 شهادات ومذكرات

زبيدة عطا والأبعاد الحقيقية لأزمة سد النهضة (2)

محمود محمد عليهناك افتراض خاطئ في مضمونه يقول بأن علم التاريخ افتقر لأصوات نسوية استطعن أن يخترقن القلاع الفكرية المشيّدة بإحكام من قبل الوعي الذكوري المتغطرس، بل تكاد تخلو القواميس المعرّفة بالمؤرخين من أسماء مؤرخات سجّلن حضورهن على نحو متشظّي عبر محطات التاريخ؛ وبالتالي ليس هناك إسهام نسائي في مجال علم التاريخ عامة، وتاريخ العصور الوسطي خاصة؛ أى أن كل المؤرخين رجال، وليس هناك نساء مؤرخات؛ بل إن هناك من يتخذ من هذا الافتراض الخاطئ، كدليل على أنه ليس للمرآه مقدره على التفكير العقلاني- الذي يعتبر التاريخ شكل من أشكاله- وسنحاول في هذا المقال بيان خطأ هذا الافتراض، من خلال استكمال عرض الدكتورة زبيدة عطا في الكشف عن الأبعاد الحقيقية لأزمة سد النهضة الإثيوبي، ثم الرد على الدعوى – غير العلمية – بأن المرآه لا تمتلك القدرة على التفكير العقلاني والتي يستدل بهذا الافتراض الخاطئ.

وهنا نعود ونكمل حديثنا عن الدكتورة "زبيدة عطا" ورأيها حول الكشف عن الأبعاد الحقيقية لأزمة سد النهضة الإثيوبي، وهنا نحلل كتابها السالف الذكر، وهو كتاب إسرائيل في النيل، حيث طرحت "زبيدة عطا " في مستهل دراستها إطلالة سريعة عن العلاقة بين إسرائيل وأفريقيا، وتستعرض الآراء حول التأثير الإسرائيلي فى منطقة حوض النيل، مشيرة فى ذلك إلى أنه فى الوقت الذى كان فيه الدور المصري يتراجع فى أفريقيا بعد عهد جمال عبدالناصر «رحل يوم 28 سبتمبر 1970»، فإن إسرائيل كانت تكسب مواقع نفوذ جديدة لها فى القارة، وكانت في ذلك تسير على السياسات الأولى التى أعلنها بن جوريون أول رئيس وزراء لها الذى أكد الحرص على الاتجاه نحو أفريقيا، أما شيمون بيريز رئيس إسرائيل الأسبق فأكد فى كتابه «الشرق الأوسط الجديد»، أن أفريقيا لن تنهض وتحل مشكلة المياه إلا بالتكنولوجيا الإسرائيلية، حينما عرض مشروعه لتوصيل مياه النيل لإسرائيل عن طريق مصر، وهو ما تكرر على لسان المسؤولين الإسرائيليين الذين زاروا إفريقيا أو استضافوا وفودها أو مسؤوليها فى إسرائيل.

ثم تؤكد زبيدة عطا بأنه في عهد الرئيس السادات بدأ دور شركة النصر يقل، وبدأت تتخذ العداء نسبيا، وكانت تلجأ للأمم المتحدة حتى تشتكي مصر، لأنها لا تقوم بالمشاريع وهي تريد أن تقيم مشاريع، إلا أن السادات هددهم إذا أقاموا المشاريع، وكان يقول إن الخطر الأساسي علينا في إفريقيا وأنه سيدخل حرب مع اسرائيل واثيوبيا، وعندما جاء مبارك للحكم أهمل الجانب الإفريقي تماما وأغلق الشركة ولم يعد لمصر دور تقريبا في المنطقة، رغم ان إسرائيل تضع المنطقة أمام عينها منذ عهد بن جوريون الذي قال أن الخدمات التي يقدمونها لإفريقيا ليس لوجه الله إنما لمصلحة إسرائيل، هنا بدأت إسرائيل تلعب دورها، لذلك قام "سلفان شالوم" كان يقوم بزيارات لدول إفريقيا ليعرض عليهم إنتاجية الفدان في إسرائيل التي تعادل سبعة أضعاف إنتاجية الفدان في مصر، وكان يرسل لهم الآلات الحديثة ويدربونهم عليها، فأصبحت إسرائيل بالنسبة للإفريقي شيء كبير.

