 شهادات ومذكرات

جمال حمدان.. راهب المحروسة المسلح

عبد السلام فاروقالسؤال المعتاد: عن افتقاد القيمة والجوهر الثمين وسط لجة الغثاء الخانقة، لماذا؟

مصر لم تعدم العباقرة منذ جمال حمدان إلى الآن، فأين هم؟

ولماذا لم تشهد معارض الكتاب المتتابعة كتاباً فى وزن موسوعة جمال حمدان؟

جمال حمدان .. كان شخصية معرض الكتاب المختارة فى دورته الماضية:(50+1) .. وهى فرصة ليعرف الجيل الجديد حقاً: من هو؟ ولماذا يحتفى به المصريون على الدوام؟

مبتدعِ "شخصيةِ مصر" !

قليلون مَن فكروا فى استجلاء أبعاد شخصية المبدع الذى ألف موسوعة (شخصية مصر)، رغم أن الأمر منطقى وله مغزى .

نحن نعلم عنه ميله للعزلة والانطواء، لكن هذا حال الكثير من المبدعين والعلماء ..

خاصةً فى بلادنا العربية التى لا تعترف بالعبقريات العلمية والأكاديمية بنفس السرعة التى تعترف فيها بالفنانين والممثلين والمطربين ونجوم الكرة !

هو من مواليد قرية "ناى" بمحافظة القليوبية القريبة من قرية "بسوس" التى ولد بها هيكل،رئيس تحرير الأهرام الذى أعاد جمال حمدان بعد أن قرر الانزواء.

وجمال واحد من بين سبعة أخوة لأب أزهرى حرص على تحفيظ أولاده جميعهم القرآن فأتقنوه . حصل على التوجيهية الثانوية عام 1944 وكان ترتيبه السادس على القطر المصرى، وتخرج من كلية الآداب بقسم الجغرافيا عام 1948، فصادف ذلك نفس عام الاحتلال الصهيونى لفلسطين!

أوفدته الجامعة إلى بريطانيا فحصل على الدكتوراه فى "فلسفة الجغرافيا" من جامعة ريدنج عام 1953، ولم تترجم رسالته تلك حتى وفاته! وكانت بعنوان: "سكان وسط الدلتا قديماً وحديثاً" .. ليفاجأ لدى عودته إلى مصر أن الجامعة قررت تخطيه فى الترقية المستحقة له إلى وظيفة أستاذ . فجاء قراره الفورى بالاستقالة احتجاجاً على تعنت رؤسائه . وتفرغ لدراساته فى الجغرافيا التى تمخضت عن كتاب شخصية مصر، وغيره من المقالات والأبحاث والكتب.

ورغم الحياة المتواضعة المنطوية التى اختار أن يحياها، استطاع أن يبدع أفضل منجزاته بهذا الانقطاع المتفانى للعلم، حتى أسماه البعض "راهب الجغرافيا المصرية"، وربما يكون هو الاسم الوحيد البارز فى هذا العلم الذى ندر من تميز فيه لا من المصريين وحدهم بل من سائر العرب. خاصةً وأنه العلم الذى لا غنى عنه للساسة والقادة وأصحاب القرار .. وهو ما أدركه الصحفى الموسوعى الأشهر، محمد حسنين هيكل.

هيكل .. وحمدان !

ثمة مصطلحات حداثية أوجدتها الصحافة من رحم الجغرافيا، مثل "خارطة الطريق"، "حدود الرؤية"، "المناخ السياسي" .. وكان الهدف منها الإشارة إلى الصلة الوثيقة بين علوم السياسة وبين الجغرافيا بمعناها الواسع الشامل.

هذا ما أدركه هيكل الصحفى الوثائقى الموسوعى المهتم بحركة التاريخ، والأكثر تواصلاً مع الزعماء والعلماء والمفكرين . ما جعله يفطن للدور المتداخل بين الجغرافيا والتاريخ فى صياغة القرار السياسي، والعسكرى كذلك . لهذا حرص هيكل على البحث عن عالم من علماء الجغرافيا يدرك هذا الدور، ووقع فى يده كتاب شخصية مصر لجمال حمدان فاندهش، خاصةً عندما أخبره مصطفى نبيل رئيس تحرير مجلة الهلال الأسبق، والذى نشر جزءاً من مقالات حمدان،عن حياة العزلة التى يحياها كأنه راهب فى محراب.

قرر هيكل أن ينتزع جمال حمدان من عزلته بأى طريقة، فذهب إليه . وكانت هناك شفرة للطرق علي باب منزله، لا يعرفها سوى أصدقاء حمدان المقربين ؛ بسبب بغضه للزيارات التى تقطع عليه عزلته وانقطاعه المتفانى للعلم . ورغم أن مصطفى نبيل كان من أصدقاء حمدان المعدودين والتزم بالطريقة المتفق عليها فى طرق الباب، إلا أن حمدان لم يستجِب . فاضطر هيكل إلى تناول حجر صغير من جادة الطريق وألقاه على نافذة جمال ليوقظه إن كان نائماً !

