 شهادات ومذكرات

إلى الأول من أيار ورفيق زنزانتي

صالح الطائيشيوعي عراقي لا أعرفه، جمعتني به زنزانة واحدة، كان ذلك عام 1977 في مديرية الأمن العامة، يوم اعتقلوني، وأخذوني، وأدخلوني إلى مكان قذر ضيق شبه مظلم، فوجدته هناك يئن ويتوجع وكأنه عاش فيه من زمن الطوفان. كان هيكلا بشريا لا أكثر، وقد ترك التعذيب الوحشي آثاره على كل بدنه، تعذيب سرق ملامحه وشكل ولون بشرته الذي تحول إلى ألوان حمراء وسوداء وصفراء، وقد فارقته بعض أسنانه التي تلقت ضرباتهم ولم تقوى على الصمود، وصادروا الكثير من أظفار يديه؛ التي جردوه منها خوف أن تكون أسلحة دمار شامل.

لم يتحرك ولم تبدر منه أي كلمة حتى ظننت أنه مقطوع اللسان أو لا يقوى على تحريك أطرافه، ولم يرد علي حينما حاولت محادثته سوى بكلمة "شيوعي"، مما اضطرني إلى الجلوس في إحدى زوايا الزنزانة منتظرا مصيرا أعرفه، فقد سبقني إليه الكثير من الشباب. وفجأة سمعتهم يأمروني بالوقوف، كان الوقت قد تجاوز العاشرة ليلا فساعتي كانت يومها لا تزال تعمل، أخذوني وأنزلوني إلى سرداب مليء بماء متعفن نتن الرائحة تسبح فيه الجرذان وجثث من لم يحتملوا ذلك الموقف. لا أدري كم قضيت من الوقت قبل أن يأمروني بالتوجه إلى الباب التي كانت مصدر الضوء الوحيد، فأخرجوني وألقوني على أرض يابسة وبدأوا حفل السلخ والتقطيع، أكثر من خمسة (كيبلات) كانت تتراقص على جسدي وهي تعزف رائحة الحقد الوحشي وتفضح كم الحقارة والدناءة الذي يحمله بعض المحسوبين على البشر، وحينما أنهكوا، سحبني أحدهم إلى باب الزنزانة ثم فتحه ودفعني بأقدامه إلى داخلها.

حينها لم أكن أشعر بما يدور حولي، ولكني شعرت بيديه تمسحان القذارة عن وجهي، وحينما نظرت إليه كانت هناك دمعتان تصارعان لكي لا تخرجا وتفضحا ضعفه، بدأ يمزق قطعا من قميصه ويضمد جراحي، ثم تكلم! قال لي: اصمد فهم أضعف منك، وعاد إلى مكانه. ليلتها فارقني النوم، ولأن ساعتي انتحرت مثلي وتوقفت لم أعد أشعر بالوقت، وحينما حل الصباح، دخل اللصوص ليسرقوه مني، فنادى الذي في الداخل على سيده: سيدي هذا مات! فقال له: اتركه في مكانه.

سبعة عشر يوما مرت وأنا في كل يوم أتوقع من صديقي الشيوعي الطيب أن ينظر إلي ويكلمني، ولكن رائحة جسده المتفسخ والدود الذي يقتات عليه كانت تخبرني أن دوري سيحين ولو بعد حين. في صبيحة اليوم الثامن عشر جاءوا يحملون كيس نايلون ووضعوا بقاياه في الكيس وحملوه وخرجوا، صحيح أن الرائحة لم تفارقني إلا أن قطع قميصه التي ضمد بها جراحي كانت لا تزال معي تذكرني بصديق عرفته لساعات كانت كأنها العمر كله. وفي الليلة الأولى التي كان مكانه شاغرا فيها لا أحد يئن فيه، سمعته يحدثني من خلف أكوام من التراب:

يا صديقي لستُ وحدي .. فمعي كل السنابل والبلابل... ومعي كل الورود... ومعي كل المطارق والمناجل.. ومعي كل الدروب من الشمال إلى الشمال ومن الجنوب إلى الجنوب.. ومعي كل المحاسن والعيوب.. ومعي شمس الظهيرة.. ومعي صحراء عمري.. ومعي الليلة المطيرة... ومعي حب العذارى والعشيرة... وجموع الكادحين.. والجميل من السنين.. ومعي عشق الحسين... وقطيع المعصمين.. ومعي أطياف ذاك الحلم النازف قهرا.. شنقته فئران العصابة.. في زنازين الرذيلة.. ورجال الأمن أقاموا حفل شواء وعناقات الكؤوس تتحدى الصرخات، جسدي نار تلظت... ومعي آهات ظهري.. ومعي أوجاع عمري.. ومعي آهة صبري.. جيل قهري .. وبقايا  من دعاء الأمهات.

