 شهادات ومذكرات

زبيدة عطا والأبعاد الحقيقية لأزمة سد النهضة (1)

محمود محمد عليعرفت الأستاذ الدكتور "زبيدة محمد عطا" (أستاذ تاريخ العصور الوسطي وعميد كلية الآداب – جامعة حلوان السابق) منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، وذلك عندما عُينت مدرساً بقسم الفلسفة في جامعة حلوان، كانت وقتها تشغل منصب وكيل الكلية لشؤون التعليم والطلاب، ولا أنسي عندما احتفت بي عند  استلامي للتعيين، ومنذ تلك اللحظة وتجمعني بها وإلي الآن علاقة طيبة .

وتعد زبيدة عطا (مع حفظ الألقاب) أحد أهم وأشهر الأساتذة الجامعيين الذين استطاعوا بحوثهم ومؤلفاتهم أن ينقلوا البحث في تاريخ اليهود في العصور الوسطي من مجرد التعريف العام به، أو الحديث الخطابي عنه – إلي مستوي دراسته دراسة موضوعية، تحليلية – مقارنة . وقد كانت في هذا صارمة إلي أبعد حد: فالنص التاريخي لديها هو مادة التحليل الأولي، ومضمونه هو أساس التقييم، والهدف منه هو الذي يحدد اتجاه صاحبه.

علاوة علي أنها وطنية، عاشقة لتاريخ بلادها، تتميز بالصبر والتحدي، تجيد التصرف في المواقف الحرجة، مشهود لها بحبها الكبير والعظيم لمصر وغيرتها الشديدة علي تراثها من الحضارة، صادقة وصاحبة شخصية جذابة، تخطف أبصار وقلوب كل من يتعرف عليها. عندما تتحدث يصمت الجميع، ليس عن جاذبية حديثها النابعة من غزارة علمها ومعرفتها وروعة منطقها في تحديد ما وراء الأسباب والنتائج .. أفكارها وكتاباتها من طراز نادر، وتعد مؤلفاتها من أبرز وأكبر المراجع التاريخية والسياسية محلياً، واقليمياً، وعالمياَ في قضايا حساسة ومهمة من منظور تاريخ العصور الوسطي.. ناجحة في عمل العديد من المقارنات التاريخية حول أوضاع المصريين عبر العهود المختلفة للبحث عن الهوية المصرية للفلاح المصري والقبطي المصري، سواء في العهد المسيحي أوبعد الفتح الإسلامي، فتمكنت من رسم ملامح الشخصية المصرية عبر العصور المتعاقبة.. كانت عاشقة  للقراءة منذ نعومة أظفارها وليس أدل علي ذلك من حفظها معظم ما قاله وليم شكسبير وهي طفلة لم تبلغ الحلم .. وأمور كثيرة يطول حصرها..

كانت زبيدة عطا تعشق الشخصيات التاريخية، وأعظم شخصيتين أعجبت بهما "زبيدة عطا" شخصية كليوباترا، وشخصية الاسكندر الأكبر، وكان ذلك من أسباب ارتباطها بدراسة التاريخ علي حد علمي.. فأما كليوباترا فقد كانت تنظر "زبيدة" إليها علي أنها تمثل شخصية ذكية، وأول ملكة مصرية من أصل يوناني تقربت إلي المصريين، وعرفت لغتهم، وكانت تجيد عدة لغات، وكانت ذكية جداً، ومثقفة جداً وعند أُحرقت مكتبة الإسكندرية في عهدها، كانت الهدية التي قدمها لها "أنطونيوا" حوالي 280 ألف نسخة من مكتبة "برجاما" كي يعوض لها المكتبة المحروقة، وكانت سياسية من طراز فريد وفيها ميزات رائعة لا حصر لها ... وأما الإسكندر ذلك الشاب الصغير، والذي تمكن من أن يفتح العالم، وكان يتعامل مع الشعوب من واقع منظور إنساني، فعندما جاء إلي مصر، ذهب إلي معيد واحة سيوه، ليقدم القرابين للآلهة المصرية، كي يتقرب إلي الشعب المصري، وهو شخصية مثقفة، وإنسان ذكي، وقائد محنك ومتميز.. وكل هذه الأمور اجتمعت في شخص واحد برغم من موته المبكر، حيث مات وعمره 37 سنة