بالفعل فتح حمدان الباب وتركه موارباً لم يفتحه إلا بعد أن أدرك سر الزيارة .. وكان مما قاله هيكل مندهشاً، لما رأى الفوضَى وتواضع الحال: كيف تحيا هكذا، وكتاباتك لها تأثير فى التفكير العام فوق ما تتخيل، وإسهاماتك تعد مراجع كبري للباحثين والمثقفين، لماذا العزلة؟

كان هذا اللقاء بشيراً بعودة جمال حمدان قليلاً قليلاً إلى الحياة العامة، ليترك للمكتبة المصرية والعربية نحو أربعين كتاباً تعد من أهم المراجع لأى باحث اليوم . وحوالى 80 بحثاً ومقالة علمية ورسالة . ناهيك عما فُقد من كتاباته التى سرقت يوم مقتله.

والسؤال اليوم: ما السر وراء اهتمام القيادات بوضع اسمه منفرداً ليكون شخصية العام فى الحدث الثقافى الأهم مصرياً وعربياً؟

ولإجابة هذا السؤال علينا أن نعود إلى الوراء عدة أعوام .. عندما قررت القيادة المصرية القيام بترسيم الحدود البحرية فى اتفاقية تاريخية بين مصر وقبرص واليونان .. تلك الاتفاقية التى لم يدرك أحد أهميتها حتى وقت قريب .. عندما بدأت تركيا فى الإفصاح عن أطماعها فيما لا حق لها فيه . لولا أن جاءت الاتفاقية الدولية المشار لها فى الأمم المتحدة لتقف أمام المطامع التركية بالمرصاد!

إذن هناك دور محورى لعلم الفلسفة الجغرافية الذى نال فيه حمدان درجة الدكتوراه . أما تفرد حمدان فى هذا العلم كان لقدرته الفذة على قراءة الواقع والتاريخ ليستشرف به المستقبل .. وتلك هى قدرته التى أثبتت الأيام والأحداث نبوغه فيها .

نبوءات حمدان!

تنبأ جمال حمدان بالكثير من الأحداث التى وقع بعضها بالفعل، وبعضها الآخر فى انتظار الوقوع إذا صدق حدسه . تلك القدرة الاستشرافية هى من خصائص المبدعين وأصحاب الرؤي والتجليات، وهم قلة من العلماء لا فى مصر وحدها، بل والعالم.

تلك القدرة بعيدة تمام البعد عن التسرع والدجل والإلقاء الجزافى للنبوءات المغرضة كما يحدث اليوم . بل هى تنبؤات قائمة على استقراء معلومات المشهد السياسي بصورة عميقة محيطة . وهى القدرة التى لا تنجلى بالتبعية إلا لقلة من أصحاب العلم الموسوعى من العباقرة، وجمال حمدان أحدهم.

كان من بين العلماء القلائل ذوى القدرة الثاقبة لاستجلاء المستقبل وتوقع تداعيات حركة التاريخ.

قرأت فى العدد الحادى عشر من جريدة الكتاب الصادرة عن المعرض عنواناً مدهشاً يقول: (نبوءات حمدان التى تحققت: الانفجار السكانى، والزحام، والعاصمة الإدارية) .. واتضح أن حمدان أتى على ذكر الموقع الذى تم اختياره لبناء العاصمة الإدارية فكان أول من تنبأ بالصدفة بهذا الحدث الهائل!!!

ولعل من أشهر نبوءاته توقعه لحتمية تفكك الاتحاد السوفيتى، ذكر هذا قبل 21 عاماً من تحقق هذه النبوءة . أيضاً استطاع ببصيرته النافذة أن يتوقع انهيار التحالف التاريخى بين أمريكا وأوروبا الغربية، رغم أن التحالف كان وقتها فى أقوى حالته .. وفى أيامنا هذه نشهد تجليات تلك النبوءة، والتحلل الذى أصاب حلف الأطلسي، والتفكك فى أوصال التحالفات الأمريكية الأوروبية جميعها.

أكثر من هذا أن جمال حمدان له نبوءة فى أوائل التسعينيات ربما نشهد اليوم بوادرها، وهى انهيار القوة العظمى، وأن ما كان يقال عن ألمانيا واليابان استراتيجياً سوف يقال عن أمريكا قريباً، فتتحول إلى عملاق سياسي وقزم اقتصادى أمام عمالقة يسحبون منها صدارة المشهد !!

نحن فى حاجة بالفعل لقراءة جمال حمدان بعمق علنا ندرك اليوم ما أدركه هو بالأمس فسبق عصراً عاد فيه الدجل والافتراء بديلاً عن العلم!

 

عبد السلام فاروق

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الروائع لا تصدر دوما إلا عن قلم رائع تتجلي فيه القيم الوطنية ... هكذا يكتب الصديق العزيز الأستاذ عبد السلام فاروق بحماسة المصري الأصيل الذي يعرف عن بلاده فضلها وفضائلهأ بمقدار ما يقدر الشخصيات العظيمة فيها تقديره بملامح الوطنية النبيلة والأصالة المصرية .. كل التحية للقلم الرائع وهو يثمر ورعايته عن رائعين.

د. مجدي ابراهيم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4924 المصادف: 2020-02-28 01:49:51