 شهادات ومذكرات

في مثل هذا اليوم غادرنا الوردي ليكون منسيا!

قاسم حسين صالحعلي الوردي.. تعريف لشباب وثبة تشرين و آخرين

 كنت القيت محاضرة بساحة التحرير، وكان بين الواقفين شباب،  ولما جرّني الحديث عن علي الوردي سألت احدهم عنه فأجاب(لا والله استاذ ما أعرفه).. وثالث ورابع ايضا.. ومخجل ان يطالب شباب باستعادة وطن ولا يعرف من خدم الوطن بعلمه.. بل ان كثيرين، بينهم مثقفون!،  لم يعرفوا عن علي الوردي غير أسمه.

ولهم نقول ان الدكتور علي الوردي هو أبرز عالم اجتماع عراقي في القرن العشرين، وأول من درس طبيعة المجتمع العراقي وحلل الشخصية العراقية وحظي بشهرة

يستحقها. ولد عام 1913 بمدينة الكاظمية ولّقب بالوردي نسبة لجده الذي كان يمتهن حرفة تقطير ماء الورد.عمل في طفولته صانع عطّار بمحلة شعبية بالكاظمية، لكن العطار استغنى عنه لأن الصبي عليّا "يقره كتب ومجلات وعايف المشتريه".

 تخرّج في الدراسة الاعدادية وعمل لسنتين معلما باحدى مدارس الكاظمية.. سافر بعدها الى أمريكا ليحصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه من جامعة تكساس عام 1950وعاد للعراق بالسنة نفسها وعيّن مدرّسا لعلم الاجتماع بكلية آداب جامعة بغداد، وظل فيها الى عام 1972حيث أحيل على التقاعد.

 تأثر الوردي بمنهج ابن خلدون، وعن (مقدمته) كانت اطروحته للدكتوراه.. وتنبأ له علماء اجتماع اميركان بشأن عظيم ومنهم رئيس جامعة تكساس.. وقد صدقت نبؤتهم.فبعد عودته للوطن بسنة أصدر كتابه (شخصية الفرد العراقي1951) أتبعه في عقد الخمسينيات بمؤلفات أصيلة بينها:مهزلة العقل البشري، أسطورة الأدب الرفيع، الأحلام بين العقيدة والواقع، وكتابه الذي أزعج السلطات الحاكمة(وعّاظ السلاطين) واثار عليه حفيظة رجال الدين ايضا لأنه وصفهم بانهم لم يستطيعوا مجاراة التغيير الفكري الذي حصل في العصر الحديث.

 وفي الستينيات أصدر:دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث-12 كتابا أنجزها بين عامي 69-1979، ومنطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته 1978- تونس، فضلا عن بحوث مبكرة أصيلة بينها (الأخلاق.. الضائع من الموارد الخلقية) نشرته مجلة (الأحداث-1959) الصادرة عن الجامعة الأمريكية في بيروت.

 ومن بداية عمله الأكاديمي في الخمسينيات صار الوردي قلقا على مصير العراق ومستقبل المجتمع العراقي.وكان الصوت الاجتماعي الوحيد في زمن كانت فيه الثقافة العراقية موزعة بين ايديولوجيات وتيارات قومية ويسارية واسلامية وأدب وشعر، فيما كان هو يغرّد خارج سرب الثقافة.والمفارقة ان السياسيين والمثقفين أخذوا يحضرون ندواته، ويتكاثر عددهم، فشغلهم  بأفكاره التي أدهشتهم وسحرهم بجزالة لفظه ورشاقة اسلوبه.

