 شهادات ومذكرات

منظرو الاقتصاد: ديفد ريكاردو (1772 – 1823)

مصدق الحبيبيعتبر ريكاردو من ألمع الاقتصاديين الكلاسيكيين وأبرز دعاة مذهب ألـ "ليزيه فـَي: Laissez-faire" حيث كان مدافعا جديا عن حرية التجارة وداعيا لالغاء الاسترقاق وهو الذي صرح مرة أمام الملأ بأن العبودية ستبقى وصمة عار في جبين الأمة، الامر الذي لم يكن سهلا التصريح به في العلن آنذاك. كان مؤثرا بافكاره في نظرية قيمة العمل، والاجور والارباح، ونظرية الريع، والامتيازات المقارنة وقانون تناقص العوائد الحدية ومبدأ التكافؤالاقتصادي الذي عرف باسمه.

ولد ديفد ريكاردو في لندن عام 1772 لأبوين يهوديين من أصل برتغالي. بدأ العمل مع والده في سوق الاموال بسن الرابعة عشر واكتسب معرفة وخبرة مبكرة في هذا المجال. وفي سن الواحد والعشرين ارتبط بعلاقة حب مع فتاة تنتمي لطائفة الاصحاب الكويكرز Quakers. ومن أجل ان يتزوجها اعتنق دينها المسيحي التوحيدي   Unitarian  مما اغضب والديه غضبا شديدا فقررا ان يفصما الارتباط العائلي به ويقاطعاه قطيعة تامة ولم يكلماه حتى وفاتهما.  استمر ريكاردو بالعمل في بورصة الاموال ونجح فيها نجاحا باهرا حتى انه جمع ثروة طائلة فتقاعد عن العمل وهو بسن41 ليتفرغ لدراسة الاقتصاد وكذلك للعمل كعضو في البرلمان الانكليزي في آخر أربع سنوات من حياته القصيرة التي انتهت بسن 51 سنة.

1494  ديفد ريكاردوفي عام 1799 وعندما كان ريكاردو بعمر 27، قرأ كتاب ثروة الامم لآدم سمث واعجب به ايما اعجاب فتفجرت فيه الرغبة لمعرفة المزيد عن الاقتصاد ودراسته ذاتيا. وبعد 11 سنة من الدراسة المستفيضة نشر مقالته الاقتصادية الاولى عام 1810 التي أوضح فيها ان التضخم الذي يعاني منه الاقتصاد الانگليزي كان بسبب فرط البنوگ في اصدار الاوراق النقدية ومنح القروض اثر احداث الحرب مع فرنسا وامتناع البنگ الانگليزي عن اسناد الاوراق النقدية بالذهب. وقد أوضح  ريكاردو بان انخفاض قيمة الباوند الانگليزي وسعر الصرف أثر على مدخلات ومخرجات الذهب، الامر الذي يدعو لتعديل السياسة المصرفية. ونتيجة لاصراره ادركت اللجنة المالية في البرلمان صحة مايقول فاوصت الحكومة اخيرا باعادة النظر في سياستها النقدية. كانت توضيحات ريكاردو في هذا الشأن النواة الاولى لتطور النظرية الكمية للنقود فيما بعد.

في عام 1815 أصدر ريكاردو دراسته حول تأثير أسعار الذرة المنخفضة على عوائد الاسهم المالية في السوق وتأثير فرض التعريفة على الحبوب المستوردة مما ترتب عليه ارتفاع ريع الاراضي وانخفاض ربح المنتجين. وفي هذه الدراسة ناقش ريكاردو ما سيصبح بعدئذ قانون تناقص العوائد الحدية Diminishing Marginal Return وهو ربما من أهم الادوات التحليلية في أرث الاقتصاد الكلاسيكي.

ينص هذا القانون على ان الاضافة المتكررة لاحد عوامل الانتاج وابقاء العوامل الاخرى ثابتة سيؤدي في المدى القصير الى هبوط الانتاجية. ففي القطاع الزراعي مثلا، اذا عملنا على زيادة عنصر العمل اما بزيادة عدد المزارعين او زيادة ساعات العمل في نفس قطعة الارض واستخدام نفس الادوات ونفس الطرق ونفس الادارة  فان زيادة العمل سوف لن تنفع بل انها ستصبح ضارة بانقاص الانتاجية أو بمعنى ادق تناقص الزيادة في المحصول كلما استخدمنا وحدة عمل اضافية. 

