 شهادات ومذكرات

قاسم عبده قاسم: فيلسوف في معية المؤرخين (2)

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأنه ليس الهدف من النقد بيان العيوب والمثالب، وهو المعني الدراج الشائع في الثقافة الشعبية، بل كما قال أستاذنا حسن حنفي، هو وضع المفكر وعمله في مرحلته التاريخية، من أجل تطوير الجيل اللاحق للجيل السابق، وهذا أكبر دليل علي الوفاء، استمرار عمل الأجيال في إعادة صياغة المشروع الفلسفي الجماعي لمرحلة تاريخية بأكملها، هو عصير النهضة العربي منذ القرن الماضي. أما النكران والجحود، فهو في الإهمال عن غير قصد، والاستبعاد عن قصد، وبالتالي قطع الشرايين من القلب، وتجفيف النهيران، حتي لا تصب في النهر الكبير.

ومن هذا المنطلق نعود ونكمل حديثنا عن رؤية الدكتور قاسم عبده، حول حصاد الفكر التاريحي العربي، وهنا يمكننا القول:  كانت الصدمة الثانية التي حركت ركود الفكر التاريخي في نظر قاسم عبده  متمثلة في الثورة العرابية وتطورات الأحداث التي انتهت بالاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882م. وفيما بين صدمة الحملة الفرنسية في السنتين الأخيرتين من القرن الثامن عشر وأولى سنوات القرن التاسع عشر، وصدمة الاحتلال البريطاني في العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، بدأ الفكر التاريخي محاولة الخروج من ركوده وأنماط الكتابة التقليدية.

لكن الاحتلال أوجد واقعاً جديداً كما يقول قاسم عبده، وكان حادثة غير مسبوقة في تاريخ مصر الإسلامية، ومن ثم فإن هذا الحادث غير التقليدي، كان يتطلب تناولاً غير تقليدي أيضاً. وبرزت في هذه الفترة كما يقول قاسم عبده كتابة المذكرات السياسية التي كتبها زعماء الثورة العربية، وكانت هذه الكتابات لوناً جديداً من ألوان الكتابة التاريخية، لعله كان الجديد الوحيد في مجال الفكر التاريخي العربي حتى ذلك الحين.

كان الاحتلال الانكليزي، كما ذكر قاسم عبده، من أهم أسباب اثارة الوعي التاريخي في مصر في بدايات القرن العشرين، حين استخدم الانكليز التاريخ لتبرير احتلالهم مصر واستمرار حكمهم. وعلى الجانب الآخر استخدم المصريون التاريخ باعتباره أحد أسلحتهم في مقاومة الاحتلال وسلطانه. وهنا يقول قاسم عبده : بيد أننا يجب أن نلاحظ أن معظم الكتابات “التاريخية” التي ظهرت في تلك الفترة لم تكن “دراسات تاريخية” بقدر ما كانت نوعاً من “الشهادات” والمذكرات”. ويمكن القول في نظر قاسم عبده أن الدراسة الأكاديمية للتاريخ لم تبدأ في مصر، ومن ثم في العالم العربي، سوى بعد إنشاء الجامعة المصرية سنة 1908، ثم تحولها الى جامعة حكومية سنة 1925.

وفي كلية الآداب في الجامعة المصرية، كان قسم التاريخ كما يقول قاسم عبده، الأقسام الخمسة وهي: التاريخ، واللغة العربية، واللغات الشرقية، وقسم اللغات الأوروبية، وقسم الفلسفة. ويذكر أن بداية الدراسة الاكاديمية للتاريخ في العالم العربي، كانت مقترنة بتبعيتها لفكرة التاريخ الأوروبية، وتقسيمات التاريخ حسب الرؤية الاوروبية، إذ كان من الطبيعي أن يقوم الاساتذة الاجانب بتنظيم الدراسة في كلية الآداب، ولم يكن قسم التاريخ استثناء في ذلك. وكانت الانكليزية والفرنسية، وغيرهما من اللغات الاوروبية كما يقول قاسم عبده، لغة التدريس في الجامعة مثلما كانت الانكليزية لغة التعليم بالمدارس الثانوية، وظل قسم التاريخ تحت رئاسة الأساتذة الأجانب حتى سنة 1936.