يا صديقي أنا من أيار يشرق بدري.. انا من باع الحياة  أملا بما هو آت.. جئت كي أعلن ذاتي... أنا من أعطى سنين العمر، واشترى شرف القضية، لم أرض بالدنية. انا شهر النور والأفراح.. أنا مفتاح الصباح.. أنا قصة الأجيال.. أنا ينبوع قضية.. أنا آهات الصبية.. ضحكة الطفل بصدري تتردد، وسنين العشق في بالي تعود وحكاياتي، وابنة الجيران والرفاق والزقاق والموت والحياة والعناق، خبأتها في تقويم الأول من أيار، أملا في أن يطلع النهار ويرحل الصبار وتفتح الوردات بتلاتها، ويلبس الأطفال أثواب عيدهم، ويشمخ الرجال. يا صديقي نسيت أن أخبرك أني أنا عيد الكادحين .. أنا عيد الأغلبية.. أنا قصة وقضية. فأنا أصرخ من تحت الأنقاض عل من يسأل عني يدري أني ضعت في زمن الطغاة، ومعي ضاعت حروف الحق وتاهت الأبجدية.

وشاءت إرادة الله أن لا أموت في تلك الواقعة، وأن أعيش لأرى أيام التغيير وأرى أحلام وآمال صديقي الشيوعي ضاعت كلها.. وضاعت القضية.. وضاع عيد الجائعين عيد الأغلبية.. وصدقت نبوءة صديقي الذي أجهل اسمه ولكن هناك ألف ذكرى له في خاطري منها ذكرى الأول من أيار أن التضحيات خدعة لا يشعر بتفاهتها إلا من خسر عمره من أجل لا شيء.

 

صالح الطائي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (10)

This comment was minimized by the moderator on the site

ابا ايمن الاستاذ الباحث القدير، وانا أقرا معاناتك، عشت آلامك وغربتك بين جدران الخوف والرعب. انه شرف كبير صمودك امام الطغاة والسفاحين، يكفيك فخرا انت خالد وهم غير مأسوف عليهم ذهبوا تلاحقهم اللعنات. دمت طيبا معافى ورمضان كريم، سلام عليك وعلى رفيق زنزانتك.

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي وصديقي العتيد
تحياتي ومحبتي ورمضان كريم
حفظكم الله تعالى ودمتم تنيرون طريق الحقيقة وأنتم تحرقون أصابعكم ليهتدي بنورها من ضل الهدف
أخي العزيز أنت وأنا وكل أبناء جيلنا عشنا تلك المأساة، إما مشاركة أو سماعا، أنا كتب لي أن أشارك فيها ثلاث مرات وفي كل مرة كنت أعتقد أنها الأخيرة لهول ما كنا نرى من العذاب والقسوة المفرطة والوحشية والدونية والحقارة.
الغريب أن تلك الأيام أعيدت إلى ذاكرتي عنوة بعد التغيير يوم خطفت عام 2006 وعذبت لمدة 13 يوما إلى أن من الله علي بالسلامة للمرة الرابعة وكأنه يدخرني لأمر ما.
لقد تحملت تلك التجارب لأنني كنت قويا والخوف كل الخوف أن تأتي الخامسة وأنا مجرد هيكل آيل للسقوط لا يقوى على حمل بعوضة
أخي النبيل شكرا لك وحياك الله وحفظك