ربما كان ريكاردو أول من انتبه الى الريع كواحد من مدفوعات الانتاج الذي لايتطلب اي نشاط انتاجي كما تتطلبه المدفوعات الاخرى (الاجور والفائدة والربح) بل يتطلب فقط ملكية الاراضي. ومن هنا استنتج ريكاردو بان الفلاحين سيميلون الى استئجار الاراضي الاكثر انتاجية طالما ان سعر محصول ما لايختلف اذا كان ذلك المحصول منتجا من ارض اقل او اكثر انتاجية! لكن ذلك سيعني ان من سيستفيد من هذه الميزة في نهاية الامر هم ملاك الاراضي اكثر مما يستفيد المزارعين. أثبتت هذه النظرية اليوم صحتها حيث يوصي الاقتصاديون المعاصرون ضد سياسة دعم اسعار المحاصيل الزراعية لمساعدة الفلاح الذي يستأجر ارضه لان من يقطف الثمرة سيكون في نهاية المطاف من يملك الارض. على ان العامل الطبيعي لزيادة الريع يبقى ارتفاع حجم السكان الذي سيزيد من استخدام الاراضي للزراعة من اجل تأمين الحاجة للغذاء.

وخلال معارضته لقانون حماية الذرة في انكلترا، صاغ ريكاردو نظرية الامتيازات المقارنة      Comparative Advantages  التي تفيد بأنه خلال التبادل التجاري الدولي سيكون من الحكمة ان تستورد كل دولة ما يكلفها اكثر حين تنتجه بنفسها محليا، ولا يقتصر الامر على التعويل فقط على الامتيازات المطلقة التي قد تحظى بها دولة ما، بل يصح الامر ايضا اذا كان للدول التي تتبادل السلع امتيازات نسبية مقارنة.

في عام 1817 صدر مؤلفه الرئيسي الذي احتوى على اغلب آرائه الاقتصادية بتفصيل أكثر. كان عنوان هذا الكتاب "مبادئ الاقتصاد السياسي والواجب الضريبي" الذي ناقش فيه نظريتي الانتاج والتوزيع وقضايا عديدة منها العلاقة بين مدفوعات الانتاج حيث اشار الى ان الارباح ترتبط بعلاقة عكسية مع الاجور، فكلما تزداد الارباح تنخفض الاجور التي ترتبط بكلفة الضروريات صعودا ونزولا، أي انها تبقى مع حد الكفاف. يتفق ريكاردو الى حد بعيد مع سمث ومالثس لكنه يتحدث بنطاق اضيق واكثر وضوحا ومع حس اجتماعي اوسع. فهو يدافع مثلا عن نظرية قيمة العمل مؤكدا بان قيمة السلعة تتقرر بكمية العمل المبذول في انتاجها ولكن بغض النظر عما اذا كانت مكافأة العمل (الاجور) مجزية أم لا! كما اكد على انه لكي تتساوى الكلفة مع قيمة المنتوج، على الكلفة ان تعني الكلفة الكلية للانتاج بما في ذلك ربح المنتج. فاذا احتاج النجار ساعتين من العمل لصنع سرير خشبي واربع ساعات لصنع كرسي فان قيمة كرسي واحد ستساوي قيمة سريرين لكن ذلك لايعني ان كلف الانتاج في الحالتين ستكون مساوية لما يتقاضاه النجار من اجور ذلك ان الكلفة ستكون كلفة الانتاج الكلية اي مجموع مدفوعات الانتاج للعوامل الاخرى.  هذه هي القضية التي انتقدها ماركس وبنى بموجبها ما سيكون بعدئذ الاقتصاد الماركسي.

من الافكار الاخرى التي استنبطها ريكاردو موضوعة التكافؤ التي سميت باسمه "التكافؤ الريكاردي Ricardian Equivalence  والتي تنص على ان ليس هناك فرق بين تمويل الحكومة للمشروعات عن طريق مايتراكم لديها من ضرائب او عن طريق الاستدانة واحداث العجز في الميزانية ذلك لان تأثير الوسيلتين على الاقتصاد سيكون متساويا. ولذا فان من الحكمة ان يعي ذلك دافعو الضرائب بل يراقبوا ويشترطوا ان يكون هناك كمية ادخار مساوية للعجز من اجل ان يكون صافي التأثير على الانفاق صفرا.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4992 المصادف: 2020-05-06 13:38:32