وأما فيما يتعلق بالأسباب التي جعلت إثيوبيا تنقلب علي "السادات"، فتؤكد زبيدة عطا بأن إثيوبيا لم تكن راضية عن مشروع ترعة السلام، ووصول المياه إلي اسرائيل، كما أنها كانت تريد أن تبني السدود وهذا ما جعل السادات يهددهم بالحرب، والغائب عن البعض كما تقول زبيدة عطا هو أن الدور الإسرائيلي في تلك القضية بالتحديد ليس جديد ولكنه قديم جدا، ولقد كتب "بوسافيرج" وهو ضابط مخابرات إسرائيلي عن السياسة التي كانوا يتبعونها، وأكد أن إسرائيل تلعب على منذ الخمسينات حتى يمكنها التضييق على مصر، واستخدموا في ذلك سياسة التقسيمات الكونفدرالية في السودان وغيرها من دول الحوض.

وهذه السياسة تقوم علي نظرية "سياسة شد الأطراف ثم قطعها"، لذلك كانوا يدعمون الأقليات للانفصال، بقصد الضغط على مصر، ففي الوقت الذي ظهر فيه البترول في السودان كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يمثل مشكلة كبيرة للإسرائيليين، فأرادوا الضغط علينا بنفس سياسة شد الأطراف، فأصبحت السودان جنوب أفريقي مسيحي وشمال عربي مسلم، والحكومة السودانية أرسلت ضابط يدعى "جورنج" للقضاء علي حركة الانفصال ولكنه تحول الي زعيم، وهذا ما حدث مع عبود الزمر الذي كان ضابطا ثم تحول لجهاديا إرهابيا وقتل أنور السادات، وبهذه الطريقة كانوا يدعمون جورنج ويدعموا جيشه في هذه الثورة.

وهنا وصل الأمر إلي منتهي الخطورة وهي أن إسرائيل تمكنت من أن تجعل جنوب السودان يعلن أنه لن يدعم مصر في تلك المعركة؛ فإسرائيل كالعادة هي السبب كما تقول زبيدة عطا، وذلك لأنها روجت لفكرة الاحتلال المصري لجنوب السودان، وهذا جعل من يؤيد مصر في الجنوب ينقلب عليها، حتى أن كل شخص يرشح نفسه للانتخابات تكون دعايته الانتخابية انه لن يجعل مصري يضع قدمه في المنطقة حتى يكتسب شعبية، أيضا روجوا للسودانيين أن المراعي التي يمتلكوها سوف تضيع نتيجة لمشروع "جورينج"، وبالتالي بدأ الأهالي يهاجموا معدات الشركة الفرنسية حتى اضطرت الشركة لإيقاف المشروع، هذه المؤامرة استمرت حتى انفصلت السودان، والآن يشجعوا على انفصال دارفور وكوردفان وجبال النوبة، كل تلك التقسيمات إذا نجحت ستنتهي السودان تماما، وسوف تدمر المنطقة كلها بفضل الجهود الإسرائيلية.

وثمة نقطة مهمة نود مناقشتها هنا وهي تتعلق بمحاولة اغتيال "حسني مبارك" في أديس بابا، حيث تقول زبيدة عطا بأن تلك الحادثة كان دور في العزلة النفسية للإثيوبيين؛ إذ يكفي إنها كانت سبباً في مصر فترة طويلا عن الجانب الأفريقي، وهذا ما صنع العزلة، ففي عهد عبد الناصر كانت مصر تدخل بقوة إلى دول إفريقيا، لذلك كان لها تأثير قوي عليها كتأثير الأب، ففي أحد مؤتمرات الوحدة الأفريقية كان رئيس المؤتمر ينادي جمال عبد الناصر بلقب والدي رغم أنه اكبر سنا، وقال أن رئيس مصر في مكانة الوالد لكل دول إفريقيا.