   كان الوردي يرى أن فهم المجتمع ونجاح السياسة في العراق يمرّان عبر بوابة (الشخصية العراقية) فخصص لها كتابه (شخصية الفرد العراقي) ممهدا بتوضيح مفهوم (الشخصية) استغرق نصف صفحاته لكون الموضوع جديدا على العراقيين.. مشيرا أن ابن خلدون كان رائدا بمحاولته دراسة شخصية الانسان لا على اساس المواعظ والارشاد كدأب من قبله بل بتحليل تاريخي اجتماعي موضوعي .وكان الوردي أول من حلل بعمق نظرية ابن خلدون وشخصّها بأنها تدور بالأساس (حول البداوة والحضارة وما يقع بينهما من صراع).والتقط منه مقولته التي وصف بها البدو بأن "رزقهم في ظلّ رماحهم" معلّقا بأن "البدو لا يعرفون من دنياهم غير الفروسية والفخار والغلبة والتنافس". ووظف ذلك بمنظور حضاري على مجتمعه منبّها ومحذّرا السياسيين والناس بقوله:"ولعلني لا أغالي اذا قلت ان مجتمعنا الراهن هو من أكثر المجتمعات في العالم تأثرا بالقيم البدوية في محاسنها ومساوئها.ولعل المساؤيء البدوية اوضح أثرا فيه من المحاسن.. فقد وجدت العشائر الريفية لا تزال تسلك في الحياة مسلكا يقارب مسلك أجدادها من بدو الصحراء، فلديهم قيم العصبية والمشيخة والدخالة والضيافة والثأر".

 والمخجل ان الوردي يوم توفى في 13 تموز 1995 لم يجر له موكب تشيع يليق بعالم كبير بل اقتصر على المقرّبين .. فيما ودّعه زملاؤه ومحبوه .. صمتا .. وعن بعد!.

كانت آخر مرة زرته بها في بيته خلف اعدادية الحريري حين كان مريضا. جلست بجانب سريره المتواضع وتمنيت له الشفاء العاجل والعمر الطويل،  فقال وهو يحدس أنها النهاية: (أتدرى ماذا يعوزني الآن : إيمان العجائز)، ولم افهمها إلا بعد حين. وأضاف مازحا": " تدري آني ما احب الماركسيين.. بس ما اعرف ليش احبك.. تعال انطيني بوسه ".. قبلّته وحبست دمعة في العين وشهقة في الصدر.

لك منّا ومن احفادك شباب وثبة أكتوبر / تشرين ايها العالم المبدع.. المفكّر من طراز رفيع.. الجريء.. الجدلي.. الساخر.. كلّ الاحترام والتقدير والامتنان والذكر الخالد.. على مرّ السنين.

 