صالح الطائي
This comment was minimized by the moderator on the site

كنت دائماً أتساءل أبو أيمن الطيب...‏
من أين لهذا الرجل أبو ايمن كل هذا السمو والنبل والطيبة والانفتاح...؟ ألانه ‏باحث إسلامي...؟ الكفيشي والبطاط والخزعلي والجزائري والفياض قابل ‏زنادقه...؟
‏ كنت أرد الأمر إلى الفطرة السمحة، لكن الفطرة مالم تداف وتعجن بالتجربة لن ‏تنتج سجايا وقواعد حاكمة لسلوك الأنسان، الآن وقفت على السبب...إنها قطع ‏القميص التي ينتزعها الأنسان من جلده ليضمد بها جراح أخيه الأنسان، وهي ‏الدموع العزيزة التي يمنحها الانسان لأخيه الانسان، وهي العذابات المشتركة ‏والآمال المشتركة والخيبة المشتركة وهي قبل هذا وذاك الروح الشفيفة التي ‏ينعكس عليها الضوء مثل مرآة صافية وليس مثل ثقب أسود...كل أيار وأنت ‏طيب أبو أيمن ‏

موسى فرج
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز أبا ياسر يسر الله أمرك وحفظك وأسعدك
لمداخلتك هذه قيمة عالية في روحي لأنها تؤكد لي أني أشغل من تفكيرك حيزا وهذا كرم من الله بالنسبة لي ونبل وعظمة بالنسبة لك
نعم أخي الحبيب ربتنا التجارب وعلمتنا القيمة الفعلية للإنسان دون النظر إلى معتقده ومنهجه، وقد خرجنا عن سننها مجبرين بعض الوقت بعد أن ضغطت علينا أحداث 2006ـ 2008 التي كنت أحد ضحاياها، ثم انتبهنا إلى أنها ليست الثوب الذي نريد أن نقابل الله تعالى به وهي الصحوة الحقيقية التي جعلتني أخفض رأسي لكل إنسان دون النظر إلى أي شيء آخر بعيدا عن إنسانيته.
وأنا أيها العزيز لا زلت أتذكر تلك القطع التي مزقها الشهيد من قميصه المتهرئ ليضمد بها جراحي النازفة فشعرت بأنه ضمد جراح قلبي أيضا ولذا أدعو له وأسأل الله أن يسامحه ويغفر له فقد ضيع وعذب
وأنا والله أيها الحبيب أبكي الآن واتخيل ملامح وجهه وتلك الدمعة الجريئة التي تتراقص في عينيه لتجبره على النزول فيكابر ويمنعها
هداك الله وهدانا ووفق الجميع وحفظكم
لك شكر بقدر محيتي لك

صالح الطائي
This comment was minimized by the moderator on the site

أود التهنئة بشهر رمضان أولا.
و ثانيا الإعراب عن دهشتي من هذه الطرق القديمة و غير الناجعة في لجم الإرادة و تحريف الحقائق.
التعذيب يمكن أن يلغي صورة إنسان من الوجود أو أن يردعه لكنه لن يلغي تطور الحاجة لمزيد من الحرية و العدالة.
ما دام هناك خطأ لن تنتهي المطالبة بتصحيحه و لن يتوقف التعذيب عند حد.
و هو ما قرأنا عنه لكافكا في مستعمرة العقوبات.
و لفاضل العزاوي في القلعة الخامسة.
و لجمعة اللامي في اليشن و غيرها..
إنما من عبث الأقدار أن يتحول الجلاد نفسه لضحية..
متى تنتهي لعبة التعذيب. و متى نتعلم الدرس من التاريخ..
أعاد الله عليك رمضان و أنت بصحة و عافية.
شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الأمجد الدكتور المسدد حفظكم الله
رمضان الخير والبركة عليكم وربي يحفظكم ويوفقكم
أخي العزيز حينما تكون العقول مغلقة وغير قادرة على استيعاب مستجدات العلوم لا تجد أمامها سوى هذا الموروث القبيح لتمارسه بسادية غريبة تنم عن عديد الأمراض النفسية والعقد التي يحملونها، ثق أن أحدهم كان حينما يضربني بالكيبل ويشاهده وقد أزاح الجلد وفرى اللحم يضحك وكأنه فاز بجائزة وكان على هذه الحال في كل مرة يقوم بها بتعذيبي ثم فجأة القوه معنا والدم ينزف من جميع أنحاء جسمه وهو يئن ويتوجع وحينما سألوه عن السبب تبين أنه أخبر جيرانهم بوجود ابنهم في الأمن العامة واعتبرت المديرية هذا الأمر خيانة عظمى.
كانوا عادة يوزعون علينا صباحا زبد عراقي للإفطار وكنا نحتفظ به للعلاج ودهن الجسم بعد التعذيب، حينها كان لدي علبة زبد احتفظت بها لأني كنت اتوقع أن يطلبوني للتحقيق وهذا يعني تعذيب جديد فلما رأيته بهذه الحال أعطيتها له وقلت: نحن في العادة يدهن لنا جماعتنا أما أنت فلا جماعة لك ولن أدهن لك لكي لا تعتقد أني خائف منك.
الخطأ لا زال موجودا وسيبقى والمطالبة بتصحيحه لا زالت باقية وستستمر وهذا يعني أن مسيرة التعذيب سوف تستمر أيضا وسيبقى الإنسان في كل جيل يتذكر قصة مثل قصتي فينشرها ربما ليرتاح من ثقل حملها لكنه حينها لن يجدني لأذكره بقصتي ولن يجد الدكتور الرزوق ليكتب له هذا الكلام الحكيم
مد الله في عمرك أخي ووفقك ولك جزيل الشكر والامتنان.