ولدت الأستاذة الدكتورة زبيدة محمد عطا في يوم العاشر من شهريوليو عام 1944، بحي الروضة بالقاهرة وتلقت تعليمها بمدارسها، (وهي الطفلة الوحيدة بجانب عدد أثنين من الأولاد)، ثم التحقت بكلية الآداب بقسم التاريخ جامعة القاهرة؛ حيث حصلت علي ليسانس الآداب عام 1964م. وأكملت دراساتها العليا بجامعة القاهرة؛ فحصلت علي الماجستير عام 1969ن، ثم الدكتوراه في تاريخ العصور الوسطي في عام 1972، وعملت كمدرس بقسم التاريخ بكلية الآداب جامعة المنيا  في شهر يوليو عام 1973م، ثم أستاذ مساعد عام 1978م، ثم أستاذ بذات الجامعة 1983م.. تم إعارتها كرئيس لقسم التاريخ بجامعة الملك عبد العزيز بالمملكة العربية السعودية، وبعدها عادت إلي مصر، واستمرت بالتدريس بالجامعة، حتي أصبحت عميداً لكلية الآداب بجامعة حلوان من عام 1999 حتي عام 2004، ومازالت تعمل بها للآن كأستاذ متفرغ لتاريخ العصور الوسطي .. متعها الله بالصحة والعافية.

حصلت زبيدة عطا علي عضوية العديد من اللجان والجمعيات العامة، منها عضو في مكتبة الإسكندرية، عضو في مؤتمرات الإصلاح العربي، وعضو بالمجلس الأعلى للثقافة والفنون ولجنة التاريخ، وعضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، وعضو مجلس إدارة اتحاد المؤرخين العرب، وعضو اتحاد الأثريين العرب، وعضو تقييم مادة التاريخ بالمراحل الإعدادية والثانوية بوزارة التربية والتعليم، وعضو لجنة تحكيم جوائز الدولة التقديرية، وجوائز الدولة  للتفوق العلمي، وعضو محكم في لجنة جائزة النيل ومقررة اللجنة الاستشارية بقطاع الآداب بالمجلس الأعلى للجامعات، قامت بالإشراف علي أكثر من 40 رسالة علمية للماجستير والدكتوراه في جامعات محلية وعربية.

كما أن لها عشرات الأبحاث التاريخية والسياسية والتي نشرت في مصر والعالم، مثل : الشرق الإسلامي والدولة البيزنطية زمن الأيوبين، والحياة الاقتصادية في مصر البيزنطية، والفلاح المصري بين العصر القبطي والعصر الإسلامي، وبلاد الترك في العصور الوسطي، وزبدة الفكرة في تاريخ الهجرة لبيبرس الدوادار (تحقيق)، والمنيا في العصر البيزنطي، ومنهج البحث التاريخي، والمقاتل البيزنطي، والدولة البيزنطية من قسطنطين إلى انستاسبوس، واليهود في العالم الإسلامي بين وثائق الجنيزة والمؤرخون اليهود والمصادر الإسلامية (ثلاثة أجزاء)، دولة المماليك الشرعية الحكم الدينى، والقدس عربية في ضوء وثائق الجنينزة، ووثائق الجنيزة كمصدر لدراسة التاريخ الإسلامي، وإسرائيل في النيل، والحياة الاقتصادية في العالم الإسلامي في ضوء وثائق الجنيزة، والقومية اليهودية والاندماج وصلتهم بالمجتمع الاسلامي وفقا لوثائق الجنيزة، وعكا كآخر إمارة صليبية، وصورة الفارس الاقطاعي والصراع الإسلامي المسيحي كما وردت في ملاحم القرن الحادى عشر الميلادى البيزنطية واللاتينية؛ ودراسات في التاريخ الإسلامي الوسيط، والمماليك وشرعية الحكم .. وهلم جرا..