وكان من المستحيل عليهم أن ينسلخوا عن ثقافتهم، ومن تراثهم التاريخي، كما يقول قاسم عبده، ولم يكن ممكناً أن يخرجوا عن إطار فكرة التاريخ الاوروبية. وظلت عيوب النشأة تلازم الدراسة التاريخية في العالم العربي حتى الآن سواء، من حيث فكرة التاريخ، أو من حيث فلسفته، أو من حيث تقسيم العصور التاريخية. وربما كانت الفائدة الإيجابية الوحيدة في نظر قاسم عبده في هذا المجال متمثلة في تطور منهج البحث التاريخي الذي نقل دراسة التاريخ في العالم العربي من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة حقاً.

بدأت مشكلة تكوين المؤرخ العربي، والمفكر العربي في نظر قاسم عبده، من خلال الحيرة التي عاناها بين الانبهار بمنجزات الحضارة الأوروبية الغالبة من ناحية، ومحاولة البحث عن الذات الحضارية والهوية الثقافية في مواجهة قوى الاستعمار والتسلط الأوروبي من ناحية أخرى.

كانت فكرة التاريخ، من حيث الوعي بالذات وبالآخر، ومن حيث إدراك دور الجماعة في الكون وعلاقتها بالجماعات الإنسانية الأخرى كما يقول قاسم عبده، هي الباعث وراء تقسيم العصور التاريخية من جهة، وتوزيع مناهج الدراسة التاريخية من جهة أخرى. ومن ثم فإنه كان طبيعياً أن ينقل الأجانب فكرة التاريخ الأوروبية إلى رحاب الجامعة المصرية، ولكن الذي لم يكن طبيعياً في نظر قاسم عبده أن يقتصر تعريب الدراسات التاريخية على اللغة من دون المفهوم والجوهر الذي يحرك الدراسات التاريخية ويحدد أطرها ومجالها.

ولم ينجح الجيل الذي تولى المسؤولية بعد الأجانب كما يعلن قاسم عبده سوى في طرح وجهة نظر مصرية في مواجهة الكتابات الأوروبية، ولكن صياغاتهم لبرامج الدراسة تمركزت على محورين أساسيين هما مصر وأوروبا. ولم يكن تاريخ الوطن العربي، الذي تنتمي مصر إليه كما يذكر قاسم عبده قاسم، يحظى إلا باهتمام قليل، على حين تركز الاهتمام على تاريخ أوروبا وحوض البحر المتوسط، ولم يكن ثمة اهتماماً بتاريخ آسيا أو افريقيا، أو تاريخ الأميركتين. وانتقلت هذه البرامج، بطبيعة الحال، إلى كل من جامعة الاسكندرية وجامعة عين شمس بعد انشائهما. ومن الجامعات المصرية الثلاث انتقل هذا المفهوم كما يقول قاسم عبده إلى الجامعات العربية، مع تعديلات اهتمت بالتواريخ الوطنية والمحلية، ووسعت من دائرة الاهتمام بتاريخ الاسلام والحضارة العربية الاسلامية.

تخرج العدد الأكبر من المؤرخين العرب الحديثين من أقسام التاريخ في الجامعات المصرية، وعلى أكتافهم قامت أقسام التاريخ في الجامعات العربية في سورية والعراق والأردن ومنطقة الخليج والسودان ومنطقة المغرب العربي، وإلى جانب الذين تخرجوا في الجامعات المصرية والعربية كما يقول قاسم عبده نجد أجيالاً جديدة تخرجت من الجامعات الأوروبية والأميركية. واستمرت رؤيتهم للتقسيمات التاريخية على النمط الأوروبي نفسه، وظل تركيزهم على تاريخ العلاقات العربية – الأوروبية بشكل أكبر من اهتمامهم بالدوائر التاريخية الأخرى في آسيا وافريقيا.

