 شهادات ومذكرات

حياة شرارة ويسنينها في الربوع العربية

ضياء نافعيمكن القول ان الكتابة عن المرحومة أ. د. حياة شرارة قد بدأت لتوّها - ليس الا- في العراق، وقد لعبت دار (المدى) باعادة اصدار مؤلفاتها دورا بارزا بلا شك في هذه العملية، ولكنها (اي الكتابة عن حياة شرارة) لازالت تنتظر الباحثين العراقيين للتعمق في تراثها  واكتشاف وتحديد قيمته الحقيقة في تاريخ الادب الروسي ومسيرته في العراق، واريد ان اكرر – مرة اخرى واخرى - مقترحي السابق لقسم اللغة الروسية في كلية اللغات بجامعة بغداد بضرورة كتابة اطروحة ماجستير عن دور أ. د. حياة شرارة في تاريخ القسم العلمي باعتبارها  واحدة من أبرز الاسماء وأعمقها في مسيرته، واكرر ايضا استعدادي للتعاون مع المشرف العلمي وطالب الماجستير لانجاز هذا العمل العلمي الرائد .

هذه المقالة هي واقعيا ذكريات وانطباعات خطرت لي بعد قراءة بحثها الموسوم – (يسينين في الربوع العربية)، المنشور في مجلة الاقلام العراقية (العدد الصادر في شباط (فبراير) لعام 1989)، التي أعدت الان الاطلاع عليه بمحض الصدفة، بعد كل تلك السنوات الطويلة التي مرّت، اطلعت عليه اعتزازا بذكرى المرحومة حياة (ام مها) واسمها ودورها في مسيرة قسم اللغة الروسية الحبيب الى قلبي وقلبها طبعا، واظن،ان هذه الانطباعات ربما ستكون مفيدة حول هذا البحث المهم في تاريخ دراسة الادب الروسي في العراق، وهو موضوع اهتم به طوال مسيرة حياتي، منذ ان بدأت بدراسة اللغة الروسية وآدابها في جامعة موسكو عام 1959 ولحد الآن .

تذكرت رأسا، ان المرحومة حياة طلبت منّي (اي مصدر روسي حديث عن الشاعر يسينن في مكتبتي الشخصية)، فجلبت لها في اليوم التالي كتابا يتضمن دراسة عن ثلاثة شعراء روس هم كل من ماياكوفسكي وبيدني ويسنين، والكتاب هذا صادر في مدينة لينينغراد (بطرسبورغ حاليا) العام 1980 . لقد أشارت حياة الى هذا الكتاب في مصادر البحث ضمن الكتب الروسية التي استخدمتها عند كتابة بحثها المذكور، علما انها كانت تعتمد دائما على مصادر باللغات العربية والروسية والانكليزية في بحوثها وكتاباتها، وهذه ملاحظة مهمة وجديرة بالتذكير بها عند الكلام عن حياة وعمق كتاباتها العلمية.

وتذكرت ايضا حديثنا عندما انجزت حياة بحثها، اذ انها اخبرتني عن رغبتها بنشره في مجلة الاقلام ، ولكني قلت لها، ان المجلة غير معتمدة بالنسبة للترقيات العلمية، ولكنها قالت، انها لا تهتم بذلك، وان هناك الكثير من القراء، الذين يتابعون هذه المجلة، وان هذا البحث ينسجم مع الصفة العامة لهذه المجلة، وان تقييم البحث من قبل القراء هو المهم وليس مكان النشر . وانا بشكل عام أؤيد هذه النظرة العلمية والموضوعية للبحث العلمي، ولكن الاجواء الاكاديمية الصارمة، التي كانت محيطة بنا لم تكن تؤيد ذلك (لغة البحث يجب ان تكون بلغة الاختصاص والنشر في مجلات معتمدة)، وأذكر اني ناقشت اللجنة العلمية في قسم اللغات الاوربية بكلية الاداب حول هذا الموضوع، عندما كان فرع اللغة الروسية هناك ضمن ذلك القسم قبل عام 1987، وهي سنة تأسيس كلية اللغات (انظر مقالتنا بعنوان – كلمة ليست متأخرة عن كمال قاسم نادر) . لقد اصطدمت حياة بهذه المشكلة عندما قدّمت هذا البحث للترقية العلمية (للحصول على مرتبة الاستاذية)، ولكن اسمها ومكانتها وتعاون لجنة الترقيات وتعاطفها معها (كانت برئاسة المرحوم أ. د. علي منصور) والظروف السياسية المحيطة بالعراق آنذآك، والتي أدّت الى عزل البلاد عن العالم، كل ذلك قد ساعدها على تخطي هذه العقبة البيروقراطية في نهاية المطاف .

تسمي حياة بحثها عن يسينين  (مقالا)، ولكن واقعيا، ان ماقدمته هناك هو بحث علمي صرف ومتكامل ومبتكر وأصيل في مجال الادب الروسي وجهود المترجمين العرب بتقديم هذا الادب بالعربية، اذ انها قارنت ترجمة حسب الشيخ جعفر وعبد الرحمن الخميسي وترجمتها الشخصية لقصيدتين مشهورتين من قصائد يسينين، وكانت المقارنة موضوعية وعلمية وصارمة فعلا، لدرجة انها اشارت الى ان ترجمة حسب الشيخ جعفر لاحدى مقاطع يسينين جاءت افضل من ترجمتها هي وترجمة الخميسي مرة، وكذلك اشارت، الى ان حسب اخطأ في فهم النص الروسي عند يسينين في مقطع آخر . وتحدثت حياة ايضا عن الفرق بينها وبين الخميسي، اذ اعتبرالخميسي ان قصائد يسنين (من الشعر السوفيتي)، بينما حياة تقول، انها اعتبرتها (من الشعر الروسي)، وتستشهد بموقف طه حسين من بعض الشعراء العرب وهل هم   من شعراء صدر الاسلام ام من شعراء الجاهلية، وهو موقف علمي شجاع جدا ومقارنة مبتكرة بكل معنى الكلمة ودليل على سعة الآفاق الثقافية لها، ولكن حياة لم تتطرق الى تفصيلات هذا الموضوع الشائك والحساس في ذلك الوقت، والذي اصبح في وقتنا الحاضر واضحا (انظر مقالتنا بعنوان – حول مصطلح الادب السوفيتي).

لقد تمتعت جدا وانا اعيد قراءة بحث حياة شرارة الموسوم – يسينين في الربوع العربية، اذ اني تذكرت الايام الخوالي، وتذكرت صحة افكارنا حول طبيعة البحوث العلمية بغض النظر عن لغة البحث ومكان نشره، وتذكرت تلك المرأة العراقية اللبنانية الهادئة، ولكن الأحزان غمرتني بعدئذ، عندما تذكرت نهايتها المأساوية ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4942 المصادف: 2020-03-17 02:22:41