 شهادات ومذكرات

الانتفاضة عرب العراق سنة 1787 ضد حكم المماليك

علاء اللاميكتبتُ، وكتب غيري، وفي مقدمتهم الأستاذ عبد الأمير الركابي، الذي كتب أكثر من مرة حول الانتفاضة المسلحة التي قامت بها عشائر العراق في القرن الثامن عشر ضد حكم المماليك الأتراك. تلك الانتفاضة التي سيطرت خلالها قوات العشائر العراقية العربية، على معظم مساحة العراق. وكادت أن تفتكَّ العاصمة بغداد من قوات الوالي المملوكي التركي سليمان باشا الكبير.

وقبل أيام قليلة زودني الأخ الركابي - شكري الجزيل له وللسيدة العزيزة فرات ابنته - بنسخة ضوئية لواحدة من أولى الدراسات العراقية الرائدة والنادرة وغير المتوفرة على شبكة الانترنيت التي كُتبت حول الموضوع في السبعينات من القرن الماضي، ونشرت في المجلة الشهرية البغدادية "آفاق عربية" العدد 11 سنة 1979، فقررت نشر وتعميم أجزاء مهمة منها على القراء للتعريف بهذه الانتفاضة شبه المجهولة وبوقائعها وأبطالها. يبدو أن هذا النص هو خلاصة أو جزء من دراسة لنيل شهادة الماجستير للباحث محمد حسن علي كما يشير في أحد الهوامش. علما أن هذا النص - على قِصَره النسبي- موضَّح ومدعَّم بواحد وخمسين هامشا توثيقيا، أما ثبت المصادر فيحتوي على ثمانية عشر عنوانا. هنا فقرات ضافية ومختصرة من الدراسة تليها مجموعة من الاستنتاجات السريعة على أمل العودة لمناقشتها مناقشة تاريخية اجتماعية سياسية مفصلة مستقبلا.. كتب الباحث محمد حسن علي:

* عندما عزمت على دراسة أحوال العراق الاجتماعية والسياسية هالتني كثرة الثورات الشعبية والوطنية ضد حكم الأتراك العثمانيين حتى نهاية الاحتلال العثماني في بداية القرن العشرين، حتى لا تكاد تمر سنة من السنين في القرن التاسع عشر دون قيام تمرد قبلي مسلح أو عصيان ريفي أو انتفاضة شعبية في مدينة من مدنه.

* أبرز تلك الانتفاضات، كان قد استفحل أمرها على السلطة وعمت معظم أرجاء العراق، وهددت حكم المماليك الأتراك بالسقوط وكاد الثوار فيها أن يدخلوا بغداد - بل دخلوا جانب الكرخ منها ومنطقة الكاظمية في ضواحيها.ع.ل - ويستولوا على مركز الوالي، أيام سليمان الكبير (1788- 1802م).

* قاد تلك الانتفاضة سنة 1787 ثلاثة من زعماء القبائل العربية هم: الشيخ سليمان بن عبد الله الشاوي أحد أمراء عشيرة العُبيد الذي كان يسكن ببغداد. والشيخ ثويني العبد الله شيخ عشائر المنتفك "ذي قار اليوم"، والشيخ حمد بن حمود الخزعلي "الخزاعي" رئيس قبيلة خزاعة في الفرات الأوسط، وهذه الانتفاضة عرفت فيما بعد بالثورة الثلاثية.

* وعن الشيخ سليمان الشاوي كتب المؤرخ عثمان بن سند في كتابه "مطالع السعود" (إنه من أفراد الدهر عقلا وحِلما وكرما وشجاعة، يجمع إلى نبل الأصل وشرف المحتد علو الهمة، والثقافة الأدبية العالية، وكان يُندَب للملمات حتى عُين في منصب "باب العرب"، (الذي يبدو أنه اسم لمنصب أو لمؤسسة إدارية تتخصص بأمور السكان العرب.ع.ل).

* أما الشيخ ثويني بن عبد الله -السعدون -، شيخ عشائر المنتفك فهو الذي استعاد البصرة من الفرس بعد استيلائهم عليها سنة 1776م.

