 شهادات ومذكرات

رشدى راشد: فيلسوف مصري في فرنسا (1)

محمود محمد علي"البدايات والمنطلقات"

يعد رشدي راشد واحد من كبار الفلاسفة المصريين الذين لا يحظون بالشهرة الكافية فى عالمنا العربي، في حين حظي باحترام الأوساط الفكرية، والأكاديمية فى الجامعة الأولى في فرنسا، إذ يحتل مواقع أكاديمية رفيعة، وله كرسي للدراسات يحمل اسمه فى معهد العالم العربى بباريس، حيث يحاضر الفيلسوف المصري باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، ويجرى أبحاثه المرموقة مستخدمًا اللغات العربية واليونانية واللاتينية.

علاوة علي أنه قد تسلَّم من الرئيس الفرنسى وسام «فارس» عن مجمل أعماله، حيث حقق رشدي راشد كتب كثيرين من علماء العرب الرياضيين، وترجم المخطوطات العربية إلى الفرنسية، وشرحها تاريخيًا، وفلسفيًا ورياضيًا وعلق عليها، كما أعاد إحياء تراث ابن الهيثم، والخوارزمي، والكِندي، وعمر الخيام، والسموأل، وقدم عنهم حقائق تاريخية لم تكن معروفة من قبل، وقد تأثَّر الدكتور رشدى راشد بعميد الأدب العربى الدكتور طه حسين.. كما تأثَّر بعلّامة اللغة العربية الدكتور محمود شاكر.. والعالم المصرى البارز الدكتور مصطفى نظيف.. الذى يراه الدكتور راشد واحدًا من أعظم رموز النخبة العلميّة فى مصر".

وقد قال عنه الصحفي اللامع " أحمد المسلماني":" إن أساس المشروع الفكرى لمؤرخ العلم المصرى العالمى رشدى راشد هو: الفلسفة والرياضيات. وقد رأى أن دراسة تاريخ العلم عند العرب والمسلمين هو نقطة الانطلاق اللازمة نحو استعادة عصر الازدهار العلمى فى حضارتنا.. إن مشروع مؤرخ العلم رشدى راشد يوازى مشروع مؤرخ العلم عبدالحميد صبرة. أنجز المفكر المصرى رشدى راشد مشروعه فى أوروبا، وأنجز المفكر المصرى عبدالحميد صبرة مشروعه فى الولايات المتحدة. عمل الدكتور رشدى فى جامعات باريس وبرلين وطوكيو. وعمل الدكتور صبرة فى جامعة هارفارد. قطع الدكتور رشدى راشد رحلةً ثريّة من الجماليّة إلى «وسام فارس» من الرئيس الفرنسى.. وقطعَ الدكتور عبدالحميد صبرة الرحلة ذاتها من طنطا إلى وسام «جورج سارتون».. جائزة تأريخ العلم.. الأعلى فى العالم".

وُلد الفيلسوف المصري "رشدي حفني راشد" عام 1936  في القاهرة وبدأ دراسته في مدرسة الجمالية الابتدائية، في حديث شيق له عن مسيرته يقول أن تعليم اللغة الأجنبية كان يبدأ من سن الثامنة! بعد المدرسة الابتدائية التحق بمدرسة فاروق الأول الثانوية بالعباسية (في تلك الأيام كانت الابتدائية تتبعها خمس سنوات من الثانوية ودون مرحلة إعدادية)، نجد هنا أن نشأة الدكتور رشدي رشاد فى حى الحسين والعباسية ساهمت في تكوين وعيه وتوجيهه لدراسة المرحلة الذهبية العلمية للعالم العربي والإسلامي، ثم التحق بعد ذلك بكلية الآداب جامعة القاهرة، حصل الدكتور راشد على ليسانس الفلسفة من جامعة القاهرة (في العشرين من العمر) وكان محباً للرياضيات ولكنه اتجه إلى الفلسفة (مع مواظبته على حضور محاضرات في الرياضيات أيضاً) للإجابة على تساؤلات ميتافيزيقية كانت تطرأ على ذهنه (حسب قوله) لذلك عندما سافر إلى فرنسا للدراسة وكان في ذلك متأثراً بالدكتور طه حسين وتوفيق الحكيم حصل من هناك على ليسانس الرياضيات ودكتوراه الدولة في تاريخ الرياضيات وتطبيقاتها.