بيد أن هناك تطوراً مهماً يستحق الرصد في نظر قاسم عبده، فقد زاد الاهتمام بتاريخ الحضارة العربية إلى دراسة التاريخ المحلي لكل قطر من الأقطار. وفي المقابل تراجعت الدراسات الخاصة بتاريخ العرب كما يقول قاسم عبده باعتبارهم أمة واحدة أمام الدراسات القطرية والمحلية. وحرصت كل دولة على أن يكون تاريخها محوراً لتوزيعات المناهج في الجامعات. ووجدنا أنفسنا أمام كفتي ميزان غريب، إحداهما تهتم بالتاريخ الإسلامي في عصر ازدهار الحضارة العربية الاسلامية، والثانية تركز على الذات المحلية، أو القطرية. بل والقبلية في بعض الأحيان. وبينهما تضاءل الاهتمام بتاريخ العالم، والحضارات المجاورة، كما اختفى الاهتمام بتطور علم التاريخ، وفلسفته، ومناهجه. ولم تعد للدراسات النظرية في علم التاريخ تلك الأهمية التي بدأت بها الدراسات التاريخية في الوطن العربي.

وهنا يقول قاسم عبده : في وسعنا ان نقدم تقسيماً عاماً للاتجاهات التي سادت في مجال الدراسات التاريخية منذ الثلاثينات وكان ذلك انعكاساً للتيارات والتطورات السياسية في العالم العربي.

1- الاتجاه المتأثر بالفكر الغربي، وينقسم إلى:

أ - أتباع المدرسة الانكليزية الذين تأثر غالبيتهم بآراء أصحاب نظرية البطل في التاريخ ممن ساروا على درب ت. كارليل. وكان الرعيل الأول من المصريين الذين درسوا في أوروبا في الثلاثينات، وتلاميذهم في مصر والعالم العربي، وراء هذا الاتجاه الذي ما تزال آثاره ماثلة حتى اليوم. وازدهرت هذه الاتجاهات في النصف الأول من القرن العشرين.

ب هناك عدد ممن تأثروا بآراء الألماني ليوبولد فون رانكه ومدرسته التي لا ترى التاريخ إلا من خلال الوثائق، وهي مدرسة حاولت أن تجعل من التاريخ علماً بمقاييس العلوم الفيزيقية، فاستبعدت كل ما لا يجد سنداً له من الوثائق والأدلة الصارمة، وحبست نفسها في إطار نمط من الموضوعية الزائفة. ولا يزال بعض المشتغلين بالتاريخ في العالم العربي يرى أن هذه هي الوسيلة المثلى لدراسة التاريخ، ويظن هؤلاء وأولئك أن التاريخ دراسة تحاول أن تسترد صورة ما حدث في الماضي “بالضبط”.

وتأثر عدد بأفكار ونظريات أرنولد توينبي عن التحدي والاستجابة كما يري قاسم عبده، وهذه النظرية هي القطب المعاكس للتفسير الماركسي للتاريخ الذي بدوره استقطب عدداً من العقول العربية فبرز تيار يحاول دراسة التاريخ المصري والعربي من وجهة نظر التفسير الماركسي.

وشكّل القوميون المؤمنون بفكرة الوحدة العربية كما يعلن قاسم عبده رافداً مهماً من روافد الفكر التاريخي في العالم العربي، ومن ثم تركزت دراساتهم على هذا الجانب، وانتجوا عدداً من المؤلفات التاريخية، ولكن أهم إسهاماتهم تمثلت في نشر كتب التراث التاريخي العربي. وازدهر هذا الاتجاه طوال فترة المدّ القومي في النصف الثاني من القرن العشرين، ومن ناحية ثانية ظهرت في الآونة الأخيرة اتجاهات إسلامية عالمية طبعت الدراسات التاريخية بطابع البحث في التراث التاريخي لتأكيد الرؤية السلفية التي تؤكد عالمية التاريخ الإسلامي.

ثم ظهر التخصص في أنماط الكتابة التاريخية، وهنا يقول قاسم عبده: فوجدنا دراسات متزايدة في مجال “التاريخ الاجتماعي”. و”التاريخ الاقتصادي”، كما تصاعد الاهتمام بتاريخ النظم والمؤسسات، والتاريخ الحربي وتاريخ الفن والتاريخ الثقافي “التاريخ الحضري – تاريخ المدن” وكذلك تزايد عدد الكتابات التي تهتم بعلم التاريخ نفسه، وإن كان أغلبها مترجماً عن اللغات الأوروبية.

