرارا بقيادة السردار راتب باشا والجنرال الأمريكي لورنج باشا والامير حسن ابن الخديو لتتكرر المأساة ويهزم الجيش المصري في بلدة قورع وانتهى الأمر بالصلح بين البلدين ولكن نالت الهزيمة من هيبة مصر بشكل كبير.

للشعب رأي أخر:

قامت وزارة نوبار بضغط النفقات عبر إحالة ٢٥٠٠ ضابط إلى الأستيداع فلجأوا إلى التظاهر واعتدوا على نوبار باشا بالضرب فتدخل الخديو لانهاء الأزمة وحل مشكلة الضباط وشكل وزارة برئاسة ابنه توفيق مع منح الوزيرين الأوربيين بها حق الفيتو على أي قرار يصدر من مجلس النظار دون موافقتهما...

ضاق المصريون ذرعا بالتدخل الأجنبي  فاجتمع عدد من ممثلي الشعب في مقدمتهم شريف باشا وقرروا وضع مشروع وطني لسداد الديون عرف باللائحة الوطنية وقدموه للخديو إسماعيل فقبله وزاد عن ذلك بتشكيل وزارة وطنية برئاسة شريف باشا  وكان هذا الانحياز من إسماعيل تجاه الاحرار من شعبه وإن جاء متأخرا للغاية موغرا لصدر بريطانيا وفرنسا وباقي الدول الأوروبية فعزموا على عزل إسماعيل  واستصدروا بالفعل فرمانا من الباب العالى بعزله عام 1879.

حاول إسماعيل استجداء الباب العالى بالعدول عن عزله بالهدايا ولكنها لم تكن من العظمة والثراء الذي يثير لعاب الباب العالى كما في المرات السابقة كما أن اجماعا دوليا انصب على عزل إسماعيل ورحل إسماعيل إلى منفاه بايطاليا ثم انتقل بعد سنوات للاستانه

ديانة إسماعيل: من المباحث الطريفة والتي لا يقترب منها الباحثون هي الديانة الحقيقية للحكام باعتبارها شأنا خاصا بأصحابها لكنها في واقع الأمر قد ترصد نفاقا داخليا في نفوس أصحابها وحقيقة نظرتهم لشعوبهم والتي تحمل أحيانا قدرا كبيرا من الاستخفاف  ففي كتاب ألفريد جاشوا بتلر: الحياة في البلاط الملكي المصري وكان من خاصة الخديو توفيق ينقل نصيحة قصة مفاداها أن إسماعيل كان غاضبا من ابنه توفيق لميوله الدينية الإسلامية معترفا بكونه مسيحيا قائلا :( أنا لست مسلما بل إني مسيحي كما نصحه: عندما تتولى العرش تظاهر بأنك مسلم جيد فسيحبك الشعب من أجل ذلك. هذه سياسة جيدة!!)

توسلات الخديو:

داهم إسماعيل في منفاه مرض الاستسقاء وكان الأمل في شفائه ضعيفا فبذل مساعي حثيثة لدى حفيده خديو مصر عباس حلمي الثاني في سبيل عودته لمصر لقضاء أيامه الأخيرة بها لكن رغبة إنجلترا دولة الاحتلال والباب العالى في عدم عودته ذهبت بمساعيه ومساعي عباس أدراج الرياح ووقف عباس مكتوف الأيدي أمام توسلات جده المريض والذي توفي عام ١٨٩٥ لينقل ميتا إلى مصر ويدفن في مسجد الرفاعي...

وهكذا كانت نهاية رجل حاول أن يبني وطنا هشا من زجاج مزخرف   بدلا من أن يشيد وطنا قويا مستقلا بسواعد أبنائه وموارده..

 

د. محمد فتحي عبد العال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4871 المصادف: 2020-01-06 01:45:21