* أما الشخصية العربية الثالثة فهو الشيخ حمد بن حمود رئيس قبيلة خزاعة الذي كان يسيطر على منطقة الفرات الأوسط وأهوارها من مقره بالحسكة "مدينة الديوانية حاليا" وكان كثير التمرد على حكومة بغداد والخروج عليها والاصطدام بها.

* اتفقت الشخصيات العربية الثلاث على التمرد ضد حكم الأتراك والخروج على سلطة والي بغداد سليمان باشا الكبير، بسبب فداحة الضرائب التي كانت تفرضها الحكومة على العشائر العراقية آنذاك، وبسبب تعسف وغطرسة الموظفين الأتراك والاستئثار بالسلطة دون أبناء البلاد الأصليين.

* أما السبب المباشر في تلك الانتفاضة فكان بسبب صراع دار بين الشيخ سليمان الشاوي وبين الكتخدا "المعاون المالي" أحمد أغا المهردار، والذي كان العراقيون يدعونه "ابن الخربندة". وقد عارض الشيخ الشاوي تعيينه لمثل هذا المنصب الرفيع بسبب وضاعته وقلة كفاءته وسوء خلقه وجهله التام. ولكن الشاوي لم يأخذ برأي الشاوي بل عين ابن الخربندة في المنصب لأنه تركي مثله.

* ولكن خطة المماليك التي كانت تهدف إلى إقصاء الموظفين العراقيين من كل المناصب العالية في البلاد أسقطت في يد الشيخ الشاوي، وحالت دون تحقيق أمله. وحين تولى ابن الخربندة منصبه، صار يوغر صدر الوالي ضد الشيخ الشاوي ويحاول أن يوقع بينهما، ويوهم الوالي بأن الشيخ طامع في الباشوية وولاية بغداد. ولعله هو الذي أشاع نبأ ترشيح الإستانة للشيخ الشاوي لباشوية بغداد مما أثار غضب الوالي وفزعه، فوسَّط المقيم البريطاني - لدى الباب العالي بالإستانة ع.ل - لتدارك الأمر، وعزم على الفتك بالشيخ الشاوي وصادر كل أملاكه، فاضطر الشيخ الى الفرار من بغداد والتوجه الى منطقة عكركوف حيث تقطن أعداد كبيرة من أبناء عشيرة العبيد وهناك أعلن العصيان على الوالي سليمان باشا الكبير.

* راسل الشيخ الشاوي من مركز تجمعه الشيخ ثويني في المنتفك، وطلب منه المؤازرة، فلقيت الدعوة هوىً في نفس ثويني لأنه كان يتوق إلى توسيع مشيخته وتقوية نفوذه، ولأنه ما يزال يطمع بالسيطرة على البصرة، وبالتالي تقليص نفوذ الاتراك في العراق تمهيدا لطرد الحكم الأجنبي، لذلك تحفز الشيخ ثويني وأيد الشاوي ووعده بالدعم.

* حين علم الوالي بذلك أدرك خطورة الوضع، وخشي استفحال أمر الثائر العربي، فجرد حملة قوية وعهد بقيادتها إلى ابن الخربندة واتجهت إلى عكركوف لملاقاة تجمع الشاوي. ولكن الشيخ الشاوي وجد أن لا قِبَل له بمواجهة قوات الوالي فقرر الانسحاب بقواته الى جهات تكريت، ثم اتجه شمالا نحو نهر الخابور وتركوا بعض أثقالهم وعددهم وماشيتهم فاستولى عليها جيش الوالي وعاد الى بغداد ظانا انه كسر شوكة الشاوي وأتباعه وأنهى تمرده.

* ولكن الشيخ الشاوي أعاد تجميع قواته من جديد وتجمع معه عدد كبير من أبناء العشائر العربية وزحف مرة أخرى نحو بغداد، ففزع الوالي عند سماع أنباء هذا الزحف وساق قوة أخرى لقتاله.

* اصطدمت القوتان قرب الفلوجة، ودارت رحى معركة عنيفة، انكسر فيها جيش حكومة المماليك، وهُزِمَ بعد أن قتل عدد كبير من أفراد الحملة وأسِر عدد آخر منهم بضمنهم قائد الحملة خالد آغا وأركانها وضباطها.