بعد انتهاء الدكتور راشد من الدكتوراه عمل باحثاً في المركز القومي للبحث العلمي في باريس ثم تدرج في المناصب من مدير وحدة الأبستمولوجيا (علم يدرس نظريات المعرفة) وتاريخ العلوم  حتى أصبح أستاذاً في جامعة باريس ديدورو (Paris Diderot University) وتُعرف أيضاً باسم جامعة باريس 7 وأستاذاً بجامعة طوكيو في اليابان وأستاذاً زائراً بجامعات عديدة في مختلف أنحاء العالم (منها جامعة المنصورة عندنا في مصر) بالإضافة إلى إدارته لمركز تاريخ العرب العلمي في العصور الوسطى وفلسفتها حتى عام 2001 بباريس... والعديد من المناصب العلمية والشرفية التي يضيق المكان هنا عن ذكرها كلها بالإضافة إلى إدارة تحرير مجلات عديدة ومرموقة في تاريخ العلوم العربية مثل مجلة "العلم والفلسفة العربية: مجلة تاريخية" (Arabic Sciences and Philosophy: a historical journal)  تصدر عن دار نشر جامعة كمبريدج  وسلسلة تاريخ علوم عند العرب والتي تصدر من بيروت كما أشرف على إصدار موسوعة تاريخ العلوم العربية التي صدرت في طبعتها الأولى في لندن ونيويورك  عام 1996  ... وغيرهم الكثير.

أسس رشدي راشد في 1984م - وأدار منذ سنة 1993م - فريق بحوث الابستمولوجيا وتاريخ العلوم والمعاهد العلمية. نشر العديد من المقالات والأبحاث والكتب في مختلف الدوريات عن مساهمة العلوم الإسلامية والعلماء العرب في تطوير وتقدم العلوم، كما يرأس تحرير دورية العلوم والفلسفة العربية، بجامعة كامبريدج، ويشغل حالياً منصب المدير الشرفي لقسم أبحاث المستوى الرفيع في مركز البحوث العلمية الوطني في فرنسا CNRS.

شغل طوال 45 عاما مناصب علمية مرموقة، من أهمها مؤسس وحدة أول رئيس لفريق البحث العلمي في نظرية المعرفة وتاريخ العلوم وتاريخ المؤسسات العلمية في جامعة باريس السابعة .. رئيس قسم دراسات الدكتوراه في نظرية المعرفة وتاريخ العلوم في نفس الجامعة، عمل أستاذا متفرغا وزائرا للعشرات من جامعات العالم، منها جامعة طوكيو في اليابان، والمنصورة في مصر، ومونتريال في كندا، وجامعات أمريكية وإيطالية وعربية أخري عديدة.

لقد جعلت هذه الرحلة من البحث والتدريس والتأليف من الدكتور رشدى راشد أكبر متخصص فى تاريخ العلم عند العرب.. على مستوى العالم.. ثم غادر إلى فرنسا لأجل الدراسات العليا. كان فى تقدير الدكتور رشدي أنَّه سيمكث فى فرنسا بعض الوقت ثم يعود. لكن الزمن امتدَّ به فى جامعات الغرب لأكثر من (60) عامًا من الإبداع والعطاء.

وضع رشدي راشد أكثر من 30 كتابًا، ومن أعماله المهمة أنه قام بأكبر عمل علمي فى تحقيق وشرح تاريخ العلم فى الحضارة العربية والإسلامية. وأصدر عددًا من الأعمال غير المسبوقة.. بعض الأعمال كان تحقيقًا، وبعضها كان تأليفًا، وبعضها كان إشرافًا على موسوعاتٍ بالفرنسية والألمانية؛ ومن أهم كتاباته علي سبيل المثال لا الحصر :  مدخل لتاريخ العلوم (باريس، 1971)، كتاب الجبر لديوفنطس (القاهرة، 1975)، أعمال عمر الخيام في الجبر ـ بالاشتراك مع أحمد جبار (حلب، 1981)، العلوم في عصر الثورة الفرنسية (باريس، 1984)، أعمال الكندي الفلسفية والعلمية (ليدن،  1998)، أعمال السجزي الرياضية (باريس، 2004)، فلسفة الرياضيات ونظرية المعرفة عند جول فيامين (باريس، 2005). ويلقي رشدي راشد محاضراته في تاريخ العلوم في كثير من عواصم العالم.

