 شهادات ومذكرات

بورتريهات: السوسيولوجي المرح إبراهيم حمداوي

عبدالاله فرح

جاء الأستاذ الباحث ابراهيم حمداوي من الجنوب الشرقي محاولا فهم المشاكل الاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي. حيث قرر أن يشق لنفسه مسارا علميا مليئا بالتحديات والصعوبات، خصوصا عندما قرر الاشتغال على ظاهرة الجريمة التي تعتبر من أعقد القضايا السوسيولوجية. فقد أنجز في سنة 2009 أطروحة الدكتوراه في علم الاجتماع حول موضوع: "التغير الاجتماعي والجريمة في المغرب: دراسة استكشافية في أسباب الجريمة والانحراف" تحت إشراف الأستاذ بوزيان بوشنفاتي. وأصبح حينها واحدا من الباحثين القلة الذين يهتمون بدراسة الظواهر الاجتماعية التي ترتبط بالجريمة والعنف بالمجتمع المغربي.

فمن هو الباحث إبراهيم حمداوي؟

هو أستاذ باحث في علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، ومنسق ماستر سوسيولوجيا التنمية المحلية بنفس الجامعة. ومن أهم الباحثين المختصين في قضايا الجريمة والتغير الاجتماعي. له العديد من الأبحاث والدراسات المنشورة في الكتب والمجلات المحكمة. كما للباحث مجموعة من المشاركات العلمية داخل وخارج المغرب، واسهامات حوارية في البرامج التلفزية.

يعتبر إبراهيم حمداوي أنه لفهم ظاهرة الاجتماعية لا بد من العودة إلى المقاربة التاريخية، ذلك أن المجتمعات على الرغم من تقدمها وتغيرها، فإنها لها تاريخ وماضي يحكمها. وفي نظره، ليس هناك مجتمع لا يخلوا من الجريمة، فالأفراد يمارسون مجموعة من الانتهاكات والخروقات إما بطريقة قصدية أو غير قصدية. وهذه الانتهاكات والخروقات لا تتوقف فقط على عامل أو سبب واحد وإنما على عدة عوامل وأسباب، فالجريمة تعبر عن الخلل الوظيفي في المجتمع، وهذا الخلل نابع أساسا من اختلال النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمجالية التي يعرفها المجتمع المغربي.

ويرى الأستاذ الباحث حمداوي أن اختلال النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمجالية، يؤدي إلى تعميق المشاكل الاجتماعية ويجعل من الأفراد يحسون بالضغط الاجتماعي، وهو ما قد يؤدي بهم في كثير من الأحيان إلى ارتكاب الجريمة. ما يعني أن كل شخص قابل أو معرض في أي وقت أن يمارس الجرم ضد المجتمع إما عن وعي أو بدون وعي.

وتكمن أطروحة حمداوي، أن الجريمة تتغير بفعل عوامل كثيرة وأن المجال الحضري يساهم في انبثاق العنف بسبب طغيان المجهولية بين أفراده، وأن ذلك يساعد في زيادة ارتكاب الأفراد للفعل الإجرامي وإلى احتكار وسائل العنف على الرغم من تعارض ذلك مع القيم والمعايير الاجتماعية والضوابط القانونية. فالجريمة تعني ذلك الفعل الذي يعتقد المجتمع أنه يشكل ضررا على مصلحته الاجتماعية، أي أنه عبارة عن ممارسة شاذة تتميز بالانحراف عن القيم الأخلاقية والمعايير الاجتماعية والضوابط القانونية.

ويلاحظ في أعمال ابراهيم حمداوي أنه دائما ما يدقق في المفاهيم، متنقلا بين الأدبيات العلمية ومنفتحا على العلوم الاجتماعية مثل علم النفس والتاريخ والقانون، لكي يقدم لنا في الأخير مقاربته الإجرائية حول المفاهيم التي يستخدمها. ومنتقدا في أعماله الأبحاث الكسولة التي تقوم على فكرة إسقاط المفاهيم والمقاربات النظرية على المجتمع المغربي دون فحصها وتمحيصها ونقدها.