صالح الطائي
This comment was minimized by the moderator on the site

كل التقدير والإحترام لآلامك النبيلة السامقة
لم يعرف العالم أكثر جبناً ولؤماً وخسة ونذالة من أجهزة الأمن في عراق عتاة المجرمين، عراق انقلاب 1986 وحتى ما قبل هذا التأريخ الدموي.
لقد أثرتَ في روحي غضباً وعميق أسف على الطريقة السادية المروعة في التعذيب الذي تلقيتموه أنت وزميلك الشهيد النبيل

ودمت بعافية ورفعة وجمال

سامي العامري
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي العتيد العامري الطيب
لك خالص التحايا والتقدير
ثق أيها الصديق أن هذا لا يمثل سوى قطرة من بحر ما كان يحدث في تلك الدهاليز الفاجرة التي حاولنا تطهيرها بصرخات ألمنا فأفترستنا
دمت بألف خير وشكرا لمرورك الذي أسعدني

صالح الطائي
This comment was minimized by the moderator on the site

الرائع والاصيل أبا أيمن
هذه خصالك الطيبة وهذه روحكم المجبولة بالنقاء والصفاء والتواضع وحب الناس على مشارفهم الدينية والسياسية . هكذا تسمو بأخلاقك النبيلة . وانت الكبير وتبقى كبيراً بالاعتزاز الاخوي , وفي اشراقاتك الملهمة بالمعنى الغزيروالعميق .
ايها الاخ الحبيب : بما انت عانيت العذاب والاهوال في السجن والعذاب في زمن البعث الاسود . ولابد وانك تحمل المواقف والذكريات . من زمن البعث الفاشي . كهذا المقال الدرة في جوهره ومعناه الانساني. يا حبذا لو جمعتها في كتاب للنشر حتى يطلع عليه هذا جيل الشباب , ليعرفوا معنى الظلم والارهاب والفاشية , في احلك ظروفها السوداء , وبذلك تقدم خدمة كبيرة لهم
ودمت بخير وعافية ورمضان كريم

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الفاضل الأستاذ جمعة المحترم
مرحبا بك
قضيتان تؤرقاني منذ زمن طويل
الأولى: كتابة مذكراتي عن (3) مرات أعتقال واحدة بالكاظمية والثانية بالمحمودية والثالثة بالأمن العامة ولكن حجم الألم الذي أشعر به حينما اتذكرها يصرفني عنها.
والثانية: قضية اختطافي عام 2006 وبقائي رهينة لدى المجرمين 13 يوما ساموني خلالها سوء العذاب، ثم نصرني الله عليهم فتحررت وهم أعتقلوا ولكني لم أعاملهم بالمثل وتركتهم ولم أتابع موضوعهم، والسبب أنها تثير تقززي إذ من غير المعقول أن يكون داخل الإنسان هذا الكم من الحقد والكراهية.
لكني أروم خوض التجربة إن كان في العمر بقية
تحياتي واحترامي لحضرتك

صالح الطائي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4987 المصادف: 2020-05-01 04:40:42