ولم يكتف رشدي راشد بذلك، بل يمكنك أن تقرأ أيضًا: «من الخوارزمي إلى ديكارت: دراسات فى تاريخ الرياضيات الكلاسيكية».. والخوارزمي هو مؤسس علم الجبر فى العصر الوسيط، أمّا ديكارت فهو مؤسس الهندسة التقليدية فى العصر الحديث.. وحسب الدكتور رشدى راشد، استفاد ديكارت من ابن الهيثم، كما استفاد من «عمر الخيّام» الذى سبقه بستّة قرون. يمكنك أن تقرأ كذلك كتاب «رياضيات القرن السابع عشر»، «قاموس تاريخ اللغة العلمية العربية»، «موسوعة تاريخ العلوم العربية» التى صدرت عام 1986، وقد شارك فيها عدد من الباحثين العالميين، وهى تمثل واحدةً من أفضل ما تمَّ إنتاجه فى حقل «تاريخ العلم».. فى العالم. كذلك لا ننسي إشرافه على موسوعة تاريخ العلوم العربية التي صدرت في لندن ونيويورك طبعتها الأولى في 1996م، وقد حرر فيها الأجزاء التي تقع في تخصصه المباشر، وهي الحساب والجبر والبصريات الهندسية. ومن أشهر أعماله:

حصل الدكتور رشدي راشد على جائزة الملك فيصل العالمية عن الدراسات الإسلامية للعام 2007، كذلك حصل على العديد من الجوائز في مجال تاريخ فلسفة العلوم، ومنها؛ ميدالية الرئيس الفرنسي للإنتاج العلمي عام 1989م، وميدالية الأكاديمية الدولية لتاريخ العلوم (ميدالية ألكسندر كويري) عن أعماله عام 1990م، وميدالية مركز بحوث التاريخ الإسلامي بمنظمة المؤتمر الإسلامي، وجائزة أفضل كتاب في البحوث الإسلامية من رئيس الجمهورية الإيرانية، لأعماله عن تاريخ العلوم العربية في عام 1998م، وجائزة وميدالية مؤسسة التقدم العلمي الكويتية التي منحها له أمير الكويت عن أعماله في تاريخ الهندسة عام 9991م، وجائزة ابن سينا الذهبية من فيدريكو مايور، المدير العام لليونسكو «عن مساهمته في التعريف بالثقافة الإسلامية باعتبارها جزءًا من التراث الثقافي العالمي ولإذكاء الحوار بين الثقافات المختلفة» عام 1999م، وجائزة مركز البحوث العلمية الوطني في فرنسا CNRS عام 2001م.

كان جوهر الفكر الفلسفي للدكتور رشدي راشد هو فلسفة التاريخ وفلسفة العلم، والعلاقة الفلسفية بينهما. والرابط بين هذين الجانبين هو المنطق والرياضيات. فالتاريخ هو أحد موضوعات الفلسفة، وفي ذات الوقت هو أحد موضوعات العلوم الاجتماعية. وبصفته فلسفة يخضع للعقلانية وللتنظير الفلسفي، ويرتبط من حيث كونه كذلك بفهمنا لفكر الحداثة وللمستقبل الإنساني. وبصفته علما يخضع لفلسفة العلم ولتطبيق المنهجيات العلمية الحديثة. والأداة المنهجية الأساسية في الفلسفة الحديثة هي المنطق، في حين أن الأداة المنهجية الأساسية للعلم الحديث هي الرياضيات، لذلك يجب أن يخضع التاريخ بصفتيه الفلسفية والعلمية للمنطق والرياضيات.

كما أسهمت دراساته التاريخية للعلم العربي ونشره الكثير من كتب التراث العلمي العربي في فهم مسار العلم العربي وكيفية تقدمه عبر مراحله التاريخية،  بالإضافة إلي تشديد هذه الدراشات علي محاولة الوقوف علي العلاقة الجدلية الوثيقة التي ميزت العلم العربي، وعبرت عن عقلانيته العملية الأصيلة ؛ أعني العلاقة بين البنلء النظري المعرفي في هذا العلم  وبين التجريب التطبيقي /  بعبارة أخري أعني العلاقة التي قامت داخل هذا العلم بين المنهج الرياضي  والمنهج التجريبي .