علاوة علي أن "زبيدة عطا" حصلت علي العديد من الدورات التدريبية في مصر والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها، كما حصلت علي جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية في عام 2003 م وشهادة تقدير من وزارة التعليم الروسي وجامعة الصداقة الروسية لتدعيم العلاقات الثقافية بين مصر وسوريا،وشهادة تقدير من جامعة الدار البيضاء ووزارة التعليم بالمغرب . كما حصلت علي العديد  من شهادات التقدير من جامعات مصرية عديدة .

وزبيدة عطا متخصصة في تاريخ اليهود عامة وتاريخ يهود مصر، حيث قدمت للمكتبة العربية كما ذكرنا مؤلفات رائدة من أهمها، «يهود مصر- التاريخ السياسى» و«يهود مصر- التاريخ الاقتصادى»، و«اليهود فى العالم العربى»، وتقدم فى هذه المؤلفات صورة وافية عن حياة اليهود فى المنطقة، وفى مؤلفيها عن يهود مصر تفند الكثير مما يقال عن تعرضهم للاضطهاد، وإجبارهم على الهجرة، والمعروف أن إسرائيل والدوائر الصهيونية هى التى تردد ذلك.

وفي كتاب هام جداً وخطير بعنوان «إسرائيل فى النيل»، وهو دراسة تناقش نفوذ إسرائيل المتزايد في حوض نهر النيل ( الكتاب يقع في 184 صفحة، ‌وهو صادر مكتبة الشروق الدولية في القاهرة منذ عام 2009م )، حيث يناقش أبعاد الدور الإسرائيلي، منذ أكثر من نصف قرن وحتى الآن، في الوصول بالمشكلة إلى مرحلة الأزمة حالياً.

في هذا الكتاب تحذر "زبيدة عطا" مما نحن فيه الآن بخصوص "أزمة سد النهضة الإثيوبي "؛ ولكننا للأسف لا نقرأ، ففي هذا الكتاب تناولت أطماع إسرائيل فى مياه النيل، وأبرزت فيه كيف كانت «إسرائيل» فى حالة بحث دائم عن الظروف التى تهيئ تنفيذ أطماعها لأجل ضمان البقاء، وتعد قضية المياه هى صلب هذه الأطماع.

وتذكر "زبيدة عطا" في الكتاب أن الحكومة الإسرائيلية حاولت الضغط على الرئيس المصري "أنور السادات " في أعقاب اتفاقيات السلام 1979، من أجل توصيل مياه النيل إليها عبر سيناء، واستخدمت في ذلك إثيوبيا، سواء من خلال دعمها لبناء بعض السدود، التي تقلل من تدفق المياه إلى مصر، أو في دعم الرئيس الإثيوبي "منغستو هيلا ماريام" لإحداث قلاقل في السودان، من خلال دعم المتمردين في الجنوب، وهو ما أدى إلى إغضاب الرئيس المصري، فألغى فكرة مد المياه إلى سيناء، تمهيداً لنقلها إلى إسرائيل.

اكتشفت زبيدة عطا أنه خلال الفترة من 2009 إلي 2011 بدأت أمور كثيرة تظهر علي الساحة الدولية والإقليمية، مثل اتفاقية حوض النيل عام 1929 التي تحاول أثيوبيا إنكارها، ومحاولتها التفكير في بناء عدد كبير من السدود، وهو الذي سيؤثر علي نصيب مصر من المياه.

ومن هنا كان اهتمام "زبيدة عطا" بموضوع إسرائيل في النيل، حيث رجعت إلي مصادر كثيرة ما بين مصادر أوربية ومصادر إسرائيلية، كما رجعت للمجموعات التي كُتبت سواء من مصادر سودانية أو مصادر مصرية، وهنا قامت بتجميع تلك المواد، وتبين لها أن هذا يمثل بالنسبة لها موضوع مهم جداً ولا بد من أن نهتم جميعنا به ونحس بخطورة الموقف .

كما أكدت "زبيدة عطا" على أنه في كتابها "إسرائيل في النيل" قدمت بالوثائق والأدلة القاطعة سيناريوهات "تل أبيب" "الشيطانية" لحصار مصر مائياً داخل دول حوض النيل؛ وبالذات إثيوبيا، مشيرة إلى أن دول الحوض لا تشهد اختراقاً، بقدر ما تشهد غزواً إسرائيلياً منظماً يقابله على الطرف الآخر    لا مبالاة مصرية عجيبة الشكل؛ وبخاصة في زمن حكم الرئيس "حسني مبارك"،  الذي أبي بل رفض بقوة ألا يتواصل مع أشقائنا الأفارقة بسبب حادثة اغتياله في أديس أبابا في  أواخر القرن الماضي.