وهنا قد يتساءل البعض: لماذا تغيرت سياسة الأب التي تعامل بها الأفارقة مع عبد الناصر في عهد السادات؟

تقول زبيدة عطا : اعتقد أن لحظة التغيير في تلك السياسة جاءت بعد ان تحالف الزعيم الافريقي "منجيستو" مع إسرائيل، فالدول التي وقفنا بجانبها ساعدت إسرائيل وتحالفت معها، فاريتريا كانت تخضع لإثيوبيا وأعطت إسرائيل ميناء في منطقة دوبلوج، ولأن إسرائيل كانت تريد أن تتواجد في البحر الأحمر منحت أمريكا قواعد أمريكية في دوبلوج ومصوع وأسمرة، فهم كان لديهم أطماع للسيطرة على المنطقة، وفي نفس الوقت وجد الاريتريين مجموعة من شركات الخدمات الإسرائيلية التي تقدم خدمات سياحية وعمالية وتعليمية وصحية فمنحت أحد الشركات الإسرائيلية 150 ألف فدان من أراضي اريتريا حتى تستغلها، وكانت الشركة تصدر منها اللحوم في الخمسينات، كما أخذت من شركة إيطالية اسمها سيناء حق الانتفاع لخمسين ألف فدان من اريتريا.

لم تكتف بذلك، بل حشدت زبيدة عطا في داخل الكتاب آراء كثيرة قيلت فى مسألة أطماع إسرائيل فى مياه النيل، وربط ذلك مع التوغل الإسرائيلي فى أفريقيا، وهنا تحاول الدكتورة زبيدة أن تبين كما قلنا أن العقلية اليهودية تخترق "حوض النيل" بشكل منظم منذ أكثر من اربعة عقود لحصار مصر من الجنوب، وان الهدف الواضح من ذلك تعطيش وتجويع مصر، مبينة أن الغزو الصيني والايطالي والأمريكي يجتاح بلاد النيل بالشركات متعددة الجنسيات، وان غياب مصر أضحي يمثل خطورة علي الامن القومي.

وينتقد الكتاب قلة الاهتمام والتهوين الرسمي المصري من خطورة الدور الإسرائيلي في أفريقيا, فيما يخص أزمة حصة مصر من مياه النيل, حتى إن بعض الرسميين، وصحفيين وكتاب محسوبين على السلطة، يربطون الحديث في هذا الجانب بنظرية "المؤامرة" التي تتخيل خطراً وهمياً قادماً بلا دليل.

ويستند أصحاب الرأي الرسمي إلى أن حجم استثمارات إسرائيل في إثيوبيا مثلاً -وهي إحدى الدول الرئيسية المؤثرة في حوض نهر النيل- لا يزيد عن مائة مليون دولار, وهو رقم ضعيف بالمقارنة بالاستثمارات المصرية في تلك الدولة.

ويشير الكتاب إلى جملة من الوقائع والشواهد التي تؤكد قيام إسرائيل بتغذية الشعور لدى المسؤولين الأفارقة في دول حوض النيل، بأن مصر تسلبهم حقوقهم ومواردهم الطبيعية بلا ثمن, بالإضافة إلى الدعم العسكري الإسرائيلي لبعض الدول وحركات التمرد في القارة, سواء من خلال التسليح أو تدريب المقاتلين, وهو ما يجعل دورها وتأثيرها على صناعة القرار أكبر من مجرد النظر إلى حجم الاستثمارات المالية.