* بعد شهر واحد على هذا الانتصار، زحف الثوار نحو بغداد، واستولوا على الكاظمية ودخلوا الكرخ بعد قتال عنيف (وبهذا حاول الشيخ سليمان الشاوي أن يؤسس دولة عربية في العراق فجرت بينه وبين سليمان باشا عدة معارك حتى كاد أن يستولي على بغداد سنة 1201 هـ / 1787 م/ مختصر تاريخ بغداد / علي ظريف الأعظمي - ص 213).

* فزعت الحكومة وجمع الوالي بسرعة قوات كبيرة وساق للتجنيد عددا من سكان بغداد، ثم تسلم بنفسه قيادة الحرب. وكادت الانتفاضة تطيح بحكم الوالي لولا سلاح الخديعة والتفريق بين الثوار، ولولا قبيلة عقيل في بغداد التي تصدت للثوار، وحينذاك رجحت كفة جيش الوالي فتراجع الشاوي وتقهقر الى البادية، ولكن قوات الوالي بقيت تتعقبه فقرر التوجه نحو المنتفك، مستنجدا بالشيخ ثويني العبد الله فوجده متأهبا للنصرة والقتال.

* اجتمع الشيخان الشاوي والمنتفكي وقررا بعد مناقشة الوضع دعوة الشيخ حمد الحمود شيخ الخزاعل "خزاعة"، فاستجاب لدعوتهما في الحال وأعلن العصيان على الحكومة في منطقة الفرات الأوسط والفرات الجنوبي.

* تحرك الشيخ ثويني العبد الله واستولى على البصرة وطرد متسلمها التركي إبراهيم أفندي، وأعلن فيها تأسيس الحكم العربي. وبذلك تم للثوار تحرير الجزء الأكبر من وسط العراق والجزء الجنوبي منه برمته.

* قرر الزعماء الثلاثة إنهاء حكم المماليك وإنشاء كيان عربي في العراق كله، يتبع للسلطنة العثمانية ويستمد شرعيته من رضا أهل البلاد وترشيحهم. فسلكوا الطريقة المعروفة آنذاك ونظموا "مضبطة" وجهوها الى السلطان العثماني وقد وقعها وجهاء البصرة وأشرافها ورؤساؤها والشخصيات الوجيهة فيها وقسم كبير من العشائر العربية العراقية وطالبوا فيها تعيين الشيخ ثويني العبد الله واليا على العراق بأجمعه.

* وذكروا في المضبطة (إنه لا يصلح لولاية العراق عموما ولوزارة بغداد وتامين الطريق إلا ثويني العبد الله، فإنه هو الأسد الذي يحميها من العجم، مكررا بذلك طموح جده في مُلك العراق).

* ثارت ثائرة المملوك التركي سليمان باشا الكبير حين سمع بخبر المضبطة المرفوعة إلى الباب العالي، وخشي خشية شديدة من أن تستجيب السلطات في الإستانة لنداء الثوار الثلاثة وتحقق لهم مطلبهم، وهو يعرف أن قيام ثورة عربية موحدة معناه تهديد حكم المماليك في العراق، وتقويض سلطتهم نهائيا، بل قد يتعرض الحكم التركي برمته إلى الزوال في العراق، ... لذلك عمل الوالي بسرعة ونشاط وخبث ولجأ إلى سلاح الخديعة والوقيعة فعمل على تفرقة العرب أنفسهم واستعان بالأكراد لمحاربة العرب كما كان يستعين بالعرب لمحاربة الأكراد... لذلك أصدر أمره الى إبراهيم باشا الباباني متصرف ألوية كويسنجق وحرير وبابان (الذي عينه والي بغداد سليمان باشا متصرفا بدلا من محمود باشا بابان الذي قادر تمردا قبليا فاشلا سنة 1782هرب بعده الى بلاد فارس. ع.ل) ومتصرف درنة بتجنيد المتطوعين، فتألفت بذلك أضخم حملة عسكرية تشنها الحكومة على عشائر العراق وأبنائه الرافضين للحكم الأجنبي. وتسلم الوالي بنفسه قيادة الجيش وسار به نحو البصرة بحوالي عشرين ألف مقاتل.