وقد كان للمؤسسات المهتمة بالدراسات التاريخية أثرها الواضح في تطور هذه الدراسات في العالم العربي خلال القرن العشرين، إذ تم كما يقول قاسم عبده تنظيم دور الوثائق، ومراكز نشر التراث، ومراكز الدراسات والبحوث في كل أنحاء العالم العربي، وفي خارجه أيضاً. وتعددت الدوريات التي تخصصت في الدراسات التاريخية، سواء تلك التي تصدرها الجامعات أو تلك التي تصدر عن الجمعيات والاتحادات المهتمة بدراسة التاريخ.

وقد كان للتطورات السياسية أثرها في تطور الدراسات التاريخية أيضاً، إذ أنتجت كما يقول قاسم عبده فترة الكفاح ضد الاستعمار كتابات تاريخية عديدة عن قضية الاستقلال. وظهر المؤرخون الوطنيون والقوميون والاسلاميون. وعندما عقد السادات معاهدته مع اسرائيل، وما أعقب ذلك من انحسار للفكر العربي برز إلى السطح تيار يركز على التواريخ المحلية كما يقول قاسم عبده، وظهرت كتابات تعادي الأفكار القومية العربية على مستويين:

أ - التاريخ الجزئي لكل منطقة بل دراسة تاريخ الطوائف العرقية والدينية.

ب - التاريخ الكلي الشامل من منظور الجماعات السياسية الدينية التي تعادي الفكرة الوطنية والقومية وتنادي بنمط من الأممية الإسلامية.

بيد أن ما يلفت النظر، أن الصراع العربي- الصهيوني أفرز تياراً جاداً يبحث في الأصول التاريخية للمسألة من ناحية، ويحاول دراسة العلاقات بين العالم العربي والغرب الأوروبي من منظور الصراع العربي – الإسرائيلي من ناحية أخرى. إذ أن الدراسات التاريخية كانت وسيلة من وسائل النضال العربي ضد الصهيونية على جبهة المواجهة الثقافية. والناظر في تراث الدراسات التاريخية التي تدور حول الصراع العربي – الاسرائيلي، والعلاقات العربية – اليهودية منذ فجر التاريخ، سيلاحظ بسهولة أن هذا الحادث التاريخي المستمر منذ 1948 حتى الآن كان حافزاً ايجابياً في تطور البحث التاريخي في العالم العربي من وجوه عدة.

ويختتم قاسم عبده قاسم كلامه فيقول : خلاصة ما يمكن قوله أن القرن العشرين ترك في العالم العربي تراثاً كمياً ونوعياً كبيراً من المعرفة التاريخية يمكن أن يقودنا الى بناء فكرة التاريخ العربية التي تجسد رؤيتنا لتراثنا ودورنا في الكون وعلاقاتنا مع الآخر.

وأخيراُ وعلي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية الدكتور قاسم عبده قاسم بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر مبدع في أعمال كثيرة ومتنوعة، ونموذج متفرد لأستاذ جامعي نذر حياته بطوله وعرضه لخدمة الثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمت من جهود.

تحيةً لقاسم عبده قاسم الذي  لم تستهويه السلطة، ولم يجذبه النفوذ، ولكنه آثر أن يكون صدى أميناً لضمير وطني يقظ وشعور إنساني رفيع، وسوف يبقى نموذجاً لمن يريد أن يدخل التاريخ من بوابة واسعة متفرداً .

بارك الله لنا في قاسم عبده قاسم قيمة جميلة وسامية في زمن سيطر عليه "أشباه المفكرين" (كما قال أستاذي عاطف العراقي)، وأمد الله لنا في عمره قلماً يكتب عن أوجاعنا، وأوجاع وطنناً، بهدف الكشف عن مسالب الواقع، والبحث عن غداً أفضل، وأبقاه الله لنا إنساناً نلقي عليها ما لا تحمله قلوبنا وصدورنا، ونستفهم منه عن ما عجزت عقولنا عن فهمه.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

مقالة معتبرة عن مؤرخ وعالم صاحب مدرسة في الكتابة التاريخية وما قدمه ويقدمه يخدم تطوير علم التاريخ والكتابة التاريخية تحية تقدير للأستاذ الدكتور محمود محمد علي ولأستاذي الجليل الاستاذ الدكتور قاسم عبده قاسم

د. فتحي عبد العزيز محمد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5036 المصادف: 2020-06-19 03:47:24