 أ.د. قاسم حسين صالح

13 - 7 - 2020م

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور قاسم حسين صالح المحترم
تحية طيبة
ورد التالي:[ والمخجل ان الوردي يوم توفى في 13 تموز 1995 لم يجر له موكب تشيع يليق بعالم كبير بل اقتصر على المقرّبين..فيما ودّعه زملاؤه ومحبوه..صمتا..وعن بعد.!]انتهى
السيد محمد عيسى الخاقاني في ص87 من كتابه مئة عام مع الوردي التالي تحت عنوان فرعي هو: وفاته/ مظاهرة جماهيرية في تشييع جنازته كتب التالي انقله نصاً:
[في الثالث عشر من تموز يوليو وفي صباح يوم حار وجاف من عام 1955 اتصل الناعي ليبلغنا بموت الدكتور علي الوردي العظيم ويطلب منا الحضور الى منزله. تجمعنا امام بيت الوردي في الاعظمية وكلنا كان يترقب هذا الحدث الجلل ولكننا لم نكن نصدقه... قام المرحوم الأستاذ شامل الشمري بقطع ثمرة نارنج من احدى أشجار بيوت الجيران وقطعها الى نصفين ومسح بهما بقوة على اسم علي الوردي المنقوش على قطعه فلزية في الجهة اليسرى من باب البيت حتى أصبحت القطعة تلمع باسمه ثم بكى الشمري وقال: كان الوردي يلمع طول حياته ...حملوا جثمان الوردي من البيت الى مغتسل الكاظمية بالسيارات وهناك كان الخبر قد انتشر بين الناس. دخلت مع الوردي الى المغتسل لم يكن الموت او المرض قد غير في معالمه كثيرا. ثم بعد المغتسل تم تشييع الوردي الى الحضرة الكاظمية ليصلى عليه. في هذه البرهة الزمنية البسيطة حيث كانت الاستعدادات تجري لحمل النعش على السيارات قررت قرارا شخصيا وطلبت من الأحبة تنفيذه وهو ان نحمل الوردي على اكتافنا الى الحضرة الكاظمية ليصلى عليه وكان لي ما اردت دخلنا بجنازة الوردي الى سوق الكاظمية الكبير وكان فوزي الخطاط قد انتهى من تجهيز قطعة القماش التي تحمل اسم الراحل العظيم وقد اثار ذلك الاسم الناس فترك اغلبهم أعمالهم وشاركنا التشييع
كانت مظاهرة جماهيرية صامته في زمن يمنع فيه التجمع لأكثر من شخص لكننا كنا نردد لا إله الا الله محمد رسول الله والوردي محمول على عرشه فوق الرؤوس
دخلنا الحضرة الكاظمية المقدسة ووقف المرحوم السيد الحسني الحيدري الذي توفاه الله عام 2013 وقف مصليا على جثمان الوردي. كانت الأجواء في خارج الحضرة قد تشنجت جراء مظاهرتنا الغير مرخصه من قبل الامن والتي كانت أقرب ما تكون الى التحدي منها الى تشييع جنازة وما ان انتهت الصلاة حتى حملنا الوردي على اكتافنا وتوجهنا به الى جامع براثا لنواريه الثرى ولكن حدث مالم يكن بالحسبان حيث أمرني العلامة حسين علي محفوظ بإحضار السيارات وحمل النعش عليها وهو يدري ان امره هذا لا يمكن ان يرد ونفذنا الامر بعد ان سرنا بالجنازة الى اول شارع المفيد قرب مبنى المدرسة الإيرانية القديمة حيث تقف السيارات] انتهى
....
هذا يعني ان الراحل حضي بتشييع يليق به في وقت حساس وصعب وفي وضع خطير
أقيمت الفاتحة لثلاثة أيام في حسينية ال الصدر/حسينية الامام الكاظم وشارك طارق عزيز وحامد يوسف حمادي في مراسيم الفاتحة بصفتهم الشخصية واقام اتحاد الادباء والكتاب العراقيين اربعينية للدكتور الوردي تحدث فيها الدكتور بدرخان السندي والدكتور حارث عبد الحميد حسن والأستاذ مؤيد عبد القادر والقى الشاعر علي جليل الوردي قصيدة والقى محمد الخاقاني كلمة مجلس الخاقاني الذي اسسه الوردي, كما كتب السيد الخاقاني في ص90 من نفس الكتاب
كنتَ كما ورد قد زرته في داره وهو على فراش المرض وحققت معه لقاء صحفي ودعوته لندوات وهذا يعني إنك على تواصل معه...السؤال: هل كنتم استاذي الفاضل من الذين ودعوه عن بعد وبصمت ام ممن ساهموا/شاركوا في تشييع وتأبين الراحل وحضرتم مجلس الفاتحة؟ ما دفعني لهذا السؤال هو علامة التعجب التي ختمت بها المقطع أعلاه وكذلك لعدم توفر ما يشير الى التشييع والتأبين في كل ما قرأته عن اللذين كتبوا عن الراحل الوردي
وقد كنتم في عام وفاته مؤسس ورئيس مكتب الاستشارات النفسية وعضو اللجنة العليا لاختبار صلاحية حملة الشهادات العليا للعمل في الجامعات العراقية بوزارة التعليم العالي منذ 1994الى عام2002 وعضو الهيئة التدريسية بقسم علم النفس في جامعة بغداد.
أتمنى ان تتفضل علينا والقراء الكرام عن بعض ما جرى في مجلس الفاته وبالذات في وقت حضور طارق عزيز وحامد يوسف حمادي او رأيك بحضورهم الشخصي وليس الرسمي لمجلس الفاتحة.
امنياتي لكم بالسلامة وتمام العافية والهناء

عبد الرضا حمد جاسم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5061 المصادف: 2020-07-14 08:53:05