أما الدرس السوسيولوجي عند الباحث ابراهيم حمداوي، فإنه يتميز بالمرح والمغامرة، فتدريسه قائم أساسا على معارضته للتلقين السلبي الذي يشعر الطلبة بالملل والكسل والنفور من المادة المعرفية. ولهذا، يجعل من درسه السوسيولوجي مغامرة فكرية، ويدفع الطلبة على استخدام خيالهم حتى يعيشوا الأحداث والوقائع التي ساهمت في بناء المعرفة العلمية، خصوصا ما يرتبط بمأسسة علم الاجتماع، إلى جانب حديثه عن أهمية هذا التخصص المعرفي في بلورة المشاريع التنموية. ذلك أن دور العلوم الاجتماعية هو المساهمة في الارتقاء الاجتماعي وتحقيق إنسانية الإنسان كما يعبر ذلك الأستاذ حمداوي.

كما أن حمداوي يجعل من درسه بعيدا عن الحس المشترك وكل ما يرتبط باليقينيات. بالإضافة إلى أنه كثيرا ما يشجع الطلبة في درسه على ممارسة النقد للأفكار التي تطفوا إلى السطح، حتى وإن ظهرت للعين البيولوجية بأنها عادية، معتبرا بأن من مهام السوسيولوجيا ممارسة النقد، والبحث عن الحقيقة، وليس الارتكان أو الوقوف على الأفكار الجاهزة. فالحقيقة تبقى نسبية وغير ثابتة.

إن الأستاذ حمداوي في نظر طلبته، هو تعبير عن خصال مثل الطيبة والتواضع والصبر والإلتزام. وهو صديق الكل قبل كل شيء، فمحبة حمداوي من طرف طلبته تتجاوز جدران الجامعة بسبب نبل أخلاقه وتواضعه. وهذا الرجل الذي لا تفارقه الابتسامة في كل زمان ومكان، لا يستطيع أحد أن ينكر فضله على العديد من طلبة العلم، لأنه واحد من الأساتذة الذين يقومون بتشجيع الطلبة الباحثين على ممارسة حرفة القلم والورق. ويتمثل تشجيعه للطلبة الباحثين من خلال إشرافه على مجموعة من الأعمال الجماعية التي يعمل دائما على إصدارها، وذلك قصد الاحتفاء بهم (الطلبة الباحثين)، ودفعهم نحو التميز. فهو مثال على الرجل العالم الملتزم بأحقية الآخرين في ممارسة الشغب الفكري.

هذا هو الأستاذ الباحث ابراهيم حمداوي. إنه الرجل الذي يتصف بسعة الصدر على الرغم من النزاعات والاختلافات التي تميز الحقل الأكاديمي، وهي صفة قلما تتوفر في الرجل الأكاديمي هذه الأيام. ومن يعرف الأستاذ حمداوي عن قرب يدرك أن هذا الرجل كثيرا ما ينتصر للطلبة في درسه الأخلاقي والمعرفي، فهو يجعل من الممارسة السوسيولوجية تتميز بالحرية والإبداع، ودائما ما يعطي الحرية للطلبة في اختيار ما يقتنعون به على مستوى الدرس والبحث السوسيولوجي. وكثيرا ما يدافع عن حق الطلبة في الولوج إلى المعرفة السوسيولوجية.

إن الملاحظ سوف يجد ابراهيم حمداوي أكثر قربا من الطلبة، وأكثر عطاء وكرما عندما يحتاجون إليه. فهو ليس أستاذا فقط، بل هو رفيق وصديق في نظر طلبته وزملائه من الأساتذة.

وفي الأخير، يمكن إدراج مجموعة من الأعمال المميزة التي أنجزها الأستاذ الباحث إبراهيم حمداوي وهي كالتالي:

* من بين مؤلفاته:

- الجريمة بالمجتمع المغربي: دراسة سوسيولوجية.

- مدخل إلى سوسيولوجيا الجريمة: مفاهيم و نظريات.

* من بين مقالاته ضمن الكتب الجماعية والمجلات العلمية نجد:

ـ ماذا عن تربية الأطفال أمام تحولات النسق التربوي في الأسرة المغاربية : من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية.

ـ التغير الاجتماعي وظاهرة الجريمة بالمغرب.

ـ التحولات الاجتماعية والثقافية بالمجتمع الصحراوي.

ـ في حاجة العلوم الاجتماعية إلى علم المقاصد من أجل السعادة والاستقرار الاجتماعي.

ـ الهجرة غير الشرعية : الأبعاد الإنسانية والأمنية.

ـ نحو مأسسة الكتابة على الجدران: قراءة في كتاب "الكتابة على الجدران المدرسية" للأستاذ أحمد شراك.

ـ خصائص الحياة الحضرية وعلاقتها بالجريمة.

ـ خصوصية وضعية جنوح الأحداث بالمغرب.

 

بقلم عبد الإله فرح

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4875 المصادف: 2020-01-10 02:03:01