تصدى مقاتلو قبيلة الخزاعل لجيش الحكومة المتجه نحو الجنوب في الفرت الأوسط وأبدوا مقاومة باسلة وألحقوا به خسائر فادحة ولكنهم لم يستطيعوا الصمود بوجه جيش الحكومة حتى النهاية بسبب ما كان لديه من الأسلحة الحديثة والأعداد الضخمة من الجنود فتراجع الشيخ حمد بن حمود الخزعلي بقواته إلى الجنوب لينظم إلى قوات حليفيه ثويني والشاوي في المنتفك فنظم هؤلاء قواتهم من جديد ووحدوها وقسموها الى خيالة ومشاة وساروا لملاقاة جيش الوالي.

* التقى الجيشان في منطقة تدعى "أم الحنطة" وحدثت معركة رهيبة اشترك الوالي نفسه بالقتال المستميت الذي يتقرر فيه مصير حكمه وحكم المماليك في العراق بنتيجتها. وحاربت القوات العربية بشجاعة وضراوة نادرتين. وأنزلت إلى الميدان في موجة واحدة حوالي عشرة آلاف فارس مسلح يؤازرهم مثلهم من المشاة واستمر القتال سجالا طوال يوم الرابع من محرم سنة 1202 هـ حتى مالت كفة الحرب لمصلحة جيش الوالي وتراجعت جيوش الانتفاضة العربية بعد أن قدمت ثلاثة آلاف شهيد من الفرسان وعدد كبير من المشاة. وبنى المماليك من جماجم شهداء عرب المنتفك ثلاث منارات. ولكن القادة الثلاثة استطاعوا النجاة بعد أن ظلوا يديرون دفة القتال بأنفسهم حتى نهاية المعركة.

* هكذا انتهت انتفاضة جريئة رائدة قامت وسط أعتى حكم أجنبي عرفه العراق، اتسم بالظلم والفساد، وتبدد حلم كبير كان يراود العراقيين بالخلاص من الحكم الأجنبي منذ دخول المغول سنة 565 هـ /1258م، كان من الممكن أن تبدأ به فترة حكم عربي واستقلال ذاتي يتطور بعدها الى استقلال تام...وبقي أملا يراود العراقيين بثورة عربية أخرى ضد الحكم الأجنبي إلا أنها تأخرت ولم تتحقق بالشكل والصورة ذاتها إلا بعد قرن ونصف القرن من الزمان وذلك في ثورة العشرين ضد الاحتلال الإنكليزي في العراق.

استنتاجات سريعة من هذه الدراسة على امل العودة إليها مستقبلا بشيء من التفصيل:

1- انعدام التصنيف والانتماءات الطائفية "الشيعية والسنية" للثوار من أبناء العشائر الشمالية والجنوبية تماما وبالمطلق.

2- طغيان الهدف الاستقلالي العروبي على كل ما عداه من أهداف وطموحات قصيرة المدى أو ذات طبيعة شخصية لبعض قادتها والتي بقيت في الخلف.

3- البسالة والعبقرية العسكرية الشعبية لدى قيادات ومقاتلي الثوار القبليين واستعمالهم لتكتيكات الانسحاب والمناورة والالتحام والتحكم بميدان المعارك.

4- تأكيد وتجذر الكيانية العراقية العربية ضمن نمط الحياة القبلي ضمن (مجتمع الديرة المشاعية المسلحة) السائد آنذاك، بسيطرة الثوار على معظم الجغرافية العراقية حيث اتسع ميدان المعارك من نهر الخابور شمالا وحتى المنتفك والبصرة جنوبا. إن هذا الحدث، بهذه الجغرافيا السياسية، يدحض كل أنواع الهراء التنظيري الاستشراقي الاستعماري المعاصر الذي يكرره الإمعات الليبراليون العراقيون والذي ينفي وجود هذه الكيانية العراقية ويكرر أسطوانته المملة عن اختراع تشرشل للعراق من ثلاثة حقول نفطية في الموصل وبغداد -التي بالمناسبة لا يوجد فيها بئر نفط واحد - والبصرة، وتؤكد أنها كانت واقعا قائما في عراق القرن الثامن عشر.

5- كانت الكلمة الفصل والأخيرة في هذه الحرب الطاحنة للأسلحة الحديثة في الجانب الحكومي المملوكي التركي رغم بسالة وضراوة المقاتلين القبليين العرب العراقيين.

 

علاء اللامي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5091 المصادف: 2020-08-13 11:17:35