وتكمن مشكلة الكتاب في أن إسرائيل لديها مشكلة كبيرة وهي مشكلة المياه، فهي تعول علي المياه من خلال المناطق التي احتلتها، أو من المياه الجوفية التي كانت في سيناء اثناء فترة احتلالها، وقد وجدت إسرائيل أن كل هذا لا يكفيها، وبالتالي اكتشف الإسرائيليون أن هناك أزمة خطيرة بالنسبة لهم فيما يخص المياه .. ولذلك كانوا يريدون المياه بأي وسيلة ولذلك فكروا في عهد الرئيس السادات أن تقوم مصر بتوفير لهم من خلال عن طريق أنابيب المياه في قناة السويس التي يمكن أن تصل غلي صحراء النقب وهنا تروي الأراضي وتستفيد إسرائيل من المياه .. وهذا الأمر جعل إسرائيل تحاول قدر استطاعتها الدخول في إفريقيا وهي منذ البداية وهي مهتمة بأفريقيا وذلك من أجل حماية أمنها في باب المندب والضغط علي مصر .. إسرائيل من سنة 1952 وهي تتدخل في أمور السودان، حتي تمكنت من تقسيمه إلي شمال وجنوب من خلال نظرية شد الأطراف ثم قطعها، أي اللعب علي الأقليات، ثم بعد ذلك الانفصال؛ أي الأقاليم الأفريقية أكثر توجها للسياسة الاسرائيلية.

إذا تحدثنا عن الشركات سنجد أن كينيا لها 12 شركة خدمية، مع ملاحظة إنهم كانوا يريدون في البداية أن يجعلوا من كينيا وطن قومي بدلاً من فلسطين، لذلك كانت من أول الدول التي زارتها جولدمائير عندما كانت وزيرة خارجية قبل أن تصبح رئيسة وزراء، ثم أخذت الأسر اليهودية تنتقل إلى كينيا، ولأن اليهود ناجحين في العمليات المالية أصبح لديهم 12 شركة خدمية، وهم يغلفون نواياهم وأطماعهم بتقديم الخدمات للمسلمين الموجودين بالبلد كأسلوب معاملة لاستيعابهم حتى أنهم يبنون لهم المساجد، فبدأت تنتشر فكرة أن الشركات الإسرائيلية ستساعد الناس في التعليم والزراعة وغيرها، خاصة وأن انتاجية الزراعة في إسرائيل أضعاف انتاجية مصر.

وهنا وجدنا إسرائيل تعاني من ندرة المياه، فالكثير من الكتب اليهودية ذكرت أن الحروب القادمة ستكون حروب مياه، لذلك يسعون للحصول على المياه بأي وسيلة، ولا يمكن أن يفكروا في تحلية مياه البحر بتكاليفها المرتفعة والدول المجاورة لديها مياه كثيرة، لذلك هم لديهم ألف مشروع منذ هرتزل الذي أراد أن يحصل على العريش ويصنع بها مستعمرة، ثم مشروع كيري وهي عبارة عن مواسير تمتد تحت القناة لتصل لهم المياه، ثم مشروع هرتزل الذي يصعد على الساحة كل فترة زمنية وهو عبارة عن توطيب أهل غزة باستقطاع جزء من سيناء، في مقابل أن يعطوا لمصر 200 كيلو في صحراء النقب. ... وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.........................

المراجع

1- رامي جلال : إسرائيل في النيل! – جريدة المصري اليوم (مقال).

2- سعيد الشحات: أطماع إسرائيل فى أفريقيا والنيل (مقال).

3- محمد عبد السلام : زبيدة محمد عطا خبيرة الشأن اليهودي تكشف المخطط الصهيوني (حوار بجريدة الدستور).

4- شيماء أبوعميرة: كتاب "اسرائيل في النيل"(مقال).

5- رانيا رياض تناقش قضية التدخل الاسرائيلى فى قضية مياه النيل مع د زبيدة عطا عميد كلية اداب حلوان السابق 9 اكتوبر 2012 (بوتيوب)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5038 المصادف: 2020-06-21 01:49:18