ولهذا أشارت "زبيدة عطا" في هذا الكتاب إلى أن الشعب المصري من حقه أن يعلم مصير نهره الخالد، وما يحاك له من مؤامرة صهيونية شريرة، موضحة أن المهندسين الإسرائيليين توافدوا على أديس أبابا لدراسة تنفيذ سدود بها منذ أكثر 30 سنة، وأن الرئيس السادات أعلن وقتها إنه سيخوض حربا ضروس ضد إسرائيل وإثيوبيا من أجل مياه النيل.

كما أوضحت "زبيدة عطا" أن أطماع إسرائيل في مياه النيل تعود إلى عام 1903؛ أي قبل "وعد بلفور" وقيام دولة إسرائيل نفسها، وأن المياه التي سرقتها إسرائيل من سيناء وفلسطين والأردن بعد نكسة 1967 لم تكفهم، مؤكدة أن إسرائيل تحلم بتوصيل مياه النيل إلى إسرائيل عن طريق القنوات المائية في مصر، وأن مشروع "الشرق الأوسط الجديد" (لشميون بيريز، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق)، وهو المشروع الذي تسعى إليه الصهيونية العالمية منذ أيام هيرتزل.

وبلا شك في أن كتاب " إسرائيل في النيل" جاء حقاً برغم صدوره منذ أكثر من عشر سنوات، إلا أنه وما زال يكشف لنا باستمرار عن تزايد الجدل في حوض نهر النيل بين دول المنبع ودول المصب وبخاصة مصر، وحصتها في مياه النهر، ومدى إلزامية الاتفاقيات الدولية المبرمة منذ عقود في الحقبة الإستعمارية التي تحدد حصص الأطراف المختلفة والتزاماتها تجاه نهر النيل.

كما ينتقد الكتاب قلة الاهتمام والتهوين الرسمي المصري من خطورة الدور الإسرائيلي في أفريقيا، فيما يخص أزمة حصة مصر من مياه النيل، حتى إن بعض الرسميين، وصحفيين وكتاب محسوبين على السلطة، يربطون الحديث في هذا الجانب بنظرية "المؤامرة" التي تتخيل خطراً وهمياً قادماً بلا دليل.

ويستند أصحاب الرأي الرسمي إلى أن حجم استثمارات إسرائيل في إثيوبيا مثلاً -وهي إحدى الدول الرئيسية المؤثرة في حوض نهر النيل- لا يزيد عن مائة مليون دولار، وهو رقم ضعيف بالمقارنة بالاستثمارات المصرية في تلك الدولة.

ويشير الكتاب إلى جملة من الوقائع والشواهد التي تؤكد قيام إسرائيل بتغذية الشعور لدى المسؤولين الأفارقة في دول حوض النيل، بأن مصر تسلبهم حقوقهم ومواردهم الطبيعية بلا ثمن، بالإضافة إلى الدعم العسكري الإسرائيلي لبعض الدول وحركات التمرد في القارة، سواء من خلال التسليح أو تدريب المقاتلين، وهو ما يجعل دورها وتأثيرها على صناعة القرار أكبر من مجرد النظر إلى حجم الاستثمارات المالية... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.............................

المراجع

1- رامي جلال : إسرائيل في النيل! – جريدة المصري اليوم (مقال).

2- سعيد الشحات: أطماع إسرائيل فى أفريقيا والنيل (مقال).

3- محمد عبد السلام : زبيدة محمد عطا خبيرة الشأن اليهودي تكشف المخطط الصهيوني (حوار بجريدة الدستور).

4- شيماء أبوعميرة: كتاب "اسرائيل في النيل"(مقال).

5- رانيا رياض تناقش قضية التدخل الاسرائيلى فى قضية مياه النيل مع د زبيدة عطا عميد كلية اداب حلوان السابق 9 اكتوبر 2012 (بوتيوب)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5037 المصادف: 2020-06-20 01:44:57