 شهادات ومذكرات

منظرو الاقتصاد: جِرَمي بنثــَم

مصدق الحبيب(1748 1832Jeremy Bentham)

هو الفيلسوف القانوني والاقتصادي والمصلح الاجتماعي الانكليزي الذي يعتبر من المؤسسين الاوائل للقانون الانكلو-امريكي، وأول من جاء بموضوعة المنفعة Utility ، أحد الدعامات الاساسية في بناء علم الاقتصاد.  كان بنثم علما بارزا من اعلام الليبرالية التقدمية، معروفا بايمانه الذي لايتزعزع بمفاهيم سبق فيها زمانه. فبالاضافة الى ايمانه بحرية التجارة والاقتصاد والحرية الفردية والصحافة والنشر والتعبير، فانه كان مدافعا مخلصا عن معتقدات لم تكن مألوفة آنذاك كفصل الدين عن الدولة، ومساواة النساء بالرجال، وحق الطلاق، وحقوق المثليين وحقوق الاطفال، وربما كان من اوائل من تكلموا عن حق الحيوان وواجب الرفق به.  وهو الذي دعا الى الغاء العبودية وتحريم حكم الاعدام والتعذيب الجسدي والنفسي. كما انه كان من أوائل من سخفوا فكرة القوانين الطبيعية Natural Laws اللاوضعية المستمدة من الشرائع المقدسة حتى انه كان يصفها بالتفاهة والابتذال.  ولذا فقد قاد بنثم اصلاحات قانونية ومدنية كثيرة في المحاكم والمدارس والسجون وقدم خدمات قانونية عديدة للبرلمان الانكليزي.

ومما يعتبر غريبا عن بنثم هو وصيته التي افصح فيها عن رغبته بمنح جسده للتشريح والتحنيط والاحتفاظ بجثته المحنطة كذكرى. وقد نفذت وصيته حيث مايزال يعرض الى اليوم، وبعد قرابة قرنين من الزمن، رأسه الموميائي المحفوظ في صندوق زجاجي عند مدخل نادي الطلبة في جامعة كلية لندن التي تعتبر بنثم اباها الروحي وتنسب اليه رسالتها التعليمية.

1500  بنثمولد بنثم عام 1748 في لندن لعائلة موسرة موالية سياسيا لحزب التوري. ومنذ عمر مبكر بدأت على الطفل جرمي علائم العبقرية. فقد تمكن من القراءة قبل سن المدرسة بل انه قرأ اجزاء التاريخ الانكليزي. وفي سن السابعة تعلم اللغة اللاتينية بطلاقة. وفي الثانية عشرة من عمره دخل أوكسفورد وحاز على ماجستير في القانون منها وهو بسن الثامنة عشرة. بعد تخرجه من الجامعة اختار ان لايمارس المحاماة او اي وظيفة قانونية بل فضل الاتجاه الى نقد القانون واكتشاف مواضع الخلل فيه وتقديم المعالجات الناجعة لاصلاحه.

عرف بنثم بكثرة نقاشاته الفكرية ومراسلاته مع الرجال اللامعين في عصره امثال آدم سمث وتوماس مالثس وجان ستيوارت مل. وكذلك مراسلاته مع رجال الثورة الفرنسية وخاصة ميرابو   Mirabeau . وعلى أثر تعاطفه وتأييده للثورة الفرنسية فقد منح الجنسية الفرنسية الفخرية، لكن ذلك لم يثنيه عن توجيه الانتقاد اللاذع لموجة العنف التي رافقت الثورة. كما امتد تعاطفه ووصلت مراسلاته الى ثوار امريكا اللاتينية وخاصة مراسلاته مع فرانسسكو ميراندا Francisco de Miranda

في عام 1789 صدر كتاب بنثم الموسوم "دليل الاقتصاد السياسي" لكن اغلب ما جاء فيه واغلب ما شغل بال بنثم وحاز على طاقته ونشاطه في الحقيقة هو شؤون الدولة وادارتها وما ينبغي ولا ينبغي ان تفعل من اجل الشعب، والقانون وتطبيقه والاصلاح من اجل العدالة وطبيعة العقاب والثواب . لكن في كتابه الاخر الصادر عام 1800 والموسوم " مبادئ السلوك الاخلاقي والتشريع" جاءت موضوعة المنفعة التي كانت اثمن ما استعار الاقتصاد من بنثم والتي كانت النواة لصياغة مذهب المنفعة القائل بأن هدف كل التشريعات الانسانية وبالتالي واجب الدولة ينبغي ان يكون تحقيق اقصى قدر من المنفعة (السعادة والرضا) لاكبر عدد ممكن من السكان. ومن هنا تطورت بعد ذلك في الاقتصاد دراسة طرق ايجاد المديات القصوى والدنيا  Maxima and Minima للاشباع عند الفرد والمؤسسة والمستعارة من علم الرياضيات. عرف بنثم المنفعة بانها “خاصية الاشياء التي لها القدرة على انتاج المتعة واللذة والرضا عند الانسان من جانب كما لها ايضا القدرة على انتاج الالم والاستياء من جانب آخر، ذلك ان الانسان محكوم طبيعيا بحافزي اللذة والالم”. ولذا فقد اقترح بنثم معيارا للمنفعة والضرر صنف فيه 14 حافزا للذة والمتعة و12 حافزا للألم والاستياء مع اعتبار متغيرات عديدة منها شدة وكثافة اللذة والالم ومدة التعرض لهما ومصداقية الشعور بهما والعوامل الاخرى المتداخلة فيهما.  وكان اهم تطبيقات الفكرة لديه هو تأثير التشريعات والقوانين على الناس. أي تقدير مدى فائدة وضرر اي تشريع تتخذه الدولة من خلال استجابة الشعب له. ولم يغب عن بال بنثم حضور تناقص المنفعة الحدي كقانون اقتصادي عند الاستمرار باكتساب المنفعة، ليس فقط عند تطبيقه على استهلاك السلع بل يصح تطبيقه في موضوع اكتساب الخير ايضا، الامر الذي يعطي درسا بليغا في السياسة الاقتصادية. فمثلا، ان من الطبيعي ان تكون الزيادات المتكررة للخير لرجل موسر الحال اقل وطأة على سعادة ورضا الرجل مقارنة بتأثيرها فيما لو اعطيت لرجل معدم الحال حيث ستكون فائدتها عظمى رغم انها تتناقص ايضا مع استمرار اكتساب وحدات اضافية منها.

ولم يقتصر اهتمام بنثم بالمنفعة بل تعداه الى مواضيع مهمة ذات تأثيرات كبيرة في التطبيقات الاقتصادية كالنقود والمال والبنوك، والاستهلاك والادخار والعمالة والبطالة وافكار اخرى اصبحت فيما بعد مادة اساسية في نظرية اشباع المستهلك وكذلك في بناء نظرية اقتصاد الرفاه Welfare Economics

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4995 المصادف: 2020-05-09 02:15:01