لقد حاول رشدي راشد  أن يعيد النظر في تاريخ العلم من أجل الكشف عن الجوانب المهملة في التراث العلمي العربي، والبحث عن المنطق العقلي الذي سيطر علي الحقبة العلمية العربية التي امتدت تاريخياً من القرن التاسع وحتي القرن الخامس عشر الميلاديين، وجغرافياً من حدود الصين إلي أسبانيا، ولكي ينجز رشدي راشد هذه المهمة سار في  اتجاهين :

الاتجاه الأول : نقدي، حيث اتخذ موقفاً نقدياً في أبحاثه ودراساته للمنهجيات التأريخية التقليدية في تناولها للعلم العربي .

الاتجاه الثاني: تحليلي، حيث بحث رشدي راشد عن المنطق العلمي العقلي الذي  سيطر علي العلم العربي .

ومن هذا المنطق حصر رشدي راشد العلم العربي في كل ما كتب بالعربية عندما كانت المراكز العلمية الأساسية تتكلم هذه اللغة في القرنين الثاني والتاسع الهجريين، الأمر الذي جعله يؤكد علي أن هناك علم عربي له طبيعة خاصة ومميزات نوعية ؛ كان قد وصل إليها من خلال مجموعة من الدراسات الاستقرائية ظهرت في العديد من مصنفاته : أشهرها " موسوعة تاريخ العلوم العربية " في أجزائها الثلاث، وإنتاجه الضخم الذي خصصه " للرياضيات التحليلية العربية بين القرنين الثالث والقرن الخامس الهجري " في أجزائه الخمسة، إضافة إلي مجموعة من الأبحاث لا يستع المجال لذكرها، فقدم مجموعة من البراهين العلمية والتاريخية علي وجود علم علابي تميزه مجموعة من الخصائص من أهمها الروح النقدية، والعالمية، ووحدة اللغة العلمية، واجتماعية المعرفة .

والخلاصة التي تختم بها مقالنا هذا في جزئه الأول أن رشدي راشد استطاع أن يرسم الخطوط العريضة التي تمكن من التعرف علي معالم الأصالة في العلم العربي، التي ستظهر لمؤرخي العلوم أهميته وقيمته في دراسة التراث العلمي العالمي بشكل عام، والتراث اليوناني والحديث بشكل خاص؛ أي أنه لم ينجح في استيعاب الموروث القديم وتلقيحه فقط، بل والإضافة إليه أحياناً والإبداع والتجاوز أحياناُ أخري، ذلك نتيجة التنظيم الكبير الذي امتازت به كل العلوم في العصر الإسلامي لتنهار فكرة أن العلم ظاهرة غربية، وتعاد كتابة تاريخ العلوم، كما أن تأكيد رشدي راشد علي العلاقة الجدلية القائمة بين العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية وغيرها في بناء هذا العلم، يجعل دراسة تاريخ العلوم العربية من هذا المنظار جزءً مهم من دراسة تاريخ الحضارة العربية الإسلامية...وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

........................

المراجع

1- محمد زهران: الدكتور رشدي راشد.. وعبقرية التاريخ العلمي، جريدة الشروق المصرية (مقال)

2- موقع فلاسفة العرب: الدكتور رشدي راشد   أنظر الرابط:

http://www.arabphilosophers.com/Arabic/aphilosophers/acontemporary/acontemporary-names/Rushdi_Rashed/A_Rashed/Arabic_Rushdi_Rashed.htm

3- رشدي راشد.. الباحث المصري في الفلسفة وتاريخ العلوم والرياضيات | برنامج القنديل (يوتيوب).

4- شفيقة بورايو: خصائص العلم العربي عند رشدي راشد، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة منتوري قسنطينة، العدد 46، 2016.

5-خالد أحمد قطب: نحو إعادة اكتشاف العقل العلمي العربي : دراسة في منهجية رشدي راشد التأريخية، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، جامعة الكويت - مجلس النشر العلمي، المجلد 22 – العدد 87، 2004.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5061 المصادف: 2020-07-14 08:58:00